Полный текст (3 926 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
بعض الطّلبَة بِأَنَّهُ يَنْبَنِي على أَن الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة هَل يملكُونَ أم لَا فعلى الأول يحْتَمل أَن يكون ملكا أَو جنيا اغترف غرفَة وأرسلها
انْتهى
قلت وَهُوَ عجب أما أَولا فَلِأَن مَسْأَلَة قَضَاء القَاضِي بِالْعلمِ لَيْسَ شَرطهَا الْعلم اليقيني الْقطعِي بل غَلَبَة الظَّن تقوم مقَام الْعلم وَالْفُقَهَاء يطلقون الْعلم على ذَلِك كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَغَيره وَأما ثَانِيًا فتصوير صَاحب الشَّامِل صَحِيح والاعتراض بِأَن شخصا اغترفها وَأَلْقَاهَا فَاسد فَإِنَّهُ إِذا أَلْقَاهَا اخْتلطت بِمَا تستهلك فِيهِ وَتخرج عَن كَونهَا مَالا وَلَيْسَ كَمَا إِذا أطلق الصَّيْد فَإِن الصَّيْد وَإِن اشْتبهَ لَا يخرج عَن ملكه لِأَنَّهُ يتَمَيَّز بِنَفسِهِ لَا يخْتَلط وَلَا يستهلك وَإِنَّمَا يشْتَبه ويجهل عينه وَكَذَلِكَ تَصْوِير الشَّيْخ الظهير صَحِيح والاعتراض بِالْملكِ والجني عَجِيب فَإِن هَذَا الِاحْتِمَال لَا يمْنَع الْعلم وحكاية الْخلاف فِي أَن الْجِنّ وَالْملك هَل يملكُونَ غَرِيبَة وَمن حكى ذَلِك
стр. 3117
١٣٠٠ - أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي الحزم مكي بن ياسين أَبُو الْعَبَّاس الشَّيْخ نجم الدّين الْقَمُولِيّ
صَاحب الْبَحْر الْمُحِيط فِي شرح الْوَسِيط وَكتاب جَوَاهِر الْبَحْر جمع فِيهِ فأوعى
كَانَ من الْفُقَهَاء الْمَشْهُورين والصلحاء المتورعين يحْكى أَن لِسَانه كَانَ لَا يفتر عَن قَول لَا إِلَه إِلَّا الله
ولي حسبَة مصر وَقد ولي تدريس الفائزية بهَا والفخرية بِالْقَاهِرَةِ وَتَوَلَّى قَدِيما قَضَاء قمولا وَهِي من مُعَاملَة قوص نِيَابَة عَن قَاضِي قوص ثمَّ ولي الْوَجْه القبلي من مُعَاملَة قوص ثمَّ ولي إخميم مرَّتَيْنِ وَولي أسيوط والمنيا والشرقية الَّتِي قاعدتها بلبيس والغريبة الَّتِي قاعدتها الْمحلة ثمَّ نَاب فِي الحكم بِالْقَاهِرَةِ ومصر وَتُوفِّي عَن نِيَابَة الْقَضَاء بِمصْر والجيزة والحسبة
وَلم يبرح يُفْتِي ويدرس ويصنف وَيكْتب وَرُوِيَ أَنه قَالَ لي أَرْبَعُونَ سنة أحكم فِيهَا مَا وَقع لي حكم خطأ وَلَا أثبت مَكْتُوبًا ظهر فِيهِ خلل
وَكَانَ الشَّيْخ صدر الدّين بن المرحل يَقُول فِيمَا نقل لنا عَنهُ لَيْسَ بِمصْر أفقه من الْقَمُولِيّ
стр. 3118
وَكَانَ مَعَ جلالته فِي الْفِقْه عَارِفًا بالنحو وَله شرح مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب وَكَانَ عَارِفًا بالتفسير وَله تَكْمِلَة على تَفْسِير الإِمَام فَخر الدّين وصنف أَيْضا شرح أَسمَاء الله الْحسنى فِي مجلدة
توفّي بِمصْر فِي رَجَب سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة عَن ثَمَانِينَ سنة
وقمولا بِفَتْح الْقَاف وَضم الْمِيم وَإِسْكَان الْوَاو بَلْدَة فِي الْبر الغربي من عمل قوص
١٣٠١ - أَحْمد بن المظفر بن أبي مُحَمَّد بن المظفر بن بدر ابْن الْحسن بن مفرج بن بكار النابلسي
شَيخنَا الْحَافِظ الثِّقَة الْفَقِيه الثبت شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس الْأَشْعَرِيّ عقيدة
ولد فِي رَمَضَان سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة وَسمع زَيْنَب بنت مكي وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين الوَاسِطِيّ وَعمر ابْن القواس والشرف ابْن عَسَاكِر وخلقا كثيرا وعني بِهَذَا الشَّأْن وَكَانَ ثبتا فِيمَا يَنْقُلهُ محررا لما يسمعهُ متقنا لما يعرفهُ حسن المذاكرة أعرف من رَأَيْت بتراجم الأشاعرة والذب عَنْهُم قَائِما فِي نصْرَة السّنة وَأَهْلهَا
стр. 3119
توفّي بِدِمَشْق فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة
أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس المظفر بقراءاتي عَلَيْهِ أخبرتنا زَيْنَب بنت مكي سَمَاعا قَالَت أخبرنَا حَنْبَل بن عبد الله المكبر أخبرنَا هبة الله بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن الْحصين أخبرنَا أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ بن الْمَذْهَب أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن جَعْفَر بن حمدَان الْقطيعِي أخبرنَا عبد الله بن أَحْمد حَدثنَا أبي حَدثنَا سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار قَالَ سَمِعت ابْن عمر قَول قَالَ رَسُول الله ﷺ (من أقتنى كَلْبا إِلَّا كلب مَاشِيَة أَو كلب قنص نقص من أجره كل يَوْم قيراطان)
أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس الْأَشْعَرِيّ سَمَاعا أخبرنَا أَحْمد بن هبة الله بن عَسَاكِر أخبرنَا أَبُو روح إجَازَة أخبرنَا زَاهِر الشحامي حَدثنَا الْأُسْتَاذ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَليّ الْمقري إملاء أخبرنَا أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن الْفضل بن مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة أخبرنَا أَحْمد بن حمدون بن رستم الْأَعْمَش حَدثنَا أَبُو سهل عَبدة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ حَدثنَا يُونُس بن عبيد الله الْعمريّ أخبرنَا الْمُبَارك بن فضَالة حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن الله يحب مَكَارِم الْأَخْلَاق وَيكرهُ سفسافها)
أخبرنَا أَحْمد بن المظفر الْحَافِظ بِقِرَاءَتِي أخبرنَا عمر ابْن القواس أخبرنَا عبد الصَّمد ابْن الحرستاني إِذْنا أخبرنَا نصر الله المصِّيصِي أخبرنَا نصر الْمَقْدِسِي أخبرنَا أَبُو بكر
стр. 3120
الْخَطِيب أخبرنَا عَليّ بن أَيُّوب القمي أخبرنَا مُحَمَّد بن عمرَان بن مُوسَى أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم بن خَفِيف المرثدي أَخْبرنِي مُحَمَّد بن بهنام الْأَصْبَهَانِيّ أخبرنَا يحيى بن مدرك الطَّائِي أخبرنَا هِشَام بن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ قَالَ لما حج سُلَيْمَان بن عبد الْملك قدم الْمَدِينَة فَأرْسل إِلَى أبي حَازِم فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم مَا هَذَا الْجفَاء قَالَ وَأي جفَاء رَأَيْت مني قَالَ أَتَانِي أهل الْمَدِينَة وَلم تأتني
قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَيف يكون إتْيَان بِلَا معرفَة مُتَقَدّمَة وَالله مَا عَرفتنِي قبل هَذَا الْيَوْم وَلَا أَنا رَأَيْتُك فاعذر
قَالَ فالتف سُلَيْمَان إِلَى الزُّهْرِيّ فَقَالَ أصَاب الشَّيْخ وَصدق
قَالَ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم مَا لنا نكره الْمَوْت قَالَ لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أَن تَنقلُوا من الْعمرَان إِلَى الخراب
قَالَ سُلَيْمَان صدقت يَا أَبَا حَازِم كَيفَ الْقدوم على الله قَالَ أما المحسن فكالغائب يقدم على أَهله مَسْرُورا وَأما الْمُسِيء فكالآبق يقدم على مَوْلَاهُ مَحْزُونا
أخبرنَا الشَّيْخ شهَاب الدّين النابلسي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا أَحْمد بن هبة الله بن عَسَاكِر سَمَاعا عَن إِسْمَاعِيل بن عُثْمَان الْقَارِي أخبرنَا أَبُو الأسعد هبة الرَّحْمَن ابْن الإِمَام أبي سعيد عبد الْوَاحِد بن الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي أخبرنَا القَاضِي أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي جَعْفَر الطبسي أخبرنَا القَاضِي أَبُو بكر الْحِيرِي أخبرنَا حَاجِب الطوسي حَدثنَا مُحَمَّد بن حَمَّاد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْفضل عَن الْحسن وَمُسلم
стр. 3121
ابْن أبي عمرَان قَالَا قَالَ سلمَان أضحكني ثَلَاث وأبكاني ثَلَاث
قَالُوا وَمَا هِيَ يَا سلمَان قَالَ أبكاني فِرَاق الْأَحِبَّة مُحَمَّد وَحزبه وهول المطلع عِنْد سكرة الْمَوْت وموقفي بَين يَدي الرَّحْمَن لَا أَدْرِي أساخط عَليّ هُوَ أم رَاض
قَالُوا وَمَا أضْحكك يَا سلمَان قَالَ مُؤَمل الدُّنْيَا وَالْمَوْت يَطْلُبهُ وغافل وَلَيْسَ بمغفول عَنهُ وضاحك ملْء فِيهِ لَا يدْرِي مَا يفعل الله بِهِ
١٣٠٢ - أَحْمد بن يحيى بن إِسْمَاعِيل الشَّيْخ شهَاب الدّين ابْن جهبل الْكلابِي الْحلَبِي الأَصْل
سمع من أبي الْفرج عبد الرَّحْمَن بن الزين الْمَقْدِسِي وَأبي الْحسن بن البُخَارِيّ وَعمر بن عبد الْمُنعم بن القواس وَأحمد بن هبة الله بن عَسَاكِر وَغَيرهم
ودرس وَأفْتى وشغل بِالْعلمِ مُدَّة بالقدس ودمشق وَولي تدريس البادرائية بِدِمَشْق وَحدث وَسمع مِنْهُ الْحَافِظ علم الدّين الْقَاسِم بن مُحَمَّد البرزالي
مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
стр. 3122
ووقفت لَهُ على تصنيف صنفه فِي نفي الْجِهَة ردا على ابْن تَيْمِية لَا بَأْس بِهِ وَهُوَ هَذَا
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الْعَظِيم شَأْنه الْقوي سُلْطَانه القاهر ملكوته الباهر جبروته الْغَنِيّ عَن كل شَيْء وكل شَيْء مفتقر إِلَيْهِ فَلَا معول لشَيْء من الكائنات إِلَّا عَلَيْهِ
أرسل مُحَمَّدًا ﷺ بالمحجة الْبَيْضَاء وَالْملَّة الزهراء فَأتى بأوضح الْبَرَاهِين وَنور محجة السالكين وَوصف ربه تَعَالَى بِصِفَات الْجلَال وَنفى عَنهُ مَا لَا يَلِيق بالكبرياء والكمال فتعالى الله الْكَبِير المتعال عَمَّا يَقُوله أهل الغي والضلال لَا يحملهُ الْعَرْش بل الْعَرْش وَحَمَلته محمولون بلطيف قدرته مقهورون فِي قَبضته أحَاط بِكُل شَيْء علما وأحصى كل شَيْء عددا مطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر فسبحانه مَا أعظم شَأْنه وأعز سُلْطَانه ﴿يسْأَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ لافتقارهم إِلَيْهِ ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ لاقتداره عَلَيْهِ
وصلى الله عَلَيْهِ وَسلم على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم أنبيائه ومبلغ أنبائه وعَلى آله وَصَحبه وَسلم
أما بعد فَالَّذِي دَعَا إِلَى تسطير هَذِه النبذة مَا وَقع فِي هَذِه الْمدَّة مِمَّا علقه بَعضهم فِي إِثْبَات الْجِهَة واغتر بهَا من لم يرسخ لَهُ فِي التَّعْلِيم قدم وَلم يتَعَلَّق بأذيال الْمعرفَة وَلَا كبحه لجام الْفَهم وَلَا استبصر بِنور الْحِكْمَة فَأَحْبَبْت أَن أذكر عقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ثمَّ أبين فَسَاد مَا ذكره مَعَ أَنه لم يدع دَعْوَى إِلَّا نقضهَا وَلَا أطد قَاعِدَة
стр. 3123
إِلَّا هدمها ثمَّ أستدل على عقيدة أهل السّنة وَمَا يتَعَلَّق بذلك وَهَا أَنا أذكر قبل ذَلِك مُقَدّمَة يستضاء بهَا فِي هَذَا الْمَكَان فَأَقُول وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان
مَذْهَب الحشوية فِي إِثْبَات الْجِهَة مَذْهَب واه سَاقِط يظْهر فَسَاده من مُجَرّد تصَوره حَتَّى قَالَت الْأَئِمَّة لَوْلَا اغترار الْعَامَّة بهم لما صرف إِلَيْهِم عنان الْفِكر وَلَا قطر الْقَلَم فِي الرَّد عَلَيْهِم وهم فريقان فريق لَا يتحاشى فِي إِظْهَار الحشو ﴿وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء أَلا إِنَّهُم هم الْكَاذِبُونَ﴾ وفريق يتستر بِمذهب السّلف لسحت يَأْكُلهُ أَو حطام يَأْخُذهُ أَو هوى يجمع عَلَيْهِ الطغام الجهلة والرعاع السفلة لعلمه أَن إِبْلِيس لَيْسَ لَهُ دأب إِلَّا خذلان أمة مُحَمَّد ﷺ وَلذَلِك لَا يجمع قُلُوب الْعَامَّة إِلَّا على بِدعَة وضلالة يهدم بهَا الدّين وَيفْسد بهَا الْيَقِين فَلم يسمع فِي التواريخ أَنه خزاه الله جمع غير خوارج أَو رافضة أَو ملاحدة أَو قرامطة وَأما السّنة وَالْجَمَاعَة فَلَا تَجْتَمِع إِلَّا على كتاب الله الْمُبين وحبله المتين وَفِي هَذَا الْفَرِيق من يكذب على السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَيَزْعُم أَنهم يَقُولُونَ بمقالته وَلَو أنْفق ملْء الأَرْض ذَهَبا مَا اسْتَطَاعَ أَن يروج عَلَيْهِم كلمة تصدق دَعْوَاهُ وتستر هَذَا الْفَرِيق بالسلف حفظا لرياسته والحطام الَّذِي يجتليه ﴿يُرِيدُونَ أَن يأمنوكم ويأمنوا قَومهمْ﴾ وَهَؤُلَاء يتحلون بالرياء والتقشف فيجعلون الروث مفضضا والكنيف مبيضا ويزهدون فِي الذّرة ليحصلوا الدرة
(أظهرُوا للنَّاس نسكا ... وعَلى المنقوش داروا)
وَمذهب السّلف إِنَّمَا هُوَ التَّوْحِيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه والمبتدعة تزْعم أَنَّهَا على مَذْهَب السّلف
стр. 3124
(وكل يدعونَ وصال ليلى ... وليلى لَا تقر لَهُم بذاكا)
وَكَيف يعْتَقد فِي السّلف أَنهم يَعْتَقِدُونَ التَّشْبِيه أَو يسكنون عِنْد ظُهُور أهل الْبدع وَقد قَالَ الله ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتموا الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾
وَلَقَد كَانَت الصَّحَابَة ﵃ لَا يَخُوضُونَ فِي شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء لعلمهم أَن حفظ الدهماء أهم الْأُمُور مَعَ أَن سيوف حججهم مرهفة ورماحها مشحوذة وَلذَلِك لما نبغت الْخَوَارِج واثبهم حبر الْأمة وعالمها وابنا عَم رسولها أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الله بن عَبَّاس فاهتدى الْبَعْض بالمناظرة وأصر الْبَاقُونَ عنادا فتسلط عَلَيْهِم السَّيْف
(وَلَكِن حكم السَّيْف فِيكُم مسلط ... فنرضى إِذا مَا أصبح السَّيْف رَاضِيا)
وَكَذَلِكَ لما نبغ الْقدر وَنجم بِهِ معبد الْجُهَنِيّ قيض الله تَعَالَى لَهُ زاهد الْأمة
стр. 3125
وَابْن فاروقها عبد الله عمر بن الْخطاب ﵄ وَلَو لم تنبغ هَاتَانِ البدعتان لما تَكَلَّمت الصَّحَابَة ﵃ فِي رد هَذَا وَلَا إبِْطَال هَذَا وَلم يكن دأبهم إِلَّا الْحَث على التَّقْوَى والغزو وأفعال الْخَيْر وَلذَلِك لم ينْقل عَن سيد الْبشر ﷺ وَلَا عَن أحد من أَصْحَابه ﵃ أَنه جمع النَّاس فِي مجمع عَام ثمَّ أَمرهم أَن يعتقدوا فِي الله تَعَالَى كَذَا وَكَذَا وَقد صدر ذَلِك فِي أَحْكَام شَتَّى وَإِنَّمَا تكلم فِيهَا بِمَا يفهمهُ الْخَاص وَلَا يُنكره الْعَام وَبِاللَّهِ أقسم يَمِينا برة مَا هِيَ مرّة بل ألف ألف مرّة أَن سيد الرُّسُل ﷺ لم يقل أَيهَا النَّاس اعتقدوا أَن الله تَعَالَى فِي جِهَة الْعُلُوّ وَلَا قَالَ ذَلِك الْخُلَفَاء الراشدون وَلَا أحد من الصَّحَابَة بل تركُوا النَّاس وَأمر التعبدات وَالْأَحْكَام وَلَكِن لما ظَهرت الْبدع قمعها السّلف أما التحريك للعقائد والتشمير لإظهارها وَإِقَامَة ثائرها فَمَا فعلوا ذَلِك بل حسموا الْبدع عِنْد ظُهُورهَا
ثمَّ الحشوية إِذا بحثوا فِي مسَائِل أصُول الدّين مَعَ الْمُخَالفين تكلمُوا بالمعقول وتصرفوا فِي الْمَنْقُول فَإِذا وصلوا إِلَى الحشو تبلدوا وتأسوا فتراهم لَا يفهمون بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا بالعجمية كلا وَالله وَالله لَو فَهموا لهاموا وَلَكِن اعْترضُوا بَحر الْهوى فشقوه وعاموا وأسمعوا كل ذِي عقل ضَعِيف وذهن سخيف وخالفوا السّلف فِي الْكَفّ عَن ذَلِك مَعَ الْعَوام وَلَقَد كَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ إِذا تكلم فِي علم التَّوْحِيد أخرج غير أَهله وَكَانُوا رَحِمهم الله تَعَالَى لَا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ إِلَّا مَعَ أهل السّنة مِنْهُم إِذْ هِيَ قَاعِدَة أهل التَّحْقِيق وَكَانُوا يضنون بِهِ على الْأَحْدَاث وَقَالُوا الْأَحْدَاث
стр. 3126
هم المستقبلون الْأُمُور المبتدئون فِي الطَّرِيق فَلم يجربوا الْأُمُور وَلم يرسخ لَهُم فِيهَا قدم وَإِن كَانُوا أَبنَاء سبعين سنة
وَقَالَ سهل ﵁ لَا تطلعوا الْأَحْدَاث على الْأَسْرَار قبل تمكنهم من اعْتِقَاد أَن الْإِلَه وَاحِد وَأَن الموحد فَرد صَمد منزه عَن الْكَيْفِيَّة والأينية لَا تحيط بِهِ الأفكار وَلَا تكيفه الْأَلْبَاب وَهَذَا الْفَرِيق لَا يَكْتَفِي من إِيمَان النَّاس إِلَّا باعتقاد الْجِهَة وَكَأَنَّهُ لم يسمع الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله) الحَدِيث
أَفلا يَكْتَفِي بِمَا اكْتفى بِهِ نَبِيّهم ﷺ حَتَّى إِنَّه يَأْمر الزمني بالخوض فِي بَحر لَا سَاحل لَهُ وَيَأْمُرهُمْ بالتفتيش عَمَّا لم يَأْمُرهُم رَسُول الله ﷺ بالتفتيش عَنهُ وَلَا أحد من أَصْحَابه ﵃ لَا تنازل وَاكْتفى بِمَا نقل عَن إِمَامه الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ حَيْثُ قَالَ لَا يُوسُف الله تَعَالَى إِلَّا بِمَا وصف بِهِ نَفسه أَو وَصفه بِهِ رَسُول الله ﷺ لَا نتجاوز الْقُرْآن والْحَدِيث ونعلم أَن مَا وصف الله بِهِ من ذَلِك فَهُوَ حق لَيْسَ فِيهِ لَغْو وَلَا أُحَاج بل مَعْنَاهُ يعرف من حَيْثُ يعرف مَقْصُود الْمُتَكَلّم بِكَلَامِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِك ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فِي نَفسه المقدسة الْمَذْكُورَة بأسمائه وَصِفَاته وَلَا فِي أَفعاله فَكَانَ يَنْبَغِي أَن الله سُبْحَانَهُ لَهُ ذَات حَقِيقِيَّة وأفعال حَقِيقِيَّة وَكَذَلِكَ لَهُ صِفَات حَقِيقِيَّة وَهُوَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله وكل مَا أوجب نقصا أَو حدوثا فَإِن الله منزه عَنهُ حَقِيقَة فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَحقّ للكمال الَّذِي لَا غَايَة فَوْقه وممتنع عَلَيْهِ الْحُدُوث
стр. 3127
لِامْتِنَاع الْعَدَم عَلَيْهِ واستلزام الْحُدُوث سَابِقَة الْعَدَم وافتقار الْمُحدث إِلَى مُحدث وَوُجُوب وجوده بِنَفسِهِ هَذَا نَص إِمَامه فَهَلا اكْتفى بِهِ
وَلَقَد أُتِي إِمَامه فِي هَذَا الْمَكَان بجوامع الْكَلم وسَاق أَدِلَّة الْمُتَكَلِّمين على مَا يَدعِيهِ هَذَا المارق بِأَحْسَن رد وأوضح معَان مَعَ أَنه لم يَأْمر بِمَا أَمر هَذَا الْفَرِيق
وَقد قَالَ الشَّافِعِي ﵁ سَأَلت مَالِكًا عَن التَّوْحِيد فَقَالَ محَال أَن نظن بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنه علم أمته الِاسْتِنْجَاء وَلم يعلمهُمْ التَّوْحِيد وَقد قَالَ ﷺ (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله) الحَدِيث فَبين مَالك ﵁ أَن الْمَطْلُوب من النَّاس فِي التَّوْحِيد هُوَ مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث وَلم يقل من التَّوْحِيد اعْتِقَاد أَن الله تَعَالَى فِي جِهَة الْعُلُوّ
وَسُئِلَ الشَّافِعِي ﵁ عَن صِفَات الله فَقَالَ حرَام على الْعُقُول أَن تمثل الله تَعَالَى وعَلى الأوهام أَن تحد وعَلى الظنون أَن تقطع وعَلى النُّفُوس أَن تفكر وعَلى الضمائر أَن تعمق وعَلى الخواطر أَن تحيط إِلَّا مَا وصف بِهِ نَفسه على لِسَان نبيه ﷺ
وَمن تقصى وفتش وَبحث وجد أَن الصَّحَابَة ﵃ وَالتَّابِعِينَ والصدر الأول لم يكن دأبهم غير الْإِمْسَاك عَن الْخَوْض فِي هَذِه الْأُمُور وَترك ذكرهَا فِي الْمشَاهد وَلم يَكُونُوا يدسونها إِلَى الْعَوام وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بهَا على المنابر وَلَا يوقعون فِي قُلُوب النَّاس مِنْهَا هواجس كالحريق المشعل وَهَذَا مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ من سيرهم وعَلى ذَلِك بنينَا عقيدتنا وأسسنا نحلتنا وسيظهر لَك إِن شَاءَ الله تَعَالَى موافقتنا للسلف وَمُخَالفَة الْمُخَالف طريقتهم وَإِن ادّعى الِاتِّبَاع فَمَا سالك غير الابتداع
стр. 3128
وَقَول الْمُدَّعِي إِنَّهُم أظهرُوا هَذَا وَيَقُول علم النَّبِي ﷺ كل شَيْء حَتَّى الخرأة وَمَا علم هَذَا المهم هَذَا بهرج لَا يمشي على الصَّيْرَفِي النقاد أَو مَا علم أَن الخرأة يحْتَاج إِلَيْهَا كل وَاحِد وَرُبمَا تَكَرَّرت الْحَاجة إِلَيْهَا فِي الْيَوْم مَرَّات وَأي حَاجَة بالعوام إِلَى الْخَوْض فِي الصِّفَات نعم الَّذِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من التَّوْحِيد قد تبين فِي حَدِيث (أمرت أَن أقَاتل النَّاس) ثمَّ هَذَا الْكَلَام من الْمُدَّعِي يهدم بُنْيَانه ويهد أَرْكَانه فَإِن النَّبِي ﷺ علم الخرأة تَصْرِيحًا وَمَا علم النَّاس أَن الله تَعَالَى فِي جِهَة الْعُلُوّ وَمَا ورد من الْعَرْش وَالسَّمَاء فِي الاسْتوَاء قد بنى الْمُدَّعِي مبناه وأوثق عرى دَعْوَاهُ على أَن المُرَاد بهما شَيْء وَاحِد وَهُوَ جِهَة الْعُلُوّ فَمَا قَالَه هَذَا الْمُدَّعِي لم يُعلمهُ النَّبِي ﷺ أمته وعلمهم الخرأة فَعِنْدَ الْمُدَّعِي يجب تَعْلِيم الْعَوام حَدِيث الْجِهَة وَمَا علمهَا رَسُول الله ﷺ وَأما نَحن فَالَّذِي نقُوله أَنه لَا يخاض فِي مثل هَذَا ويسكت عَنهُ كَمَا سكت رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه ويسعنا مَا وسعهم وَلذَلِك لم يُوجد منا أحد يَأْمر الْعَوام بِشَيْء من الْخَوْض فِي الصِّفَات وَالْقَوْم وَقد جعلُوا دأبهم الدُّخُول فِيهَا وَالْأَمر بهَا فليت شعري من الْأَشْبَه بالسلف
وَهَا نَحن تذكر عقيدة أهل السّنة فَنَقُول
عقيدتنا أَن الله قديم أزلي لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء لَيْسَ لَهُ جِهَة وَلَا مَكَان وَلَا يجْرِي عَلَيْهِ وَقت وَلَا زمَان وَلَا يُقَال لَهُ أَيْن وَلَا حَيْثُ يرى لَا عَن مُقَابلَة وَلَا على مُقَابلَة كَانَ وَلَا مَكَان كَون الْمَكَان ودبر الزَّمَان وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ
هَذَا مَذْهَب أهل السّنة وعقيدة مَشَايِخ الطَّرِيق رَضِي الله عَنْهُم
стр. 3129
قَالَ الْجُنَيْد ﵁ مَتى يتَّصل من لَا شَبيه لَهُ وَلَا نَظِير لَهُ بِمن لَهُ شَبيه وَنَظِير
وكما قيل ليحيى بن معَاذ الرَّازِيّ أخبرنَا عَن الله قَالَ إِلَه وَاحِد فَقيل لَهُ كَيفَ هُوَ فَقَالَ مَالك قَادر
فَقيل لَهُ أَيْن هُوَ فَقَالَ بالمرصاد
فَقَالَ السَّائِل لم أَسأَلك عَن هَذَا فَقَالَ مَا كَانَ غير هَذَا كَانَ صفة الْمَخْلُوق فَأَما صفته فَمَا أخْبرت عَنهُ
وكما سَأَلَ ابْن شاهين الْجُنَيْد ﵄ عَن معنى مَعَ فَقَالَ مَعَ على مَعْنيين مَعَ الْأَنْبِيَاء بالنصرة والكلاءة قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ وَمَعَ الْعَالم بِالْعلمِ والإحاطة قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ فَقَالَ ابْن شاهين مثلك يصلح دَالا للْأمة على الله
وَسُئِلَ ذُو النُّون الْمصْرِيّ ﵁ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ فَقَالَ أثبت ذَاته وَنفى مَكَانَهُ فَهُوَ مَوْجُود بِذَاتِهِ والأشياء بِحِكْمَتِهِ كَمَا شَاءَ
وَسُئِلَ عَنهُ الشبلي ﵁ فَقَالَ الرَّحْمَن لم يزل وَالْعرش مُحدث وَالْعرش بالرحمن اسْتَوَى
وَسُئِلَ عَنْهَا جَعْفَر بن نصير فَقَالَ اسْتَوَى علمه بِكُل شَيْء وَلَيْسَ شَيْء أقرب إِلَيْهِ من شَيْء
وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق ﵁ من زعم أَن الله فِي شَيْء أَو من شَيْء أَو على شَيْء
стр. 3130
فقد أشرك إِذْ لَو كَانَ فِي شَيْء لَكَانَ محصورا وَلَو كَانَ على شَيْء لَكَانَ مَحْمُولا وَلَو كَانَ من شَيْء لَكَانَ مُحدثا
وَقَالَ مُحَمَّد بن مَحْبُوب خَادِم أبي عُثْمَان المغربي قَالَ لي أَبُو عُثْمَان المغربي يَوْمًا يَا مُحَمَّد لَو قَالَ لَك قَائِل أَيْن معبودك أيش تَقول قلت أَقُول حَيْثُ لم يزل
قَالَ فَإِن قَالَ فَأَيْنَ كَانَ فِي الْأَزَل أيش تَقول قلت حَيْثُ هُوَ الْآن
يَعْنِي أَنه كَانَ وَلَا مَكَان فَهُوَ الْآن كَمَا كَانَ قَالَ فارتضى ذَلِك مني وَنزع قَمِيصه وأعطانيه
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان المغربي كنت أعتقد شَيْئا من حَدِيث الْجِهَة فَلَمَّا قدمت بَغْدَاد زَالَ ذَلِك عَن قلبِي فَكتبت إِلَى أَصْحَابِي بِمَكَّة أَنِّي أسلمت جَدِيدا
قَالَ فَرجع كل من كَانَ تَابعه عَن ذَلِك
فَهَذِهِ كَلِمَات أَعْلَام أهل التَّوْحِيد وأئمة جُمْهُور الْأمة سوى هَذِه الشرذمة الزائغة وكتبهم طافحة بذلك وردهم على هَذِه النازغة لَا يكَاد يحصر وَلَيْسَ عرضا بذلك تقليدهم لمنع ذَلِك فِي أصُول الديانَات بل إِنَّمَا ذكرت ذَلِك ليعلم أَن مَذْهَب أهل السّنة مَا قدمْنَاهُ
ثمَّ إِن قَوْلنَا إِن آيَات الصِّفَات وأخبارها على من يسْمعهَا وظائف التَّقْدِيس وَالْإِيمَان بِمَا جَاءَ عَن الله تَعَالَى وَعَن رَسُوله ﷺ على مُرَاد الله تَعَالَى وَمُرَاد رَسُوله ﷺ والتصديق وَالِاعْتِرَاف بِالْعَجزِ وَالسُّكُوت والإمساك عَن التَّصَرُّف فِي الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة وكف الْبَاطِن عَن التفكر فِي ذَلِك واعتقاد أَن مَا خَفِي عَلَيْهِ مِنْهَا لم يخف عَن الله وَلَا عَن رَسُوله ﷺ وَسَيَأْتِي شرح هَذِه الوضائف إِن شَاءَ الله تَعَالَى فليت شعري فِي أَي شَيْء نخالف السّلف هَل هُوَ فِي قَوْلنَا كَانَ وَلَا مَكَان أَو فِي قَوْلنَا إِنَّه تَعَالَى كَون الْمَكَان أَو فِي قَوْلنَا وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ
стр. 3131
أَو فِي قَوْلنَا تقدس الْحق عَن الجسمية ومشابهتها أَو فِي قَوْلنَا يجب تَصْدِيق مَا قَالَه الله تَعَالَى وَرَسُوله بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَ أَو فِي قَوْلنَا يجب الِاعْتِرَاف بِالْعَجزِ أَو فِي قَوْلنَا نسكت عَن السُّؤَال والخوض فِيمَا لَا طَاقَة لنا بِهِ أَو فِي قَوْلنَا يجب إمْسَاك اللِّسَان عَن تَغْيِير الظَّوَاهِر بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان
وليت شعري فِي مَاذَا وافقوا هم السّلف هَل فِي دُعَائِهِمْ إِلَى الْخَوْض فِي هَذَا والحث على الْبَحْث مَعَ الْأَحْدَاث الغرين والعوام الطغام الَّذين يعجزون عَن غسل مَحل النجو وَإِقَامَة دعائم الصَّلَاة أَو وافقوا السّلف فِي تَنْزِيه الْبَارِي عَن الْجِهَة وَهل سمعُوا فِي كتاب الله أَو أثارة من علم عَن السّلف أَنهم وصفوا الله تَعَالَى بِجِهَة الْعُلُوّ وَأَن كل مَالا يصفه بِهِ فَهُوَ ضال مضل من فراخ الفلاسفة والهنود واليونان ﴿انْظُر كَيفَ يفترون على الله الْكَذِب وَكفى بِهِ إِثْمًا مُبينًا﴾
وَنحن الْآن نبتدئ بإفساد مَا ذكره ثمَّ بعد ذَلِك نُقِيم الْحجَّة على نفي الْجِهَة والتشبيه وعَلى جَمِيع مَا يَدعِيهِ وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان فَأَقُول
ادّعى أَولا أَنه يَقُول بِمَا قَالَ الله وَرَسُوله ﷺ وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ﵃ ثمَّ إِنَّه قَالَ مَا لم يقلهُ الله وَلَا رَسُوله وَلَا السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَلَا شَيْئا مِنْهُ فَأَما الْكتاب وَالسّنة فسنبين مُخَالفَته لَهما وَأما السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَذكره لَهُم فِي هَذَا الْموضع اسْتِعَارَة للتهويل وَإِلَّا فَهُوَ لم يُورد من أَقْوَالهم كلمة وَاحِدَة لَا نفيا وَلَا إِثْبَاتًا وَإِذا تصفحت كَلَامه عرفت ذَلِك اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مُرَاده بالسابقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار مَشَايِخ عقيدته دون الصَّحَابَة
стр. 3132
وَأخذ بعد هَذِه الدَّعْوَى فِي مدحه ﷺ وَفِي مدح دينه وَأَن أَصْحَابه أعلم النَّاس بذلك وَالْأَمر كَمَا قَالَه وَفَوق مَا قَالَه وَكَيف المدائح تستوفي مناقبه وَلَكِن كَلَامه كَمَا قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ كلمة حق أُرِيد بهَا بَاطِل
ثمَّ أَخذ بعد ذَلِك فِي ذمّ الْأَئِمَّة وأعلام الْأمة حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِالْعَجزِ عَن إِدْرَاكه مَعَ أَن سيد الرُّسُل ﷺ قَالَ (لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك) وَقَالَ الصّديق ﵁ الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك وتجاسر الْمُدَّعِي على دَعْوَى الْمعرفَة وَأَن ابْن الْحيض قد عرف الْقَدِيم على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَا غرور وَلَا جهل أعظم مِمَّن يَدعِي ذَلِك فنعوذ بِاللَّه من الخذلان
ثمَّ أَخذ بعد ذَلِك فِي نِسْبَة مَذْهَب جُمْهُور أمة مُحَمَّد ﷺ إِلَى أَنه مَذْهَب فراخ الفلاسفة وَأَتْبَاع اليونان والهنود ﴿ستكتب شَهَادَتهم ويسألون﴾
ثمَّ قَالَ كتاب الله تَعَالَى من أَوله إِلَى آخِره وَسنة رَسُوله ﷺ من أَولهَا إِلَى آخرهَا ثمَّ عَامَّة كَلَام الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ثمَّ كَلَام سَائِر الْأَئِمَّة مَمْلُوء بِمَا هُوَ إِمَّا نَص وَإِمَّا ظَاهر فِي الله تَعَالَى أَنه فَوق كل شَيْء وعَلى كل شَيْء وَأَنه فَوق الْعَرْش وَأَنه فَوق السَّمَاء
وَقَالَ فِي أثْنَاء كَلَامه وأواخر مَا زَعمه إِنَّه فَوق الْعَرْش حَقِيقَة
وَقَالَهُ فِي مَوضِع آخر عَن السّلف فليت شعري أَيْن هَذَا فِي كتاب الله تَعَالَى على هَذِه الصُّورَة الَّتِي نقلهَا عَن كتاب ربه وَسنة نبيه ﷺ وَهل فِي كتاب الله تَعَالَى كلمة مِمَّا قَالَه حَتَّى يَقُول إِنَّه فِي نَص وَالنَّص هُوَ الَّذِي لَا يحْتَمل التَّأْوِيل أَلْبَتَّة وَهَذَا مُرَاده فَإِنَّهُ جعله غير الظَّاهِر لعطفه لَهُ عَلَيْهِ وَأي آيَة فِي كتاب الله تَعَالَى نَص بِهَذَا الِاعْتِبَار فَأول مَا اسْتدلَّ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ فليت
стр. 3133
شعري أَي نَص فِي الْآيَة أَو ظَاهر على أَن الله تَعَالَى فِي السَّمَاء أَو على الْعَرْش ثمَّ نِهَايَة مَا يتَمَسَّك بِهِ أَنه يدل على علو يفهم من الصعُود وهيهات زل حمَار الْعلم فِي الطين فَإِن الصعُود فِي الْكَلَام كَيفَ يكون حَقِيقَة مَعَ أَن الْمَفْهُوم فِي الْحَقَائِق أَن الصعُود مَا صِفَات الْأَجْسَام فَلَيْسَ المُرَاد إِلَّا الْقبُول وَمَعَ هَذَا لَا حد وَلَا مَكَان
وأتبعها بقوله تَعَالَى ﴿إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ﴾ وَمَا أَدْرِي من أَيْن استنبط من هَذَا الْخَبَر أَن الله تَعَالَى فَوق الْعَرْش من هَذِه الْآيَة هَل ذَلِك بِدلَالَة الْمُطَابقَة أَو التضمن أَو الِالْتِزَام أَو هُوَ شَيْء أَخذه بطرِيق الْكَشْف والنفث فِي الروع وَلَعَلَّه اعْتقد أَن الرّفْع إِنَّمَا يكون فِي الْعُلُوّ فِي الْجِهَة فَإِن كَانَ كَمَا خطر لَهُ فَذَاك أَيْضا لَا يعقل إِلَّا فِي الجسمية والحدية وَإِن لم يقل بهما فَلَا حَقِيقَة فِيمَا اسْتدلَّ بِهِ وَإِن قَالَ بهما فَلَا حَاجَة إِلَى المغالطة وَلَعَلَّه لم يسمع الرّفْع فِي الْمرتبَة والتقريب فِي المكانة من اسْتِعْمَال الْعَرَب وَالْعرْف وَلَا فلَان رفع الله شَأْنه
وأتبع ذَلِك قَوْله ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾ وَخص هَذَا الْمُسْتَدلّ من بِاللَّه تَعَالَى وَلَعَلَّه لم يجوز أَن المُرَاد بِهِ مَلَائِكَة الله تَعَالَى وَلَعَلَّه يَقُول إِن الْمَلَائِكَة لَا تفعل ذَلِك وَلَا أَن جِبْرِيل ﵇ خسف بِأَهْل سدوم فَلذَلِك اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة ولعلها هِيَ النَّص الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ
وَأتبعهُ بقوله تَعَالَى ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ والعروج والصعود شَيْء وَاحِد وَلَا دلَالَة فِي الْآيَة على أَن العروج إِلَى سَمَاء وَلَا عرش وَلَا شَيْء من الْأَشْيَاء الَّتِي
стр. 3134
ادَّعَاهَا بِوَجْه من الْوُجُوه لِأَن حَقِيقَته المستعملة فِي لُغَة الْعَرَب فِي الِانْتِقَال فِي حق الْأَجْسَام إِذْ لَا تعرف الْعَرَب إِلَّا ذَلِك فليت لَو أظهره واستراح من كِتْمَانه
وأردفه بقوله تَعَالَى ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ وَتلك أَيْضا لَا دلَالَة لَهُ فِيهَا عَن سَمَاء وَلَا عرش وَلَا أَنه فِي شَيْء من ذَلِك حَقِيقَة
ثمَّ الْفَوْقِيَّة ترد لمعنيين
أَحدهمَا نِسْبَة جسم إِلَى جسم بِأَن يكون أَحدهمَا أَعلَى وَالْآخر أَسْفَل بِمَعْنى أَن أَسْفَل الْأَعْلَى من جَانب رَأس الْأَسْفَل وَهَذَا لَا يَقُول بِهِ من لَا يجسم وَبِتَقْدِير أَن يكون هُوَ المُرَاد وَأَنه تَعَالَى لَيْسَ لجسم فَلم لَا يجوز أَن يكون ﴿من فَوْقهم﴾ صلَة ل ﴿يخَافُونَ﴾ وَيكون تَقْدِير الْكَلَام يخَافُونَ من فَوْقهم رَبهم
أَي أَن الْخَوْف من جِهَة الْعُلُوّ وَأَن الْعَذَاب يَأْتِي من تِلْكَ الْجِهَة
وَثَانِيهمَا بِمَعْنى الْمرتبَة كَمَا يُقَال الْخَلِيفَة فَوق السُّلْطَان وَالسُّلْطَان فَوق الْأَمِير
وكما يُقَال جلس فلَان فَوق فلَان وَالْعلم فَوق الْعَمَل والصباغة فَوق الدباغة
وَقد وَقع ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ ﴿ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات﴾ وَلم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا فَوْقهم قاهرون﴾ وَمَا ركبت القبط أكتاف بني إِسْرَائِيل وَلَا ظُهُورهمْ
وَأَرْدَفَ ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَورد هَذَا فِي كتاب الله فِي سِتَّة مَوَاضِع من كِتَابه وَهِي عُمْدَة المشبهة وَأقوى معتمدهم حَتَّى إِنَّهُم كتبوها على بَاب جَامع همذان فلصرف الْعِنَايَة إِلَى إيضاحها فَنَقُول
стр. 3135
إِمَّا أَنهم يعزلون الْعقل بِكُل وَجه وَسبب وَلَا يلتفتون إِلَى مَا سمي فهما وإدراكا فمرحبا بفعلهم وَبقول ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَإِن تعدوا هَذَا إِلَى أَنه مستو على الْعَرْش فَلَا حبا وَلَا كَرَامَة فَإِن الله تَعَالَى مَا قَالَه مَعَ أَن عُلَمَاء الْبَيَان كالمتفقين على أَن فِي اسْم الْفَاعِل من الثُّبُوت مَا لَا يفهم من الْفِعْل
وَإِن قَالُوا هَذَا يدل على أَنه فَوْقه فقد تركُوا مَا التزموه وبالغوا فِي التَّنَاقُض والتشهي والجرأة
وَإِن قَالُوا بل نبقي الْعقل ونفهم مَا هُوَ المُرَاد فَنَقُول لَهُم مَا هُوَ الاسْتوَاء فِي كَلَام الْعَرَب فَإِن قَالُوا الْجُلُوس والاستقرار قُلْنَا هَذَا مَا تعرفه الْعَرَب إِلَّا فِي الْجِسْم فَقولُوا يَسْتَوِي جسم على الْعَرْش
وَإِن قَالُوا جُلُوس واستقرار نسبته إِلَى ذَات الله تَعَالَى كنسبة الْجُلُوس إِلَى الْجِسْم
فالعرب لَا تعرف هَذَا حَتَّى يكون هُوَ الْحَقِيقَة ثمَّ الْعَرَب تفهم اسْتِوَاء الْقدح الَّذِي هُوَ ضد الاعوجاج فوصفوه بذلك وتبرءوا مَعَه من التجسيم وسدوا بَاب الْحمل على غير الْجُلُوس وَلَا يسدونه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَلَا تَقولُوا مَعَهم بِالْعلمِ
وَإِن قُلْتُمْ ذَلِك فَلم تحلونه عَاما وتحرمونه عَاما وَمن أَيْن لكم أَن لَيْسَ الاسْتوَاء فعلا من أَفعاله تَعَالَى فِي الْعَرْش فَإِن قَالُوا لَيْسَ هَذَا كَلَام الْعَرَب
قُلْنَا وَلَا كَلَام الْعَرَب اسْتَوَى بِالْمَعْنَى الَّذِي تقولونه بِلَا جسم
وَلَقَد رام الْمُدَّعِي التفلت من شرك التجسيم بِمَا زَعمه من أَن الله تَعَالَى فِي جِهَة
стр. 3136
وَأَنه اسْتَوَى على الْعَرْش اسْتِوَاء يَلِيق بجلاله
فَنَقُول لَهُ قد صرت الْآن إِلَى قَوْلنَا فِي الاسْتوَاء وَأما الْجِهَة فَلَا تلِيق بالجلال
وَأخذ على الْمُتَكَلِّمين قَوْلهم إِن الله تَعَالَى لَو كَانَ فِي جِهَة فإمَّا أَن يكون أكبر أَو أَصْغَر أَو مُسَاوِيا وكل ذَلِك محَال
قَالَ فَلم يفهموا من قَول الله تَعَالَى ﴿على الْعَرْش﴾ إِلَّا مَا يثبتون لأي جسم كَانَ على أَي جسم كَانَ
قَالَ وَهَذَا اللَّازِم تَابع لهَذَا الْمَفْهُوم وَأما اسْتِوَاء يَلِيق بِجلَال الله فَلَا يلْزمه شَيْء من اللوازم
فَنَقُول لَهُ أتميميا مرّة وقيسيا أُخْرَى إِذا قلت اسْتَوَى اسْتِوَاء يَلِيق بِجلَال الله فَهُوَ مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين وَإِن قلت اسْتِوَاء هُوَ اسْتِقْرَار واختصاص بِجِهَة دون أُخْرَى لم يجد ذَلِك تخلصا من الترديد الْمَذْكُور والاستواء بِمَعْنى الِاسْتِيلَاء
وَأشْهد لَهُ فِي هَذِه الْآيَة أَنَّهَا لم ترد قطّ إِلَّا فِي إِظْهَار العظمة وَالْقُدْرَة وَالسُّلْطَان وَالْملك وَالْعرب تكني بذلك عَن الْملك فَيَقُولُونَ فلَان اسْتَوَى على كرْسِي المملكة وَإِن لم يكن جلس عَلَيْهِ مرّة وَاحِدَة ويريدون بذلك الْملك
وَأما قَوْلهم فَإِن حملتم الاسْتوَاء على الِاسْتِيلَاء لم يبْق لذكر الْعَرْش فَائِدَة فَإِن ذَلِك فِي حق كل الْمَخْلُوقَات فَلَا يخْتَص بالعرش
فَالْجَوَاب عَنهُ أَن كل الموجودات لما حواها الْعَرْش كَانَ الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ اسْتِيلَاء على جَمِيعهَا وَلَا كَذَلِك غير وَأَيْضًا فكناية الْعَرَب السَّابِقَة ترجحه وَقد تقدم الْكَلَام عَن السّلف فِي معنى الاسْتوَاء كجعفر الصَّادِق وَمن تقدم
وَقَوْلهمْ اسْتَوَى بمنى استولى إِنَّمَا يكون فِيمَا يدافع عَلَيْهِ
قُلْنَا واستوى بمنى جلس أَيْضا إِنَّمَا يكون فِي جسم وَأَنْتُم قد قُلْتُمْ إِنَّكُم لَا تَقولُونَ بِهِ وَلَو وصفوه تَعَالَى
стр. 3137
بالاستواء على الْعَرْش لما أَنْكَرْنَا عَلَيْهِم ذَلِك بل نعدهم إِلَى مَا يشبه التَّشْبِيه أَو هُوَ التَّشْبِيه الْمَحْذُور وَالله الْمُوفق
وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى حِكَايَة عَن فِرْعَوْن ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ فليت شعري كَيفَ فهم من كَلَام فِرْعَوْن أَن الله تَعَالَى فَوق السَّمَوَات وَفَوق الْعَرْش يطلع إِلَى إِلَه مُوسَى أما أَن إِلَه مُوسَى فِي السَّمَوَات فَمَا ذكره وعَلى تَقْدِير فهم ذَلِك من كَلَام فِرْعَوْن فَكيف يسْتَدلّ بِظَنّ فِرْعَوْن وفهمه مَعَ إِخْبَار الله تَعَالَى عَنهُ أَنه زين لَهُ سوء علمه وَأَنه حاد عَن سَبِيل الله وَأَن كَيده فِي ضلال مَعَ أَنه لما سَأَلَ مُوسَى ﵇ وَقَالَ وَمَا رب السَّمَوَات لم يتَعَرَّض مُوسَى ﵇ للجهة بل لم يذكر إِلَّا أخص بِالصِّفَاتِ وَهِي الْقُدْرَة على الاختراع وَلَو كَانَت الْجِهَة ثَابِتَة لَكَانَ التَّعْرِيف بهَا أولى فَإِن الْإِشَارَة الحسية من أقوى المعرفات حسا وَعرفا وَفرْعَوْن سَأَلَ بِلَفْظَة مَا فَكَانَ الْجَواب بالتحيز أولى من الصّفة وَغَايَة مَا فهمه من هَذِه الْآيَة وَاسْتدلَّ بِهِ فهم فِرْعَوْن فَيكون عُمْدَة هَذِه العقيدة كَون فِرْعَوْن ظَنّهَا فَيكون هُوَ مستندها فليت شعري لم لَا ذكر النِّسْبَة إِلَيْهِ كَمَا ذكر أَن عقيدة سَادَات أمة مُحَمَّد ﷺ الَّذين خالفوا اعْتِقَاده فِي مَسْأَلَة التحيز والجهة الَّذين ألحقهم بالجهمية مُتَلَقَّاة من لبيد بن الأعصم الْيَهُودِيّ الَّذِي سحر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 3138
وَختم الْآيَات الْكَرِيمَة بالاستدلال بقوله ﴿تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ ﴿منزل من رَبك بِالْحَقِّ﴾ وَمَا فِي الْآيَتَيْنِ لَا عرش وَلَا كرْسِي وَلَا سَمَاء وَلَا أَرض بل مَا فيهمَا إِلَّا مُجَرّد التَّنْزِيل وَمَا أَدْرِي من أَي الدلالات استنبطها الْمُدَّعِي فَإِن السَّمَاء لَا تفهم من التَّنْزِيل فَإِن التَّنْزِيل قد يكون من السَّمَاء وَقد يكون من غَيرهَا وَلَا تَنْزِيل الْقُرْآن كَيفَ يفهم مِنْهُ النُّزُول الَّذِي هُوَ انْتِقَال من فَوق إِلَى أَسْفَل فَإِن الْعَرَب لَا تفهم ذَلِك فِي كَلَام سَوَاء كَانَ من عرض أَو غير عرض وكما تطلق الْعَرَب النُّزُول على الِانْتِقَال تطلقه على غَيره كَمَا جَاءَ فِي كِتَابه الْعَزِيز ﴿وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد﴾ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأنزل لكم من الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزوَاج﴾ وَلم ير أحد قطّ قِطْعَة حَدِيد نازلة من السَّمَاء فِي الْهَوَاء وَلَا جملا يحلق من السَّمَاء إِلَى الأَرْض فَكَمَا جوز هُنَا أَن النُّزُول غير الِانْتِقَال من الْعُلُوّ إِلَى السّفل فليجوزه هُنَاكَ
هَذَا آخر مَا اسْتدلَّ بِهِ من الْكتاب الْعَزِيز وَقد ادّعى أَولا أَنه يَقُول مَا قَالَه الله وَأَن مَا ذكره من الْآيَات دَلِيل على قَوْله إِمَّا نصا وَإِمَّا ظَاهرا وَأَنت إِذا رَأَيْت مَا ادَّعَاهُ
стр. 3139
وأمعنت النّظر فِيمَا قُلْنَاهُ واستقريت هَذِه الْآيَات لم تَجِد فِيهَا كلمة على وفْق مَا قَالَه أَولا وَلَا نصا وَلَا ظَاهرا أَلْبَتَّة وكل أَمر بعد كتاب الله تَعَالَى وَالدَّعْوَى عَلَيْهِ خلل
ثمَّ اسْتدلَّ من السّنة بِحَدِيث الْمِعْرَاج وَلم يرد فِي حَدِيث الْمِعْرَاج أَن الله فَوق السَّمَاء أَو فَوق الْعَرْش حَقِيقَة وَلَا كلمة وَاحِدَة من ذَلِك وَهُوَ لم يسْرد حَدِيث الْمِعْرَاج وَلَا بَين الدّلَالَة مِنْهُ حَتَّى نجيب عَنهُ فَإِن بَين وَجه الِاسْتِدْلَال عَرفْنَاهُ كَيفَ الْجَواب
وَاسْتدلَّ بنزول الْمَلَائِكَة من عِنْد الله تَعَالَى وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن نزُول الْمَلَائِكَة من السَّمَاء إِنَّمَا كَانَ لِأَن السَّمَاء مقرهم والعندية لَا تدل على أَن الله فِي السَّمَاء لِأَنَّهُ يُقَال فِي الرُّسُل الْآدَمِيّين إِنَّهُم من عِنْد الله وَإِن لم يَكُونُوا نزلُوا من السَّمَاء على أَن العندية قد يُرَاد بهَا الشّرف والرتبة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ وتستعمل فِي غير ذَلِك كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ حِكَايَة عَن ربه (أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي)
وَذكر عروج الْمَلَائِكَة وَقد سبق وَرُبمَا شدّ فقار ظَهره وقوى منَّة منته بِلَفْظَة ﴿إِلَى رَبهم﴾ وَأَن ﴿إِلَى﴾ لانْتِهَاء الْغَايَة وَأَنَّهَا فِي قطع الْمسَافَة وَإِذا سكت عَن هَذَا لم يتَكَلَّم بِكَلَام الْعَرَب فَإِن الْمسَافَة لَا تفهم الْعَرَب مِنْهَا إِلَّا مَا تنْتَقل فِيهِ الْأَجْسَام وَهُوَ يَقُول إِنَّهُم لَا يَقُولُونَ بذلك وَقد قَالَ الْخَلِيل ﷺ ﴿إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي﴾ وَلَيْسَ المُرَاد بذلك الِانْتِهَاء الَّذِي عناه الْمُدَّعِي بالِاتِّفَاقِ فَلم يجترئ على ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى وَلَا يُجَاب بِهِ فِي خبر الْوَاحِد
وَذكر قَوْله ﷺ (أَلا تأمنوني وَأَنا أَمِين من فِي السَّمَاء يأتيني خبر من فِي السَّمَاء صباحا وَمَسَاء) وَلَيْسَ المُرَاد بِمن هُوَ الله تَعَالَى وَلَا ذكر النَّبِي ﷺ ذَلِك وَلَا خصّه بِهِ وَمن أَيْن للْمُدَّعِي أَنه لَيْسَ المُرَاد بِمن
стр. 3140
الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُم أكبر الْمَخْلُوقَات علما بِاللَّه تَعَالَى وأشدهم اطلاعا على الْقرب وهم يعلمُونَ أَن رَسُول الله ﷺ أَمِين وَهُوَ عِنْدهم فِي هَذِه الرُّتْبَة فَليعلم الْمُدَّعِي أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يَنْفِي هَذَا وَلَا مَا يثبت مَا ادَّعَاهُ
ثمَّ ذكر حَدِيث الرّقية (رَبنَا الله الَّذِي فِي السَّمَاء تقدس اسْمك أَمرك فِي السَّمَاء وَالْأَرْض كَمَا رزقك فِي السَّمَاء) الحَدِيث
وَهَذَا الحَدِيث بِتَقْدِير ثُبُوته فَالَّذِي ذكره النَّبِي ﷺ فِيهِ (رَبنَا الَّذِي فِي السَّمَاء تقدس اسْمك) مَا سكت النَّبِي ﷺ على فِي السَّمَاء فلأي معنى نقف نَحن عَلَيْهِ ونجعل تقديس اسْمك كلَاما مستأنفا هَل فعله رَسُول الله ﷺ هَكَذَا أَو أَمر بِهِ وَعند ذَلِك لَا يجد الْمُدَّعِي مخلصا إِلَّا أَن يَقُول الله تقدس اسْمه فِي السَّمَاء وَالْأَرْض فَلم خصصت السَّمَاء بِالذكر فَنَقُول لَهُ مَا معنى تقدس إِن كَانَ المُرَاد بِهِ التَّنْزِيه من حَيْثُ هُوَ تَنْزِيه فَذَلِك لَيْسَ فِي سَمَاء وَلَا أَرض إِذْ التَّنْزِيه نفي النقائص وَذَلِكَ لَا تعلق لَهُ بجرباء وَلَا غبراء فَإِن المُرَاد أَن الْمَخْلُوقَات تقدس وتعترف بالتنزيه فَلَا شكّ أَن أهل السَّمَاء مطبقون على تنزيهه تَعَالَى كَمَا أَنه لَا شكّ أَن فِي أهل الأَرْض من لم ينزه وَجعل لَهُ ندا وَوَصفه بِمَا لَا يَلِيق بجلاله فَيكون تَخْصِيص السَّمَاء بِذكر التَّقْدِيس فِيهَا لانفراد أَهلهَا بالإطباق على التَّنْزِيه كَمَا أَنه سُبْحَانَهُ لما انْفَرد فِي الْملك فِي يَوْم الدّين عَمَّن يتَوَهَّم ملكه خصصه بقوله تَعَالَى ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ وكما قَالَ بعد دمار من ادّعى الْملك وَالْملك ﴿لمن الْملك الْيَوْم لله الْوَاحِد القهار﴾
وَأعَاد هَذَا الْمُدَّعِي الحَدِيث من أَوله وَوصل إِلَى أَن قَالَ فَلْيقل رَبنَا الَّذِي فِي السَّمَاء
стр. 3141
قَالَ وَذكره ووقف على قَوْله فِي السَّمَاء فليت شعري هَل جوز أحد من الْعلمَاء أَن يفعل مثل هَذَا وَهل هَذَا إِلَّا مُجَرّد إِيهَام أَن سيد الْمُرْسلين ﷺ وَعَلَيْهِم قَالَ (رَبنَا الله فِي السَّمَاء)
وَأما حَدِيث الأوعال وَمَا فِيهِ من قَوْله (وَالْعرش فَوق ذَلِك كُله وَالله فَوق ذَلِك كُله) فَهَذَا الحَدِيث قد كثر مِنْهُم إِيهَام الْعَوام أَنهم يَقُولُونَ بِهِ ويروجون بِهِ زخارفهم وَلَا يتركون دَعْوَى من دعاويهم عاطلة من التحلي بِهَذَا الحَدِيث وَنحن نبين أَنهم لم يَقُولُوا بِحرف وَاحِد مِنْهُ وَلَا اسْتَقر لَهُم قدم بِأَن الله تَعَالَى فَوق الْعَرْش حَقِيقَة بل نقضوا ذَلِك وإيضاح ذَلِك بِتَقْدِيم مَا أخر هَذَا الْمُدَّعِي قَالَ فِي آخر كَلَامه وَلَا يظنّ الظَّان أَن هَذَا يُخَالف ظَاهر قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ وَقَول النَّبِي ﷺ (إِذا قَامَ أحدكُم إِلَى الصَّلَاة فَإِن الله قبل وَجهه)
وَنَحْو ذَلِك قَالَ فَإِن هَذَا غلط ظَاهر وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى مَعنا حَقِيقَة فَوق الْعَرْش حَقِيقَة قَالَ كَمَا جمع الله بَينهمَا فِي قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا وَمَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج فِيهَا وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ قَالَ هَذَا الْمُدَّعِي بملء مَا ضغتيه من غير تكْتم وَلَا تلعثم فقد أخبر الله تَعَالَى أَنه فَوق الْعَرْش وَيعلم كل شَيْء وَهُوَ مَعنا أَيْنَمَا كُنَّا كَمَا قَالَ ﷺ فِي حَدِيث الأوعال (وَالله فَوق الْعَرْش وَهُوَ يعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ) فقد فهمت أَن هَذَا الْمُدَّعِي ادّعى أَن الله فَوق الْعَرْش حَقِيقَة وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَجعل أَن ذَلِك من الله تَعَالَى خير أَنه فَوق الْعَرْش وَقد علم
стр. 3142
كل ذِي ذهن قويم وفكر مُسْتَقِيم أَن لفظ ﴿اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ لَيْسَ مرادفا للفظ فَوق الْعَرْش حَقِيقَة وَقد سبق منا الْكَلَام عَلَيْهِ وَلَا فِي الْآيَة مَا يدل على الْجمع الَّذِي ادَّعَاهُ وَلَا بَين التَّقْرِيب فِي الِاسْتِدْلَال بل سرد آيَة من كتاب الله تَعَالَى لَا يدرى هَل حفظهَا أَو نقلهَا من الْمُصحف ثمَّ شبه الْآيَة فِي الدّلَالَة على الْجمع بِحَدِيث الأوعال قَالَ كَمَا قَالَ ﷺ فِيهِ (وَالله فَوق الْعَرْش) وَقد علمت أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على الْمَعِيَّة بل لَا مدْخل لمع فِي الحَدِيث قَالَ وَذَلِكَ أَن مَعَ إِذا أطلقت فَلَيْسَ ظَاهرهَا فِي اللُّغَة إِلَّا للمقارنة الْمُطلقَة من غير وجوب مماسة وَلَا محاذاة عَن يَمِين أَو شمال فَإِذا قيدت بِمَعْنى من الْمعَانِي دلّت على الْمُقَارنَة فِي ذَلِك الْمَعْنى فَإِنَّهُ يُقَال مَا زلنا نسير وَالْقَمَر مَعنا والنجم مَعنا
وَيُقَال هَذَا الْمَتَاع مَعنا وَهُوَ لمجامعته لَك وَإِن كَانَ فَوق رَأسك فَإِنَّمَا الله مَعَ خلقه حَقِيقَة وَهُوَ فَوق الْعَرْش حَقِيقَة ثمَّ هَذِه الْمَعِيَّة تخْتَلف أَحْكَامهَا بِحَسب الْمَوَارِد فَلَمَّا قَالَ ﴿يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا وَمَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج فِيهَا وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ دلّ ظَاهر الْخطاب على أَن حكم هَذِه الْمَعِيَّة ومقتضاها أَنه مطلع عَلَيْكُم عَالم بكم
قَالَ وَهَذَا معنى قَول السّلف إِنَّه مَعَهم بِعِلْمِهِ
قَالَ وَهَذَا ظَاهر الْخطاب وَحَقِيقَته
قَالَ وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة﴾ الْآيَة وَفِي قَوْله
стр. 3143
تَعَالَى ﴿لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾
قَالَ وَيَقُول أَبُو الصَّبِي لَهُ من فَوق السّقف لَا تخف أَنا مَعَك
تَنْبِيها على الْمَعِيَّة الْمُوجبَة لحكم الْحَال
فليفهم النَّاظر أدب هَذَا الْمُدَّعِي فِي هَذَا الْمثل وَحسن أَلْفَاظه فِي استثمار مقاصده
ثمَّ قَالَ فَفرق بَين الْمَعِيَّة وَبَين مقتضاها الْمَفْهُوم من مَعْنَاهَا الَّذِي يخْتَلف باخْتلَاف الْمَوَاضِع
فليفهم النَّاظر هَذِه الْعبارَة الَّتِي لَيست بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا بالعجمية فسبحان المسبح باللغات الْمُخْتَلفَة
قَالَ فَلفظ الْمَعِيَّة قد اسْتعْمل فِي الْكتاب وَالسّنة فِي مَوَاضِع يَقْتَضِي فِي كل مَوضِع أمورا لَا يقتضيها فِي الْموضع الآخر
هَذِه عِبَارَته بحروفها
ثمَّ قَالَ فإمَّا أَن تخْتَلف دلالتها بِحَسب الْمَوَاضِع أَو تدل على قدر مُشْتَرك بَين جَمِيع مواردها وَإِن امتاز كل مَوضِع بخاصية فليفهم تَقْسِيم هَذَا الْمُدَّعِي وَحسن تصرفه
قَالَ فعلى التَّقْدِيرَيْنِ لَيْسَ مقتضاها أَن تكون ذَات الرب مختلطة بالخلق حَتَّى يُقَال صرفت عَن ظَاهرهَا
ثمَّ قَالَ فِي مَوضِع آخر من علم أَن الْمَعِيَّة تُضَاف إِلَى كل نوع من أَنْوَاع الْمَخْلُوقَات كإضافة الربوبية مثلا وَأَن الاسْتوَاء على الْعَرْش لَيْسَ إِلَّا الْعَرْش وَأَن الله تَعَالَى يُوصف بالعلو والفوقية الْحَقِيقِيَّة وَلَا يُوصف بالسفول وَلَا بالتحتية قطّ لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا علم أَن الْقُرْآن على مَا هُوَ عَلَيْهِ من غير تَحْرِيف
فليفهم النَّاظر هَذِه الْمُقدمَات
стр. 3144
القطعية وَهَذِه الْعبارَات الرائقة الجلية وَحصر الاسْتوَاء على الشَّيْء فِي الْعَرْش مِمَّا لَا يَقُوله عَاقل فضلا عَن جَاهِل
ثمَّ قَالَ من توهم أَن كَون الله فِي السَّمَاء بِمَعْنى أَن السَّمَاء تحيط بِهِ وتحويه فَهُوَ كَاذِب إِن نَقله عَن غَيره وضال إِن اعتقده فِي ربه وَمَا سمعنَا أحدا يفهمهُ من اللَّفْظ وَلَا رَأينَا أحد نَقله عَن أحد
فليستفد النَّاظر أَن الْفَهم يسمع
قَالَ وَلَو سُئِلَ سَائِر الْمُسلمين هَل يفهمون من قَول الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ أَن الله تَعَالَى فِي السَّمَاء تحويه لبادر كل أحد مِنْهُم إِلَى أَن يَقُول هَذَا شَيْء لَعَلَّه لم يخْطر ببالنا وَإِذا كَانَ الْأَمر هَكَذَا فَمن التَّكَلُّف أَن يَجْعَل ظَاهر اللَّفْظ شَيْئا محالا لَا يفهمهُ النَّاس مِنْهُ ثمَّ يُرِيد أَن يتأوله
قَالَ بل عِنْد الْمُسلمين أَن الله فِي السَّمَاء وَهُوَ على الْعَرْش وَاحِد إِذْ السَّمَاء إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْعُلُوّ فَالْمَعْنى الله فِي الْعُلُوّ لَا فِي السّفل
هَكَذَا قَالَ هَذَا الْمُدعى فليثن النَّاظر على هَذِه بالخناصر وليعض عَلَيْهَا بالنواجذ وليعلم أَن الْقَوْم ﴿يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ﴾
قَالَ وَقد علم الْمُسلمُونَ أَن كرسيه تَعَالَى وسع السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَن الْكُرْسِيّ فِي الْعَرْش كحلقة ملقاة بِأَرْض فلاة وَأَن الْعَرْش خلق من مخلوقات الله تَعَالَى لَا نِسْبَة لَهُ إِلَّا قدرَة الله وعظمته وَكَيف يتَوَهَّم متوهم بعد هَذَا أَن خلقا يحصره ويحويه وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فسيروا فِي الأَرْض﴾ بِمَعْنى على وَنَحْو ذَلِك وَهُوَ كَلَام عَرَبِيّ حَقِيقَة لَا مجَاز
стр. 3145
وَهَذَا يُعلمهُ من عرف حقائق معنى الْحُرُوف وَأَنَّهَا متواطئة فِي الْغَالِب
هَذَا آخر مَا تمسك بِهِ
فَنَقُول أَولا مَا معنى قَوْلك إِن مَعَ فِي اللُّغَة للمقارنة الْمُطلقَة من غير مماسة وَلَا محاذاة وَمَا هِيَ الْمُقَارنَة فَإِن لم يفهم من الْمُقَارنَة غير صفة لَازِمَة للجسمية حصل الْمَقْصُود وَإِن فهم غَيره فليتنبه حَتَّى تنظر هَل تفهم الْعَرَب من الْمُقَارنَة ذَلِك أَو لَا
ثمَّ قَوْله فَإِذا قيدت بِمَعْنى من الْمعَانِي دلّت على الْمُقَارنَة فِي ذَلِك الْمَعْنى
فَنَقُول لَهُ وَمن نحا ذَلِك فِي ذَلِك
قَوْله إِنَّهَا فِي هَذِه الْمَوَاضِع كلهَا بِمَعْنى الْعلم
قُلْنَا من أَيْن لَك هَذَا فَإِن قَالَ من جِهَة قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ الْآيَة دلّ ذَلِك على الْمَعِيَّة بِالْعلمِ وَأَنه على سَبِيل الْحَقِيقَة
فَنَقُول لَهُ قد كلت بالصاع الوافي فَكل لنا بِمثلِهِ وَاعْلَم أَن فَوق كَمَا يسْتَعْمل فِي الْعُلُوّ فِي الْجِهَة كَذَلِك يسْتَعْمل فِي الْعُلُوّ فِي الْمرتبَة والسلطنة وَالْملك وَكَذَلِكَ الاسْتوَاء فيكونان متواطئين كَمَا ذكرته حرفا بِحرف وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن قوم فِرْعَوْن ﴿وَإِنَّا فَوْقهم قاهرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات﴾ وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ المُرَاد جِهَة الْعُلُوّ فأعد الْبَحْث وَقل فَوق الْعَرْش
стр. 3146
بِالِاسْتِيلَاءِ
وَكَذَا فِي حَدِيث الأوعال وَمَا فعلته فِي مَعَ فافعله فِي فَوق وَخرج هَذَا كَمَا خرجت ذَلِك وَإِلَّا اترك الْجَمِيع
ثمَّ قَوْله وَمن علم أَن الْمَعِيَّة تُضَاف إِلَى كل نوع من أَنْوَاع الْمَخْلُوقَات وَأَن الاسْتوَاء على الشَّيْء لَيْسَ إِلَّا الْعَرْش
قُلْنَا حَتَّى نبصر لَك رجلا استعملها يعلم مَا تَقوله من غير دَلِيل فَإنَّك إِن لم تقم دلَالَة على ذَلِك وَإِلَّا أبرزت لَفْظَة تدل على تَحت فَوق للاستواء فِي جِهَة الْعُلُوّ فليت شعري من أَيْن تعلم أَن الْمَعِيَّة بِالْعلمِ حَقِيقَة وَأَن آيَة الاسْتوَاء على الْعَرْش وَحَدِيث الأوعال دالان على صفة الربوبية بالفوقية الْحَقِيقِيَّة اللَّهُمَّ غفرا هَذَا لَا يكون إِلَّا بالكشف وَإِلَّا فالأدلة الَّتِي نصبها الله تَعَالَى لتعرف بهَا ذَاته وَصِفَاته وشرائعه لم يُورد هَذَا الْمُدَّعِي مِنْهَا حرفا وَاحِدًا على وفْق دَعْوَى وَلَا ثَبت لَهُ قدم إِلَّا فِي مهوى
ثمَّ قَوْله لَا يُوصف الله تَعَالَى بالسفول والتحتية لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا لَيْت شعري من ادّعى لَهُ هَذِه الدَّعْوَى حَتَّى يُكَلف الْكَلَام فِيهَا
ثمَّ إِن قَوْله بعد ذَلِك من توهم كَون الله تَعَالَى فِي السَّمَاء بِمَعْنى أَن السَّمَاء تحيط بِهِ وتحويه فَهُوَ كَاذِب إِن نَقله عَن غَيره وضال إِن اعتقده فِي ربه
أَيهَا الْمُدَّعِي قل مَا تفهم وافهم مَا تَقول وكلم النَّاس كَلَام عَاقل لعاقل تفِيد وتستفيد إِذا طلبت أَن تستنبط من لَفْظَة فِي الْجِهَة وحملتها على حَقِيقَتهَا هَل يفهم مِنْهَا غير الظَّرْفِيَّة أَو مَا فِي مَعْنَاهَا وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهَل يفهم عَاقل أَن الظّرْف يَنْفَكّ عَن إحاطة بِبَعْض أَو جَمِيع مَا يلْزم ذَلِك وَهل جرى هَذَا على سمع وَهل من يخاطر أَن فِي على حَقِيقَتهَا فِي جِهَة وَلَا يفهم مِنْهَا احتواء وَلَا إحاطة بِبَعْض وَلَا كل فَإِن كَانَ المُرَاد أَن يعْزل النَّاس عُقُولهمْ وتتكلم أَنْت وهم يقلدون ويصدقون لم تأمن أَن بعض المسئولين
стр. 3147
من الْمُخَالفين للملة يَأْمُرك بذلك وَيثبت الْبَاطِل عَلَيْك
ثمَّ قَوْلك لَو سُئِلَ سَائِر الْمُسلمين هَل يفهمون من قَول الله تَعَالَى وَرَسُوله أَن الله فِي السَّمَاء تحويه لبادر كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى أَن يَقُول هَذَا شَيْء لَعَلَّه لم يخْطر ببالنا
فَنَقُول مَا الَّذِي أردْت بذلك إِن أردْت أَن هَذَا اللَّفْظ لَا يُعْطي هَذَا الْمَعْنى فإياك أَن تسْأَل عَن هَذَا من هُوَ عَارِف بِكَلَام الْعَرَب فَإِنَّهُ لَا يصدقك فِي أَن هَذَا اللَّفْظ لَا يُعْطي هَذَا مَعَ كَون فِي للظرفية وَأَنَّهَا على حَقِيقَتهَا فِي الْجِهَة وَإِن أردْت أَن الْعُقُول تأبى ذَلِك فِي حق الله تَعَالَى فلسنا نَحن مَعَك إِلَّا فِي تَقْدِير هَذَا وَنفي كل مَا يُوهم نقصا فِي حق الله تَعَالَى
ثمَّ قَوْلك عِنْد الْمُسلمين أَن الله فِي السَّمَاء وَهُوَ على الْعَرْش وَاحِد
لَا يَنْبَغِي أَن تضيف هَذَا الْكَلَام إِلَّا إِلَى نَفسك أَو إِلَى من تلقيت هَذِه الوصمة مِنْهُ وَلَا تجْعَل الْمُسلمين يرتبكون فِي هَذَا الْكَلَام الَّذِي لَا يعقل
ثمَّ استدللت على أَن كَون الله فِي السَّمَاء وَالْعرش وَاحِد بِأَن السَّمَاء إِنَّمَا يُرَاد بهَا الْعُلُوّ فَالْمَعْنى أَن الله فِي الْعُلُوّ لَا فِي السّفل
قل لي هَل قَالَ الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ﵃ أَجْمَعِينَ أَن الله تَعَالَى فِي الْعُلُوّ لَا فِي السّفل وكل مَا قلت من أول الْمُقدمَة إِلَى آخرهَا لَو سلم لَك لَكَانَ حَاصِلَة أَن الله تَعَالَى وصف نَفسه بِأَنَّهُ اسْتَوَى على الْعَرْش وَأَن الله تَعَالَى فَوق الْعَرْش
وَأما أَن السَّمَاء المُرَاد بهَا جِهَة الْعُلُوّ فَمَا ظَفرت كَفاك بنقله
ثمَّ قَوْلك قد علم المسلون أَن كرسيه تَعَالَى وسع السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَن
стр. 3148
الْكُرْسِيّ فِي الْعَرْش كحلقة ملقاة بِأَرْض فلاة
فليت شعري إِذا كَانَ حَدِيث الأوعال يدلك على أَن الله فَوق الْعَرْش فَكيف يجمع بَينه وَبَين طُلُوع الْمَلَائِكَة إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله وَكَيف يكون مَعَ ذَلِك فِي السَّمَاء حَقِيقَة ولعلك تَقول إِن المُرَاد بهما جِهَة الْعُلُوّ تَوْفِيقًا فليت شعري أيمكن أَن تَقول بعد هَذَا التَّوْفِيق العاري عَن التَّوْقِيف والتوفيق إِن الله فِي السَّمَاء حَقِيقَة وعَلى السَّمَاء حَقِيقَة وَفِي الْعَرْش حَقِيقَة وعَلى الْعَرْش حَقِيقَة ثمَّ حَقِيقَة السَّمَاء هِيَ هَذِه الْمُشَاهدَة المحسوسة يُطلق عَلَيْهَا هَذَا الِاسْم من لم يخْطر بِبَالِهِ السمو وَأما أصل الِاشْتِقَاق فَذَلِك لَا مزية لَهَا فِيهِ على السّقف والسحاب فَتَبَارَكَ الله خَالق الْعُقُول
ثمَّ قَوْلك بعد ذَلِك الْعَرْش من مخلوقات الله تَعَالَى لَا نِسْبَة لَهُ إِلَّا قدرَة الله وعظمته
وَقع إِلَيْنَا إِلَّا قدرَة الله فَإِن كَانَت بِأَلف لَام ألف كَمَا وَقع إِلَيْنَا فقد نفيت الْعَرْش وَجعلت الْجِهَة هِيَ العظمة وَالْقُدْرَة وَصَارَ معنى كلامك جِهَة الله عَظمته وَقدرته
والآن قلت مَا لَا يفهم وَلَا قَالَه أحد وَإِن كَانَ كلامك بِأَلف لَام يَاء فقد صدقت وَقلت الْحق وَمن قَالَ خلاف ذَلِك ولعمري قد رممنا لَك هَذَا الْمَكَان ولقناك إِصْلَاحه
ثمَّ قلت كَيفَ يتَوَهَّم بعد هَذَا أَن خلقا يحصره أَو يحويه
قُلْنَا نعم وَمن أَي شَيْء بلاؤنا إِلَّا مِمَّن يَدعِي الْحصْر أَو يُوهِمهُ
ثمَّ قلت وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَو مَا علمت أَن التَّمَكُّن الاستقراري حَاصِل فِي الْجذع فَإِن تمكن المصلوب فِي الْجذع
стр. 3149
كتمكن الْكَائِن فِي الظّرْف وَكَذَلِكَ الحكم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض﴾ وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ الْجَواب عَن حَدِيث الأوعال وَحَدِيث قبض الرّوح وَحَدِيث عبد الله بن رَوَاحَة ﵁ وَحَدِيث أُميَّة بن أبي الصَّلْت وَمَا قَالَ من قَوْله
(مجدوا الله فَهُوَ أهل لمجد ... رَبنَا فِي السَّمَاء أَمْسَى كَبِيرا)
فَيُقَال للْمُدَّعِي إِن كنت ترويه فِي السَّمَاء فَقَط وَلَا تتبعها أَمْسَى كَبِيرا فَرُبمَا يُوهم مَا تدعيه لَكِن لَا يبْقى شعرًا وَلَا قافية وَإِن كَانَ قَالَ رَبنَا فِي السَّمَاء أَمْسَى كَبِيرا فَقل مثل مَا قَالَ أُميَّة وَعند ذَلِك لَا يدرى هَل هُوَ كَمَا قلت أَو قَالَ إِن الله كَبِير فِي السَّمَاء
فَإِن قلت وَهُوَ كَبِير فِي الأَرْض فَلم خصت السَّمَاء
قُلْنَا التَّخْصِيص بِمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من أَن تَعْظِيم أهل السَّمَوَات أَكثر من تَعْظِيم أهل الأَرْض لَهُ فَلَيْسَ فِي الْمَلَائِكَة من ينحت حجرا ويعبده وَلَا فيهم دهري وَلَا معطل وَلَا مشبه وخطاب أُميَّة لكفار الْعَرَب الَّذين اتَّخذُوا هُبل وَمَنَاة وَاللات والعزى وَغير ذَلِك من الأنداد وَقد علمت الْعَرَب أَن أهل السَّمَاء أعلم مِنْهُم حَتَّى كَانُوا يتمسكون بِحَدِيث الْكَاهِل الَّذِي كَانَ يتلقف من الجني الَّذِي يسترق الْكَلِمَة من الْملك فيضيف إِلَيْهَا مائَة كذبة فَكيف اعْتِقَادهم فِي الْمَلَائِكَة فَلذَلِك احْتج عَلَيْهِم أُميَّة بِالْمَلَائِكَةِ هَذَا لَيْسَ بِبَعِيد وَلَا خِلَافه قَطْعِيّ
стр. 3150
ثمَّ قَالَ من الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن الرَّسُول الْمبلغ عَن الله ألْقى إِلَى أمته المدعوين أَن الله تَعَالَى على الْعَرْش وَأَنه فَوق السَّمَاء فَنَقُول لَهُ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح بِالصَّرِيحِ بل ألْقى إِلَيْهِم أَن الله اسْتَوَى على الْعَرْش هَذَا الَّذِي تَوَاتر من تَبْلِيغ هَذَا النَّبِي ﷺ وَمَا ذكره الْمُدَّعِي من هَذَا الْإِخْبَار فأخبار آحَاد لَا يصدق عَلَيْهَا جمع كَثْرَة وَلَا حجَّة لَهُ فِيهَا وَذَلِكَ وَاضح لمن سمع كَلَام الرَّسُول ﷺ ونزله على اسْتِعْمَال الْعَرَب وإطلاقاتها وَلم يدْخل عَلَيْهَا غير لغتها
ثمَّ قلت كَمَا فطر الله جَمِيع الْأُمَم عربهم وعجمهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام إِلَّا من اجتالته الشَّيَاطِين عَن فطرته
هَذَا كَلَام من أَوله إِلَى آخِره معَارض بالميل وَالتَّرْجِيح مَعًا
ثمَّ قلت عَن السّلف فِي ذَلِك من الْأَقْوَال مَا لَو جمعته لبلغت مِائَتَيْنِ ألوفا
فَنَقُول إِن أردْت بالسلف سلف المشبهة كَمَا سَيَأْتِي فِي كلامك فَرُبمَا قاربت وَإِن أردْت سلف الْأمة الصَّالِحين فَلَا حرفا وَلَا شطر حرف وَهَا نَحن مَعَك فِي مقَام مقَام ومضمار مضمار بحول الله وقوته
ثمَّ قلت لَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى وَلَا سنة رَسُول وَلَا عَن أحد من سلف الْأمة لَا من الصَّحَابَة وَلَا من التَّابِعين حرف وَاحِد يُخَالف ذَلِك لَا نَص وَلَا ظَاهر
قُلْنَا وَلَا عَنْهُم كَمَا ادعيت أَنْت وَلَا نَص وَلَا ظَاهر وَقد صدرت أَولا أَنَّك تَقول مَا قَالَه الله وَرَسُوله وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ثمَّ دارت الدائرة على أَن المُرَاد بالسابقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار مَشَايِخ عقيدتك وعزلت الْعشْرَة وَأهل بدر
стр. 3151
وَالْحُدَيْبِيَة عَن السَّبق وَالتَّابِعِينَ عَن الْمُتَابَعَة وتولي هَؤُلَاءِ لَا غير ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾
ثمَّ قَوْلك لم يقل أحد مِنْهُم إِنَّه لَيْسَ فِي غير السَّمَاء وَلَا إِنَّه لَيْسَ على الْعَرْش وَلَا إِنَّه فِي كل مَكَان وَلَا إِن جَمِيع الْأَمْكِنَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاء وَلَا إِنَّه دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِل وَلَا مُنْفَصِل
قُلْنَا لقد عممت الدَّعْوَى فَذكرت مَا لم تحط بِهِ علما وَقد ذكرنَا لَك عَن جَعْفَر الصَّادِق والجنيد والشبلي وجعفر بن نصير وَأبي عُثْمَان المغربي ﵃ مَا فِيهِ كِفَايَة فَإِن طعنت فِي نقلنا أَو فِي هَذِه السَّادة طَعنا فِي نقلك وفيمن أسندت إِلَيْهِ من أهل عقيدتك خَاصَّة فَلم يوافقك على مَا ادعيته غَيرهم
ثمَّ إِنَّك أَنْت الَّذِي قد قلت مَا لم يقلهُ الله وَلَا رَسُوله وَلَا السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَلَا من التَّابِعين وَلَا من مَشَايِخ الْأمة الَّذين لم يدركوا الْأَهْوَاء فَمَا نطق أحد مِنْهُم بِحرف فِي أَن الله تَعَالَى فِي جِهَة الْعُلُوّ وَقد قلت وصرحت وبحثت وفهمت بِأَن مَا ورد من أَنه فِي السَّمَاء وَفَوق السَّمَاء وَفِي الْعَرْش وَفَوق الْعَرْش المُرَاد بِهِ جِهَة الْعُلُوّ فَقل لنا من قَالَ هَذَا هَل قَالَه الله أَو رَسُوله أَو السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار أَو التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان فَلم تهول علينا بالأمور المغمغمة وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان
ثمَّ اسْتدلَّ على جَوَاز الْإِشَارَة الحسية إِلَيْهِ بالأصابع وَنَحْوهَا بِمَا صَحَّ أَنه ﷺ فِي خطْبَة عَرَفَات جعل يَقُول (أَلا هَل بلغت) فَيَقُولُونَ نعم
فيرفع
стр. 3152
أُصْبُعه إِلَى السَّمَاء وينكتها إِلَيْهِم وَيَقُول (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) غير مرّة
وَمن أَي دلَالَة يدل هَذَا على جَوَاز الْإِشَارَة إِلَيْهِ هَل صدر مِنْهُ ﷺ إِلَّا أَنه رفع أُصْبُعه ثمَّ نكتها إِلَيْهِم هَل فِي ذَلِك دلَالَة على أَن رَفعه كَانَ يُشِير بِهِ إِلَى جِهَة الله تَعَالَى وَلَكِن هَذَا من عَظِيم مَا رسخ فِي ذهن هَذَا الْمُدَّعِي من حَدِيث الْجِهَة حَتَّى إِنَّه لَو سمع مَسْأَلَة من عويص الْفَرَائِض والوصايا وَأَحْكَام الْحيض لقَالَ هَذِه دَالَّة على الْجِهَة
ثمَّ أَتَى بالطامة الْكُبْرَى والداهية الدهياء وَقَالَ فَإِن كَانَ الْحق مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ السَّابِقُونَ النافون من هَذِه الْعبارَات وَنَحْوهَا دون مَا يفهم من الْكتاب وَالسّنة إِمَّا نصا أَو ظَاهرا كَيفَ يجوز على الله تَعَالَى ثمَّ على رَسُوله ﷺ ثمَّ على خير الْأمة أَنهم يَتَكَلَّمُونَ دَائِما بِمَا هُوَ نَص أَو ظَاهر فِي خلاف الْحق ثمَّ الْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده لَا يبوحون بِهِ قطّ وَلَا يدلون عَلَيْهِ لَا نصا وَلَا ظَاهرا حَتَّى يَجِيء أَنْبَاط الْفرس وَالروم وأفراخ الهنود يبينون للْأمة العقيدة الصَّحِيحَة الَّتِي يجب على كل مؤلف أَو فَاضل أَن يعتقدها لَئِن كَانَ مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ المتكلمون المتكلفون هُوَ الِاعْتِقَاد الْوَاجِب وهم مَعَ ذَلِك أحيلوا على مُجَرّد عُقُولهمْ وَأَن يدفعوا لمقْتَضى قِيَاس عُقُولهمْ مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة نصا أَو ظَاهرا لقد كَانَ ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم وأنفع على هَذَا التَّقْدِير بل كَانَ وجود الْكتاب وَالسّنة ضَرَرا
стр. 3153
مَحْضا فِي أصُول الدّين فَإِن حَقِيقَة الْأَمر على مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ أَنكُمْ يَا معشر الْعباد لَا تَطْلُبُوا معرفَة الله وَمَا يسْتَحق من الصِّفَات نفيا وَلَا إِثْبَاتًا لَا من الْكتاب وَلَا من السّنة وَلَا من طَرِيق سلف الْأمة وَلَكِن انْظُرُوا أَنْتُم فَمَا وجدتموه مُسْتَحقّا لَهُ من الصِّفَات فصفوه بِهِ سَوَاء كَانَ مَوْجُودا فِي الْكتاب وَالسّنة أَو لم يكن وَمَا لم تَجِدُوهُ مُسْتَحقّا لَهُ فِي عقولكم فَلَا تصفوه بهَا
ثمَّ قَالَ هما فريقان أَكْثَرهم مَا يَقُول مَا لم تثبته عقولكم فانفوه وَمِنْهُم من يَقُول بل توقفوا فِيهِ
وَمَا نَفَاهُ قِيَاس عقولكم الَّذِي أَنْتُم فِيهِ مُخْتَلفُونَ ومضطربون اخْتِلَافا أَكثر من جَمِيع اخْتِلَاف على وَجه الأَرْض فانفوه وَإِلَيْهِ عِنْد الشَّارِع فَارْجِعُوا فَإِن الْحق الَّذِي تعبدتكم بِهِ وَمَا كَانَ مَذْكُورا فِي الْكتاب وَالسّنة مِمَّا يُخَالف قياسكم هَذَا أَو يثبت مَا لم تُدْرِكهُ عقولكم على طَريقَة أَكْثَرهم فاعلموا أنني امتحنتكم بتنزيله لَا لِتَأْخُذُوا الْهدى مِنْهُ لَكِن لتجتهدوا فِي تَخْرِيجه على شواذ اللُّغَة وَوَحْشِي الْأَلْفَاظ وغرائب الْكَلَام أَو تسكتوا عَنهُ مفوضين علمه إِلَيّ
هَذَا حَقِيقَة الْأَمر على رَأْي الْمُتَكَلِّمين
هَذَا مَا قَالَه وَهُوَ الْموضع الَّذِي صرع فِيهِ وتخبطه الشَّيْطَان من الْمس فَنَقُول مَا تَقول فِيمَا ورد من ذكر الْعُيُون بِصفة الْجمع وَذكر الْجنب وَذكر السَّاق الْوَاحِد وَذكر الْأَيْدِي فَإِن أَخذنَا بِظَاهِر هَذَا يلْزمنَا إِثْبَات شخص لَهُ وَجه وَاحِد عَلَيْهِ عُيُون كَثِيرَة وَله جنب وَاحِد وَعَلِيهِ أيد كَثِيرَة وَله سَاق وَاحِد فَأَي شخص يكون
стр. 3154
فِي الدُّنْيَا أبشع من هَذَا وَإِن تصرفت فِيهِ هَذَا بِجمع وتفريق بالتأويل فَلم لَا ذكره الله وَرَسُوله وَسلف الْأمة
وَقَوله تَعَالَى فِي الْكتاب الْعَزِيز ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فَكل عَاقل يعلم أَن النُّور الَّذِي على الْحِيطَان والسقوف وَفِي الطّرق والحشوش لَيْسَ هُوَ الله تَعَالَى وَلَا قَالَت الْمَجُوس بذلك فَإِن قلت بِأَنَّهُ هادي السَّمَوَات وَالْأَرْض ومنورها فَلم لَا قَالَه الله تَعَالَى وَلَا رَسُوله وَلَا سلف الْأمة
وَورد قَوْله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون الله دَاخل الزردمة فَلم لَا بَينه الله وَلَا رَسُوله وَلَا سلف الْأمة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿واسجد واقترب﴾ وَمَعْلُوم أَن التَّقَرُّب فِي الْجِهَة لَيْسَ إِلَّا بالمسافة فَلم لَا بَينه الله تَعَالَى وَلَا رَسُوله ﷺ وَلَا سلف الْأمة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾
стр. 3155
وَقَالَ ﷺ حِكَايَة عَن ربه (من تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا وَمن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا تقربت مِنْهُ باعا وَمن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة) وَمَا صَحَّ فِي الحَدِيث (أجد نفس الرَّحْمَن من قبل الْيمن) وَمن قَوْله ﷺ (الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي الأَرْض) وَمن قَوْله ﷺ حِكَايَة عَن ربه (أَنا جليس من ذَكرنِي)
وكل هَذِه هَل تأمن من المجسم أَن يَقُول لَك ظواهر هَذِه كَثْرَة تفوت الْحصْر أَضْعَاف أَحَادِيث الْجِهَة فَإِن كَانَ الْأَمر كَمَا يَقُول فِي نفي الجسمية مَعَ أَنه لم يَأْتِ فِي شَيْء من هَذِه مَا يبن خلاف ظواهرها لَا عَن الله تَعَالَى وَلَا عَن رَسُوله ﷺ وَلَا عَن سلف الْأمة فَحِينَئِذٍ يَكِيل لَك المجسم بصاعك وَيَقُول لَك لَو كَانَ الْأَمر كَمَا قلت لَكَانَ ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم
وَإِن قلت إِن العمومات قد بيّنت خلاف ظواهر هَذِه لم نجد مِنْهَا نافيا للجسمية إِلَّا وَهُوَ ناف للجهة
ثمَّ مَا يُؤمنك من تناسخي يفهم من قَوْله ﴿فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ مذْهبه من معطل يفهم من قَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّا تنْبت الأَرْض﴾ مُرَاده فَحِينَئِذٍ لَا تَجِد مساغا لما تغص بِهِ من ذَلِك إِلَّا الْأَدِلَّة الْخَارِجَة عَن هَذِه الْأَلْفَاظ ثمَّ صَار
следующие страницы →