Полный текст (3 926 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
قَالَ وَأَخْبرنِي الشَّيْخ عماد الدّين بن سِنَان الدولة قَالَ كَانَت لي نُسْخَة من التَّنْبِيه يَعْنِي مليحة حَفظتهَا خلا بَاب الْقَرَاض وَكَانَ الشَّيْخ تقدم إِلَى الْجَمَاعَة أَن يعرضُوا فِي الْغَد وَكَانَ من عَادَة الشَّيْخ أَن يَأْخُذ كتاب الطَّالِب فيفتحه ويستقرئه مِنْهُ وخطر لي أَن أشرط الورقة من الْكتاب فَإِذا فَتحه لم ير ذَلِك الْبَاب فَلَمَّا أصبح واستعرض الْجَمَاعَة وانتهت النّوبَة إِلَيّ تقدّمت وناولته الْكتاب فَقَالَ دَعه مَعَك اقْرَأ بَاب الْقَرَاض فَقلت وَالله يَا سَيِّدي أحفظ الْكتاب كُله خلا هَذَا الْبَاب فَقَالَ مَا حملك على قطع الورقة وإفساد الْمَالِيَّة
قَالَ وَكَانَ إِذا لحظ شخصا انْتفع بألحاظه وَإِذا أعرض عَنهُ خيف عَلَيْهِ مغبة إعراضه
وَحكى أَن بعض فُقَهَاء الْمَذْهَب - مِمَّن ذكر لَهُ وَالِده أَنه كَانَ إِذا تحدث فِي الْفِقْه كَانَ يَقُول لغلامه اشْتَرِ كَذَا وَكَذَا لسُهُولَة الْفِقْه عَلَيْهِ وَخِفته على لِسَانه جلس مَعَ الشَّيْخ فِي مجْلِس قَالَ وَكَانَ الشَّيْخ إِذا حضر مَجْلِسا أَكثر من ذكر كرامات شَيْخه الْقرشِي قَالَ فاتفق حضورهما عِنْد الْفَقِيه شرف الدّين ابْن التلمساني شَارِح التَّنْبِيه فسلك الشَّيْخ عَادَته فِي حكايات شَيْخه الْقرشِي وَغَيره من الصَّالِحين لينْتَفع بهَا سامعها وتشغله عَن الْغَيْبَة فَقَالَ لَهُ ذَلِك الْفَقِيه أخبرنَا عَن نَفسك فَقَالَ لَهُ أخْبركُم عَن نَفسِي مَرضت مرضة أشرفت فِيهَا على الْمَوْت فَدخل عَليّ الشَّيْخ الْقرشِي عَائِدًا فَذهب عني مَا كنت أجد وَصليت الصُّبْح بسورتين طويلتين فَأخذ ذَلِك الْفَقِيه يتحدث فَأَعْرض عَنهُ الشَّيْخ فَقتل بعد أَيَّام بِبَعْض بساتين دمشق
стр. 2732
وَحكى أَن بعض طلبته نعس فِي الدَّرْس فَضرب الشَّيْخ إِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى فانتبه الشَّخْص فَقَالَ لَهُ سَالم سَالم وَإِذا بِهِ قَارب أَن يَحْتَلِم فَلَمَّا أيقظه الشَّيْخ سلم
قَالَ وَأَخْبرنِي شَيْخي قَالَ كنت أُصَلِّي خلف الشَّيْخ فأصابتني حقنة شَدِيدَة وَاشْتَدَّ ألمي بِسَبَبِهَا بِحَيْثُ كنت مفكرا إِذا خرجت من الصَّلَاة أَي الْجِهَات أنتحيها لإزالتها وَإِذا بالشيخ عرض لَهُ حَال بكاء شَدِيد وأهوى إِلَى سجادته وَأَخذهَا وَقد خرج من الصَّلَاة وقدمني مَكَانَهُ فَلم يبْق بِي شَيْء مِمَّا كَانَ بِي وَكَأَنَّهُ حمل عني مَا كنت أَجِدهُ فانتقل إِلَيْهِ وَزَالَ عني
وَأَخْبرنِي شيخ قَالَ كَانَ الشَّيْخ مرّة فِي الدَّرْس فِي بَاب الْهِبَة فَانْتهى إِلَى أَنه يسْتَحبّ لمن وهب لأولاده أَن يُسَوِّي بَينهم ثمَّ أَخذ يمثل بِابْني السطحي وهما أَخَوان طالبان فِي الدَّرْس فَقَالَ كَمَا لَو وهب وَالِد هذَيْن لأَحَدهمَا دَوَاة وَترك الآخر فَقَالَ أَحدهمَا وَالله يَا سيدنَا هَكَذَا اتّفق
ثمَّ حكى ابْن القليوبي من اعْتِقَاد أهل عصره فِيهِ حَتَّى الْيَهُود وَالنَّصَارَى وتبركهم بِخَطِّهِ واستشفاء مرضاهم مِمَّا ينقلونه من خطه شَيْئا كثيرا
وَحكى أَنه أُرِيد على الْقَضَاء فَامْتنعَ فَقيل لَهُ استخر فَقَالَ إِنَّمَا يستخار فِي أَمر خفيت مصْلحَته وجهات عاقبته وَأَن الطّلبَة اجْتَمعُوا فِي الْبَلَد وَكَانَ قد شاع فِي أثْنَاء المراددة بَينه وَبَين السُّلْطَان أَنه ولي فَجَاءَهُمْ وَقَالَ بنراي بنراي يُشِير إِلَى أَنه على الْحَالة الْمَعْهُودَة مِنْهُ
стр. 2733
وَحكى أَنه كَانَ لَا يحب مقامات الحريري وَلم تكن فِي كتبه مَعَ كثرتها لما فِيهَا من الْأَحَادِيث المختلقة وَأَنه كَانَ لَا يرى نُسْخَة من ملخص الإِمَام فَخر الدّين ابْن الْخَطِيب إِلَّا اشْتَرَاهَا حَتَّى لَا تقع فِي أَيدي النَّاس فَقيل لَهُ هَذَا مِنْهُ نسخ كَثِيرَة فَقَالَ فِيهِ تقليل للمفسدة
وَحكى أَن كتبه كَانَت كَثِيرَة وَأَنه كَانَ يعيرها لمن يعرف وَلمن لَا يعرف سَافر بهَا الْمُسْتَعِير أم لم يُسَافر بهَا وَكَانَ يَقُول مَا أعرت كتابا إِلَّا ظَنَنْت أَنه لَا يرجع إِلَيّ فَإِذا عَاد عددت ذَلِك نعْمَة جَدِيدَة
ثمَّ عدد ابْن القليوبي جمَاعَة من أَصْحَاب الشَّيْخ أبي الطَّاهِر ابْتَدَأَ مِنْهُم بِذكر وَالِده الشَّيْخ ضِيَاء الدّين أبي الرّوح عِيسَى بن رضوَان
توفّي الْفَقِيه أَبُو الطَّاهِر سحر يَوْم الْأَحَد سَابِع ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِمصْر وَدفن بسفح المقطم
قَالَ ابْن القليوبي وقبره مَشْهُور بإجابة الدُّعَاء عِنْده وَالنَّاس يقصدونه لذَلِك سَمِعت وَالِدي يَقُول قبر الشَّيْخ الدرياق المجرب
وَسمعت أَنه لم يشْهد بِمصْر جَنَازَة كجنازته لِكَثْرَة الْعَالم بهَا وَكَانَ الْملك الْكَامِل غَائِبا فِي الشَّام فَحَضَرَ الْجِنَازَة وَلَده السُّلْطَان الْملك الْعَادِل وصادف ذَلِك شدَّة حر فَيُقَال إِنَّه صحب الْجِنَازَة عدَّة إبل كَثِيرَة لأجل المَاء وَقيل إِنَّه لم يشْهد بِمصْر بعد جَنَازَة الْمُزنِيّ صَاحب الشَّافِعِي مثل جَنَازَة الْفَقِيه أبي الطَّاهِر
стр. 2734
وَمن الْفَوَائِد عَنهُ
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْحُسَيْن يحيى بن الْعَطَّار الْقرشِي سَمِعت الْفَقِيه أَبَا الطَّاهِر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْأنْصَارِيّ الْمحلي يَقُول سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الله الْقرشِي يَعْنِي مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الأندلسي الْعَارِف يَقُول كنت لَيْلَة عِنْد الشَّيْخ أبي إِسْحَاق بن طريف فَقدم لنا عِنْد الْإِفْطَار ثريدة بحمص فَلَمَّا اجْتَمَعنَا لنأكل أمسك عَن الْأكل وَاعْتَزل فَلم يقدر أحد أَن يمد يَده إِلَى الطَّعَام ثمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد بَلغنِي الْآن أَن حصن فلَان قد أَخذه الْعَدو وَأسر من فِيهِ وَبلغ من حَالهم أَنهم مكتفون يَأْكُلُون الْحَشِيش بأفواههم فاعتزلنا فَلَمَّا كَانَ بعد وَقت قَالَ لنا كلوا فقد فرج الله عَنْهُم فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك - يَعْنِي بِحِين - جَاءَ الْخَبَر بِأَن الْعَدو قد أَخذ ذَلِك الْحصن وَأَن أَهله الْمُسلمين بلغ من حَالهم مَا ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَأَن الْعَدو جَاءَتْهُم فِي تِلْكَ اللَّيْلَة صَيْحَة ظنُّوا أَنهم أحيط بهم فَانْهَزَمُوا وَفرج الله عَن الْمُسلمين وتخلصوا
قلت الْقرشِي هَذَا كَانَ من كبار العارفين وَهُوَ صَاحب القصيدة الْمُسَمَّاة ب الْفرج بعد الشدَّة المجربة لكشف الكروب وأولها
(اشتدي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلك بالبلج)
(وظلام اللَّيْل لَهُ سرج ... حَتَّى يَغْشَاهُ أَبُو السرج)
(وسحاب الْخَيْر لَهَا مطر ... فَإِذا جَاءَ الإبان تجي)
стр. 2735
(وفوائد مَوْلَانَا جمل ... لسروح الْأَنْفس بالمهج)
(وَلها أرج مُحي أبدا ... فاقصد محيا ذَاك الأرج)
(ولربتما فاض الْمحيا ... ببحور الموج من اللجج)
(والخلق جَمِيعًا فِي يَده ... فذوو سَعَة وذوو حرج)
(ونزولهم وطلوعهم ... فَإلَى دَرك وعَلى درج)
(ومعايشهم وعواقبهم ... لَيست فِي الْمَشْي على عوج)
(حكم نسجت بيد حكمت ... ثمَّ انتسجت بالمنتسج)
(فَإِذا اقتصدت ثمَّ انعرجت ... فبمقتصد وبمنعرج)
(شهِدت بعجائبها حجج ... قَامَت بِالْأَمر على الْحجَج)
(ورضا بِقَضَاء الله حجى ... فعلى مركوزته فعج)
(وَإِذا انفتحت أَبْوَاب هدى ... فاعجل لخزائنها ولج)
(وَإِذا حاولت نهابتها ... فاحذر إِذْ ذَاك من العرج)
(لتَكون من السباق إِذا ... مَا سرت إِلَى تِلْكَ الْفرج)
(فهناك الْعَيْش وبهجته ... فلمبتهج ولمنتهج)
(فهج الْأَعْمَال إِذا ركدت ... فَإِذا مَا هجت إِذا تهج)
стр. 2736
(ومعاصي الله سماجتها ... تزدان لذِي الْخلق السمج)
(ولطاعته وصباحتها ... أنوار صباح منبلج)
(من يخْطب حور الْخلد بهَا ... يظفر بالحور وبالغنج)
(فَكُن المرضي لَهَا بتقى ... ترضاه غَدا وَتَكون نجي)
(واتل الْقُرْآن بقلب ذِي ... حزن وبصوت فِيهِ شجي)
(وَصَلَاة اللَّيْل مسافتها ... فَاذْهَبْ فِيهَا بالفهم وجي)
(وتأملها ومعانيها ... تأت الفردوس وتنفرج)
(واشرب تسنيم مفجرها ... لَا ممتزجا وبممتزج)
(مدح الْعقل الآتيه هدى ... وَهوى متول عَنهُ هجي)
(وَكتاب الله رياضته ... لعقول الْخلق بمندرج)
(وَخيَار الْخلق هداتهم ... وسواهم من همج الهمج)
(فَإِذا كنت الْمِقْدَام فَلَا ... تجزع فِي الْحَرْب من الرهج)
(وَإِذا أَبْصرت منار هدى ... فاظهرفردا فَوق الثبج)
стр. 2737
(وَإِذا اشتاقت نفس وجدت ... ألما بالشوق المعتلج)
(وثنايا الحسنا ضاحكة ... وَتَمام الضحك على الفلج)
(وعياب الْأَسْرَار اجْتمعت ... بأمانتها تَحت الشرج)
(والرفق يَدُوم لصَاحبه ... والخرق يصير إِلَى الْهَرج)
(صلوَات الله على الْمهْدي ... الْهَادِي النَّاس إِلَى النهج)
(وَأبي بكر فِي سيرته ... ولسان مقَالَته اللهج)
(وَأبي حَفْص وكرامته ... فِي قصَّة سَارِيَة الخلج)
(وَأبي عَمْرو ذِي النورين المستحيي ... المستحيى البهج)
(وَأبي حسن فِي الْعلم إِذا ... وافى بسحائبه الخلج)
стр. 2738
وَرَأَيْت فِي كتاب الْغرَّة اللائحة لأبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ التوزري الْمَعْرُوف بِابْن الْمصْرِيّ أَن هَذِه القصيدة لأبي الْفضل يُوسُف بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ التوزري قَالَ وَذَلِكَ أَن بعض المتغلبين عدا على أَمْوَاله وَأَخذهَا فَبَلغهُ ذَلِك وَكَانَ بِغَيْر مَدِينَة توزر فأنشأها فَرَأى ذَلِك الرجل فِي نَومه تِلْكَ اللَّيْلَة رجلا فِي يَده حَرْبَة وَقَالَ لَهُ إِن لم ترد على فلَان أَمْوَاله وَإِلَّا قتلتك بِهَذِهِ الحربة فَاسْتَيْقَظَ مذعورا وَأعَاد عَلَيْهِ أَمْوَاله
قلت وَكثير من النَّاس يعْتَقد أَن هَذِه القصيدة مُشْتَمِلَة على الِاسْم الْأَعْظَم وَأَنه مَا دَعَا بهَا أحد إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ وَكنت أسمع الشَّيْخ الْوَالِد ﵀ إِذا أَصَابَته أزمة ينشدها
١٠٧٣ - مُحَمَّد بن سَام أَبُو المظفر الغزنوي
السُّلْطَان شهَاب الدّين صَاحب غزنة
أحد المشكورين من الْمُلُوك الموصوفين بمحبة الْعلمَاء وإحضارهم للمناظرة عِنْده
وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ فِي موعظة وعظها لَهُ على الْمِنْبَر يَا سُلْطَان الْعَالم لَا سلطانك يبْقى وَلَا تلبيس الرَّازِيّ يبْقى ﴿وَأَن مردنا إِلَى الله﴾
стр. 2739
ملك غزنة والهند وَكَثِيرًا من بِلَاد خُرَاسَان وَكَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب أشعري العقيدة لَهُ بلَاء حسن فِي الْكفَّار
قتلته الباطنية اغتيالا جهزهم الْكفَّار عَلَيْهِ لشدَّة مَا أنكى فيهم فَإِنَّهُ كَانَ جَاهد فِي الْكفَّار وأوسعهم قتلا ونهبا وأسرا فجهزوا عَلَيْهِ الباطنية فَقَتَلُوهُ بعد عوده من لهاور فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة
١٠٧٤ - مُحَمَّد بن سعيد بن يحيى بن عَليّ بن الْحجَّاج بن مُحَمَّد بن الدبيثي
الْحَافِظ أَبُو عبد الله الوَاسِطِيّ
ولد فِي رَجَب سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة
وَسمع من أبي طَالب مُحَمَّد بن أَحْمد بن على الكتاني وَعلي بن الْمُبَارك الْآمِدِيّ
стр. 2740
وَأبي الْفَتْح بن شاتيل وَأبي الْفرج مُحَمَّد بن أَحْمد بن نَبهَان والحافظ أبي بكر مُحَمَّد بن مُوسَى الْحَازِمِي وَخلق
روى عَنهُ ابْن النجار وَابْن نقطة والزكى البرزالي والخطيب عز الدّين الفاروثي وتاج الدّين أَبُو الْحسن الْعِرَاقِيّ وَآخَرُونَ
رَحل إِلَى بَغْدَاد وتفقه بهَا على الإِمَام هبة الله بن البوقي وعلق الاصول وَالْخلاف وعني بِالْحَدِيثِ أتم عناية
وصنف فِي تَارِيخ وَاسِط والذيل على ذيل ابْن السَّمْعَانِيّ وَغَيرهمَا
قَالَ ابْن النجار هُوَ أحد الْحفاظ المكثرين مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مثله فِي حفظ التواريخ وَالسير وَأَيَّام النَّاس
وَقَالَ ابْن نقطة لَهُ معرفَة وَحفظ
قَالَ ابْن النجار أضرّ ابْن الدبيثي بِأخرَة
وَتُوفِّي بِبَغْدَاد فِي ثامن شهر ربيع الآخر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
١٠٧٥ - مُحَمَّد بن سعيد بن ندى أَبُو بكر الطَّحَّان
стр. 2741
١٠٧٦ - مُحَمَّد بن طَلْحَة بن مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْخ كَمَال الدّين أَبُو سَالم الْقرشِي الْعَدوي النصيبيني
مُصَنف كتاب العقد الفريد
ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
تفقه وبرع فِي الْمَذْهَب وَسمع الحَدِيث بنيسابور من الْمُؤَيد الطوسي وَزَيْنَب الشعرية وَحدث بحلب ودمشق
روى عَنهُ الْحَافِظ الدمياطي ومجد الدّين ابْن العديم
وَكَانَ من صُدُور النَّاس ولى الوزارة بِدِمَشْق يَوْمَيْنِ وَتركهَا وَخرج عَمَّا يملكة من ملبوس ومملوك وَغَيره وتزهد
توفّي ابْن طَلْحَة فِي سَابِع عشْرين رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة
١٠٧٧ - مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن عَليّ بن أبي الْقَاسِم بن صَدَقَة
ابْن حَفْص الصفراوي الاسكندراني القَاضِي شرف الدّين بن عين الدولة
مولده فِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة بالإسكندرية
وتفقه بِمصْر على أبي إِسْحَاق الْعِرَاقِيّ شَارِح الْمُهَذّب وَسمع الحَدِيث من قَاضِي الْقُضَاة عبد الْملك بن درباس وَغَيره
стр. 2742
وروى عَنهُ الحافظان الْمُنْذِرِيّ وَابْن مسدى
وناب فِي الحكم بِالْقَاهِرَةِ عَن قَاضِي الْقُضَاة عماد الدّين بن السكرِي وَكَانَ يُوقع عَنهُ فَلَمَّا توفّي ولي ابْن عين الدولة قَضَاء الْقُضَاة بِالْقَاهِرَةِ وَالْوَجْه البحري وَولي تَاج الدّين ابْن الْخَرَّاط مصر وَالْوَجْه القبلي ثمَّ لما صرف ابْن الْخَرَّاط جمع لِابْنِ عين الدولة العملان وَذَلِكَ فِي سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة فَلم يزل إِلَى أَن عزل عَن مصر وَالْوَجْه القبلي بِالْقَاضِي بدر الدّين ابْن السنجاري فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَبَقِي قَاضِيا بِالْقَاهِرَةِ وَالْوَجْه البحري فَقَط
وَكَانَ فَقِيها فَاضلا عَارِفًا بِالشُّرُوطِ أديبا يحفظ كثيرا من الْأَشْعَار والحكايات مزوحا يحْكى عَنهُ نَوَادِر كَثِيرَة دينا مصمما وَكَانَت نوادره لَا يُخرجهَا إِلَّا بِسُكُون وناموس
وَفِي زَمَنه اتّفقت الْحِكَايَة الَّتِي اتّفقت فِي زمن الإِمَام مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَهُوَ أَن أمْرَأَة كَادَت زَوجهَا فَقَالَت لَهُ إِن كنت تحبني فاحلف بطلاقي ثَلَاثًا مهما قلت لَك تَقول مثله فِي ذَلِك الْمجْلس فَحلف فَقَالَت لَهُ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا قل كَمَا قلت لَك فَأمْسك وارتفعا إِلَى ابْن عين الدولة فَقَالَ خُذ بعقصتها وَقل أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِن طَلقتك
стр. 2743
قلت وكأنهما ارتفعا إِلَيْهِ فِي الْمجْلس وَقد قدمنَا الْمَسْأَلَة فِي تَرْجَمَة ابْن جرير فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة مستوفاة
وَمن شعره
(وليت الْقَضَاء وليت الْقَضَاء ... لم يَك شَيْئا تَوليته)
(وَقد ساقني للْقَضَاء القضا ... وَمَا كنت قدما تمنيته)
توفّي بِمصْر فِي سَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
ذكر الْحِكَايَة العجيبة الْمَشْهُورَة عَنهُ فِي عَجِيبَة
وعجيبة مغنية كَانَت بِمصْر على عهد السُّلْطَان الْملك الْكَامِل بن أَيُّوب وَيذكر أَن الْكَامِل كَانَ مَعَ تصميمه بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبنَاء جنسه تحضر إِلَيْهِ لَيْلًا وتغنيه بالجنك على الدُّف فِي مجْلِس بِحَضْرَة ابْن شيخ الشُّيُوخ وَغَيره وأولع الْكَامِل بهَا جدا ثمَّ اتّفقت قَضِيَّة شهد فِيهَا الْكَامِل عِنْد ابْن عين الدولة وَهُوَ فِي دست ملكه فَقَالَ ابْن عين الدولة السُّلْطَان يَأْمر وَلَا يشْهد فَأَعَادَ عَلَيْهِ السُّلْطَان الشَّهَادَة فَأَعَادَ القَاضِي القَوْل فَلَمَّا زَاد الْأَمر وَفهم السُّلْطَان أَنه لَا يقبل شَهَادَته قَالَ أَنا أشهد تقبلني أم لَا فَقَالَ القَاضِي لَا مَا أقبلك وَكَيف أقبلك وعجيبة تطلع إِلَيْك بجنكها كل لَيْلَة وتنزل ثَانِي يَوْم بكرَة وَهِي تتمايل سكرا على أَيدي الْجَوَارِي وَينزل ابْن الشَّيْخ
стр. 2744
من عنْدك أنجس مِمَّا نزلت فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان يَا كنواخ وَهِي كلمة شتم بِالْفَارِسِيَّةِ فَقَالَ مَا فِي الشَّرْع يَا كنواخ اشْهَدُوا عَليّ أَنِّي قد عزلت نَفسِي ونهض فجَاء ابْن الشَّيْخ إِلَى الْملك الْكَامِل وَقَالَ الْمصلحَة إِعَادَته لِئَلَّا يُقَال لأي شَيْء عزل القَاضِي نَفسه وَتَطير الْأَخْبَار إِلَى بَغْدَاد ويشيع أَمر عَجِيبَة فَقَالَ لَهُ صدقت ونهض إِلَى القَاضِي وترضاه وَعَاد إِلَى الْقَضَاء
قلت وَهَذِه حِكَايَة يستحسنها المؤرخون لما فِيهَا من تصميم القَاضِي غافلين عَن وَجههَا الفقهي وَقد يُقَال إِن كَانَ الْفسق عِنْد ابْن عين الدولة مخرجا للسُّلْطَان عَن الْأَهْلِيَّة فَذَلِك يعود على ولَايَته الْقَضَاء الَّتِي وَليهَا من قبله بالإبطال
وَجَوَاب هَذَا أَن الْفسق لَا يَنْعَزِل بِهِ السُّلْطَان على الصَّحِيح من الْمَذْهَب
ثمَّ قَالَ القَاضِي حُسَيْن وجماعات آخِرهم الشَّيْخ الإِمَام ﵀ أما وَإِن لم يعزله فَلَا يصحح مِنْهُ مَا يُمكن تَصْحِيحه من غَيره فَلَا يقْضِي وَلَا يُزَوّج الْأَيَامَى لِأَن فِيمَن يقيمه من الْقُضَاة مغنيا عَنهُ فِيهِ بِخِلَاف تَوْلِيَة الْقَضَاء وَغَيره مِمَّا لَا يتهيأ إِلَّا من الإِمَام وَيبين مُخَالفَته فِيهِ فَإِنَّهُ يَصح مِنْهُ فعلى هَذَا القَوْل لَا على غَيره تتخرج هَذِه الْحِكَايَة
стр. 2745
١٠٧٨ - مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن مَالك الطَّائِي الجياني
الْأُسْتَاذ الْمُقدم فِي النَّحْو واللغة جمال الدّين أَبُو عبد الله صَاحب التصانيف السائرة
ولد سنة سِتّمائَة أَو إِحْدَى وسِتمِائَة
وَسمع بِدِمَشْق من أبي صَادِق الْحسن بن صباح وَأبي الْحسن السخاوي وَغَيرهمَا
حَدثنَا عَنهُ شَيخنَا الْمسند مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم
وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن غير وَاحِد وَهُوَ حبرها السائرة مصنفاته مسير الشَّمْس ومقدمها الَّذِي تصغي لَهُ الْحَواس الْخمس وَكَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَة إِمَامًا فِي حفظ الشواهد وضبطها إِمَامًا فِي الْقرَاءَات وعللها وَله الدّين المتين وَالتَّقوى الراسخة
توفّي فِي ثانى عشر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة
стр. 2746
أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الخباز بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا الإِمَام جمال الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن مَالك النَّحْوِيّ أخبرنَا أَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد بن عبد الصَّمد السخاوي أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو طاهرالسلفي أخبرنَا أَبُو الْعَلَاء مُحَمَّد بن عبد الْجَبَّار بن مُحَمَّد الفرساني بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قلت لَهُ حَدثكُمْ أَبُو الْحسن عَليّ بن يحيى بن جَعْفَر بن عبدكويه إملاء حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا حَدثنَا سَلمَة حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة حَدثنَا أَبُو بكر ابْن أبي مَرْيَم حَدثنَا الْقَاسِم بن سعيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله يطلع على عباده فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر لخلقه كلهم غير الْمُشرك والمشاحن وفيهَا يوحي الله إِلَى ملك الْمَوْت يقبض كل نفس يُرِيد قبضهَا فِي تِلْكَ السّنة
أنشدنا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا أنشدنا أَبُو عبد الله بن أبي الْفَتْح أنشدنا ابْن مَالك لنَفسِهِ فِي أَسمَاء الذَّهَب
(نضر نضير نضار زبرج سيرا ... وزخرف عسجد عقيان الذَّهَب)
(والتبر مَا لم يذب وأشركوا ذَهَبا ... وَفِضة فِي نسيك هَكَذَا الغرب)
نسيك بِفَتْح النُّون ثمَّ سين مُهْملَة مَكْسُورَة ثمَّ آخر الْحُرُوف ثمَّ كَاف والغرب بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وهما من أَسمَاء كل من الذَّهَب وَالْفِضَّة
стр. 2747
١٠٧٩ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد السّلمِيّ شرف الدّين ابْن أبي الْفضل المرسي
ولد بمرسية سنة سبعين وَخَمْسمِائة وَسمع الحَدِيث بهَا ثمَّ قدم بَغْدَاد وَسمع من شيوخها ثمَّ سَافر إِلَى خُرَاسَان وَسمع بنيسابور وهراة ومرو وَعَاد إِلَى بَغْدَاد ثمَّ قدم دمشق ثمَّ مصر ثمَّ قوص ثمَّ مَكَّة ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وَحدث ب سنَن الْبَيْهَقِيّ عَن مَنْصُور الفراوي وب صَحِيح مُسلم عَن الْمُؤَيد الطوسي
وَكَانَ فَقِيها مُحدثا أصوليا نحويا أديبا زاهدا متعبدا صنف تَفْسِيرا حسنا
توفّي بَين الْعَريش وغزة سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة
стр. 2748
أنشدنا شَيخنَا أَبُو حَيَّان النَّحْوِيّ إِذْنا أنشدنا أَبُو الْهدى عِيسَى السبتي أَنْشدني ابْن أبي الْفضل لنَفسِهِ
(من كَانَ يرغب فِي النجَاة فَمَا لَهُ ... غير اتِّبَاع الْمُصْطَفى فِيمَا أَتَى)
(ذَاك السَّبِيل الْمُسْتَقيم وَغَيره ... سبل الضَّلَالَة والغواية والردى)
(فَاتبع كتاب الله وَالسّنَن الَّتِي ... صحت فَذَاك إِذا اتبعت هُوَ الْهدى)
(ودع السُّؤَال بكم وَكَيف فَإِنَّهُ ... بَاب يجر ذَوي البصيرة للعمى)
(الدّين مَا قَالَ النَّبِي وَصَحبه ... والتابعون وَمن مناهجهم قفا)
أنشدنا أَحْمد بن أبي طَالب إِذْنا عَن الْحَافِظ ابْن النجار أَن المرسي أنْشدهُ لنَفسِهِ بالمستنصرية
(قَالُوا فلَان قد أَزَال بهاءه ... ذَاك العذار وَكَانَ بدر تَمام)
(فأجبتهم بل زَاد نور بهائه ... وَلذَا تزايد فِيهِ فرط غرامي)
(استقصرت ألحاظه فتكاتها ... فَأتى العذار يمدها بسهام)
стр. 2749
وَمن الْفَوَائِد عَن ابْن أبي الْفضل المرسي
قَالَ النُّحَاة فِي إِعْرَاب قَوْله تَعَالَى ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ من قَوْله تَعَالَى ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ إِن ﴿إِلَه﴾ فِي مَوضِع رفع مَبْنِيّ على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي لنا أَو فِي الْوُجُود
وَاعْترض صَاحب الْمُنْتَخب تَقْدِير الْخَبَر فَقَالَ إِن كَانَ لنا فَيكون معنى قَوْله ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ معنى قَوْله ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد﴾ فَيكون تَكْرَارا مَحْضا وَإِن كَانَ فِي الْوُجُود كَانَ نفيا لوُجُود الْإِلَه وَمَعْلُوم أَن نفي الْمَاهِيّة أقوى فِي التَّوْحِيد الصّرْف من نفي الْوُجُود فَكَانَ إِجْرَاء الْكَلَام على ظَاهره والإعراض عَن هَذَا الْإِضْمَار أولى
وَأجَاب أَبُو عبد الله المرسي فِي ري الظمآن فَقَالَ هَذَا كَلَام من لَا يعرف لِسَان الْعَرَب فَإِن ﴿إِلَه﴾ فِي مَوضِع الْمُبْتَدَأ على قَول سِيبَوَيْهٍ وَعند غَيره اسْم ﴿لَا﴾ وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا بُد من خبر للمبتدأ أَو للا فَمَا قَالَه من الِاسْتِغْنَاء عَن الْإِضْمَار فَاسد وَأما قَوْله إِذا لم يضمر كَانَ نفيا للماهية فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَن نفي الْمَاهِيّة هُوَ نفي الْوُجُود لِأَن الْمَاهِيّة لَا تتَصَوَّر عندنَا إِلَّا مَعَ الْوُجُود فَلَا فرق بَين لَا مَاهِيَّة وَلَا وجود وَهَذَا مَذْهَب أهل السّنة خلافًا للمعتزلة فَإِنَّهُم يثبتون الْمَاهِيّة عَارِية عَن الْوُجُود انْتهى
стр. 2750
قلت مَا ذكر صَاحب الْمُنْتَخب من عدم تَقْدِير خبر يشبه مَا يَقُوله الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ فِي إِعْرَاب ﴿الله﴾ من قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلقهمْ ليَقُولن الله﴾ كَمَا سنحكيه إِن شَاءَ الله فِي تَرْجَمته لَكِن يبْقى عَلَيْهِ أَن لَا يَجْعَل هُنَا مُبْتَدأ بل يَجْعَل ﴿إِلَه﴾ كلمة مُفْردَة لَا معربة وَلَا مَبْنِيَّة وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَال لَهُ لَا بُد للمبتدأ من خبر إِذْ لَا مُبْتَدأ حَتَّى يَسْتَدْعِي خَبرا ويقوى هَذَا على رَأْي بني تَمِيم فَإِنَّهُم لَا يثبتون الْخَبَر وَأكْثر الْحِجَازِيِّينَ على حذفه
فَإِن قلت هَب أَنهم لَا يثبتونه وَلَكِن يقدرونه
قلت إِن سلمنَا أَنهم يقدرونه فَذَلِك لجعلهم الِاسْم مُبْتَدأ وَمن لَا يَجعله مُبْتَدأ لَا يسلم التَّقْدِير ثمَّ أَقُول الْمَفْهُوم من كَلَام صَاحب الْمُنْتَخب رد هذَيْن الإضمارين وهما إِضْمَار لنا وإضمار فِي الْوُجُود لَا رد مُطلق الْإِضْمَار فَلَو أضمر متصورا وَنَحْو ذَلِك من التَّقْدِير الْعَام لم يُنكره ففهم المرسي عَنهُ أَنه لَا يقدر الْخَبَر فِيهِ نظر وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يقدره هَذَا الْإِضْمَار لَا مُطلق الْخَبَر
وَأما قَوْله لَا فرق بَين نفي الْمَاهِيّة وَنفي الْوُجُود فَصَحِيح لَكِن قَول المرسي إِن الْمَاهِيّة لَا تتَصَوَّر عندنَا إِلَّا مَعَ الْوُجُود مُسْتَدْرك فَإِن الْمَاهِيّة عندنَا معاشر الأشاعرة نفس وجودهَا وَلَا نقُول إِنَّه لَا تتَصَوَّر إِلَّا مَعَ وجودهَا وَهَذَا مُقَرر فِي أصُول الديانَات
стр. 2751
١٠٨٢ - مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر بن عبد الْخَالِق بن خَلِيل بن مقلد
قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام عز الدّين ابْن الصَّائِغ
ولد سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَسمع أَبَا المنجا ابْن اللتي والحافظ يُوسُف بن خَلِيل وَغَيرهمَا
وَحدثنَا عَنهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الخباز
ولازم القَاضِي كَمَال الدّين التفليسي وَصَارَ من أَعْيَان أَصْحَابه ثمَّ ولي تدريس الشامية البرانية مشاركا للْقَاضِي شمس الدّين ابْن الْمَقْدِسِي ثمَّ اسْتَقل بهَا ابْن الْمَقْدِسِي وانفصل عز الدّين ثمَّ ولي وكَالَة بَيت المَال ثمَّ قَضَاء الْقُضَاة فباشره مُبَاشرَة جَيِّدَة وحمدت سيرته ثمَّ عزل وَولي ابْن خلكان ثمَّ أُعِيد فاستمر إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ فتضافرت عَلَيْهِ الْأَعْدَاء وامتحن محنة شَدِيدَة وسجن فِي القلعة ثمَّ أطلق من الْحَبْس وَاسْتمرّ معزولا إِلَى أَن مَاتَ فِي ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة عَن خمس وَخمسين سنة
стр. 2752
١٠٨٣ - مُحَمَّد بن عبد الْكَافِي بن عَليّ بن مُوسَى القَاضِي شمس الدّين الربعِي الصّقليّ ثمَّ الدِّمَشْقِي
مدرس الأمينية
سمع من الْأَمِير أُسَامَة بن منقذ
روى عَنهُ الْحَافِظ الدمياطي وَغَيره وَولي قَضَاء حمص وَتُوفِّي سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
١٠٨٤ - مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن أبي سعد الْمَدِينِيّ أَبُو عبد الله الْوَاعِظ
ولد فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة بِمَدِينَة جي
وَسمع الحَدِيث من أبي الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن عَليّ الحمامي وَأبي الْوَقْت السجْزِي وَأبي الْخَيْر مُحَمَّد بن أَحْمد الباغباني وَغَيرهم
стр. 2753
حدث عَنهُ الْحَافِظ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي والحافظ ابْن النجار وَقَالَ هُوَ واعظ ثَبت شَافِعِيّ لَهُ معرفَة بِالْحَدِيثِ قتل بأصبهان شَهِيدا على يَد التتر فِي رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
١٠٨٥ - مُحَمَّد بن عُثْمَان بن بنت أبي سعد القاهري الشَّيْخ شرف الدّين
شيخ شُيُوخنَا فَقِيه أصولي نحوي أديب
توفّي فِي الْمحرم سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة
حدثونا عَنهُ وَمن شعره
(إِن شعري قد حط سعري حَتَّى ... صَار قدري كَمثل قدر الْهلَال)
(ذؤابة النَّعْل ... )
(ثمَّ نحوي جر المكارم نحوى ... فاعتراني مِنْهَا كلسع الْهلَال)
(ضرب من الأفاعي ... )
(وأصول الْفُرُوع حَيْثُ وصولي ... لمرامي فبعده كالهلال)
(هِلَال السَّمَاء ... )
(وأصول الْكَلَام مِنْهَا كَلَامي ... فتخلفت فِي الورى كهلال)
(هِلَال رايته ... )
стр. 2754
(ثمَّ زجري قد جر رجزي حَتَّى ... ربط الذل بِي كربط الْهلَال)
(مَا يجمع حَنى الرحل ... )
(وعروضي قد حط قدر عروضي ... فَرَمَانِي صحبي كرمي الْهلَال)
(قِطْعَة من الرَّحَى الْمَكْسُورَة ... )
(ثمَّ طبي لأَجله زَالَ طبي ... وأتاني بِمثل طعن الْهلَال)
(حَرْبَة لَهَا شعبتان ... )
(وبياني قد جب كسب بناني ... بعد صيدي بِهِ كصيد الْهلَال)
(حَدِيدَة الصَّائِد ... )
(ثمَّ نثري مثل النثار وَمِنْه ... خف رِزْقِي عِنْدِي بِمثل الْهلَال)
(مَا أطاف حول الإصبع ... )
(علم الإنساب حَاز الْأَسْبَاب عني ... فَأبى الدَّهْر لي بطحن الْهلَال)
(بالرحى الْمَكْسُورَة ... )
(ثمَّ خطي قد حط حظي حَتَّى ... فَاتَنِي فِي الورى جَمِيع الْهلَال)
(الْغُبَار والهبا ... )
стр. 2755
(وَكَذَا الرَّمْي أثقل الرمى مني ... وكساني ثوبا كَمثل الْهلَال)
(جمع هلة وَهِي المقرضة ... )
(ونجومي تَحت النُّجُوم رمتني ... بعد وردي مِنْهَا كورد الْهلَال)
(سلخ الأفعى ... )
(وَلَقَد كنت أنشر الْعلم دهرا ... لست فِيهِ مؤاخرا كالهلال)
(بَقِيَّة المَاء فِي الْحَوْض ... )
(فَتركت الْعُلُوم مِمَّا دهاني ... بعد سَمْعِي كل الورى فِي الْهلَال)
(مقاولة الْأَجِير على الشُّهُور ... )
(وتصوفت إِذْ سبقت البرايا ... بخشوعي دفعتهم فِي الْهلَال)
(المماراة فِي رقة السنح ... )
(ثمَّ إِنِّي زهدت فِي الدَّهْر أَيْضا ... بعد أَن كنت لاحقا بالهلال)
(سُفْيَان بن عُيَيْنَة الْهِلَالِي ... )
стр. 2756
١٠٨٦ - مُحَمَّد بن عَليّ بن عَليّ بن الْمفضل الْحلِيّ مهذب الدّين أَبُو طَالب ابْن الخيمي
أديب شَاعِر سمع بِبَغْدَاد من ابْن الزَّاغُونِيّ وَحدث عَنهُ الْمُنْذِرِيّ وَغَيره
وَمن شعره
(أَرْبَعَة من شكّ فِي فَضلهمْ ... فَهُوَ عَن الْإِيمَان فِي معزل)
(فضل أبي بكر وتقديمه ... وصاحبيه وأخيهم عَليّ)
(فَقل لَهُم عني كَذَا أخبر ... الثِّقَات عَنْهُم وَكَذَا قيل لي)
(وَإِن من أقبحها شنعة ... تَأْخِير من قدم فِي الأول)
ولد بالحلة سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَقيل إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
стр. 2757
١٠٨٧ - مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن الخلاطي الْفَقِيه أَبُو الْفضل القَاضِي
لَهُ كتاب قَوَاعِد الشَّرْع وضوابط الأَصْل وَالْفرع على الْوَجِيز وَله مصنفات غير ذَلِك
سمع بِبَغْدَاد من الشَّيْخ شهَاب الدّين عمر بن مُحَمَّد السهروردي وبدمشق من أبي المنجا عبد الله بن عمر ابْن اللتي وَحدث وانتقل إِلَى الْقَاهِرَة فولي قَضَاء الشَّارِع بظاهرها
توفّي فِي شهر رَمَضَان سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة بِالْقَاهِرَةِ
١٠٨٨ - مُحَمَّد بن علوان بن مهَاجر بن عَليّ بن مهَاجر الإِمَام شرف الدّين أَبُو المظفر الْموصِلِي
ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة
وتفقه بالموصل على أبي البركات ابْن السرُوجِي وببغداد على أبي المحاسن يُوسُف بن بنْدَار
وبرع فِي الْمَذْهَب وَسمع الحَدِيث من الْحُسَيْن بن المؤمل وَمُحَمّد بن عَليّ بن يَاسر الجياني وَجَمَاعَة
стр. 2758
روى عَنهُ الزكي البرزالي وَغَيره
وَله تعليقة فِي الْفِقْه
درس بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا أَبوهُ علوان بالموصل وبمدارس أخر
مَاتَ بالموصل ثَالِث الْمحرم سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة
١٠٨٩ - مُحَمَّد بن عمر بن الْحسن بن الْحُسَيْن التَّيْمِيّ الْبكْرِيّ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ ابْن خطيب الرّيّ
إِمَام الْمُتَكَلِّمين ذُو الباع الْوَاسِع فِي تَعْلِيق الْعُلُوم والاجتماع بالشاسع من حقائق الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم والارتفاع قدرا على الرفاق وَهل يجْرِي من الأقدار إِلَّا الْأَمر المحتوم
стр. 2759
بَحر لَيْسَ للبحر مَا عِنْده من الْجَوَاهِر وَحبر سما على السَّمَاء وَأَيْنَ للسماء مثل مَا لَهُ من الزواهر وروضة علم تستقل الرياض نَفسهَا أَن تحاكي مَا لَدَيْهِ من الأزاهر
انتظمت بِقَدرِهِ الْعَظِيم عُقُود الْملَّة الإسلامية وابتسمت بدره النظيم ثغور الثغور المحمدية تنوع فِي المباحث وفنونها وترفع فَلم يرض إِلَّا بنكت تسحر ببيونها وأتى بجنات طلعها هضيم وكلمات يقسم الدَّهْر أَن الملحد بعْدهَا لَا يقدر أَن يضيم
وَله شعار أَوَى الْأَشْعَرِيّ من سنَنه إِلَى ركن شَدِيد وَاعْتَزل المعتزلي علما أَنه مَا يلفط من قَول إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عتيد
وخاض من الْعُلُوم فِي بحار عميقة وراض النَّفس فِي دفع أهل الْبدع وسلوك الطَّرِيقَة
أما الْكَلَام فَكل سَاكِت خَلفه وَكَيف لَا وَهُوَ الإِمَام رد على طوائف المبتدعة وهد قواعدهم حِين رفض النَّفس للرفض وشاع دمار الشِّيعَة وَجَاء إِلَى الْمُعْتَزلَة فاغتال الغيلانية وأوصل الواصلية النقمات الواصبية وَجعل العمرية أعبدا لطلْحَة وَالزُّبَيْر وَقَالَت الهذلية لَا تَنْتَهِي قدرَة الله على خير وصبر وأيقنت النظامية بِأَنَّهُ أذاق بَعضهم بَأْس بعض وَفرق شملهم وصيرهم قطعا وعبست البشرية لما جعل معتزلهم سبعا وهشم الهشامية والبهشمية بِالْحجَّةِ الْمُوَضّحَة وقصم الْكَعْبِيَّة فَصَارَت تَحت الأرجل
стр. 2760
١٠٨٠ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن بختيار بن عَليّ الهمامي أَبُو عبد الله ولد بالهمامية من قرى وَاسِط
قَالَ ابْن النجار كَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب سديد الْفَتَاوَى ورعا دينا كثير الْعِبَادَة أُرِيد على أَن يَلِي الْقَضَاء بواسط فَلم يجب
توفّي فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
١٠٨١ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْأَزْدِيّ أَو الْكِنْدِيّ الْمصْرِيّ
كَانَ يُفْتِي مَعَ شيخ الْإِسْلَام عز الدّين بن عبد السَّلَام
وَاخْتصرَ الْمَذْهَب فِي مُصَنف سَمَّاهُ الْهَادِي وَفِيه يَقُول فِيمَن سَهَا وَسلم وَلم يسْجد مَا نَصه فَإِن سلم فأحدث فَعَن لَهُ فَسجدَ بطلت صلَاته على الصَّحِيح انْتهى
وَمرَاده بعن لَهُ فَتطهر وَهَذَا غَرِيب وَالْمَعْرُوف أَنا إِذا قُلْنَا يسْجد عِنْد قرب الْفَصْل قَول الإِمَام وَلَو سلم وأحدث ثمَّ انغمس فِي مَاء على قرب الزَّمَان فَالظَّاهِر أَن الْحَدث فاصل وَإِن لم يطلّ الزَّمَان انْتهى فَأخذ مِنْهُ صَاحب الْهَادِي أَنه إِذا تطهر وَسجد صَار عَائِدًا ثمَّ فرع عَلَيْهِ أَنه إِذا عَاد بطلت لِأَنَّهَا صَلَاة تخللها حدث فَتبْطل على الْمَذْهَب
стр. 2761
مجرحة وَعلمت الجبائية مذ قطعهَا أَن الْإِسْلَام يجب مَا قبله وَانْهَزَمَ جَيش الأحيدية فَمَا عَاد مِنْهُم إِلَّا من عَاد إِلَى الْقبْلَة وعرج على الْخَوَارِج فَدَخَلُوا تَحت الطَّاعَة وَعلمت الْأزَارِقَة مِنْهُم أَن فتكات أبيضه المحمدية ونار أسمره الأحمدية لَا قبل لَهُم بهَا وَلَا استطاعة وَقَالَت الميمونية الْيمن من الله وَالشَّر وخنست الأخنسية وَمَا فيهم إِلَّا من تحيز إِلَى فِئَة وفر والتفت إِلَى الروافض فَقَالَت الزيدية ضرب عَمْرو وخَالِد وَبكر زيدا وَقَالَت الإمامية هَذَا الإِمَام وَمن حاد عَنهُ فقد جَاءَ شَيْئا إدا وأيقنت السليمانية أَن جنها حبس فِي القناني وَقَالَت الأزلية هَذَا الَّذِي قدر الله فِي الْأَزَل أَن يكون فَردا وعوذه بالسبع المثاني وَقَالَ المنتظرون هَذَا الإِمَام وَهَذَا الْيَوْم الْمَوْعُود وَجعلت الكيسانية فِي ظلال كيسه وسجل عَلَيْهِم بِالطَّاعَةِ فِي يَوْم مشهود وَنظر إِلَى الجبرية شزرا فَمشى كل مِنْهُم على كره الهوينا كَأَنَّهُ جَاءَ جبرا وَعلمت النجارية أَن صنعها لَا يُقَابل هَذَا الْعَظِيم النجار وَنَادَتْ الضرارية لَا ضَرَر فِي الْإِسْلَام وَلَا ضرار وتطلع على الْقَدَرِيَّة فعبس كل مِنْهُم وَبسر ثمَّ أقبل واستصغر وَكَانَ من الذُّبَاب أقل وأحقر فَقتل كَيفَ قدر وانعطف إِلَى المرجئة وَمَا أرجأهم وَجعل العدمية مِنْهُ خالدية فِي الْهون وساءهم بنارهم ودعا الحلولية فَحل عَلَيْهِم مَا هُوَ أَشد من الْمنية
стр. 2762
وأصبحت الباطنية تَأْخُذ أَقْوَاله وَلَا تتعدى مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة وَأما الحشوية قبح الله صنعهم وفضح على رُؤُوس الأشهاد جمعهم فَشَرِبُوا كأسا قطع أمعاءهم وهربوا فِرَارًا إِلَى خسي الْأَمَاكِن حَتَّى عدم النَّاس محشاهم وَصَارَ الْقَائِل بالجهة فِي أخس الْجِهَات وَعرض عَلَيْهِ كل جسم وَهُوَ يضْرب بِسيف الله الْأَشْعَرِيّ وَيَقُول ﴿هَل من مزِيد﴾ هَات حَتَّى نادوا بالثبور وَزَالَ عَن النَّاس افتراؤهم ومكرهم ﴿ومكر أُولَئِكَ هُوَ يبور﴾ وَأما النَّصَارَى وَالْيَهُود فَأَصْبحُوا جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى ونفوسهم حيارى وَرَأَيْت الْفَرِيقَيْنِ ﴿سكارى وَمَا هم بسكارى﴾ وَمَا من نَصْرَانِيّ رَآهُ إِلَّا وَقَالَ أَيهَا الْفَرد لَا نقُول بالتثليث بَين يَديك وَلَا يَهُودِيّ إِلَّا سلم وَقَالَ ﴿إِنَّا هدنا إِلَيْك﴾
هَذَا مَا يتَعَلَّق بعقائد العقائد وفرائد القلائد
وَأما عُلُوم الْحُكَمَاء فَلَقَد تدرع بجلبابها وتلفع بأثوابها وتسرع فِي طلبَهَا حَتَّى دخل من كل أَبْوَابهَا وَأقسم الفيلسوف إِنَّه لذُو قدر عَظِيم وَقَالَ الْمنصف فِي كَلَامه هَذَا ﴿من لدن حَكِيم﴾ وآلى ابْن سينا بِالطورِ إِلَيْهِ من أَن قدره دون هَذَا الْمِقْدَار وَعلم أَن كَلَامه المنثور وَكتابه المنظوم يكَاد سنا برقهما يذهب بالأبصار وَفهم صَاحب أقليدس أَنه اجْتهد فِي الْكَوَاكِب وأطلعها سوافر وجد حَتَّى أبرزها فِي ظلام الضلال غرر نَهَار لَا يتَمَسَّك بعصم الكوافر
وَأما الشرعيات تَفْسِيرا وفقها وأصولا وَغَيرهَا فَكَانَ بحرا لَا يجارى وبدرا
стр. 2763
إِلَّا أَن هداه يشرق نَهَارا هَذَا هُوَ الْعلم كَيفَ يَلِيق أَن يتغافل الْمُؤمن عَن هَذَا وَهَذَا هُوَ دوا الذِّهْن الَّذِي كَانَ أسْرع إِلَى كل دَقِيق نفاذا وَهَذَا هُوَ الْحجَّة الثَّابِتَة على قَاضِي الْعقل وَالشَّرْع وَهَذِه هِيَ الْحجَّة الَّتِي يثبت فِيهَا الأَصْل وَيتَفَرَّع الْفَرْع مَا القَاضِي عِنْده إِلَّا خصم هَذَا الجلل إِن ماثله إِلَّا مِمَّن تلبس بِمَا لم يُعْط وَلم يقف عِنْد حد لَهُ وَلَا رسم وَمَا الْبَصْرِيّ إِلَّا فَاقِد بَصَره وَإِن رام لحاق نظره فقد فقد نظر الْعين وَلَا أَبُو الْمَعَالِي إِلَّا مِمَّن يُقَال لَهُ هَذَا الإِمَام الْمُطلق إِن كنت إِمَام الْحَرَمَيْنِ
وَلَقَد أَجَاد ابْن عنين حَيْثُ يَقُول فِيهِ
(مَاتَت بِهِ بدع تَمَادى عمرها ... دهرا وَكَاد ظلامها لَا ينجلي)
(وَعلا بِهِ الْإِسْلَام أرفع هضبة ... ورسا سواهُ فِي الحضيض الْأَسْفَل)
(غلط امْرُؤ بأبى عَليّ قاسه ... هَيْهَات قصر عَن هداه أَبُو على)
(لَو أَن رسطاليس يسمع لَفْظَة ... من لَفظه لعرته هزة أفكل)
(ولحار بطليموس لَو لاقاه من ... برهانه فِي كل شكل مُشكل)
(وَلَو أَنهم جمعُوا لَدَيْهِ تيقنوا ... أَن الْفَضِيلَة لم تكن للْأولِ)
ولد الإِمَام سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَقيل أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة
стр. 2764
واشتغل على وَالِده الشَّيْخ ضِيَاء الدّين عمر وَكَانَ من تلامذة محيى السّنة أبي مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَقَرَأَ الْحِكْمَة على الْمجد الجيلي بمراغة وتفقه على الْكَمَال السمناني وَيُقَال إِنَّه حفظ الشَّامِل فِي علم الْكَلَام لإِمَام الْحَرَمَيْنِ
وَكَانَ أول أمره فَقِيرا ثمَّ فتحت عَلَيْهِ الأرزاق وانتشر اسْمه وَبعد صيته وَقصد من أقطار الأَرْض لطلب الْعلم
وَكَانَت لَهُ يَد طولى فِي الْوَعْظ بِلِسَان الْعَرَبِيّ والفارسي ويلحقه فِيهِ حَال وَكَانَ من أهل الدّين والتصوف وَله يَد فِيهِ وَتَفْسِيره ينبىء عَن ذَلِك
وَعبر إِلَى خوارزم بعد مَا مهر فِي الْعُلُوم فَجرى بَينه وَبَين الْمُعْتَزلَة مناظرات أدَّت إِلَى خُرُوجه مِنْهَا ثمَّ قصد مَا وَرَاء النَّهر فَجرى لَهُ أَشْيَاء نَحْو مَا جرى بخوارزم فَعَاد إِلَى الرّيّ ثمَّ اتَّصل بالسلطان شهَاب الدّين الغوري وحظي عِنْده ثمَّ بالسلطان الْكَبِير عَلَاء الدّين خوارزمشاه مُحَمَّد بن تكش ونال عِنْده أَسْنَى الْمَرَاتِب وَاسْتقر عِنْده بخراسان
واشتهرت مصنفاته فِي الْآفَاق وَأَقْبل النَّاس على الِاشْتِغَال بهَا ورفضوا كتب الْمُتَقَدِّمين
وَأقَام بهراة وَكَانَ يلقب بهَا شيخ الْإِسْلَام وَكَانَ كثير الإزراء بالكرامية فَقيل إِنَّهُم وضعُوا عَلَيْهِ من سقَاهُ سما فَمَاتَ
стр. 2765
وَكَانَ خوارزمشاه يَأْتِي إِلَيْهِ وَكَانَ إِذا ركب يمشي حوله نَحْو ثَلَاثمِائَة نفس من الْفُقَهَاء وَغَيرهم
وَكَانَ شَدِيد الْحِرْص جدا فِي الْعُلُوم وَأَصْحَابه أَكثر الْخلق تَعْظِيمًا لَهُ وتأدبا مَعَه لَهُ عِنْدهم المهابة الوافرة
وَمن تصانيفه التَّفْسِير والمطالب الْعَالِيَة وَنِهَايَة الْعُقُول وَالْأَرْبَعِينَ والمحصل وَالْبَيَان والبرهان فِي الرَّد على أهل الزيغ والطغيان والمباحث الْعمادِيَّة والمحصول وعيون الْمسَائِل وإرشاد النظار وأجوبة الْمسَائِل البخارية والمعالم وتَحْصِيل الْحق والزبدة وَشرح الإشارات وعيون الْحِكْمَة وَشرح الْأَسْمَاء الْحسنى
وَقيل شرح مفصل الزَّمَخْشَرِيّ فِي النَّحْو ووجيز الْغَزالِيّ فِي الْفِقْه وَسقط الزند لأبي الْعَلَاء وَله طَريقَة فِي الْخلاف ومُصَنف فِي مَنَاقِب الشَّافِعِي حسن وَغير ذَلِك
وَأما كتاب السِّرّ المكتوم فِي مُخَاطبَة النُّجُوم فَلم يَصح أَنه لَهُ بل قيل إِنَّه مختلق عَلَيْهِ
حكى الأديب شرف الدّين مُحَمَّد بن عنين أَنه حضر درسه مرّة وَهُوَ شَاب وَقد وَقع ثلج كَبِير فَسَقَطت بِالْقربِ مِنْهُ حمامة وَقد طردها بعض الْجَوَارِح فَلَمَّا وَقعت رَجَعَ عَنْهَا الْجَارِح فَلم تقدر الْحَمَامَة على الطيران من الْخَوْف وَالْبرد فَلَمَّا قَامَ الإِمَام من الدَّرْس وقف عَلَيْهَا ورق لَهَا وَأَخذهَا قَالَ ابْن عنين فَقلت فِي الْحَال
стр. 2766
(يَا ابْن الْكِرَام المطعمين إِذا شتوا ... فِي كل مسغبة وثلج خاشف)
(العاصمين إِذا النُّفُوس تطايرت ... بَين الصوارم والوشيج الراعف)
(من أنبأ الورقاء أَن محلكم ... حرم وَأَنَّك ملْجأ للخائف)
(وفدت إِلَيْك وَقد تدانى حتفها ... فحبوتها ببقائها المستأنف)
(لَو أَنَّهَا تحبى بِمَال لانثنت ... من راحتيك بنائل متضاعف)
(جَاءَت سُلَيْمَان الزَّمَان بشكوها ... وَالْمَوْت يلمع من جناحي خاطف)
(قدم لواه الْفَوْت حَتَّى ظله ... بإزائه يجْرِي بقلب واجف)
وَاعْلَم أَن شَيخنَا الذَّهَبِيّ ذكر الإِمَام فِي كتاب الْمِيزَان فِي الضُّعَفَاء وكتبت أَنا على كِتَابه حَاشِيَة مضمونها أَنه لَيْسَ لذكره فِي هَذَا الْمَكَان معنى وَلَا يجوز من وُجُوه عدَّة أَعْلَاهَا أَنه ثِقَة حبر من أَحْبَار الْأمة وَأَدْنَاهَا أَنه لَا رِوَايَة لَهُ فَذكره فِي كتب الروَاة مُجَرّد فضول وتعصب وتحامل تقشعر مِنْهُ الْجُلُود
وَقَالَ فِي الْمِيزَان لَهُ كتاب أسرار النُّجُوم سحر صَرِيح
قلت وَقد عرفناك أَن هَذَا الْكتاب مختلق عَلَيْهِ وَبِتَقْدِير صِحَة نسبته إِلَيْهِ لَيْسَ بِسحر فليتأمله من يحسن السحر وَيَكْفِيك شَاهدا على تعصب شَيخنَا عَلَيْهِ ذكره إِيَّاه فِي حرف الْفَاء حَيْثُ قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ وَلَا يخفى أَنه لَا يعرف بِهَذَا وَلَا هُوَ اسْمه أما اسْمه فمحمد وَأما مَا اشْتهر بِهِ فَابْن الْخَطِيب وَالْإِمَام فَإِذا نظرت أَيهَا الطارح رِدَاء
стр. 2767
العصبية عَن كَتفيهِ الجانح إِلَى جعل الْحق بمرأى عَيْنَيْهِ إِلَى رجل عمد إِلَى إِمَام من أَئِمَّة الْمُسلمين وَأدْخلهُ فِي جمَاعَة لَيْسَ هُوَ مِنْهُم أَعنِي رُوَاة الحَدِيث فَإِن الإِمَام لَا رِوَايَة لَهُ وَدعَاهُ باسم لَا يعرف بِهِ ثمَّ نظرت إِلَى قَوْله فِي آخر الْمِيزَان إِنَّه لم يتَعَمَّد فِي كِتَابه هوى نفس وأحسنت بِالرجلِ الظَّن وأبعدته عَن الْكَذِب أوقعته فِي التعصب وَقلت قد كرهه لأمور ظَنّهَا مقتضية الْكَرَاهَة وَلَو تأملها الْمِسْكِين حق التَّأَمُّل وأوتي رشده لأوجبت لَهُ حبا عَظِيما فِي هَذَا الإِمَام وَلكنهَا الحاملة لَهُ على هَذِه الْعَظِيمَة والمردية لَهُ فِي هَذِه الْمُصِيبَة العميمة نسْأَل الله السّتْر والسلامة
وَذكر أَن الإِمَام وعظ يَوْمًا بِحَضْرَة السُّلْطَان شهَاب الدّين الغوري وحصلت لَهُ حَال فاستغاث يَا سُلْطَان الْعَالم لَا سلطانك يبْقى وَلَا تلبيس الرارزي يبْقى ﴿وَأَن مردنا إِلَى الله﴾
وَبلغ من أَمر الحشوية أَن كتبُوا لَهُ رِقَاعًا فِيهَا أَنْوَاع السَّيِّئَات وصاروا يضعونها على منبره فَإِذا جَاءَ قَرَأَهَا فَقَرَأَ يَوْمًا رقْعَة ثمَّ اسْتَغَاثَ فِي هَذِه الرقعة أَن ابْني يفعل كَذَا فَإِن صَحَّ هَذَا فَهُوَ شَاب أَرْجُو لَهُ التَّوْبَة وَأَن امْرَأَتي تفعل كَذَا فَإِن صَحَّ هَذَا فَهِيَ امْرَأَة لَا أَمَانَة لَهَا وَأَن غلامي يفعل كَذَا وجدير بالغلمان كل سوء إِلَّا من حفظ الله وَلَيْسَ فِي شَيْء من الرّقاع - وَللَّه الْحَمد - أَن ابْني يَقُول إِن الله جسم وَلَا يشبه بِهِ خلقه وَلَا أَن زَوْجَتي تعتقد ذَلِك وَلَا غلامي فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أوضح سَبِيلا
стр. 2768
قَالَ أَبُو عبد الله الْحسن الوَاسِطِيّ سَمِعت الإِمَام بهراة ينشد على الْمِنْبَر عقيب كَلَام عَاتب فِيهِ أهل الْبَلَد
(الْمَرْء مَا دَامَ حَيا يستهان بِهِ ... ويعظم الرزء فِيهِ حِين يفتقد)
أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا أخبرنَا الْكَمَال عمر بن إلْيَاس بن يُونُس المراغي أخبرنَا التقي يُوسُف بن أبي بكر النَّسَائِيّ بِمصْر أخبرنَا الْكَمَال مَحْمُود بن عمر الرَّازِيّ قَالَ سَمِعت الإِمَام فَخر الدّين يُوصي بِهَذِهِ الْوَصِيَّة لما احْتضرَ لتلميذه إِبْرَاهِيم بن أبي بكر الْأَصْبَهَانِيّ
يَقُول العَبْد الراجي رَحْمَة ربه الواثق بكرم مَوْلَاهُ مُحَمَّد بن عمر بن الْحسن الرَّازِيّ وَهُوَ أول عَهده بِالآخِرَة وَآخر عَهده بالدنيا وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي يلين فِيهِ كل قَاس وَيتَوَجَّهُ إِلَى مَوْلَاهُ كل آبق أَحْمد الله بالمحامد الَّتِي ذكرهَا أعظم مَلَائكَته فِي أشرف أَوْقَات معارجهم ونطق بهَا أعظم أنبيائه فِي أكمل أَوْقَات شهاداتهم وأحمده بالمحامد الَّتِي يَسْتَحِقهَا عرفتها أَو لم أعرفهَا لِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة للتراب مَعَ رب الأرباب
وصلواته على مَلَائكَته المقربين والأنبياء وَالْمُرْسلِينَ وَجَمِيع عباد الله الصَّالِحين
اعلموا أخلائي فِي الدّين وإخواني فِي طلب الْيَقِين أَن النَّاس يَقُولُونَ إِن الْإِنْسَان إِذا مَاتَ انْقَطع عمله وتعلقه عَن الْخلق وَهَذَا مُخَصص من وَجْهَيْن الأول أَنه إِن بَقِي مِنْهُ عمل صَالح صَار ذَلِك سَببا للدُّعَاء وَالدُّعَاء لَهُ عِنْد الله تَعَالَى أثر الثَّانِي مَا يتَعَلَّق بالأولاد وَأَدَاء الْجِنَايَات
стр. 2769
أما الأول فاعلموا أَنِّي كنت رجلا محبا للْعلم فَكنت أكتب من كل شَيْء شَيْئا لأقف على كميته وكيفيته سَوَاء كَانَ حَقًا أَو بَاطِلا إِلَّا أَن الَّذِي نطق بِهِ فِي الْكتب الْمُعْتَبرَة أَن الْعَالم الْمَخْصُوص تَحت تَدْبِير مدبره المنزه عَن مماثلة التحيزات مَوْصُوف بِكَمَال الْقُدْرَة وَالْعلم وَالرَّحْمَة وَلَقَد اختبرت الطّرق الكلامية والمناهج الفلسفية فَمَا رَأَيْت فِيهَا فَائِدَة تَسَاوِي الْفَائِدَة الَّتِي وَجدتهَا فِي الْقُرْآن لِأَنَّهُ يسْعَى فِي تَسْلِيم العظمة والجلال لله وَيمْنَع عَن التعمق فِي إِيرَاد المعارضات والمناقضات وَمَا ذَاك إِلَّا للْعلم بِأَن الْعُقُول البشرية تتلاشى فِي تِلْكَ المضايق العميقة والمناهج الْخفية فَلهَذَا أَقُول كل مَا ثَبت بالدلائل الظَّاهِرَة من وجوب وجوده ووحدته وبراءته عَن الشُّرَكَاء كَمَا فِي الْقدَم والأزلية وَالتَّدْبِير والفعالية فَذَلِك هُوَ الَّذِي أَقُول بِهِ وَألقى الله بِهِ وَأما مَا يَنْتَهِي الْأَمر فِيهِ إِلَى الدقة والغموض وكل مَا ورد فِي الْقُرْآن والصحاح الْمُتَعَيّن للمعنى الْوَاحِد فَهُوَ كَمَا قَالَ وَالَّذِي لم يكن كَذَلِك أَقُول يَا إِلَه الْعَالمين إِنِّي أرى الْخلق مطبقين على أَنَّك أكْرم الأكرمين وأرحم الرَّاحِمِينَ فَكل مَا مده قلمي أَو خطر ببالي فأستشهد وَأَقُول إِن علمت مني أَنِّي أردْت بِهِ تَحْقِيق بَاطِل أَو إبِْطَال حق فافعل بِي مَا أَنا أَهله وَإِن علمت مني أَنِّي مَا سعيت إِلَّا فِي تقديس اعتقدت أَنه الْحق وتصورت أَنه الصدْق فلتكن رحمتك مَعَ قصدي لَا مَعَ حاصلي فَذَاك جهد الْمقل وَأَنت أكْرم من أَن تضايق الضَّعِيف الْوَاقِع فِي زلَّة فأغثني وارحمني واستر زلتي وامح حوبتي يَا من لَا يزِيد ملكه عرفان العارفين وَلَا ينقص ملكه بخطأ الْمُجْرمين وَأَقُول ديني مُتَابعَة الرَّسُول مُحَمَّد ﷺ وكتابي الْقُرْآن الْعَظِيم وتعويلي فِي طلب الدّين عَلَيْهِمَا اللَّهُمَّ يَا سامع الْأَصْوَات وَيَا مُجيب الدَّعْوَات وَيَا مقيل العثرات
стр. 2770
أَنا كنت حسن الظَّن بك عَظِيم الرَّجَاء فِي رحمتك وَأَنت قلت أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنت قلت ﴿أم من يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ﴾ فَهَب أَنِّي مَا جِئْت بِشَيْء فَأَنت الْغَنِيّ الْكَرِيم فَلَا تخيب رجائي وَلَا ترد دعائي واجعلني آمنا من عذابك قبل الْمَوْت وَبعد الْمَوْت وَعند الْمَوْت وَسَهل عَليّ سَكَرَات الْمَوْت فَإنَّك أرْحم الرَّاحِمِينَ
وَأما الْكتب الَّتِي صنفتها واستكثرت فِيهَا من إِيرَاد السؤالات فَلْيذكرْنِي من نظر فِيهَا بِصَالح دُعَائِهِ على سَبِيل التفضل والإنعام وَإِلَّا فليحذف القَوْل السيء فَإِنِّي مَا أردْت إِلَّا تَكْثِير الْبَحْث وشحذ الخاطر والاعتماد فِي الْكل على الله
الثَّانِي وَهُوَ إصْلَاح أَمر الْأَطْفَال فالاعتماد فِيهِ على الله
ثمَّ إِنَّه سرد وَصيته فِي ذَلِك إِلَى أَن قَالَ وَأمرت تلامذتي وَمن لي عَلَيْهِ حق إِذا أَنا مت يبالغون فِي إخفاء موتِي ويدفنوني على شَرط الشَّرْع فَإِذا دفنوني قرأوا عَليّ مَا قدرُوا عَلَيْهِ من الْقُرْآن ثمَّ يَقُولُونَ يَا كريم جَاءَك الْفَقِير الْمُحْتَاج فَأحْسن إِلَيْهِ
هَذَا آخر الْوَصِيَّة
وَقَالَ الإِمَام فِي تَفْسِيره وَأَظنهُ فِي سُورَة يُوسُف ﵇ وَالَّذِي جربته من طول عمري أَن الْإِنْسَان كلما عول فِي أَمر من الْأُمُور على غير الله صَار ذَلِك سَببا للبلاء والمحنة والشدة والرزية وَإِذا عول على الله وَلم يرجع إِلَى أحد من الْخلق حصل ذَلِك الْمَطْلُوب على أحسن الْوُجُوه فَهَذِهِ التجربة قد استمرت لي من أول عمري إِلَى هَذَا الْوَقْت الَّذِي بلغت فِيهِ إِلَى السَّابِع وَالْخمسين فَعِنْدَ هَذَا أَسْفر قلبِي على أَنه لَا مصلحَة للْإنْسَان فِي التعويل على شَيْء سوى فضل الله وإحسانه انْتهى
следующие страницы →