Полный текст (3 926 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
(أرى تَحت الرماد وميض نَار ... ويوشك أَن يكون لَهَا ضرام)
(وَإِن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام)
(فَقلت من التَّعَجُّب لَيْت شعرى ... أيقظان أُميَّة أم نيام)
(فَإِن يَك قَومنَا أضحوا نياما ... فَقل هبوا لقد حَان الْحمام)
قلت وَهَذِه الأبيات كلهَا فِي غَايَة الْحسن خَاطب بهَا علوان بن الْمقنع أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهِي
(أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْك مني ... سَلام الله مَا ناح الْحمام)
(تَحِيَّة حَافظ للْعهد رَاع ... كنشر الرَّوْض باكره الْغَمَام)
(أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أَن يكون لَهُ ضرام)
(فَإِن النَّار بالعودين تذكى ... وَإِن الْحَرْب أَوله كَلَام)
(وَإِن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام)
(فَقل لبني أُميَّة لَيْت شعرى ... أيقضان أُميَّة أم نيام)
(وَقد ظهر الْخُرَاسَانِي مَعَه ... بَنو الْعَبَّاس والجيش اللهام)
(فَإِن لم تجمعُوا جَيْشًا يضيق الْعرَاق ... بِهِ عَلَيْهِم والشآم)
(فلاقوهم كَمَا لَاقَى عليا ... بصفين مُعَاوِيَة الْهمام)
стр. 2942
(وَكَانَ عَليّ أقوى مِنْهُ عزما ... وَأَعْلَى رُتْبَة وَهُوَ الإِمَام)
(وَلَا يأخذكم حذر وَخَوف ... فَمَا يغنى إِذا حام الْحمام)
(فَإِن كَانَت لكم يَوْمًا عَلَيْهِم ... فَذَاك الْقَصْد وَانْقطع الْكَلَام)
(وَإِن ظفروا فَمَا تحمى حَرِيم ... لكم عَنْهُم وَلَا الْبَيْت الْحَرَام)
(وَلَا بمقام إِبْرَاهِيم تعطوا ... أَمَانًا مِنْهُم وَهُوَ الْمقَام)
(فموتوا فِي ظُهُور الْخَيل صبرا ... كَمَا قد مَاتَ قبلكُمْ الْكِرَام)
(وَلَا تتدرعوا أَثوَاب ذل ... وعار قد تدرعها اللئام)
(فَإِن الضيم لَا صَبر عَلَيْهِ ... لمن شهِدت بسؤدده الْأَنَام)
(وَتلك وَصِيَّة من ذِي وَلَاء ... لَهُ فِي حفظ عهدكم ذمام)
(وَإِلَّا فَهُوَ يقتلكم جَمِيعًا ... وَيهْلك مَا لديكم وَالسَّلَام)
فَكَانَ جوابي بعد خطابي لَا بُد من الشنيعة بعد قتل جَمِيع الشِّيعَة وَمن إحراق كتاب الْوَسِيلَة والذريعة فَكُن لما نقُول سميعا وَإِلَّا جرعناك الْحمام تجريعا إِلَى أَن يَقُول فلأفعلن بلبي كَمَا قَالَ المتنبي
(قوم إِذا أخذُوا الأقلام من غضب ... ثمَّ استمروا بهَا مَاء المنيات)
(نالوا بهَا من أعاديهم وَإِن بعدوا ... مَا لَا ينَال بِحَدّ المشرفيات)
ولآتينهم بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا ولأخرجنهم مِنْهَا أَذِلَّة وهم صاغرون
стр. 2943
(ووديعة من سر آل مُحَمَّد ... أودعتها إِذْ كنت من أمنائها)
(فَإِذا رَأَيْت الكوكبين تقاربا ... فِي الجدى عِنْد صباحها ومسائها)
(فهناك يُؤْخَذ ثار آل مُحَمَّد ... لطلابها بِالتّرْكِ من أعدائها)
فَكُن لهَذَا الْأَمر بالمرصاد وترقب أول النَّحْل وَآخر صَاد
ذكر أُمُور كَانَت مُقَدمَات لهَذِهِ الْوَاقِعَة
لما كَانَ الْخَامِس من جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة كَانَ ظُهُور النَّار بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَقبلهَا بليلتين ظهر دوى عَظِيم ثمَّ زَلْزَلَة عَظِيمَة ثمَّ ظَهرت تِلْكَ النَّار فِي الْحرَّة قَرِيبا من قُرَيْظَة يبصرها أهل الْمَدِينَة من الدّور وسالت أَوديَة مِنْهَا بالنَّار إِلَى وَادي شظا سيل المَاء وسالت الْجبَال نيرانا وسارت نَحْو طَرِيق الْحَاج الْعِرَاقِيّ فوقفت وَأخذت تَأْكُل الأَرْض أكلا وَلها كل يَوْم صَوت عَظِيم من آخر اللَّيْل إِلَى ضحوة واستغاث النَّاس بِنَبِيِّهِمْ ﷺ وأقلعوا عَن الْمعاصِي واستمرت النَّار فَوق الشَّهْر وَهِي مِمَّا أخبر بهَا الْمُصْطَفى صلوَات الله عَلَيْهِ حَيْثُ يَقُول لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى
стр. 2944
تخرج نَار من أَرض الْحجاز تضىء أَعْنَاق الْإِبِل ببصرى وَقد حكى غير وَاحِد مِمَّن كَانَ ببصرى بِاللَّيْلِ وَرَأى أَعْنَاق الْإِبِل فِي ضوئها
غرق بَغْدَاد
زَاد الدجلة زِيَادَة مهولة فغرق خلق كثير من أهل بَغْدَاد وَمَات خلق تَحت الْهدم وَركب النَّاس فِي المراكب واستغاثوا بِاللَّه وعاينوا التّلف وَدخل المَاء من أسوار الْبَلَد وانهدمت دَار الْوَزير وثلثمائة وَثَمَانُونَ دَارا وانهدم مخزن الْخَلِيفَة وَهلك شَيْء كثير من خزانَة السِّلَاح
حريق الْمَسْجِد النَّبَوِيّ الشريف
وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة مستهل شهر رَمَضَان احْتَرَقَ مَسْجِد النَّبِي ﷺ وَكَانَ ابْتِدَاء حريقه من زاويته الغربية فأحرقت سقوفه كلهَا وذاب رصاصها وَوَقع بعض أساطينه وَاحْتَرَقَ سقف الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
стр. 2945
ذكر خُرُوج هولاكو بن قان تولى بن جنكزخان
اجْتمع هُوَ وعساكره الَّتِى لَا يُحْصى عَددهَا وَلَا يدْرك مددها وَلَا يعدد عَددهَا وَلَا يدْرك وَإِن تَأمل الطّرف أمدها فِي مجْلِس المشورة وَاتَّفَقُوا على الْخُرُوج فِي يَوْم مَعْلُوم فَسَار فِي المغول من الأردو على مهله يقتلع القلاع وَيملك الْحُصُون وأطاع الله لَهُ الْبِلَاد والعباد وَصَارَ لَا يصبح يَوْم إِلَّا وسعده فِي ازدياد حَتَّى إِنَّه حلق فِي يَوْم على صيد فاصطاد ثَمَانِيَة من السبَاع فَأَنْشد بَعضهم إِذْ ذَاك
(من كَانَ يصطاد فِي يَوْم ثَمَانِيَة ... من الضراغم هَانَتْ عِنْده الْبشر)
وَملك قلاع الإسماعيلية كلهَا وَجَمِيع بِلَاد الرّوم وَصَارَ لَا يمر بِمَدِينَة إِلَّا وصاحبها بَين أَمريْن إِمَّا مُطِيع فَيقدم إِلَى مخيم هولاكو وَهُوَ مخيم عَظِيم المنظر كَبِير الحشمة مَعْمُول من الأطلس الأخمر تحتوشه جنود القندس والقاقم فَيقبل الأَرْض وينعم عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِيهِ رَأْيه ثمَّ يخرب بِلَاده الَّتِي كَانَ فِيهَا ويصيرها قاعا صفصفا على قَاعِدَة جده جنكزخان وَيكون المتولى لخرابها هُوَ ذَلِك الْملك وَإِمَّا عَاص وَقل وجدان ذَلِك فَلَا يعْصى عَلَيْهِ غير سَاعَات مَعْدُودَة ثمَّ يُحِيط بِهِ الْقَضَاء الْمَقْدُور ويحول بَين رَأسه وعنقه الصارم الْمَشْهُور
стр. 2946
وتوجهت الْمُلُوك على اخْتِلَاف ندائها وَامْتِنَاع سلطانها وَعظم مَكَانهَا إِلَى عتباته فَمنهمْ من أَمنه وَأَعْطَاهُ فرمانا ورجعه إِلَى بَلَده وَمِنْهُم من فعل بِهِ غير ذَلِك على مَا يَقْتَضِيهِ البأساء الَّتِي أخبر عَنْهَا شَيْطَان جده وابتدعها من عِنْده كل ذَلِك والخليفة غافل عَمَّا يُرَاد بِهِ
ثمَّ تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار بوصول هولاكو إِلَى أذربيجان بِقصد الْعرَاق وَكَاتب صَاحب الْموصل لُؤْلُؤ الْخَلِيفَة يستنهضه فِي الْبَاطِن وَمَا وَسعه إِلَّا مداراة هولاكو فِي الظَّاهِر وَأرْسل الْخَلِيفَة نجم الدّين البادرائي رَسُولا إِلَى الْملك النَّاصِر صَاحب دمشق يَأْمُرهُ بمصالحة الْملك الْمعز وَأَن يتَّفقَا على حَرْب التتار فامتثلا أَمر الْخَلِيفَة وَفِيمَا بَين ذَلِك تَأتي الْكتب إِلَى الْخَلِيفَة فَإِن وصلت ابْتِدَاء إِلَى الْوَزير لم يوصلها إِلَيْهِ وَإِن وصلت إِلَى الْخَلِيفَة أطلع الْوَزير فيثبطه ويغشه حِين يستنصحه
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة وفيهَا مَاتَ الْملك الْمعز أيبك التركماني صَاحب مصر وتسلطن بعده وَلَده الْملك الْمَنْصُور عَليّ بَين أيبك وترددت رسل هولاكو إِلَى بَغْدَاد وَكَانَت القرابين مِنْهُم واصلة إِلَى نَاس بعد نَاس من غير تحاش مِنْهُم فِي ذَلِك وَلَا خُفْيَة وَالنَّاس فِي غَفلَة عَمَّا يُرَاد بهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة ذَات الداهية الدهياء والمصيبة الصماء وَكَانَ القان الْأَعْظَم هولاكو قد قصد الألموت وَهُوَ معقل الباطنية الْأَعْظَم وَبهَا الْمُقدم عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن جلال الدّين حسن الباطني المنتسب فِي مذْهبه إِلَى الفاطميين العبيديين فَتوفي عَلَاء الدّين وَنزل وَلَده إِلَى خدمَة هولاكو وَسلم قلاعه فَأَمنهُ
стр. 2947
ثمَّ وَردت كتب هولاكو إِلَى صَاحب الْموصل لُؤْلُؤ فِي تهيئة الإقامات وَالسِّلَاح فَأخذ يُكَاتب الْخَلِيفَة سرا ويهيء لَهُم مَا يُرِيدُونَ جَهرا والخليفة لَا يَتَحَرَّك وَلَا يَسْتَيْقِظ فَلَمَّا أزف الْيَوْم الْمَوْعُود وَتحقّق أَن الْعَدَم مَوْجُود جهز رَسُوله يعدهم بأموال عَظِيمَة ثمَّ سير مائَة رجل إِلَى الدربند يكونُونَ فِيهِ ويطالعونه بالأخبار فَقَتلهُمْ التتار أَجْمَعِينَ وَركب السُّلْطَان هولاكو إِلَى الْعرَاق وَكَانَ على مقدمته بايجو نوين وَأَقْبلُوا من جِهَة الْبر الغربي عَن دجلة فَخرج عَسْكَر بَغْدَاد وَعَلَيْهِم ركن الدّين الدويدار فَالْتَقوا على نَحْو مرحلَتَيْنِ من بَغْدَاد وانكسر البغداديون وأخذتهم السيوف وغرق بَعضهم فِي المَاء وهرب الْبَاقُونَ ثمَّ سَاق بايجو نوين فَنزل الْقرْيَة مُقَابل دَار الْخلَافَة وَبَينه وَبَينهَا دجلة وَقصد هولاكو بَغْدَاد من جِهَة الْبر الشَّرْقِي ثمَّ إِنَّه ضرب سورا على عسكره وأحاط بِبَغْدَاد فَأَشَارَ الْوَزير على الْخَلِيفَة بمصانعتهم وَقَالَ أخرج أَنا إِلَيْهِم فِي تَقْرِير الصُّلْح فَخرج وتوثق لنَفسِهِ من التتار ورد إِلَى المستعصم وَقَالَ إِن السُّلْطَان يَا مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد رغب فِي أَن يُزَوّج بنته بابنك الْأَمِير أبي بكر ويبقيك فِي منصب الْخلَافَة كَمَا أبقى صَاحب الرّوم فِي سلطنته وَلَا يُؤثر إِلَّا أَن تكون الطَّاعَة لَهُ كَمَا كَانَ أجدادك مَعَ السلاطين السلجوقية وينصرف عَنْك بجيوشه فمولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ يفعل هَذَا فَإِن فِيهِ حقن دِمَاء الْمُسلمين وَبعد ذَلِك يمكننا أَن نَفْعل مَا نُرِيد والرأي أَن تخرج إِلَيْهِ
فَخرج أَمِير الْمُؤمنِينَ بِنَفسِهِ فِي طوائف من الْأَعْيَان إِلَى بَاب الطاغية هولاكو وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا باالله الْعلي الْعَظِيم فَأنْزل الْخَلِيفَة فِي خيمة ثمَّ دخل الْوَزير فاستدعى الْفُقَهَاء والأماثل ليحضروا العقد فَخَرجُوا من بَغْدَاد فَضربُوا أَعْنَاقهم وَصَارَ كَذَلِك يخرج طَائِفَة بعد طَائِفَة فَتضْرب أَعْنَاقهم ثمَّ طلب حَاشِيَة الْخَلِيفَة فَضرب أَعْنَاق الْجَمِيع ثمَّ طلب
стр. 2948
أَوْلَاده فَضرب أَعْنَاقهم وَأما الْخَلِيفَة فَقيل إِنَّه طلبه لَيْلًا وَسَأَلَهُ عَن أَشْيَاء ثمَّ أَمر بِهِ ليقْتل فَقيل لهولاكو إِن هَذَا إِن أهريق دَمه تظلم الدُّنْيَا وَيكون سَبَب خراب دِيَارك فَإِنَّهُ ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وَخَلِيفَة الله فِي أرضه فَقَامَ الشَّيْطَان الْمُبين الْحَكِيم نصير الدّين الطوسي وَقَالَ يقتل وَلَا يراق دَمه وَكَانَ النصير من أَشد النَّاس على الْمُسلمين فَقيل إِن الْخَلِيفَة غم فِي بِسَاط وَقيل رفسوه حَتَّى مَاتَ وَلما جَاءُوا ليقتلوه صَاح صَيْحَة عَظِيمَة وَقتلُوا أمراءه عَن آخِرهم ثمَّ مدوا الجسر وبذلوا السَّيْف بِبَغْدَاد وَاسْتمرّ الْقَتْل بِبَغْدَاد بضعا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلم ينج إِلَّا من اختفى
وَقيل إِن هولاكو أَمر بعد ذَلِك بعد الْقَتْلَى فَكَانُوا ألف ألف وَثَمَانمِائَة ألف النّصْف من ذَلِك تِسْعمائَة ألف غير من لم يعد وَمن غرق ثمَّ نُودي بعد ذَلِك بالأمان فَخرج من كَانَ مختبئا وَقد مَاتَ الْكثير مِنْهُم تَحت الأَرْض بأنواع من البلايا وَالَّذين خَرجُوا ذاقوا أَنْوَاع الهوان والذل ثمَّ حفرت الدّور وَأخذت الدفائن وَالْأَمْوَال الَّتِي لَا تعد وَلَا تحصى وَكَانُوا يدْخلُونَ الدَّار فيجدون الخبيئة فِيهَا وَصَاحب الدَّار يحلف أَن لَهُ السنين العديدة فِيهَا مَا علم أَن بهَا خبيئة ثمَّ طلبت النَّصَارَى أَن يَقع الْجَهْر بِشرب الْخمر وَأكل لحم الْخِنْزِير وَأَن يفعل مَعَهم الْمُسلمُونَ ذَلِك فِي شهر رَمَضَان فألزم الْمُسلمُونَ بِالْفطرِ فِي رَمَضَان وَأكل الْخِنْزِير وَشرب الْخمر وَدخل هولاكو إِلَى دَار الْخَلِيفَة رَاكِبًا لَعنه الله وَاسْتمرّ على فرسه إِلَى أَن جَاءَ إِلَى سدة الْخَلِيفَة وَهِي الَّتِي تتضاءل عِنْدهَا الْأسود ويتناوله سعد السُّعُود كَالْمُسْتَهْزِئِ بهَا وانتهك الْحرم من بَيت الْخَلِيفَة وَغَيره
стр. 2949
وَأعْطى دَار الْخَلِيفَة لشخص من النَّصَارَى وأريقت الْخُمُور فِي الْمَسَاجِد والجوامع وَمنع الْمُسلمُونَ من الإعلان بِالْأَذَانِ فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
هَذِه بَغْدَاد لم تكن دَار كفر قطّ جرى عَلَيْهَا هَذَا الَّذِي لم يَقع مُنْذُ قَامَت الدُّنْيَا مثله وَقتل الْخَلِيفَة وَإِن كَانَ وَقع فِي الدُّنْيَا أعظم مِنْهُ إِلَّا أَنه أضيف لَهُ هوان الدّين وَالْبَلَاء الَّذِي لم يخْتَص بل عَم سَائِر الْمُسلمين وَهَذَا أَمر قدره الله تَعَالَى فثبط لَهُ عزم هَذَا الْخَلِيفَة ليقضي الله مَا قدره
وَلَقَد حُكيَ أَن الْخَلِيفَة كَانَ قَاعِدا يقْرَأ الْقُرْآن وَقت الْإِحَاطَة بسور بَغْدَاد فَرمى شخص من التتار بِسَهْم فَدخل من شرفات الْمَكَان الَّذِي كَانَ فِيهِ وَكَانَت وَاحِدَة من بَنَاته بَين يَدَيْهِ فأصابها السهْم فَوَقَعت ميتَة
وَيُقَال كتب الدَّم على الأَرْض إِذا أَرَادَ الله أمرا سلب ذَوي الْعُقُول عُقُولهمْ وَإِن الْخَلِيفَة قَرَأَ ذَلِك وَبكى وَإِن هَذَا هُوَ الْحَامِل على أَن أطَاع الْوَزير فِي الْخُرُوج إِلَيْهِم
وَللَّه مَا فعلت زَوْجَة أَمِير الْمُؤمنِينَ قيل إِن هولاكو دَعَاهَا ليواقعها فشرعت تقدم لَهُ تحف الْجَوَاهِر وأصناف النفائس تشغله عَمَّا يرومه فَلَمَّا عرفت تصميمه على مَا عزم عَلَيْهِ اتّفقت مَعَ جَارِيَة من جواريها على مكيدة تخيلتها وحيلة عقدتها فَقَالَت لَهَا إِذا نزعت ثِيَابك وَأَرَدْت أَن أقدك نِصْفَيْنِ بِهَذَا السَّيْف فأظهري جزعا عَظِيما فَأَنا إِذْ ذَاك أَقُول لَك افعلي أَنْت هَذَا بِي فَإِن هَذَا سيف من ذخائر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ لَا يُؤثر إِذا ضرب بِهِ وَلَا يجرح شَيْئا فَإِذا أَنْت ضربتيني فَلْيَكُن الضَّرْب بِكُل قواك على نفس المقتل
стр. 2950
ثمَّ جَاءَت إِلَى هولاكو وَقَالَت هَذَا سيف الْخَلِيفَة وَله خُصُوصِيَّة وَهِي أَنه يضْرب بِهِ الرجل فَلَا يجرحه إِلَّا إِذا كَانَ الضَّارِب الْخَلِيفَة ثمَّ دعت الْجَارِيَة وَقَالَت أجرب بَين يَدي السُّلْطَان فِيهَا فَلَمَّا عَايَنت الْجَارِيَة السَّيْف مُصْلِتًا وَالضَّرْب آتِيَا صاحت صَيْحَة عَظِيمَة وأظهرت الْجزع شَدِيدا فَقَالَت السيدة رضى الله عَنْهَا وَيلك أما علمت أَنه سيف أَمِير الْمُؤمنِينَ مَالك أتخشينه أما تعرفينه خذيه واضربيني بِهِ فَأَخَذته فضربتها بِهِ فقدتها نِصْفَيْنِ وَمَاتَتْ وَمَا ألمت بِعَارٍ وَلَا جعلت فرَاش ابْن عَم رَسُول الله ﷺ فراشا للْكفَّار فتحسر هولاكو وَعلم أَنَّهَا مكيدة
وَقد رَأَيْت مثل هَذِه الْحِكَايَة جرى فِي الزَّمن الْمَاضِي لبَعض الصَّالِحَات راودها عَن نَفسهَا بعض الفاجرين كَمَا حكى ذَلِك الدبوسي من الْحَنَفِيَّة فِي كِتَابه رَوْضَة الْعلمَاء
ويحكى أَن شخصا من أهل مصر قَالَ كنت نَائِما حِين بلغ خبر بَغْدَاد وَأَنا متفكر كَيفَ فعل الله ذَلِك فَرَأَيْت فِي الْمَنَام قَائِلا يَقُول لَا تعترض على الله فَهُوَ أعلم بِمَا يفعل فَاسْتَيْقَظت واستغفرت الله تَعَالَى
وَأما الْوَزير فَإِنَّهُ لم يحصل على مَا أمل وَصَارَ عِنْدهم أخس من الذُّبَاب وَنَدم حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم ويحكى أَنه طلب مِنْهُ يَوْمًا شعير فَركب الْفرس بِنَفسِهِ وَمضى ليحصله لَهُم وَهَذَا يشتمه وَهَذَا يَأْخُذ بِيَدِهِ وَهَذَا يصفعه بعد أَن كَانَت السلاطين تَأتي فَتقبل عتبَة دَاره
стр. 2951
والعساكر تمشي فِي خدمته حَيْثُ سَار من ليله ونهاره وَأَن امْرَأَة رَأَتْهُ من طاق فَقَالَت لَهُ يَا ابْن العلقمي هَكَذَا كنت تركب فِي أَيَّام أَمِير الْمُؤمنِينَ فَخَجِلَ وَسكت وَقد مَاتَ غبنا بعد أشهر يسيرَة وَمضى إِلَى دَار مقبره وَوجد مَا عمل حَاضرا
وَأما ابْن صلايا نَائِب إربل فَإِن هولاكو ضرب عُنُقه
ثمَّ جَاءَت رسل هولاكو إِلَى الْملك النَّاصِر صَاحب الشَّام وَصُورَة كِتَابه إِلَيْهِ يعلم سُلْطَان ملك نَاصِر أَنه لما توجهنا إِلَى الْعرَاق وَخرج إِلَيْنَا جنودهم فقتلناهم بِسيف الله ثمَّ خرج إِلَيْنَا رُؤَسَاء الْبَلَد ومقدموها فأعدمناهم أَجْمَعِينَ ذَلِك بِمَا قدمت أَيْديهم وَبِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَأما مَا كَانَ من صَاحب الْبَلدة فَإِنَّهُ خرج إِلَى خدمتنا وَدخل تَحت عبوديتنا فَسَأَلْنَاهُ عَن أَشْيَاء كذب فِيهَا فَاسْتحقَّ الإعدام أجب ملك البسيطة وَلَا تقولن قلاعي المانعات ورجالي المقاتلات فساعة وقوفك على كتَابنَا نجْعَل قلاع الشَّام سماءها أَرضًا وطولها عرضا وَأرْسل غير مَا كتاب فِي هَذَا الْمَعْنى
ثمَّ فِي سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة نزل على آمد وَبعث إِلَى صَاحب ماردين يُطَالِبهُ فَجعل صَاحبهَا يتعلل بِالْمرضِ وَأرْسل أَوْلَاده وهداياه جَهرا إِلَى هولاكو وَأرْسل فِي الْبَاطِن يستحث الْملك النَّاصِر على محاربة التتار ثمَّ عبر لَهُ جَيش عَظِيم إِلَى الْفُرَات بعد أَن استولى على حران والرها والجزيرة فجَاء الْخَبَر إِلَى صَاحب حلب فجفل النَّاس بهَا
стр. 2952
وَعظم الْخطب وَعم الْبلَاء ثمَّ قاربوا حلب فَخرج إِلَيْهِم جمَاعَة من عسكرها فهزموهم ونازلوا الْبَلدة وَقتلُوا خلقا كثيرا ثمَّ رحلوا عَنْهَا طَالِبين أعزاز وَكَانَ الْمُقدم على هَذَا الْجَيْش أسموط بن هولاكو ثمَّ عبر هولاكو الْفُرَات بِنَفسِهِ فِي الْمحرم سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة ونازلت عساكره حلب وركبوا الأسوار من كل نَاحيَة بعد أَن نقبوا وخندقوا فهرب الْمُسلمُونَ إِلَى جِهَة القلعة وبذلت التتار السَّيْف فِي الْعَالم وامتلأت الطرقات بالقتلى وَبَقِي الْقَتْل والنهب والحريق إِلَى رَابِع عشر صفر ثمَّ نُودي بِرَفْع السَّيْف وَأذن المؤذنون يَوْمئِذٍ بالجامع وأقيمت الْخطْبَة وَالصَّلَاة ثمَّ أحاطوا بالقلعة وحاصروها
وَأرْسل صَاحب حلب إِلَى الْملك النَّاصِر صَاحب الشَّام يستحثه وَوصل الْخَبَر إِلَى دمشق بأخذهم حلب فهرب الْملك النَّاصِر بعد أَن كَانَ جبى الْأَمْوَال وَجمع الجموع وَنزل على بَرزَة بعساكر عَظِيمَة ثمَّ رأى الْعَجز فهرب ووصلت رسل التتار إِلَى دمشق وقرىء الفرمان بِأَمَان أهل دمشق وَمَا حواليها
وَأما حماة فَإِن صَاحبهَا كَانَ حضر إِلَى بَرزَة ليتجهز مَعَ الْملك النَّاصِر فَلَمَّا سمع أهل الْبَلَد فِي غيبته بِأخذ حلب أرْسلُوا إِلَى هولاكو يسْأَلُون عطفه وسلموا الْبَلَد وهرب صَاحب حماة مَعَ الْملك النَّاصِر فسارا نَحْو مصر فَلَمَّا وصلا قطيا تقدم صَاحب حماة وَهُوَ الْملك الْمَنْصُور وَدخل مصر وبقى النَّاصِر فِي عَسْكَر قَلِيل فتوجهوا إِلَى تيه بني إِسْرَائِيل خوفًا من المصريين
وَأما التتار فوصلوا إِلَى غَزَّة واستولوا على مَا خَلفهم وتسلموا قلعة دمشق وَجعلُوا بهَا نَائِبا ثمَّ تفَرقُوا فِي بِلَاد الشَّام يَفْعَلُونَ مَا يختارون وطافوا فِي دمشق بِرَأْس
стр. 2953
الْملك الْكَامِل الشَّهِيد صَاحب ميافارقين وَقد كَانُوا حاصروه سنة وَنصفا وَمَا زَالَ ظَاهرا عَلَيْهِم إِلَى أَن فنى أهل الْبَلَد لفناء الأقوات
ثمَّ سَار النَّاصِر وَأَخُوهُ وحاشيته إِلَى هولاكو وَكَانَ جَاءَ كتاب هولاكو قبل وُصُوله إِلَى دمشق فقرئ بِدِمَشْق وَصورته أما بعد فَنحْن جنود الله بِنَا ينْتَقم مِمَّن عتا وتجبر وطغى وتكبر وَنحن قد أهلكنا الْبِلَاد وأبدنا الْعباد وقتلنا النِّسَاء وَالْأَوْلَاد فأيها الْبَاقُونَ أَنْتُم بِمن مضى لاحقون وأيها الغافلون أَنْتُم إِلَيْهِم تساقون وَنحن جيوش الهلكة لَا جيوش الملكة مقصودنا الانتقام وملكنا لَا يرام ونزيلنا لَا يضام وعدلنا فِي ملكنا قد اشْتهر وَمن سُيُوفنَا أَيْن المفر
(أَيْن المفر وَلَا مفر لهارب ... وَلنَا البسيطان الثرى وَالْمَاء)
(ذلت لهيبتنا الْأسود وأصبحت ... فِي قبضنا الْأُمَرَاء وَالْخُلَفَاء)
وَنحن إِلَيْكُم صائرون وَلكم الْهَرَب وعلينا الطّلب
(ستعلم ليلى أَي دين تداينت ... وَأي غَرِيم بالتقاضي غريمها)
دمرنا الْبِلَاد وأيتمنا الْأَوْلَاد وأهلكنا الْعباد وأذقناهم الْعَذَاب
وشمخت النَّصَارَى بِدِمَشْق وصاروا يرفعون الصَّلِيب ويمرون بِهِ فِي الْأَسْوَاق وَالْخمر مَعَهم يرشونه على الْمَسَاجِد والمصلين وَمن رأى الصَّلِيب وَلَا يقوم لَهُ عاقبوه
стр. 2954
وَأما المصريون فَإِنَّهُ سلطنوا الْملك المظفر قطز واجتمعوا وطلبوا شيخ الْإِسْلَام عز الدّين بن عبد السَّلَام وَحضر إِلَيْهِم بيبرس البندقداري يستحثهم ويهون عَلَيْهِم
١١٨٨ - عبد الْغفار بن عبد الْكَرِيم بن عبد الْغفار الْقزْوِينِي الشَّيْخ الإِمَام نجم الدّين
صَاحب الْحَاوِي الصَّغِير واللباب وَشرح اللّبَاب الْمُسَمّى ب العجاب وَله أَيْضا كتاب فِي الْحساب
كَانَ أحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْفِقْه والحساب وَحسن الِاخْتِصَار
стр. 2955
أجازت لَهُ عفيفة الفارفانية من أَصْبَهَان
وَكَانَ من الصَّالِحين أَرْبَاب الْأَحْوَال والكرامات حكى لي الشَّيْخ قطب الدّين مُحَمَّد بن أسفهيد الأردبيلي أعَاد الله علينا من بركته أَنه اتّفق حج الشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي بعد مَا أضرّ فِي الْعَام الَّذِي حج فِيهِ عبد الْغفار الْقزْوِينِي وَلم يكن يعرفهُ فَقَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين لجماعته أَشمّ هُنَا رَائِحَة رجل وَوَصفه فكشفوا خَبره فوافوه وَهُوَ يكْتب فِي الْحَاوِي وَقد أَضَاء لَهُ نور فِي اللَّيْل يكْتب عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ إِن الشَّيْخ يطلبك قَالَ فَلَمَّا حضر إِلَى الشَّيْخ شهَاب الدّين قَالَ لَهُ مَا تكْتب قَالَ أصنف هَذَا الْكتاب وَوصف لَهُ الْحَاوِي فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ شهَاب الدّين أسْرع وَعجل ونجز هَذَا الْكتاب وفارقه فَقيل للشَّيْخ فِي هَذَا فَقَالَ إِن أَجله قد دنا فَأَحْبَبْت أَن يفرغ من هَذَا الْكتاب قبل أَن يَمُوت فَكَانَ كَذَلِك مَاتَ بعد فَرَاغه بِيَسِير
وَحكى لي أَيْضا الشَّيْخ قطب الدّين أَن عبد الْغفار كَانَ مَعْرُوفا بَين أهل قزوين بِأَنَّهُ إِذا كتب فِي اللَّيْل تضيء لَهُ أَصَابِعه فَيكْتب عَلَيْهَا
قلت وإضاءة النُّور لأهل قزوين وَقت التصنيف وَغَيره كَرَامَة ذَكرنَاهَا فِي تَرْجَمَة الرَّافِعِيّ وَفِي تَرْجَمَة وَالِد الرَّافِعِيّ وَفِي تَرْجَمَة هَذَا ﵀ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
توفّي فِي الْمحرم سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة
стр. 2956
١١٨٩ - عبد الْقَادِر بن دَاوُد بن أبي نصر واسْمه مُحَمَّد بن النقار أَبُو مُحَمَّد
من أهل وَاسِط
تفقه على أبي الْعَلَاء بن البوقي والمجير الْبَغْدَادِيّ وَالشَّيْخ فَخر الدّين النوقاني
وَكَانَ خيرا دينا أثنى عَلَيْهِ ابْن النجار كثيرا وَقَالَ كَانَت لَهُ معرفَة تَامَّة بِمذهب الشَّافِعِي أصولا وفروعا وَله يَد باسطة فِي الْفَرَائِض والحساب وَمَعْرِفَة حَسَنَة بالأدب وَكَانَ من الْوَرع والنزاهة والديانة والمروءة والتواضع على طَريقَة عرف بهَا واشتهرت عَنهُ سَمِعت مِنْهُ شَيْئا فِي الحَدِيث وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة
١١٩٠ - عبد الْقَادِر بن أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن شرف الدّين أَبُو مُحَمَّد بن الْبَغْدَادِيّ الْمصْرِيّ
رَحل من الشَّام فِي الصِّبَا وَسكن الْقَاهِرَة وتفقه بهَا على الشَّيْخ شهَاب الدّين الطوسي بعد أَن تفقه بِدِمَشْق على قطب الدّين النَّيْسَابُورِي وَسمع من الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر ودرس بالقطبية بِالْقَاهِرَةِ
روى عَنهُ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَقَالَ كَانَ فَقِيها حسنا من أهل الدّين والعفاف طارحا للتكلف مُقبلا على مَا يعنيه
توفّي فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
стр. 2957
١١٩١ - عبد الْكَافِي بن عبد الْملك بن عبد الْكَافِي بن عَليّ
القَاضِي الْخَطِيب جمال الدّين أَبُو مُحَمَّد الربعِي الدِّمَشْقِي
ولد سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة
وَسمع من ابْن الصَّباح وَابْن الزبيدِيّ وَابْن اللتي وَطَائِفَة
سمع مِنْهُ الْحَافِظ علم الدّين البرزالي وَالْقَاضِي أَبُو مُسلم الجيلي وَآخَرُونَ
وَكَانَ فَقِيها فَاضلا نَاب فِي الْقَضَاء مُدَّة ثمَّ ترك ذَلِك وَاقْتصر على الخطابة بالجامع الْأمَوِي والإمامة
مَاتَ فِي سلخ جُمَادَى الأولى سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة
стр. 2958
١١٩٢ - عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْفضل بن الْحسن الْقزْوِينِي الإِمَام الْجَلِيل أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ
صَاحب الشَّرْح الْكَبِير الْمُسَمّى ب الْعَزِيز وَقد تورع بَعضهم عَن إِطْلَاق لفظ الْعَزِيز مُجَردا على غير كتاب الله فَقَالَ الْفَتْح الْعَزِيز فِي شرح الْوَجِيز وَالشَّرْح الصَّغِير وَالْمُحَرر وَشرح مُسْند الشَّافِعِي والتذنيب والأمالي الشارحة على مُفْرَدَات الْفَاتِحَة وَهُوَ ثَلَاثُونَ مَجْلِسا أملاها أَحَادِيث بأسانيده عَن أشياخه على سُورَة الْفَاتِحَة وَتكلم عَلَيْهَا وَقد وقفنا على هَذِه التصانيف كلهَا
وَله كتاب الإيجاز فِي أخطار الْحجاز ذكر أَنه أوراق يسيرَة ذكر فِيهَا مبَاحث وفوائد خطرت لَهُ فِي سَفَره إِلَى الْحَج وَكَانَ الصَّوَاب أَن يَقُول خطرات أَو خواطر الْحجاز وَلَعَلَّه قَالَ ذَلِك وَالْخَطَأ من النَّاقِل
стр. 2959
وَكتاب الْمَحْمُود فِي الْفِقْه لم يتمه ذكر لي أَنه فِي غَايَة الْبسط وَأَنه وصل فِيهِ إِلَى أثْنَاء الصَّلَاة فِي ثَمَان مجلدات
قلت وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْكَبِير فِي بَاب الْحيض أَظُنهُ عِنْد الْكَلَام فِي الْمُتَحَيِّرَة وَكَفاهُ بِالْفَتْح الْعَزِيز شرفا فَلَقَد علا بِهِ عنان السَّمَاء مِقْدَارًا وَمَا اكْتفى فَإِنَّهُ الَّذِي لم يصنف مثله فِي مَذْهَب من الْمذَاهب وَلم يشرق على الْأمة كضيائه فِي ظلام الغياهب
كَانَ الإِمَام الرَّافِعِيّ متضلعا من عُلُوم الشَّرِيعَة تَفْسِيرا وحديثا وأصولا مترفعا على أَبنَاء جنسه فِي زَمَانه نقلا وبحثا وإرشادا وتحصيلا وَأما الْفِقْه فَهُوَ فِيهِ عُمْدَة الْمُحَقِّقين وأستاذ المصنفين كَأَنَّمَا كَانَ الْفِقْه مَيتا فأحياه وأنشره وَأقَام عماده بعد مَا أَمَاتَهُ الْجَهْل فأقبره كَانَ فِيهِ بَدْرًا يتَوَارَى عَنهُ الْبَدْر إِذا دارت بِهِ دائرته وَالشَّمْس إِذا ضمهَا أوجها وجوادا لَا يلْحقهُ الْجواد إِذا سلك طرقا ينْقل فِيهَا أقوالا وَيخرج أوجها فَكَأَنَّمَا عناه البحتري بقوله
(وَإِذا دجت أقلامه ثمَّ انتحت ... برقتْ مصابيح الدجا فِي كتبه)
(بِاللَّفْظِ يقرب فهمه فِي بعده ... منا وَيبعد نيله فِي قربه)
стр. 2960
(حكم سحابتها خلال بَيَانه ... هطالة وقليبها فِي قلبه)
(كالروض مؤتلقا بحمرة نوره ... وَبَيَاض زهرته وخضرة عشبه)
(وَكَأَنَّهَا والسمع مَعْقُود بهَا ... شخص الحبيب بدا لعين محبه)
وَكَانَ ﵀ ورعا زاهدا تقيا نقيا طَاهِر الذيل مراقبا لله لَهُ السِّيرَة الرضية المرضية والطريقة الزكية والكرامات الباهرة
سمع الحَدِيث من جمَاعَة مِنْهُم أَبوهُ وَأَبُو حَامِد عبد الله بن أبي الْفتُوح بن عُثْمَان العمراني والخطيب أَبُو نصر حَامِد بن مَحْمُود الماوراء النَّهْرِي والحافظ أَبُو الْعَلَاء الْحسن بن أَحْمد الْعَطَّار الهمذاني وَمُحَمّد بن عبد الْبَاقِي بن البطي وَالْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان أَحْمد بن حسنويه وَغَيرهم وَحدث بِالْإِجَازَةِ عَن أبي زرْعَة الْمَقْدِسِي وَغَيره
روى عَنهُ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ وَغَيره
قَالَ ابْن الصّلاح أَظن أَنِّي لم أر فِي بِلَاد الْعَجم مثله
قلت لَا شكّ فِي ذَلِك
стр. 2961
وَقَالَ النَّوَوِيّ الرَّافِعِيّ من الصَّالِحين المتمكنين كَانَت لَهُ كرامات كَثِيرَة
وَقَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد الإسفرايني هُوَ شَيخنَا إِمَام الدّين وناصر السّنة كَانَ أوحد عصره فِي الْعُلُوم الدِّينِيَّة أوصلا وفروعا مُجْتَهد زَمَانه فِي الْمَذْهَب فريد وقته فِي التَّفْسِير كَانَ لَهُ مجْلِس بقزوين للتفسير ولتسميع الحَدِيث
ونقلت من خطّ الْحَافِظ صَلَاح الدّين خَلِيل بن كيكلدي العلائي نقلت من خطّ الْحَافِظ علم الدّين أبي مُحَمَّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد البرزالي نقلت من خطّ الشَّيْخ الإِمَام تَاج الدّين بن الفركاح أَن القَاضِي شمس الدّين بن خلكان حَدثهُ أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ توفّي فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة وَأَن خوارزم شاه يَعْنِي جلال الدّين غزا الكرج بتفليس فِي هَذِه السّنة وَقتل فيهم بِنَفسِهِ حَتَّى جمد الدَّم على يَده فَلَمَّا مر بقزوين خرج إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ فَلَمَّا دخل إِلَيْهِ أكْرمه إِكْرَاما عَظِيما فَقَالَ لَهُ الرَّافِعِيّ سَمِعت أَنَّك قَاتَلت الْكفَّار حَتَّى جمد الدَّم على يدك فَأحب أَن تخرج إِلَيّ يدك لأقبلها فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان بل أَنا أحب أَن أقبل يدك فَقبل السُّلْطَان يَده وتحادثا ثمَّ خرج الشَّيْخ وَركب دَابَّته وَسَار قَلِيلا فَعَثَرَتْ بِهِ الدَّابَّة فَوَقع فتأذت يَده الَّتِي قبلهَا السُّلْطَان فَقَالَ الشَّيْخ سُبْحَانَ الله لقد قبل هَذَا السُّلْطَان يَدي فَحصل فِي نَفسِي شَيْء من العظمة فعوقبت فِي الْوَقْت بِهَذِهِ الْعقُوبَة
سَمِعت شَيخنَا شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن النَّقِيب يحْكى أَن الرَّافِعِيّ فقد فِي بعض اللَّيَالِي مَا يسرجه عَلَيْهِ وَقت التصنيف فَأَضَاءَتْ لَهُ شَجَرَة فِي بَيته
أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمُقْرِئ أخبرنَا عبد الْعَظِيم بن عبد الْقوي الْحَافِظ حَدثنَا الشَّيْخ الصَّالح أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد الْقزْوِينِي لفظا بِمَسْجِد رَسُول الله ﷺ أخبرنَا أَبُو زرْعَة إِذْنا
стр. 2962
ح وَكتب إِلَيّ أَبُو طَاهِر بن سيف عَن الْمُنْذِرِيّ أخبرنَا الرَّافِعِيّ لفظا
ح وقرأت على أبي عبد الله وَأبي الْعَبَّاس الحافظين أخبركما عبد الْخَالِق القَاضِي أخبرنَا ابْن قدامَة أخبرنَا أَبُو زرْعَة أخبرنَا المقومي إجَازَة إِن لم يكن سَمَاعا أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم الْخَطِيب أخبرنَا الْقطَّان أخبرنَا ابْن مَاجَه حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن رَاشد حَدثنَا زَكَرِيَّا بن عدي حَدثنَا عبيد الله بن عَمْرو عَن عبد الْكَرِيم عَن عَطاء عَن جَابر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ صَلَاة فِي مَسْجِدي أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل من مائَة ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ
قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم صَوَابه ابْن أَسد
وَهَذِه فَوَائِد من أمالي الرَّافِعِيّ
قَالَ فِي قَوْله ﷺ إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة إِلَّا وَاحِدًا من أحصاها دخل الْجنَّة إِنَّمَا قَالَ مائَة إِلَّا وَاحِدًا لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه على التَّقْرِيب وَفِيه فَائِدَة رفع الِاشْتِبَاه فقد يشْتَبه فِي الْخط تِسْعَة وَتسْعُونَ بسبعة وَسبعين
روى بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الله المغربي من ادّعى الْعُبُودِيَّة وَله مُرَاد بَاقٍ فَهُوَ كَاذِب فِي دَعْوَاهُ إِنَّمَا تصح الْعُبُودِيَّة لمن أفنى مراداته وَقَامَ بِمُرَاد سَيّده
стр. 2963
ليَكُون اسْمه مَا سمي بِهِ إِذا دعِي باسم أجَاب عَن الْعُبُودِيَّة وَلَا يُجيب إِلَّا من يَدعُوهُ بالعبودية ثمَّ أنشأ يَقُول
(يَا عَمْرو ثاري عِنْد أَسمَاء ... يعرفهُ السَّامع والرائي)
(لَا تدعني إِلَّا بيا عَبدهَا ... لِأَنَّهُ أشرف أسمائى)
ثمَّ أنْشد الرَّافِعِيّ لنَفسِهِ
(سمني بِمَا شِئْت وسم جبهتي ... بِاسْمِك ثمَّ أسم بأسمائي)
(فسمني عَبدك أَفْخَر بِهِ ... وَيَسْتَوِي عَرْشِي على المَاء)
وَأنْشد لنَفسِهِ أَيْضا
(إِن كنت فِي الْيُسْر فاحمد من حباك بِهِ ... فَلَيْسَ حَقًا قضى لكنه الْجُود)
(أَو كنت فِي الْعسر فاحمده كَذَلِك إِذْ ... مَا فَوق ذَلِك مَصْرُوف ومردود)
(وكيفما دارت الْأَيَّام مقبلة ... وَغير مقبلة فَالْحَمْد مَحْمُود)
وَقَالَ اعْلَم أَن النَّاس فِي الرِّضَا ثَلَاثَة أَقسَام قوم يحسون بالبلاء ويكرهونه وَلَكِن يصبرون على حكمه ويتركون تدبيرهم ونظرهم حبا لله تَعَالَى لِأَن تَدْبِير الْعقل لَا ينطبق على رسوم الْمحبَّة والهوى قَالَ قَائِلهمْ
(لن يضْبط الْعقل إِلَّا مَا يدبره ... وَلَا ترى فِي الْهوى لِلْعَقْلِ تدبيرا)
(كن محسنا أَو مسيئا وابق لي أبدا ... وَكن لدي على الْحَالين مشكورا)
стр. 2964
وَقوم يضمون إِلَى سُكُون الظَّاهِر سُكُون الْقلب بِالِاجْتِهَادِ والرياضة وَإِن أَتَى الْبلَاء على أنفسهم بل
(يستعذبون بلاياهم كَأَنَّهُمْ ... لَا ييأسون من الدُّنْيَا إِذا قتلوا)
وَلذَلِك قَالَ ذُو النُّون الْمصْرِيّ الرَّجَاء سرُور الْقلب بمرور الْقَضَاء وَقَالَت رَابِعَة إِنَّمَا يكون العَبْد رَاضِيا إِذا سرته البلية كَمَا سرته النِّعْمَة
وَقوم يتركون الِاخْتِيَار ويوافقون الأقدار فَلَا يبْقى لَهُم تلذذ وَلَا استعذاب وَلَا رَاحَة وَلَا عَذَاب قَالَ أَبُو الشيص وَأحسن
(وقف الْهَوِي بِي حَيْثُ أَنْت فَلَيْسَ لي ... مُتَأَخّر عَنهُ وَلَا مُتَقَدم)
(أجد الْمَلَامَة فِي هَوَاك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم)
(أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إِذْ كَانَ حظي مِنْك حظي مِنْهُم)
(وأهنتني فأهنت نَفسِي عَامِدًا ... مَا من يهون عَلَيْك مِمَّن يكرم)
قَالَ فِي الْإِمْلَاء على حَدِيث عَائِشَة كَانَ رَسُول الله ﷺ يستفتح الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين حمل الشَّافِعِي ذَلِك فِيمَا نَقله أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَغَيره على التَّعْبِير عَن السُّورَة يذكر أَولهَا بعد آيَة التَّسْمِيَة الْمُشْتَركَة كَمَا يُقَال قَرَأت طه وَيس قَالَ ثمَّ هَذَا الِاسْتِدْلَال يَعْنِي اسْتِدْلَال الْخُصُوم على أَنَّهَا لَيست من الْقُرْآن بِهَذَا الحَدِيث لَا يَتَّضِح على قَول من يذهب إِلَى أَن التَّسْمِيَة فِي أَوَائِل السُّور لَيست من الْقُرْآن لِأَن المُرَاد من قَوْله يستفتح الْقِرَاءَة قِرَاءَة الْقُرْآن لَا مُطلق الْقِرَاءَة
стр. 2965
وَحِينَئِذٍ فالافتتاح بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين لَا ينافى قِرَاءَة الْبَسْمَلَة أَولا كَمَا لَا ينافى قِرَاءَة التَّعَوُّذ وَدُعَاء الاستفتاح
قَالَ الرَّافِعِيّ سَبِيل من أشرف قلبه وَنور بصيرته على الضّيَاع أَن يستغيث بالرحمن رَجَاء أَن يتدارك أمره بِالرَّحْمَةِ والاصطناع ويتضرع بِمَا أنْشد عبد الله بن الْحسن الْفَقِير
(لَو شِئْت داويت قلبا أَنْت مسقمه ... وَفِي يَديك من الْبلوى سَلَامَته)
(إِن كَانَ يجهل مَا فِي الْقلب من حرق ... فدمع عَيْني على خدي علامته)
ثمَّ روى بِسَنَدِهِ أَن سمنون كَانَ جَالِسا على الشط وَبِيَدِهِ قضيب يضْرب بِهِ فَخذه وَسَاقه حَتَّى تبدد لَحْمه وَهُوَ يَقُول
(كَانَ لي قلب أعيش بِهِ ... ضَاعَ مني فِي تقلبه)
(رب فاردده عَليّ فقد ... ضَاقَ صَدْرِي فِي تطلبه)
(وأغث مَا دَامَ بِي رَمق ... يَا غياث المستغيث بِهِ)
وروى عَن مسرور الْخَادِم قَالَ لما احْتضرَ هَارُون أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي أَن آتيه بأكفانه فَأَتَيْته بهَا ثمَّ أَمرنِي فحفرت لَهُ قَبره ثمَّ أَمر فَحمل إِلَيْهِ وَجعل يتأمله وَيَقُول ﴿مَا أغْنى عني ماليه هلك عني سلطانيه﴾ ثمَّ أنْشد الرَّافِعِيّ لنَفسِهِ
(الْملك لله الَّذِي عنت الْوُجُوه ... لَهُ وذلت عِنْده الأرباب)
(متفرد بِالْملكِ وَالسُّلْطَان قد ... خسر الَّذين تجاذبوه وخابوا)
стр. 2966
(دعهم وَزعم الْملك يَوْم غرورهم ... فسيعلمون غَدا من الْكذَّاب)
وَقَالَ فِي قَوْله ﷺ إِنَّه ليغان على قلبِي فأستغفر الله فِي كل يَوْم مائَة مرّة مِم كَانَ يَتُوب النَّبِي ﷺ وعَلى م يحمل الْغَيْن فِي قلبه افترق النَّاس فِيهِ فرْقَتَيْن فرقة أنْكرت الحَدِيث واستعظمت أَن يغان قلب رَسُول الله ﷺ حَتَّى يسْتَغْفر مِمَّا أَصَابَهُ وعَلى ذَلِك جرى أَبُو نصر السراج صَاحب كتاب اللمع فِي التصوف فروى الحَدِيث وَقَالَ عَقِيبه هَذَا حَدِيث مُنكر وَأنكر عُلَمَاء الحَدِيث استنكار السراج وَقَالُوا الحَدِيث صَحِيح وَكَانَ من حَقه أَن لَا يتَكَلَّم فِيمَا لَا يعلم والمصححون لَهُ تحزبوا فتحرج من تَفْسِيره متحرجون
стр. 2967
عَن شُعْبَة سَأَلت الْأَصْمَعِي مَا معنى ليغان على قلبِي فَقَالَ عَمَّن يرْوى ذَلِك قلت عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَو كَانَ عَن غير قلب النَّبِي ﷺ فسرته لَك وَأما قلب النَّبِي ﷺ فَلَا أَدْرِي فَكَانَ شُعْبَة يتعجب مِنْهُ
وَعَن الْجُنَيْد لَوْلَا أَنه حَال النَّبِي ﷺ لتكلمت فِيهِ وَلَا يتَكَلَّم على حَال إِلَّا من كَانَ مشرفا عَلَيْهَا وجلت حَاله أَن يشرف على نهايتها أحد من الْخلق وَتمنى الصّديق رضى الله عَنهُ مَعَ علو مرتبته أَن يشرف عَلَيْهَا فَعَنْهُ لَيْتَني شهِدت مَا اسْتغْفر مِنْهُ رَسُول الله ﷺ
فَهَذِهِ طَريقَة المصححين وَتكلم فِيهِ آخَرُونَ على حسب مَا انْتهى إِلَيْهِ فهمهم وَلَهُم منهاجان أَحدهمَا حمل الْغَيْن على حَالَة جميلَة ومرتبة عالية اخْتصَّ بهَا النَّبِي ﷺ وَالْمرَاد من استغفاره خضوعه وَإِظْهَار حَاجته إِلَى ربه أَو ملازمته للعبودية وَمن هَؤُلَاءِ من نزل الْغَيْن على السكينَة والاطمئنان وَعَن أبي سعيد الخراز الْغَيْن شَيْء لَا يجده إِلَّا الْأَنْبِيَاء وأكابر الْأَوْلِيَاء لصفاء الْأَسْرَار وَهُوَ كالغين الرَّقِيق الَّذِي لَا يَدُوم
وَالثَّانِي حمل الْغَيْن على عَارض يطْرَأ غَيره أكمل مِنْهُ فيبادر إِلَى الاسْتِغْفَار إعْرَاضًا وعَلى هَذَا كثرت التنزيلات والتأويلات فقد كَانَ سَبَب الْغَيْن النّظر فِي حَال الْأمة واطلاعه على مَا يكون مِنْهُم فَكَانَ يسْتَغْفر لَهُم وَقيل سَببه مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من التَّبْلِيغ ومشاهدة الْخلق فيستغفر مِنْهُ ليصل إِلَى صفاء وقته مَعَ الله وَقيل مَا كَانَ يشْغلهُ من تمادي قُرَيْش وطغيانهم وَقيل مَا كَانَ يجد فِي نَفسه من محبَّة إِسْلَام أبي طَالب وَقيل لم يزل رَسُول الله ﷺ مترقيا من رُتْبَة إِلَى رُتْبَة فَكلما رقي دَرَجَة والتفت إِلَى
стр. 2968
مَا خلفهَا وجد مِنْهَا وَحْشَة لقصورها بِالْإِضَافَة إِلَى الَّتِي انْتهى إِلَيْهَا وَذَلِكَ هُوَ الْغَيْن فيستغفر الله مِنْهَا وَهَذَا مَا كَانَ يستحسنه وَالِدي ﵀ ويقرره انْتهى كَلَام الرَّافِعِيّ ثمَّ أنْشد لغيره هَذَا
(وَالله مَا سهري إِلَّا لبعدهم ... وَلَو أَقَامُوا لما عذبت بالسهر)
(عهدي بهم ورداء الْوَصْل يشملنا ... وَاللَّيْل أطوله كاللمح بالبصر)
(والآن ليلِي إِذْ ضنوا بزورتهم ... ليل الضَّرِير فنومي غير منتظر)
وَهَذِه فَوَائِد من شرح الْمسند للرافعي
ذكر فِيهِ أَن الْأَفْضَل لمن يشيع الْجِنَازَة أَن يكون خلفهَا بالِاتِّفَاقِ وَالَّذِي أوقعه فِي ذَلِك الْخطابِيّ فَإِنَّهُ كَذَلِك قَالَ وَقد ذكر الرَّافِعِيّ نَفسه فِي شرحيه أَنه يكون أمامها وَحكى مَا سبق رِوَايَة عَن أَحْمد
وَمن شعر الرَّافِعِيّ مِمَّا لَيْسَ فِي الأمالي أنشدنا قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن الْقزْوِينِي فِي كِتَابه عَن وَالِده عَن أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ ﵀ أَنه أنْشدهُ لنَفسِهِ
стр. 2969
(تنبه فَحق أَن يطول بحسرة ... تلهف من يسْتَغْرق الْعُمر نَومه)
(وَقد نمت فِي عصر الشبيبة غافلا ... فَهَب نصيح الشيب قد جَاءَ يَوْمه)
وَهَذِه تَنْبِيهَات مهمة تتَعَلَّق بالرافعي ﵀ وَرَضي عَنهُ وعنا بكرمه
تَنْبِيه اشْتهر على لِسَان الطّلبَة أَن الرَّافِعِيّ لَا يصحح إِلَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَكثر الْأَصْحَاب وَكَأَنَّهُم أخذُوا ذَلِك من خطْبَة كِتَابه الْمُحَرر وَمن كَلَام صَاحب الْحَاوِي الصَّغِير وَاشْتَدَّ نَكِير الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى على من ظن ذَلِك وَبَين خطأه فِي كتاب الطوالع المشرقة وَغَيره ولخصت أَنا كَلَامه فِيهِ فِي كتاب التوشيح ثمَّ ذكرت أَمَاكِن رجح الرَّافِعِيّ فِيهَا مَا أعرف أَن الْأَكْثَر على خِلَافه وَهَا أَنا أعد مَا يحضرني من هَذِه الْأَمَاكِن
مِنْهَا الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ هَل هُوَ ركن طَوِيل أَو قصير فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه طَوِيل قَالَ الرَّافِعِيّ حَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن ابْن سُرَيج وَالْجُمْهُور وَالثَّانِي أَنه قصير قَالَ الرَّافِعِيّ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد فِي الفروق وَتَابعه صَاحب التَّهْذِيب وَغَيره وَهُوَ الْأَصَح انْتهى
وَلَعَلَّ الرَّافِعِيّ يُنَازع الإِمَام فِي كَون الْجُمْهُور على أَنه طَوِيل
وَمِنْهَا فِي صَلَاة الْخَوْف إِذا دمي السِّلَاح الَّذِي يحملهُ الْمُصَلِّي وَعجز عَن إلقائه أمْسكهُ وَفِي الْقَضَاء حِينَئِذٍ قَولَانِ قَالَ الرَّافِعِيّ نقل الإِمَام عَن الْأَصْحَاب أَنه يقْضِي وَقَالَ النَّوَوِيّ ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب الْقطع بِهِ قَالَ الرَّافِعِيّ والأقيس أَنه لَا يقْضِي وَوَافَقَهُ الشَّيْخ الإِمَام
стр. 2970
وَمِنْهَا ذكر أَن الْأَكْثَر لَا سِيمَا الْمُتَقَدِّمين على تَجْوِيز النّظر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة وَاقْتضى كَلَامه
١١٩٣ - عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي مُحَمَّد بن أبي عَليّ عماد الدّين أَبُو عَمْرو الْكرْدِي الْحميدِي
تفقه بالموصل على غير وَاحِد ثمَّ رَحل إِلَى أبي سعد بن أبي عصرون وتفقه عَلَيْهِ وَقدم مصر فولى قَضَاء دمياط ثمَّ نَاب فِي القاهر عَن قَاضِي الْقُضَاة عبد الْملك الماراني ودرس بِالْمَدْرَسَةِ السيفية وبالجامع الْأَقْمَر ثمَّ حج وجاور إِلَى أَن مَاتَ فِي ربيع الأول سنة سنة عشْرين وسِتمِائَة
١١٩٤ - عَرَفَة بن عَليّ بن الْحسن بن حَمْدَوَيْه أَبُو المكارم الْبَنْدَنِيجِيّ
يعرف بِابْن بصلا اللبني نِسْبَة إِلَى اللَّبن لِأَنَّهُ أَقَامَ سِنِين يتغذى بِاللَّبنِ وَلَا يَأْكُل الْخبز وَكَانَ رجلا صَالحا عَاشَ سبعا وَسبعين سنة
стр. 2971
تفقه بنظامية بَغْدَاد وَصَحب أَبَا النجيب السهروردي وَسمع من أبي الْفضل الأرموي وَعبد الصبور الْهَرَوِيّ
توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة
١١٩٥ - عَليّ بن الْخطاب بن مقلد أَبُو الْحسن الضَّرِير
تفقه على أبي الْقَاسِم بن فضلان وَأبي عَليّ بن الرّبيع
وَكَانَ من أهل وَاسِط وَسمع بِبَغْدَاد أَبَا الْفَتْح بن شاتيل
وَقيل كَانَ يقْرَأ فِي رَمَضَان تسعين ختمة وَفِي بَاقِي السّنة فِي كل يَوْم ختمة وَقد أَقبلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا آخر عمره وجالس الإِمَام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ
وَذكر ابْن النجار أَنه برع فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف وَالْأُصُول وَقَالَ سَأَلته عَن مولده فَقَالَ فِي آخر سنة سِتِّينَ أَو أول سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة قَالَ وَتُوفِّي فِي شعْبَان سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة
١١٩٦ - عَليّ بن روح بن أَحْمد بن الْحسن بن عبد الْكَرِيم النهرواني أَبُو الْحسن الْمَعْرُوف بَان الغبيري
تفقه على أبي النجيب السهروردي وتأدب على أبي مُحَمَّد الجواليقي
стр. 2972
توفّي فِي شهر رَمَضَان سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة
١١٩٧ - عَليّ بن عقيل بن عَليّ بن هبة الله بن الْحسن بن عَليّ الْفَقِيه أَبُو الْحسن بن الحبوبي الثَّعْلَبِيّ الدِّمَشْقِي الْمعدل
إِمَام مشْهد على دَاخل جَامع بني أُميَّة
ولد سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة
١١٩٨ - عَليّ بن عَليّ بن سعيد بن الجنيس
بِضَم الْجِيم بعْدهَا نون مَفْتُوحَة ثمَّ آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ سين مُهْملَة تَصْغِير جنس
من أهل ميافارقين ولد بهَا بعد الْأَرْبَعين وَخَمْسمِائة
وتفقه بتبريز على ابْن أبي عَمْرو الْفَقِيه وَسمع بهَا من مُحَمَّد بن أسعد العطاري
стр. 2973
وَقدم بَغْدَاد فَسمع من أبي زرْعَة الْمَقْدِسِي وَصَحب أَبَا النجيب وعلق الْخلاف عَن يُوسُف الدِّمَشْقِي واستوطن بَغْدَاد وَتَوَلَّى إِعَادَة النظامية وناب فِي الحكم ثمَّ عزل نَفسه ودرس بمدرسة أم النَّاصِر لدين الله
قَالَ ابْن النجار كَانَ أحفظ أهل زَمَانه لمَذْهَب الشَّافِعِي سديد الْفَتَاوَى غزير الْفضل
توفّي يَوْم عَرَفَة سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة
١١٩٩ - عَليّ بن الْقَاسِم بن عَليّ بن الْحسن بن هبة الله بن عَسَاكِر
الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم بن الْحَافِظ أبي مُحَمَّد بن الْحَافِظ الْكَبِير ولد فِي ربيع الاخر سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
وَسمع من بَرَكَات بن إِبْرَاهِيم الخشوعي وَأبي الْمَوَاهِب ابْن صصرى وَزيد بن الْحسن الْكِنْدِيّ وَعبد الْملك بن زيد بن ياسين الدولعي وَأَبِيهِ الْحَافِظ أبي مُحَمَّد الْقَاسِم وَإِسْمَاعِيل الجنزوي والمؤيد الطوسي وَأبي روح رَحل إِلَيْهِمَا
وعني بِالْحَدِيثِ أتم عناية خرج لنَفسِهِ أَرْبَعِينَ حَدِيثا وَحدث بهَا سنة سِتّمائَة فَسمع مِنْهُ جمَاعَة من شُيُوخه
قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ وَهُوَ آخر من رَحل إِلَى خُرَاسَان من الْمُحدثين وَقد خرج للكندي وَلابْن الحرستاني وَجَمَاعَة وَكَانَ ذكيا فَاضلا حَافِظًا نبيلا مُجْتَهدا فِي الطّلب
стр. 2974
تفقه على خَاله الإِمَام الْكَبِير فَخر الدّين أبي مَنْصُور عبد الرَّحْمَن
أدْركهُ أَجله بِبَغْدَاد بعد عوده من خُرَاسَان من أثر جراحات بِهِ من الحرامية فِي ثَالِث عشر جمادي الأولى سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة
١٢٠٠ - عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الصَّمد أَبُو الْحسن الْهَمدَانِي الشَّيْخ علم الدّين السخاوي الْمصْرِيّ
شيخ الْقُرَّاء بِدِمَشْق
ولد سنة ثَمَان أَو تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة
وَسمع من السلَفِي وَأبي الطَّاهِر بن عَوْف وَأبي الجيوش عَسَاكِر بن عَليّ وَأبي الْقَاسِم البوصيري وَإِسْمَاعِيل بن ياسين وَابْن طبرزد والكندي وحنبل وَغَيرهم
روى عَنهُ الشَّيْخ زين الدّين الفارقي وَخلق
وَكَانَ قد لَازم الشاطبي وَأخذ عَنهُ الْقرَاءَات وَغَيرهَا وَكَانَ فَقِيها يُفْتِي النَّاس وإماما فِي النَّحْو والقراءات وَالتَّفْسِير قَصده الْخلق من الْبِلَاد لأخذ الْقرَاءَات عَنهُ
وَله المصنفات الْكَثِيرَة وَالشعر الْكثير وَكَانَ من أذكياء بني آدم
стр. 2975
ذكره الْعِمَاد الْكَاتِب فِي كتاب السَّيْل على الذيل وَذكر أَنه مدح السُّلْطَان صَلَاح الدّين بقصيدة مِنْهَا
(بَين الفؤادين من صب ومحبوب ... يظل ذُو الشوق فِي شدّ وتقريب)
وَهِي طَوِيلَة أورد الْعِمَاد مِنْهَا قِطْعَة
وَمن الْغَرِيب أَن هَذَا السخاوي مدح الشَّيْخ رشيد الدّين الفارقي بقصيدة مطْلعهَا
(فاق الرشيد فأمت بحره الْأُمَم ... وَصد عَن جَعْفَر وردا لَهُ أُمَم)
وَبَين وَفَاة الممدوحين أَكثر من مائَة سنة وَلَا أعلم لذَلِك نظيرا
توفّي السخاوي فِي ثَانِي عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
١٢٠١ - عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْمُسلم بن مُحَمَّد
стр. 2976
١٢٠٢ - عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي ابْن الْأَثِير
الْحَافِظ المؤرخ صَاحب الْكَامِل فِي التَّارِيخ لقبه عز الدّين وَهُوَ أَخُو الْأَخَوَيْنِ الْمُحدث اللّغَوِيّ مجد الدّين صَاحب النِّهَايَة وجامع الْأُصُول والوزير الأديب ضِيَاء الدّين صَاحب الْمثل السائر
ولد بالجزيرة العمرية سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة وَنَشَأ بهَا ثمَّ تحول بهم والدهم إِلَى الْموصل
سمع بهَا من خطيب الْموصل أبي الْفضل وَمن أبي الْفرج يحيى الثَّقَفِيّ وَمُسلم بن عَليّ السيحي وَغَيرهم وببغداد من عبد الْمُنعم بن كُلَيْب ويعيش بن صَدَقَة الْفَقِيه وَعبد الْوَهَّاب بن سكينَة
وَأَقْبل فِي أَوَاخِر عمره على لحَدِيث وَسمع العالي والنازل حَتَّى سمع لما قدم دمشق من أبي الْقَاسِم بن صصرى وزين الْأُمَنَاء
стр. 2977
روى عَنهُ ابْن الدبيثي والشهاب القوصي وَالْمجد ابْن أبي جَرَادَة والشرف ابْن عَسَاكِر وسنقر القضائي وهما من أَشْيَاخ شُيُوخنَا وَغَيرهم
وَمن تصانيفه مُخْتَصر الْأَنْسَاب لِابْنِ السَّمْعَانِيّ وَكتاب حافل فِي معرفَة الصَّحَابَة اسْمه أَسد الغابة وَشرع فِي تَارِيخ الْموصل
قَالَ ابْن خلكان كَانَ بَيته بالموصل مجمع الْفُضَلَاء اجْتمعت بِهِ بحلب فَوَجَدته مكملا فِي الْفَضَائِل والتواضع وكرم الْأَخْلَاق
توفّي فِي رَمَضَان سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
١٢٠٣ - عَليّ بن مَحْمُود بن عَليّ أَبُو الْحسن الشهرزوري شمس الدّين الْكرْدِي
مدرس القيمرية بِدِمَشْق وَأَبُو مدرسها الصّلاح
قَالَ الذَّهَبِيّ شيخ فَقِيه إِمَام عَارِف بِالْمذهبِ مَوْصُوف بجودة النَّقْل حسن الدّيانَة
стр. 2978
قوي النَّفس ذُو هَيْبَة ووقار بنى الْأَمِير نَاصِر الدّين القيمري مدرسته بالحريميين بِدِمَشْق وفوض تدريسها إِلَيْهِ وَإِلَى أولي الْأَهْلِيَّة من ذُريَّته وَقد نَاب فِي الْقَضَاء عَن ابْن خلكان وَتكلم بدار الْعدْل بِحَضْرَة الْملك الظَّاهِر عِنْدَمَا احتاط على الغوطة فَقَالَ المَاء والكلأ والمرعى لله لَا يملك وكل من بِيَدِهِ ملك فَهُوَ لَهُ فبهت السُّلْطَان لكَلَامه وانفصل الْأَمر على هَذَا الْمَعْنى
توفّي فِي شَوَّال سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة
١٢٠٤ - عَليّ بن هبة الله بن سَلامَة بن الْمُسلم بن أَحْمد بن عَليّ اللَّخْمِيّ
الْفَقِيه الْوَرع بهاء الدّين ابْن الجميزي
نِسْبَة إِلَى الجميز بِضَم الْجِيم ثمَّ الْمِيم الْمُشَدّدَة الْمَفْتُوحَة ثمَّ آخر الْحُرُوف الساكنة ثمَّ الزَّاي وَهُوَ شجر مَعْرُوف بالديار المصرية
ولد يَوْم عيد الْأَضْحَى سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة بِمصْر وَحفظ الْقُرْآن الْعَزِيز وَهُوَ ابْن عشر سِنِين أَو أقل ورحل بِهِ أَبوهُ فَسمع بِدِمَشْق من أبي الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ صَحِيح البُخَارِيّ بفوت قَلِيل ورحل مَعَ أَبِيه إِلَى بَغْدَاد فَقَرَأَ بهَا الْقرَاءَات الْعشْر على أبي الْحسن عَليّ بن عَسَاكِر البطائحي بكتابه الَّذِي صنفه فِي الْقرَاءَات وَقَرَأَ الْقرَاءَات الْعشْر أَيْضا على الإِمَام قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين ابْن أبي عصرون
стр. 2979
وَسمع الحَدِيث بِبَغْدَاد من شهدة الكاتبة وَعبد الْحق اليوسفي وَأبي شَاكر يحيى السقلاطوني وَغَيرهم
وبالإسكندرية من أبي طَاهِر السلَفِي وَتفرد عَنهُ بأَشْيَاء وَمن أبي طَاهِر بن عَوْف وَأبي طَالب أَحْمد بن الْمُسلم التنوخي
وبمصر من ابْن بري والشاطبي وَقَرَأَ عَلَيْهِ عدَّة ختمات بِبَعْض الرِّوَايَات
قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ وَلَا نعلم أحدا سمع من السلَفِي وَابْن عَسَاكِر وشهدة سواهُ إِلَّا الْحَافِظ عبد الْقَادِر بن عبد الله
قلت وَفِي سَماع عبد الْقَادِر من الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر مَا لَا يخفى
روى عَنهُ خلق من أهل دمشق وَأهل مَكَّة وَأهل مصر مِنْهُم الزكيان الْمُنْذِرِيّ والبرزالي وَابْن النجار والدمياطي وَابْن دَقِيق الْعِيد وَأَبُو الْحُسَيْن اليونيني وَالْقَاضِي تَقِيّ الدّين سُلَيْمَان وخلائق
وَأخذ الْفِقْه عَن ابْن أبي عصرون بِالشَّام وَعَن أبي إِسْحَاق الْعِرَاقِيّ وَالشَّيْخ شهَاب الدّين الطوسي بِمصْر وأكمل قِرَاءَة الْمُهَذّب على ابْن أبي عصرون وَكَانَ ابْن أبي عصرون قد قَرَأَهُ على الفارقي عَن المُصَنّف
وَكَانَ الْفَقِيه بهاء الدّين خطيب الْجَامِع بِالْقَاهِرَةِ ومدرس الديار المصرية وشيخها وَرَئِيس الْعلمَاء بهَا درس وَأفْتى دهرا وَكَانَ كَبِير الْقدر رفيع الجاه وافر الْحُرْمَة مُعظما عِنْد الْخَاص وَالْعَام
وَخرجت لَهُ مشيخة حدث بهَا أخبرنَا بهَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا أخبرنَا بهَا الْمُحدث شمس الدّين مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن الْحسن بن نباتة بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ أخبرنَا شيخ
стр. 2980
١٢٠٦ - عَليّ بن أبي الحزم الْقرشِي الشَّيْخ عَلَاء الدّين بن النفيس
الطَّبِيب الْمصْرِيّ صَاحب التصانيف الفائقة فِي الطِّبّ الموجز وَشرح الكليات وَغَيرهمَا
كَانَ فَقِيها على مَذْهَب الشَّافِعِي صنف شرحا على التَّنْبِيه وصنف فِي الطِّبّ غير مَا ذكرنَا كتابا سَمَّاهُ الشَّامِل قيل لَو تمّ لَكَانَ ثَلَاثمِائَة مجلدة تمّ مِنْهُ ثَمَانُون مجلدة وَكَانَ فِيمَا يذكر يملي تصانيفه من ذهنه وصنف فِي أصُول الْفِقْه وَفِي الْمنطق وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ مشاركا فِي فنون وَأما الطِّبّ فَلم يكن على وَجه الأَرْض مثله قيل وَلَا جَاءَ بعد ابْن سينا مثله قَالُوا وَكَانَ فِي العلاج أعظم من ابْن سينا وَكَانَ شَيْخه فِي الطِّبّ الشَّيْخ مهذب الدّين الدخوار
следующие страницы →