Полный текст (3 926 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
(وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم)
فسبحان من رَضِي عَن قوم فأدناهم وَسخط على آخَرين فأقصاهم ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾
وعَلى الْجُمْلَة يَنْبَغِي لكل عَالم إِذا أذلّ الْحق وأخمل الصَّوَاب أَن يبْذل جهده فِي نصرهما وَأَن يَجْعَل نَفسه بالذل والخمول أولى مِنْهُمَا وَإِن عز الْحق فَظهر الصَّوَاب أَن يستظل بظلهما وَأَن يَكْتَفِي باليسير من رشاش غَيرهمَا
(قَلِيل مِنْك يَنْفَعنِي وَلَكِن ... قليلك لَا يُقَال لَهُ قَلِيل)
والمخاطرة بالنفوس مَشْرُوعَة فِي إعزاز الدّين وَلذَلِك يجوز للبطل من الْمُسلمين أَن ينغمر فِي صُفُوف الْمُشْركين وَكَذَلِكَ المخاطرة بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ونصرة قَوَاعِد الدّين بالحجج والبراهين مَشْرُوعَة فَمن خشِي على نَفسه سقط عَنهُ الْوُجُوب وَبَقِي الِاسْتِحْبَاب وَمن قَالَ بِأَن التَّغْرِير بالنفوس لَا يجوز فقد بعد عَن الْحق ونأى عَن الصَّوَاب
وعَلى الْجُمْلَة فَمن آثر الله على نَفسه آثره الله وَمن طلب رضَا الله بِمَا يسْخط النَّاس رضى الله عَنهُ وأرضى عَنهُ النَّاس وَمن طلب رضَا النَّاس بِمَا يسْخط الله سخط الله عَلَيْهِ وأسخط عَلَيْهِ النَّاس وَفِي رضَا الله كِفَايَة عَن رضَا كل أحد
(فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترْضى والأنام غضاب)
غَيره
(فِي كل شَيْء إِذا ضيعته عوض ... وَلَيْسَ فِي الله إِن ضيعته عوض)
стр. 2907
وَقد قَالَ ﷺ احفظ الله يحفظك احفظ الله تَجدهُ أمامك وَجَاء فِي حَدِيث ذكرُوا الله بِأَنْفُسِكُمْ فَإِن الله ينزل العَبْد من نَفسه حَيْثُ أنزلهُ من نَفسه حَتَّى قَالَ بعض الأكابر من أَرَادَ أَن ينظر مَنْزِلَته عِنْد الله فَلْينْظر كَيفَ منزلَة الله عِنْده
اللَّهُمَّ فانصر الْحق وَأظْهر الصَّوَاب وأبرم لهَذِهِ الْأمة أمرا رشدا يعز فِيهِ وليك ويذل فِيهِ عَدوك وَيعْمل فِيهِ بطاعتك وَينْهى فِيهِ عَن معصيتك
وَالْحَمْد لله الَّذِي إِلَيْهِ استنادي وَعَلِيهِ اعتمادي وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم
فَهَذِهِ الْفتيا الَّتِي كتبهَا قَالَ وَلَده الشَّيْخ شرف الدّين عبد اللَّطِيف فَلَمَّا فرغ من كِتَابَة مَا راموه رَمَاه إِلَيْهِم وَهُوَ يضْحك عَلَيْهِم فطاروا بِالْجَوَابِ وهم يَعْتَقِدُونَ أَن الْحُصُول على ذَلِك من الفرص الْعَظِيمَة الَّتِي ظفروا بهَا ويقطعون بهلاكه واستئصاله واستباحة دَمه وَمَاله فأوصلوا الْفتيا إِلَى الْملك الْأَشْرَف ﵀ فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا استشاط غَضبا وَقَالَ صَحَّ عِنْدِي مَا قَالُوهُ عَنهُ وَهَذَا رجل كُنَّا نعتقد أَنه متوحد فِي زَمَانه فِي الْعلم وَالدّين فَظهر بعد الاختبار أَنه من الْفجار لَا بل من الْكفَّار وَكَانَ ذَلِك فِي رَمَضَان عِنْد الْإِفْطَار وَعِنْده على سماطه عَامَّة الْفُقَهَاء من جَمِيع الأقطار فَلم يسْتَطع أحد مِنْهُم أَن يرد عَلَيْهِ بل قَالَ بعض أعيانهم السُّلْطَان أولى بِالْعَفو والصفح وَلَا سِيمَا فِي مثل هَذَا الشَّهْر وموه آخَرُونَ بِكَلَام موجه يُوهم صِحَة مَذْهَب الْخصم ويظهرون أَنهم قد أفتوا بموافقته فَلَمَّا انفصلوا تِلْكَ اللَّيْلَة من مَجْلِسه بالقلعة اشْتغل النَّاس فِي الْبَلَد بِمَا جرى فِي تِلْكَ اللَّيْلَة عِنْد السُّلْطَان وَأقَام الْحق الشَّيْخ الْعَلامَة جمال الدّين أَبَا عَمْرو بن الْحَاجِب الْمَالِكِي وَكَانَ عَالم مذْهبه فِي زَمَانه وَقد جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل رَحمَه الله تَعَالَى فِي هَذِه الْقَضِيَّة وَمضى إِلَى الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء الْأَعْيَان الَّذين حَضَرُوا هَذِه الْقَضِيَّة عِنْد السُّلْطَان
стр. 2908
وشدد عَلَيْهِم النكير وَقَالَ الْعجب أَنكُمْ كلكُمْ على الْحق وغيركم على الْبَاطِل وَمَا فِيكُم من نطق بِالْحَقِّ وسكتم وَمَا انتخبتم لله تَعَالَى وللشريعة المطهرة وَلما تكلم مِنْكُم من تكلم قَالَ السُّلْطَان أولى بالصفح وَالْعَفو وَلَا سِيمَا فِي مثل هَذَا الشَّهْر وَهَذَا غلط يُوهم الذَّنب فَإِن الْعَفو والصفح لَا يكونَانِ إِلَّا عَن جرم وذنب أما كُنْتُم سلكتم طَرِيق التلطف بإعلام السُّلْطَان بِأَن مَا قَالَه ابْن عبد السَّلَام مذهبكم وَهُوَ مَذْهَب أهل الْحق وَأَن جُمْهُور السّلف وَالْخلف على ذَلِك وَلم يخالفهم فِيهِ إِلَّا طَائِفَة مخذولة يخفون مَذْهَبهم ويدسونه على تخوف إِلَى من يستضعفون علمه وعقله وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتموا الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ وَلم يزل يعنفهم ويوبخهم إِلَى أَن اصْطلحَ مَعَهم على أَن يكْتب فتيا بِصُورَة الْحَال ويكتبوا فِيهَا بموافقة ابْن عبد السَّلَام فوافقوه على ذَلِك وَأخذ خطوطهم بموافقته وَالْتمس ابْن عبد السَّلَام من السُّلْطَان أَن يعْقد مَجْلِسا للشَّافِعِيَّة والحنابلة ويحضره الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَغَيرهم من عُلَمَاء الْمُسلمين وَذكر لَهُ أَنه أَخذ خطوط الْفُقَهَاء الَّذين كَانُوا بِمَجْلِس السُّلْطَان لما قُرِئت عَلَيْهِ الْفتيا بموافقتهم لَهُ وَأَنَّهُمْ لم يُمكنهُم الْكَلَام بِحَضْرَة السُّلْطَان فِي ذَلِك الْوَقْت لغضبه وَمَا ظهر من حِدته فِي ذَلِك الْمجْلس وَقَالَ الَّذِي نعتقد فِي السُّلْطَان أَنه إِذا ظهر لَهُ الْحق يرجع إِلَيْهِ وَأَنه يُعَاقب من موه الْبَاطِل عَلَيْهِ وَهُوَ أولى النَّاس بموافقة وَالِده السُّلْطَان الْملك الْعَادِل تغمده الله برحمته ورضوانه فَإِنَّهُ عزّر جمَاعَة من أَعْيَان الْحَنَابِلَة المبتدعة تعزيرا بليغا رادعا وبدع بهم وأهانهم
فَلَمَّا اتَّصل ذَلِك بالسلطان استدعى دَوَاة وورقة وَكتب فِيهَا
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وصل إِلَيّ مَا التمسه الْفَقِيه ابْن عبد السَّلَام أصلحه الله
стр. 2909
من عقد مجْلِس وَجمع الْمُفْتِينَ وَالْفُقَهَاء وَقد وقفنا على خطه وَمَا أفتى بِهِ وَعلمنَا من عقيدته مَا أغْنى عَن الِاجْتِمَاع بِهِ وَنحن فنتبع مَا عَلَيْهِ الْخُلَفَاء الراشدون الَّذين قَالَ ﷺ فِي حَقهم عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي وعقائد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِيهَا كِفَايَة لكل مُسلم يغلب هَوَاهُ وَيتبع الْحق ويتخلص من الْبدع اللَّهُمَّ إِلَّا إِن كنت تَدعِي الِاجْتِهَاد فَعَلَيْك أَن تثبت ليَكُون الْجَواب على قدر الدَّعْوَى لتَكون صَاحب مَذْهَب خَامِس وَأما مَا ذكرته عَن الَّذِي جرى فِي أَيَّام وَالِدي تغمده الله برحمته فَذَلِك الْحَال أَنا أعلم بِهِ مِنْك وَمَا كَانَ لَهُ سَبَب إِلَّا فتح بَاب السَّلامَة لَا لأمر ديني
(وجرم جَرّه سُفَهَاء قوم ... فَحل بِغَيْر جانيه الْعَذَاب)
وَمَعَ هَذَا فقد ورد فِي الحَدِيث الْفِتْنَة نَائِمَة لعن الله مثيرها وَمن تعرض إِلَى إثارتها قَاتَلْنَاهُ بِمَا يخلصنا من الله تَعَالَى وَمَا يعضد كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﷺ ثمَّ استدعى رَسُولا وصير الرقعة مَعَه إِلَيْهِ
فَلَمَّا وَفد بهَا عَلَيْهِ فضها وَقرأَهَا وطواها وَقَالَ للرسول قد وصلت وقرأتها وفهمت مَا فِيهَا فَاذْهَبْ بِسَلام
فَقَالَ قد تقدّمت الْأَوَامِر المطاعة السُّلْطَانِيَّة إِلَيّ بإحضارجوابها
فَاسْتَحْضر الشَّيْخ دَوَاة وورقة وَكتب فِيهَا مَا مِثَاله
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ أما بعد حمد الله الَّذِي جلت قدرته وعلت كَلمته وعمت رَحمته وسبغت نعْمَته
стр. 2910
فَإِن الله تَعَالَى قَالَ لأحب خلقه إِلَيْهِ وَأكْرمهمْ لَدَيْهِ ﴿وَإِن تُطِع أَكثر من فِي الأَرْض يضلوك عَن سَبِيل الله إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن هم إِلَّا يخرصون﴾ وَقد أنزل الله كتبه وَأرْسل رسله لنصائح خلقه فالسعيد من قبل نصائحه وَحفظ وَصَايَاهُ وَكَانَ فِيمَا أوصى بِهِ خلقه أَن قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أولى من قبلت نصيحته وحفظت وَصيته
وَأما طلب الْمجْلس وَجمع الْعلمَاء فَمَا حَملَنِي عَلَيْهِ إِلَّا النصح للسُّلْطَان وَعَامة الْمُسلمين وَقد سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الدّين فَقَالَ الدّين النصحية قيل لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله ولكتابه وَرَسُوله وأئمة الْمُسلمين وعامتهم فالنصح لله بامتثال أوامره وَاجْتنَاب نواهيه ولكتابه بِالْعَمَلِ بمواجبه وَلِرَسُولِهِ بِاتِّبَاع سنته وللأئمة بإرشادهم إِلَى أَحْكَامه وَالْوُقُوف عِنْد أوامره ونواهيه ولعامة الْمُسلمين بدلالتهم على مَا يقربهُمْ إِلَيْهِ ويزلفهم لَدَيْهِ وَقد أدّيت مَا عَليّ فِي ذَلِك
والفتيا الَّتِي وَقعت فِي هَذِه الْقَضِيَّة يُوَافق عَلَيْهَا عُلَمَاء الْمُسلمين من الشَّافِعِيَّة والمالكية وَالْحَنَفِيَّة والفضلاء من الْحَنَابِلَة وَمَا يُخَالف فِي ذَلِك إِلَّا رعاع لَا يعبأ الله بهم وَهُوَ الْحق الَّذِي لَا يجوز دَفعه وَالصَّوَاب الَّذِي لَا يُمكن رَفعه وَلَو حضر الْعلمَاء مجْلِس السُّلْطَان لعلم صِحَة مَا أَقُول وَالسُّلْطَان أقدر النَّاس على تَحْقِيق ذَلِك وَلَقَد كتب الْجَمَاعَة خطوطهم بِمثل مَا قلته وَإِنَّمَا سكت من سكت فِي أول الْأَمر لما رأى من غضب السُّلْطَان وَلَوْلَا مَا شاهدوه من غضب السُّلْطَان لما أفتوا أَولا إِلَّا بِمَا رجعُوا إِلَيْهِ آخرا
стр. 2911
وَمَعَ ذَلِك فتكتب مَا ذكرته فِي الْفتيا وَمَا ذكره الْغَيْر وتبعث بِهِ إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام ليكتب فيهاكل من يجب الرُّجُوع إِلَيْهِ ويعتمد فِي الْفتيا عَلَيْهِ وَنحن نحضر كتب الْعلمَاء المعتبرين ليقف عَلَيْهَا السُّلْطَان
وَبَلغنِي أَنهم ألقوا إِلَى سمع السُّلْطَان أَن الْأَشْعَرِيّ يستهين بالمصحف وَلَا خلاف بَين الأشعرية وَجَمِيع عُلَمَاء الْمُسلمين أَن تَعْظِيم الْمُصحف وَاجِب وَعِنْدنَا أَن من استهان بالمصحف أَو بِشَيْء مِنْهُ فقد كفر وانفسخ نِكَاحه وَصَارَ مَاله فَيْئا للْمُسلمين وَيضْرب عُنُقه وَلَا يغسل وَلَا يُكفن وَلَا يصلى عَلَيْهِ وَلَا يدْفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين بل يتْرك بالقاع طعمة للسباع
ومذهبنا أَن كَلَام الله سُبْحَانَهُ قديم أزلي قَائِم بِذَاتِهِ لَا يشبه كَلَام الْخلق كَمَا لَا يشبه ذَاته ذَات الْخلق وَلَا يتَصَوَّر فِي شَيْء من صِفَاته أَن تفارق ذَاته إِذْ لَو فارقته لصار نَاقِصا تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَهُوَ مَعَ ذَلِك مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف مَحْفُوظ فِي الصُّدُور مقروء بالألسنة وَصفَة الله الْقَدِيمَة لَيست بمداد للكاتبين وَلَا أَلْفَاظ اللافظين وَمن اعْتقد ذَلِك فقد فَارق الدّين وَخرج عَن عقائد الْمُسلمين بل لَا يعْتَقد ذَلِك إِلَّا جَاهِل غبي ﴿وربنا الرَّحْمَن الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾
وَلَيْسَ رد الْبدع وإبطالها من بَاب إثارة الْفِتَن فَإِن الله سُبْحَانَهُ أَمر الْعلمَاء بذلك وَأمرهمْ بِبَيَان مَا علموه وَمن امتثل أَمر الله وَنصر دين الله لَا يجوز أَن يلعنه رَسُول الله ﷺ
وَأما مَا ذكر من أَمر الِاجْتِهَاد وَالْمذهب الْخَامِس فأصول الدّين لَيْسَ فِيهَا مَذَاهِب فَإِن الأَصْل وَاحِد وَالْخلاف فِي الْفُرُوع وَمثل هَذَا الْكَلَام مِمَّا اعتمدتم فِيهِ قَول من لَا يجوز أَن يعْتَمد قَوْله وَالله أعلم بِمن يعرف دينه وَيقف عِنْد حُدُوده وَبعد ذَلِك
стр. 2912
فَإنَّا نزعم أَنا من جملَة حزب الله وأنصار دينه وجنده وكل جندي لَا يخاطر بِنَفسِهِ فَلَيْسَ بجندي
وَأما مَا ذكر من أَمر بَاب السَّلامَة فَنحْن تكلمنا فِيهِ بِمَا ظهر لنا من أَن السُّلْطَان الْملك الْعَادِل رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّمَا فعل ذَلِك إعزازا لدين الله تَعَالَى ونصرة للحق وَنحن نحكم بِالظَّاهِرِ وَالله يتَوَلَّى السرائر وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم
وَكَانَ يَكْتُبهَا وَهُوَ مسترسل من غير توقف وَلَا تردد وَلَا تلعثم فَلَمَّا أنهى كتَابَتهَا طواها وختمها وَدفعهَا إِلَى الرَّسُول
وَكَانَ عِنْده حَالَة كتَابَتهَا رجل من الْعلمَاء الفضلاد وَمِمَّنْ يحضر مجْلِس السُّلْطَان فَوَقفهُ على الرقعة الَّتِي وَردت من الْملك الْأَشْرَف فَتغير لَونه واعتقد أَن الشَّيْخ يعجز عَن الْجَواب لما شَاهد فِي ورقة السُّلْطَان من شَدِيد الْخطاب فَلَمَّا خطّ الشَّيْخ الْكتاب مسترسلا عجلا وَهُوَ يُشَاهد مَا يَكْتُبهُ بَطل عِنْده مَا كَانَ يحسبه وَقَالَ لَهُ ذَلِك الْعَالم لَو كَانَت هَذِه الرقعة الَّتِي وصلت إِلَيْك وصلت إِلَى قس بن سَاعِدَة لعجز عَن الْجَواب وَعدم الصَّوَاب وَلَكِن هَذَا تأييد إلهي
فَلَمَّا عَاد الرَّسُول إِلَى السُّلْطَان ﵀ وأوصله الرقعة فعندما فضها وقرئت عَلَيْهِ اشتدت استشاطته وَعظم غَضَبه وتيقن الْعَدو تلف الشَّيْخ وعطبه ثمَّ استدعى الغرز خَلِيلًا وَكَانَ إِذْ ذَاك أستاذ دَاره وَكَانَ من المحبين للشَّيْخ والمعتقدين فِيهِ فَحَمله رِسَالَة إِلَى الشَّيْخ وَقَالَ لَهُ تعود إِلَيّ سَرِيعا بِالْجَوَابِ
стр. 2913
فَذهب الغرز إِلَيْهِ وَجلسَ بَين يَدَيْهِ بِحسن تودد وتأدب وتأن ثمَّ قَالَ لَهُ أَنا رَسُول ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ وَالله لقد تعصبوا عَلَيْك وأعنتهم أَنْت على نَفسك بِعَدَمِ اجتماعك فِي مبدإ الْأَمر بالسلطان وَلَو كَانَ رآك وَلَو مرّة وَاحِدَة لما كَانَ شَيْء من هَذِه الْأُمُور أصلا وَكنت أَنْت عِنْده الْأَعْلَى فَقَالَ لَهُ أد الرسَالَة كَمَا قيلت لَك وَلَا تسْأَل فَقَالَ لَا تسْأَل مَا حصل عِنْد السُّلْطَان عِنْد وُقُوفه على ورقتك وَلَا سِيمَا أَنه وجد فِيهَا مَا لَا يعهده من مُخَاطبَة النَّاس للملوك مُضَافا إِلَى مَا ذكرته من مُخَالفَة اعْتِقَاده فَقَالَ لي اذْهَبْ إِلَى ابْن عبد السَّلَام وَقل لَهُ إِنَّا قد شرطنا عَلَيْهِ ثَلَاثَة شُرُوط أَحدهَا أَنه لَا يُفْتى وَالثَّانيَِة أَنه لَا يجْتَمع بِأحد وَالثَّالِثَة أَنه يلْزم بَيته
فَقَالَ لَهُ يَا غرز إِن هَذِه الشُّرُوط من نعم الله الجزيلة عَليّ الْمُوجبَة للشكر لله تَعَالَى على الدَّوَام أما الْفتيا فَإِنِّي كنت وَالله متبرما بهَا وأكرهها وأعتقد أَن الْمُفْتِي على شَفير جَهَنَّم وَلَوْلَا أَنِّي أعتقد أَن الله أوجبهَا عَليّ لتعينها عَليّ فِي هَذَا الزَّمَان لما كنت تلوثت بهَا والآن فقد عذرني الْحق وَسقط عني الْوُجُوب وتخلصت ذِمَّتِي وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَأما ترك اجتماعي بِالنَّاسِ ولزومي لبيتي فَمَا أَنا فِي بَيْتِي الْآن وَإِنَّمَا أَنا فِي بُسْتَان وَكَانَ فِي تِلْكَ السّنة اسْتَأْجر بستانا متطرفا عَن الْبَسَاتِين وَكَانَ مخوفا فَقَالَ لَهُ الغرز الْبُسْتَان هُوَ الْآن بَيْتك
واتفقت لَهُ فِيهِ أعجوبة وَهُوَ أَن جمَاعَة من المفسدين قصدوه فِي لَيْلَة مُقْمِرَة وَهُوَ فِي جوسق عَال ودخلوا الْبُسْتَان واحتاطوا بالجوسق فخاف أَهله خوفًا شَدِيدا فَعِنْدَ ذَلِك نزل إِلَيْهِم وَفتح بَاب الْجَوْسَقِ وَقَالَ أَهلا بضيوفنا
стр. 2914
وأجلسهم فِي مقْعد حسن وَكَانَ مهيبا مَقْبُول الصُّورَة فهابوه وسخرهم الله لَهُ وأخرجوا لَهُم من الْجَوْسَقِ ضِيَافَة حَسَنَة فتناولوها وطلبوا مِنْهُ الدُّعَاء وعصم الله أَهله وجماعته مِنْهُم بِصدق نِيَّته وكرم طويته وَانْصَرفُوا عَنهُ
عدنا إِلَى مجاوبته للغرز خَلِيل
فَقَالَ لَهُ يَا غرز من سعادتي لزومي لبيتي وتفرغي لعبادة رَبِّي والسعيد من لزم بَيته وَبكى على خطيئته واشتغل بِطَاعَة الله تَعَالَى وَهَذَا تسليك من الْحق وهدية من الله تَعَالَى إِلَيّ أجراها على يَد السُّلْطَان وَهُوَ غَضْبَان وَأَنا بهَا فرحان وَالله يَا غرز لَو كَانَت عِنْدِي خلعة تصلح لَك على هَذِه الرسَالَة المتضمنة لهَذِهِ الْبشَارَة لخلعت عَلَيْك وَنحن على الْفتُوح خُذ هَذِه السجادة صل عَلَيْهَا فقبلها وَقبلهَا وودعه وَانْصَرف إِلَى السُّلْطَان وَذكر لَهُ مَا جرى بَينه وَبَينه فَقَالَ لمن حَضَره قُولُوا لي مَا أفعل بِهِ هَذَا رجل يرى الْعقُوبَة نعْمَة اتركوه بَيْننَا وَبَينه الله
ثمَّ إِن الشَّيْخ بَقِي على تِلْكَ الْحَالة ثَلَاثَة أَيَّام
ثمَّ إِن الشَّيْخ الْعَلامَة جمال الدّين الحصيري شيخ الْحَنَفِيَّة فِي زَمَانه وَكَانَ قد جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل ركب حمارا لَهُ وَحَوله أَصْحَابه وَقصد السُّلْطَان فَلَمَّا بلغ الْملك الْأَشْرَف دُخُول الحصيري إِلَى القلعة أرسل إِلَيْهِ خاصته يتلقونه وَأمرهمْ أَن يدخلوه إِلَى دَار الْإِمَارَة رَاكِبًا على حِمَاره فَلَمَّا رَآهُ السُّلْطَان وثب قَائِما وَمَشى إِلَيْهِ وأنزله عَن حِمَاره
стр. 2915
وَأَجْلسهُ على تكرمته واستبشر بوفوده عَلَيْهِ وَكَانَ فِي رَمَضَان قريب غرُوب الشَّمْس فَلَمَّا دخل وَقت الْمغرب وَأذن الْمُؤَذّن صلوا صَلَاة الْمغرب وأحضر للسُّلْطَان قدح شراب فتناوله وناوله للشَّيْخ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ مَا جِئْت إِلَى طَعَامك وَلَا إِلَى شرابك فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان يرسم الشَّيْخ وَنحن نمتثل مرسومه فَقَالَ لَهُ أيش بَيْنك وَبَين ابْن عبد السَّلَام وَهَذَا رجل لَو كَانَ فِي الْهِنْد أَو فِي أقْصَى الدُّنْيَا كَانَ يَنْبَغِي للسُّلْطَان أَن يسْعَى فِي حُلُوله فِي بِلَاده لتتم بركته عَلَيْهِ وعَلى بِلَاده ويفتخر بِهِ على سَائِر الْمُلُوك
قَالَ السُّلْطَان عِنْدِي خطه باعتقاده فِي فتيا وخطه أَيْضا فِي رقْعَة جَوَاب رقْعَة سيرتها إِلَيْهِ فيقف الشَّيْخ عَلَيْهِمَا وَيكون الحكم بيني وَبَينه ثمَّ أحضر السُّلْطَان الورقتين فَوقف عَلَيْهِمَا وقرأهما إِلَى آخرهما وَقَالَ هَذَا اعْتِقَاد الْمُسلمين وشعار الصَّالِحين ويقين الْمُؤمنِينَ وكل مَا فيهمَا صَحِيح وَمن خَالف مَا فيهمَا وَذهب إِلَى مَا قَالَه الْخصم من إِثْبَات الْحَرْف وَالصَّوْت فَهُوَ حمَار
فَقَالَ السُّلْطَان ﵀ نَحن نَسْتَغْفِر الله مِمَّا جرى ونستدرك الفارط فِي حَقه وَالله لأجعلنه أغْنى الْعلمَاء وَأرْسل إِلَى الشَّيْخ واسترضاه وَطلب محاللته ومخاللته
وَكَانَت الْحَنَابِلَة قد استنصروا على أهل السّنة وعلت كلمتهم بِحَيْثُ إِنَّهُم صَارُوا إِذا خلوا بهم فِي الْمَوَاضِع الخالية يسبونهم ويضربونهم ويذمونهم فعندما اجْتمع الشَّيْخ جمال الدّين الحصيري ﵀ بالسلطان وَتحقّق مَا عَلَيْهِ الجم الْغَفِير من اعْتِقَاد أهل الْحق تقدم إِلَى الْفَرِيقَيْنِ بالإمساك عَن الْكَلَام فِي مَسْأَلَة الْكَلَام وَأَن لَا يُفْتِي فِيهَا أحد بِشَيْء سدا لباب الْخِصَام فَانْكَسَرت المبتدعة بعض الانكسار وَفِي النُّفُوس مَا فِيهَا
стр. 2916
وَلم يزل الْأَمر مستمرا على ذَلِك إِلَى أَن اتّفق وُصُول السُّلْطَان الْملك الْكَامِل ﵀ إِلَى دمشق من الديار المصرية وَكَانَ اعْتِقَاده صَحِيحا وَهُوَ من المتعصبين لأهل الْحق قَائِل بقول الْأَشْعَرِيّ ﵀ فِي الِاعْتِقَاد وَكَانَ وَهُوَ فِي الديار المصرية قد سمع مَا جرى فِي دمشق فِي مَسْأَلَة الْكَلَام فرام الِاجْتِمَاع بالشيخ فَاعْتَذر إِلَيْهِ فَطلب مِنْهُ أَن يكْتب لَهُ مَا جرى فِي هَذِه الْقَضِيَّة مستقصى مُسْتَوفى فَأمرنِي وَالِدي ﵀ بِكِتَابَة مَا سقته فِي هَذَا الْجُزْء من أول الْقَضِيَّة إِلَى آخرهَا
فَلَمَّا وصل ذَلِك إِلَيْهِ ووقف عَلَيْهِ أسر ذَلِك فِي نَفسه إِلَى أَن اجْتمع بالسلطان الْملك الْأَشْرَف ﵀ وَقَالَ لَهُ يَا خوند كنت قد سَمِعت أَنه جرى بَين الشَّافِعِيَّة والحنابلة خصام فِي مَسْأَلَة الْكَلَام وَأَن الْقَضِيَّة اتَّصَلت بالسلطان فَمَاذَا صنعت فِيهَا فَقَالَ يَا خوند منعت الطَّائِفَتَيْنِ من الْكَلَام فِي مَسْأَلَة الْكَلَام وَانْقطع بذلك الْخِصَام
فَقَالَ السُّلْطَان الْملك الْكَامِل وَالله مليح مَا هَذِه إِلَّا سياسة وسلطنة تَسَاوِي بَين أهل الْحق وَالْبَاطِل وتمنع أهل الْحق من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَأَن يكتموا مَا أنزل الله عَلَيْهِم كَانَ الطَّرِيق أَن تمكن أهل السّنة من أَن يلحنوا بحججهم وَأَن يظهروا دين الله وَأَن تشنق من هَؤُلَاءِ المبتدعة عشْرين نفسا ليرتدع غَيرهم وَأَن تمكن الْمُوَحِّدين من إرشاد الْمُسلمين وَأَن يبينوا لَهُم طَرِيق الْمُؤمنِينَ
فَعِنْدَ ذَلِك ذلت رِقَاب المبتدعة وانقلبوا خائبين وعادوا خَاسِئِينَ ﴿ورد الله الَّذين كفرُوا بغيظهم لم ينالوا خيرا وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال﴾ وَكَانَ ذَلِك على يَد
стр. 2917
السُّلْطَان الْملك الْكَامِل ﵀ وانقشعت الْمَسْأَلَة للسُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف وَصرح بخجله وحيائه من الشَّيْخ وَقَالَ لقد غلطنا فِي حق ابْن عبد السَّلَام غلطة عَظِيمَة وَصَارَ يترضاه وَيعْمل بفتاويه وَمَا أفتاه وَيطْلب أَن يقْرَأ عَلَيْهِ تصانيفه الصغار مثل الملحة فِي اعْتِقَاد أهل الْحق الَّتِي ذكر بَعْضهَا فِي الْفتيا وقرئت عَلَيْهِ مَقَاصِد الصَّلَاة فِي يَوْم ثَلَاث مَرَّات تقْرَأ عَلَيْهِ وَكلما دخل عَلَيْهِ أحد من خواصه يَقُول للقارئ اقْرَأ مَقَاصِد الصَّلَاة لِابْنِ عبد السَّلَام حتي يسْمعهَا فلَان يَنْفَعهُ الله بسماعها حَتَّى قَالَ وَالِدي ﵀ لَو قُرِئت مَقَاصِد الصَّلَاة على بعض مَشَايِخ الزوايا أَو على متزهد أَو مُرِيد أَو متصوف مرّة وَاحِدَة فِي مجْلِس لما أَعَادَهَا فِيهِ مرّة أُخْرَى
وَلَقَد دخل على السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف الشَّيْخ شمس الدّين سبط ابْن الْجَوْزِيّ وَكَانَ واعظ الزَّمَان وَكَانَ لَهُ قبُول عَظِيم وشاهدت مِنْهُ عجبا كَانَ يطلع على الْمِنْبَر فِي بعض الْأَيَّام ويحدق النَّاس إِلَيْهِ وينتحب ويبكي ويبكى النَّاس مَعَه وَيقْتلُونَ أنفسهم وَيذْهب هائما على وَجهه وَيذْهب النَّاس من مَجْلِسه وهم سكارى حيارى وَكَانَ يجلس الثَّلَاثَة الْأَشْهر رَجَب وَشَعْبَان ورمضان فِي كل سبت وَالنَّاس يتأهبون لحضور مَجْلِسه قبل السبت بِثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا دخل على السُّلْطَان نَاوَلَهُ مَقَاصِد الصَّلَاة وَقَالَ اقرأها فقرأها بَين يَدَيْهِ واستحسنها وَقَالَ لم يصنف أحد مثلهَا فَقَالَ لَهُ طرز مجلسك الْآتِي بذكرها وحرض النَّاس عَلَيْهَا فَلَمَّا جَاءَ الميعاد صعد الْمِنْبَر وَحمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على نبيه ﷺ وَقَالَ اعلموا أَن أفضل الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة الصَّلَاة وَهِي صلَة بَين العَبْد وربه فَعَلَيْكُم بمقاصد الصَّلَاة تصنيف ابْن عبد السَّلَام فاسمعوها وعوها واحفظوها وعلموها أَوْلَادكُم وَمن يعز عَلَيْكُم وَكَانَ لَهَا وَقع عَظِيم فِي ذَلِك الْمجْلس وَكتب مِنْهَا من النّسخ مَا لَا يُحْصى عدده
стр. 2918
وَلم يزل وَالِدي مُعظما عِنْد السُّلْطَان إِلَى أَن مرض مرضة الْمَوْت قَالَ لأكبر أَصْحَابه اذْهَبْ إِلَى ابْن عبد السَّلَام وَقل لَهُ محبك مُوسَى ابْن الْملك الْعَادِل أبي بكر يسلم عَلَيْك ويسألك أَن تعوده وَتَدْعُو لَهُ وتوصيه بِمَا ينْتَفع بِهِ غَدا عِنْد الله فَلَمَّا وصل الرَّسُول إِلَيْهِ بِهَذِهِ الرسَالَة قَالَ نعم إِن هَذِه العيادة لمن أفضل الْعِبَادَات لما فِيهَا من النَّفْع الْمُتَعَدِّي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَتوجه إِلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ فسر بِرُؤْيَتِهِ سُرُورًا عَظِيما وَقبل يَده وَقَالَ يَا عز الدّين اجْعَلنِي فِي حل وادع الله لي وأوصني وانصحني فَقَالَ لَهُ أما محاللتك فَإِنِّي كل لَيْلَة أحالل الْخلق وأبيت وَلَيْسَ لي عِنْد أحد مظْلمَة وَأرى أَن يكون أجري على الله وَلَا يكون على النَّاس عملا بقوله تَعَالَى ﴿فَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على الله﴾ وَأَن يكون أجري على الله وَلَا يكون على خلقه أحب إِلَيّ وَأما دعائي للسُّلْطَان فَإِنِّي أَدْعُو لَهُ فِي كثير من الأحيان لما فِي صَلَاحه من صَلَاح الْمُسلمين وَالْإِسْلَام وَالله تَعَالَى يبصر السُّلْطَان فِيمَا يبيض بِهِ وَجهه عِنْده يَوْم يلقاه وَأما وصيتي ونصيحتي للسُّلْطَان فقد وَجَبت وتعينت لقبوله وتقاضيه وَكَانَ قبيل مَرضه قد وَقع بَينه وَبَين أَخِيه السُّلْطَان الْملك الْكَامِل وَاقع ووحشة وَأمر وَهُوَ فِي ذَلِك الْمَرَض بِنصب دهليزه إِلَى صوب مصر وَضرب منزلَة تسمى الْكسْوَة وَكَانَ فِي ذَلِك الزَّمَان قد ظهر التتر بالشرق فَقَالَ الشَّيْخ للسُّلْطَان الْملك الْكَامِل أَخُوك الْكَبِير ورحمك وَأَنت مَشْهُور بالفتوحات والنصر على الْأَعْدَاء والتتر قد خَاضُوا بِلَاد الْمُسلمين تتْرك ضرب دهليزك إِلَى أَعدَاء الله وأعداء الْمُسلمين وتضربه إِلَى جِهَة أَخِيك فينقل السُّلْطَان دهليزه إِلَى جِهَة التتار وَلَا تقطع رَحِمك فِي هَذِه الْحَالة وتنوي مَعَ الله نصر دينه وإعزاز كَلمته فَإِن من الله بعافية السُّلْطَان رجونا من الله إدالته على الْكفَّار وَكَانَت فِي مِيزَانه هَذِه الْحَسَنَة الْعَظِيمَة فَإِن قضى الله تَعَالَى بانتقاله إِلَيْهِ كَانَ السُّلْطَان فِي خفارة نِيَّته
стр. 2919
فَقَالَ لَهُ جَزَاك الله خيرا عَن إرشادك وَنَصِيحَتِك وَأمر وَالشَّيْخ حَاضر فِي الْوَقْت بِنَقْل دهليزه إِلَى الشرق إِلَى منزلَة يُقَال لَهَا الْقصير فَنقل فِي ذَلِك الْيَوْم ثمَّ قَالَ لَهُ زِدْنِي من نصائحك ووصاياك
فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان فِي مثل هَذَا الْمَرَض وَهُوَ على خطر ونوابه يبيحون فروج النِّسَاء ويدمنون الْخُمُور ويرتكبون الْفُجُور ويتنوعون فِي تمكيس الْمُسلمين وَمن أفضل مَا تلقى الله بِهِ أَن تتقدم بِإِبْطَال هَذِه القاذورات وبإبطال كل مكس وَدفع كل مظْلمَة فَتقدم ﵀ للْوَقْت بِإِبْطَال ذَلِك كُله وَقَالَ لَهُ جَزَاك الله عَن دينك وَعَن نصائحك وَعَن الْمُسلمين خيرا وَجمع بيني وَبَيْنك فِي الْجنَّة بمنه وَكَرمه وَأطلق لَهُ ألف دِينَار مصرية فَردهَا عَلَيْهِ وَقَالَ هَذِه اجتماعة لله لَا أكدرها بِشَيْء من الدُّنْيَا
وودع الشَّيْخ السُّلْطَان وَمضى إِلَى الْبَلَد وَقد شاع عِنْد النَّاس صُورَة الْمجْلس وتبطيل الْمُنْكَرَات وباشر الشَّيْخ بِنَفسِهِ تبطيل بَعْضهَا ثمَّ لم يمض الصَّالح إِسْمَاعِيل تبطيل الْمُنْكَرَات لِأَنَّهُ كَانَ الْمُبَاشر لتدبير الْملك والسلطنة يَوْمئِذٍ نِيَابَة وَالسُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف بعد فِي الْحَيَاة ثمَّ اسْتَقل بِالْملكِ بعده وَكَانَ أعظم مِنْهُ فِي اعْتِقَاد الْحَرْف وَالصَّوْت وَفِي اعْتِقَاده فِي مَشَايِخ الْحَنَابِلَة ثمَّ لم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قدم السُّلْطَان الْملك الْكَامِل من الديار المصرية بعساكره وجحافله وجيوشه إِلَى دمشق وحاصر أَخَاهُ إِسْمَاعِيل بِدِمَشْق يَسِيرا ثمَّ اصْطلحَ مَعَه وَحضر الشَّيْخ عِنْد السُّلْطَان الْملك الْكَامِل فَأكْرمه غَايَة الْإِكْرَام وَأَجْلسهُ على تكرمته والصالح إِسْمَاعِيل يُشَاهد ذَلِك وَهُوَ وَاقِف على رَأسه فَقَالَ الْملك الْكَامِل للشَّيْخ إِن هَذَا لَهُ غرام برمي البندق فَهَل يجوز لَهُ ذَلِك
стр. 2920
فَقَالَ الشَّيْخ بل يحرم عَلَيْهِ فَإِن رَسُول الله ﷺ نهى عَنهُ وَقَالَ إِنَّه يفقىء الْعين وَيكسر الْعظم
وَأَعْطَاهُ بعلبك فَتوجه إِلَيْهَا وملكها وَولى الْملك الْكَامِل ﵀ الشَّيْخ تدريس زَاوِيَة الْغَزالِيّ بِجَامِع دمشق وَذكر بهَا النَّاس ثمَّ ولاه قَضَاء دمشق بعد مَا اشْترط عَلَيْهِ الشَّيْخ شُرُوطًا كَثِيرَة وَدخل فِي شُرُوطه ثمَّ عينه للرسالة إِلَى الْخلَافَة المعظمة ثمَّ اختلسته الْمنية ﵀ فَكَانَ بَين موت الْملك الْأَشْرَف وتملك الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل لدمشق ثمَّ تملك الْملك الْكَامِل لدمشق وَمَوته سنة وَكسر
ثمَّ تملك الْملك الْجواد دمشق مُدَّة ثمَّ كَاتب الْملك الْجواد الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب ﵀ وَكَانَ بالشرق على أَن ينزل لَهُ عَن دمشق ويعوضه الرقة وَمَا والاها فَفعل لَهُ ذَلِك وَقدم الْملك الصَّالح نجم الدّين ﵀ دمشق وملكها وعامل الشَّيْخ بِأَحْسَن مُعَاملَة ثمَّ توجه بعسكره إِلَى نابلس بعد اتفاقه مَعَ الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل على أَنه يستخدم رجالة من بعلبك وينجده على المصريين فاستخدم الرجالة لنَفسِهِ وخان السُّلْطَان وَكَاتب النواب بِدِمَشْق وَقدم عَلَيْهِم فسلموها إِلَيْهِ فَلَمَّا اتَّصَلت الْأَخْبَار بِالْملكِ الصَّالح نجم الدّين تخلت عَنهُ العساكر وَتَفَرَّقُوا عَنهُ وقصده جمَاعَة من المغتالين فَحمل عَلَيْهِم ونجاه الله مِنْهُم فالتجأ إِلَى الْملك النَّاصِر دَاوُد فَأسرهُ وَأقَام عِنْده مُدَّة ثمَّ أخرجه واصطلح مَعَه على المصريين
وَأما الصَّالح إِسْمَاعِيل فَإِنَّهُ كَانَ قد شَاهد مَا اتّفق للشَّيْخ مَعَ الْملك الْأَشْرَف وَمَا عَامله بِهِ فِي آخر الْأَمر من الْإِكْرَام والاحترام ثمَّ شَاهد أَيْضا مَا عَامله بِهِ السُّلْطَان الْملك الْكَامِل ﵀ فولاه الصَّالح إِسْمَاعِيل خطابة دمشق وَبَقِي على ذَلِك مُدَّة
стр. 2921
ثمَّ إِن المصريين حلفوا للْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وكاتبوه بذلك فوصل إِلَيْهِم وَملك الديار المصرية وَسَار فِي أَهلهَا السِّيرَة المرضية فخاف مِنْهُ الصَّالح إِسْمَاعِيل خوفًا مَنعه الْمَنَام وَالطَّعَام وَالشرَاب واصطلح مَعَ الفرنج على أَن ينجدوه على الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَيسلم إِلَيْهِم صيدا والشقيف وَغير ذَلِك من حصون الْمُسلمين وَدخل الفرنج دمشق لشراء السِّلَاح لِيُقَاتِلُوا بِهِ عباد الله الْمُؤمنِينَ فشق ذَلِك على الشَّيْخ مشقة عَظِيمَة فِي مبايعة الفرنج السِّلَاح وعَلى المتدينين من المتعيشين من السِّلَاح فاستفتوا الشَّيْخ فِي مبايعة الفرنج السِّلَاح فَقَالَ يحرم عَلَيْكُم مُبَايَعَتهمْ لأنكم تتحققون أَنهم يشترونه لِيُقَاتِلُوا بِهِ إخْوَانكُمْ الْمُسلمين وجدد دعاءه على الْمِنْبَر وَكَانَ يَدْعُو بِهِ إِذا فرغ من الْخطْبَتَيْنِ قبل نُزُوله من الْمِنْبَر وَهُوَ اللَّهُمَّ أبرم لهَذِهِ الْأمة أمرا رشدا تعز فِيهِ وليك وتذل فِيهِ عَدوك وَيعْمل فِيهِ بطاعتك وَينْهى فِيهِ عَن معصيتك وَالنَّاس يبتهلون بالتأمين وَالدُّعَاء للْمُسلمين والنصر على أَعدَاء الله الْمُلْحِدِينَ
فكاتب أعوان الشَّيْطَان السُّلْطَان بذلك وحرفوا القَوْل وزخرفوه فجَاء كِتَابه باعتقال الشَّيْخ فَبَقيَ مُدَّة معتقلا ثمَّ وصل الصَّالح إِسْمَاعِيل وَأخرج الشَّيْخ بعد محاورات ومراجعات فَأَقَامَ مُدَّة بِدِمَشْق ثمَّ انتزح عَنْهَا إِلَى بَيت الْمُقَدّس فوافاه الْملك النَّاصِر دَاوُد فِي الْفَوْر فَقطع عَلَيْهِ الطَّرِيق وَأَخذه وَأقَام عِنْده بنابلس مُدَّة وَجَرت لَهُ مَعَه خطوب ثمَّ انْتقل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَأقَام بِهِ مُدَّة ثمَّ جَاءَ الصَّالح إِسْمَاعِيل وَالْملك الْمَنْصُور صَاحب حمص وملوك الفرنج بعساكرهم وجيوشهم إِلَى بَيت الْمُقَدّس يقصدون الديار المصرية فسير الصَّالح إِسْمَاعِيل بعض خواصه إِلَى الشَّيْخ بمنديله وَقَالَ لَهُ تدفع منديلي إِلَى الشَّيْخ وتتلطف بِهِ غَايَة التلطف وتستنزله وتعده بِالْعودِ إِلَى مناصبه على أحسن حَال فَإِن وَافَقَك فَتدخل بِهِ عَليّ وَإِن خالفك فاعتقله فِي خيمة إِلَى جَانب خَيْمَتي
стр. 2922
فَلَمَّا اجْتمع الرَّسُول بالشيخ شرع فِي مسايسته وملاينته ثمَّ قَالَ لَهُ بَيْنك وَبَين أَن تعود إِلَى مناصبك وَمَا كنت عَلَيْهِ وَزِيَادَة أَن تنكسر للسُّلْطَان وَتقبل يَده لَا غير فَقَالَ لَهُ وَالله يَا مِسْكين مَا أرضاه أَن يقبل يَدي فضلا أَن أقبل يَده يَا قوم أَنْتُم فِي وَاد وَأَنا فِي وَاد وَالْحَمْد لله الَّذِي عافاني مِمَّا ابتلاكم بِهِ
فَقَالَ لَهُ قد رسم لي إِن لم توَافق على مَا يطْلب مِنْك وَإِلَّا اعتقلتك
فَقَالَ افعلوا مَا بدالكم
فَأَخذه واعتقله فِي خيمة إِلَى جَانب خيمة السُّلْطَان
وَكَانَ الشَّيْخ يقْرَأ الْقُرْآن وَالسُّلْطَان يسمعهُ فَقَالَ يَوْمًا لملوك الفرنج تَسْمَعُونَ هَذَا الشَّيْخ الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن قَالُوا نعم قَالَ هَذَا أكبر قسوس الْمُسلمين وَقد حَبسته لإنكاره عَليّ تسليمي لكم حصون الْمُسلمين وعزلته عَن الخطابة بِدِمَشْق وَعَن مناصبه ثمَّ أخرجته فجَاء إِلَى الْقُدس وَقد جددت حَبسه واعتقاله لأجلكم فَقَالَت لَهُ مُلُوك الفرنج لَو كَانَ هَذَا قسيسنا لغسلنا رجلَيْهِ وشربنا مرقتها
ثمَّ جَاءَت العساكر المصرية وَنصر الله تَعَالَى الْأمة المحمدية وَقتلُوا عَسَاكِر الفرنج ونجى الله الشَّيْخ فجَاء إِلَى الديار المصرية فَأقبل عَلَيْهِ السُّلْطَان الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب ﵀ وولاه خطابة مصر وقضاءها وفوض إِلَيْهِ عمَارَة الْمَسَاجِد المهجورة بِمصْر والقاهرة وَاتفقَ لَهُ فِي تِلْكَ الولايات عجائب وغرائب ثمَّ عزل نَفسه عَن الحكم فتلطف السُّلْطَان ﵀ فِي رده إِلَيْهِ فباشره مُدَّة ثمَّ عزل نَفسه مِنْهُ مرّة ثَانِيَة وتلطف مَعَ السُّلْطَان فِي إِمْضَاء عَزله لنَفسِهِ فأمضاه وَأبقى جَمِيع نوابه من الْحُكَّام وَكتب لكل حَاكم مِنْهُ تقليدا ثمَّ ولاه تدريس الْمدرسَة الصالحية بِالْقَاهِرَةِ المعزية
стр. 2923
ثمَّ مَاتَ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بالمنصورة رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ مُجَاهِد نَاصِر للدّين ثمَّ وصل ابْنه الْمُعظم توران شاه من الشرق إِلَى الديار المصرية بالمنصورة فملكها وانكسرت الفرنج فِي دولته وعامل الشَّيْخ بِأَحْسَن مُعَاملَة ثمَّ انْتقل إِلَى الله سُبْحَانَهُ فسبحان مَالك الْملك ومقدر الهلك
ثمَّ انْقَضى ملك بني أَيُّوب وَكَانَ كأحلام الْقَائِل أَو كظل زائل لَا يغتر بِهِ عَاقل
ثمَّ سَارَتْ الدولة إِلَى الأتراك وكل مِنْهُم عَامل الشَّيْخ بِأَحْسَن مُعَاملَة وَلَا سِيمَا السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بيبرس ركن الدّين ﵀ فَإِنَّهُ كَانَ يعظمه ويحترمه وَيعرف مِقْدَاره وَيقف عِنْد أَقْوَاله وفتاويه وَأقَام الْخَلِيفَة بِحَضْرَتِهِ وإشارته
وَكَانَت وَفَاة الشَّيْخ فِي تَاسِع جُمَادَى الأولى فِي سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة فَحزن عَلَيْهِ كثيرا حَتَّى قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مَا اتّفقت وَفَاة الشَّيْخ إِلَّا فِي دَوْلَتِي وشيع أمراءه وخاصته وأجناده لتشييع جنَازَته وَحمل نعشه وَحضر دَفنه
انْتهى مَا ذكره الشَّيْخ شرف الدّين عبد اللَّطِيف ولد الشَّيْخ وَقد حكيناه بجملته لاشْتِمَاله على كثير من أَخْبَار الشَّيْخ ﵀
وَحكي أَن شخصا جَاءَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ رَأَيْتُك فِي النّوم تنشد
(وَكنت كذي رجلَيْنِ رجل صَحِيحَة ... وَرجل رمى فِيهَا الزَّمَان فشلت)
стр. 2924
فَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ أعيش من الْعُمر ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سنة فَإِن هَذَا الشّعْر لكثير عزة وَلَا نِسْبَة بيني وَبَينه غير السن أَنا سني وَهُوَ شيعي وَأَنا لست بقصير وَهُوَ قصير وَلست بشاعر وَهُوَ شَاعِر وَأَنا سلمي وَلَيْسَ هُوَ بسلمي لكنه عَاشَ هَذَا الْقدر
قلت فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَه ﵀
أنشدنا قَاضِي الْقُضَاة شيخ الْمُحدثين عز الدّين أَبُو عمر عبد الْعَزِيز بن شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سعد الله بن جمَاعَة أيده الله من لَفظه بِالْمَدْرَسَةِ الصالحية بِالْقَاهِرَةِ فِي شهر محرم سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة قَالَ أنشدنا الشَّيْخ الإِمَام فَخر الدّين عُثْمَان بن بنت أبي سعد من لَفظه قَالَ أنشدنا الشَّيْخ عز الدّين من لَفظه لنَفسِهِ قَالَ أَعنِي ابْن بنت أبي سعد وَلَا يعرف للشَّيْخ عز الدّين من النّظم غَيره قَالَ وَقد أنْشدهُ للطلبة وَقَالَ لَهُم أجيزوه وَهُوَ
(لَو كَانَ فيهم من عراه غرام ... مَا عنفوني فِي هَوَاهُ ولاموا)
فَأَجَازَهُ الشَّيْخ شمس الدّين عمر بن عبد الْعَزِيز بن الْفضل الأسواني قَاضِي أسوان فَقَالَ
(لكِنهمْ جهلوا لذاذة حسنه ... وعلمتها وَلذَا سهرت وناموا)
(لَو يعلمُونَ كَمَا علمت حَقِيقَة ... جنحوا إِلَى ذَاك الجناب وهاموا)
(أَو لَو بَدَت أنواره لعيونهم ... خروا وَلم تثبت لَهُم أَقْدَام)
стр. 2925
مِنْهَا
(فَبَقيت أنظرهُ بِكُل مُصَور ... وَبِكُل ملفوظ بِهِ استعجام)
(وَأرَاهُ فِي صافي الجداول إِن جرت ... وَأرَاهُ إِن جاد الرياض غمام)
وَمِنْهَا
(لم يثنني عَمَّن أحب ذوابل ... سمر وأبيض صارم صمصام)
(مولَايَ عز الدّين عز بك الْعلَا ... فخرا فدون حذاك مِنْهُ الْهَام)
(لما رَأينَا مِنْك علما لم يكن ... فِي الدَّرْس قُلْنَا إِنَّه إلهام)
(جَاوَزت حد الْمَدْح حَتَّى لم يطق ... نظما لفضلك فِي الورى النظام)
وَآخِرهَا
(فَعَلَيْك يَا عبد الْعَزِيز تَحِيَّة ... وَعَلَيْك يَا عبد الْعَزِيز سَلام)
وَأنْشد الأبيات كلهَا للشَّيْخ فِي مجْلِس الدَّرْس وَهُوَ يسمع إِلَيْهَا وَلما قَضَاهَا قَالَ لَهُ أَنْت إِذا فَقِيه شَاعِر
ومدحه الأديب أَبُو الْحُسَيْن الجزاز بقصيدة بديعة أَولهَا
(سَار عبد الْعَزِيز فِي الحكم سيرا ... لم يسره سوى ابْن عبد الْعَزِيز)
(عمنَا حكمه بِفضل بسيط ... شَامِل للورى وَلَفظ وجيز)
وَمن تصانيف الشَّيْخ عز الدّين الْقَوَاعِد الْكُبْرَى وَكتاب مجَاز الْقُرْآن وَهَذَانِ الكتابان شَاهِدَانِ بإمامته وعظيم مَنْزِلَته فِي عُلُوم الشَّرِيعَة وَاخْتصرَ الْقَوَاعِد الْكُبْرَى فِي قَوَاعِد صغرى وَالْمجَاز فِي آخر
стр. 2926
وَله كتاب شَجَرَة المعارف حسن جدا
وَكتاب الدَّلَائِل الْمُتَعَلّقَة بِالْمَلَائِكَةِ والنبيين ﵈ والخلق أَجْمَعِينَ بديع جدا
وَالتَّفْسِير مُجَلد مُخْتَصر
والغاية فِي اخْتِصَار النِّهَايَة دلّت على قدره
ومختصر صَحِيح مُسلم
ومختصر رِعَايَة المحاسبي
وَالْإِمَام فِي أَدِلَّة الْأَحْكَام
وَبَيَان أَحْوَال النَّاس يَوْم الْقِيَامَة
وبداية السول فِي تَفْضِيل الرَّسُول ﷺ
الْفرق بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام
فَوَائِد الْبلوى والمحن
الْجمع بَين الْحَاوِي وَالنِّهَايَة وَمَا أَظُنهُ كمل
الْفَتَاوَى الموصلية
والفتاوى المصرية مَجْمُوع مُشْتَمل على فنون من الْمسَائِل الْفَوَائِد
توفّي فِي الْعَاشِر من جُمَادَى الأولى سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 2927
ذكر نخب وفوائد عَن سُلْطَان الْعلمَاء أبي مُحَمَّد سقى الله عَهده
قَالَ فِي الْقَوَاعِد الْكُبْرَى لم أَقف على مَا يعْتَمد على مثله فِي كَون الرِّبَا من الْكَبَائِر فَإِن كَونه مطعوما أَو قيمَة الْأَشْيَاء أَو مُقَدرا لَا يقتضى مفْسدَة عَظِيمَة تكون كَبِيرَة لأَجلهَا
وَذكر فِي الْقَوَاعِد الصُّغْرَى أَن الْمَلَائِكَة لَا يرَوْنَ رَبهم
وَقَالَ فِي الْقَوَاعِد الْكُبْرَى إِذا وجد شَخْصَيْنِ مضطرين متساويين وَمَعَهُ رغيف إِن أطْعمهُ أَحدهمَا عَاشَ يَوْمًا وَمَات الآخر وَإِن فضه عَلَيْهِمَا عَاشَ كل وَاحِد نصف يَوْم فَهَل يجوز أَن يطعمهُ لأَحَدهمَا أم يجب الْقصر الْمُخْتَار أَن تَخْصِيص أَحدهمَا غير جَائِز لِأَن أَحدهمَا قد يكون وليا وَكَذَا لَو كَانَ لَهُ ولدان لَا يقدر إِلَّا على قوت أَحدهمَا يجب الْقصر
قلت وأصل التَّرَدُّد فِي هَذَا مَأْخُوذ من تردد إِمَام الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي النِّهَايَة فِيمَا لَو أَرَادَ أَن يبْذل ثوبا لمن يُصَلِّي فِيهِ وَحضر عاريان وَلَو قسم الْخِرْقَة وشقها يحصل فِي كل وَاحِد بعض السّتْر وَلَو خص أَحدهمَا حصل لَهُ السّتْر الْكَامِل فَإِن الإِمَام قَالَ هَذِه الْمَسْأَلَة مُحْتَملَة قَالَ وَلَعَلَّ الْأَظْهر أَن يستر أَحدهمَا وَإِن أَرَادَ الْإِنْصَاف أَقرع بَينهمَا اه
وَلَا يبين مجامعة قَوْله الْأَظْهر ستر أَحدهمَا لقَوْله الْإِنْصَاف الإقراع
وَقَالَ إِن من قذف فِي خلوته شخصا بِحَيْثُ لَا يسمعهُ إِلَّا الله والحفظة فَالظَّاهِر أَنه لَيْسَ بكبيرة مُوجبَة للحد
قلت وَأَنا أسلم لَهُ الحكم وَلَكِنِّي أمنع كَون هَذَا قذفا وَالْقَذْف هُوَ الثلب والرمى وَلَا يحصل بِهَذَا الْقدر
стр. 2928
ذكر الشَّيْخ عز الدّين فِي أَمَالِيهِ أَن الْقَاتِل إِذا نَدم وعزم أَن لَا يعود لكنه امْتنع من تَسْلِيم نَفسه للْقصَاص لم يقْدَح ذَلِك فِي تَوْبَته قَالَ وَهَذَا ذَنْب متجدد بعد الَّذِي عصى بِهِ مُخَالف لما وَقع بِهِ الْعِصْيَان من الْقَتْل وَنحن إِنَّمَا نشترط الإقلاع فِي الْحَال عَن أَمْثَال الْفِعْل الَّذِي وَقع بِهِ الْعِصْيَان
قلت وَهَذِه فَائِدَة جليلة وَالظَّاهِر أَن كل قَاتل ينْدَم على كَونه قتل ويستغفر ويعزم أَن لَا يعود وَالظَّاهِر أَيْضا أَنه لَا يسلم نَفسه فصحة تَوْبَته عَن الْقَتْل وَالْحَالة هَذِه لطف وَرَحْمَة فَإِن تَسْلِيم الْمَرْء نَفسه إِلَى الْقَتْل مشق وَقد لَا يُوقف الشَّارِع تَوْبَته على هَذَا الْمشق الْعَظِيم فَلَمَّا قَالَه الشَّيْخ عز الدّين اتجاه لَكِن صرح الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي بِخِلَافِهِ فَقَالَ إِن صِحَة تَوْبَته مَوْقُوفَة على تَسْلِيم نَفسه إِلَى مُسْتَحقّ الْقصاص يقْتَصّ أَو يعْفُو وَبِه جزم الرَّافِعِيّ وَمن بعده قَالُوا يَأْتِي الْمُسْتَحق ويمكنه من الِاسْتِيفَاء فإمَّا أَن يحمل كَلَامهم على صِحَة التَّوْبَة مُطلقًا عَن ذَنْب الْقَتْل وَغَيره بِمَعْنى أَن الْقَاتِل إِذا أَرَادَ التَّوْبَة عَن كل ذَنْب الْقَتْل وَغَيره فَهَذَا طَرِيقه وَإِمَّا أَن ينظر أَي الْكَلَامَيْنِ أصح وَبِالْجُمْلَةِ مَا قَالَه شيخ الْإِسْلَام عز الدّين مستغرب تنبو عَنهُ ظواهر مَا فِي كتب أَصْحَابنَا وَله اتجاه ظَاهر فَلْينْظر فِيهِ فَإِنِّي لم أشبعه نظرا والأرجح عِنْدِي مَا قَالَه الشَّيْخ عز الدّين لكنه تَرْجِيح من لم يسْتَوْف النّظر فَلَا يعْتَمد ثمَّ ننصرف ونقول هُنَا لَو صدقت تَوْبَة الْقَاتِل وهاجت نيران الْمعْصِيَة فِي قلبه لسلم نَفسه وَلَو سلمهَا لسلمه الله تَعَالَى وَقدر لوَلِيّ الدَّم أَن يعْفُو عَنهُ هَذَا هُوَ المرجو الَّذِي يَقع فِي النَّفس
قَالَ الشَّيْخ عز الدّين فِي الْقَوَاعِد يَنْبَغِي أَن يُؤَخر الصَّلَاة عَن أول الْوَقْت بِكُل مشوش يُؤَخر الْحَاكِم الحكم بِمثلِهِ
стр. 2929
وَقَالَ فِيهَا أَيْضا الْقطع بِالسَّرقَةِ يكفر مَا يتَعَلَّق بِربع دِينَار فَقَط وَلَا يكفر الزَّائِد
وَقَالَ فِيهَا أَيْضا الْغَالِب فِي الْجِهَاد أفضل من الْقَتِيل
وَهَذِه الْمسَائِل الثَّلَاث مليحة ظَاهِرَة الحكم لَا يَنْبَغِي أَن يطرقها خلاف
شرح حَال صَلَاة الرغائب وَمَا اتّفق فِيهَا بَين الشَّيْخَيْنِ سُلْطَان الْعلمَاء أبي مُحَمَّد بن عبد السَّلَام والحافظ أبي عَمْرو بن الصّلاح
وَقد كَانَ ابْن الصّلاح أفتى بِالْمَنْعِ مِنْهَا ثمَّ صمم على خِلَافه وَأما سُلْطَان الْعلمَاء فَلم يبرح على الْمَنْع
قَالَ سُلْطَان الْعلمَاء أَبُو مُحَمَّد ﵁
الْحَمد لله الأول الَّذِي لَا يُحِيط بِهِ وصف واصف وَالْآخر الَّذِي لَا تحويه معرفَة عَارِف جلّ رَبنَا عَن التَّشْبِيه بخلقه وكل خلقه عَن الْقيام بِحقِّهِ أَحْمَده على نعمه وإحسانه وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ فِي سُلْطَانه وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمَبْعُوث بحججه وبرهانه صلى الله عَلَيْهِ وعَلى أَله وَأَصْحَابه وإخوانه
أما بعد فَإِن الْبِدْعَة ثَلَاثَة أضْرب
أَحدهَا مَا كَانَ مُبَاحا كالتوسع فِي المآكل والمشارب والملابس والمناكح فَلَا بَأْس بِشَيْء من ذَلِك
الضَّرْب الثَّانِي مَا كَانَ حسنا وَهُوَ كل مُبْتَدع مُوَافق لقواعد الشَّرِيعَة غير مُخَالف لشَيْء مِنْهَا كَصَلَاة التَّرَاوِيح وَبِنَاء الرَّبْط والخانات والمدارس وَغير ذَلِك من أَنْوَاع الْبر الَّتِي لم تعهد فِي الصَّدْر الأول فَإِنَّهُ مُوَافق لما جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة من اصطناع
стр. 2930
الْمَعْرُوف والمعاونة على الْبر وَالتَّقوى وَكَذَلِكَ الِاشْتِغَال بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ مُبْتَدع وَلَكِن لَا يَتَأَتَّى تدبر الْقُرْآن وَفهم مَعَانِيه إِلَّا بِمَعْرِِفَة ذَلِك فَكَانَ ابتداعه مُوَافقا لما أمرنَا بِهِ من تدبر آيَات الْقُرْآن وَفهم مَعَانِيه وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيث وتدوينها وتقسيمها إِلَى الْحسن وَالصَّحِيح والموضوع والضعيف مُبْتَدع حسن لما فِيهِ من حفظ كَلَام رَسُول الله ﷺ أَن يدْخلهُ مَا لَيْسَ فِيهِ أَو يخرج مِنْهُ مَا هُوَ فِيهِ وَكَذَلِكَ تأسيس قَوَاعِد الْفِقْه وأصوله وكل ذَلِك مُبْتَدع حسن مُوَافق لأصول الشَّرْع غير مُخَالف لشَيْء مِنْهَا
الضَّرْب الثَّالِث مَا كَانَ مُخَالفا للشَّرْع أَو مُلْتَزما لمُخَالفَة الشَّرْع فَمن ذَلِك صَلَاة الرغائب فَإِنَّهَا مَوْضُوعَة على النَّبِي ﷺ وَكذب عَلَيْهِ ذكر ذَلِك أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد الطرطوشي إِنَّهَا لم تحدث بِبَيْت الْمُقَدّس إِلَّا بعد ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة من الْهِجْرَة وَهِي مَعَ ذَلِك مُخَالفَة للشَّرْع من وُجُوه يخْتَص الْعلمَاء بِبَعْضِهَا وَبَعضهَا يعم الْعَالم وَالْجَاهِل فَأَما مَا يخْتَص بِهِ الْعلمَاء فضربان
أَحدهمَا أَن الْعَالم إِذا صلاهَا كَانَ موهما للعامة أَنَّهَا من السّنَن فَيكون كَاذِبًا على رَسُول الله ﷺ بِلِسَان الْحَال ولسان الْحَال قد يقوم مقَام لِسَان الْمقَال
الثَّانِي أَن الْعَالم إِذا فعلهَا كَانَ متسببا إِلَى أَن تكذب الْعَامَّة على رَسُول الله ﷺ فيقولوا هَذِه سنة من السّنَن والتسبب إِلَى الْكَذِب على رَسُول الله ﷺ لَا يجوز
وَأما مَا يعم الْعَالم وَالْجَاهِل فَهِيَ وُجُوه
أَحدهَا أَن فعل المبتدع مِمَّا يُقَوي المبتدعين الواضعين على وَضعهَا وافترائها
стр. 2931
والإغراء بِالْبَاطِلِ والإعانة عَلَيْهِ مَمْنُوع فِي الشَّرْع واطراح الْبدع والموضوعات زاجر عَن وَضعهَا وابتداعها والزجر عَن الْمُنْكَرَات من أَعلَى مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة
الثَّانِي أَنَّهَا مُخَالفَة لسنة السّكُون فِي الصَّلَاة من جِهَة أَن فِيهَا تعديد سُورَة الْإِخْلَاص اثْنَتَيْ عشرَة مرّة وتعديد سُورَة الْقدر وَلَا يَتَأَتَّى عده فِي الْغَالِب إِلَّا بتحريك بعض أَعْضَائِهِ فيخالف السّنة فِي تسكين أَعْضَائِهِ
الثَّالِث أَنَّهَا مُخَالفَة لسنة خشوع الْقلب وخضوعه وحضوره فِي الصَّلَاة وتفريغه لله وملاحظة جَلَاله وكبريائه وَالْوُقُوف على مَعَاني الْقِرَاءَة والأذكار فَإِنَّهُ إِذا لاحظ عدد السُّور بِقَلْبِه كَانَ ملتفتا عَن الله معرضًا عَنهُ بِأَمْر لم يشرعه فِي الصَّلَاة والالتفات بِالْوَجْهِ قَبِيح شرعا فَمَا الظَّن بالالتفات عَنهُ بِالْقَلْبِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود الْأَعْظَم
الرَّابِع أَنَّهَا مُخَالفَة لسنة النَّوَافِل فَإِن السّنة فِيهَا أَن فعلهَا فِي الْبيُوت أفضل من فعلهَا فِي الْمَسَاجِد إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْع كَصَلَاة الاسْتِسْقَاء والكسوف وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ صَلَاة الرجل فِي بَيته أفضل من صلَاته فِي الْمَسْجِد إِلَّا الْمَكْتُوبَة
الْخَامِس أَنَّهَا مُخَالفَة لسنة الِانْفِرَاد بالنوافل فَإِن السّنة فِيهَا الِانْفِرَاد إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْع وَلَيْسَت هَذِه الْبِدْعَة المختلقة على رَسُول الله ﷺ مِنْهُ
السَّادِس أَنَّهَا مُخَالفَة للسّنة فِي تَعْجِيل الْفطر إِذْ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تزَال أمتِي بِخَير مَا عجلوا الْفطر وأخروا السّحُور
السَّابِع أَنَّهَا مُخَالفَة للسّنة فِي تَفْرِيغ الْقلب عَن الشواغل المقلقة قبل الدُّخُول فِي الصَّلَاة فَإِن هَذِه الصَّلَاة يدْخل فِيهَا وَهُوَ جوعان ظمآن وَلَا سِيمَا فِي أَيَّام الْحر الشَّديد والصلوات المشروعات لَا يدْخل فِيهَا مَعَ وجود شاغل يُمكن دَفعه
стр. 2932
الثَّامِن أَن سجدتيها مكروهتان فَإِن الشَّرِيعَة لم ترد بالتقرب إِلَى الله سُبْحَانَهُ بِسَجْدَة مُنْفَرِدَة لَا سَبَب لَهَا فَإِن الْقرب لَهَا أَسبَاب وشرائط وأوقات وأركان لَا تصح بِدُونِهَا فَكَمَا لَا يتَقرَّب إِلَى الله بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَة ومزدلفة وَرمي الْجمار وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة من غير نسك وَاقع فِي وقته بأسبابه وشرائطه فَكَذَلِك لَا يتَقرَّب إِلَى الله بِسَجْدَة مُنْفَرِدَة وَإِن كَانَت قربَة إِلَّا إِذا كَانَ لَهَا سَبَب صَحِيح وَكَذَلِكَ لَا يتَقرَّب إِلَى الله بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام فِي كل وَقت وَأَوَان وَرُبمَا تقرب الجاهلون إِلَى الله بِمَا هُوَ مبعد عَنهُ من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
التَّاسِع لَو كَانَت السجدتان مشروعتين لَكَانَ مُخَالفا للسّنة فِي خشوعهما وخضوعهما لما يشْتَغل بِهِ من عدد التَّسْبِيح فيهمَا بباطنه أَو ظَاهره أَو بهما
الْعَاشِر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي وَلَا تخصوا يَوْم الْجُمُعَة بصيام من بَين الْأَيَّام إِلَّا أَن يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم بن الْحجَّاج فِي صَحِيحه
الْحَادِي عشر أَن فِي ذَلِك مُخَالفَة السّنة فِيمَا اخْتَارَهُ النَّبِي ﷺ فِي أذكار السُّجُود فَإِنَّهُ لما نزل قَول الله تَعَالَى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ قَالَ اجْعَلُوهَا فِي سُجُودكُمْ وَقَوله سبوح قدوس وَإِن صحت عَن رَسُول الله ﷺ فَلم يَصح أَنه أفردها بِدُونِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَلَا أَنه وظفها على أمته وَمن الْمَعْلُوم أَنه لَا يوظف إِلَّا الأولى من الذكرين وَفِي قَوْله سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى من الثَّنَاء مَا لَيْسَ فِي قَوْله سبوح قدوس
وَمِمَّا يدل على ابتداع هَذِه الصَّلَاة أَن الْعلمَاء الَّذين هم أَعْلَام الدّين وأئمة الْمُسلمين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعي التَّابِعين وَغَيرهم وَمن دون الْكتب فِي الشَّرِيعَة مَعَ شدَّة حرصهم على تَعْلِيم النَّاس الْفَرَائِض وَالسّنَن لم ينْقل عَن أحد مِنْهُم أَنه ذكر هَذِه الصَّلَاة وَلَا دونهَا فِي كِتَابه وَلَا تعرض لَهَا فِي مجالسه وَالْعَادَة تحيل أَن يكون مثل هَذِه سنة وتغيب عَن هَؤُلَاءِ الَّذين هم أَعْلَام الدّين وقدوة الْمُؤمنِينَ وهم الَّذين إِلَيْهِم الرُّجُوع فِي جَمِيع الْأَحْكَام من الْفَرَائِض وَالسّنَن والحلال وَالْحرَام وَهَذِه الصَّلَاة لَا يُصليهَا أهل الْمغرب الَّذين شهد رَسُول الله ﷺ لطائفة مِنْهُم أَنهم لَا يزالون على الْحق حَتَّى تقوم السَّاعَة وَكَذَلِكَ لَا تفعل بالإسكندرية لتمسكهم بِالسنةِ وَلما صَحَّ عِنْد السُّلْطَان الْملك الْكَامِل ﵀ أَنَّهَا من الْبدع المفتراة على رَسُول الله ﷺ أبطلها من الديار المصرية فطوبى لمن تولى شَيْئا من أُمُور الْمُسلمين فَأَعَانَ على إماتة الْبدع وإحياء السّنَن وَلَيْسَ لأحد أَن يسْتَدلّ بِمَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ الصَّلَاة خير مَوْضُوع فَإِن ذَلِك مُخْتَصّ بِصَلَاة مَشْرُوعَة
стр. 2933
١١٨٤ - عبد الْعَزِيز بن عبد الْكَرِيم بن عبد الْكَافِي الشَّيْخ صائن الدّين الهمامي الجيلي
شَارِح التَّنْبِيه ذكر فِي آخِره أَنه فرغ من تصنيفه فِي يَوْم الثُّلَاثَاء الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة
وَهَذَا الشَّرْح الْمَشْهُور أَصْغَر من شَرحه على التَّنْبِيه شرح أكبر مِنْهُ لخص مِنْهُ هَذَا وَشرح الْوَجِيز أَيْضا وَكَلَامه كَلَام عَارِف بِالْمذهبِ غير أَن فِي شَرحه غرائب من أجلهَا شاع بَين الطّلبَة أَن فِي نَقله ضعفا وَكَانَ ابْن الرّفْعَة ينْقل عَنهُ فِي الْكِفَايَة ثمَّ أضْرب عَن ذكره فِي الْمطلب على أَن الجيلي قَالَ فِي خطبَته لَا يُبَادر النَّاظر بالإنكار عَليّ إِلَّا بعد مطالعة الْكتب الْمَذْكُورَة وَكَانَ قد ذكر أَنه لخص الشَّرْح من الْوَسِيط والبسيط والشامل والتهذيب والتجريد وَالْخُلَاصَة والحلية وَالْحَاوِي
стр. 2934
والشافي وَالْكَافِي والتتمة وَالنِّهَايَة ومختصرها وبحر الْمَذْهَب والإفصاح والإبانة وَشرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ والمستظهري وَالْمُحِيط وَالتَّلْخِيص وَالْبَيَان وَشرح الْبَيْضَاوِيّ وتبصرة الْجُوَيْنِيّ وتحرير الْجِرْجَانِيّ وَالْمُحَرر ومهذب أبي الْفَيَّاض الْبَصْرِيّ وَغَيرهَا هَذَا كَلَامه
قلت وَفِيمَا ذكر مَا لم أعرفهُ وَهُوَ الْمُحَرر فإنني لَا أعرف فِي الْمَذْهَب كتابا اسْمه الْمُحَرر وقف عَلَيْهِ الجيلي وَشرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ لَا أعرفهُ فَإِن أَكثر المبسوطات شُرُوح الْمُخْتَصر ومهذب أبي الْفَيَّاض الْبَصْرِيّ لَا أعرفهُ أَيْضا
١١٨٥ - عبد الْعَزِيز بن عدي بن عبد الْعَزِيز الْبَلَدِي الْموصِلِي القَاضِي عز الدّين أَبُو الْعِزّ
стр. 2935
١١٨٦ - عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عبد المحسن بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن خلف
شيخ الشُّيُوخ شرف الدّين أَبُو مُحَمَّد الْحَمَوِيّ الأديب الماهر الشَّاعِر المفلق
ولد سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة بِدِمَشْق
وتفقه على جمَاعَة وَكَانَ من أذكياء بني آدم
وَسمع من ابْن كُلَيْب وَمن أبي الْيمن الْكِنْدِيّ وَبِه تأدب وَأبي أَحْمد ابْن سكينَة وَيحيى بن الرّبيع الْفَقِيه وَغَيرهم
وبرع فِي الْفِقْه وَالشعر وَحدث كثيرا
روى عَنهُ الدمياطي وَأَبُو الْحُسَيْن اليونيني وَأَبُو الْعَبَّاس بن الظَّاهِرِيّ وَشَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين بن جمَاعَة وَخلق
توفّي فِي ثامن رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة
أنشدنا قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين فِي كِتَابه عَنهُ فِيمَا قَالَه من مستحسن شعره
стр. 2936
١١٨٧ - عبد الْعَظِيم بن عبد الْقوي بن عبد الله بن سَلامَة ابْن سعد الْمُنْذِرِيّ
الْحَافِظ الْكَبِير الْوَرع الزَّاهِد زكي الدّين أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ
ولي الله والمحدث عَن رَسُول الله ﷺ والفقيه على مَذْهَب ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ترتجى الرَّحْمَة بِذكرِهِ وَيُسْتَنْزَلُ رضَا الرَّحْمَن بدعائه
كَانَ ﵀ قد أُوتِيَ بالمكيال الأوفى من الْوَرع وَالتَّقوى والنصيب الوافر من الْفِقْه وَأما الحَدِيث فَلَا مراء فِي أَنه كَانَ أحفظ أهل زَمَانه وَفَارِس أقرانه لَهُ الْقدَم الراسخ فِي معرفَة صَحِيح الحَدِيث من سقيمه وَحفظ أَسمَاء الرِّجَال حفظ مفرط الذكاء عظيمه والخبرة بأحكامه والدراية بغريبه وَإِعْرَابه وَاخْتِلَاف كَلَامه
ولد فِي غرَّة شعْبَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
تفقه على الإِمَام أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقرشِي بن الْوراق
وَسمع من أبي عبد الله الأرتاحي وَعبد الْمُجيب بن زُهَيْر وَمُحَمّد بن سعيد المأموني والمطهر بن أبي بكر الْبَيْهَقِيّ وَرَبِيعَة اليمني الْحَافِظ والحافظ الْكَبِير عَليّ بن الْمفضل الْمَقْدِسِي وَبِه تخرج وَسمع بِمَكَّة من أبي عبد الله بن الْبناء وطبقته وبدمشق
стр. 2937
من عمر بن طبرزد وَمُحَمّد بن وهب بن الزنف وَالْخضر بن كَامِل وَأبي الْيمن الْكِنْدِيّ وَخلق
وَسمع بحران والرها والإسكندرية وَغَيرهَا
وتفقه وصنف شرحا على التَّنْبِيه وَله مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد وحواشيه كتاب مُفِيد ومختصر صَحِيح مُسلم وَخرج لنَفسِهِ معجما كَبِيرا مُفِيدا وانتقى وَخرج كثيرا وَأفَاد النَّاس
وَبِه تخرج الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدمياطي وَإِمَام الْمُتَأَخِّرين تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد والشريف عز الدّين وَطَائِفَة وعمت عَلَيْهِم بركته وَقد سمعنَا الْكثير ببلبيس على أبي الطَّاهِر إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن سيف بإجازته مِنْهُ
قَالَ الذَّهَبِيّ وَمَا كَانَ فِي زَمَانه أحفظ مِنْهُ
قلت وَأما ورعه فأشهر من أَن يحْكى
وَقد درس بِالآخِرَة فِي دَار الحَدِيث الكاملية وَكَانَ لَا يخرج مِنْهَا إِلَّا لصَلَاة الْجُمُعَة حَتَّى إِنَّه كَانَ لَهُ ولد نجيب مُحدث فَاضل توفاه الله تَعَالَى فِي حَيَاته ليضاعف لَهُ فِي حَسَنَاته فصلى عَلَيْهِ الشَّيْخ دَاخل الْمدرسَة وشيعه إِلَى بَابهَا ثمَّ دَمَعَتْ عَيناهُ وَقَالَ أودعتك يَا وَلَدي لله وفارقه سَمِعت أبي ﵁ يَحْكِي ذَلِك وسمعته أَيْضا يَحْكِي عَن الْحَافِظ الدمياطي أَن الشَّيْخ مرّة خرج من الْحمام وَقد أَخذ مِنْهُ حرهَا فَمَا أمكنه الْمَشْي فاستلقى على الطَّرِيق إِلَى جَانب حَانُوت فَقَالَ لَهُ الدمياطي يَا سَيِّدي أما أقعدك على
стр. 2938
مصطبة الْحَانُوت وَكَانَ الْحَانُوت مغلقا فَقَالَ فِي الْحَال وَهُوَ فِي تِلْكَ الشدَّة بِغَيْر إِذن صَاحبه كَيفَ يكون وَمَا رَضِي
وَسمعت أبي ﵁ أَيْضا يَحْكِي أَن شيخ الْإِسْلَام عز الدّين بن عبد السَّلَام كَانَ يسمع الحَدِيث قَلِيلا بِدِمَشْق فَلَمَّا دخل الْقَاهِرَة بَطل ذَلِك وَصَارَ يحضر مجْلِس الشَّيْخ زكي الدّين وَيسمع عَلَيْهِ فِي جملَة من يسمع وَلَا يسمع وَأَن الشَّيْخ زكي الدّين أَيْضا ترك الْفتيا وَقَالَ حَيْثُ دخل الشَّيْخ عز الدّين لَا حَاجَة بِالنَّاسِ إِلَيّ
وَمن شعره
(اعْمَلْ لنَفسك صَالحا لَا تحتفل ... بِظُهُور قيل فِي الْأَنَام وَقَالَ)
(فالخلق لَا يُرْجَى اجْتِمَاع قُلُوبهم ... لَا بُد من مثن عَلَيْك وَقَالَ)
توفّي فِي الرَّابِع من ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وَهِي السّنة الْمُصِيبَة بأعظم المصائب المحيطة بِمَا فعلت من المعائب المقتحمة أعظم الجرائم الواثبة على أقبح العظائم الفاعلة بِالْمُسْلِمين كل قَبِيح وعار النَّازِلَة عَلَيْهِم بالكفار المسمين بالتتار
وَلَا بَأْس بشرح وَاقعَة التتار على الِاخْتِصَار وحكاية كائنة بَغْدَاد لتعتبر بهَا البصائر وتشخص عِنْدهَا الْأَبْصَار وليجري الْمُسلمُونَ على ممر الزَّمَان دموعهم دَمًا وليدري المؤرخون بِأَنَّهُم مَا سمعُوا بِمِثْلِهَا وَاقعَة جعلت السَّمَاء أَرضًا وَالْأَرْض سما
فَنَقُول استهلت سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وَخَلِيفَة الْمُسلمين إِذْ ذَاك أَمِير الْمُؤمنِينَ المستعصم بِاللَّه الإِمَام أَبُو أَحْمد عبد الله الشَّهِيد بن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي جَعْفَر الْمَنْصُور بن الظَّاهِر بِأَمْر الله أبي النَّصْر مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المستضيء بِاللَّه أبي مُحَمَّد الْحسن ابْن الإِمَام المستنجد بِاللَّه أبي المظفر يُوسُف ابْن الإِمَام المقتفي لأمر الله
стр. 2939
أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن الإِمَام المستظهر بِاللَّه أَحْمد ابْن الإِمَام الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله أبي الْقَاسِم عبد الله ابْن الْأَمِير ذخيرة الدّين أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد ابْن الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أبي جَعْفَر عبد الله ابْن الإِمَام الْقَادِر بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد ابْن ولي الْعَهْد الْأَمِير إِسْحَاق ابْن الإِمَام المقتدر بِاللَّه أبي الْفضل جَعْفَر ابْن الإِمَام المعتضد بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد ابْن ولي الْعَهْد أبي أَحْمد طَلْحَة الْمُوفق بِاللَّه ابْن الإِمَام المتَوَكل على الله جَعْفَر ابْن الإِمَام المعتصم بِاللَّه أبي اسحاق مُحَمَّد ابْن الإِمَام أَمِير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد ابْن الإِمَام أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي بِاللَّه أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن الإِمَام الْمَنْصُور أبي جَعْفَر عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ أخي أول خلفاء الْعَبَّاس أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي الْعَبَّاس عبد الله السفاح بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس عَم الْمُصْطَفى ﷺ وَرَضي عَنْهُم أَجْمَعِينَ
وَكَانَ الْمُسْتَنْصر وَالِد المستعصم ذَا همة عالية وشجاعة وافرة وَنَفس أبيَّة وَعِنْده إقدام عَظِيم واستخدم جيوشا كَثِيرَة وعساكر عَظِيمَة وَكَانَ لَهُ أَخ يعرف بالخفاجي يزِيد عَلَيْهِ فِي الشجَاعَة والشهامة وَكَانَ يَقُول إِن ملكنى الله الأَرْض لأعبرن بالجيوش نهر جيحون وانتزع الْبِلَاد من التتار وأستأصلهم فَلَمَّا توفّي الْمُسْتَنْصر كَانَ الدويدار والشرابي أكبر الْأُمَرَاء وأعظمهم قدرا فَلم يريَا تَقْلِيد الخفاجي الْأَمر خوفًا مِنْهُ وآثروا المستعصم علما مِنْهُمَا بلينه وانقياده وَضعف رَأْيه لتَكون لَهما الْكِبْرِيَاء فأقاموه واستوزر مؤيد الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ العلقمي وَكَانَ فَاضلا أديبا وَكَانَ شِيعِيًّا رَافِضِيًّا فِي قلبه غل على الْإِسْلَام وَأَهله وحبب إِلَى الْخَلِيفَة جمع المَال والتقليل من العساكر فَصَارَ الْجند يطْلبُونَ من يستخدمهم فِي حمل القاذورات وَمِنْهُم من يكاري على فرسه ليصلوا إِلَى مَا يتقوتون بِهِ
стр. 2940
وَكَانَ ابْن العلقمي معاديا للأمير أبي بكر بن الْخَلِيفَة وللدويدار لِأَنَّهُمَا كَانَا من أهل السّنة ونهبا الكرخ بِبَغْدَاد حِين سمعا عَن الروافض أَنهم تعرضوا لأهل السّنة وفعلا بالروافض أمورا عَظِيمَة وَلم يتَمَكَّن الْوَزير من مدافعتهما لتمكنهما فأضمر فِي نَفسه الغل وتحيل فِي مُكَاتبَة التتار وتهوين أَمر الْعرَاق عَلَيْهِم وتحريضهم على أَخذهَا وَوصل من تحيله فِي الْمُكَاتبَة إِلَيْهِم أَنه حلق رَأس شخص وَكتب عَلَيْهِ بِالسَّوَادِ وَعمل على ذَلِك دَوَاء صَار الْمَكْتُوب فِيهِ كل حرف كالحفرة فِي الرَّأْس ثمَّ تَركه عِنْده حَتَّى طلع شعره وأرسله إِلَيْهِم وَكَانَ مِمَّا كتبه على رَأسه إِذا قَرَأْتُمْ الْكتاب فاقطعوه فوصل إِلَيْهِم فحلقوا رَأسه وقرءوا مَا كتبه ثمَّ قطعُوا رَأس الرَّسُول
وَكتب الْوَزير إِلَى نَائِب الْخَلِيفَة بإربل وَهُوَ تَاج الدّين مُحَمَّد بن صلايا وَهُوَ أَيْضا شيعي رِسَالَة يَقُول فِيهَا نهب الكرخ المكرم والعترة العلوية وَحسن التَّمْثِيل بقول الشَّاعِر
(أُمُور تضحك السُّفَهَاء مِنْهَا ... ويبكى من عواقبها اللبيب)
فَلهم أُسْوَة بالحسين حَيْثُ نهب حريمه وأريق دَمه
(أَمرتهم أمرى بمنعرج اللوى ... فَلم يستبينوا الرشد إلاضحى الْغَد)
وَقد عزموا لَا أتم الله عزمهم وَلَا أنفذ أَمرهم على نهب الْحلَّة والنيل بل سَوَّلت لَهُم أنفسهم أمرا فَصَبر جميل وَالْخَادِم قد أسلف الْإِنْذَار وَعجل لَهُم الْإِعْذَار
стр. 2941
(أرى تَحت الرماد وميض نَار ... ويوشك أَن يكون لَهَا ضرام)
(وَإِن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام)
(فَقلت من التَّعَجُّب لَيْت شعرى ... أيقظان أُميَّة أم نيام)
(فَإِن يَك قَومنَا أضحوا نياما ... فَقل هبوا لقد حَان الْحمام)
قلت وَهَذِه الأبيات كلهَا فِي غَايَة الْحسن خَاطب بهَا علوان بن الْمقنع أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهِي
(أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْك مني ... سَلام الله مَا ناح الْحمام)
(تَحِيَّة حَافظ للْعهد رَاع ... كنشر الرَّوْض باكره الْغَمَام)
(أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أَن يكون لَهُ ضرام)
(فَإِن النَّار بالعودين تذكى ... وَإِن الْحَرْب أَوله كَلَام)
(وَإِن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام)
(فَقل لبني أُميَّة لَيْت شعرى ... أيقضان أُميَّة أم نيام)
(وَقد ظهر الْخُرَاسَانِي مَعَه ... بَنو الْعَبَّاس والجيش اللهام)
(فَإِن لم تجمعُوا جَيْشًا يضيق الْعرَاق ... بِهِ عَلَيْهِم والشآم)
(فلاقوهم كَمَا لَاقَى عليا ... بصفين مُعَاوِيَة الْهمام)
стр. 2942
(وَكَانَ عَليّ أقوى مِنْهُ عزما ... وَأَعْلَى رُتْبَة وَهُوَ الإِمَام)
(وَلَا يأخذكم حذر وَخَوف ... فَمَا يغنى إِذا حام الْحمام)
(فَإِن كَانَت لكم يَوْمًا عَلَيْهِم ... فَذَاك الْقَصْد وَانْقطع الْكَلَام)
(وَإِن ظفروا فَمَا تحمى حَرِيم ... لكم عَنْهُم وَلَا الْبَيْت الْحَرَام)
(وَلَا بمقام إِبْرَاهِيم تعطوا ... أَمَانًا مِنْهُم وَهُوَ الْمقَام)
(فموتوا فِي ظُهُور الْخَيل صبرا ... كَمَا قد مَاتَ قبلكُمْ الْكِرَام)
(وَلَا تتدرعوا أَثوَاب ذل ... وعار قد تدرعها اللئام)
(فَإِن الضيم لَا صَبر عَلَيْهِ ... لمن شهِدت بسؤدده الْأَنَام)
(وَتلك وَصِيَّة من ذِي وَلَاء ... لَهُ فِي حفظ عهدكم ذمام)
(وَإِلَّا فَهُوَ يقتلكم جَمِيعًا ... وَيهْلك مَا لديكم وَالسَّلَام)
فَكَانَ جوابي بعد خطابي لَا بُد من الشنيعة بعد قتل جَمِيع الشِّيعَة وَمن إحراق كتاب الْوَسِيلَة والذريعة فَكُن لما نقُول سميعا وَإِلَّا جرعناك الْحمام تجريعا إِلَى أَن يَقُول فلأفعلن بلبي كَمَا قَالَ المتنبي
(قوم إِذا أخذُوا الأقلام من غضب ... ثمَّ استمروا بهَا مَاء المنيات)
(نالوا بهَا من أعاديهم وَإِن بعدوا ... مَا لَا ينَال بِحَدّ المشرفيات)
ولآتينهم بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا ولأخرجنهم مِنْهَا أَذِلَّة وهم صاغرون
стр. 2943
(ووديعة من سر آل مُحَمَّد ... أودعتها إِذْ كنت من أمنائها)
(فَإِذا رَأَيْت الكوكبين تقاربا ... فِي الجدى عِنْد صباحها ومسائها)
(فهناك يُؤْخَذ ثار آل مُحَمَّد ... لطلابها بِالتّرْكِ من أعدائها)
فَكُن لهَذَا الْأَمر بالمرصاد وترقب أول النَّحْل وَآخر صَاد
ذكر أُمُور كَانَت مُقَدمَات لهَذِهِ الْوَاقِعَة
لما كَانَ الْخَامِس من جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة كَانَ ظُهُور النَّار بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَقبلهَا بليلتين ظهر دوى عَظِيم ثمَّ زَلْزَلَة عَظِيمَة ثمَّ ظَهرت تِلْكَ النَّار فِي الْحرَّة قَرِيبا من قُرَيْظَة يبصرها أهل الْمَدِينَة من الدّور وسالت أَوديَة مِنْهَا بالنَّار إِلَى وَادي شظا سيل المَاء وسالت الْجبَال نيرانا وسارت نَحْو طَرِيق الْحَاج الْعِرَاقِيّ فوقفت وَأخذت تَأْكُل الأَرْض أكلا وَلها كل يَوْم صَوت عَظِيم من آخر اللَّيْل إِلَى ضحوة واستغاث النَّاس بِنَبِيِّهِمْ ﷺ وأقلعوا عَن الْمعاصِي واستمرت النَّار فَوق الشَّهْر وَهِي مِمَّا أخبر بهَا الْمُصْطَفى صلوَات الله عَلَيْهِ حَيْثُ يَقُول لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى
стр. 2944
تخرج نَار من أَرض الْحجاز تضىء أَعْنَاق الْإِبِل ببصرى وَقد حكى غير وَاحِد مِمَّن كَانَ ببصرى بِاللَّيْلِ وَرَأى أَعْنَاق الْإِبِل فِي ضوئها
غرق بَغْدَاد
زَاد الدجلة زِيَادَة مهولة فغرق خلق كثير من أهل بَغْدَاد وَمَات خلق تَحت الْهدم وَركب النَّاس فِي المراكب واستغاثوا بِاللَّه وعاينوا التّلف وَدخل المَاء من أسوار الْبَلَد وانهدمت دَار الْوَزير وثلثمائة وَثَمَانُونَ دَارا وانهدم مخزن الْخَلِيفَة وَهلك شَيْء كثير من خزانَة السِّلَاح
حريق الْمَسْجِد النَّبَوِيّ الشريف
وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة مستهل شهر رَمَضَان احْتَرَقَ مَسْجِد النَّبِي ﷺ وَكَانَ ابْتِدَاء حريقه من زاويته الغربية فأحرقت سقوفه كلهَا وذاب رصاصها وَوَقع بعض أساطينه وَاحْتَرَقَ سقف الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
стр. 2945
ذكر خُرُوج هولاكو بن قان تولى بن جنكزخان
اجْتمع هُوَ وعساكره الَّتِى لَا يُحْصى عَددهَا وَلَا يدْرك مددها وَلَا يعدد عَددهَا وَلَا يدْرك وَإِن تَأمل الطّرف أمدها فِي مجْلِس المشورة وَاتَّفَقُوا على الْخُرُوج فِي يَوْم مَعْلُوم فَسَار فِي المغول من الأردو على مهله يقتلع القلاع وَيملك الْحُصُون وأطاع الله لَهُ الْبِلَاد والعباد وَصَارَ لَا يصبح يَوْم إِلَّا وسعده فِي ازدياد حَتَّى إِنَّه حلق فِي يَوْم على صيد فاصطاد ثَمَانِيَة من السبَاع فَأَنْشد بَعضهم إِذْ ذَاك
(من كَانَ يصطاد فِي يَوْم ثَمَانِيَة ... من الضراغم هَانَتْ عِنْده الْبشر)
وَملك قلاع الإسماعيلية كلهَا وَجَمِيع بِلَاد الرّوم وَصَارَ لَا يمر بِمَدِينَة إِلَّا وصاحبها بَين أَمريْن إِمَّا مُطِيع فَيقدم إِلَى مخيم هولاكو وَهُوَ مخيم عَظِيم المنظر كَبِير الحشمة مَعْمُول من الأطلس الأخمر تحتوشه جنود القندس والقاقم فَيقبل الأَرْض وينعم عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِيهِ رَأْيه ثمَّ يخرب بِلَاده الَّتِي كَانَ فِيهَا ويصيرها قاعا صفصفا على قَاعِدَة جده جنكزخان وَيكون المتولى لخرابها هُوَ ذَلِك الْملك وَإِمَّا عَاص وَقل وجدان ذَلِك فَلَا يعْصى عَلَيْهِ غير سَاعَات مَعْدُودَة ثمَّ يُحِيط بِهِ الْقَضَاء الْمَقْدُور ويحول بَين رَأسه وعنقه الصارم الْمَشْهُور
следующие страницы →