Полный текст (3 926 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
توفّي فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الآخر سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة
والخالص الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ اسْم نَاحيَة ونهر شَرْقي بَغْدَاد
١٢٧٠ - مظفر بن عبد الله بن عَليّ بن الْحُسَيْن الإِمَام تَقِيّ الدّين الْمصْرِيّ المقترح
والمقترح لقب عَلَيْهِ
كَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه وَالْخلاف وأصول الدّين نظارا على قهر الْخُصُوم وإزهاقهم إِلَى الِانْقِطَاع
صنف التصانيف الْكَثِيرَة وَتخرج بِهِ خلق
قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم سمع بالإسكندرية من أبي الطَّاهِر بن عَوْف وَسمعت مِنْهُ وَحدث بِمَكَّة ومصر وَكَانَ كثير الإفادة منتصبا لمن يقْرَأ عَلَيْهِ كثير التَّوَاضُع حسن الْأَخْلَاق جميل الْعشْرَة دينا متورعا
ولى التدريس بِالْمَدْرَسَةِ الْمَعْرُوفَة بالسلفى بالإسكندرية مُدَّة وَتوجه إِلَى مَكَّة، فأشيعت وَفَاته وَأخذت الْمدرسَة فَعَاد وَلم يتَّفق عوده إِلَيْهَا فَأَقَامَ بِجَامِع مصر يقرىء وَاجْتمعَ عَلَيْهِ جمَاعَة كَثِيرَة ودرس بمدرسة الشريف ابْن ثَعْلَب وَتُوفِّي فِي شعْبَان سنة اثنتى عشرَة وسِتمِائَة
стр. 3047
١٢٧١ - المظفر بن عبد الله بن أبي مَنْصُور
الشريف أَبُو مَنْصُور الْهَاشِمِي العباسي الْوَاعِظ الْمَعْرُوف بالشريف العباسي ولد بإربل
سمع بِبَغْدَاد من ذَاكر بن كَامِل وَغَيره وَحدث بِمصْر ودمشق
قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم توفّي فِي شَوَّال سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
١٢٧٢ - المظفر بن أبي مُحَمَّد وَيُقَال بل أبي الْخَيْر بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ الواراني الشَّيْخ أَمِين الدّين التبريزي
صَاحب الْمُخْتَصر الْمَشْهُور فِي الْفِقْه يكنى أَبَا الْخَيْر وَقيل أَبَا الأسعد وَمن تصانيفه أَيْضا التَّنْقِيح اختصر فِيهِ الْمَحْصُول فِي أصُول القفه وَله سمط الْمسَائِل فِي القفه فِي مجلدين وَأكْثر
ولد سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة وَكَانَ من أجل مَشَايِخ الْعلم فِي ديار مصر فَقِيها أصوليا عابدا زاهدا كثير الْعِبَادَة إِمَامًا مناظرا مبرزا
تفقه بِبَغْدَاد على أبي الْقَاسِم بن فضلان وَأعَاد بِالْمَدْرَسَةِ النظامية وَأفْتى وناظر وَسمع الحَدِيث من أبي الْفرج بن كُلَيْب وَأبي أَحْمد بن سكينَة
قَالَ ابْن النجار وانتخب بِخَطِّهِ وَقَرَأَ كثيرا من الْكتب الْكِبَار
стр. 3048
قلت روى عَنهُ الْحَافِظ زكي الدّين الْمُنْذِرِيّ وَغَيره
وَحج الشَّيْخ أَمِين الدّين من بَغْدَاد ثمَّ قدم مصر ودرس بهَا بِالْمَدْرَسَةِ الناصرية الْمُجَاورَة للجامه الْعَتِيق واستوطنها دهرا طَويلا يُفْتى ويفيد ثمَّ سَافر إِلَى الْعرَاق وَمن الْعرَاق إِلَى شيراز وَمَات بهَا فِي ذى الْحجَّة سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة
١٢٧٣ - الْمعَافي بن إِسْمَاعِيل بن أبي الْحُسَيْن بن أبي السنان القفيه أَبُو مُحَمَّد بن الحدوس
بِفَتْح الْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَإِسْكَان الْوَاو ثمَّ سين مُهْملَة
لَهُ كتاب الْكَامِل فِي الْفِقْه وَكتاب الموجز فِي الذّكر وَكتاب أنس المنقطعين وَغير ذَلِك من المصنفات
ولد سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة وَسمع من أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن خَمِيس وَمُسلم بن عَليّ السيحي
روى عَنهُ الزكي البرزالي وَالْمجد بن العديم وَالْخضر بن عَبْدَانِ الْكَاتِب وَغَيرهم
وَكَانَ إِمَامًا عَارِفًا بِالْمذهبِ كثير الْعِبَادَة درس وَأفْتى وناظر
توفّي فِي رَمَضَان أَو شعْبَان سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
وَفِي كِتَابه الْكَامِل أَنه يكره الاستياك بالمبرد
стр. 3049
١٢٧٤ - مفرج بن الْمُبَارك أَبُو الْفضل القَاضِي يعرف بِابْن الْعَطَّار
من أهل وَاسِط
تفقه على أبي جَعْفَر بن البوقي وَأفْتى وَكَانَ نزها خيرا
ولد فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَمَات فِي حادي عشرى شعْبَان سنة إِحْدَى وسِتمِائَة
١٢٧٥ - مَنْصُور بن سليم بن مَنْصُور بن فتوح الْمُحدث وجيه الدّين أَبُو المظفر الْهَمدَانِي الإسْكَنْدراني
محتسب الْإسْكَنْدَريَّة
ولد فِي ثامن صفر سنة سبع وسِتمِائَة وَسمع من مُحَمَّد بن عماد الْحَرَّانِي وجعفر الْهَمدَانِي وَابْن رواج وَجَمَاعَة من أَصْحَاب السلَفِي وببغداد من ابْن روزبة والقطيعي وَأبي بكر الخازن وَجَمَاعَة من أَصْحَاب شهدة وبمصر من مرتضى بن أبي الْجُود
стр. 3050
وَعلي بن عمار وَغَيرهمَا وبدمشق من ابْن اللتي ومكرم وَجَمَاعَة وبحلب من ابْن خَلِيل وَغَيره وَبِغير ذَلِك من الْبلدَانِ من جماعات
كتب عَنهُ الْحَافِظ الدمياطي والشريف عز الدّين وَجَمَاعَة ودرس بالإسكندرية وَخرج وانتقى وعني بفنون الحَدِيث وَجمع المعجم لنَفسِهِ وَخرج الْأَرْبَعين وصنف تَارِيخا للإسكندرية فِي مجلدين
توفّي لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة ﵀
١٢٧٦ - مُوسَى بن عَليّ بن وهب بن مُطِيع الْقشيرِي القوصي
الشَّيْخ سراج الدّين ابْن الشَّيْخ مجد الدّين وأخو شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين
ولد بقوص سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَسمع الحَدِيث من أَصْحَاب السلَفِي وَحدث
سمع مِنْهُ شَيخنَا أَبُو حَيَّان النَّحْوِيّ
وَكَانَ فَقِيها جيدا ذكي القريحة تصدى بقوص لنشر الْعلم والفتيا
وصنف فِي الْفِقْه كتاب سَمَّاهُ الْمُغنِي وَهَذَا الْكتاب هُوَ الَّذِي نقل عَنهُ ابْن الرّفْعَة، فِيمَا إِذا نوى الْمُتَيَمم بتيممه اسْتِبَاحَة الْفَرْض وَالنَّفْل أَن سراج الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد قَالَ: يستبيحهما على أصح الْوَجْهَيْنِ وَالْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب أَنه يستبيحهما بِلَا خلاف قَالَه النَّوَوِيّ وَقَالَ الإِمَام إِن الطّرق اتّفقت عَلَيْهِ
стр. 3051
قَالَ ابْن لرفعة وَقَضِيَّة مَا نَقله سراج الدّين أَن الْوَجْه الآخر أَنه لَا يستبيحهما بل أَحدهمَا وَقَول الْغَزالِيّ فَالصَّحِيح جوازهما لَا يُنَافِي دَعْوَى الإِمَام اتِّفَاق الطّرق على جوازهما إِذْ مُقَابل الصَّحِيح فِي كَلَامه أَنه لَا بُد من تعين الْفَرِيضَة وَالْمعْنَى فَالصَّحِيح جوازهما وَإِن لم يعين الْفَرِيضَة وَكَلَام ابْن دَقِيق الْعِيد يجوز أَن يؤول بِمثل مَا أول بِهِ كَلَام الْغَزالِيّ
وَمن شعر سراج الدّين
(وحقك مَا أَعرَضت عَنْك ملالة ... وَلَا أَنا مِمَّا تعلمين مُفِيق)
(وَلَكِن خشيت الكاشحين لأنني ... على سرنا من أَن يذاع شفيق)
(فَأَصْبَحت كالظمآن شَاهد مشربا ... قَرِيبا وَلَكِن مَا إِلَيْهِ طَرِيق)
مَاتَ بقوص سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة
١٢٧٧ - مُوسَى بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن حمود الماكسيني
стр. 3052
١٢٧٨ - مُوسَى بن أبي الْفضل يُونُس بن مُحَمَّد بن مَنْعَة
الشَّيْخ الْعَلامَة كَمَال الدّين ابْن يُونُس أَبُو الْفَتْح الْموصِلِي
وَالِد شَارِح التَّنْبِيه الشَّيْخ شرف الدّين أَحْمد بن مُوسَى
ولد فِي صفر سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة بالموصل وتفقه على وَالِده الشَّيْخ رَضِي الدّين يُونُس ثمَّ توجه إِلَى بَغْدَاد فتفقه بِالْمَدْرَسَةِ النظامية على معيدها السديد السلماسي وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة بالموصل على الإِمَام يحيى بن سعدون وببغداد على الْكَمَال عبد الرَّحْمَن الْأَنْبَارِي ثمَّ عَاد إِلَى الْموصل مُقيما بهَا
وَكَانَ رجلا متبحرا فِي كثير من فنون الْعلم مَوْصُوفا بالذكاء المفرط إِلَيْهِ مرجع أهل الْموصل وَمَا والاها فِي الْفَتَاوَى وَأَصْحَابه يعظمونه كثيرا
وَقد ذكره ابْن خلكان فِي الوفيات وَقَالَ إِنَّه درس بعد وَفَاة وَالِده فِي مَوْضِعه بِالْمَسْجِدِ الْمَعْرُوف بالأمير زين الدّين صَاحب إربل قَالَ وَهَذَا الْمَسْجِد يعرف الْآن بِالْمَدْرَسَةِ الكمالية لِأَنَّهُ نسب إِلَى كَمَال الدّين الْمَذْكُور لطول إِقَامَته بِهِ وَلما اشْتهر فَضله انثال عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وتبحر فِي جَمِيع فنون الْعلم وَجمع من الْعُلُوم مَا لم يجمعه أحد
стр. 3053
وَتفرد بِعلم الرياضة وَلَقَد رَأَيْته بالموصل فِي شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وترددت إِلَيْهِ دفيعات عديدة لما كَانَ بَينه وَبَين الْوَالِد ﵀ من المؤانسة والمودة الأكيدة وَلم يتَّفق لي الْأَخْذ عَنهُ لعدم الْإِقَامَة وَسُرْعَة الْحَرَكَة إِلَى الشَّام
وَكَانَ الْفُقَهَاء يَقُولُونَ إِنَّه يدْرِي أَرْبَعَة وَعشْرين فَنًّا دراية متقنة فَمن ذَلِك الْمَذْهَب وَكَانَ فِيهِ أوحد الزَّمَان وَكَانَ جمَاعَة من الطَّائِفَة الْحَنَفِيَّة يشتغلون عَلَيْهِ بمذهبهم وَيحل مسَائِل الْجَامِع الْكَبِير أحسن حل مَعَ مَا يَجِيء عَلَيْهِ من الْإِشْكَال الْمَشْهُور
وَكَانَ يتقن فن الْخلاف والتجاري وأصول الْفِقْه وأصول الدّين وَلما وصلت كتب فَخر الدّين الرَّازِيّ للموصل وَكَانَ بهَا إِذْ ذَاك جمَاعَة من الْفُضَلَاء لم يفهم أحد مِنْهُم اصْطِلَاحه فِيهَا سواهُ وَكَذَلِكَ الْإِرْشَاد للعميدي لما وقف عَلَيْهَا حلهَا فِي لَيْلَة وَاحِدَة وأقرأها على مَا قَالُوا
وَكَانَ يدْرِي فن الْحِكْمَة والمنطق والطبيعى والإلهي وَكَذَلِكَ الطِّبّ وَيعرف فنون الرياضة من اقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطي وَهِي لَفْظَة يونانية مَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ التَّرْتِيب ذكر ذَلِك أَبُو بكر فِي كِتَابه وأنواع الْحساب المفتوح مِنْهُ والجبر والمقابلة والأرثماطيقي وَطَرِيق الخطأين والموسيقى والمساحة
стр. 3054
معرفَة لَا يُشَارِكهُ فِيهَا غَيره إِلَّا فِي ظواهر هَذِه الْعُلُوم دون دقائقها وَالْوُقُوف على حقائقها وَبِالْجُمْلَةِ فَلَقَد كَانَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(وَكَانَ من الْعُلُوم بِحَيْثُ يقْضى ... لَهُ فِي كل علم بِالْجَمِيعِ)
واستخرج فِي علم الأوفاق طرقا لم يهتد إِلَيْهَا أحد وَكَانَ يبْحَث فِي الْعَرَبيَّة والتصريف بحثا تَاما مُسْتَوفى حَتَّى إِنَّه كَانَ يقرئ كتاب سِيبَوَيْهٍ والإيضاح والتكملة لأبي عَليّ الْفَارِسِي والمفصل للزمخشري وَكَانَ لَهُ فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَأَسْمَاء الرِّجَال وَمَا يتَعَلَّق بِهِ يَد جَيِّدَة
وَكَانَ يحفظ من التواريخ وَأَيَّام الْعَرَب ووقائعهم والأشعار والمحاضرات شَيْئا كثيرا
وَكَانَ أهل الذِّمَّة يقرأون عَلَيْهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ويشرح لَهما هذَيْن الْكِتَابَيْنِ شرحا يعترفون أَنهم لَا يَجدونَ من يوضحهما لَهُم مثله وَكَانَ فِي كل فن من هَذِه الْفُنُون كَأَنَّهُ لَا يعرف سواهُ لقُوته فِيهِ
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن مَجْمُوع مَا كَانَ يُعلمهُ من الْفُنُون لم نسْمع عَن أحد مِمَّن تقدمه أَنه كَانَ قد جمعه
وَلَقَد جَاءَنَا الشَّيْخ أثير الدّين الْمفضل بن عمر بن الْمفضل الْأَبْهَرِيّ صَاحب التعليقة فِي الْخلاف والزيج والتصانيف الْمَشْهُورَة من الْموصل إِلَى إربل فِي سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وَقبلهَا فِي سنة خمس وَعشْرين وَنزل بدار الحَدِيث وَكنت أشتغل عَلَيْهِ بِشَيْء من الْخلاف فَبَيْنَمَا أَنا يَوْمًا عِنْده إِذْ دخل عَلَيْهِ بعض فُقَهَاء بَغْدَاد وَكَانَ فَاضلا فتجاريا فِي الحَدِيث زَمَانا وَجرى ذكر الشَّيْخ كَمَال الدّين فِي أثْنَاء الحَدِيث فَقَالَ لَهُ الْأَثِير لما حج الشَّيْخ كَمَال الدّين وَدخل بَغْدَاد كنت هُنَاكَ فَقَالَ نعم فَقَالَ كَيفَ كَانَ
стр. 3055
إقبال الدُّيُون الْعَزِيز عَلَيْهِ فَقَالَ ذَاك الْفَقِيه مَا أنصفوه على قدر اسْتِحْقَاقه فَقَالَ الْأَثِير مَا هَذَا إِلَّا عجب وَالله مَا دخل بَغْدَاد مثل الشَّيْخ فاستعظمت مِنْهُ هَذَا الْكَلَام وَقلت يَا سيدنَا كَيفَ تَقول كَذَا فَقَالَ يَا وَلَدي مَا دخل بَغْدَاد مثل أبي حَامِد الْغَزالِيّ وَالله مَا بَينه وَبَين الشَّيْخ نِسْبَة
وَكَانَ الْأَثِير على جلالة قدره فِي الْعُلُوم يَأْخُذ الْكتاب وَيجْلس بَين يَدَيْهِ يقْرَأ عَلَيْهِ وَالنَّاس يَوْم ذَلِك يشتغلون فِي تصانيف الْأَثِير وَلَقَد شهِدت هَذَا بعيني وَهُوَ يقْرَأ عَلَيْهِ كتاب المجسطي
وَلَقَد حكى بعض الْفُقَهَاء أَنه سَأَلَ الشَّيْخ كَمَال الدّين عَن الْأَثِير ومنزلته فِي الْعُلُوم فَقَالَ مَا أعلم فَقَالَ وَكَيف هَذَا يَا مَوْلَانَا وَهُوَ فِي خدمتك مُنْذُ سِنِين عديدة يشْتَغل عَلَيْك فَقَالَ لأنني مهما قلت لَهُ تَلقاهُ بِالْقبُولِ وَقَالَ نعم يَا مَوْلَانَا فَمَا جادلني فِي مَبْحَث قطّ حَتَّى أعلم حَقِيقَة فضلَة
стр. 3056
وَلَا شكّ أَنه كَانَ يعْتَمد هَذَا الْقدر مَعَ الشَّيْخ تأدبا وَكَانَ معيدا عِنْده فِي الْمدرسَة البدرية وَكَانَ يَقُول مَا تركت بلادي وقصدت الْموصل إِلَّا للاشتغال على الشَّيْخ
وَكَانَ شَيخنَا تَقِيّ الدّين أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح الْمُتَقَدّم ذكره يُبَالغ فِي الثَّنَاء على فضائله وتعظيم شَأْنه وتوحده فِي الْعُلُوم فَذكره يَوْمًا وَشرع فِي وَصفه على عَادَته فَقَالَ لَهُ بعض الْحَاضِرين يَا سيدنَا على من اشْتغل وَمن كَانَ شَيْخه فَقَالَ هَذَا الرجل خلقه الله إِمَامًا عَالما فِي فنونه لايقال على من اشْتغل وَلَا من كَانَ شَيْخه فَإِنَّهُ أكبر من هَذَا
وَحكى لي بعض الْفُقَهَاء بالموصل أَن ابْن الصّلاح الْمَذْكُور سَأَلَهُ أَن يقْرَأ عَلَيْهِ شَيْئا من الْمنطق سرا فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَتردد إِلَيْهِ مُدَّة فَلم يفتح عَلَيْهِ بِشَيْء فَقَالَ لَهُ يَا فَقِيه الْمصلحَة عِنْدِي أَن تتْرك الِاشْتِغَال بِهَذَا الْفَنّ فَقَالَ لَهُ وَلم ذَلِك يَا مَوْلَانَا فَقَالَ لِأَن النَّاس يَعْتَقِدُونَ فِيك الْخَيْر وهم ينسبون كل من اشْتغل بِهَذَا الْفَنّ إِلَى فَسَاد الِاعْتِقَاد فكأنك تفْسد عقائدهم فِيك وَلَا يحصل لَك من هَذَا الْفَنّ شَيْء فَقبل إِشَارَته وَترك قِرَاءَته
وَمن يقف على هَذِه التَّرْجَمَة فَلَا ينسبني إِلَى المغالاة فِي حق الشَّيْخ وَمن كَانَ من أهل تِلْكَ الْبِلَاد وَعرف مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّيْخ عرف أَنِّي مَا أعرته وَصفا ونعوذ من الغلو والتساهل فِي النَّقْل
стр. 3057
وَقد ذكره أَبُو البركات ابْن المستوفي الْمُتَقَدّم ذكره فِي تَارِيخ إربل فَقَالَ هُوَ عَالم مقدم ضرب فِي كل علم وَهُوَ فِي علم الْأَوَائِل كالهندسة والمنطق وَغَيرهمَا مِمَّن يشار إِلَيْهِ حل اقليدس والمجسطي على الشَّيْخ شرف الدّين المظفر بن مُحَمَّد بن المظفر الطوسي الفارابي يَعْنِي صَاحب الاسطرلاب الخطي الْمَعْرُوف بالعصا
قَالَ ابْن المستوفي ووردت عَلَيْهِ مسَائِل من بَغْدَاد فِي مشكلات هَذَا الْعلم فَحلهَا واستصغرها وَنبهَ على براهينها بعد أَن احتقرها وَهُوَ فِي الْفِقْه والعلوم الإسلامية نَسِيج وَحده ودرس فِي عدَّة مدارس بالموصل وَتخرج عَلَيْهِ خلق كثير فِي كل فن
ثمَّ قَالَ أنشدنا لنَفسِهِ وأنفذها إِلَى صَاحب الْموصل يشفع عِنْده
(لَئِن شرفت أَرض بِمَالك رقها ... فمملكة الدُّنْيَا بكم تتشرف)
(ومكنت من حفظ البسيطة مثل مَا ... تمكن فِي أَمْصَار فِرْعَوْن يُوسُف)
(بقيت بَقَاء الدَّهْر أَمرك نَافِذ ... وسعيك مَشْهُور وحكمك منصف)
قلت أَنا وَلَقَد أَنْشدني هَذِه الأبيات عَنهُ أحد أَصْحَابه بِمَدِينَة حلب وَكنت بِدِمَشْق سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَبهَا رجل فَاضل فِي عُلُوم الرياضة فأشكل عَلَيْهِ مَوَاضِع من مسَائِل الْحساب والجبر والمقابلة والمساحة واقليدس فَكتب جَمِيعهَا فِي درج
стр. 3058
وسيرها إِلَى الْموصل ثمَّ بعد أشهر عَاد جَوَابه وَقد كشف عَن خفيها وأوضح غامضها وَذكر مَا يعجز الْإِنْسَان عَن وَصفه ثمَّ كتب فِي آخر الْجَواب فليمهد الْعذر فِي التَّقْصِير فِي الْأَجْوِبَة فَإِن القريحة جامدة والفطنة خامدة قد استولى عَلَيْهَا كَثِيرَة النسْيَان وشغلها حوادث الزَّمَان وَكثير مِمَّا استخرجناه وعرفناه نسيناه بِحَيْثُ صرنا كأنا مَا عَرفْنَاهُ
وَقَالَ لي صَاحب الْمسَائِل الْمَذْكُورَة مَا سَمِعت مثل هَذَا الْكَلَام إِلَّا للأوائل المتقنين لهَذِهِ الْعُلُوم مَا هَذَا من كَلَام أَبنَاء هَذَا الزَّمَان
وَحكى لي الشَّيْخ الْفَقِيه الرياضي علم الدّين قَيْصر بن أبي الْقَاسِم بن عبد الْغَنِيّ بن مُسَافر الْحَنَفِيّ الْمُقْرِئ الْمَعْرُوف بتعاسيف وَكَانَ إِمَامًا فِي عُلُوم الرياضة قَالَ لما أتقنت عُلُوم الرياضة بالديار المصرية وبدمشق تاقت نَفسِي إِلَى الِاجْتِمَاع بالشيخ كَمَال الدّين لما كنت أسمع من تفرده بِهَذِهِ الْعُلُوم فسافرت إِلَى الْموصل قصدا للاجتماع فَلَمَّا حضرت فِي مَجْلِسه وخدمته وجدته على حلية الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين وَكنت قد طالعت أخبارهم وحلاهم فَسلمت عَلَيْهِ وعرفته قصدي لَهُ للْقِرَاءَة عَلَيْهِ فَقَالَ لي فِي أَي الْعُلُوم تُرِيدُ تشرع فَقلت فِي الموسيقى فَقَالَ مصلحَة هُوَ فلي زمَان مَا قَرَأَهُ عَليّ أحد فَأَنا أوثر
стр. 3059
مذاكرته وتجديد الْعَهْد بِهِ فشرعت فِيهِ ثمَّ فِي غَيره حَتَّى شققت عَلَيْهِ أَكثر من أَرْبَعِينَ كتابا فِي مِقْدَار سِتَّة أشهر وَكنت عَارِفًا بِهَذَا الْفَنّ لَكِن كَانَ غرضي الانتساب فِي الْقِرَاءَة إِلَيْهِ وَكَانَ إِذا لم أعرف الْمَسْأَلَة أوضحها لي وَمَا كنت أجد من يقوم مقَامه فِي ذَلِك
وَقد أطلت الشَّرْح فِي نشر علومه ولعمري لقد اختصرت
وَلما توفّي أَخُوهُ الشَّيْخ عماد الدّين مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره تولى الشَّيْخ الْمدرسَة العلائية مَوضِع أَخِيه وَلما فتحت الْمدرسَة القاهرية تولاها ثمَّ تولى الْمدرسَة البدرية فِي ذِي الْحجَّة سنة عشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ مواظبا على إِلْقَاء الدُّرُوس والإفادة
وَحضر فِي بعض الْأَيَّام دروسه جمَاعَة من المدرسين أَرْبَاب الطيالس وَكَانَ الْعِمَاد أَبُو عَليّ عمر بن عبد النُّور بن يُوسُف الصنهاجي النَّحْوِيّ البجائي حَاضرا فَأَنْشد على البديهة
(كَمَال كَمَال الدّين للْعلم والعلى ... فهيهات ساع فِي مساعيك يطْمع)
(إِذا اجْتمع النظار فِي كل موطن ... فغاية كل أَن تَقول ويسمعوا)
(فَلَا تحسبوهم من غناء تطيلسوا ... وَلَكِن حَيَاء واعترافا تقنعوا)
وللعماد الْمَذْكُور فِيهِ أَيْضا
(تجر الْموصل الأذيال فخرا ... على كل الْمنَازل والرسوم)
стр. 3060
(بدجلة والكمال هما شِفَاء ... لهيم أَو لذِي فهم سقيم)
(فَذا بَحر تدفق وَهُوَ عذب ... وَذَا بَحر وَلَكِن من عُلُوم)
وَكَانَ الشَّيْخ سامح الله يتهم فِي دينه لكَون الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة غالبة عَلَيْهِ وَكَانَت تعتريه غَفلَة فِي بعض الأحيان لاستيلاء الفكرة عَلَيْهِ بِسَبَب هَذِه الْعُلُوم فَعمل فِيهِ الْعِمَاد الْمَذْكُور
(أجدك أَن قد جاد بعد التعبس ... غزال بوصل لي وَأصْبح مؤنسي)
(وأعطيته صهباء من فِيهِ مزجها ... كرقة شعري أَو كَدين ابْن يُونُس)
انْتهى كَلَام ابْن خلكان
وَرَأَيْت بِخَط الشَّيْخ كَمَال الدّين بن يُونُس على الْجُزْء الأول من اقليدس إصْلَاح ثَابت بن قُرَّة مَا نَصه قَرَأت على الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الزَّاهِد الْوَرع شرف الدّين فَخر الْعلمَاء تَاج الْحُكَمَاء أبي المظفر أدام الله أَيَّامه بعد عوده من طوس هَذَا الْجُزْء وَكنت حللته عَلَيْهِ نَفسِي مَعَ كتاب المجسطي وَشَيْء من المخروطات واستنجزته مَا كَانَ وعدنا بِهِ من كتاب الشكوك فَأحْضرهُ واستنسخته وَكتبه مُوسَى بن يُونُس بن مُحَمَّد بن مَنْعَة فِي تَارِيخه هَذَا صُورَة خطه وتاريخ الْكتاب الْمشَار إِلَيْهِ تَاسِع عشر ربيع الأول سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة هجرية
стр. 3061
١٢٧٩ - موهوب بن عمر بن موهوب بن إِبْرَاهِيم الْجَزرِي القَاضِي صدر الدّين
مولده بالجزيرة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبعين وَخَمْسمِائة وَقدم الشَّام وتفقه على شيخ الْإِسْلَام عز الدّين ابْن عبد السَّلَام وَقَرَأَ على السخاوي
وَكَانَ فَقِيها بارعا أصوليا أديبا قدم الديار المصرية وَولي بهَا الْقَضَاء وَسَار سيرة مرضية وَيُقَال إِن الصاحب بهاء الدّين كَانَ يحط عَلَيْهِ فَرَأى قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين رَسُول الله ﷺ فِي النّوم وَهُوَ يَقُول لَهُ قل للصاحب بهاء الدّين بأمارة مَا استشفعت بِي فِي قَضِيَّة كَذَا لَا تتعرض لي فحكاه لَهُ فَقَالَ نعم كَذَا جرى ثمَّ ترك التَّعَرُّض لَهُ وَأحسن إِلَيْهِ
توفّي بِالْقَاهِرَةِ فَجْأَة فِي تَاسِع رَجَب سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة
١٢٨٠ - نجم بن أبي الْفرج بن سَالم الْكِنَانِي الْمصْرِيّ
ولد سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَسمع من عبد الله بن بري النَّحْوِيّ
стр. 3062
وَصَحبه مُدَّة وَمن عشير بن عَليّ الْمزَارِع وَفَارِس بن تركي الضَّرِير
روى عَنهُ الْحَافِظ زكي الدّين الْمُنْذِرِيّ وَغَيره
وَكَانَ فَقِيها حسنا من أهل الْخَيْر والعفاف تصدر بالجامع الْعَتِيق بِمصْر مُدَّة وَأعَاد بِالْمَدْرَسَةِ السيفية وَجمع مجاميع فِي الْفِقْه وَغَيره
توفّي فِي شهر ربيع الأول سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
١٢٨١ - نصر بن عقيل بن نصر بن عقيل بن نصر أَبُو الْقَاسِم الإربلي
تفقه بإربل على عَمه أبي الْعَبَّاس الْخضر ثمَّ توجه إِلَى بَغْدَاد فتفقه بالنظامية على الْأَمِير أبي نصر بن نظام الْملك ثمَّ عَاد إِلَى إربل ودرس بهَا وَأفْتى ثمَّ قدم الْموصل وَمَات بهَا رَابِع عشر ربيع الآخر سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة
стр. 3063
١٢٨٢ - نصر بن مُحَمَّد بن مقلد أَبُو الْفَتْح الْقُضَاعِي الشِّيرَازِيّ الملقب بالمرتضى
من عُلَمَاء الديار المصرية
تفقه على أبي حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد البروى وَأبي سعد عبد الله بن أبي عصرون وَسمع بِدِمَشْق من الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر وَسكن مصر ودرس بقبة الشَّافِعِي وَلم تقيد وَفَاته
١٢٨٣ - نصر الله بن يُوسُف بن مكي بن عَليّ
الْفَقِيه أَبُو الْفَتْح بن الْفَقِيه أبي الْحجَّاج الْحَارِثِيّ الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن الإِمَام
تفقه على وَالِده وعَلى أبي البركات الْخضر بن شبْل بن عبد وَسمع من أبي الْفَتْح نصر الله المصِّيصِي وَهبة الله بن طَاوس ورحل فَسمع بِبَغْدَاد من أبي الْوَقْت وَغَيره وَأَجَازَ لَهُ أَبُو عبد الله الفراوي وزاهر بن طَاهِر وَغَيرهمَا
وَكَانَ يدعى نصرا غير مُضَاف أَيْضا
روى عَنهُ يُوسُف بن خَلِيل الدِّمَشْقِي والزين خَالِد والتقي اليلداني وَأَجَازَ لِلْمُنْذِرِيِّ وَلأبي الْعَبَّاس بن أبي الْخَيْر
توفّي بِدِمَشْق فِي منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وسِتمِائَة
стр. 3064
١٢٨٤ - هبة الله بن عبد الله بن سيد الْكل القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بهاء الدّين القفطي
أحد الْمَشَاهِير من عُلَمَاء الصَّعِيد
كَانَ إِمَامًا عَالما عَاملا
وَقد اخْتلف فِي مولده فَقيل سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَقيل سنة سِتّمائَة وَقيل سنة إِحْدَى وسِتمِائَة وَلَعَلَّه الْأَقْرَب
قدم قوص فتفقه على الشَّيْخ مجد الدّين الْقشيرِي وَقَرَأَ الْأُصُول على قاضيها الإِمَام شمس الدّين الْأَصْبَهَانِيّ وبرع فِي الْفِقْه والأصلين والنحو والفرائض والجبر والمقابلة وَسمع الحَدِيث من الْفَقِيه أبي الْحسن عَليّ بن هبة الله بن سَلامَة وَالشَّيْخ مجد الدّين الْقشيرِي وَغَيرهمَا
حدث عَنهُ طَلْحَة بن شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين الْقشيرِي وَغَيره
وَكَانَ قيمًا بِالْمَدْرَسَةِ النجيبية بقوص مَعَ براعة فِي الْعلم وَكَانَ يعلق الْقَنَادِيل والطلبة تقْرَأ عَلَيْهِ ثمَّ انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة الْمَذْهَب وَولي أَمَانَة الحكم بقوص
وَاتفقَ أَنه عمل حِسَاب الْأَيْتَام فَوقف عَلَيْهِ ثَمَانمِائَة دِرْهَم فَلم يعرف وَجه المصروف فَبَاتَ على أَنه يَبِيع منزلَة وَيغرم ثمنه فِي ذَلِك فَقَالَ لَهُ أحد الشُّهُود الَّذين مَعَه النقدة الْفُلَانِيَّة فتذكرها ثمَّ قصد التنصل من الْمُبَاشرَة فَقيل لَهُ مَتى تنصلت لم تجب وَلَكِن اجْتمع
стр. 3065
بفلان وَقل لَهُ إِن القَاضِي فِيمَا بَلغنِي يُرِيد عزلي وَأظْهر التألم من ذَلِك واسأله الحَدِيث مَعَه فِي الِاسْتِمْرَار فَفعل فَقَالَ القَاضِي قد أورثني هَذَا الْحِرْص رِيبَة فَعَزله ثمَّ توجه إِلَى إسنا حَاكما ومعيدا بِالْمَدْرَسَةِ العزية عِنْد النجيب ابْن مُفْلِح أحد تلامذة الْقشيرِي أَيْضا ثمَّ مَاتَ النجيب فأضيف إِلَيْهِ التدريس فَصَارَ حَاكما مدرسا
وَنشر السّنة بإسنا بعد مَا كَانَ التَّشَيُّع بهَا فاشيا وصنف كتابا فِي ذَلِك سَمَّاهُ النصائح المفترضة فِي فضائح الرفضة وهموا بقتْله فحماه الله تَعَالَى مِنْهُم وَتَابَ على يَده خلق
وَأخذ الْعلم عَنهُ خلق كثير مِنْهُم شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد وَالشَّيْخ الضياء بن عبد الرَّحِيم
وصنف فِي التَّفْسِير كتاب وصل فِيهِ إِلَى سُورَة كهيعص وَله شرح الْهَادِي فِي الْفِقْه خمس مجلدات ثمَّ شرح عُمْدَة الطَّبَرِيّ وَشرح مُخْتَصر أبي شُجَاع وَشرح مُقَدّمَة المطرزي فِي النَّحْو وَكتاب الأنباء المستطابة فِي فَضَائِل الصَّحَابَة والقرابة وَغير ذَلِك
وَكَانَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد يجله وسافر إِلَى الصَّعِيد سنة تسعين وسِتمِائَة لمُجَرّد زيارته وَمِمَّا حفظ من عِبَارَته لَوْلَا الْبَهَاء بالصعيد لتحرج أَهله بِسَبَب الْفتيا
стр. 3066
وَعَن الشَّيْخ بهاء الدّين أعرف عشْرين علما أنسيت بَعْضهَا لعدم المذاكرة
وَكَانَ يستوعب الزَّمَان فِي الْعِبَادَة وَالْعلم والحكومة ثمَّ ترك الْقَضَاء أخيرا وَاسْتمرّ على الْعِبَادَة وَالْعلم إِلَى أَن توفّي وَرَأى رَاء فِي مَنَامه قَائِلا يَقُول لَهُ لقد مَاتَ الشَّافِعِي فانتبه فَإِذا بقائل يَقُول مَاتَ الشَّيْخ بهاء الدّين القفطي
ومناقبه كَثِيرَة وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ من رجال الْعلم وَالدّين
توفّي بإسنا سنة سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة فعلى القَوْل بِأَن مولده سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة، يكون من أهل الْمِائَة
١٢٨٥ - هبة الله بن عَليّ بن أبي الْفضل بن سهل أَبُو جَعْفَر الوَاسِطِيّ
تفقه على أبي جَعْفَر بن البوقي وَمَات فِي حُدُود سنة إِحْدَى وسِتمِائَة
١٢٨٦ - همام بِضَم الْهَاء بن راجى الله بن سَرَايَا بن نَاصِر بن دَاوُد
الْفَقِيه الأصولي جلال الدّين أَبُو العزائم الْمصْرِيّ
إِمَام الْجَامِع الصَّالِحِي بِظَاهِر الْقَاهِرَة وخطيبه
стр. 3067
ولد بِبِلَاد الصَّعِيد سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَقدم الْقَاهِرَة وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة على ابْن بري وارتحل إِلَى الْعرَاق فتفقه على المجير الْبَغْدَادِيّ وَابْن فضلان وَسمع من عبد الْمُنعم بن كُلَيْب وَغَيره
روى عَنهُ ابْن النجار والحافظ زكي الدّين الْمُنْذِرِيّ وَغَيرهمَا
وَله مصنفات فِي الْمَذْهَب وَالْأُصُول وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
وَله شعر كثير وَله من قصيدة
(ياقوت ثغرك قد غَدا متقمعا ... بزمرد لما توشح جوهرا)
(وحباب ريقك كَالنُّجُومِ إِذا بَدَت ... من شَأْنهَا مَاء الحيا أَن يقطرا)
١٢٨٧ - يحيى بن الرّبيع بن سُلَيْمَان بن حراز بن سُلَيْمَان الْعَدوي الْعمريّ الإِمَام فَخر الدّين أَبُو عَليّ الوَاسِطِيّ ابْن الْفَقِيه أبي الْفضل
ولد بواسط فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَقدم بَغْدَاد فتفقه بالنظامية على مدرسها الإِمَام أبي النجيب السهروردي وَكَانَ قد تفقه قبله على وَالِده وعَلى أبي جَعْفَر بن البوقي ثمَّ رَحل إِلَى نيسابور فتفقه على الإِمَام مُحَمَّد بن يحيى صَاحب الْغَزالِيّ وَمكث عِنْده أَكثر من سنتَيْن
وَسمع الْكثير من أبي الْكَرم نصر الله بن مخلد بن الجلخت وَعبد الْخَالِق اليوسفي وَابْن نَاصِر وَأبي الْوَقْت وَشَيْخه مُحَمَّد بن يحيى وَعبد الله بن الفراوي وَعبد الْخَالِق بن زَاهِر وَغَيرهم بواسط وبغداد ونيسابور وَله إجَازَة من زَاهِر
стр. 3068
الشحامي وَحدث بالكثير بِبَغْدَاد وبهراة وبغزنة لما توجه إِلَيْهَا رَسُولا من الدِّيوَان الْعَزِيز
روى عَنهُ ابْن الدبيثي والضياء الْمَقْدِسِي وَابْن خَلِيل وَآخَرُونَ
وَولي تدريس النظامية وَكَانَت بَينه وَبَين ابْن فضلان صُحْبَة أكيدة قَالَ الْمُوفق عبد اللَّطِيف لم أر مثلهَا بَين اثْنَيْنِ قطّ وترافقا فِي الرحلة إِلَى مُحَمَّد بن يحيى وَكَانَا يتناظران بَين يَدَيْهِ
قَالَ ابْن الدبيثي كَانَ يَعْنِي ابْن الرّبيع ثِقَة صَحِيح السماع عَالما بِمذهب الشَّافِعِي وبالخلاف من الحَدِيث وَالتَّفْسِير كثير الْفُنُون قَرَأَ بالعشر على ابْن ترْكَان وَكَانَ أَبوهُ من الصَّالِحين وَيُقَال إِنَّهُم من ولد عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ
وَقَالَ أَبُو شامة كَانَ عَالما عَارِفًا بالتفسير وَالْمذهب والأصولين وَالْخلاف دينا صَدُوقًا
وَقَالَ ابْن النجار كَانَ إِمَامًا كَبِيرا وقورا نبيلا حسن الْمعرفَة بِمذهب الشَّافِعِي محققا مدققا مليح الْكَلَام فِي المناظرة والجدل مجودا فِي علم الْأُصُول وَعلم الْكَلَام والحساب وَقِسْمَة التركات وَله معرفَة حَسَنَة بِالْحَدِيثِ انْتهى
ثمَّ قَالَ إِنَّه توفّي فِي يَوْم الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وسِتمِائَة وَصلى عَلَيْهِ يَوْم الِاثْنَيْنِ بِالْمَدْرَسَةِ النظامية
قلت هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي تَارِيخ وَفَاته وَذكر غَيره أَنه توفّي فِي طَرِيق خُرَاسَان
стр. 3069
لما توجه رَسُولا إِلَى السُّلْطَان شهَاب الدّين الغوري إِلَى غزنة وَهُوَ وهم فَإِنَّهُ عَاد من عِنْد السُّلْطَان الْمَذْكُور إِلَى بَغْدَاد فِي سنة ثَلَاث وسِتمِائَة وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي فِي سنة سِتّ وسِتمِائَة
١٢٨٨ - يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حُسَيْن بن حزَام ابْن مُحَمَّد بن جُمُعَة النَّوَوِيّ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة محيي الدّين أَبُو زَكَرِيَّا
شيخ الْإِسْلَام أستاذ الْمُتَأَخِّرين وَحجَّة الله على اللاحقين والداعي إِلَى سَبِيل السالفين
كَانَ يحيى ﵀ سيدا وَحَصُورًا وليثا على النَّفس هصورا وزاهدا لم يبال بخراب الدُّنْيَا إِذا صير دينه ربعا معمورا لَهُ الزّهْد والقناعة ومتابعة السالفين من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والمصابرة على أَنْوَاع الْخَيْر لَا يصرف سَاعَة فِي غير طَاعَة هَذَا مَعَ التفنن فِي أَصْنَاف الْعُلُوم فقها ومتون أَحَادِيث وَأَسْمَاء رجال ولغة وتصوفا وَغير ذَلِك
وَأَنا إِذا أردْت أَن أجمل تفاصيل فَضله وأدل الْخلق على مبلغ مِقْدَاره بمختصر القَوْل وفصله لم أَزْد على بَيْتَيْنِ أنشدنيهما من لَفظه لنَفسِهِ الشَّيْخ الإِمَام وَكَانَ من حَدِيثهمَا
стр. 3070
أَنه أَعنِي الْوَالِد ﵀ لما سكن فِي قاعة دَار الحَدِيث الأشرفية فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة كَانَ يخرج فِي اللَّيْل إِلَى إيوانها ليتهجد تجاه الْأَثر الشريف ويمرغ وَجهه على الْبسَاط وَهَذَا الْبسَاط من زمَان الْأَشْرَف الْوَاقِف وَعَلِيهِ اسْمه وَكَانَ النَّوَوِيّ يجلس عَلَيْهِ وَقت الدَّرْس فأنشدني الْوَالِد لنَفسِهِ
(وَفِي دَار الحَدِيث لطيف معنى ... على بسط لَهَا أصبو وآوي)
(عَسى أَنِّي أمس بَحر وَجْهي ... مَكَانا مَسّه قدم النواوي)
ولد النَّوَوِيّ فِي الْمحرم سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بنوى وَكَانَ أَبوهُ من أَهلهَا المستوطنين بهَا وَذكر أَبوهُ أَن الشَّيْخ كَانَ نَائِما إِلَى جنبه وَقد بلغ من الْعُمر سبع سِنِين لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان فانتبه نَحْو نصف اللَّيْل وَقَالَ يَا أَبَت مَا هَذَا الضَّوْء الَّذِي مَلأ الدَّار فَاسْتَيْقَظَ الْأَهْل جَمِيعًا قَالَ فَلم نر كلنا شَيْئا قَالَ وَالِده فَعرفت أَنَّهَا لَيْلَة الْقدر
وَقَالَ شَيْخه فِي الطَّرِيقَة الشَّيْخ ياسين بن يُوسُف الزَّرْكَشِيّ رَأَيْت الشَّيْخ محيي الدّين وَهُوَ ابْن عشر سِنِين بنوى وَالصبيان يكرهونه على اللّعب مَعَهم وَهُوَ يهرب مِنْهُم ويبكي لإكراههم وَيقْرَأ الْقُرْآن فِي تِلْكَ الْحَال فَوَقع فِي قلبِي حبه وَجعله أَبوهُ فِي دكان فَجعل لَا يشْتَغل بِالْبيعِ وَالشِّرَاء عَن الْقُرْآن قَالَ فَأتيت الَّذِي يقرئه الْقُرْآن فوصيته بِهِ وَقلت لَهُ هَذَا الصَّبِي يُرْجَى أَن يكون أعلم أهل زَمَانه وأزهدهم وَينْتَفع النَّاس بِهِ فَقَالَ لي منجم أَنْت فَقلت لَا وَإِنَّمَا أنطقني
стр. 3071
الله بذلك فَذكر ذَلِك لوالده فحرص عَلَيْهِ إِلَى أَن ختم الْقُرْآن وَقد ناهز الِاحْتِلَام
стр. 3072
فصل
لَا يخفى على ذِي بَصِيرَة أَن لله ﵎ عناية بالنووي وبمصنفاته، وأستدل على ذَلِك بِمَا يَقع فِي ضمنه فَوَائِد حَتَّى لَا تَخْلُو تَرْجَمته عَن الْفَوَائِد فَنَقُول
رُبمَا غير لفظا من أَلْفَاظ الرَّافِعِيّ إِذا تَأمله المتأمل استدركه عَلَيْهِ وَقَالَ لم يَفِ بالاختصار وَلَا جَاءَ بالمراد ثمَّ نجده عِنْد التنقيب قد وَافق الصَّوَاب ونطق بفصل الْخطاب وَمَا يكون من ذَلِك عَن قصد مِنْهُ لَا يعجب مِنْهُ فَإِن الْمُخْتَصر رُبمَا غير كَلَام من يختصر كَلَامه لمثل ذَلِك وَإِنَّمَا الْعجب من تَغْيِير يشْهد الْعقل بِأَنَّهُ لم يقْصد إِلَيْهِ ثمَّ وَقع فِيهِ على الصَّوَاب وَله أَمْثِلَة مِنْهَا
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الشَّهَادَات فِي فصل التَّوْبَة عَن الْمعاصِي الفعلية فِي التائب إِنَّه يختبر مُدَّة يغلب على الظَّن فِيهَا أَنه أصلح عمله وسريرته وَأَنه صَادِق فِي تَوْبَته وَهل تتقدر تِلْكَ الْمدَّة قَالَ قَائِلُونَ لَا إِنَّمَا الْمُعْتَبر حُصُول غَلَبَة الظَّن بصدقه وَيخْتَلف الْأَمر فِيهِ بالأشخاص وأمارات الصدْق هَذَا مَا اخْتَارَهُ الإِمَام والعبادي وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحب الْكتاب بقوله حَتَّى يستبرىء مُدَّة فَيعلم إِلَى آخِره وَذهب آخَرُونَ إِلَى تقديرها
стр. 3073
وَفِيه وَجْهَان قَالَ أَكْثَرهم يستبرأ سنة انْتهى بِلَفْظِهِ
فَإِذا تَأَمَّلت قَوْله قَالَ أَكْثَرهم وجدت الضَّمِير فِيهِ مُسْتَحقّ الْعود على الآخرين الذاهبين إِلَى تقديرها لَا إِلَى مُطلق الْأَصْحَاب فَلَا يلْزم أَن يكون أَكثر الْأَصْحَاب على التَّقْدِير فضلا عَن التَّقْدِير بِسنة بل الْمُقدر بَعضهم وَاخْتلف المقدرون فِي الْمدَّة وَأَكْثَرهم على أَنَّهَا سنة فَهَذَا مَا يُعْطِيهِ لفظ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْكَبِير وَصرح النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة بِأَن الْأَكْثَرين على تَقْدِير الْمدَّة بِسنة فَمن عَارض بَينهَا وَبَين الرَّافِعِيّ بتأمل قضى بمخالفتها لَهُ لِأَن عبارَة الشَّرْح لَا تَقْتَضِي أَن أَكثر الْأَصْحَاب على التَّقْدِير وَأَنه سنة بل إِن أَكثر المقدرين الَّذين هم من الْأَصْحَاب على ذَلِك ثمَّ يتأيد هَذَا القَاضِي بالمخالفة بِأَن عبارَة الشَّافِعِي ﵁ لَيْسَ فِيهَا تَقْدِير بِسنة وَلَا بِسِتَّة أشهر وَإِنَّمَا قَالَ أشهر وَأطلق الْأَشْهر رضى الله عَنهُ اطلاقا إِلَّا أَن هَذَا إِذا عاود كتب الْمَذْهَب وجد الصَّوَاب مَا فعله النَّوَوِيّ فقد عزى التَّقْدِير وَأَن مِقْدَاره سنة إِلَى أَصْحَابنَا قاطبة فضلا عَن أَكْثَرهم الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفرايني فِي تَعْلِيقه وَهَذِه عِبَارَته قَالَ الشَّافِعِي ويختبر مُدَّة أشهر ينْتَقل فِيهَا من السَّيئَة إِلَى الْحَسَنَة ويعف عَن الْمعاصِي وَقَالَ أَصْحَابنَا يختبر سنة انْتهى
وَكَذَلِكَ قَالَ القَاضِي الْحُسَيْن فِي تعليقته وَلَفظه قَالَ الشَّافِعِي مُدَّة من المدد قَالَ أَصْحَابنَا سنة انْتهى
وَكَذَلِكَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَفظه وَصَلَاح عمله مُعْتَبر بِزَمَان اخْتلف الْفُقَهَاء فِي حَده فاعتبره بَعضهم بِسِتَّة أشهر واعتبره أَصْحَابنَا بِسنة كَامِلَة انْتهى
وَكَذَلِكَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُهَذّب وَقدر أَصْحَابنَا الْمدَّة بِسنة
وَكَذَلِكَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيب وجماعات كلهم عزوا التَّقْدِير بِالسنةِ إِلَى الْأَصْحَاب فضلا عَن أَكْثَرهم وَلم يقل بعض الْأَصْحَاب إِلَّا القَاضِي أَبُو الطّيب وَالْإِمَام وَمن تبعهما فَإِنَّهُم قَالُوا قَالَ بعض أَصْحَابنَا تقدر بِسنة وَقَالَ بَعضهم زَاد الإِمَام أَن الْمُحَقِّقين على عدم التَّقْدِير
стр. 3074
وَمن تَأمل مَا نَقَلْنَاهُ أَيقَن بِأَن الْأَكْثَرين على التَّقْدِير بِسنة وَبِه صرح الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر ولوح إِلَيْهِ تَلْوِيحًا فِي الشَّرْح الصَّغِير فَظهر حسن صنع النَّوَوِيّ وَإِن لم يَقْصِدهُ عناية من الله تَعَالَى بِهِ
١٢٨٩ - يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْمُنعم الإِمَام فَخر الدّين أَبُو زَكَرِيَّا الْقَيْسِي الْوَاعِظ المغربي الْمَعْرُوف بالأصبهاني عرف بذلك لدُخُوله أَصْبَهَان
ولد بِدِمَشْق وَدخل أَصْبَهَان وتفقه بهَا وَقَرَأَ الخلافيات وبرع وَسمع الحَدِيث من أبي بكر بن مَا شاده وَعبد الله بن عمر بن عبد الله الْمعدل وَسمع بالثغر من أبي الطَّاهِر السلَفِي
حدث عَنهُ أَبُو جَعْفَر بن عميرَة الضَّبِّيّ وَأَبُو بكر بن مسدي الْحَافِظ وَغَيرهمَا
وَدخل بِلَاد الْمغرب وَأخذ ببجاية عَن الْحَافِظ عبد الْحق الإشبيلي وجال فِي بِلَاد الأندلس واستوطن غرناطة
وَكَانَ فَقِيها فَاضلا زاهدا عابدا مجمعا على دينه وورعه مَشْهُورا بالكرامات وَالْأَحْوَال
صنف كتاب الرَّوْضَة الأنيقة وكتابا فِي الخلافيات بَين الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة
توفّي فِي سادس شَوَّال سنة ثَمَان وسِتمِائَة بغرناطة
قَالَ ابْن مسدي قحطنا بغرناطة فَنزل أميرها إِلَى شَيخنَا أبي زَكَرِيَّا فَقَالَ تذكر النَّاس فَلَعَلَّ الله يفرج عَن الْمُسلمين فوعظ فورد عَلَيْهِ وَارِد سقط وَحمل وَمَات بعد سَاعَة فَلَمَّا كفن وَأدْخل حفرته انفتحت أَبْوَاب السَّمَاء وسالت الأودية زَمَانا
стр. 3075
١٢٩٠ - أَبُو بكر بن قوام بن عَليّ بن قوام بن مَنْصُور بن معلا بن حسن ابْن عِكْرِمَة بن هَارُون بن قيس بن ربيعَة بن عَامر ابْن هِلَال بن قصي بن كلاب البالسي
الشَّيْخ الزَّاهِد العابد صَاحب الْأَحْوَال والكرامات الْمجمع على علمه وَدينه
كَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب أشعري العقيدة
ولد بمشهد صفّين سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة بالس وَبهَا رَبِّي
وَقد ألف فِي مناقبه حفيده الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الشَّيْخ عمر بن الشَّيْخ أبي بكر مصنفا حسنا وَأَنا أذكر بعض مَا فِيهِ
قَالَ كَانَ إِمَامًا ورعا عَالما زاهدا لَهُ كرامات وأحوال حسن الْأَخْلَاق لطيف الذَّات وَالصِّفَات وافر الْأَدَب وَالْعقل دَائِم الْبشر مخفوض الْجنَاح كثير التَّوَاضُع شَدِيد الْحيَاء متمسكا بالآداب الشَّرْعِيَّة
قَالَ وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو بكر يَقُول كَانَت الْأَحْوَال تطرقني فِي بداية أَمْرِي فَكنت أخبر بهَا شَيْخي فنهاني عَن الْكَلَام فِيهَا وَكَانَ عِنْده سَوط يَقُول مَتى تَكَلَّمت فِي شَيْء من هَذَا ضربتك بِهَذَا السَّوْط ويأمرني بِالْعَمَلِ وَيَقُول لي لَا تلْتَفت إِلَى شَيْء من هَذِه الْأَحْوَال فَمَا زلت مَعَه كَذَلِك حَتَّى كنت عِنْده فِي بعض اللَّيَالِي وَكَانَت لي أم ضريرة وَكنت بارا بهَا وَلم يكن لَهَا من يخدمها غَيْرِي فاستأذنت الشَّيْخ فِي الْمُضِيّ إِلَيْهَا فَأذن لي وَقَالَ إِنَّه سيحدث لَك فِي هَذِه اللَّيْلَة أَمر عَجِيب فَأثْبت لَهُ وَلَا تجزع فَلَمَّا خرجت من عِنْده
стр. 3076
وَأَنا مار إِلَى جِهَة أُمِّي سَمِعت صَوتا من جِهَة السَّمَاء فَرفعت رَأْسِي فَإِذا نور كَأَنَّهُ سلسلة متداخل بَعْضهَا فِي بعض فَالْتَفت على ظَهْري حَتَّى أحسست ببردها فِي ظَهْري فَرَجَعت إِلَى الشَّيْخ فَأَخْبَرته بِمَا وَقع لي فَقَالَ الْحَمد لله وقبلني بَين عَيْني وَقَالَ يَا بني الْآن تمت النِّعْمَة عَلَيْك أتعلم مَا هَذِه السلسلة فَقلت لَا فَقَالَ هَذِه سنة رَسُول الله ﷺ وَأذن لي فِي الْكَلَام وَكَانَ قد نهاني عَنهُ
وَكَانَ يَقُول حضرت بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ أَن الْخضر ﵇ جَاءَنِي فِي بعض اللَّيَالِي وَقَالَ قُم يَا أَبَا بكر فَقُمْت مَعَه فَانْطَلق بِي حَتَّى أحضرني بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي والأولياء ﵃ فَسلمت عَلَيْهِم فَردُّوا عَليّ السَّلَام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا بكر فَقلت لبيْك يَا رَسُول الله فَقَالَ إِن الله قد اتخذك وليا فاختر لنَفسك وَاشْترط فوفقني الله تَعَالَى وَقلت يَا رَسُول الله أخْتَار مَا اخترته أَنْت لنَفسك فَسمِعت قَائِلا يَقُول إِذا لَا نبعث لَك من الدُّنْيَا إِلَّا قوتك وَلَا نبعثه إِلَّا على يَد صَاحب آخِرَة
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تقدم يَا أَبَا بكر فصل بِنَا فَهبت من رَسُول الله ﷺ وَالصَّحَابَة والأولياء أَن أتقدم فَقلت فِي نَفسِي كَيفَ أتقدم على جمَاعَة فيهم رَسُول الله ﷺ
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تقدم فَإِن فِي تقدمك سر الْولَايَة ولتكون إِمَامًا يَقْتَدِي بك فتقدمت بِأَمْر رَسُول الله ﷺ وَصليت بهم رَكْعَتَيْنِ قَرَأت فِي الأولى بِالْفَاتِحَةِ وَإِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر وَفِي الثَّانِيَة بِالْفَاتِحَةِ وَقل هُوَ الله أحد
стр. 3077
ذكر مَا أظهره الله تَعَالَى لَهُ من الكرامات وَالْأَحْوَال
سمعته يَوْمًا وَقد دخل إِلَى الْبَيْت وَهُوَ يَقُول لزوجته ولدك قد أَخذه قطاع الطَّرِيق فِي هَذِه السَّاعَة وهم يُرِيدُونَ قَتله وَقتل رفاقه فراعها قَول الشَّيْخ ﵁ فَسَمعته يَقُول لَهَا لَا بَأْس عَلَيْك وَإِنِّي قد حجبتهم عَن أَذَاهُ وأذى رفاقه غير أَن مَالهم يذهب وَغدا إِن شَاءَ الله يصل هُوَ ورفاقه فَلَمَّا كَانَ من الْغَد وصلوا كَمَا ذكر الشَّيْخ وَكنت فِيمَن تلقاهم وَأَنا يَوْمئِذٍ ابْن سِتّ سِنِين وَذَلِكَ سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة
وحَدثني الشَّيْخ شمس الدّين الخابوري قَالَ خرجت إِلَى زِيَارَة الشَّيْخ وَوَقع فِي نَفسِي أَن أسألة عَن الرّوح وَلما حضرت بَين يَدَيْهِ أنسيت من هيبته مَا كَانَ وَقع فِي نَفسِي من السُّؤَال فَلَمَّا ودعته وَخرجت إِلَى السّفر سير خَلْفي بعض الْفُقَرَاء فَقَالَ لي كلم الشَّيْخ فَرَجَعت إِلَيْهِ فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ قَالَ لي يَا أَحْمد قلت لبيْك يَا سَيِّدي قَالَ مَا تقْرَأ الْقُرْآن قلت بلَى يَا سَيِّدي قَالَ اقْرَأ يَا بني ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ يَا بني شَيْء لم يتَكَلَّم فِيهِ رَسُول الله ﷺ كَيفَ يجوز لنا أَن نتكلم فِيهِ
وحَدثني الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن الشَّيْخ أبي طَالب البطائحي قَالَ كَانَ الشَّيْخ يقف على حلب وَنحن مَعَه وَيَقُول وَالله إِنِّي لأعرف أهل الْيَمين من أهل الشمَال مِنْهَا وَلَو شِئْت أَن أسميهم لسميتهم وَلَكِن لم نؤمر بذلك وَلَا انْكَشَفَ سر الْحق فِي الْخلق
وحَدثني الشَّيْخ معضاد بن حَامِد بن خَوْلَة قَالَ كُنَّا مَعَ الشَّيْخ فِي حفر النَّهر الَّذِي سَاقه إِلَى بالس فَاجْتمع عندنَا فِي بعض الْأَيَّام خلق كثير فِي الْعَمَل فَبَيْنَمَا نَحن نعمل إِذْ جَاءَنَا راعد قوي فِيهِ برد كبار فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ مُحَمَّد العقى وَكَانَ من أجل أَصْحَابه يَا سَيِّدي قد جَاءَ هَذَا الراعد وَرُبمَا يعطل الْجَمَاعَة عَن الْعَمَل فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ اعْمَلْ
стр. 3078
وَطيب قَلْبك فَلَمَّا دنا الراعد منا استقبله الشَّيْخ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ وَقَالَ خُذ يَمِينا وَشمَالًا بَارك الله فِيك فَتفرق عَنَّا بِإِذن الله وَمَا زلنا نعمل وَالشَّمْس طالعة علينا ودخلنا إِلَى الْبَلَد وَنحن نَخُوض المَاء كَمَا ذكر
وَكَانَ سَبَب عمل هَذَا النَّهر أَنه كَانَ فِي الْبَلَد نهر يعرف بنهر زبيدة وَقد تعطل وَخرب من سِنِين كَثِيرَة وَكَانَ للنَّاس فِيهِ نفع كثير فشكوا ذَلِك إِلَى الْملك النَّاصِر فَأمر باستخراجه واستخرج مِنْهُ جَانب ثمَّ رأى أَنه يغرم عَلَيْهِ مَال كثير فَتَرَكُوهُ ومضوا
فَلَمَّا علم الشَّيْخ ضَرَر النَّاس إِلَيْهِ ونفعهم بِهِ خرج فِي جمَاعَة من الْفُقَرَاء إِلَى الْفُرَات وَجَاء إِلَى مَكَان مِنْهُ وَقَالَ هَاهُنَا أستخرج نَهرا إِلَى بَاب الْبَلَد ينْتَفع النَّاس بِهِ وحفر بِيَدِهِ وحفر الْفُقَرَاء مَعَه فَسمع النَّاس فِي الشط وَغَيره من الْبِلَاد الحلبية فَجَاءُوا أَرْسَالًا يعْملُونَ مَعَه بِحَيْثُ كَانَ يجْتَمع فِي الْيَوْم الْوَاحِد مَا يزِيد على أَربع مائَة رجل فاستخرجه فِي مُدَّة يسيرَة وانتفع النَّاس بِهِ وَهُوَ إِلَى الْآن يعرف بنهر الشَّيْخ
وحَدثني الشَّيْخ الصَّالح مُحَمَّد بن نَاصِر المشهدي قَالَ كنت عِنْد الشَّيْخ وَقد صلى صَلَاة الْعَصْر فِي الْمَسْجِد الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَقد صلى مَعَه خلق كثير فَقَالَ لَهُ بعض الْحَاضِرين يَا سَيِّدي مَا عَلامَة الرجل المتمكن وَكَانَ فِي الْمَسْجِد سَارِيَة فَقَالَ عَلامَة الرجل المتمكن أَن يُشِير إِلَى هَذِه السارية فتشتعل نورا فَنظر النَّاس إِلَى السارية فَإِذا هِيَ تشتعل نورا أَو كَمَا قَالَ
وحَدثني الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن الشَّيْخ أبي طَالب البطائحي قَالَ كنت بِحَضْرَة الشَّيْخ وَقد نازله حَال فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم أَيْن مراكش فَقلت يَا سَيِّدي فِي الغرب قَالَ وبغداد قلت فِي الشرق قَالَ وَعزة المعبود لقد أَعْطَيْت فِي هَذِه السَّاعَة حَالا لَو أردْت أَن أَقُول لبغداد كوني مَكَان مراكش ولمراكش كوني مَكَان بَغْدَاد لكانتا
стр. 3079
وحَدثني أَيْضا قَالَ سُئِلَ الشَّيْخ وَأَنا حَاضر عَن الرجل المتمكن مَا علامته وَكَانَ بَين يَدَيْهِ طبق فِيهِ شَيْء من الْفَاكِهَة والرياحين فَقَالَ أَن يُشِير بسن إِلَى هَذَا الطَّبَق فيرقص جَمِيع مَا فِيهِ فَتحَرك جَمِيع مَا كَانَ فِي الطَّبَق وَنحن نَنْظُر إِلَيْهِ
وَسمعت الشَّيْخ الصَّالح العابد إِسْمَاعِيل بن أبي الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن الْكرْدِي يَقُول حججْت مَعَ أَبَوي فَلَمَّا كُنَّا بِأَرْض الْحجاز وَسَار الركب فِي بعض اللَّيَالِي وَكَانَ أبواي راكبين فِي محارة وَكنت أَمْشِي تحتهَا فَحصل لي شَيْء من القولنج فعدلت إِلَى مَكَان وَقلت لعَلي أستريح ثمَّ ألحق الركب فَنمت فَلم أشعر إِلَّا وَالشَّمْس قد طلعت وَلم أدر كَيفَ أتوجه ففكرت فِي نَفسِي وَفِي أَبَوي فَإِنَّهُ لم يكن مَعَهُمَا من يَخْدُمهُمَا وَلَا من يقوم بشأنهما غَيْرِي فَبَكَيْت عَلَيْهِمَا وعَلى نَفسِي فَبَيْنَمَا أَنا أبْكِي إِذْ سَمِعت قَائِلا يَقُول أَلَسْت من أَصْحَاب الشَّيْخ أبي بكر بن قوام فَقلت بلَى وَالله فَقَالَ سل الله بِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَجَاب لَك فَسَأَلت الله بِهِ كَمَا قَالَ فوَاللَّه مَا استتم الْكَلَام إِلَّا وَهُوَ وَاقِف عِنْدِي وَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْك وَوضع يَده فِي يَدي وَسَار بِي يَسِيرا وَقَالَ هَذَا جمل أَبَوَيْك فسمعتهما وهما يَبْكِيَانِ عَليّ فَقلت لَا بَأْس عَلَيْكُمَا وأخبرتهما بِمَا وَقع لي
وحَدثني أَيْضا قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ الشَّيْخ ﵁ فِي تربة الشَّيْخ رَافع ﵁ وَنحن نَنْظُر إِلَى الْفُرَات إِذْ لَاحَ لنا على شاطئ الْفُرَات رجل فَقَالَ الشَّيْخ أَتَرَوْنَ ذَلِك الرجل الَّذِي على شاطئ الْفُرَات فَقُلْنَا نعم فَقَالَ إِنَّه من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَهُوَ من أَصْحَابِي وَقد قصد زيارتي من بِلَاد الْهِنْد وَقد صلى الْعَصْر فِي منزله وَتوجه إِلَيّ وَقد زويت لَهُ الأَرْض فخطا من منزله خطْوَة إِلَى شاطئ الْفُرَات وَهُوَ يمشي من الْفُرَات
стр. 3080
إِلَى هَا هُنَا تأدبا مِنْهُ معي وعلامة مَا أَقُول لكم أَنه يعلم أَنِّي فِي هَذَا الْمَكَان فيقصده وَلَا يدْخل الْبَلَد فَلَمَّا قرب من الْبَلَد عرج عَنهُ وَقصد الْمَكَان الَّذِي فِيهِ الشَّيْخ وَالْجَمَاعَة فجَاء وَسلم وَقَالَ يَا سَيِّدي أَسأَلك أَن تَأْخُذ عَليّ الْعَهْد أَن أكون من أَصْحَابك فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ وَعزة المعبود أَنْت من أَصْحَابِي فَقَالَ الْحَمد لله لهَذَا قصدتك وَاسْتَأْذَنَ الشَّيْخ فِي الرُّجُوع إِلَى الْبَلَد فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَيْن أهلك قَالَ فِي الْهِنْد قَالَ مَتى خرجت من عِنْدهم قَالَ صليت الْعَصْر وَخرجت لزيارتك فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَنْت اللَّيْلَة ضيفنا فَبَاتَ عِنْد الشَّيْخ وبتنا عِنْده
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا من الْغَد قَالَ السّفر فَخرج الشَّيْخ وَخَرجْنَا فِي خدمته لوداعه فَلَمَّا صرنا فِي الصَّحرَاء وَأخذ فِي وداع الشَّيْخ وضع الشَّيْخ يَده بَين كَتفيهِ وَدفعه فَغَاب عَنَّا وَلم نره فَقَالَ الشَّيْخ وَعزة المعبود فِي دفعتي لَهُ وضع رجله فِي بَاب دَاره بِالْهِنْدِ أَو كَمَا قَالَ
وَسمعت الْأَمِير الْكَبِير الْمَعْرُوف بالأخضري وَكَانَ قد أسن يَحْكِي لوالدي قَالَ كنت مَعَ الْملك الْكَامِل لما توجه إِلَى الشرق فَلَمَّا نزلنَا بالس قصدنا زِيَارَة الشَّيْخ مَعَ فَخر الدّين عُثْمَان وَكُنَّا جمَاعَة من الْأُمَرَاء فَبَيْنَمَا نَحن عِنْده إِذْ دخل رجل من الْجند فَقَالَ يَا سَيِّدي كَانَ لي بغل وَعَلِيهِ خَمْسَة آلَاف دِرْهَم فَذهب مني وَقد دللت عَلَيْك
فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ اجْلِسْ وَعزة المعبود قد قصرت على آخذه الأَرْض حَتَّى مَا بقى لَهُ مَسْلَك إِلَّا بَاب هَذَا الْمَكَان وَهُوَ الْآن يدْخل فَإِذا دخل وَجلسَ فأشير إِلَيْك بِالْقيامِ فَقُمْ وَخذ بغلك وَمَالك
стр. 3081
فَلَمَّا سمعنَا كَلَام الشَّيْخ قُلْنَا لَا تقوم حَتَّى يدْخل هَذَا الرجل فَبَيْنَمَا نَحن جُلُوس إِذْ دخل الرجل فَأَشَارَ الشَّيْخ إِلَيْهِ فَقَامَ وقمنا مَعَه فَوَجَدنَا الْبَغْل وَالْمَال بِالْبَابِ وَأَخذه صَاحبه
فَلَمَّا حَضَرنَا عِنْد السُّلْطَان أخبرناه بِمَا رَأينَا من الشَّيْخ فَقَالَ أحب أَن أَزورهُ فَقَالَ فَخر الدّين عُثْمَان إِن الْبَلَد لَا يحمل دُخُول مَوْلَانَا السُّلْطَان فسير إِلَيْهِ فَخر الدّين عُثْمَان فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان يحب أَن يراك وَإِن الْبَلَد لَا يحمل دُخُوله فَهَل يرى سَيِّدي الشَّيْخ يخرج إِلَيْهِ ليراه
فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ يَا فَخر الدّين إِذا رحت أَنْت عِنْد صَاحب الرّوم يطيب للْملك الْكَامِل فَقَالَ لَا قَالَ فَكَذَلِك أَنا إِذا رحت إِلَى عِنْد الْملك الْكَامِل لَا يطيب لأستاذي وَلم يخرج إِلَيْهِ
وحَدثني الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم شمس الدّين الخابوري قَالَ كنت أَكثر من ذكر الشَّيْخ عِنْد الْفُقَهَاء بِالْمَدْرَسَةِ النظامية بحلب فَقَالُوا يجب أَن نزوره مَعَك ونسأله عَن أَشْيَاء من فقه وَتَفْسِير وَغَيرهمَا فعزمنا على زيارته إِلَى بالس فَبَيْنَمَا نَحن عازمون إِذْ جَاءَ بعض الْفُقَرَاء فَقَالَ الشَّيْخ يَدْعُوك فَقلت أَيْن هُوَ فَقَالَ فِي زَاوِيَة الشَّيْخ أبي الْفَتْح الْكِنَانِي وَكَانَ من أَصْحَابه ﵁ فَخرجت أَنا وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء إِلَى زيارته
قَالَ فَلَمَّا حَضَرنَا عِنْده قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد العفتى مَا شَأْن هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاء فَقلت جَاءُوا ليزوروا الشَّيْخ ويسلموا عَلَيْهِ فَقَالَ قد حدث أَمر عَجِيب قلت وَأي شَيْء قد حدث قَالَ قد ألْجم الشَّيْخ كل وَاحِد مِنْهُم بلجام وَقد مثل سره سبع
стр. 3082
وَهُوَ ينظر فِي وَجه كل وَاحِد مِنْهُم فَلَمَّا طَال بِنَا الْمجْلس وَلم يَجْسُر أحد مِنْهُم أَن يتَكَلَّم فَقَالَ لَهُم الشَّيْخ لم لَا تتكلموا لم لَا تسألوا فَمَا جسر أحد مِنْهُم أَن يتَكَلَّم فَقَالَ لَهُم الشَّيْخ لم لَا تتكلموا لم لَا تسألوا فَمَا جسر أحد مِنْهُم أَن يتَكَلَّم
فَقَالَ الشَّيْخ للَّذي على يَمِينه مسألتك كَذَا وَالْجَوَاب عَنْهَا كَذَا فَمَا زَالَ حَتَّى أَتَى على آخِرهم فَقَامُوا بأجمعهم وَاسْتَغْفرُوا الله تَعَالَى وتابوا
وحَدثني الشَّيْخ شمس الدّين الخابوري قَالَ سَأَلت الشَّيْخ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ﴾ وَقد عبد الْعَزِيز وَعِيسَى بن مَرْيَم
فَقَالَ تَفْسِيرهَا ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾
فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي أَنْت لَا تعرف تكْتب وَلَا تقْرَأ فَمن أَيْن لَك هَذَا
فَقَالَ يَا أَحْمد وَعزة المعبود لقد سَمِعت الْجَواب فِيهَا كَمَا سَمِعت سؤالك
وحَدثني بعض التُّجَّار من أهل بلدنا قَالَ خرجنَا مسافرين من بالس إِلَى حماة وَكَانَ قد بلغنَا أَن الطَّرِيق مخيف ووافينا الشَّيْخ فِي خروجنا فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي قد بلغنَا أَن الطَّرِيق مخيف ونشتهي أَن لَا تغفل عَنَّا وَلَا تنام وَتَدْعُو لنا فَقَالَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 3083
وسافرنا فَلَمَّا بلغنَا حماة وَأَنا رَاكب على دَابَّتي وَقد أَخَذَنِي النعاس وَإِذا أَنا بشخص قد وضع يَده فِي عضدي وَقَالَ نَحن مَا نمنا فَلَا تنام أَنْت ففتحت عَيْني فَإِذا أَنا بالشيخ فَسلم عَليّ وَمَشى معي وَقَالَ قد بلغناك إِلَى حماة وَتَرَكَنِي وَمضى
وحَدثني الشَّيْخ تَمام بن أبي غَانِم قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ الشَّيْخ ظَاهر الْبَلَد فِي زمن الرّبيع وَحَوله جمَاعَة من النَّاس فَقَالَ وَعزة المعبود إِنِّي لأنظر إِلَى سَاق الْعَرْش كَمَا أَنِّي أنظر إِلَى وُجُوهكُم
وَحكى الْحَاج أَيُّوب البشمنتي قَالَ حججْت فِي زمن الشَّيْخ ﵁ فَلَمَّا كَانَ ليَالِي منى وَأَنا جَالس على رَاحِلَتي أتلو شَيْئا من الْقُرْآن وَإِذا أَنا بالشيخ ﵁ قَائِم إِلَى جَانِبي فَأخذ بعضدي وَسلم عَليّ وَمضى فَلَمَّا قدمنَا بالس أَخْبرنِي الْجَمَاعَة قَالُوا سَأَلنَا عَنْك الشَّيْخ فَقَالَ لنا هُوَ جَالس بمنى على رَاحِلَته وَهُوَ يَتْلُو فِي سُورَة كَذَا وَكَذَا وَهَذِه يَدي فِي عضده فَقلت لَهُم وَالله الْأَمر كَمَا قَالَ
وحَدثني بعض التُّجَّار من أهل بلدنا قَالَ دخلت إِلَى حلب مَعَ عمي وَكنت شَابًّا فأخذني بعض أَهلِي إِلَى مَكَان وأحضر خمرًا وَقَالَ لي اشرب فَلَمَّا تناولت الْقدح لأشرب إِذا أَنا بالشيخ وَاقِف بَين يَدي وضربني فِي صَدْرِي بِيَدِهِ وَقَالَ قُم واخرج وَكنت فِي مَكَان عَال فَسَقَطت مِنْهُ على وَجْهي ورأسي وَخرج الدَّم من وَجْهي ورأسي فَرَجَعت إِلَى عمي وَالدَّم يقطر مني فَسَأَلَنِي من فعل بك هَذَا فَأَخْبَرته بِمَا جرى فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي جعل لأوليائه بك عناية وَعَلَيْك حماية
وحَدثني الشَّيْخ شمس الدّين الخابوري خطيب جَامع حلب قَالَ كُنَّا مَعَ الشَّيْخ فَلَا يمر على صَخْر وَلَا على شَيْء إِلَّا سلم عَلَيْهِ وَكَانَ الشَّيْخ شمس الدّين يَقُول كَانَ فِي نَفسِي أَن أسأَل الشَّيْخ عَن خطاب هَذِه الْأَشْيَاء لَهُ هَل يخلق الله تَعَالَى لَهَا فِي الْوَقْت لِسَانا تخاطبه بِهِ أَو يُقيم الله تَعَالَى إِلَى جَانبهَا من يخاطبه عَنْهَا ففاتني وَلم أسأله عَن ذَلِك
стр. 3084
وَعنهُ أَيْضا قَالَ كُنَّا مَعَ الشَّيْخ فِي بعض أَسْفَاره فدعي إِلَى مَكَان فَلَمَّا دنونا إِلَى ذَلِك الْمَكَان تغير لَونه وَجعل يسترجع استرجاعا كثيرا فَقلت يَا سَيِّدي أَي شَيْء حدث فَقَالَ إِنَّا لما أَقبلنَا على هَذِه الْقرْيَة جَاءَت أَرْوَاح الْأَمْوَات تسلم عَليّ وَفِيهِمْ شَاب حسن الْوَجْه يَقُول قتلت ظلما قتلني رجلَانِ من أهل هَذِه الْقرْيَة كنت أرعى لَهما غنما وهما أَخَوان فقتلاني فِي زمن الْملك الْعَزِيز وَذَلِكَ أَنَّهُمَا اتهماني ببنت لَهما وَكنت بَرِيئًا مِنْهَا
قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين وَكَانَ الرّجلَانِ اللَّذَان فعلا ذَلِك الْفِعْل يسمعان كَلَام الشَّيْخ وَكَانَ بيني وَبَينهمَا معرفَة فَلَمَّا خلوت بهما قَالَا لي يَا فلَان إِن مَا قَالَ الشَّيْخ وَالله إِنَّه لحق وصحيح وَنحن قَتَلْنَاهُ فَقلت لَهما مَا حملكما على ذَلِك قَالَا السَّبَب الَّذِي قَالَه الشَّيْخ ثمَّ تبين لنا أَنه من غَيره وَأَنه كَانَ بَرِيئًا مِنْهُ كَمَا قَالَ الشَّيْخ ﵁
وحَدثني الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن الشَّيْخ أبي طَاهِر البطائحي الْمَعْرُوف بالضرير قَالَ توفّي وَالِدي بِدِمَشْق فَقَالَ أَصْحَابه لَا نَدعك تجْلِس على سجادته حَتَّى تَأْتِينَا بِإِجَازَة من بَيت سَيِّدي أَحْمد ﵁ فتوجهت لذَلِك وسافرت إِلَى البطائح فَوَافَقَ عبوري على بالس فقصدت زِيَارَة الشَّيْخ وَلم أكن رَأَيْته قبل ذَلِك وَلَا رَآنِي فَلَمَّا أَقبلت عَلَيْهِ رحب بِي وأكرمني وحَدثني بِجَمِيعِ مَا وَقع فِي أسفاري وأحوالي وَمَا قصدته وَقَالَ إِنَّك تقدم الْعرَاق وتقضي حَاجَتك بِهِ وتعود إِلَيّ سرعَة فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي وَمَا هِيَ حَاجَتي فَقَالَ أَن تُعْطى إجَازَة بالمشيخة وَأَن تكون مَكَان أَبِيك وَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ
فَلَمَّا قدمت البطائح وَدفع إِلَيّ إجَازَة وسجادة وَخرجت لأتوضأ للصَّلَاة فأوقع الله تَعَالَى فِي قلبِي الشوق إِلَيْهِ فألقيت الْإِجَازَة فِي المَاء وتوجهت إِلَيْهِ فَلَمَّا قدمت عَلَيْهِ وجدت بِحَضْرَتِهِ خلقا كثيرا وَهُوَ يتَكَلَّم لَهُم فَجَلَست مَعَ النَّاس أسمع كَلَامه فَتكلم طَويلا ثمَّ الْتفت إِلَيّ وَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم قلت لبيْك يَا سَيِّدي قَالَ أَنْت لي ومريدي وَقَالَ لمن فِي حَضرته انْظُرُوا إِلَى جَبهته فنظروا فَقَالَ مَا تَشْهَدُون فِي جَبهته قَالُوا بأجمعهم نشْهد بَين عَيْنَيْهِ هِلَال نور فَقَالَ هَذَا شعار أَصْحَابِي
стр. 3085
فتقدمت إِلَيْهِ وَأخذ عَليّ الْعَهْد وصرت من أَصْحَابه ﵁
وسمعته أَيْضا قَالَ كنت مُقيما عِنْد الشَّيْخ فخطر لي السّفر إِلَى الْعرَاق فاستأذنته فِي السّفر فَأذن لي وَقَالَ إِبْرَاهِيم أُرِيد أَن أَخْلَع عَلَيْك خلعة لَا تدخل بهَا على أحد إِلَّا ابتهج بك وخدمك بِسَبَبِهَا فَكَانَ كَمَا قَالَ مَا دخلت على أحد إِلَّا خدمني وأكرمني
فَلَمَّا دخلت بَغْدَاد نزلت فِي بعض الرَّبْط فخدموني وأكرموني فدعي أهل الرِّبَاط لَيْلَة إِلَى مَكَان وَكنت فِي صحبتهم فَلَمَّا دَخَلنَا إِلَى الْمَكَان الَّذِي دعينا إِلَيْهِ وَجَلَسْنَا وَكَانَ فِيهِ خلق كثير فَقَامَ مِنْهُم رجل تركي وَقَالَ يَا أَصْحَابنَا على هَذَا الْفَقِير الشَّامي خلعة لم أر مثلهَا فَقلت لَهُم هِيَ من صدقَات شَيْخي عَليّ فَقَالَ الْجَمِيع أعَاد الله علينا من بركته وبركة أَمْثَاله
وَسمعت وَالِدي ﵀ يَقُول لما كَانَ فِي سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وَكَانَ الشَّيْخ فِي حلب وَقد حصل فِيهَا مَا حصل من فتْنَة التتار وَكَانَ فِي الْمدرسَة الأَسدِية فَقَالَ يَا بني اذْهَبْ إِلَى الدَّار الَّتِي لنا فلعلك تَجِد مَا نَأْكُل قَالَ فَذَهَبت كَمَا قَالَ إِلَى الدَّار فَوجدت الشَّيْخ عِيسَى الرصافي وَكَانَ من أَصْحَابه مقتولا فِي الدَّار وَقد حرق وَعَلِيهِ دلق الشَّيْخ لم يَحْتَرِق وَلم تمسه النَّار فَأَخَذته وَخرجت بِهِ فوجدني بعض بني جهبل وَكَانُوا من أَصْحَابه فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرته بِخَبَر الدلق فَحلف عَليّ بِالطَّلَاق وَأَخذه مني
وحَدثني الشَّيْخ الصَّالح الناسك الشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن سَالم الْمَعْرُوف بالكردي قَالَ كَانَ لي غنم وَكَانَ عَلَيْهَا رَاع فسرح بهَا يَوْمًا على عَادَته فَلَمَّا كَانَ وَقت رُجُوعه لم يرجع فَخرجت فِي طلبه فَلم أَجِدهُ وَلم أجد لَهُ خَبرا فَرَجَعت إِلَى الشَّيْخ فَوَجَدته وَاقِفًا على بَاب دَاره فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لي ذهبت الْغنم قلت نعم يَا سَيِّدي قَالَ قد أَخذهَا اثْنَا عشر رجلا وهم قد ربطوا الرَّاعِي بوادي كَذَا وَقد سَأَلت الله تَعَالَى أَن يُرْسل عَلَيْهِم النّوم وَقد فعل
следующие страницы →