Полный текст (3 926 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
وَمَا فتح بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدِي أغلب مَا فِي الْكتاب وَلَيْسَ فِي الْكتاب للفلاسفة مدْخل وَلم يصنفه إِلَّا بعد مَا ازدرى علومهم وَنهى عَن النّظر فِي كتبهمْ وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك فِي غير مَوضِع من الْإِحْيَاء
ثمَّ فِي كتاب المنقذ من الضلال مَا نَصه ثمَّ إِنِّي لما ابتدأت بعد الْفَرَاغ من علم الْكَلَام بِعلم الفلسفة وَعلمت يَقِينا أَنه لَا يقف على فَسَاد نوع من الْعُلُوم من لَا يقف على مُنْتَهى ذَلِك الْعلم حَتَّى يُسَاوِي أعلمهم فِي أصل الْعلم ثمَّ يزِيد عَلَيْهِ ويجاوز دَرَجَته فَيطلع على مَا لم يطلع عَلَيْهِ صَاحب الْعلم من غور وغائلة فَإذْ ذَاك يُمكن أَن يكون مَا يَدعِيهِ من فَسَاده حَقًا وَلم أر أحدا من عُلَمَاء الْإِسْلَام وَجه عنايته إِلَى ذَلِك وَلم يكن فِي كتب الْمُتَكَلِّمين من كَلَامهم حَيْثُ اشتغلوا بِالرَّدِّ عَلَيْهِم إِلَّا كَلِمَات معقدة مبددة ظَاهِرَة النتاقض وَالْفساد وَلَا يظنّ الِاعْتِرَاف بهَا عَاقل عَامي فضلا عَمَّن يَدعِي دقائق الْعُلُوم
فَعلمت أَن رد هَذَا الْمَذْهَب قبل فهمه والاطلاع على كنهه يَرْمِي فِي عماية فشمرت عَن سَاق الْجد فِي تَحْصِيل ذَلِك الْعلم من الْكتب بِمُجَرَّد المطالعة من غير استعانة بأستاذ وَتعلم
فَأَقْبَلت على ذَلِك فِي أَوْقَات فراغي من التدريس والتصنيف فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَأَنا مهتم بالتدريس والإفادة لبل غلَّة نفر من الطّلبَة بِبَغْدَاد فأطلعني الله تَعَالَى
стр. 2172
بِمُجَرَّد المطالعة فِي هَذِه الْأَوْقَات على مُنْتَهى علومهم فِي أقل من سنتَيْن
ثمَّ لم أزل أواظب على التفكر فِيهِ بعد فهمه قَرِيبا من سنة أعاوده وأراودوه وأتفقد غوائله وأغواره حَتَّى اطَّلَعت على مَا فِيهِ من خداع وتلبيس وَتَحْقِيق وتحيل اطلاعا لم أَشك فِيهِ
فاسمع الْآن حكايتي وحكاية حَاصِل علومهم فَإِنِّي رَأَيْت أصنافا وَرَأَيْت علومهم أقساما وهم على كَثْرَة أصنافهم تلزمهم وجهة الْكفْر والإلحاد وَإِن كَانَ بَين القدماء مِنْهُم والأقدمين والأواخر مِنْهُم والأوائل تفَاوت عَظِيم فِي الْبعد عَن الْحق والقرب مِنْهُ
انْتهى
وَقَالَ بعده فصل فِي بَيَان أصنافهم وشمول سمة الْكفْر كافتهم
واندفع فِي ذَلِك
فَهَذَا رجل يُنَادي على كَافَّة الفلاسفة بالْكفْر وَله فِي الرَّد عَلَيْهِم الْكتب الفائقة وَفِي الذب عَن حَرِيم الْإِسْلَام الْكَلِمَات الرائقة ثمَّ يُقَال إِنَّه بني كِتَابه على نالتهم فيا لله وَيَا للْمُسلمين نَعُوذ بِاللَّه من تعصب يحمل على الوقيعة فِي أَئِمَّة الدّين
وَأما مَا عَابَ بِهِ الْإِحْيَاء من توهنه بعض الْأَحَادِيث فالغزالي مَعْرُوف بِأَنَّهُ لم تكن لَهُ فِي الحَدِيث يَد باسطة وَعَامة مَا فِي الْإِحْيَاء من الْأَخْبَار والْآثَار مبدد فِي كتب من سبقه من الصُّوفِيَّة وَالْفُقَهَاء وَلم يسند الرجل لحَدِيث وَاحِد وَقد اعتنى بتخريج أَحَادِيث الاحياء بعض أَصْحَابنَا فَلم يشذ عَنهُ إِلَّا الْيَسِير
وسأذكر جملَة من أَحَادِيثه الشاذة استفادة
стр. 2173
وَأما مَا ذَكرُوهُ فِي بعض قصّ الْأَظْفَار فَالْأَمْر الْمشَار إِلَيْهِ يروي عَن عَليّ كرم الله وَجهه غير أَنه لم يثبت وَلَيْسَ فِي ذَلِك كَبِير أَمر وَلَا مُخَالفَة شرع وَقد سَمِعت جمَاعَة من الْفُقَرَاء يذكرُونَ أَنهم جربوه فوجدوه لَا يخطىء من داومة أَمن من وجع الْعين
ويروون من شعر عَليّ كرم الله وَجهه هَذَا
(أبدا بيمناك وبالخنصر ... فِي قصّ أظفارك واستبصر)
(وَاخْتِمْ بسبابتها هَكَذَا ... لَا تفعل فِي الرجل ولاتمتر)
(وابدا ليسراك بإبهامها ... والأصبع الْوُسْطَى وبالخنصر)
(وَيتبع الْخِنْصر سبابة ... بنصرها خَاتِمَة الْأَيْسَر)
(هَذَا أَمَان لَك قد حُزْته ... من رمد الْعين كَمَا قد قرى)
وَأما قَول الْمَازرِيّ عَادَة المتورعين أَن لَا يَقُولُوا قَالَ مَالك إِلَى آخِره فَلَيْسَ مَا قَالَ الْغَزالِيّ قَالَ سَوَّلَ الله ﷺ على سَبِيل الْجَزْم وَإِنَّمَا يَقُول عزو بِتَقْدِير الْجَزْم فَلَو لم يغلب على ظَنّه لم يقلهُ وغايته أَنه لَيْسَ الْأَمر على مَا ظن
وسنعقد فضلا للأحاديث الْمُنكرَة فِي كتاب الْإِحْيَاء
وَأما مَسْأَلَة من مَاتَ وَلم يعلم قدم الْبَارِي فَفرق بَين عدم اعْتِقَاد بالقدم واعتقاد أَن لَا قدم وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أَجمعُوا على تكفيره من اعتقده
فَمن استحضر بذهنه صفة الْقدَم ونفاها عَن الْبَارِي وأوجبهَا منفية أوشك فِي انتفائها كَانَ كَافِرًا
وَأما الساذج فِي مَسْأَلَة الْقدَم الْخَالِي الْخُلُو الْمُؤمن بِاللَّه على الْجُمْلَة
стр. 2174
فَهُوَ الَّذِي ادّعى الْغَزالِيّ الْإِجْمَاع على أَنه مُؤمن على الْجُمْلَة نَاجٍ من حَيْثُ مُطلق الْإِيمَان الْجملِي
وَمن البلية الْعُظْمَى والمصيبة الْكُبْرَى أَن يُقَال عَن مثل الْغَزالِيّ إِنَّه غير موثوق بنقله فَمَا أَدْرِي مَا أَقُول وَلَا بِأَنِّي يلقى الله يعْتَقد ذَلِك فِي هَذَا الإِمَام
وَأما تَقْسِيم الْمَازرِيّ فِي الْعلم الَّذِي أَشَارَ حجَّة الْإِسْلَام أَنه لَا يودع فِي كتاب فوددت لَو لم يذكرهُ فَإِنَّهُ شبه عَلَيْهِ
وَهَذَا الْمَازرِيّ كَانَ رجلا فَاضلا ركنا ذكيا وَمَا كنت أَحْسبهُ يَقع فِي مثل هَذَا أَو خَفِي عَلَيْهِ أَن للعلوم دقائق نهى الْعلمَاء عَن الإفصاح بهَا خشيَة على ضعفاء الْخلق وَأُمُور أخر لاتحيط بهَا الْعبارَات وَلَا يعرفهَا إِلَّا أهل الذَّوْق وَأُمُور أخر لم يَأْذَن الله فِي إظهارها لحكم تكْثر عَن الإحصاء
وماذا يَقُول الْمَازرِيّ فِيمَا خرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي الطُّفَيْل سَمِعت عليا ﵁ يَقُول حدثوا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ أتحبون أَن يكذب الله وَرَسُوله
وَكم مَسْأَلَة نَص الْعلمَاء عَن عدم الإفصاح بهَا خشيَة على إفضاح من لَا يفهمها
وَهَذَا إمامنا الشَّافِعِي ﵁ يَقُول إِن الْأَجِير الْمُشْتَرك لَا يضمن
قَالَ الرّبيع وَكَانَ لَا يبوح بِهِ خوفًا من أجِير السوء
قَالَ الرّبيع أَيْضا وَكَانَ الشَّافِعِي ﵁ يذهب إِلَى أَن القَاضِي يقْضِي بِعِلْمِهِ وَكَانَ لَا يبوح بِهِ مَخَافَة قُضَاة السوء
стр. 2175
فقد لَاحَ لَك بِهَذَا أَنه رُبمَا وَقع السُّكُوت عَن بعض الْعلم خشيَة من الْوُقُوع فِي مَحْذُور وَمثل ذَلِك يكثر
وَأما كَلَام الطرطوشي فَمن الدعاوي الْعَارِية عَن الْأَدِلَّة وَمَا أَدْرِي كَيفَ استجار فِي دينه أَن ينْسب هَذَا الحبر إِلَى أَنه دخل فِي وسواس الشَّيْطَان وَلَا من أَيْن أطلع على ذَلِك وَأما قَوْله شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج فَلَا أَدْرِي أَي رموز فِي هَذَا الْكتاب غير إشارات الْقَوْم الَّتِي لَا ينكرها عَارِف وَلَيْسَ للحلاج رموز يعرف بهَا
وَأما قَوْله كَاد يَنْسَلِخ من الدّين فيالها كلمة وقانا الله شَرها
وَأما دَعْوَاهُ أَنه غير أنيس بعلوم الصُّوفِيَّة فَمن الْكَلَام الْبَارِد فَإِنَّهُ لَا يرتاب ذُو نظر بِأَن الْغَزالِيّ كَانَ ذَا قدم راسخ فِي التصوف وليت شعري إِن لم يكن الْغَزالِيّ يدْرِي التصوف فَمن يدريه
وَأما دَعْوَاهُ أَنه سقط على أم رَأسه فوقيعة فِي الْعلمَاء يُغير دلَالَة فَإِنَّهُ لم يذكر لنا بِمَاذَا سقط
كَفاهُ الله وإيانا غائلة التعصب
وَأما الموضوعات فِي كِتَابه فليت شعري أهوَ واضعها حَتَّى يُنكر عَلَيْهِ إِن هَذَا إِلَّا تعصب بَارِد وتشنيع بِمَا لَا يرتضيه ناقد
وَلَقَد ماجوا فِي هَذَا الْإِحْيَاء الَّذِي لَا يَنْبَغِي لعالم أَن يُنكر مكانته فِي الْحسن والإفادة وَلَقَد قَالَ بعض الْمُحَقِّقين لَو لم يكن للنَّاس فِي الْكتب الَّتِي صنفها الْفُقَهَاء الجامعون فِي تصانيفهم بَين النَّقْل وَالنَّظَر والفكر والأثر غَيره لكفى
стр. 2176
وَهُوَ من الْكتب الَّتِي يَنْبَغِي للْمُسلمين الاعتناء بهَا وإشاعتها ليهتدي بهَا كثير من الْخلق وقلما ينظر فِيهِ نَاظرا إِلَّا وتيقظ بِهِ فِي الْحَال رزقنا الله بَصِيرَة ترينا وَجه الصَّوَاب ووقانا شَرّ مَا هُوَ بَيْننَا وَبَينه حجاب
وللشيخ تَقِيّ الدّين ابْن الصّلاح فِي حق الْغَزالِيّ كَلَام لَا نرتضيه ذكره على الْمنطق تكلمنا عَلَيْهِ فِي أَوَائِل شرحنا للمختصر لِابْنِ الْحَاجِب
وَكتب إِلَى مرّة الخافظ عفيف الدّين المطري الْمُقِيم بِمَدِينَة سيدنَا رَسُول الله ﷺ كتابا سَأَلَني أَن أسَال الشَّيْخ الإِمَام رَأْيه فَذكرت لَهُ ذَلِك فَكتب إِلَيّ الْجَواب بِمَا نَصه الْحَمد لله
الْوَلَد عبد الْوَهَّاب بَارك الله فِيهِ
وقفت على مَا ذكرت مِمَّا سَأَلَ عَنهُ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْقدْوَة عفيف الدّين المطري نفع الله بِهِ فِي تَرْجَمَة الْغَزالِيّ وَأبي حَيَّان التوحيدي وَمَا ذكرته أَنْت فِي الطَّبَقَات فِي تَرْجَمَة التوحيدي وَمَا عِنْدِي فِيهِ أَكثر من ذَلِك فتكتبه لَهُ وَكَذَلِكَ الْغَزالِيّ مَا عِنْدِي فِيهِ زِيَادَة على مَا ذكره ابْن عَسَاكِر وَغَيره مِمَّن تَرْجمهُ وماذا يَقُول الْإِنْسَان فِيهِ وفضله واسْمه قد طبق الأَرْض وَمن خبر كَلَامه عرف أَنه فَوق اسْمه
وَأما مَا ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن الصّلاح وَمَا ذكره من عِنْد نَفسه وَمن كَلَام يُوسُف الدِّمَشْقِي والمازري فَمَا أشبه هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة ﵏ إلابقوم متعبدين
стр. 2177
سليمَة قُلُوبهم قد ركنوا إِلَى الهوينا فَرَأَوْا فَارِسًا عَظِيما من الْمُسلمين قد رأى عدوا عَظِيما لأهل الْإِسْلَام فَحمل عَلَيْهِم وانغمس فِي صفوفهم وَمَا زَالَ فِي غمرتهم حَتَّى فل شوكتهم وكسرهم وَفرق جموعهم شذر بذر وفلق هام كَثِيرَة مِنْهُم فَأَصَابَهُ يسير من دِمَائِهِمْ وَعَاد سالما فرأوه وَهُوَ يغسل الدَّم عَنهُ ثمَّ دخل مَعَهم فِي صلَاتهم وعبادتهم فتوهموا أَيْضا أثر الدَّم عَلَيْهِ فأنكروا عَلَيْهِ
هَذَا حَال الْغَزالِيّ وحالهم وَالْكل إِن شَاءَ الله مجتمعون فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر
وَأما الْمَازرِيّ ... ... لِأَنَّهُ مغربي وَكَانَت المغاربة لما وَقع بهم كتاب الْإِحْيَاء لم يفهموه فحرفوه فَمن تِلْكَ الْحَالة تكلم الْمَازرِيّ
ثمَّ إِن المغاربة بعد ذَلِك أَقبلُوا عَلَيْهِ ومدحوه بقصائد مِنْهُ قصيدة
(أباحامد أَنْت الْمُخَصّص بِالْحَمْد ... وَأَنت الَّذِي علمتنا سنَن الرشد)
(وضعت لنا الْإِحْيَاء تحي نفوسنا ... وتنقدنا من ربقة المارد المردي)
وَهِي طَوِيلَة وَإِن كنت لَا أرتضي قَوْله أَنْت الْمُخَصّص بِالْحَمْد ويتأول لفاعليه أَنه من بَين أقرانه أَو من بَين من يتَكَلَّم فِيهِ
وَأَيْنَ نَحن من فَوْقنَا وفوقهم من فهم كَلَام الْغَزالِيّ أَو الْوُقُوف على مرتبته فِي الْعلم وَالدّين والتأله
وَلَا يُنكر فضل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وفقهه وَحَدِيثه وَدينه وقصده الْخَيْر وَلَكِن لكل عمل رجال
стр. 2178
وَلَا يُنكر علو مرتبَة الْمَازرِيّ وَلَكِن كل حَال لَا يعرفهُ من لم يذقه أَو يشرف عَلَيْهِ وكل أحد إِنَّمَا يتكيف بِمَا نَشأ عَلَيْهِ وَوصل إِلَيْهِ
وأمامن ذكر أَبَا بكر وَعمر ﵄ فِي هَذَا الْمقَام فَالله يوفقنا وأياه لفهم مقامهما على قَدرنَا وَأما على قدرهما فمستحيل بل وَسَائِر الصَّحَابَة لَا يصل أحد مِمَّن بعدهمْ إِلَى مرتبتهم لِأَن أَكثر الْعُلُوم الَّتِي نَحن نبحث وندأب فِيهَا اللَّيْل وَالنَّهَار حَاصِلَة عِنْدهم بِأَصْل الْخلقَة من اللُّغَة والنحو والتصريف وأصول الْفِقْه
مَا عِنْدهم من الْعُقُول الراجحة وَمَا أَفَاضَ الله عَلَيْهِم من نور النُّبُوَّة العاصم من الْخَطَأ فِي الْفِكر يُغني عَن الْمنطق وَغَيره من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة
وَمَا ألف الله بَين قُلُوبهم حَتَّى صَارُوا بنعمته أخوانا يُغني عَن الاستعداد للمناظرة والمجادلة فَلم يكن يَحْتَاجُونَ فِي علومهم إِلَّا إِلَى مايسمعونه من النَّبِي ﷺ من الْكتاب وَالسّنة فيفهمونه أحسن فهم ويحملونه على أحسن محمل وينزلونه مَنْزِلَته وَلَيْسَ بَينهم من يمارى فِيهِ وَلَا يُجَادِل وَلَا بِدعَة وَلَا ضَلَالَة
ثمَّ التابعون على مَنَازِلهمْ ومنوالهم قَرِيبا مِنْهُم ثمَّ أتباعهم وهم الْقُرُون الثَّلَاثَة الَّتِي شهد النَّبِي ﷺ لَهَا بِأَنَّهَا خير الْقُرُون بعده
ثمَّ نَشأ بعدهمْ وَكَانَ قَلِيلا فِي أثْنَاء الثَّانِي وَالثَّالِث أَصْحَاب بدع وضلالات فاحتاجت الْعلمَاء من أهل السّنة إِلَى مقاومتهم ومجادلتهم ومناظرتهم حَتَّى لَا يلبسوا على الضُّعَفَاء أَمر دينهم وَلَا يدخلُوا فِي الدّين مَا لَيْسَ مِنْهُ
وَدخل فِي الْكَلَام أهل الْبدع من كَلَام المنطقين وَغَيرهم من أهل الْإِلْحَاد شَيْء كثير ورتبوا علينا شبها كَثِيرَة فَإِن تركناهم وَمَا يصنعون استولوا على كثير من الضُّعَفَاء وعوام الْمُسلمين والقاصرين من فقهائهم وعلمائهم فأضلوهم وغيروا مَا عِنْدهم من الاعتقادات الصَّحِيحَة وانتشرت الْبدع والحوادث وَلم يُمكن كل وَاحِد أَن يقاومهم
стр. 2179
وَقد لَا يفهم كَلَامهم لعدم اشْتِغَاله بِهِ وَإِنَّمَا يرد الْكَلَام من يفهمهُ وَمَتى لم يرد عَلَيْهِ تعلو كَلمته ويعتقد الجهلاء والأمراء والملوك والمستولون على الرّعية صِحَة كَلَام ذَلِك المبتدع كَمَا اتّفق فِي كثير من الْأَعْصَار وَقصرت همم النَّاس عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ المتقدمون
فَكَانَ الوجب أَن يكون فِي النَّاس من يحفظ الله بِهِ عقائد عباده الصَّالِحين وَيدْفَع بِهِ شبه الْمُلْحِدِينَ وأجره أعظم من أجر الْمُجَاهِد بِكَثِير ويحفظ أجر بَقِيَّة النَّاس عبادات المتعبدين واشتغال الْفُقَهَاء والمحدثين والمقرئين والمفسرين وَانْقِطَاع الزاهدين
(لَا يعرف الشوق إِلَّا من يكابده ... وَلَا الصبابة إِلَّا من يعانيها)
واللائق بِابْن الصّلاح وَأَمْثَاله أَن يشْكر الله على مَا أنعم بِهِ من الْخَيْر وَمَا قيض الله لَهُ من الْغَزالِيّ وَأَمْثَاله الَّذين تقدموه حَتَّى حفظوا لَهُ مايتعبد بِهِ وَمَا يشْتَغل بِهِ
وَمَا يحْتَمل هَذَا الْموضع بسط القَوْل فِي ذَلِك
وَإِذا كَانَ فِي الْإِحْيَاء أَشْيَاء يسيرَة تنتقد لَا تدفع محَاسِن أَكْثَره الَّتِي لَا تُوجد فِي كتاب غَيره وَكم من مِنْهُ للغزالي وَسَوَاء عرف من أَخذ عَنهُ التصوف أم لَا فالاعتقادات هِيَ هبة من الله تَعَالَى وَلَيْسَت رِوَايَة انْتهى
وَمَا أَشرت إِلَيْهِ من كَلَام ابْن الصّلاح فِي الْغَزالِيّ هُوَ مَا ذكره فِي الطَّبَقَات من إِنْكَاره عَلَيْهِ الْمنطق وَقَوله فِي أول الْمُسْتَصْفى هَذِه مُقَدّمَة الْعُلُوم كلهَا وَمن لَا يُحِيط بهَا فَلَا ثِقَة بمعلومه أصلا
ثمَّ حكايته كَلَام الْمَازرِيّ وَقد أوردناه
стр. 2180
وَذكر ابْن الصّلاح أَن كتاب المضنون الْمَنْسُوب إِلَيْهِ معَاذ الله أَن يكون لَهُ وَبَين سَبَب كَونه مُخْتَلفا مَوْضُوعا عَلَيْهِ
وَالْأَمر كَمَا قَالَ وَقد اشْتَمَل المضنون على التَّصْرِيح بقدم الْعَالم وَنفى الْعلم الْقَدِيم بالجزئيات وَنفى الصِّفَات وكل وَاحِدَة من هَذِه يكفر الْغَزالِيّ قَائِلهَا هُوَ وَأهل السّنة أَجْمَعُونَ وَكَيف يتَصَوَّر أَنه يَقُولهَا
وَمِمَّا حكى واشتهر عَن الشَّيْخ الْعَارِف أبي الْحسن الشاذلي وَكَانَ سيد عصره وبركة زَمَانه أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي النّوم وَقد باهى ﵊ مُوسَى وَعِيسَى ﵉ بإلإمام الْغَزالِيّ
وَقَالَ أَفِي أمتيكما حبر كَهَذا
قَالَا لَا
وَسُئِلَ السَّيِّد الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه سيد وقته أَيْضا أَبُو الْعَبَّاس المرسي تلميذ الشَّيْخ أبي الْحسن عَن الْغَزالِيّ فَقَالَ أَنا أشهد لَهُ بالصديقية الْعُظْمَى
وَعَن الشَّيْخ الْكَبِير الْجَلِيل الْعَارِف بِاللَّه أوحد الْأَوْلِيَاء أبي الْعَبَّاس
стр. 2181
أَحْمد بن أبي الْخَيْر اليمني الْمَعْرُوف بالصياد وَهُوَ من أَوْلِيَاء الله بِبِلَاد الْيمن أرَاهُ فِي حُدُود الْخمسين والخمسمائة أَنه رأى فِي بعض الْأَيَّام وَهُوَ قَاعد أَبْوَاب السَّمَاء مفتحة وَإِذا بعصبة من الْمَلَائِكَة قد نزلُوا إِلَى الأَرْض وَمَعَهُمْ خلع خضر ودابة من الدَّوَابّ فوقفوا على رَأس قبرمن الْقُبُور وأخرجوا شخصا من قَبره وألبسوه الْخلْع وأركبوه على الدَّابَّة وصعدوا بِهِ إِلَى السَّمَاء ثمَّ لم يزَالُوا يصعدون بِهِ من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى جاوزا السَّبع السَّمَوَات كلهاوخرق بعْدهَا سبعين حِجَابا
قَالَ فتعجبت من ذَلِك وَأَرَدْت معرفَة ذَلِك الرَّاكِب فَقيل لي هُوَ الْغَزالِيّ وَلَا علم لي إِلَى أَيْن بلغ انتهاؤه
قلت فَإِذا كَانَ هَذَا كَلَام أهل الله ومرائيهم فِي هَذَا الحبر وَقد قدمنَا كَلَام أهل الْعلم من معاصريه فَمن بعدهمْ فِيهِ وَذكرنَا الْيَسِير من سيرته فَكيف يسوغ أَن يُقَال إِنَّه كَاد يَنْسَلِخ من الدّين
وَلَقَد وَقعت فِي بِلَاد الْمغرب بِسَبَب الْإِحْيَاء فتن كَثِيرَة وتعصب أُدي إِلَى أَنهم كَادُوا يحرقونه وَرُبمَا وَقع إحراق يسير وَقد قدمنَا من ذَلِك شَيْئا
ذكر مَنَام أبي الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن حرزهم
وَهُوَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن بن حرزهم بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا زَاي وَرُبمَا قيل ابْن حرازهم
стр. 2182
لماوقف على الْإِحْيَاء تَأمل فِيهِ ثمَّ قَالَ هَذَا بِدعَة مُخَالف للسّنة
وَكَانَ شَيخا مُطَاعًا فِي بِلَاد الْمغرب فَأمر بإحضار كل مَا فِيهَا من نسخ الْإِحْيَاء وَطلب من السُّلْطَان أَن يلْزم النَّاس بذلك فَكتب إِلَى النواحي وشدد فِي ذَلِك وتوعد من أخْفى شَيْئا مِنْهُ فأحضر النَّاس مَا عِنْدهم وَاجْتمعَ الْفُقَهَاء ونظروا فِيهِ ثمَّ أجمعوا على إحراقه يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس
فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْجُمُعَة رأى أَبُو الْحسن المذعور فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ دخل من بَاب الْجَامِع الَّذِي عَادَته يدْخل مِنْهُ فَرَأى فِي ركن الْمَسْجِد نورا وَإِذا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأبي بكر وَعمر ﵄ جُلُوس وَالْإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ قَائِم وَبِيَدِهِ الْإِحْيَاء فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذَا خصمي
ثمَّ جثا على رُكْبَتَيْهِ وزحف عَلَيْهِمَا إِلَى أَن وصل إِلَى النَّبِي ﷺ فَنَاوَلَهُ كتاب الْإِحْيَاء وَقَالَ يَا رَسُول الله انْظُر فِيهِ فَإِن كَانَ بِدعَة مُخَالفا لسنتك كَمَا زعم تبت إِلَى الله تَعَالَى وَإِن كَانَ شَيْئا تستحسنه حصل لي من بركتك فأنصفني من خصمي
فَنظر فِيهِ رَسُول الله ﷺ ورقة ورقة إِلَى آخِره ثمَّ قَالَ وَالله إِن هَذَا شَيْء حسن
ثمَّ نَاوَلَهُ أَبَا بكر فَنظر فِيهِ كَذَلِك ثمَّ قَالَ نعم وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ يَا رَسُول الله إِنَّه لحسن
ثمَّ نَاوَلَهُ عمر فَنظر فِيهِ كَذَلِك ثمَّ قَالَ كَمَا قَالَ أبوبكر
ثمَّ فَأمر النَّبِي ﷺ يتجريد أبي الْحسن من ثِيَابه وضربه حد المفترى
فَجرد وَضرب ثمَّ شفع فِيهِ أَبُو بكر بعد خَمْسَة أسواط وَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّمَا فعل هَذَا اجْتِهَادا فِي سنتك وتعظيما فَعَفَا عَنهُ أَبُو حَامِد عِنْد ذَلِك
стр. 2183
فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ من مَنَامه وَأصْبح أعلم أَصْحَابه بِمَا جرى وَمكث قَرِيبا من الشَّهْر متألما من الضَّرْب ثمَّ سكن عَنهُ الْأَلَم وَمكث إِلَى أَن مَاتَ وَأثر السِّيَاط على ظَهره وَصَارَ ينظر كتاب الْإِحْيَاء ويعظمه ويبجله أصلا أصلا
وَهَذَا حِكَايَة صحيحة حَكَاهَا لنا جمَاعَة من ثِقَات مشيختنا عَن الشَّيْخ الْعَارِف ولي الله ياقوت الشاذلي عَن شَيْخه السَّيِّد الْكَبِير ولي الله تَعَالَى أبي الْعَبَّاس المرسي عَن شَيْخه الشَّيْخ الْكَبِير ولي الله أبي الْحسن الشاذلي رَحِمهم الله تَعَالَى أَجْمَعِينَ
رِسَالَة الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام ﵁ الَّتِي كتبهَا إِلَى بعض أهل عصره
وَنَصهَا ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين
وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا الْمُرْسلين سيدنَا مُحَمَّد وَآله وصحبة أَجْمَعِينَ
أما بعد فقد انتسخ بيني وَبَين الشَّيْخ الْأَجَل مُعْتَمد الْملك أَمِين الدولة حرس الله تأييده بِوَاسِطَة القَاضِي الْجَلِيل الإِمَام مَرْوَان زَاده الله تَوْفِيقًا من الوداد وَحسن الِاعْتِقَاد مَا يجْرِي مجْرى الْقَرَابَة وَيَقْتَضِي دوَام الْمُكَاتبَة والمواصلة وَإِنِّي لَا أَصله بصلَة
стр. 2184
هِيَ أفضل من نصيحة توصله إِلَى الله وتقربه لرَبه زلفى وتحله الفردوس الْأَعْلَى
فالنصيحة هِيَ هَدِيَّة الْعلمَاء وَإنَّهُ لن يهدي إِلَى تحفة أكْرم من قبُوله لَهَا وإصغائه بقلب فارغ عَن ظلمات الدُّنْيَا إِلَيْهَا
وَإِنِّي أحذره إِذا ميزت عِنْد أَرْبَاب الْقُلُوب أَحْرَار النَّاس أَن يكون إِلَّا فِي زمرة الْكِرَام الأكياس فقد قيل لرَسُول الله ﷺ من أكْرم النَّاس
فَقَالَ (أَتْقَاهُم)
فَقيل من أَكيس النَّاس
فَقَالَ (أَكْثَرهم للْمَوْت ذكراو أَشَّدهم لَهُ اسْتِعْدَادًا)
وَقَالَ ﷺ (الْكيس من دَان نَفسه وَعمل لما بعد الْمَوْت والأحمق من أتبع نَفسه هَواهَا وَتمنى على الله الْمَغْفِرَة)
وَأَشد النَّاس غباوة وجهلا من تهمه أُمُور دُنْيَاهُ الَّتِي يختطفها عَنهُ الْمَوْت وَلَا يهمه أَن يعرف أَنه من أهل الْجنَّة أَو النَّار وَقد عرفه الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾
وَقَالَ ﴿فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ الْآيَة
وَقَالَ ﴿من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا﴾ إِلَى قَوْله ﴿وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾
стр. 2185
وَإِنِّي أوصيه أَن يصرف هَذَا المهم همته وَأَن يُحَاسب نَفسه قبل أَن يُحَاسب ويراقب سَرِيرَته وقصده وهمته وأفعاله وأقواله وإصداره وإيراده أَهِي مَقْصُورَة على مَا يقربهُ من الله تَعَالَى ويوصله إِلَى سَعَادَة الْأَبَد أَو هِيَ مصروفة إِلَى مَا يعمر دُنْيَاهُ ويصلحها لَهُ إصلاحا منغصا مشوبا بالكدورات مشحونا بالهموم والغموم ثمَّ يختمها بالشقاوة وَالْعِيَاذ بِاللَّه
فليفتح عَن بصيرته لتنظر نفس مَا قدمت لغد وليعلم أَنه لَا مُشفق وَلَا نَاظر لنَفسِهِ سواهُ
وليتدبر مَا هُوَ بصدده
فَإِن كَانَ مَشْغُولًا بعمارة ضَيْعَة فَلْينْظر كم من قُرَّة أهلكها الله تَعَالَى وَهِي ظالمة فَهِيَ خاوية على عروشها بعد عمارتها
وَإِن كَانَ مُقبلا على اسْتِخْرَاج مَاء وَعمارَة نهر فليفكر كم من بِئْر معطلة وَقصر مشيد بعد عمارتها
وَإِن كَانَ مهتما بتأسيس بِنَاء فَلْيتَأَمَّل كم من قُصُور مشيدة الْبُنيان محكمَة الْقَوَاعِد والأركان أظلمت بعد سكانها
وَإِن كَانَ معتنيا بعمارة الحدائق الْبَسَاتِين فليعتبر ﴿كم تركُوا من جنَّات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة﴾ الْآيَة وليقرأ قَوْله ﴿أَفَرَأَيْت إِن متعناهم سِنِين ثمَّ جَاءَهُم مَا كَانُوا يوعدون مَا أغْنى عَنْهُم مَا كَانُوا يمتعون﴾
стр. 2186
وَإِن كَانَ مشغوفا وَالْعِيَاذ بِاللَّه بِخِدْمَة سُلْطَان فليذكر مَا ورد فِي الْخَبَر أَنه يُنَادي مُنَاد يَوْم الْقِيَامَة أَيْن الظلمَة وأعوانهم فَلَا يبْقى أحد مِنْهُم مد لَهُم دَوَاة وبرى لَهُم قَلما فَمَا فَوق ذَلِك إِلَّا أحضروا فَيجْمَعُونَ فِي تَابُوت من نَار فيلقون فِي جَهَنَّم
وعَلى الْجُمْلَة فَالنَّاس كلهم إِلَّا من عصم الله نسوا الله فنسيهم وأعرضوا عَن التزود للآخرة وَأَقْبلُوا على طلب أَمريْن الجاه وَالْمَال فَإِن كَانَ هُوَ فِي طلب جاه ورياسة فليتذكر مَا ورد بِهِ الْخَبَر أَن الْأُمَرَاء يحشرون يَوْم الْقِيَامَة فِي صور الذَّر تَحت أَقْدَام النَّاس يطؤونهم بأقدامهم
وليقرأ مَا قَالَه تَعَالَى فِي كل متكبر جَبَّار
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (يكْتب الرجل جبارا وَمَا يملك إِلَّا أهل بَيته) أَي إِذا طلب الرياسة بَينهم وتكبر عَلَيْهِم وَقد قَالَ ﵇ (مَا ذئبان ضاريان أرسلا فِي زريبة غنم بِأَكْثَرَ فَسَادًا من حب الشّرف فِي دين الرجل الْمُسلم)
وَإِن كَانَ فِي طلب المَال وَجمعه فَلْيتَأَمَّل قَول عِيسَى ﵇ يَا معشر الحواريين الْعين مَسَرَّة فِي الدُّنْيَا مضرَّة فِي الْآخِرَة بِحَق أَقُول لَا يدْخل الْأَغْنِيَاء ملكوت السَّمَاء
وَقد قَالَ نَبيا ﷺ (يحْشر الْأَغْنِيَاء يَوْم الْقِيَامَة أَربع فرق رجل جمع مَالا من حرَام وأنفقه فِي حرَام فَيُقَال اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّار وَرجل جمع مَال من حرَام وأنفقه فِي حَلَال فَيُقَال اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّار
стр. 2187
وَرجل جمع مَالا من حَلَال وأنفقه فِي حرَام فَيُقَال اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّار وَرجل جمع مَالا من حَلَال وأنفقه فِي حَلَال فَيُقَال قفوا هَذَا واسألوه لَعَلَّه ضيع بِسَبَب غناهُ فِيمَا فرضناه عَلَيْهِ أوقصر فِي صلَاته أَو فِي وضوئها أَو فِي سجودها أَو خشوعها أَو ضيع شَيْئا من فرض الزَّكَاة وَالْحج فَيَقُول الرجل جمعت المَال من حَلَال وأنفقته فِي حَلَال وَمَا صنيعت شَيْئا من حُدُود الْفَرَائِض بل أتيتها بِتَمَامِهَا قيقال لَعَلَّك باهيت واختلت فِي شَيْء من ثِيَابك فَيَقُول يارب مَا باهيت بِمَالي وَلَا اختلت فِي ثِيَابِي فَيُقَال لَعَلَّك فرطت فِيمَا أمرناك من صلَة الرَّحِم وَحقّ الْجِيرَان وَالْمَسَاكِين وَقصرت فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير والتفضيل وَالتَّعْدِيل ويحيط هَؤُلَاءِ بِهِ فَيَقُولُونَ رَبنَا أغنيته بَين أظهرنَا وأحوجتنا إِلَيْهِ فقصر فِي حَقنا فَإِن ظهر تَقْصِير ذهب بِهِ إِلَى النَّار وَإِلَّا قيل لَهُ قف هَات الْآن شكر كل نعْمَة وكل شربة وكل أَكلَة وكل لَذَّة فَلَا يزَال يسْأَل وَيسْأل)
فَهَذِهِ حَال الْأَغْنِيَاء الصَّالِحين المصلحين القائمين بِحُقُوق الله تَعَالَى أَن يطول وقوفهم فِي العرصات فَكيف حَال المفرطين المنهمكين فِي الْحَرَام والشبهات والمكاثرين بِهِ
стр. 2188
المتنعمين بشهواتهم الَّذين قيل فيهم ﴿أَلْهَاكُم التكاثر حَتَّى زرتم الْمَقَابِر﴾
فَهَذِهِ المطالب الْفَاسِدَة هِيَ الَّتِي استولت على قُلُوب الْخلق فسخرها للشَّيْطَان وَجعلهَا ضحكة لَهُ فَعَلَيهِ وعَلى كل مُسْتَمر فِي عَدَاوَة نَفسه أَن يتَعَلَّم علاج هَذَا الْمَرَض الَّذِي حل بالقلوب
فعلاج مرض الْقلب أهم من علاج مرض الْأَبدَان وَلَا ينجو إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم
وَله دواءان أَحدهمَا مُلَازمَة ذكر الْمَوْت وَطول التَّأَمُّل فِيهِ مَعَ الِاعْتِبَار بخاتمة الْمُلُوك وأرباب الدُّنْيَا أَنهم كَيفَ جمعُوا كثيرا وبنوا قصورا وفرحوا بالدنيا بطرا وغرورا فَصَارَت قصورهم قبورا وَأصْبح جمعهم هباء منثورا ﴿وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا﴾ ﴿أولم يهد لَهُم كم أهلكنا من قبلهم من الْقُرُون يَمْشُونَ فِي مساكنهم إِن فِي ذَلِك لآيَات أَفلا يسمعُونَ﴾ فقصورهم وأملاكهم ومساكنهم صوامت ناطقة تشهد بِلِسَان حَالهَا على غرور عمالها
فَانْظُر الْآن فِي جَمِيعهم ﴿هَل تحس مِنْهُم من أحد أَو تسمع لَهُم ركزا﴾
الدَّوَاء الثَّانِي تدبر كتاب الله تَعَالَى فَفِيهِ شِفَاء وَرَحْمَة للْعَالمين
وَقد أوصى رَسُول الله ﷺ بملازمة هذَيْن الواعظين فَقَالَ (تركت فِيكُم واعظين صامتا وناطقا والصامت الْمَوْت والناطق الْقُرْآن)
стр. 2189
وَقد أصبح أَكثر النَّاس أَمْوَاتًا عَن كتاب الله تَعَالَى وَإِن كَانُوا أَحيَاء فِي مَعَايشهمْ وبكما عَن كتاب الله تَعَالَى وَإِن كَانُوا يتلونه بألسنتهم وصما عَن سَمَاعه وَإِن كَانُوا يسمعونه بآذانهم وعميا عَن عجائبه وَإِن كَانُوا ينظرُونَ إِلَيْهِ فِي صحائفهم ومصاحفهم نائمين عَن أسراره وَإِن كَانُوا يشرحونه عَن تفاسيرهم
فاحذر أَن تكون مِنْهُم وتدبر أَمرك وَأمر من لم يتدبر كَيفَ يقوم ويحشر وَانْظُر فِي أَمرك وَأمر من لم ينظر فِي أَمر نَفسه كَيفَ خَابَ عِنْد الْمَوْت وخسر واتعظ بِآيَة وَاحِدَة من كتاب الله فَفِيهِ مقنع وبلاغ لكل ذِي بَصِيرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تلهكم أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم عَن ذكر الله وَمن يفعل ذَلِك فَأُولَئِك هم الخاسرون﴾ إِلَى آخرهَا
وَإِيَّاك ثمَّ إياك أَن تشتغل بِجمع المَال فَإِن فرحك بِهِ ينسيك أَمر الْآخِرَة وَينْزع حلاوة الْإِيمَان من قَلْبك
قَالَ عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه لَا تنظروا إِلَى أَمْوَال أهل الدُّنْيَا فَإِن بريق أَمْوَالهم يذهب بحلاوة إيمَانكُمْ
وَهَذِه ثَمَرَة مُجَرّد النّظر فَكيف عَاقِبَة الْجمع والطغيان وَالنَّظَر وَأما القَاضِي الْجَلِيل الإِمَام مَرْوَان أَكثر الله فِي أهل الْعلم أَمْثَاله فَهُوَ قُرَّة الْعين وَقد جمع بَين الفضلين الْعلم وَالتَّقوى وَلَكِن الإستتمام بالدوام وَلَا يتم الدَّوَام إِلَّا بمساعدة
стр. 2190
من جِهَته ومعاونة لَهُ عَلَيْهِ فِيمَا يزِيد فِي رغبته وَمن أنعم الله عَلَيْهِ بِمثل هَذَا الْوَلَد النجيب فَيَنْبَغِي أَن يَتَّخِذهُ ذخْرا للآخرة ووسيلة عِنْد الله تَعَالَى وَأَن يسْعَى فِي فرَاغ قلبه لعبادة الله تَعَالَى وَلَا يقطع عَلَيْهِ الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى
وَأول الطَّرِيق إِلَى الله طلب الْحَلَال والقناعة بِقدر الْقُوت من المَال وسلوك سَبِيل التَّوَاضُع والخمول والنزوع عَن رعونات أهل الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ مصائد الشَّيْطَان
هَذَا مَعَ الْهَرَب عَن مخالطه الْأُمَرَاء والسلاطين فَفِي الْخَبَر إِن الْفُقَهَاء أُمَنَاء الله مَا لم يدخلُوا فِي الدُّنْيَا فَإِذا دخلوها فاتهموهم على دينكُمْ
وَهَذِه أُمُور قد هداه الله إِلَيْهَا ويسرها عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَن يمده ببركة الرِّضَا ويمده بِالدُّعَاءِ فدعاء الْوَالِد أعظم ذخْرا وعدة فِي الْآخِرَة وَالْأولَى
وَيَنْبَغِي أَن أَن تَقْتَضِي بِهِ فِيمَا يؤثره من النُّزُوع عَن الدُّنْيَا
فَالْوَلَد وَإِن كَانَ فرعا فَرُبمَا صَار بمزيد الْعلم أصلا وَلذَلِك قَالَ إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿يَا أَبَت إِنِّي قد جَاءَنِي من الْعلم مَا لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا﴾
وليجتهد أَن يجْبر تَقْصِيره فِي الْقِيَامَة بتوقيره وَلَده الَّذِي هُوَ فلذة كبده فأعظم حسرة أهل النَّار فقدهم فِي الْقِيَامَة حميما يشفع لَهُم قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْم هَا هُنَا حميم﴾
стр. 2191
أسَال الله أَن يصغر فِي عينه الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ صَغِيرَة عِنْد الله وَأَن يعظم فِي عينه الَّذِي هُوَ عَظِيم عِنْد الله وَأَن يوفقنا وإياه لمرضاته ويحله الفردوس الْأَعْلَى من جناته بمنه وفضله وَكَرمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمن الْفَتَاوَى عَن حجَّة الْإِسْلَام
غير مَا تضمنته فَتَاوِيهِ الْمَجْمُوعَة الْمَشْهُورَة
كتب لَهُ بعض الزائغين مَا قَوْله متع الله الْمُسلمين بِبَقَائِهِ ونفع الطالبين بمشاهدته ولقائه ومنحه الله أفضل مَا منح بِهِ خاصته من أصفيائه وأوليائه فِي قلب خصّه الْحق سُبْحَانَهُ بأنواع من الطّرف والهدايا ومنح أصنافا من الْأَنْوَار والعطايا يسْتَمر لَهُ ذَلِك فِي جَمِيع الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال متزايدة مَعَ عدم الْعَوَائِق والآفات مَعَ كَون ظَاهِرَة معمورا بِأَحْكَام الشَّرْع وآدابه منزها عَن مآثمه ومخالفاته ويجد فِي الْبَاطِن مكاشفات وأنوارا عَجِيبَة
ثمَّ إِنَّه انْكَشَفَ لَهُ نوع تَعْرِيف أَن الْمَقْصُود من التكاليف الشَّرْعِيَّة والرياضيات التأديبية هُوَ الْفِطَام عَمَّا سوى الْحق كَمَا قيل لمُوسَى أخل قَلْبك فَإِنِّي أُرِيد أَن أنزل فِيهِ
فَإِذا تمّ الْفِطَام وَحصل الْمَقْصُود بالوصول إِلَى الْقرْبَة ودوام الترقى من غير فَتْرَة حَتَّى إِنَّه لَو اشْتغل بوظائف الشَّرْع وظواهره انْقَطع عَن حفظ الْبَاطِن وتشوش عَلَيْهِ بالالتفات عَن أَنْوَاع الواردات الْبَاطِنَة إِلَى مُرَاعَاة أَمر الظَّاهِر
стр. 2192
وَهَذَا الرجل لَا ينْزع يَده من التَّكْلِيف الظَّاهِر وَلَا يقصر فِي أَحْكَام الشَّرِيعَة لَكِن الِاعْتِقَاد الَّذِي كَانَ لَهُ فِي الظَّوَاهِر والتكاليف تناقص وتقاصر عَمَّا كَانَ فِي الِابْتِدَاء من التَّعْظِيم لموقعها عِنْده وَلكنه يُبَاشِرهَا ويواظب عَلَيْهَا عَادَة لَا لأجل الْخلق نظرهم وَحفظ ومراقبة إنكارهم بل صَارَت إلفا لَهُ وَإِن نقص اعْتِقَاده فِيهَا وتعظيمها مَا حكمهَا ثمَّ إِن عرضت لهَذَا شُبْهَة أَن الْمَقْصُود من الدَّاعِي والدعوة حُصُول الْمعرفَة والقربة وَإِذا حصل هَذَا اسْتغنى عَن الدَّاعِي والواسطة كَيفَ معالجته فَإِن قُلْنَا الْمعرفَة لَا تتناهى أبدا بل تقبل الزِّيَادَة أبدا فَلَا يسْتَغْنى عَن الدَّاعِي أبدا لَا محَالة فَرُبمَا قَالَ الدَّاعِي قد تبين مَا احْتِيجَ إِلَى بَيَانه وَشرح معالم الطّرق وَذهب فَلَو احْتَاجَ السالك إِلَى مُرَاجعَته فِي زَوَائِد واردت لم تمكن الْمُرَاجَعَة فِي هَذِه الْحَالة فَيَقُول مَا هُوَ طَبِيب علتي فِي هَذِه الْحَالة لِأَنَّهُ غَابَ عَن إِمْكَان الْمُرَاجَعَة فَمَا علاجه ينعم بِالْجَوَابِ مُسْتَوفى حسب مَا عود من شافي بَيَانه
الْجَواب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق يَنْبَغِي أَن يتَحَقَّق المريد هُنَا أَن من ظن أَن الْمَقْصُود من التكاليف والتعبد بالفرائض الْفِطَام عَمَّا سوى الله تَعَالَى والتجرد لَهُ فَهُوَ مُصِيب فِي ظَنّه أَن ذَلِك مَقْصُود ومخطىء فِي
стр. 2193
ظَنّه أَنه كل الْمَقْصُود وَلَا مَقْصُود سواهُ بل لله تَعَالَى فِي الْفَرَائِض الَّتِي استعبد بهَا الْخلق أسرار سوى الْفِطَام تقصر بضَاعَة الْعقل عَن دركها
وَمثل هَذَا الرجل المنخدع بِهَذَا الظَّن مثل رجل بنى لَهُ أَبوهُ قصرا على رَأس جبل وَوضع فِيهِ شدَّة من حشيش طيب الرَّائِحَة وأكد الْوَصِيَّة على وَلَده مرّة بعد أُخْرَى أَن لَا يخلي هَذَا الْقصر عَن هَذَا الْحَشِيش طول عمره وَقَالَ إياك أَن تسكن هَذَا الْقصر سَاعَة من ليل أَو نَهَار إِلَّا وَهَذَا الْحَشِيش فِيهِ
فزرع الْوَلَد حول الْقصر أنواعا من الرياحين وجلب من الْبر وَالْبَحْر أوقارا من الْعود والعنبر والمسك وَجمع فِي قصره جَمِيع ذَلِك مَعَ شدات كَثِيرَة من الرياحين الطّيبَة الرَّائِحَة فانغمرت رَائِحَة الْحَشِيش لما فاحت هَذِه الروائح فَقَالَ لَا أَشك أَن وَالِدي مَا أَوْصَانِي بِحِفْظ هَذَا الْحَشِيش إِلَّا لطيب رَائِحَته والآن قد اسْتَغْنَيْت بِهَذِهِ الرياحين عَن رَائِحَته فَلَا فَائِدَة فِيهِ الْآن إِلَّا أَن يضيق على الْمَكَان فَرمي من الْقصر
فَلَمَّا خلا الْقصر عَن الْحَشِيش ظهر من بعض ثقب الْقصر حَيَّة هائلة وضربته ضَرْبَة أشرف بهَا على الْهَلَاك فتفطن وتنبه حَيْثُ لم يَنْفَعهُ التنبه أَن الْحَشِيش كَانَ من خاصيته دفع هَذِه الْحَيَّة الْمهْلكَة
وَكَانَ لِأَبِيهِ فِي الْوَصِيَّة بالحشيش غرضان أَحدهمَا انْتِفَاع الْوَلَد برائحته وَذَلِكَ قد أدْركهُ الْوَلَد بعقله وَالثَّانِي اندفاع الْحَيَّات الْمهْلكَة برائحته وَذَلِكَ مِمَّا قصر عَن دركه
стр. 2194
بَصِيرَة الْوَلَد فاغتر الْوَلَد بِمَا عِنْده من الْعلم وَظن أَنه لَا سر وَرَاء معلومه ومعقوله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك مبلغهم من الْعلم﴾ وَقَالَ ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم﴾
والمغرور من اغْترَّ بعقله فَظن أَن مَا هُوَ مُنْتَفٍ عَن علمه فَهُوَ مُنْتَفٍ فِي نَفسه
وَلَقَد عرف أهل الْكَمَال أَن قالب الْآدَمِيّ كَذَلِك الْقصر وَأَنه معشش حيات وعقارب مهلكات وَإِنَّمَا رقيتها وقيدها بطرِيق الخاصية المكتوبات الْمَشْرُوعَة بقوله سُبْحَانَهُ ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾
فَكَمَا أَن الْكَلِمَات الملفوظة والمكتوبة فِي الرّقية تُؤثر بالخاصية فِي اسْتِخْرَاج الْحَيَّات بل فِي استسخار الْجِنّ وَالشَّيَاطِين وَبَعض الْأَدْعِيَة الْمَنْظُومَة المأثورة تُؤثر فِي استمالة الْمَلَائِكَة إِلَى السَّعْي فِي إِجَابَة الدَّاعِي وَيقصر الْعقل عَن إِدْرَاك كيفيته وخاصيته وَإِنَّمَا يدْرك ذَلِك بِقُوَّة النُّبُوَّة إِذا كوشف النَّبِي بهَا من اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَكَذَلِك صُورَة الصَّلَاة الْمُشْتَملَة على رُكُوع وَاحِد وسجودين وَعدد مَخْصُوص وألفاظ معينه من الْقُرْآن متلوه مُخْتَلفَة الْمَقَادِير عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَعند الزَّوَال والغروب تُؤثر بالخاصية فِي تسكين التنين المستكن فِي قالب الْآدَمِيّ الَّذِي يتشعب مِنْهُ حيات كَثِيرَة الرُّءُوس بعد أَخْلَاق الْآدَمِيّ يلدغه وينهشه فِي الْقَبْر مُتَمَكنًا من جَوْهَر الرّوح وذاته أَشد إيلاما من لدغ مُتَمَكن من القالب أَولا
стр. 2195
ثمَّ يسري أَثَره إِلَى الرّوح وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله ﷺ (يُسَلط على الْكَافِر فِي قَبره تنين لَهُ تِسْعَة وَتسْعُونَ رَأْسا صفته كَذَا وَكَذَا) الحَدِيث
وَيكثر مثل هَذَا التنين فِي خلقَة الْآدَمِيّ وَلَا يقمعه إِلَّا الْفَرَائِض الْمَكْتُوبَة فَهِيَ المنجيات عَن المهلكات وَهِي أَنْوَاع كَثِيرَة بِعَدَد الْأَخْلَاق المذمومة ﴿وَمَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ﴾
فَإِذن فِي التَّكْلِيف غرضان أدْرك هَذَا الْمَغْرُور أَحدهمَا وغفل عَن الآخر
وَقد وَقع لأبي حنيفَة مثل هَذَا الظَّن فِي الفقهيات فَقَالَ أوجب الله فِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة وَقصد بِهِ إِزَالَة الْفقر وَالشَّاة آلَة فِي الْإِزَالَة فَإِذا حصل بِمَال آخر فقد حصل تَمام الْمَقْصُود
فَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ صدقت فِي قَوْلك إِن هَذَا مَقْصُود وَركبت متن الْخطر فِي حكمك بِأَنَّهُ لَا مَقْصُود سواهُ فَبِمَ تأمن أَن يُقَال لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كَانَ لنا سر فِي إشراك الْغَنِيّ الْفَقِير مَعَ نَفسه فِي جنس مَاله كَمَا كَانَ فِي رمي سَبْعَة أَحْجَار فِي الْحَج لَو رمى بدله خَمْسَة لآل أَو خمس سَكَرَات لم يقبله
وَإِذا جَازَ أَن يتمحض التَّقْيِيد فِي الْحَج وَأَن يتمحض الْمَعْنى الْمَعْقُول فِي معاملات الْخلق فَلم يَسْتَحِيل أَن يجمع الْمَعْقُول وَالتَّقْيِيد جَمِيعًا فِي الزَّكَاة فَتكون إِزَالَة الْفقر معقولة والسر الآخر غير مَعْقُول
وَزَاد أَبُو حنيفَة على هَذَا فَقَالَ الْمَقْصُود من كلمة التَّكْبِير الثَّنَاء على الله تَعَالَى بالكبرياء فَلَا فرق بَينه وَبَين تَرْجَمته بِكُل لِسَان وَبَين قَوْله الله أعظم
стр. 2196
فَقَالَ الشَّافِعِي وَبِمَ علمت أَنه لَا فرق فِي صِفَات الله بَين العظمة والكبرياء مَعَ أَنه تَعَالَى يَقُول العظمة إزَارِي والكبرياء رِدَائي والرداء أشرف من الْإِزَار وهلا استنبطت مَقْصُود الخضوع من الرُّكُوع وأقمت مقَامه السُّجُود لِأَنَّهُ أبلغ مِنْهُ فِي الاستكانة
فَإِن قلت لَعَلَّ لله تَعَالَى سرا فِي الرُّكُوع خَاصَّة سوى مَا فهمناه فَلم يَسْتَحِيل أَن يكون لَهُ سر فِي كلمة السَّلَام فَلَا يقوم مقَامه الحَدِيث وكل خطاب للآدمي وَأَن يكون لَهُ سر فِي الْقُرْآن المعجز فَلَا يقوم مقَامه غَيره وَقد أَقَامَ التَّرْجَمَة مقَامه وَأَن يكون لَهُ سر فِي الْفَاتِحَة وَقد أَقَامَ مقَامهَا سَائِر الْقُرْآن
فَإِن كَانَ يَقُول الْمَقْصُود مَعَاني الْقُرْآن وتأثر الْقلب لَا حُرُوفه وأصواته فَإِنَّهَا آلَات فَهَلا قَالَ وَالْمَقْصُود من حَرَكَة اللِّسَان تأثر الْقلب فلتكف الْقِرَاءَة بِالْقَلْبِ دون اللِّسَان وَالْمَقْصُود من الصَّلَاة التَّوَاضُع والتعظيم وملازمة ذكر الله فليكف الْجُلُوس مَعَ الله تَعَالَى على هَيْئَة الإجلال وَالذكر وليترك صُورَة الصَّلَاة
وَجَمِيع مَا ذكره أَبُو حنيفَة بُطْلَانه مظنون غير مَقْطُوع
أما إِقَامَة الْقِرَاءَة بِالْقَلْبِ مَعَ ترك حَرَكَة اللِّسَان وملازمة الذّكر مَعَ ترك الرُّكُوع وَالسُّجُود وَصُورَة الصَّلَاة مَقْطُوع ببطلانها بِالْإِجْمَاع
وَهَذَا الْمَغْرُور انجر بِهِ ذَلِك الخيال الضَّعِيف إِلَى خرق الْإِجْمَاع وَمُخَالفَة الشَّرْع الْقَاطِع
стр. 2197
فَإِذا المبتدىء فِي الْمعرفَة يجرد الْمعَانِي عَن الصُّور ويطرح الصُّور فيطفىء نور مَعْرفَته نور ورعه فيثور عَلَيْهِ التنين فِي قَبره فيتعجب مِنْهُ ويبدو لَهُ من الله مَا لم يكم يحْتَسب فَإِذا أَصَابَته ضَرْبَة التنين قَالَ مَا هَذَا
فَيُقَال إِنَّمَا كَانَ ترياق هَذَا التِّين صور الْفَرَائِض الْمَكْتُوبَة
وإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِمَا يرْوى إِن الْمَيِّت يوضع فِي قَبره فَتَأْتِيه مَلَائِكَة الْعَذَاب من جِهَة رَأسه فيدفعه الْقُرْآن فَتَأْتِيه من قبل رجلَيْهِ فيدفعه الْحَج الحَدِيث
فَإِن أصر هَذَا الْمَغْرُور على جهالته وَقَالَ من بلغ رُتْبَة الْكَمَال كَمَا بلغت أَمن هَذَا التنين وطهر بَاطِنه عَنهُ
فَيُقَال لَهُ أَنْت مغرور فِي أمنك ﴿فَلَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون﴾ فَبِمَ تأمن أَن يكون التنين مستكنا فِي صميم الْفُؤَاد استكنان الْجَمْر تَحت الرماد واستكنان النَّار فِي الزِّنَاد وَإِن مَاتَ فَيَعُود حَيا فَإِن منبته ومنبعه هَذَا القالب الَّذِي هُوَ ظَنّه الشَّهَوَات وَالصِّفَات البشرية وَقلع الْحَشِيش من الأَرْض لَا يُؤمن عوده مرّة أُخْرَى بِأَن يَتَجَدَّد نَبَاته مهما كَانَت الأَرْض معرضة لانصباب المَاء إِلَيْهَا من منابعها فَكَذَلِك القالب مَا دَامَ مصبا لواردات المحسوسات والشهوات لم يُؤمن فِيهَا عود النَّبَات بعد الِانْقِطَاع والانبتات
وننبهه على هَذِه الْمعرفَة والتأمل فِي ثَلَاثَة أُمُور الأول بداية حَال إِبْلِيس وَأَنه كَيفَ وصف بِأَنَّهُ كَانَ معلم الْمَلَائِكَة ثمَّ سقط
стр. 2198
عَن دَرَجَة الْكَمَال بمخالفة أَمر وَاحِد اغترار بِمَا عِنْده من الْعلم والغفلة عَن أسرار الله تَعَالَى فِي الاستبعاد وَلم يسْقط عَن دَرَجَته إِلَّا بكياسته وتمسكه بمعقوله فِي كَونه خيرا من آدم ﵇ فنبه الْخلق بِهَذَا الرَّمْز على أَن البلاهة أدنى إِلَى الْخَلَاص من فطانة بتراء وكياسة نَاقِصَة
الثَّانِي حَال آدم ﵇ وَأَنه لم يخرج من الْجنَّة إِلَّا بركوبه نهيا وَاحِدًا ليعلم أَن ركُوب النَّهْي فِي إبِْطَال إِكْمَال كمخالفة
الْأَمر الثَّالِث حَال رَسُول الله ﷺ فَإِن هَذَا الْمَغْرُور لَعَلَّه لم تسلم لَهُ رُتْبَة الْكَمَال ثمَّ إِنَّه ﷺ لم يزل يلازم الْحُدُود ويواظب على المكتوبات إِلَى آخر أنفاسه بل زيد فِي فَرَائِضه وَأوجب عَلَيْهِ التَّهَجُّد وَلم يُوجب على غَيره وَقيل لَهُ ﴿يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا نصفه أَو انقص مِنْهُ قَلِيلا﴾
وَإِنَّمَا أوجبت عَلَيْهِ هَذِه الزِّيَادَة لِأَن الخزانة كلما ازْدَادَ جوهرها نفاسة وشرفا فَيَنْبَغِي أَن يُزَاد حصنها إحكاما وعلوا فَلذَلِك قيل لَهُ فِي تَعْلِيل إِيجَاب التَّهَجُّد ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا إِن ناشئة اللَّيْل هِيَ أَشد وطأ وأقوم قيلا﴾
فَتبين لَهُ أَن هَذِه الصَّلَوَات هِيَ حصن الْكَمَال فَلَا يبقي إِلَّا بِهِ
وَلَعَلَّ هَذَا الْمَغْرُور الْمَعْتُوه يَقُول إِنَّه إِنَّمَا كَانَ يواظب عَلَيْهِ أشفاقا على الْخلق لأجل الِاقْتِدَاء لَا لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ فِي حفظ الْكَمَال
стр. 2199
فَيُقَال لَهُ فَلم زَاد عَلَيْهِ فِي التَّهَجُّد وجوبا هلا قَالَ إِن من بلغ دَرَجَة النُّبُوَّة يسْتَغْنى عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ غَيره وَلَو قَالَ لقبل مِنْهُ كَمَا قبل مِنْهُ أَنه أحل لَهُ تِسْعَة من النِّسَاء بل مَا شَاءَ فَإِنَّهُ بِقُوَّة النُّبُوَّة يقوى على الْعدْل مَعَ كَثْرَة النِّسَاء كَمَا قبل من الْمدرس أَن يَأْمر تلامذته بالتكرار السهر لَيْلًا وَهُوَ ينَام وَيَقُول إِنِّي قد بلغت دَرَجَة اسْتَغْنَيْت عَن ذَلِك وَلَيْسَ يتْرك أحد تكراره بِهَذِهِ الشُّبْهَة
وَلَعَلَّ هَذَا الْمَغْرُور إِذا صَار ضحكة للشَّيْطَان سخر مِنْهُ وَقَالَ لَهُ أَنْت أكمل من النَّبِي وَالصديق وكل من واظب على الْفَرَائِض وَعند هَذَا نقطع الطمع من صَلَاحه فَهُوَ مِمَّن قَالَ فيهم ﴿وَإِن تَدعهُمْ إِلَى الْهدى فَلَنْ يهتدوا إِذا أبدا﴾
مَسْأَلَة
أما مَا ذكره من أَنه لَو اشْتغل بالتكاليف لشغله ذَلِك عَن الْقرْبَة الَّتِي نالها والكمال الَّذِي بلغه فَهُوَ كذب صَرِيح ومحال فَاحش قَبِيح لِأَن التكاليف قِسْمَانِ أَمر وَنهي
فَأَما المنهيات مثل الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْقَتْل وَالضَّرْب والغيبة وَالْكذب وَالْقَذْف فَترك ذَلِك كَيفَ يشغل عَن الْكَمَال وَكَيف يحجب عَن الْقرْبَة وَأي كَمَال يكون مَوْقُوفا على ركُوب هَذِه القاذورات
стр. 2200
وَأما المأمورات فكالزكاة وَالصَّوْم وَالصَّلَاة فَكيف تحجبه الزَّكَاة وَلَو أنْفق جَمِيع مَاله فقد دفع الشواغل عَن نَفسه وَلَو صَامَ جَمِيع دهره فَهَل يفوتهُ بذلك إِلَّا سلطنة الشَّهْوَة فَمَا الَّذِي يفوت من الْكَمَال بترك الْأكل صخوة النَّهَار فِي شهر وَاحِد هُوَ رَمَضَان وَأما الصَّلَاة فتنقسم إِلَى أَفعَال وأذكار وأفعاله قيام وركوع وَسُجُود وَلَا شكّ فِي أَنه لَا يخرج من الْقرْبَة بالأفعال الْمُعْتَادَة فَإِنَّهُ إِن لم يصل فسيكون إِمَّا قَائِما أَو قَاعِدا أَو مُضْطَجعا وَغير الْمُعْتَاد هُوَ السُّجُود وَالرُّكُوع وَكَيف يحجب عَن الْقرْبَة مَا هُوَ سَبَب الْقرْبَة قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ ﴿واسجد واقترب﴾
وَمن عشق ملكا ذَا جمال فَإِذا وضع خَدّه على التُّرَاب بَين يَدَيْهِ استكانة لَهُ وجد فِي قلبه مزِيد روح وراحة وَقرب وَلذَلِك قَالَ ﷺ (وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة)
فاستدامه حَال الْقرْبَة واستزادتها فِي السُّجُود وأيسر مِنْهُ فِي الِاضْطِجَاع وَالْقعُود وَمهما ألقِي فِي قلبه أَن السُّجُود سَبَب حرمانه عَن الْقرب كَانَ ذَلِك أنموذجا من حَال إِبْلِيس حَيْثُ ألقِي فِي نَفسه أَن السُّجُود بِحكم الْأَمر سَبَب زَوَال قربته وكماله فَكل ولي سقط من دَرَجَة الْقرْبَة إِلَى دَرَجَة اللَّعْنَة فسببه ترك السُّجُود ومقتداه وإمامه إِبْلِيس وكل ولي أسعد بالترقي إِلَى دَرَجَات الْقرب قيل لَهُ اسجد واقترب ومقتداه وإمامه الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 2201
مح حفظ طَرِيقه وألحانه بل يجد من نَفسه فِي ذَلِك هزة ونشاطا فَكيف لَا تكون قُرَّة عين العَبْد فِي مُنَاجَاة محبوبة وخدمته الَّتِي رسمها وارتضاها لَهُ
مَسْأَلَة
بل معنى ارْتِفَاع التَّكْلِيف من الْوَلِيّ أَن العباده تصير قُرَّة عينه وغذاء روحه بِحَيْثُ لَا يصبر عَنهُ فَلَا يكون عَلَيْهِ كلفة فِيهِ وَهُوَ كَالصَّبِيِّ يُكَلف حُضُور الْمكتب وَيحمل على ذَلِك قهرا فَإِذا أنس بِالْعلمِ صَار ذَلِك ألذ الْأَشْيَاء عِنْده وَلم يصبر عَنهُ فَلم يكن فِيهِ كلفة وتكليف الجائع تنَاول الطَّعَام اللذيد محَال لِأَنَّهُ يَأْكُلهُ بشهوته ويلتذ بِهِ فَأَي معنى لتكليفه فَإِذا تَكْلِيف الْوَلِيّ محَال والتكليف مُرْتَفع عَن الْوَلِيّ بِهَذَا الْمَعْنى لَا بِمَعْنى أَنه لَا يَصُوم وَلَا يُصَلِّي وَيشْرب ويزني
وكما يَسْتَحِيل تَكْلِيف العاشق النّظر إِلَى معشوقه وتقبيل قَدَمَيْهِ والتواضع لَهُ لِأَن ذَلِك مُنْتَهى لذته وشهوته فَكَذَلِك غذَاء روح الْوَلِيّ فِي مُلَازمَة ذكره وامتثال أمره والتواضع لَهُ بِقَلْبِه لَا يُمكنهُ إشراك القالب مَعَ الْقلب فِي الخضوع إِلَّا بِصُورَة السُّجُود فَيكون ذَلِك كمالا للذة الخضوع والتعظيم حَتَّى يشْتَرك فِي الالتذاذ قلبه وقالبه كَمَا قيل
(أَلا فاسقني ضمرا وَقل لي هِيَ الْخمر ... أَي ليدرك سَمْعِي لَذَّة اسْمه كَمَا أدْرك ذوقي طعمه)
стр. 2202
بل تَنْتَهِي لَذَّة الْوَلِيّ من الْقيام لله قَانِتًا مناجيا إِلَى أَن لَا يدْرك ألم الورم فِي الْقدَم فَيُقَال لَهُ ألم يغْفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر
فَيَقُول أَفلا أكون عبدا شكُورًا
مَسْأَلَة
أما قَوْلك إِنَّه إِذا تكلّف الْمُوَاظبَة على الْعِبَادَات الْمَشْرُوعَة وَقد تغير اعْتِقَاده فِيهَا وَسقط وقعها من قلبه فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك
فَاعْلَم أَنه لَو لم يعْتَقد أَنه لَا فرق بَين وجودهَا وَعدمهَا فِي حفظ دَرَجَة الْكَمَال والقرب أَو دفع مهلكات الْبَاطِن وَجوز أَن يكون لله تَعَالَى سر فِيهَا لَيْسَ يطلع عَلَيْهِ هُوَ فعبادته صَحِيحَة
وَإِن اعْتقد أَنه لَا فرق بَين وجوده وَعَدَمه وَأَنه لَا يتَصَوَّر أَن يكون تَحت خاصيته سر هُوَ لَا يطلع عَلَيْهِ فعبادته بَاطِلَة بل إيمَانه بالإلهية والنبوة مختل بَاطِل فَإِنَّهُ إِذا لم يجوز فِي كَمَال قدرَة الله تَعَالَى بِعَيْنِه سرا من الْأَسْرَار وخاصيته من الْخَواص فِي الْأَعْمَال والأذكار فَلَيْسَ مُؤمنا بِكَمَال الْقُدْرَة وَيرى الْقُدْرَة قَاصِرَة على قدر عقله وَهُوَ كفر صَرِيح
وَإِن جوز ذَلِك وَلَكِن اعْتقد أَنه لم يُكَلف بِهِ فَهُوَ كَافِر بِالنُّبُوَّةِ جَاهِل بِمَا علم
стр. 2203
بِالضَّرُورَةِ من الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ ﷺ بلغ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ وَفهم الصَّحَابَة وَأهل الْإِجْمَاع وجوب الصَّلَاة على الْعُمُوم من غير اسْتثِْنَاء
فَإِن شكّ فِي إِيجَاب الرَّسُول فَلْيتَأَمَّل الْقُرْآن وَالْأَخْبَار وَإِن شكّ أَن فِي قدرَة الله تَعَالَى على نَفسه سرا فِي الْأَعْمَال والأذكار تكون الْفَرِيضَة لأَجله كالحصن لدرجة الْكَمَال وكالحراسة عَن المهلكات الْبَاطِنَة فَليرْجع إِلَى نَفسه وليطالبها أَنَّهَا عرفت اسْتِحَالَة ذَلِك بضرورة الْعقل أَو نظره وَأَنه كَيفَ يعْتَقد ذَلِك وَيرى فِي عجائب صنع الله تَعَالَى مَا هُوَ أبدع مِنْهُ حَتَّى إِن هَذَا الشكل الْمُشْتَمل كل ضلع مِنْهُ على خَمْسَة عشر عددا من حِسَاب الْجمل إِذا أثبت رقومه على خزف لم يصبهُ المَاء بِشَرْط مَخْصُوص وَأعْطِي الْمَرْأَة الَّتِي تعسر عَلَيْهَا الْولادَة عِنْد الطلق سهلت عَلَيْهَا الْولادَة وَعرف ذَلِك بالتجربة وَأَنه يُؤثر بخاصية تقصر عقول الْأَوَّلين والآخرين عَن إِدْرَاك وَجه مناسبته وَيكثر مثل هَذَا فِي عجائب الْخَواص
стр. 2204
فَمن أَيْن يَسْتَحِيل أَن يكون لنظم الْكَلِمَات الإلهية فِي الْفَاتِحَة مَعَ الْجمع بَين أَعمال جَمِيع الْمَلَائِكَة من الْقيام وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَالْقعُود فَإِن كل وَاحِد عمل صنف وَاحِد من الْمَلَائِكَة خاصية فِي النجَاة الأخروية أَو فِي حفظ دَرَجَة الْكَمَال والقرب أَو دفع المهلكات الْبَاطِنَة الَّتِي تلدغ فِي الْقلب لدغا أَشد من لدغ الْحَيَّات والعقارب أَو مُؤثر فِي سَعَادَة الْآدَمِيّ بِوَجْه آخر من الْوُجُوه يقصر الْعقل عَن إِدْرَاكه فَمن لم يُؤمن بِإِمْكَان هَذَا فَهُوَ عديم الْإِيمَان وَالْعقل جَمِيعًا
مَسْأَلَة
أما قَوْله الْمَقْصُود الْمعرفَة والاستواء على طَرِيق السّير إِلَى الله تَعَالَى فقد اسْتَوَى هَذَا السالك على الطَّرِيق وَعرف الله تَعَالَى وَكَانَ التَّكْلِيف وَسِيلَة الْوُصُول لَهُ إِلَى هَذَا الْمَقْصُود وَقد وصل وَاسْتغْنى عَن الْوَسِيلَة والمرشد وَإِن احْتَاجَ فقد توفّي المرشد وَتعذر مُرَاجعَته
فَهَذَا أَيْضا يفهم جَوَابه مِمَّا سبق لِأَن جَمِيع ذَلِك صادر عَن ظَنّه أَن مَا لَيْسَ حَاصِلا فِي علمه فَلَيْسَ حَاصِلا فِي نَفسه وَهُوَ كعجوز ظنت أَن مَا تخلوا عَنهُ حُجْرَتهَا تَخْلُو عَنهُ خزانَة الْملك ومملكته وكنملة ظنت أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم إِلَّا سقف بَيتهَا وَلَا أَرض إِلَّا عَرصَة بَيتهَا وَهَذَا جهل عَظِيم فَإِن جَمِيع مَا وصل إِلَيْهِ الْأَوْلِيَاء بِالْإِضَافَة إِلَى مقدورات الله تَعَالَى أقل من قَطْرَة فِي بَحر
وَإِن سلم لَهُ وُصُول دَرَجَة الْكَمَال فَيجوز أَن تكون صُورَة الصَّلَوَات الْخمس بطرِيق الخاصية سَببا للترقي إِلَى دَرَجَات الْكَمَال الَّتِي لَا نِهَايَة لَهَا أَو يكون سَببا
стр. 2205
لبَقَاء الْكَمَال ودوامه أَو يكون سَببا لرسوخه حَتَّى لَا يتزلزل فِي سَكَرَات الْمَوْت فَإِن لم يواظب عَلَيْهَا فعساه يودعه الْكَمَال عِنْد الْمَوْت وَيُقَال لَهُ إِنَّه إِنَّمَا كَانَ يثبت هَذَا إِذا عصفت ريَاح الْمَوْت بالمسامير الْخمس الَّتِي هِيَ المكتوبات وَكَانَ يستحكم بهَا فَلَمَّا خلا عَن المسامير تزعزع وَانْقطع فقد خبت وخسرت إِذا فرحت بِمَا عنْدك من الْعلم وسيقال لكم يَوْم الْقِيَامَة معاشر أهل الْإِبَاحَة ﴿مَا سلككم فِي سقر﴾ فسيقولون ﴿لم نك من الْمُصَلِّين﴾
فعلاج هَذَا الْمَغْرُور الضَّعِيف الْعقل الْمَرِيض الْقلب أَن يتَأَمَّل هَذِه الْأُمُور وَيجوز الْخَطَأ على نَفسه
وَالسَّلَام
وَمن غرائب الْمسَائِل عَن حجَّة الْإِسْلَام
إِذا قَالَ من رد عَبدِي فَلهُ دِرْهَم قبله بَطل كَمَا إِذا قَالَ إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر فلفلان على دِرْهَم لَا يَصح لِأَن التَّعْلِيق إِنَّمَا يكون للاستحقاق بِعَمَل مَقْصُود هُوَ عوض الدِّرْهَم والموجب لَا يتَقَدَّم على الْمُوجب والمتقدم على الْعَمَل زمَان وَالزَّمَان لَا يصلح لِأَن يعلق بِهِ اسْتِحْقَاق المَال
قَالَه الْغَزالِيّ فِي كتاب علم الْغَوْر فِي دراية الدّور
إِذا قَالَت الْمُطلقَة انْقَضتْ عدتي
وَقَبلنَا قَوْلهَا ثمَّ أَتَت بِولد لزمان يحْتَمل أَن يكون الْعلُوق بِهِ فِي النِّكَاح لحق النّسَب إِلَّا إِذا تزوجت وَاحْتمل أَن يكون من الثَّانِي
стр. 2206
فَلَو قَالَت نكحت زوجا آخر
وَلم يظْهر لنا قَالَ الْغَزالِيّ فِي كتاب التحصين فَلَا نَص فِيهِ وَفِيه احْتِمَال وَنظر مذهبي
انْتهى
إِذا قَالَ الزَّوْج لامْرَأَته أحللت أختك لي
وَنوى الطَّلَاق
فَهَل يَقع وَيكون هَذَا اللَّفْظ كِنَايَة عَن طَلاقهَا لِأَن حل أُخْتهَا يتَضَمَّن تَحْرِيمهَا الْمُؤَذّن بِطَلَاقِهَا
قَالَ الْغَزالِيّ فِي التحصين فِي مَسْأَلَة أَنا مِنْك طَالِق هَذِه الْمَسْأَلَة غير منصوصة وَإِنَّمَا وَلَدهَا الخاطر
ثمَّ ذكر مَا حَاصله التَّرَدُّد فِي أَنَّهَا هَل تلْحق بقوله اعْتدى لِأَن الْعدة حل شَرْعِي وَكَذَلِكَ حل الْأُخْت أَو يفرق بَينهمَا بِأَن دلَالَة الْعدة على الطَّلَاق أظهر من حل الْأُخْت لغلبته وحضوره فِي الذِّهْن
يلْزم الْمُسَافِر أَن يَشْتَرِي المَاء للطَّهَارَة بِثمن الْمثل
وَقيل ثمن الْمثل هُوَ مؤاجرة نَقله إِلَى مَوضِع الشِّرَاء أخذا من أَن المَاء لَا يملك بعد الْحَوْز فِي الْإِنَاء وَهُوَ بعيد جدا لَا يعرف إِلَّا فِي النِّهَايَة
وَالْغَزالِيّ ذهب إِلَيْهِ فِي كتبه وَادّعى أَنه جَار وإِن قُلْنَا المَاء مَمْلُوك فأبعد وَزَاد فِي الْبعد
قَالَ الرَّافِعِيّ وَلم أر من رَجحه غَيره
стр. 2207
صَلَاة فِي جمَاعَة بِلَا خشوع وَفِي انْفِرَاد بخشوع
سُئِلَ الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى عَمَّن يتَحَقَّق من نَفسه أَنه يخشع فِي صلَاته إِذا كَانَ مُنْفَردا وَإِن صلى فِي جمَاعَة تشتتت همته وَلم يُمكنهُ الْخُشُوع مَا الأولى
فَأجَاب ﵀ بِأَن الِانْفِرَاد حِينَئِذٍ أولى وَأَصَح لحَدِيث يُصَلِّي العَبْد وَلَا يكْتب لَهُ من الصَّلَاة عشرهَا
قَالَ وَفضل رَسُول الله ﷺ صَلَاة الْجَمَاعَة على الِانْفِرَاد بِسبع وَعشْرين دَرَجَة فَكَأَنَّهُ لَو خضع فِي صَلَاة الْجَمَاعَة فِي لَحْظَة كَمَا لَو خضع فِي الانفرد فِي سبع وَعشْرين لَحْظَة فَإِن كَانَت نِسْبَة خضوعه فِي الْجَمَاعَة إِلَى خضوعه مُنْفَردا أقل من نِسْبَة وَاحِدَة إِلَى سَبْعَة وَعشْرين فالانفراد أولى وَإِن كَانَ أَكثر من ذَلِك فالجماعة أولى
انْتهى مُلَخصا
وسلك الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام هَذَا المسلك فَأفْتى فِيمَن إِذا حضر الْجَمَاعَة مرائيا أَن الِانْفِرَاد لَهُ أولى
وَهَذَانِ الإمامان إِذا عرض عَلَيْهِمَا حَدِيث ابْن مَسْعُود وَلَقَد رَأَيْتنَا فِي عهد رَسُول الله ﷺ وَمَا يتَخَلَّف عَنْهَا يَعْنِي الْجَمَاعَة إِلَّا مُنَافِق مَعْلُوم النِّفَاق وَلَقَد كَانَ يُؤْتى بِالرجلِ يهادي بَين اثْنَيْنِ حِين يُقَام فِي الصَّفّ
الحَدِيث
أوشك أَن يَقُولَا إِنَّه لم يكن فِي السّلف من تذْهب الْجَمَاعَة حُضُوره وخشوعه وخضوعه بِخِلَاف الْمَسْئُول عَنهُ فَمَا الْمَسْأَلَة الْمَسْئُول عَنْهَا بواقعة فِي السّلف
стр. 2208
وَأَنا أَقُول مَعَ ذَلِك الَّذِي يظْهر أَن حُضُور الْجَمَاعَة أفضل مُطلقًا وبركتها تربي على ذهَاب الْخُشُوع الَّذِي حصل للسَّائِل وَالزَّمَان الَّذِي ذكره الْغَزالِيّ ﵀ لاعْتِبَار الموازنة أبعد عَن الْحُضُور من زمَان الْجَمَاعَة فَأن يشْتَغل بِالْجَمَاعَة خير لَهُ من أَن يشْتَغل بِاعْتِبَار هَذِه الموازنة وَمُجَرَّد تردده فِي أَنه هَل يحصل لَهُ من الْخُشُوع فِي الْجَمَاعَة مَا يحصل فِي الِانْفِرَاد نوع من الْخُشُوع وَالْجَمَاعَة بِكُل سَبِيل أولى
ثمَّ هَذَا الَّذِي قَالَه الْغَزالِيّ مَعَ كَونه غير مُسلم فِي حق وَاحِد من الْآحَاد يتَّفق لَهُ ذَلِك فِي بعض الْأَحَايِين أما جمع كثير يتفقون على ذَلِك أَو وَاحِد يتْرك الْجَمَاعَة دَائِما مُعْتَلًّا بِهَذِهِ الْعلَّة فَلَا يسمع مِنْهُم وَلَا مِنْهُ وَلَا تتْرك سنة رَسُول الله ﷺ الَّتِي افترضها قوم وَشَرطهَا آخَرُونَ لصِحَّة الصَّلَاة لمثل هَذِه الخيالات وَلَا يفتح لإبليس هَذَا الْبَاب بل الْبركَة كل الْبركَة فِي الِاتِّبَاع ومجاهدة النَّفس على الْخُشُوع فَإِن يَأْتِ فبها ونعمت وَإِلَّا فَترك الْخُشُوع لمتابعة السّنة خشوع خير من الْخُشُوع الْحَاصِل مَعَ الِانْفِرَاد فَتَأمل ذَلِك فَهُوَ حسن دَقِيق
وَحَاصِله أَن السّنة وَإِن وَقعت نَاقِصَة وَهِي الْجَمَاعَة بِلَا خشوع خير من لَا سنة بِالْكُلِّيَّةِ وَإِن وَقع فِيهَا سنة أُخْرَى وَهِي الْخُشُوع
وَقد أغري بعض محبي الْخلْوَة بترك الْجَمَاعَة لمثل ذَلِك وَذَلِكَ عندنَا أَمر مُنكر بل خُرُوجه إِلَى الْجَمَاعَة وَإِن كَانَ سنة سَاعَة خير لَهُ من ألف سَاعَة مَعَ ترك السّنة
стр. 2209
وَلَا يَنْبَغِي أَن يتَوَهَّم الْوَلِيّ الْخَلَاص عَن خداع إِبْلِيس مادام فِي هَذِه الْحَيَاة بل لَا ينجو عَنهُ الْأَنْبِيَاء حَتَّى أجري على لِسَانه ﷺ تِلْكَ الغرانيق الْعلَا وَإِن شفاعتهن لترتجى) لَكِن النَّبِي لَا يُقرر على الْخَطَأ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته فَينْسَخ الله مَا يلقِي الشَّيْطَان ثمَّ يحكم الله آيَاته﴾ الْآيَة
وَأما أذكار الصَّلَاة فتكبير وفاتحة وَتشهد لَا فَرِيضَة إِلَّا هَذَا فَمَا وَجه الضَّرُورَة فِي قَوْله الله أكبر وَفِي الْحَمد لله والالتجاء إِلَيْهِ والاستعانة وَطلب الْهِدَايَة إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَهَذَا مَضْمُون الْفَاتِحَة وكل ذَلِك مُنَاجَاة مَعَ الله تَعَالَى
وَإِن صَحَّ مَا يَقُوله مثلا فَكل يَوْم الآف نفس فليصرف هَذِه الأنفاس المعدودة إِلَى الذّكر وَالسُّجُود ولينقص هَذِه اللحظات من دَرَجَات كَمَاله ليأمن بِهَذِهِ المكتوبات عَن ضَرَر التنين الَّذِي لَا يعْتد بشر سواهُ ويتخلص من خطر الْخَطَأ فِي هَذَا الِاعْتِقَاد وَلَا شكّ فِي أَن الْخَطَأ مُمكن فِيهِ إِن لم يكن مَقْطُوعًا بِهِ
وَإِن قَالَ إِن صرف الْقلب إِلَى حفظ تَرْتِيب الْأَفْعَال والأذكار هُوَ الَّذِي يشغلني عَن دَرَجَة الْقرب فَهُوَ دَعْوَى محَال لِأَن المقتدى لَا يحْتَاج إِلَى تكلّف الْحِفْظ بل المشتهر غَيره إِذا حفظ بَيْتا مرّة يُنَاسب حَاله لم يعسر التَّغَنِّي بِهِ
стр. 2210
وَإِن دقق مدقق وَقَالَ لَا نسلم ثُبُوت السّنة هُنَا فَهُوَ محجوج بالظواهر الدَّالَّة على طلب الْجَمَاعَة على الْإِطْلَاق من غير فرق بَين خاشع ومشتت
السّنة بعد صَلَاة الْجُمُعَة
قَالَ ابْن الصّلاح من تفردات الْغَزالِيّ أَنه ذكر فِي بداية الْهِدَايَة فِي سنة الْجُمُعَة بعْدهَا أَن لَهُ أَن يُصليهَا رَكْعَتَيْنِ وأربعا وستا
قَالَ فأبعد فِي سِتّ وشذ
قَالَ النَّوَوِيّ روى الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ فِي كتاب عَليّ وَابْن مَسْعُود عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ من كَانَ مِنْكُم مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل بعْدهَا سِتّ رَكْعَات
قلت وَهَذَا الْمَرْوِيّ عَن عَليّ كرم الله وَجهه محكى عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعَطَاء وَمُجاهد وَحميد بن عبد الرَّحْمَن وسُفْيَان الثَّوْريّ وَرِوَايَة عَن أَحْمد
وَأغْرب صَاحب الْكَافِي فَقَالَ فِيهِ الْأَفْضَل أَن يُصَلِّي بعْدهَا سِتا أخذا بِالْأَكْثَرِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَرْبعا بِسَلام وَاحِد
انْتهى لفظ الْخَوَارِزْمِيّ فِي الْكَافِي
وَهَذَا فصل جمعت فِيهِ جَمِيع مَا فِي كتاب الْإِحْيَاء من الْأَحَادِيث الَّتِي لم أجد لَهَا إِسْنَادًا من كتاب الْعلم
حَدِيث أفضل النَّاس الْمُؤمن الْعَالم إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ نفع
الحَدِيث
следующие страницы →