← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وَكَانَ لَهُ حَال ومكاشفة وَقيل إِنَّه لما ولي قَضَاء بعلبك كَانَ يحمل الْعَجِين إِلَى الفرن ويحكى عَنهُ كرامات كَثِيرَة وَكَانَ يؤم بمدرسة بعلبك مَاتَ وَهُوَ فِي السَّجْدَة الثَّانِيَة من الرَّكْعَة الثَّالِثَة من الظّهْر سجدها فانتظره من خَلفه أَن يرفع رَأسه ثمَّ رفعوا رؤوسهم وحركوه فوجدوه مَيتا وَذَلِكَ سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة ورثاه ابْن الْمَقْدِسِي بقوله (لنقدك صدر الدّين أضحت صدورنا ... تضيق وَجَاز الوجد غَايَة قدره) (وَمن كَانَ ذَا قلب على الدّين منطو ... تفتت أكبادا على فقد صَدره) ١١٨٠ - عبد السَّلَام بن عَليّ بن مَنْصُور قَاضِي الْقُضَاة تَاج الدّين ابْن الْخَرَّاط قَاضِي الديار المصرية أَبُو مُحَمَّد الكتاني الدمياطي مولده سنة إِحْدَى وَسبعين وَخَمْسمِائة قَرَأَ الْقُرْآن بدمياط بالروايات على السَّيِّد الْكَبِير عبد السَّلَام بن عبد النَّاصِر بن عديسة ورحل إِلَى بَغْدَاد وتفقه بالنظامية وَسمع من ابْن كُلَيْب وَابْن الْجَوْزِيّ وَأبي طَاهِر الْمُبَارك بن الْمُبَارك بن المعطوش ورحل إِلَى وَاسِط فَقَرَأَ بهَا الْقرَاءَات على أبي بكر بن الباقلاني

стр. 2872

وَعَاد إِلَى دمياط وَولي الْقَضَاء بهَا والتدريس مُدَّة ثمَّ قَضَاء الْقُضَاة بِمصْر وأعمالها من الْجَانِب القبلي وَحدث بدمياط ومصر روى عَنهُ الْحَافِظ زكي الدّين عبد الْعَظِيم وَخرج لَهُ جُزْءا وَقد عزل بِالآخِرَة عَن قَضَاء مصر وَولي قَضَاء دمياط مَاتَ سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة ١١٨١ - عبد الصَّمد بن مُحَمَّد بن أبي الْفضل بن عَليّ بن عبد الْوَاحِد قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين أَبُو الْقَاسِم بن الحرستاني الْأنْصَارِيّ الخزرجي الْعَبَّادِيّ السَّعْدِيّ الدِّمَشْقِي أحد الأجلة من الْفُقَهَاء البارعين فِي الْمَذْهَب الزاهدين الورعين وَكَانَ من قُضَاة الْعدْل ﵀ ولد فِي أحد الربيعين سنة عشْرين وَخَمْسمِائة وَسمع الحَدِيث من عبد الْكَرِيم بن حَمْزَة وطاهر بن سهل بن بشر الإسفرايني وجمال الْإِسْلَام أبي الْحسن عَليّ بن الْمُسلم وَنصر الله المصِّيصِي وَهبة الله بن أَحْمد بن طَاوس وَأبي الْقَاسِم الْحُسَيْن بن البن وَأبي الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الْمرَادِي وخلائق وَتفرد بالرواية عَن أَكثر شُيُوخه

стр. 2873

وَحدث بِالْإِجَازَةِ عَن أبي عبد الله الفراوي وَهبة الله بن السيدي وزاهر الشحامي وَعبد الْمُنعم الْقشيرِي وَغَيرهم سمع مِنْهُ أَبُو الْمَوَاهِب بن صصرى وَغَيره من القدماء وروى عَنهُ البرزالي وَابْن النجار والحافظ الضياء وَابْن خَلِيل والحافظ زكي الدّين عبد الْعَظِيم وَابْن عبد الدَّائِم وَأَبُو الْغَنَائِم بن عَلان وخلائق يطول سردهم وروى عَنهُ من القدماء الحافظان عبد الْغَنِيّ وَعبد الْقَادِر الرهاوي تفقه بحلب على أبي الْحسن الْمرَادِي ورحل إِلَيْهِ وَولي الْقَضَاء بِدِمَشْق نِيَابَة عَن أبي سعد بن أبي عصرون ثمَّ ولي قَضَاء الشَّام فِي آخر عمره سنة اثْنَتَيْ عشرَة

стр. 2874

وَعمر دهرا طَويلا وَكَانَ أسْند شيخ فِي هَذِه الديار وَيُقَال إِن شيخ الْإِسْلَام عز الدّين بن عبد السَّلَام قَالَ لم أر أفقه مِنْهُ قَالَ أَبُو شامة وَسَأَلته أَيهمَا أفقه الشَّيْخ فَخر الدّين بن عَسَاكِر أَو ابْن الحرستاني فرجح ابْن الحرستاني وَقَالَ إِنَّه كَانَ يحفظ وسيط الْغَزالِيّ قَالَ أَبُو شامة لما ولي الْقَضَاء محيي الدّين بن الزكي لم ينب عَنهُ وَبَقِي إِلَى أَن ولاه الْملك الْعَادِل الْقَضَاء وعزل قَاضِي الْقُضَاة زكي الدّين الطَّاهِر وَأخذ مِنْهُ الْمدرسَة العزيزية والتقوية وَأعْطى العزيزية مَعَ الْقَضَاء لِابْنِ الحرستاني والتقوية للشَّيْخ فَخر الدّين بن عَسَاكِر وَكَانَ ابْن الحرستاني يجلس للْحكم بالمجاهدية وناب عَنهُ وَلَده عماد الدّين ثمَّ شمس الدّين أَبُو نصر بن الشِّيرَازِيّ وشمس الدّين بن سني الدولة وَبَقِي فِي الْقَضَاء سنتَيْن وَسَبْعَة أشهر وَتُوفِّي وَكَانَت لَهُ جَنَازَة عَظِيمَة وَكَانَ قد امْتنع من الْولَايَة لما طلب إِلَيْهَا فألحوا عَلَيْهِ واستغاثوا بولده حَتَّى أجَاب

стр. 2875

وَكَانَ صَارِمًا عادلا على طَريقَة السّلف فِي لِبَاسه وعفته اتَّفقُوا أَنه لم تفته صَلَاة بِجَامِع دمشق فِي جمَاعَة إِلَّا إِن كَانَ مَرِيضا ١١٨٢ - عبد الْعَزِيز بن أَحْمد بن سعيد الدَّمِيرِيّ الديريني الشَّيْخ الزَّاهِد الْقدْوَة الْعَارِف صَاحب الْأَحْوَال والكرامات والمصنفات وَالنّظم الْكثير نظم التَّنْبِيه وَالْوَجِيز وغريب الْقُرْآن وَغير ذَلِك وَله تَفْسِير فِي مجلدين منظوم قَالَ شَيخنَا أَبُو حَيَّان كَانَ متقشفا مخشوشنا يتبرك بِهِ النَّاس انْتهى وَكَانَ الشَّيْخ عبد الْعَزِيز مترددا فِي الرِّيف والنواحي من ديار مصر لَيْسَ لَهُ مُسْتَقر مولده سنة اثْنَتَيْ عشرَة أَو ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة وَتُوفِّي سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة

стр. 2876

وَكَانَ سليم الْبَاطِن حسن الْأَخْلَاق حُكيَ أَنه دخل إِلَى الْمحلة الغربية فِي بعض أَسْفَاره وَعَلِيهِ عِمَامَة متغيرة اللَّوْن فظنها بعض من رَآهُ زرقاء فَقَالَ قل أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَقَالَهَا فَنزع الْعمة من رَأسه وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ إِلَى القَاضِي لتسلم على يَدَيْهِ فَمضى مَعَه وتبعهم صبيان وَخلق كثير على عَادَة من يسلم فَلَمَّا نظره القَاضِي عرفه فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا يَا سَيِّدي الشَّيْخ قَالَ قيل لي قل الشَّهَادَتَيْنِ فقلتهما فَقيل امْضِ مَعنا إِلَى القَاضِي لتنطق بهما بَين يَدَيْهِ فَجئْت وَله كتاب طَهَارَة الْقُلُوب فِي ذكر علام الغيوب كتاب حسن فِي التصوف وَكَانَ يعرف علم الْكَلَام على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَمن كَلَامه فِي طَهَارَة الْقُلُوب إلهي عرفتنا بربوبيتك وغرقتنا فِي بحار نِعْمَتك ودعوتنا إِلَى دَار قدسك ونعمتنا بذكرك وأنسك إلهي إِن ظلمَة ظلمنَا لأنفسنا قد عَمت وبحار الْغَفْلَة على قُلُوبنَا قد طمت فالعجز شَامِل والحصر حَاصِل وَالتَّسْلِيم أسلم وَأَنت بِالْحَال أعلم إلهي مَا عصيناك جهلا بعقابك وَلَا تعرضا لعذابك وَلَكِن سَوَّلت لنا نفوسنا وأعانتنا شِقْوَتنَا وغرنا سترك علينا وأطمعنا فِي عفوك برك بِنَا فَالْآن من عذابك من يستنقذنا وبحبل من نعتصم إِن قطعت حبلك عَنَّا واخجلتنا من الْوُقُوف غَدا بَين يَديك وَا فضيحتنا إِذا عرضت أَعمالنَا القبيحة عَلَيْك اللَّهُمَّ اغْفِر مَا علمت وَلَا تهتك مَا سترت إلهي إِن كُنَّا عصيناك بِجَهْل فقد دعوناك بعقل حَيْثُ علمنَا أَن لنا رَبًّا يغْفر الذُّنُوب وَلَا يُبَالِي وَله مُنَاجَاة حَسَنَة

стр. 2877

وَمن شعره (اقتصد فِي كل حَال ... واجتنب شحا وغرما) (لَا تكن حلوا فتؤكل ... لَا وَلَا مرا فترمى) وَمِنْه وَكنت أسمع الْحَافِظ تَقِيّ الدّين أَبَا الْفَتْح السُّبْكِيّ ابْن الْعم ﵀ ينشده وَأَحْسبهُ روى لنا عَن جده عَم أبي الشَّيْخ صدر الدّين يحيى السُّبْكِيّ عَنهُ (الله رَبِّي وحسبي ... الله أَرْجُو وَأحمد) (وشافعي يَوْم حشري ... خير الْخَلَائق أَحْمد) (صلى عَلَيْهِ إلهي ... أوفى صَلَاة وَأحمد) (وَمَالك والحنيفي ... وَالشَّافِعِيّ وَأحمد) (وسيدي ابْن الرِّفَاعِي ... قطب الْحَقِيقَة أَحْمد) (هَذَا مقَال الدَّمِيرِيّ ... عبد الْعَزِيز بن أَحْمد) وَمن شعره (إِذا مَا مَاتَ ذُو علم وتقوى ... فقد ثلمت من الْإِسْلَام ثلمه) (وَمَوْت الْعَادِل الْملك المرجى ... حَكِيم الْحق منقصة ووصمه) (وَمَوْت الصَّالح المرضي نقص ... فَفِي مرآه لِلْإِسْلَامِ نسمه) (وَمَوْت الْفَارِس الضرغام ضعف ... فكم شهِدت لَهُ فِي النَّصْر عزمه) (وَمَوْت فَتى كثير الْجُود مَحل ... فَإِن بَقَاءَهُ خصب ونعمه) (فحسبك خَمْسَة تبْكي عَلَيْهِم ... وَمَوْت الْغَيْر تَخْفيف ورحمه)

стр. 2878

وَمِنْه تخميس أَبْيَات التهامي (سلم أمورك للحكيم الْبَارِي ... تسلم من الأوصاب والأوزار) (وَانْظُر إِلَى الأخطار فِي الأقطار ... حكم الْمَشِيئَة فِي الْبَريَّة جَار) (مَا هَذِه الدُّنْيَا بدار قَرَار ... ) (لذات دُنْيَانَا كأحلام الْكرَى ... وبلوغ غايتها حَدِيث مفترى) (وسرورها بشرورها قد كدرا ... بَينا يرى الْإِنْسَان فِيهَا مخبرا) (ألفيته خَبرا من الْأَخْبَار ... ) (ازهد فَكل الراغبين عبيدها ... والزاهد الحبر التقي سعيدها) (وَلَقَد تشابه وعدها ووعيدها ... طبعت على كدر وَأَنت تريدها) (صفوا من الأقذار والأكدار ... ) (لَا تغترر بوميضها وخداعها ... فوراء مبسمها نيوب سباعها) (إِذْ لم تعرف فترها من بَاعهَا ... ومكلف الْأَيَّام ضد طباعها) (متطلب فِي المَاء جذوة نَار ... ) (لَا ترج من حَرْب المطالب مغنما ... ولربما جر التخيل مغرما) (وَإِذا رضيت الحكم عِشْت مكرما ... وَإِذا رَجَوْت المستحيل فَإِنَّمَا) (تبني الرَّجَاء على شَفير هار ... ) (الدَّهْر يمْضِي والحوادث جمة ... والرفق هَين والتكالب لَحْظَة) (وَالصَّبْر لين والتسخط غلظة ... والعيش نوم والمنية يقظة) (والمرء بَينهمَا خيال سَار ... )

стр. 2879

(أعماركم تمْضِي بسوف وَرُبمَا ... لَا تغنمون سوى عَسى ولعلما) (هم المسوف كالتعلق بالسما ... أيامكم تمْضِي عجالا إِنَّمَا) (أعماركم سفر من الْأَسْفَار ... ) (وترقبوا قرب الرحيل وحاذروا ... فَوت المرام فللورود مصَادر) (ودعوا التعلل والفتور وَصَابِرُوا ... وتراكضوا خيل الشَّبَاب وَبَادرُوا) (أَن تسترد فَإِنَّهُنَّ عوار ... ) (طمس الزَّمَان معاهدا ومعالما ... ومحا بغيهبه البهيم مكارما) (وأذال مَا بَين الْأَنَام مراحما ... لَيْسَ الزَّمَان وَإِن حرصت مسالما) (خلق الزَّمَان عَدَاوَة الْأَحْرَار ... ) وَمن شعره فِي المثلث مربع (أراعي النبت من أَب وَحب ... وَأشْهد فِي الْوُجُود جمال حب) (وأذهل سكرة من فرط حب ... وَكم أهْدى النسيم إِلَيّ عطرا) (بقاعهم سقيت غزير قطر ... وَلَا سقيت عداتك غير قطر) (لقد أهْدى نسيمك كل قطر ... فَبَثَّ مَسَرَّة وأزال عذرا) (تجافاني الْكرَى لما جفاني ... كَأَن بالكرا أحزان عانى)

стр. 2880

الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد عَنهُ قَالَ أَبُو الْحسن بن الجميزي ألبسني شَيْخي ابْن أبي عصرون الطيلسان وشرفني بِهِ على الأقران وَكتب لي لما ثَبت عِنْدِي علم الْوَلَد الْفَقِيه الإِمَام بهاء الدّين أبي الْحسن عَليّ بن أبي الْفَضَائِل وَفقه الله وَدينه وعدالته رَأَيْت تَمْيِيزه من بَين أَبنَاء جنسه وتشريفه بالطيلسان وَالله يرزقنا الْقيام بِحقِّهِ وَكتبه عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي عصرون وَكَانَ قد قَرَأَ على ابْن أبي عصرون الْقرَاءَات الْعشْر بِمَا تضمنه كتاب الإيجاز لأبي يَاسر مُحَمَّد بن عَليّ الْمُقْرِئ الحمامي قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ وَهُوَ آخر تلامذة أبي سعد فِي الدُّنْيَا وَالْعجب من الْقُرَّاء كَيفَ لم يزدحموا عَلَيْهِ وَلَا تنافسوا فِي الْأَخْذ عَنهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَعلَى إِسْنَادًا من كل أحد فِي زَمَانه توفّي فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشري ذِي الْحجَّة سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة بِمصْر وَقد كمل التسعين قَالَ ابْن القليوبي حضرت دَفنه وَكَانَ مشهدا عَظِيما قل أَن شهد مثله وَكَانَ هُنَاكَ قَارِئ يعرف بِابْن أبي البركات حسن الصَّوْت جيد الْقِرَاءَة فَقَرَأَ عِنْد قبر الْفَقِيه بهاء الدّين بعد تَسْوِيَة التُّرَاب عَلَيْهِ ﴿إِن هُوَ إِلَّا عبد أنعمنا عَلَيْهِ﴾ الْآيَات الَّتِي فِي سُورَة الزخرف وَقَرَأَ بالشاذ فِي قَوْله ﴿وَإنَّهُ لعلم للساعة﴾ بِفَتْح الْعين

стр. 2881

(أردد كالكرى بَين الْمعَانِي ... حَلِيف الشوق لَا يحتال فكرا) (ثملت وَمَا مدامي غير ظلم ... وجوب البيد مختلطا بظُلْم) (لَئِن حكمت عواذلنا بظُلْم ... لقد جَاءُوا بِمَا أبدوه نكرا) (جراح فِي الْفُؤَاد كلذع مِنْهُ ... وأنفاس الرِّجَال أحل مِنْهُ) (وَمَا أبقى الْهوى للصب مِنْهُ ... لقد تلفت بِهِ العشاق طرا) (حَدِيثك فِي اللها والسمع أحلى ... فَخفف فِي اللهى مَا الهجر سهلا) (فعادتك اللهى والجود هلا ... وعادتي الثَّنَاء عَلَيْك شكرا) (خلوت مَعَ الرشا من بَين أَهلِي ... وَقد وصل الرشا مِنْهُ بحبلي) (وَمَا قبل الرشا فِي ترك وَصلي ... وَلَقي من أَتَى باللوم هجرا) (دَعونِي إِنَّنِي بِعْت العقارا ... وراقبت المحبين العقارا) (وَبِي سكر وَلم أشْرب عقارا ... وعاينت الْهوى خَبرا وخبرا) (ذَروا من شَأْنه نشر الزّجاج ... وجافى بالصوارم والزجاج) (وَلم يحْتَج إِلَى بنت الزّجاج ... وَلم يبعد عَن العزمات حذرا)

стр. 2882

وَاللَّام فوَاللَّه لكأن الْآيَات نزلت فِيهِ لما مثله النَّاس من أَن موت الْعلمَاء من أَعْلَام السَّاعَة وأشراطها ثمَّ قَالَ عقب ذَلِك أَخْبرنِي شَيْخي وسيدي سَاكن هَذَا الضريح إِلَى آخر مَا ذكره من نعوته وَسَنَده الْمُتَّصِل برَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن الله لَا ينْزع الْعلم انتزاعا وَإِنَّمَا يَنْزعهُ بِقَبض الْعلمَاء الحَدِيث بِطُولِهِ فَكَانَ من الْبكاء والنحيب الْكثير أَمر غَرِيب انْتهى ١٢٠٥ - عَليّ بن يُوسُف بن عبد الله بن بنْدَار

стр. 2883

(رضاكم جنتي يَا أهل ودي ... فداووا جنتي بِصَحِيح وعد) (فَأنْتم جنتي من كل بعد ... ومنكم أرتجي رفقا وجبرا) (زماني للقرا قد ضرّ وَهنا ... وَقد منع الْقرى فَبَقيت مضنى) (وَمَالِي فِي الْقرى يَا صَاح سُكْنى ... وَفِي ليلِي أراعي النَّجْم فكرا) (سلكت من التغرب كل عرس ... وَلم أسكن إِلَى إنس بعرسي) (وَلَيْسَ مسرتي بِحُضُور عرس ... وَهل يدعى الْغَرِيب سوى ابْن بجرا) (شغفت بِمَجْلِس مَا فِيهِ لجة ... وخل مسعف مَا فِيهِ لجه) (يَخُوض من المكارم كل لجه ... ويسلك فِي الوفا برا وبحرا) (صَحَابِيّ أدلجوا حبا وحبوه ... وَلم يُعْطوا الْجَوَارِح غير حبوه) (وَمن زفت رليه الْبكر حبوه ... فَلَا يرضى بِغَيْر الرّوح مهْرا) (ضلال الْحبّ إرشاد ورمه ... وَلَو عَادَتْ بِهِ الأوصال رمه) (فَإِن سمح الحبيب بوصل رمه ... فَلَا أَشْكُو من الْأَيَّام فقرا)

стр. 2884

(طلول الْحبّ إِن عمرت فعندي ... عهود صبَابَة عمرت بوجدي) (وَإِن عمرت مَنَازلنَا بهند ... لقد شرحت من الصدرين صَدرا) (ظمئت إِلَى وَفِي الْعَهْد بر ... يعاملني بِمَعْرُوف وبر) (وَمن يطْمع من الصما ببر ... يجد فِي الكد حُلْو الْعَيْش مرا) (عهِدت ببانة الجرعاء ثله ... وَلم أَعهد بِذَاكَ الْحَيّ ثله) (وَكم سكنت بوادي الشيح ثله ... وَقد عَايَنت ذَاك الْحَيّ قفرا) (غَدَوْت وَقد أصَاب الرَّسْم وقر ... وأثقلني من الأشواق وقر) (وَقوم لم يَذُوقُوا الْحبّ وقر ... يضيق بهم فؤاد الصب حرا)

стр. 2885

(جنى وجد بِهِ قد هام قلبِي ... وصيرني الغرام كَمثل قلب) (فيا شغف الْفُؤَاد بِذَات قلب ... وَلَا فِي الشَّيْخ للأشواق مسرى) (قنعت من الزَّمَان بسد خله ... ووكز فِي الفلاة بِغَيْر خله) (وَإِن ألفيت ذَا ود وخله ... بذلت لَهُ الوفا علنا وسرا) (كتبت بأدمعي فِي الخد خطه ... وَلم أسلك إِلَى السلوان خطه) (ولي فِي مَذْهَب العشاق خطه ... حلت لَهما سويدا الْقلب خدرا) (لمحبوبي عَليّ الدَّهْر حق ... رضَا إِذْ سَار فِي الْبَيْدَاء حق) (إِذا مَا غَابَ فالأوطان حق ... وَلَو أَنِّي ملكت بِلَاد بصرى) (مضى زمني وَقد عَايَنت خلفا ... ترى ضرعى وَلم تحْتَاج خلفا) (وَإِن وعدوا ترى مينا وخلفا ... وَإِن حكمُوا ترى فِي الحكم أمرا) (نَصِيبي من وفا الإخوان خرص ... كَلَام طيب والسر خرص)

стр. 2886

(كَأَن الْعذر فِي الآذان خرص ... معَاذ الله لَا أخْتَار عذرا) (هِيَ الدُّنْيَا أشبههَا بِخَبَر ... وَأَرْض ذَات أَشجَار وَخبر) (وَإِن عاينتها بِصَحِيح خبر ... تَجِد شاماتها يَا صَاح حمرا) (وَهل يرضى الْفَتى سمنا بِذبح ... وَلم ير فِي حماها غير ذبح) (وَمن يقنع كفيت برعي ذبح ... يجد عقباه تعنيفا وزجرا) (لأحبابي بوادي الأثل ربع ... ووردي مَاء ذَاك الْحَيّ ربع) (فحظي كل يَوْم مِنْهُ ربع ... ظمئت فليته لَو كَانَ شطرا) (يساعدني على العزمات رسل ... ويكفيني من الأقوات رسل) (وَمَالِي نَحْو أهل الْحَيّ رسل ... فيا مولَايَ هَب عفوا ونصرا) (وجد وَارْحَمْ وصل على الرَّسُول ... مُحَمَّد الْمُؤَيد بِالدَّلِيلِ) (وعترته أولي الْقدر الْجَلِيل ... وَسَائِر صَحبه السامين قدرا) (وجد بِالْعَفو يَا مولى الموَالِي ... على عبد الْعَزِيز فَلَا يُبَالِي) (إِذا أَنْعَمت يَوْمًا بالنوال ... تبدل كل هَذَا الْعسر يسرا)

стр. 2887

١١٨٣ - عبد الْعَزِيز بن عبد السَّلَام بن أبي الْقَاسِم بن حسن بن مُحَمَّد ابْن مهذب السّلمِيّ شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وَأحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام سُلْطَان الْعلمَاء إِمَام عصره بِلَا مدافعة الْقَائِم بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فِي زَمَانه المطلع على حقائق الشَّرِيعَة وغوامضها الْعَارِف بمقاصدها لم ير مثل نَفسه وَلَا رأى من رَآهُ مثله علما وورعا وقياما فِي الْحق وشجاعة وَقُوَّة جنان وسلاطة لِسَان ولد سنة سبع أَو سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة تفقه على الشَّيْخ فَخر الدّين ابْن عَسَاكِر وَقَرَأَ الْأُصُول على الشَّيْخ سيف الدّين الْآمِدِيّ وَغَيره وَسمع الحَدِيث من الْحَافِظ أبي مُحَمَّد الْقَاسِم بن الْحَافِظ الْكَبِير أبي الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر وَشَيخ الشُّيُوخ عبد اللَّطِيف بن إِسْمَاعِيل بن أبي سعد الْبَغْدَادِيّ وَعمر بن مُحَمَّد بن طبرزد وحنبل بن عبد الله الرصافي وَالْقَاضِي عبد الصَّمد بن مُحَمَّد الحرستاني وَغَيرهم وَحضر على بَرَكَات بن إِبْرَاهِيم الخشوعي روى عَنهُ تلامذته شيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق الْعِيد وَهُوَ الَّذِي لقب الشَّيْخ عز الدّين سُلْطَان الْعلمَاء وَالْإِمَام عَلَاء الدّين أَبُو الْحسن الْبَاجِيّ وَالشَّيْخ تَاج الدّين ابْن الفركاح والحافظ أَبُو مُحَمَّد الدمياطي والحافظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن يُوسُف بن مسدي

стр. 2888

والعلامة أَحْمد أَبُو الْعَبَّاس الدشناوي والعلامة أَبُو مُحَمَّد هبة الله القفطي وَغَيرهم روى لنا عَنهُ الختني درس بِدِمَشْق أَيَّام مقَامه بهَا بالزاوية الغزالية وَغَيرهَا وَولي الخطابة والإمامة بالجامع الْأمَوِي قَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو شامة أحد تلامذة الشَّيْخ وَكَانَ أَحَق النَّاس بالخطابة والإمامة وأزال كثيرا من الْبدع الَّتِي كَانَ الخطباء يفعلونها من دق السَّيْف على لمنبر وَغير ذَلِك وأبطل صَلَاتي الرغائب وَنصف شعْبَان وَمنع مِنْهُمَا قلت وَاسْتمرّ الشَّيْخ عز الدّين بِدِمَشْق إِلَى أثْنَاء أَيَّام الصَّالح إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بِأبي الخيش فاستعان أَبُو الخيش بالفرنج وَأَعْطَاهُمْ مَدِينَة صيدا وقلعة الشقيف فَأنْكر عَلَيْهِ الشخ عز الدّين وَترك الدُّعَاء لَهُ فِي الْخطْبَة وساعده فِي ذَلِك الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الْحَاجِب الْمَالِكِي فَغَضب السُّلْطَان مِنْهُمَا فَخَرَجَا إِلَى الديار المصرية فِي حُدُود سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فَلَمَّا مر الشَّيْخ عز الدّين بالكرك تَلقاهُ صَاحبهَا وَسَأَلَهُ الْإِقَامَة عِنْده فَقَالَ لَهُ بلدك صَغِير على علمي ثمَّ توجه إِلَى الْقَاهِرَة فَتَلقاهُ سلطانها الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل وأكرمه وولاه خطابة جَامع عَمْرو ابْن الْعَاصِ بِمصْر وَالْقَضَاء بهَا وبالوجه القبلي مُدَّة فاتفق أَن أستاذ دَاره فَخر الدّين عُثْمَان بن شيخ الشُّيُوخ وَهُوَ الَّذِي كَانَ إِلَيْهِ أَمر المملكة عمد إِلَى مَسْجِد بِمصْر فَعمل على ظَهره بِنَاء لطبل خانات وَبقيت تضرب هُنَالك فَلَمَّا ثَبت هَذَا عِنْد الشَّيْخ عز الدّين حكم بهدم ذَلِك الْبناء وَأسْقط فَخر الدّين ابْن الشَّيْخ وعزل نَفسه من الْقَضَاء وَلم تسْقط بذلك منزلَة الشَّيْخ

стр. 2889

عِنْد السُّلْطَان وَلكنه لم يعده إِلَى الْولَايَة وَظن فَخر الدّين وَغَيره أَن هَذَا الحكم لَا يتأثر بِهِ فَخر الدّين فِي الْخَارِج فاتفق أَن جهز السُّلْطَان الْملك الصَّالح رَسُولا من عِنْده إِلَى الْخَلِيفَة المستعصم بِبَغْدَاد فَلَمَّا وصل الرَّسُول إِلَى الدِّيوَان ووقف بَين يَدي الْخَلِيفَة وَأدّى الرسَالَة خرج إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ هَل سَمِعت هَذِه الرسَالَة من السُّلْطَان فَقَالَ لَا وَلَكِن حملنيها عَن السُّلْطَان فَخر الدّين ابْن شيخ الشُّيُوخ أستاذ دَاره فَقَالَ الْخَلِيفَة إِن الْمَذْكُور أسْقطه ابْن عبد السَّلَام فَنحْن لَا نقبل رِوَايَته فَرجع الرَّسُول إِلَى السُّلْطَان حَتَّى شافهه بالرسالة ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وأداها ثمَّ بنى السُّلْطَان مدرسة الصالحية الْمَعْرُوفَة بَين القصرين بِالْقَاهِرَةِ وفوض تدريس الشَّافِعِيَّة بهَا إِلَى الشَّيْخ عز الدّين فباشره وتصدى لنفع النَّاس بِعُلُومِهِ وَلما اسْتَقر مقَامه بِمصْر أكْرمه حَافظ الديار المصرية وزاهدها عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ وَامْتنع من الْفتيا وَقَالَ كُنَّا نفتي قبل حُضُور الشَّيْخ عز الدّين وَأما بعد حُضُوره فمنصب الْفتيا مُتَعَيّن فِيهِ سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام ﵀ يَقُول سَمِعت شَيخنَا الْبَاجِيّ يَقُول طلع شَيخنَا عز الدّين مرّة إِلَى السُّلْطَان فِي يَوْم عيد إِلَى القلعة فشاهد العساكر مصطفين بَين يَدَيْهِ ومجلس المملكة وَمَا السُّلْطَان فِيهِ يَوْم الْعِيد من الأبهة وَقد خرج على قومه فِي زينته على عَادَة سلاطين الديار المصرية وَأخذت الْأُمَرَاء تقبل الأَرْض بَين يَدي السُّلْطَان فَالْتَفت الشَّيْخ إِلَى السُّلْطَان وناداه يَا أَيُّوب مَا حجتك عِنْد الله إِذا قَالَ لَك ألم أبوئ لَك ملك مصر ثمَّ تبيح الْخُمُور فَقَالَ هَل جرى هَذَا فَقَالَ نعم الحانة الْفُلَانِيَّة يُبَاع فِيهَا الْخُمُور

стр. 2890

وَغَيرهَا من الْمُنْكَرَات وَأَنت تتقلب فِي نعْمَة هَذِه المملكة يُنَادِيه كَذَلِك بِأَعْلَى صَوته والعساكر واقفون فَقَالَ يَا سَيِّدي هَذَا أَنا مَا عملته هَذَا من زمَان أبي فَقَالَ أَنْت من الَّذين يَقُولُونَ ﴿إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة﴾ فرسم السُّلْطَان بِإِبْطَال تِلْكَ الحانة سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام يَقُول سَمِعت الْبَاجِيّ يَقُول سَأَلت الشَّيْخ لما جَاءَ من عِنْد السُّلْطَان وَقد شاع هَذَا الْخَبَر يَا سَيِّدي كَيفَ الْحَال فَقَالَ يَا بني رَأَيْته فِي تِلْكَ العظمة فَأَرَدْت أَن أهينه لِئَلَّا تكبر نَفسه فتؤذيه فَقلت يَا سَيِّدي أما خفته فَقَالَ وَالله يَا بني استحضرت هَيْبَة الله تَعَالَى فَصَارَ السُّلْطَان قدامي كالقط وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع أَن الَّذِي سَأَلَهُ هَذَا السُّؤَال تِلْمِيذه الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن النُّعْمَان فَلَعَلَّ الْبَاجِيّ وَابْن النُّعْمَان سألاه سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام يَقُول كَانَ الشَّيْخ عز الدّين فِي أول أمره فَقِيرا جدا وَلم يشْتَغل إِلَّا على كبر وَسبب ذَلِك أَنه كَانَ يبيت فِي الكلاسة من جَامع دمشق فَبَاتَ بهَا لَيْلَة ذَات برد شَدِيد فَاحْتَلَمَ فَقَامَ مسرعا وَنزل فِي بركَة الكلاسة فَحصل لَهُ ألم شَدِيد من الْبرد وَعَاد فَنَامَ فَاحْتَلَمَ ثَانِيًا فَعَاد إِلَى الْبركَة لِأَن أَبْوَاب الْجَامِع مغلقة وَهُوَ

стр. 2891

لَا يُمكنهُ الْخُرُوج فطلع فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ من شدَّة الْبرد أَنا أَشك هَل كَانَ الشَّيْخ الإِمَام يَحْكِي أَن هَذَا اتّفق لَهُ ثَلَاث مَرَّات تِلْكَ اللَّيْلَة أَو مرَّتَيْنِ فَقَط ثمَّ سمع النداء فِي الْمرة الْأَخِيرَة يَا ابْن عبد السَّلَام أَتُرِيدُ الْعلم أم الْعَمَل فَقَالَ الشَّيْخ عز الدّين الْعلم لِأَنَّهُ يهدي إِلَى الْعَمَل فَأصْبح وَأخذ التَّنْبِيه فحفظه فِي مُدَّة يسيرَة وَأَقْبل على الْعلم فَكَانَ أعلم أهل زَمَانه وَمن أعبد خلق الله تَعَالَى سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول سَمِعت الشَّيْخ صدر الدّين أَبَا زَكَرِيَّا يحيى ابْن عَليّ السُّبْكِيّ يَقُول كَانَ فِي الرِّيف شخص يُقَال لَهُ عبد الله البلتاجي من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَكَانَت بَينه وَبَين الشَّيْخ عز الدّين صداقة وَكَانَ يهدي لَهُ فِي كل عَام فَأرْسل إِلَيْهِ مرّة حمل جمل هَدِيَّة وَمن جملَته وعَاء فِيهِ جبن فَلَمَّا وصل الرَّسُول إِلَى بَاب الْقَاهِرَة انْكَسَرَ ذَلِك الْوِعَاء وتبدد مَا فِيهِ فتألم الرَّسُول لذَلِك فَرَآهُ شخص ذمِّي فَقَالَ لَهُ لم تتألم عِنْدِي مَا هُوَ خير مِنْهُ قَالَ الرَّسُول فاشتريت مِنْهُ بدله وَجئْت فَمَا كَانَ إِلَّا بِقدر أَن وصلت إِلَى بَاب الشَّيْخ وَلم يعلم بِي وَلَا بِمَا جرى لي غير الله تَعَالَى وَإِذا بشخص نزل من عِنْد الشَّيْخ وَقَالَ اصْعَدْ بِمَا جِئْت فناولته شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن سلمته ذَلِك الْجُبْن فطلع ثمَّ نزل فَقلت أَعْطيته للشَّيْخ فَقَالَ أَخذ الْجَمِيع إِلَّا الْجُبْن ووعاءه فَإِنَّهُ قَالَ لي ضَعْهُ على الْبَاب فَلَمَّا طلعت أَنا قَالَ لي يَا وَلَدي ليش تفعل هَذَا إِن الْمَرْأَة الَّتِي حلبت لبن هَذَا الْجُبْن كَانَت يَدهَا متنجسة بالخنزير ورده وَقَالَ سلم على أخي

стр. 2892

وَحكى قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين بن جمَاعَة ﵀ أَن الشَّيْخ لما كَانَ بِدِمَشْق وَقع مرّة غلاء كَبِير حَتَّى صَارَت الْبَسَاتِين تبَاع بِالثّمن الْقَلِيل فَأَعْطَتْهُ زَوجته مصاغا لَهَا وَقَالَت اشْتَرِ لنا بِهِ بستانا نصيف بِهِ فَأخذ ذَلِك المصاغ وَبَاعه وَتصدق بِثمنِهِ فَقَالَت يَا سَيِّدي اشْتريت لنا قَالَ نعم بستانا فِي الْجنَّة إِنِّي وجدت النَّاس فِي شدَّة فتصدقت بِثمنِهِ فَقَالَت لَهُ جَزَاك الله خيرا وَحكى أَنه كَانَ مَعَ فقره كثير الصَّدقَات وَأَنه رُبمَا قطع من عمَامَته وَأعْطى فَقِيرا يسْأَله إِذا لم يجد مَعَه غير عمَامَته وَفِي هَذِه الْحِكَايَة مَا يدل على أَنه كَانَ يلبس الْعِمَامَة وَبَلغنِي أَنه كَانَ يلبس قبع لباد وَأَنه كَانَ يحضر المواكب السُّلْطَانِيَّة بِهِ فَكَأَنَّهُ كَانَ يلبس تَارَة هَذَا وَتارَة هَذَا على حسب مَا يتَّفق من غير تكلّف قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق الْعِيد كَانَ ابْن عبد السَّلَام أحد سلاطين الْعلمَاء وَعَن الشَّيْخ جمال الدّين ابْن الْحَاجِب أَنه قَالَ ابْن عبد السَّلَام أفقه من الْغَزالِيّ وَحكى القَاضِي عز الدّين الهكاري ابْن خطيب الأشمونين فِي مُصَنف لَهُ ذكر فِيهِ سيرة الشَّيْخ عز الدّين أَن الشَّيْخ عز الدّين أفتى مرّة بِشَيْء ثمَّ ظهر لَهُ أَنه خطأ فَنَادَى فِي مصر والقاهرة على نَفسه من أفتى لَهُ فلَان بِكَذَا فَلَا يعْمل بِهِ فَإِنَّهُ خطأ وَذكر أَن الشَّيْخ عز الدّين لبس خرقَة التصوف من الشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي وَأخذ عَنهُ وَذكر أَنه كَانَ يقْرَأ بَين يَدَيْهِ رِسَالَة الْقشيرِي فحضره مرّة الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس المرسي لما قدم من الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى الْقَاهِرَة فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ

стр. 2893

عز الدّين تكلم على هَذَا الْفَصْل فَأخذ المرسي يتَكَلَّم وَالشَّيْخ عز الدّين يزحف فِي الْحلقَة وَيَقُول اسمعوا هَذَا الْكَلَام الَّذِي هُوَ حَدِيث عهد بربه وَقد كَانَت للشَّيْخ عز الدّين الْيَد الطُّولى فِي التصوف وتصانيفه قاضية بذلك ذكر وَاقعَة التتار وَمَا كَانَ من سُلْطَان الْعلمَاء فِيهَا وحاصلها أَن التتار لما دهمت الْبِلَاد عقيب وَاقعَة بَغْدَاد الَّتِي سنشرحها إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تَرْجَمَة الْحَافِظ زكي الدّين وَجبن أهل مصر عَنْهُم وَضَاقَتْ بالسلطان وعساكره الأَرْض استشاروا الشَّيْخ عز الدّين ﵀ فَقَالَ اخْرُجُوا وَأَنا أضمن لكم على الله النَّصْر فَقَالَ السُّلْطَان لَهُ إِن المَال فِي خزانتي قَلِيل وَأَنا أُرِيد أَن أقترض من أَمْوَال التُّجَّار فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ عز الدّين إِذا أحضرت مَا عنْدك وَعند حريمك وأحضر الْأُمَرَاء مَا عِنْدهم من الْحلِيّ الْحَرَام وضربته سكَّة ونقدا وفرقته فِي الْجَيْش وَلم يقم بكفايتهم ذَلِك الْوَقْت اطلب الْقَرْض وَأما قبل ذَلِك فَلَا فأحضر السُّلْطَان والعسكر كلهم مَا عِنْدهم من ذَلِك بَين يَدي الشَّيْخ وَكَانَ الشَّيْخ لَهُ عَظمَة عِنْدهم وهيبة بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُونَ مُخَالفَته فامتثلوا أمره فانتصروا وَمِمَّا يدل على مَنْزِلَته الرفيعة عِنْدهم أَن الْملك الظَّاهِر بيبرس لم يُبَايع وَاحِدًا من الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر والخليفة الْحَاكِم إِلَّا بعد أَن تقدمه الشَّيْخ عز الدّين للمبايعة ثمَّ بعده السُّلْطَان ثمَّ الْقُضَاة وَلما مرت جَنَازَة الشَّيْخ عز الدّين تَحت القلعة وَشَاهد الْملك الظَّاهِر كَثْرَة الْخلق الَّذين مَعهَا قَالَ لبَعض خواصه الْيَوْم اسْتَقر أَمْرِي فِي الْملك لِأَن هَذَا الشَّيْخ لَو كَانَ يَقُول للنَّاس اخْرُجُوا عَلَيْهِ لانتزع الْملك مني

стр. 2894

ذكر وَاقعَة الفرنج على دمياط وَكَانَت قبل ذَلِك وصلوا إِلَى المنصورة فِي المراكب واستظهروا على الْمُسلمين وَكَانَ الشَّيْخ مَعَ الْعَسْكَر وقويت الرّيح فَلَمَّا رأى الشَّيْخ حَال الْمُسلمين نَادَى بِأَعْلَى صَوته مُشِيرا بِيَدِهِ إِلَى الرّيح يَا ريح خُذِيهِمْ عدَّة مرار فَعَادَت الرّيح على مراكب الفرنج فكسرتها وَكَانَ الْفَتْح وغرق أَكثر الفرنج وصرخ من بَين يَدي الْمُسلمين صارخ الْحَمد لله الَّذِي أرانا فِي أمة مُحَمَّد ﷺ رجلا سخر لَهُ الرّيح (ذكر كائنة الشَّيْخ مَعَ أُمَرَاء الدولة من الأتراك) وهم جمَاعَة ذكر أَن الشَّيْخ لم يثبت عِنْده أَنهم أَحْرَار وَأَن حكم الرّقّ مستصحب عَلَيْهِم لبيت مَال الْمُسلمين فَبَلغهُمْ ذَلِك فَعظم الْخطب عِنْدهم فِيهِ وأضرم الْأَمر وَالشَّيْخ مصمم لَا يصحح لَهُم بيعا وَلَا شِرَاء وَلَا نِكَاحا وتعطلت مصالحهم بذلك وَكَانَ من جُمْلَتهمْ نَائِب السلطنة فاستشاط غَضبا فَاجْتمعُوا وَأَرْسلُوا إِلَيْهِ فَقَالَ نعقد لكم مَجْلِسا وينادى عَلَيْكُم لبيت مَال الْمُسلمين وَيحصل عتقكم بطرِيق شَرْعِي فَرفعُوا الْأَمر إِلَى السُّلْطَان فَبعث إِلَيْهِ فَلم يرجع فجرت من السُّلْطَان كلمة فِيهَا غلظة حاصلها الْإِنْكَار على الشَّيْخ فِي دُخُوله فِي هَذَا الْأَمر وَأَنه لَا يتَعَلَّق بِهِ فَغَضب الشَّيْخ وَحمل حَوَائِجه على حمَار وأركب عائلته على حمَار آخر وَمَشى خَلفهم خَارِجا من الْقَاهِرَة قَاصِدا نَحْو الشَّام فَلم يصل إِلَى نَحْو نصف بريد إِلَّا وَقد لحقه غَالب الْمُسلمين لم تكد امْرَأَة وَلَا صبي

стр. 2895

وَلَا رجل لَا يؤبه إِلَيْهِ يتَخَلَّف لَا سِيمَا الْعلمَاء والصلحاء والتجار وأنحاؤهم فَبلغ السُّلْطَان الْخَبَر وَقيل لَهُ مَتى رَاح ذهب ملكك فَركب السُّلْطَان بِنَفسِهِ ولحقه واسترضاه وَطيب قلبه فَرجع وَاتَّفَقُوا مَعَهم على أَنه يُنَادى على الْأُمَرَاء فَأرْسل إِلَيْهِ نَائِب السلطنة بالملاطفة فَلم يفد فِيهِ فانزعج النَّائِب وَقَالَ كَيفَ يُنَادي علينا هَذَا الشَّيْخ ويبيعنا وَنحن مُلُوك الأَرْض وَالله لأضربنه بسيفي هَذَا فَركب بِنَفسِهِ فِي جماعته وَجَاء إِلَى بَيت الشَّيْخ وَالسيف مسلول فِي يَده فطرق الْبَاب فَخرج ولد الشَّيْخ أَظُنهُ عبد اللَّطِيف فَرَأى من نَائِب السلطنة مَا رأى فَعَاد إِلَى أَبِيه وَشرح لَهُ الْحَال فَمَا اكترث لذَلِك وَلَا تغير وَقَالَ يَا وَلَدي أَبوك أقل من أَن يقتل فِي سَبِيل الله ثمَّ خرج كَأَنَّهُ قَضَاء الله قد نزل على نَائِب السلطنة فحين وَقع بَصَره على النَّائِب يَبِسَتْ يَد النَّائِب وَسقط السَّيْف مِنْهَا وأرعدت مفاصله فَبكى وَسَأَلَ الشَّيْخ أَن يَدْعُو لَهُ وَقَالَ يَا سَيِّدي خبر أيش تعْمل قَالَ أنادي عَلَيْكُم وأبيعكم قَالَ فَفِيمَ تصرف ثمننا قَالَ فِي مصَالح الْمُسلمين قَالَ من يقبضهُ قَالَ أَنا فتم لَهُ مَا أَرَادَ ونادى على الْأُمَرَاء وَاحِدًا وَاحِدًا وغالى فِي ثمنهم وَقَبضه وَصَرفه فِي وُجُوه الْخَيْر وَهَذَا مَا لم يسمع بِمثلِهِ عَن أحد رَحمَه الله تَعَالَى ورضى عَنهُ

стр. 2896

ذكر الْبَحْث عَمَّا كَانَ بَين سُلْطَان الْعلمَاء وَالْملك الْأَشْرَف مُوسَى بن الْملك الْعَادِل بن أَيُّوب وَذَلِكَ بِدِمَشْق قبل خُرُوجه إِلَى الديار المصرية ولنشرحه مُخْتَصرا ذكر الشَّيْخ الإِمَام شرف الدّين عبد اللَّطِيف ولد الشَّيْخ فِيمَا صنفه من أَخْبَار وَالِده فِي هَذِه الْوَاقِعَة أَن الْملك الْأَشْرَف لما اتَّصل بِهِ مَا عَلَيْهِ الشَّيْخ عز الدّين من الْقيام لله وَالْعلم وَالدّين وَأَنه سيد أهل عصره وَحجَّة الله على خلقه أحبه وَصَارَ يلهج بِذكرِهِ ويؤثر الِاجْتِمَاع بِهِ وَالشَّيْخ لَا يُجيب إِلَى الِاجْتِمَاع وَكَانَت طَائِفَة من مبتدعة الْحَنَابِلَة الْقَائِلين بالحرف وَالصَّوْت مِمَّن صحبهم السُّلْطَان فِي صغره يكْرهُونَ الشَّيْخ عز الدّين ويطعنون فِيهِ وقرروا فِي ذهن السُّلْطَان الْأَشْرَف أَن الَّذِي هم عَلَيْهِ اعْتِقَاد السّلف وَأَنه اعْتِقَاد أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ وفضلاء أَصْحَابه وَاخْتَلَطَ هَذَا بِلَحْم السُّلْطَان وَدَمه وَصَارَ يعْتَقد أَن مُخَالف ذَلِك كَافِر حَلَال الدَّم فَلَمَّا أَخذ السُّلْطَان فِي الْميل إِلَى الشَّيْخ عز الدّين دست هَذِه الطَّائِفَة إِلَيْهِ وَقَالُوا إِنَّه أشعري العقيدة يخطىء من يعْتَقد الْحَرْف وَالصَّوْت ويبدعه وَمن جملَة اعْتِقَاده أَنه يَقُول بقول الْأَشْعَرِيّ أَن الْخبز لَا يشْبع وَالْمَاء لَا يروي وَالنَّار لَا تحرق فاستهال ذَلِك السُّلْطَان واستعظمه ونسبهم إِلَى التعصب عَلَيْهِ فَكَتَبُوا فتيا فِي مَسْأَلَة الْكَلَام وأوصلوها إِلَيْهِ مريدين أَن يكْتب عَلَيْهَا بذلك فَيسْقط مَوْضِعه عِنْد السُّلْطَان وَكَانَ الشَّيْخ قد اتَّصل بِهِ ذَلِك كُله فَلَمَّا جَاءَتْهُ الْفتيا قَالَ هَذِه الْفتيا كتبت امتحانا لي وَالله لَا كتبت فِيهَا إِلَّا مَا هُوَ الْحق

стр. 2897

فَكتب العقيدة الْمَشْهُورَة وَقد ذكر وَلَده بَعْضهَا فِي تصنيفه وَأَنا أرى أَن أذكرها كلهَا لتستفاد وَتحفظ قَالَ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام ﵀ وَرَضي عَنهُ وعنا بِهِ الْحَمد لله ذِي الْعِزَّة والجلال وَالْقُدْرَة والكمال والإنعام والإفضال الْوَاحِد الْأَحَد الْفَرد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد لَيْسَ بجسم مُصَور وَلَا جَوْهَر مَحْدُود مُقَدّر وَلَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء وَلَا تحيط بِهِ الْجِهَات وَلَا تكتنفه الأرضون وَلَا السَّمَوَات كَانَ قبل أَن كَون الْمَكَان ودبر الزَّمَان وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ خلق الْخلق وأعمالهم وَقدر أَرْزَاقهم وآجالهم فَكل نعْمَة مِنْهُ فَهِيَ فضل وكل نقمة مِنْهُ فَهِيَ عدل ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ اسْتَوَى على الْعَرْش الْمجِيد على الْوَجْه الَّذِي قَالَه وبالمعنى الَّذِي أَرَادَهُ اسْتِوَاء منزها عَن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال فتعالى الله الْكَبِير المتعال عَمَّا يَقُوله أهل الغي والضلال بل لَا يحملهُ الْعَرْش بل الْعَرْش وَحَمَلته محمولون بلطف قدرته مقهورون فِي قَبضته أحَاط بِكُل شَيْء علما وأحصى كل شَيْء عددا مطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر حَيّ مُرِيد سميع بَصِير عليم قدير مُتَكَلم بِكَلَام قديم أزلي لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَلَا يتَصَوَّر فِي كَلَامه أَن يَنْقَلِب مدادا فِي الألواح والأوراق شكلا ترمقه الْعُيُون والأحداق كَمَا زعم أهل الحشو والنفاق بل الْكِتَابَة من أَفعَال الْعباد وَلَا يتَصَوَّر فِي أفعالهم أَن تكون قديمَة وَيجب احترامها لدلالتها على كَلَامه كَمَا يجب احترام أَسْمَائِهِ لدلالتها على ذَاته وَحقّ لما دلّ عَلَيْهِ وانتسب إِلَيْهِ أَن يعْتَقد عَظمته وترعى حرمته وَلذَلِك يجب احترام الْكَعْبَة والأنبياء والعباد والصلحاء (أَمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذَا الْجِدَار وَذَا الجدارا) (وَمَا حب الديار شغفن قلبِي ... وَلَكِن حب من سكن الديارا)

стр. 2898

ولمثل ذَلِك يقبل الْحجر الْأسود وَيحرم على الْمُحدث أَن يمس الْمُصحف أسطره وحواشيه الَّتِي لَا كِتَابَة فِيهَا وَجلده وخريطته الَّتِي هُوَ فِيهَا فويل لمن زعم أَن كَلَام الله الْقَدِيم شَيْء من أَلْفَاظ الْعباد أَو رسم من أشكال المداد واعتقاد الْأَشْعَرِيّ ﵀ مُشْتَمل على مَا دلّت عَلَيْهِ أَسمَاء الله التِّسْعَة وَالتِّسْعُونَ الَّتِي سمى بهَا نَفسه فِي كِتَابه وسنه رَسُول الله ﷺ وأسماؤه مندرجة فِي أَربع كَلِمَات هن الْبَاقِيَات الصَّالِحَات الْكَلِمَة الأولى قَول سُبْحَانَ الله وَمَعْنَاهَا فِي كَلَام الْعَرَب التَّنْزِيه وَالسَّلب فَهِيَ مُشْتَمِلَة على سلب النَّقْص وَالْعَيْب عَن ذَات الله وَصِفَاته فَمَا كَانَ من أَسْمَائِهِ سلبا فَهُوَ مندرج تَحت هَذِه الْكَلِمَة كالقدوس وَهُوَ الطَّاهِر من كل عيب وَالسَّلَام وَهُوَ الَّذِي سلم من كل آفَة الْكَلِمَة الثَّانِيَة قَول الْحَمد لله وَهِي مُشْتَمِلَة على إِثْبَات ضروب الْكَمَال لذاته وَصِفَاته فَمَا كَانَ من أَسْمَائِهِ متضمنا للإثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير فَهُوَ مندرج تَحت الْكَلِمَة الثَّانِيَة فقد نَفينَا بقولنَا سُبْحَانَ الله كل عيب عَقَلْنَاهُ وكل نقص فهمناه وأثبتنا بِالْحَمْد لله كل كَمَال عَرفْنَاهُ وكل جلال أدركناه ووراء مَا نفيناه وَأَثْبَتْنَاهُ شَأْن عَظِيم قد غَابَ عَنَّا وجهلناه فنحققه من جِهَة الْإِجْمَال بقولنَا الله أكبر وَهِي الْكَلِمَة الثَّالِثَة بِمَعْنى أَن أجل مِمَّا نفيناه وَأَثْبَتْنَاهُ وَذَلِكَ معنى قَوْله ﷺ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك فَمَا كَانَ من أَسْمَائِهِ متضمنا لمدح فَوق مَا عَرفْنَاهُ وأدركناه كالأعلى والمتعالى فَهُوَ مندرج تَحت قَوْلنَا الله أكبر فَإِذا كَانَ فِي الْوُجُود من هَذَا شَأْنه نَفينَا أَن يكون فِي الْوُجُود من يشاكله أَو يناظره فحققنا ذَلِك بقولنَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَهِي الْكَلِمَة الرَّابِعَة

стр. 2899

فَإِن الألوهية ترجع إِلَى اسْتِحْقَاق الْعُبُودِيَّة وَلَا يسْتَحق الْعُبُودِيَّة إِلَّا من اتّصف بِجَمِيعِ مَا ذَكرْنَاهُ فَمَا كَانَ من أَسْمَائِهِ متضمنا للْجَمِيع على الْإِجْمَال كالواحد والأحد وَذي الْجلَال وَالْإِكْرَام فَهُوَ مندرج تَحت قَوْلنَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَإِنَّمَا اسْتحق الْعُبُودِيَّة لما وَجب لَهُ من أَوْصَاف الْجلَال ونعوت الْكَمَال الَّذِي لَا يصفه الواصفون وَلَا يعده العادون (حسنك لَا تَنْقَضِي عجائبه ... كالبحر حدث عَنهُ بِلَا حرج) فسبحان الله من عظم شَأْنه وَعز سُلْطَانه ﴿يسْأَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ لافتقارهم إِلَيْهِ ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ لاقتداره عَلَيْهِ لَهُ الْخلق وَالْأَمر وَالسُّلْطَان والقهر فالخلائق مقهورون فِي قَبضته ﴿وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ ﴿يعذب من يَشَاء وَيرْحَم من يَشَاء وَإِلَيْهِ تقلبون﴾ فسبحان الأزلي الذَّات وَالصِّفَات ومحيي الْأَمْوَات وجامع الرفات الْعَالم بِمَا كَانَ وَمَا هُوَ آتٍ وَلَو أدرجت الْبَاقِيَات الصَّالِحَات فِي كلمة مِنْهَا على سَبِيل الْإِجْمَال وَهِي الْحَمد لله لاندرجت فِيهَا كَمَا قَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لَو شِئْت أَن أوقر بَعِيرًا من قَوْلك الْحَمد لله لفَعَلت فَإِن الْحَمد هُوَ الثَّنَاء وَالثنَاء يكون بِإِثْبَات الْكَمَال تَارَة وبسلب النَّقْص أُخْرَى وَتارَة بالاعتراف بِالْعَجزِ عَن دَرك الْإِدْرَاك وَتارَة بِإِثْبَات التفرد بالكمال والتفرد بالكمال من أَعلَى مَرَاتِب الْمَدْح والكمال فقد اشْتَمَلت هَذِه الْكَلِمَة على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاقِيَات الصَّالِحَات لِأَن الْألف وَاللَّام فِيهَا لاستغراق جنس الْمَدْح وَالْحَمْد مِمَّا علمنَا وجهلناه وَلَا خُرُوج للمدح عَن شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَلَا يسْتَحق الإلهية إِلَّا من اتّصف بِجَمِيعِ مَا قَرَّرْنَاهُ وَلَا يخرج عَن هَذَا الِاعْتِقَاد ملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل وَلَا أحد من أهل الْملَل إِلَّا من خذله الله فَاتبع هَوَاهُ وَعصى مَوْلَاهُ أُولَئِكَ قوم قد غمرهم ذل الْحجاب وطردوا عَن الْبَاب وبعدوا عَن ذَلِك

стр. 2900

الجناب وَحقّ لمن حجب فِي الدُّنْيَا عَن إجلاله ومعرفته أَن يحجب فِي الْآخِرَة عَن إكرامه ورؤيته (أَرض لمن غَابَ عَنْك غيبته ... فَذَاك ذَنْب عِقَابه فِيهِ) فَهَذَا إِجْمَال من اعْتِقَاد الْأَشْعَرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى واعتقاد السّلف وَأهل الطَّرِيقَة والحقيقة نسبته إِلَى التَّفْصِيل الْوَاضِح كنسبة القطرة إِلَى الْبَحْر الطافح (يعرفهُ الباحث من جنسه ... وَسَائِر النَّاس لَهُ مُنكر) غَيره (لقد ظَهرت فَلَا تخفى على أحد ... إِلَّا على أكمه لَا يعرف القمرا) والحشوية المشبهة الَّذين يشبهون الله بخلقه ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يتحاشى من إِظْهَار الحشو ﴿وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء أَلا إِنَّهُم هم الْكَاذِبُونَ﴾ وَالْآخر يتستر بِمذهب السّلف لسحت يَأْكُلهُ أَو حطام يَأْخُذهُ (أظهرُوا للنَّاس نسكا ... وعَلى المنقوش داروا) ﴿يُرِيدُونَ أَن يأمنوكم ويأمنوا قَومهمْ﴾ وَمذهب السّلف إِنَّمَا هُوَ التَّوْحِيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه وَلذَلِك جَمِيع المبتدعة يَزْعمُونَ أَنهم على مَذْهَب السّلف فهم كَمَا قَالَ الْقَائِل (وكل يدعونَ وصال ليلى ... وليلى لَا تقر لَهُم بذاكا) وَكَيف يدعى على السّلف أَنهم يَعْتَقِدُونَ التجسيم والتشبيه أَو يسكتون عِنْد ظُهُور الْبدع ويخالفون قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتموا الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾

стр. 2901

وَقَوله ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ وَقَوله ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَالْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء فَيجب عَلَيْهِم من الْبَيَان مَا وَجب على الْأَنْبِيَاء وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر﴾ وَمن أنكر الْمُنْكَرَات التجسيم والتشبيه وَمن أفضل الْمَعْرُوف التَّوْحِيد والتنزيه وَإِنَّمَا سكت السّلف قبل ظُهُور الْبدع فَوَرَبِّ السَّمَاء ذَات الرجع وَالْأَرْض ذَات الصدع لقد تشمر السّلف للبدع لما ظَهرت فقمعوها أتم القمع وردعوا أَهلهَا أَشد الردع فَردُّوا على الْقَدَرِيَّة والجهمية والجبرية وَغَيرهم من أهل الْبدع فجاهدوا فِي الله حق جهاده وَالْجهَاد ضَرْبَان ضرب بالجدل وَالْبَيَان وَضرب بِالسَّيْفِ والسنان فليت شعري فَمَا الْفرق بَين مجادلة الحشوية وَغَيرهم من أهل الْبدع وَلَوْلَا خبث فِي الضمائر وَسُوء اعْتِقَاد فِي السرائر ﴿يستخفون من النَّاس وَلَا يستخفون من الله وَهُوَ مَعَهم إِذْ يبيتُونَ مَا لَا يرضى من القَوْل﴾ وَإِذا سُئِلَ أحدهم عَن مَسْأَلَة من مسَائِل الحشو أَمر بِالسُّكُوتِ عَن ذَلِك وَإِذا سُئِلَ عَن غير الحشو من الْبدع أجَاب فِيهِ بِالْحَقِّ وَلَوْلَا مَا انطوى عَلَيْهِ بَاطِنه من التجسيم والتشبيه لأجاب فِي مسَائِل الحشو بِالتَّوْحِيدِ والتنزيه وَلم تزل هَذِه الطَّائِفَة المبتدعة قد ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْنَمَا ثقفوا ﴿كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا وَالله لَا يحب المفسدين﴾ لَا تلوح لَهُم فرْصَة إِلَّا طاروا إِلَيْهَا وَلَا فتْنَة إِلَّا أَكَبُّوا عَلَيْهَا وَأحمد بن حَنْبَل وفضلاء أَصْحَابه وَسَائِر عُلَمَاء السّلف بُرَآء إِلَى الله مِمَّا نسبوه إِلَيْهِم واختلقوه عَلَيْهِم وَكَيف يظنّ بِأَحْمَد بن حَنْبَل وَغَيره من الْعلمَاء أَن يعتقدوا أَن وصف الله الْقَدِيم الْقَائِم بِذَاتِهِ هُوَ غير لفظ اللافظين ومداد

стр. 2902

الْكَاتِبين مَعَ أَن وصف الله قديم وَهَذِه الأشكال والألفاظ حَادِثَة بضرورة الْعقل وصريح النَّقْل وَقد أخبر الله تَعَالَى عَن حدوثها فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع من كِتَابه أَحدهَا قَوْله ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ جعل الآتى مُحدثا فَمن زعم أَنه قديم فقد رد على الله وَإِنَّمَا هَذَا الْحَادِث دَلِيل على الْقَدِيم كَمَا أَنا إِذا كتبنَا اسْم الله تَعَالَى فِي ورقة لم يكن الرب الْقَدِيم حَالا فِي تِلْكَ الورقة فَكَذَلِك إِذا كتب الْوَصْف الْقَدِيم فِي شىء لم يحل الْوَصْف الْمَكْتُوب حَيْثُ حلت الْكِتَابَة الْموضع الثَّانِي قَوْله ﴿فَلَا أقسم بِمَا تبصرون وَمَا لَا تبصرون إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ وَقَول الرَّسُول صفة للرسول وَوصف الْحَادِث حَادث يدل على الْكَلَام الْقَدِيم فَمن زعم أَن قَول الرَّسُول قديم فقد رد على رب الْعَالمين وَلم يقْتَصر على الْإِخْبَار بذلك حَتَّى أقسم على ذَلِك بأتم الْأَقْسَام فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا أقسم بِمَا تبصرون﴾ أَي تشاهدون ﴿وَمَا لَا تبصرون﴾ أَي مَا لم تروه فاندرج فِي هَذَا الْقسم ذَاته وَصِفَاته وَغير ذَلِك من مخلوقاته الْموضع الثَّالِث قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس وَاللَّيْل إِذا عسعس وَالصُّبْح إِذا تنفس إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ وَالْعجب مِمَّن يَقُول الْقُرْآن مركب من حرف وَصَوت ثمَّ يزْعم أَنه فِي الْمُصحف وَلَيْسَ فِي الْمُصحف إِلَّا حرف مُجَرّد لَا صَوت مَعَه إِذْ لَيْسَ فِيهِ حرف مَكْتُوب عَن صَوت فَإِن الْحَرْف اللَّفْظِيّ لَيْسَ هُوَ الشكل الكتابى وَلذَلِك يدْرك الْحَرْف اللَّفْظِيّ بالآذان وَلَا يُشَاهد بالعيان ويشاهد الشكل الْكِتَابِيّ بالعيان وَلَا يسمع بالآذان وَمن توقف فِي ذَلِك فَلَا يعد من الْعُقَلَاء فضلا عَن الْعلمَاء فَلَا أَكثر الله فِي الْمُسلمين من أهل الْبدع والأهواء والإضلال والإغواء

стр. 2903

وَمن قَالَ بِأَن الْوَصْف الْقَدِيم حَال فِي الْمُصحف لزمَه إِذا احْتَرَقَ الْمُصحف أَن يَقُول بِأَن وصف الله الْقَدِيم احْتَرَقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا وَمن شَأْن الْقَدِيم أَن لَا يلْحقهُ تغير وَلَا عدم فَإِن ذَلِك منَاف للقدم فَإِن زَعَمُوا أَن الْقُرْآن مَكْتُوب فِي الْمُصحف غير حَال فِيهِ كَمَا يَقُوله الأشعرى فَلم يلعنون الْأَشْعَرِيّ ﵀ وَإِن قَالُوا بِخِلَاف ذَلِك فَانْظُر ﴿كَيفَ يفترون على الله الْكَذِب وَكفى بِهِ إِثْمًا مُبينًا﴾ ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين﴾ وَأما قَوْله ﴿إِنَّه لقرآن كريم فِي كتاب مَكْنُون﴾ فَلَا خلاف بَين أَئِمَّة الْعَرَبيَّة أَنه لَا بُد من كلمة محذوفة يتَعَلَّق بهَا قَوْله ﴿فِي كتاب مَكْنُون﴾ وَيجب الْقطع بِأَن ذَلِك الْمَحْذُوف تَقْدِيره (مَكْتُوب فِي كتاب مَكْنُون) لما ذَكرْنَاهُ وَمَا دلّ عَلَيْهِ الْعقل الشَّاهِد بالوحدانية وبصحة الرسَالَة وَهُوَ منَاط التَّكْلِيف بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَإِنَّمَا لم يسْتَدلّ بِالْعقلِ على الْقدَم وَكفى بِهِ شَاهدا لأَنهم لَا يسمعُونَ شَهَادَته مَعَ أَن الشَّرْع قد عدل الْعقل وَقبل شَهَادَته وَاسْتدلَّ بِهِ فِي مَوَاضِع من كِتَابه كالاستدلال بالإنشاء على الْإِعَادَة وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ وَقَوله ﴿وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض﴾ وَقَوله ﴿أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا خلق الله من شَيْء﴾ فيا خيبة من رد شَاهدا قبله الله وَأسْقط دَلِيلا نَصبه الله فهم يرجعُونَ إِلَى الْمَنْقُول فَلذَلِك استدللنا بالمنقول وَتَركنَا الْمَعْقُول كمينا إِن احتجنا إِلَيْهِ أبرزناه وَإِن لم نحتج إِلَيْهِ

стр. 2904

أخرناه وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح من قَرَأَ الْقُرْآن وأعربه كَانَ لَهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات وَمن قَرَأَهُ وَلم يعربه فَلهُ بِكُل حرف مِنْهُ حَسَنَة وَالْقَدِيم لَا يكون معيبا باللحن وكاملا بالإعراب وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَإِذا أخبر رَسُوله ﷺ بِأَنا نجزى على قِرَاءَة الْقُرْآن دلّ على أَنه من أَعمالنَا وَلَيْسَت أَعمالنَا قديمَة وَإِنَّمَا أُتِي الْقَوْم من قبل جهلهم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وسخافة الْعقل وبلادة الذِّهْن فَإِن لفظ الْقُرْآن يُطلق فِي الشَّرْع وَاللِّسَان على الْوَصْف الْقَدِيم وَيُطلق على الْقِرَاءَة الْحَادِثَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن علينا جمعه وقرآنه﴾ أَرَادَ بقرآنه قِرَاءَته إِذْ لَيْسَ لِلْقُرْآنِ قُرْآن آخر ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه﴾ أَي قِرَاءَته فالقراءة غير المقروء وَالْقِرَاءَة حَادِثَة والمقروء قديم كَمَا أَنا إِذا ذكرنَا الله كَانَ الذّكر حَادِثا وَالْمَذْكُور قَدِيما فَهَذِهِ نبذة من مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ ﵀ (إِذا قَالَت حذام فصدقوها ... فَإِن القَوْل مَا قَالَت حذام) وَالْكَلَام فِي مثل هَذَا يطول وَلَوْلَا مَا وَجب على الْعلمَاء من إعزاز الدّين وإخمال المبتدعين وَمَا طولت بِهِ الحشوية ألسنتهم فِي هَذَا الزَّمَان من الطعْن فِي أَعْرَاض الْمُوَحِّدين والإزراء على كَلَام المنزهين لما أطلت النَّفس فِي مثل هَذَا مَعَ إيضاحه وَلَكِن قد أمرنَا الله بِالْجِهَادِ فِي نصْرَة دينه إِلَّا أَن سلَاح الْعَالم علمه وَلسَانه كَمَا أَن سلَاح الْملك سَيْفه وسنانه فَكَمَا لَا يجوز للملوك إغماد أسلحتهم عَن الْمُلْحِدِينَ وَالْمُشْرِكين لَا يجوز للْعُلَمَاء إغماد ألسنتهم عَن الزائغين والمبتدعين فَمن ناضل عَن الله وَأظْهر دين الله كَانَ جَدِيرًا أَن يَحْرُسهُ الله بِعَيْنِه الَّتِي لَا تنام ويعزه بعزه الَّذِي لَا يضام ويحوطه بركنه الَّذِي

стр. 2905

لَا يرام ويحفظه من جيمع الْأَنَام ﴿وَلَو يَشَاء الله لانتصر مِنْهُم وَلَكِن ليبلو بَعْضكُم بِبَعْض﴾ وَمَا زَالَ المنزهون والموحدون يفتون بذلك على رُؤُوس الأشهاد فِي المحافل والمشاهد ويجهرون بِهِ فِي الْمدَارِس والمساجد وبدعة الحشوية كامنة خُفْيَة لَا يتمكنون من المجاهرة بهَا بل يدسونها إِلَى جهلة الْعَوام وَقد جهروا بهَا فِي هَذَا الأوان فنسأل الله تَعَالَى أَن يعجل بإخمالها كعادته وَيَقْضِي بإذلالها على مَا سبق من سنته وعَلى طَريقَة المنزهين والموحدين درج الْخلف وَالسَّلَف رضى الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ وَالْعجب أَنهم يذمون الْأَشْعَرِيّ بقوله إِن الْخبز لَا يشْبع وَالْمَاء لَا يروي وَالنَّار لَا تحرق وَهَذَا كَلَام أنزل الله مَعْنَاهُ فِي كِتَابه فَإِن الشِّبَع والري والإحراق حوادث انْفَرد الرب بخلقها فَلم يخلق الْخبز الشِّبَع وَلم يخلق المَاء الرّيّ وَلم تخلق النَّار الإحراق وَإِن كَانَت أسبابا فِي ذَلِك فالخالق هُوَ الْمُسَبّب دون السَّبَب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ نفى أَن يكون رَسُوله خَالِقًا للرمى وَإِن كَانَ سَببا فِيهِ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنه هُوَ أضْحك وأبكى وَأَنه هُوَ أمات وَأَحْيَا﴾ فاقتطع الإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء عَن أَسبَابهَا وأضافها إِلَيْهِ فَكَذَلِك اقتطع الْأَشْعَرِيّ ﵀ الشِّبَع والري والإحراق عَن أَسبَابهَا وأضافها إِلَى خَالِقهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَقَوله ﴿هَل من خَالق غير الله﴾ ﴿بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ وَلما يَأْتهمْ تَأْوِيله﴾ ﴿أكذبتم بآياتي وَلم تحيطوا بهَا علما أم مَاذَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾

стр. 2906

(وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم) فسبحان من رَضِي عَن قوم فأدناهم وَسخط على آخَرين فأقصاهم ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وعَلى الْجُمْلَة يَنْبَغِي لكل عَالم إِذا أذلّ الْحق وأخمل الصَّوَاب أَن يبْذل جهده فِي نصرهما وَأَن يَجْعَل نَفسه بالذل والخمول أولى مِنْهُمَا وَإِن عز الْحق فَظهر الصَّوَاب أَن يستظل بظلهما وَأَن يَكْتَفِي باليسير من رشاش غَيرهمَا (قَلِيل مِنْك يَنْفَعنِي وَلَكِن ... قليلك لَا يُقَال لَهُ قَلِيل) والمخاطرة بالنفوس مَشْرُوعَة فِي إعزاز الدّين وَلذَلِك يجوز للبطل من الْمُسلمين أَن ينغمر فِي صُفُوف الْمُشْركين وَكَذَلِكَ المخاطرة بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ونصرة قَوَاعِد الدّين بالحجج والبراهين مَشْرُوعَة فَمن خشِي على نَفسه سقط عَنهُ الْوُجُوب وَبَقِي الِاسْتِحْبَاب وَمن قَالَ بِأَن التَّغْرِير بالنفوس لَا يجوز فقد بعد عَن الْحق ونأى عَن الصَّوَاب وعَلى الْجُمْلَة فَمن آثر الله على نَفسه آثره الله وَمن طلب رضَا الله بِمَا يسْخط النَّاس رضى الله عَنهُ وأرضى عَنهُ النَّاس وَمن طلب رضَا النَّاس بِمَا يسْخط الله سخط الله عَلَيْهِ وأسخط عَلَيْهِ النَّاس وَفِي رضَا الله كِفَايَة عَن رضَا كل أحد (فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترْضى والأنام غضاب) غَيره (فِي كل شَيْء إِذا ضيعته عوض ... وَلَيْسَ فِي الله إِن ضيعته عوض)

стр. 2907

وَقد قَالَ ﷺ احفظ الله يحفظك احفظ الله تَجدهُ أمامك وَجَاء فِي حَدِيث ذكرُوا الله بِأَنْفُسِكُمْ فَإِن الله ينزل العَبْد من نَفسه حَيْثُ أنزلهُ من نَفسه حَتَّى قَالَ بعض الأكابر من أَرَادَ أَن ينظر مَنْزِلَته عِنْد الله فَلْينْظر كَيفَ منزلَة الله عِنْده اللَّهُمَّ فانصر الْحق وَأظْهر الصَّوَاب وأبرم لهَذِهِ الْأمة أمرا رشدا يعز فِيهِ وليك ويذل فِيهِ عَدوك وَيعْمل فِيهِ بطاعتك وَينْهى فِيهِ عَن معصيتك وَالْحَمْد لله الَّذِي إِلَيْهِ استنادي وَعَلِيهِ اعتمادي وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم فَهَذِهِ الْفتيا الَّتِي كتبهَا قَالَ وَلَده الشَّيْخ شرف الدّين عبد اللَّطِيف فَلَمَّا فرغ من كِتَابَة مَا راموه رَمَاه إِلَيْهِم وَهُوَ يضْحك عَلَيْهِم فطاروا بِالْجَوَابِ وهم يَعْتَقِدُونَ أَن الْحُصُول على ذَلِك من الفرص الْعَظِيمَة الَّتِي ظفروا بهَا ويقطعون بهلاكه واستئصاله واستباحة دَمه وَمَاله فأوصلوا الْفتيا إِلَى الْملك الْأَشْرَف ﵀ فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا استشاط غَضبا وَقَالَ صَحَّ عِنْدِي مَا قَالُوهُ عَنهُ وَهَذَا رجل كُنَّا نعتقد أَنه متوحد فِي زَمَانه فِي الْعلم وَالدّين فَظهر بعد الاختبار أَنه من الْفجار لَا بل من الْكفَّار وَكَانَ ذَلِك فِي رَمَضَان عِنْد الْإِفْطَار وَعِنْده على سماطه عَامَّة الْفُقَهَاء من جَمِيع الأقطار فَلم يسْتَطع أحد مِنْهُم أَن يرد عَلَيْهِ بل قَالَ بعض أعيانهم السُّلْطَان أولى بِالْعَفو والصفح وَلَا سِيمَا فِي مثل هَذَا الشَّهْر وموه آخَرُونَ بِكَلَام موجه يُوهم صِحَة مَذْهَب الْخصم ويظهرون أَنهم قد أفتوا بموافقته فَلَمَّا انفصلوا تِلْكَ اللَّيْلَة من مَجْلِسه بالقلعة اشْتغل النَّاس فِي الْبَلَد بِمَا جرى فِي تِلْكَ اللَّيْلَة عِنْد السُّلْطَان وَأقَام الْحق الشَّيْخ الْعَلامَة جمال الدّين أَبَا عَمْرو بن الْحَاجِب الْمَالِكِي وَكَانَ عَالم مذْهبه فِي زَمَانه وَقد جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل رَحمَه الله تَعَالَى فِي هَذِه الْقَضِيَّة وَمضى إِلَى الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء الْأَعْيَان الَّذين حَضَرُوا هَذِه الْقَضِيَّة عِنْد السُّلْطَان

стр. 2908

وشدد عَلَيْهِم النكير وَقَالَ الْعجب أَنكُمْ كلكُمْ على الْحق وغيركم على الْبَاطِل وَمَا فِيكُم من نطق بِالْحَقِّ وسكتم وَمَا انتخبتم لله تَعَالَى وللشريعة المطهرة وَلما تكلم مِنْكُم من تكلم قَالَ السُّلْطَان أولى بالصفح وَالْعَفو وَلَا سِيمَا فِي مثل هَذَا الشَّهْر وَهَذَا غلط يُوهم الذَّنب فَإِن الْعَفو والصفح لَا يكونَانِ إِلَّا عَن جرم وذنب أما كُنْتُم سلكتم طَرِيق التلطف بإعلام السُّلْطَان بِأَن مَا قَالَه ابْن عبد السَّلَام مذهبكم وَهُوَ مَذْهَب أهل الْحق وَأَن جُمْهُور السّلف وَالْخلف على ذَلِك وَلم يخالفهم فِيهِ إِلَّا طَائِفَة مخذولة يخفون مَذْهَبهم ويدسونه على تخوف إِلَى من يستضعفون علمه وعقله وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتموا الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ وَلم يزل يعنفهم ويوبخهم إِلَى أَن اصْطلحَ مَعَهم على أَن يكْتب فتيا بِصُورَة الْحَال ويكتبوا فِيهَا بموافقة ابْن عبد السَّلَام فوافقوه على ذَلِك وَأخذ خطوطهم بموافقته وَالْتمس ابْن عبد السَّلَام من السُّلْطَان أَن يعْقد مَجْلِسا للشَّافِعِيَّة والحنابلة ويحضره الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَغَيرهم من عُلَمَاء الْمُسلمين وَذكر لَهُ أَنه أَخذ خطوط الْفُقَهَاء الَّذين كَانُوا بِمَجْلِس السُّلْطَان لما قُرِئت عَلَيْهِ الْفتيا بموافقتهم لَهُ وَأَنَّهُمْ لم يُمكنهُم الْكَلَام بِحَضْرَة السُّلْطَان فِي ذَلِك الْوَقْت لغضبه وَمَا ظهر من حِدته فِي ذَلِك الْمجْلس وَقَالَ الَّذِي نعتقد فِي السُّلْطَان أَنه إِذا ظهر لَهُ الْحق يرجع إِلَيْهِ وَأَنه يُعَاقب من موه الْبَاطِل عَلَيْهِ وَهُوَ أولى النَّاس بموافقة وَالِده السُّلْطَان الْملك الْعَادِل تغمده الله برحمته ورضوانه فَإِنَّهُ عزّر جمَاعَة من أَعْيَان الْحَنَابِلَة المبتدعة تعزيرا بليغا رادعا وبدع بهم وأهانهم فَلَمَّا اتَّصل ذَلِك بالسلطان استدعى دَوَاة وورقة وَكتب فِيهَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وصل إِلَيّ مَا التمسه الْفَقِيه ابْن عبد السَّلَام أصلحه الله

стр. 2909

من عقد مجْلِس وَجمع الْمُفْتِينَ وَالْفُقَهَاء وَقد وقفنا على خطه وَمَا أفتى بِهِ وَعلمنَا من عقيدته مَا أغْنى عَن الِاجْتِمَاع بِهِ وَنحن فنتبع مَا عَلَيْهِ الْخُلَفَاء الراشدون الَّذين قَالَ ﷺ فِي حَقهم عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي وعقائد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِيهَا كِفَايَة لكل مُسلم يغلب هَوَاهُ وَيتبع الْحق ويتخلص من الْبدع اللَّهُمَّ إِلَّا إِن كنت تَدعِي الِاجْتِهَاد فَعَلَيْك أَن تثبت ليَكُون الْجَواب على قدر الدَّعْوَى لتَكون صَاحب مَذْهَب خَامِس وَأما مَا ذكرته عَن الَّذِي جرى فِي أَيَّام وَالِدي تغمده الله برحمته فَذَلِك الْحَال أَنا أعلم بِهِ مِنْك وَمَا كَانَ لَهُ سَبَب إِلَّا فتح بَاب السَّلامَة لَا لأمر ديني (وجرم جَرّه سُفَهَاء قوم ... فَحل بِغَيْر جانيه الْعَذَاب) وَمَعَ هَذَا فقد ورد فِي الحَدِيث الْفِتْنَة نَائِمَة لعن الله مثيرها وَمن تعرض إِلَى إثارتها قَاتَلْنَاهُ بِمَا يخلصنا من الله تَعَالَى وَمَا يعضد كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﷺ ثمَّ استدعى رَسُولا وصير الرقعة مَعَه إِلَيْهِ فَلَمَّا وَفد بهَا عَلَيْهِ فضها وَقرأَهَا وطواها وَقَالَ للرسول قد وصلت وقرأتها وفهمت مَا فِيهَا فَاذْهَبْ بِسَلام فَقَالَ قد تقدّمت الْأَوَامِر المطاعة السُّلْطَانِيَّة إِلَيّ بإحضارجوابها فَاسْتَحْضر الشَّيْخ دَوَاة وورقة وَكتب فِيهَا مَا مِثَاله بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ أما بعد حمد الله الَّذِي جلت قدرته وعلت كَلمته وعمت رَحمته وسبغت نعْمَته

стр. 2910

فَإِن الله تَعَالَى قَالَ لأحب خلقه إِلَيْهِ وَأكْرمهمْ لَدَيْهِ ﴿وَإِن تُطِع أَكثر من فِي الأَرْض يضلوك عَن سَبِيل الله إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن هم إِلَّا يخرصون﴾ وَقد أنزل الله كتبه وَأرْسل رسله لنصائح خلقه فالسعيد من قبل نصائحه وَحفظ وَصَايَاهُ وَكَانَ فِيمَا أوصى بِهِ خلقه أَن قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أولى من قبلت نصيحته وحفظت وَصيته وَأما طلب الْمجْلس وَجمع الْعلمَاء فَمَا حَملَنِي عَلَيْهِ إِلَّا النصح للسُّلْطَان وَعَامة الْمُسلمين وَقد سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الدّين فَقَالَ الدّين النصحية قيل لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله ولكتابه وَرَسُوله وأئمة الْمُسلمين وعامتهم فالنصح لله بامتثال أوامره وَاجْتنَاب نواهيه ولكتابه بِالْعَمَلِ بمواجبه وَلِرَسُولِهِ بِاتِّبَاع سنته وللأئمة بإرشادهم إِلَى أَحْكَامه وَالْوُقُوف عِنْد أوامره ونواهيه ولعامة الْمُسلمين بدلالتهم على مَا يقربهُمْ إِلَيْهِ ويزلفهم لَدَيْهِ وَقد أدّيت مَا عَليّ فِي ذَلِك والفتيا الَّتِي وَقعت فِي هَذِه الْقَضِيَّة يُوَافق عَلَيْهَا عُلَمَاء الْمُسلمين من الشَّافِعِيَّة والمالكية وَالْحَنَفِيَّة والفضلاء من الْحَنَابِلَة وَمَا يُخَالف فِي ذَلِك إِلَّا رعاع لَا يعبأ الله بهم وَهُوَ الْحق الَّذِي لَا يجوز دَفعه وَالصَّوَاب الَّذِي لَا يُمكن رَفعه وَلَو حضر الْعلمَاء مجْلِس السُّلْطَان لعلم صِحَة مَا أَقُول وَالسُّلْطَان أقدر النَّاس على تَحْقِيق ذَلِك وَلَقَد كتب الْجَمَاعَة خطوطهم بِمثل مَا قلته وَإِنَّمَا سكت من سكت فِي أول الْأَمر لما رأى من غضب السُّلْطَان وَلَوْلَا مَا شاهدوه من غضب السُّلْطَان لما أفتوا أَولا إِلَّا بِمَا رجعُوا إِلَيْهِ آخرا
следующие страницы →