← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

وَالْحُدَيْبِيَة عَن السَّبق وَالتَّابِعِينَ عَن الْمُتَابَعَة وتولي هَؤُلَاءِ لَا غير ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ ثمَّ قَوْلك لم يقل أحد مِنْهُم إِنَّه لَيْسَ فِي غير السَّمَاء وَلَا إِنَّه لَيْسَ على الْعَرْش وَلَا إِنَّه فِي كل مَكَان وَلَا إِن جَمِيع الْأَمْكِنَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاء وَلَا إِنَّه دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِل وَلَا مُنْفَصِل قُلْنَا لقد عممت الدَّعْوَى فَذكرت مَا لم تحط بِهِ علما وَقد ذكرنَا لَك عَن جَعْفَر الصَّادِق والجنيد والشبلي وجعفر بن نصير وَأبي عُثْمَان المغربي ﵃ مَا فِيهِ كِفَايَة فَإِن طعنت فِي نقلنا أَو فِي هَذِه السَّادة طَعنا فِي نقلك وفيمن أسندت إِلَيْهِ من أهل عقيدتك خَاصَّة فَلم يوافقك على مَا ادعيته غَيرهم ثمَّ إِنَّك أَنْت الَّذِي قد قلت مَا لم يقلهُ الله وَلَا رَسُوله وَلَا السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَلَا من التَّابِعين وَلَا من مَشَايِخ الْأمة الَّذين لم يدركوا الْأَهْوَاء فَمَا نطق أحد مِنْهُم بِحرف فِي أَن الله تَعَالَى فِي جِهَة الْعُلُوّ وَقد قلت وصرحت وبحثت وفهمت بِأَن مَا ورد من أَنه فِي السَّمَاء وَفَوق السَّمَاء وَفِي الْعَرْش وَفَوق الْعَرْش المُرَاد بِهِ جِهَة الْعُلُوّ فَقل لنا من قَالَ هَذَا هَل قَالَه الله أَو رَسُوله أَو السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار أَو التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان فَلم تهول علينا بالأمور المغمغمة وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان ثمَّ اسْتدلَّ على جَوَاز الْإِشَارَة الحسية إِلَيْهِ بالأصابع وَنَحْوهَا بِمَا صَحَّ أَنه ﷺ فِي خطْبَة عَرَفَات جعل يَقُول (أَلا هَل بلغت) فَيَقُولُونَ نعم فيرفع

стр. 3152

أُصْبُعه إِلَى السَّمَاء وينكتها إِلَيْهِم وَيَقُول (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) غير مرّة وَمن أَي دلَالَة يدل هَذَا على جَوَاز الْإِشَارَة إِلَيْهِ هَل صدر مِنْهُ ﷺ إِلَّا أَنه رفع أُصْبُعه ثمَّ نكتها إِلَيْهِم هَل فِي ذَلِك دلَالَة على أَن رَفعه كَانَ يُشِير بِهِ إِلَى جِهَة الله تَعَالَى وَلَكِن هَذَا من عَظِيم مَا رسخ فِي ذهن هَذَا الْمُدَّعِي من حَدِيث الْجِهَة حَتَّى إِنَّه لَو سمع مَسْأَلَة من عويص الْفَرَائِض والوصايا وَأَحْكَام الْحيض لقَالَ هَذِه دَالَّة على الْجِهَة ثمَّ أَتَى بالطامة الْكُبْرَى والداهية الدهياء وَقَالَ فَإِن كَانَ الْحق مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ السَّابِقُونَ النافون من هَذِه الْعبارَات وَنَحْوهَا دون مَا يفهم من الْكتاب وَالسّنة إِمَّا نصا أَو ظَاهرا كَيفَ يجوز على الله تَعَالَى ثمَّ على رَسُوله ﷺ ثمَّ على خير الْأمة أَنهم يَتَكَلَّمُونَ دَائِما بِمَا هُوَ نَص أَو ظَاهر فِي خلاف الْحق ثمَّ الْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده لَا يبوحون بِهِ قطّ وَلَا يدلون عَلَيْهِ لَا نصا وَلَا ظَاهرا حَتَّى يَجِيء أَنْبَاط الْفرس وَالروم وأفراخ الهنود يبينون للْأمة العقيدة الصَّحِيحَة الَّتِي يجب على كل مؤلف أَو فَاضل أَن يعتقدها لَئِن كَانَ مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ المتكلمون المتكلفون هُوَ الِاعْتِقَاد الْوَاجِب وهم مَعَ ذَلِك أحيلوا على مُجَرّد عُقُولهمْ وَأَن يدفعوا لمقْتَضى قِيَاس عُقُولهمْ مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة نصا أَو ظَاهرا لقد كَانَ ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم وأنفع على هَذَا التَّقْدِير بل كَانَ وجود الْكتاب وَالسّنة ضَرَرا

стр. 3153

مَحْضا فِي أصُول الدّين فَإِن حَقِيقَة الْأَمر على مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ أَنكُمْ يَا معشر الْعباد لَا تَطْلُبُوا معرفَة الله وَمَا يسْتَحق من الصِّفَات نفيا وَلَا إِثْبَاتًا لَا من الْكتاب وَلَا من السّنة وَلَا من طَرِيق سلف الْأمة وَلَكِن انْظُرُوا أَنْتُم فَمَا وجدتموه مُسْتَحقّا لَهُ من الصِّفَات فصفوه بِهِ سَوَاء كَانَ مَوْجُودا فِي الْكتاب وَالسّنة أَو لم يكن وَمَا لم تَجِدُوهُ مُسْتَحقّا لَهُ فِي عقولكم فَلَا تصفوه بهَا ثمَّ قَالَ هما فريقان أَكْثَرهم مَا يَقُول مَا لم تثبته عقولكم فانفوه وَمِنْهُم من يَقُول بل توقفوا فِيهِ وَمَا نَفَاهُ قِيَاس عقولكم الَّذِي أَنْتُم فِيهِ مُخْتَلفُونَ ومضطربون اخْتِلَافا أَكثر من جَمِيع اخْتِلَاف على وَجه الأَرْض فانفوه وَإِلَيْهِ عِنْد الشَّارِع فَارْجِعُوا فَإِن الْحق الَّذِي تعبدتكم بِهِ وَمَا كَانَ مَذْكُورا فِي الْكتاب وَالسّنة مِمَّا يُخَالف قياسكم هَذَا أَو يثبت مَا لم تُدْرِكهُ عقولكم على طَريقَة أَكْثَرهم فاعلموا أنني امتحنتكم بتنزيله لَا لِتَأْخُذُوا الْهدى مِنْهُ لَكِن لتجتهدوا فِي تَخْرِيجه على شواذ اللُّغَة وَوَحْشِي الْأَلْفَاظ وغرائب الْكَلَام أَو تسكتوا عَنهُ مفوضين علمه إِلَيّ هَذَا حَقِيقَة الْأَمر على رَأْي الْمُتَكَلِّمين هَذَا مَا قَالَه وَهُوَ الْموضع الَّذِي صرع فِيهِ وتخبطه الشَّيْطَان من الْمس فَنَقُول مَا تَقول فِيمَا ورد من ذكر الْعُيُون بِصفة الْجمع وَذكر الْجنب وَذكر السَّاق الْوَاحِد وَذكر الْأَيْدِي فَإِن أَخذنَا بِظَاهِر هَذَا يلْزمنَا إِثْبَات شخص لَهُ وَجه وَاحِد عَلَيْهِ عُيُون كَثِيرَة وَله جنب وَاحِد وَعَلِيهِ أيد كَثِيرَة وَله سَاق وَاحِد فَأَي شخص يكون

стр. 3154

فِي الدُّنْيَا أبشع من هَذَا وَإِن تصرفت فِيهِ هَذَا بِجمع وتفريق بالتأويل فَلم لَا ذكره الله وَرَسُوله وَسلف الْأمة وَقَوله تَعَالَى فِي الْكتاب الْعَزِيز ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فَكل عَاقل يعلم أَن النُّور الَّذِي على الْحِيطَان والسقوف وَفِي الطّرق والحشوش لَيْسَ هُوَ الله تَعَالَى وَلَا قَالَت الْمَجُوس بذلك فَإِن قلت بِأَنَّهُ هادي السَّمَوَات وَالْأَرْض ومنورها فَلم لَا قَالَه الله تَعَالَى وَلَا رَسُوله وَلَا سلف الْأمة وَورد قَوْله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون الله دَاخل الزردمة فَلم لَا بَينه الله وَلَا رَسُوله وَلَا سلف الْأمة وَقَالَ تَعَالَى ﴿واسجد واقترب﴾ وَمَعْلُوم أَن التَّقَرُّب فِي الْجِهَة لَيْسَ إِلَّا بالمسافة فَلم لَا بَينه الله تَعَالَى وَلَا رَسُوله ﷺ وَلَا سلف الْأمة وَقَالَ تَعَالَى ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾

стр. 3155

وَقَالَ ﷺ حِكَايَة عَن ربه (من تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا وَمن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا تقربت مِنْهُ باعا وَمن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة) وَمَا صَحَّ فِي الحَدِيث (أجد نفس الرَّحْمَن من قبل الْيمن) وَمن قَوْله ﷺ (الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي الأَرْض) وَمن قَوْله ﷺ حِكَايَة عَن ربه (أَنا جليس من ذَكرنِي) وكل هَذِه هَل تأمن من المجسم أَن يَقُول لَك ظواهر هَذِه كَثْرَة تفوت الْحصْر أَضْعَاف أَحَادِيث الْجِهَة فَإِن كَانَ الْأَمر كَمَا يَقُول فِي نفي الجسمية مَعَ أَنه لم يَأْتِ فِي شَيْء من هَذِه مَا يبن خلاف ظواهرها لَا عَن الله تَعَالَى وَلَا عَن رَسُوله ﷺ وَلَا عَن سلف الْأمة فَحِينَئِذٍ يَكِيل لَك المجسم بصاعك وَيَقُول لَك لَو كَانَ الْأَمر كَمَا قلت لَكَانَ ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم وَإِن قلت إِن العمومات قد بيّنت خلاف ظواهر هَذِه لم نجد مِنْهَا نافيا للجسمية إِلَّا وَهُوَ ناف للجهة ثمَّ مَا يُؤمنك من تناسخي يفهم من قَوْله ﴿فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ مذْهبه من معطل يفهم من قَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّا تنْبت الأَرْض﴾ مُرَاده فَحِينَئِذٍ لَا تَجِد مساغا لما تغص بِهِ من ذَلِك إِلَّا الْأَدِلَّة الْخَارِجَة عَن هَذِه الْأَلْفَاظ ثمَّ صَار

стр. 3156

حَاصِل كلامك أَن مقَالَة الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة والمالكية يلْزمهَا أَن يكون ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم أفتراهم يكفرونك بذلك أم لَا ثمَّ جعلت أَن مُقْتَضى كَلَام الْمُتَكَلِّمين أَن الله تَعَالَى وَرَسُوله وَسلف الْأمة تركُوا العقيدة حَتَّى بَينهَا هَؤُلَاءِ فَقل لنا إِن الله وَرَسُوله وَسلف الْأمة بينوها ثمَّ انقل عَنْهُم أَنهم قَالُوا كَمَا تَقول إِن الله تَعَالَى فِي جِهَة الْعُلُوّ لَا فِي جِهَة السّفل وَإِن الْإِشَارَة الحسية جَائِزَة إِلَيْهِ فَإِذا لم تَجِد ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى وَلَا كَلَام رَسُوله ﷺ وَلَا كَلَام أحد من الْعشْرَة وَلَا كَلَام أحد من السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ﵃ فعد على نَفسك باللائمة وَقل لقد ألزمت الْقَوْم بِمَا لَا يلْزمهُم وَلَو لَزِمَهُم لَكَانَ عَلَيْك اللوم ثمَّ قلت عَن الْمُتَكَلِّمين إِنَّهُم يَقُولُونَ مَا يكون على وفْق قِيَاس الْعُقُول فقولوه وَإِلَّا فانفوه وَالْقَوْم لم يَقُولُوا ذَلِك بل قَالُوا صفة الْكَمَال يجب ثُبُوتهَا لله وَصفَة النَّقْص يجب نَفيهَا عَنهُ كَمَا قَالَه الإِمَام أَحْمد ﵁ قَالُوا وَمَا ورد من الله تَعَالَى وَمن رَسُوله ﷺ فليعرض على لُغَة الْعَرَب الَّتِي أرسل الله تَعَالَى مُحَمَّدًا بلغتهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ فَمَا فهمت الْعَرَب فافهمه وَمن جَاءَك بِمَا يُخَالِفهُ فانبذ كَلَامه نبذ الْحذاء المرقع وَاضْرِبْ بقوله حَائِط الحش ثمَّ نعقد فصلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى بعد إِفْسَاد مَا نزع بِهِ فِي سَبَب وُرُود هَذِه الْآيَات على هَذَا الْوَجْه فَإِنَّهُ إِنَّمَا تلقف مَا نَزغ بِهِ فِي مُخَالفَة الْجَمَاعَة وأساء القَوْل على الْملَّة من حثالة الْمَلَاحِدَة الطاعنين فِي الْقُرْآن وسنبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى ضلالهم وَيعلم إِذْ ذَاك

стр. 3157

من هُوَ من فراخ الفلاسفة والهنود ثمَّ لَو استحيى الغافل لعرف مِقْدَار عُلَمَاء الْأمة رَحِمهم الله تَعَالَى ثمَّ هَل رأى من رد على الفلاسفة والهنود وَالروم وَالْفرس غير هَؤُلَاءِ الَّذين جعلهم فراخهم وَهل اتكلوا فِي الرَّد على هَذِه الطوائف على قوم لَا عقل لَهُم وَلَا بَصِيرَة وَلَا إِدْرَاك ثمَّ يذرونهم يستدلون على إِثْبَات الله تَعَالَى فِي الْحجَّاج على منكره بِالنَّقْلِ وعَلى منكري النُّبُوَّة بِالنَّقْلِ حَتَّى يصير مُضْغَة للماضغ وضحكة للمستهزئ وشماتة لِلْعَدو وفرحا للحسود وَفِي قصَّة الْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي عِبْرَة للمعتبر ثمَّ أَخذ بعد هَذَا فِي أَن الْأُمُور الْعَامَّة إِذا نفيت عَنْهَا إِنَّمَا يكون دلالتها على سَبِيل الإلغاز قُلْنَا وَكَذَلِكَ المجسم يَقُول لَك دلَالَة الْأُمُور الْعَامَّة على نفي الجسمية إلغاز ثمَّ قَالَ بعد هَذَا يَا سُبْحَانَ الله كَيفَ لم يقل الرَّسُول ﷺ يَوْمًا مَا الدَّهْر وَلَا أحد من سلف الْأمة هَذِه الْآيَات وَالْأَحَادِيث لَا تعتقدوا مَا دلّت عَلَيْهِ فَيُقَال لَهُ مَا الَّذِي دلّت عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولُوا إِنَّه لَا يعْتَقد هَذَا تشنيع بحت ثمَّ يَقُول لَك المجسم يَا سُبْحَانَ الله لم لم يقل رَسُول الله ﷺ وَلَا أحد من سلف الْأمة إِن الله تَعَالَى لَيْسَ بجسم وَلَا قَالُوا لَا تعتقدوا من الْأَحَادِيث الموهمة للجسمية ظواهرها

стр. 3158

ثمَّ اسْتدلَّ بقوله ﷺ فِي صفة الْفرْقَة النَّاجِية (هُوَ من كَانَ على مثل مَا أَنا عَلَيْهِ الْيَوْم وأصحابي) قَالَ الْمُدَّعِي فَهَلا قَالَ من تمسك بِظَاهِر الْقُرْآن فِي آيَات الِاعْتِقَاد فَهُوَ ضال وَإِنَّمَا الْهدى رجوعكم إِلَى مقاييس عقولكم فَليعلم النَّاظر أَنه هَا هُنَا باهت وزخرف وتشبع بِمَا لم يُعْطه فَإِنَّهُ قد ثَبت أَن طَرِيق رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه ﵃ الْكَفّ عَن ذَلِك فَمَا نَحن الآمرون بِهِ وَأَنه هُوَ لَيْسَ بساكت بل طَرِيقه الْكَلَام وَأمر الدهماء بِوَصْف الله تَعَالَى بِجِهَة الْعُلُوّ وتجويز الْإِشَارَة الحسية إِلَيْهِ فليت شعري من الْمُوَافق رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه وَلَكِن صدق الْقَائِل رمتني بدائها وانسلت ثمَّ المجسم يَقُول لَهُ حَذْو النَّعْل بالنعل مَا قَالَه لنا ونقول لَهُ لم لَا قَالَ رَسُول الله ﷺ النَّاجِية من قَالَ إِن الله فِي جِهَة الْعُلُوّ وَإِن الْإِشَارَة الحسية إِلَيْهِ جَائِزَة فَإِن قَالَ هَذِه طَريقَة السّلف وَطَرِيقَة الصَّحَابَة قُلْنَا من أَيْن لَك هَذَا ثمَّ لَا تأمن من كل مُبْتَدع أَن يَدعِي ذَلِك ثمَّ أَفَادَ الْمُدَّعِي وَأسْندَ أَن هَذِه الْمقَالة مَأْخُوذَة من تلامذة الْيَهُود وَالْمُشْرِكين وضلال الصابئين قَالَ فَإِن أول من حفظ عَنهُ هَذِه الْمقَالة الْجَعْد بن دِرْهَم وَأَخذهَا عَنهُ جهم

стр. 3159

ابْن صَفْوَان وأظهرا فنسبت مقَالَة الْجَهْمِية إِلَيْهِ قَالَ والجعد أَخذهَا عَن أبان بن سمْعَان وَأَخذهَا أبان من طالوت بن أُخْت لبيد بن الأعصم وَأَخذهَا طالوت من لبيد الْيَهُودِيّ الَّذِي سحر النَّبِي ﷺ قَالَ وَكَانَ الْجَعْد هَذَا فِيمَا يُقَال من أهل حران فَيُقَال لَهُ أَيهَا الْمُدَّعِي أَن هَذِه الْمقَالة مَأْخُوذَة من تلامذة الْيَهُود قد خَالَفت الضَّرُورَة فِي ذَلِك فَإِنَّهُ مَا يخفى على جَمِيع الْخَواص وَكثير من الْعَوام أَن الْيَهُود مجسمة مشبهات فَكيف يكون ضد التجسيم والتشبيه مأخوذا عَنْهُم وَأما الْمُشْركُونَ فَكَانُوا عباد أوثان وَقد بيّنت الْأَئِمَّة أَن عَبدة الْأَصْنَام تلامذة المشبهة وَأَن أصل عبَادَة الصَّنَم التَّشْبِيه فَكيف يكون نَفْيه مأخوذا عَنْهُم وَأما الصابئة فبلدهم مَعْرُوف وإقليمهم مَشْهُور وَهل نَحن مِنْهُ أَو خصومنا وَأما كَون الْجَعْد ابْن دِرْهَم من أهل حران فالنسبة صَحِيحَة وترتيب هَذَا السَّنَد الَّذِي ذكره سيسأله الله تَعَالَى عَنهُ وَالله من وَرَائه بالمرصاد وليت لَو أتبعه أَن سَنَد دَعْوَاهُ وعقيدته أَن فِرْعَوْن ظن أَن إِلَه مُوسَى فِي السَّمَاء ثمَّ أضَاف الْمقَالة إِلَى بشر المريسي وَذكر أَن هَذِه التأويلات هِيَ الَّتِي أبطلتها الْأَئِمَّة ورد بهَا على بشر وَأَن مَا ذكره الْأُسْتَاذ أَبُو بكر بن فورك وَالْإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ قدس الله روحهما هُوَ مَا ذكره بشر وَهَذَا بهرج لَا يثبت على محك النّظر القويم وَلَا معيار الْفِكر الْمُسْتَقيم فَإِنَّهُ من الْمحَال أَن تنكر الْأَئِمَّة على بشر أَن يَقُول مَا تَقوله الْعَرَب وَهَذَانِ الإمامان مَا قَالَا إِلَّا مَا قالته الْعَرَب وَمَا الْإِنْكَار على بشر إِلَّا فِيمَا يُخَالف فِيهِ لُغَة الْعَرَب وَأَن يَقُول عَنْهَا مَا لم تقله

стр. 3160

ثمَّ أَخذ بعد ذَلِك فِي تَصْدِيق عزوته إِلَى الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ﵃ وَشرع فِي النَّقْل عَنْهُم فَقَالَ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ كُنَّا والتابعون متوافرون نقُول إِن الله تَعَالَى ذكره فَوق عَرْشه فَنَقُول لَهُ أول مَا بدأت بِهِ الْأَوْزَاعِيّ وطبقته وَمن بعدهمْ فَأَيْنَ السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأما قَول الْأَوْزَاعِيّ فَأَنت قد خالفته وَلم تقل بِهِ لِأَنَّك قلت إِن الله لَيْسَ فَوق عَرْشه لِأَنَّك قررت أَن الْعَرْش وَالسَّمَاء لَيْسَ المُرَاد بهما إِلَّا جِهَة الْعُلُوّ وَقلت المُرَاد من فَوق عَرْشه وَالسَّمَاء ذَلِك فقد خَالَفت قَول الْأَوْزَاعِيّ صَرِيحًا مَعَ أَنَّك لم تقل قطّ مَا يفهم فَإِن قررت أَن السَّمَاء فِي الْعَرْش كحلقة ملقاة فِي فلاة فَكيف تكون هِيَ هُوَ ثمَّ من أَيْن لَك صِحَة هَذَا النَّقْل عَن الْأَوْزَاعِيّ وَبعد مسامحتك فِي كل ذَلِك مَا قَالَ الْأَوْزَاعِيّ الله فَوق الْعَرْش حَقِيقَة فَمن أَيْن لَك هَذِه الزِّيَادَة وَنقل عَن مَالك بن أنس وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ أَنهم قَالُوا فِي أَحَادِيث الصِّفَات أمروها كَمَا جَاءَت فَيُقَال لَهُ لم لَا أَمْسَكت على مَا أمرت بِهِ الْأَئِمَّة بل وصفت الله بِجِهَة الْعُلُوّ وَلم يرد بذلك خبر وَلَو بذلت قرَاب الأَرْض ذَهَبا على أَن تسمعها من عَالم رباني لم تفرح بذلك بل تصرفت ونقلت على مَا خطر لَك وَمَا أمررت وَلَا أَقرَرت وَلَا امتثلت مَا نقلته عَن الْأَئِمَّة وروى قَول ربيعَة وَمَالك الاسْتوَاء غير مَجْهُول فليت شعري من قَالَ إِنَّه مَجْهُول بل أَنْت زعمت أَنه لِمَعْنى عينته وَأَرَدْت أَن تعزوه إِلَى الْإِمَامَيْنِ وَنحن لَا نسمح لَك بذلك

стр. 3161

ثمَّ نقل عَن مَالك أَنه قَالَ للسَّائِل الْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة وَمَا أَرَاك إِلَّا مبتدعا فَأمر بِهِ فَأخْرج فَيُقَال لَهُ لَيْت شعري من امتثل منا قَول مَالك هَل امتثلناه نَحن حَيْثُ أمرنَا بالإمساك وألجمنا الْعَوام عَن الْخَوْض فِي ذَلِك أَو الَّذِي جعله دراسته يلقيه ويلفقه ويلقنه ويكتبه ويدرسه وَيَأْمُر الْعَوام بالخوض فِيهِ وَهل أنكر على المستفتي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِعَينهَا وَأخرجه كَمَا فعل مَالك ﵁ فِيهَا بِعَينهَا وَعند ذَلِك يعلم أَن مَا نَقله عَن مَالك حجَّة عَلَيْهِ لَا لَهُ ثمَّ نقل عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة الْمَاجشون أَنه قَالَ وَقد سُئِلَ عَمَّا جحدت بِهِ الْجَهْمِية أما بعد فقد فهمت فِيمَا سَأَلت فِيمَا للسامعت الْجَهْمِية وَمن خالفها فِي صفة الرب الْعَظِيم الَّذِي فاقت عَظمته الْوَصْف وَالتَّقْدِير وكلت الألسن عَن تَفْسِير صفته وانحسرت الْعُقُول دون معرفَة قدرته ردَّتْ عَظمته الْعُقُول فَلم تَجِد مساغا فَرَجَعت خاسئة وَهِي حسيرة وَإِنَّمَا أمروا بِالنّظرِ والتفكر فِيمَا خلق بالتقدير وَإِنَّمَا يُقَال كَيفَ لمن لم يكن مرّة ثمَّ كَانَ فَأَما الَّذِي لَا يحول وَلَا يَزُول وَلم يزل وَلَيْسَ لَهُ مثل فَإِنَّهُ لَا يعلم كَيفَ هُوَ إِلَّا هُوَ وَكَيف يعرف قدر من لم يبْدَأ وَمن لَا يَمُوت وَلَا يبْلى وَكَيف يكون لصفة شَيْء مِنْهُ حد أَو مُنْتَهى يعرفهُ عَارِف أَو يحد قدره واصف على أَنه الْحق الْمُبين لَا حق أَحَق مِنْهُ وَلَا شَيْء أبين مِنْهُ وَالدَّلِيل على عجز الْعُقُول عَن تَحْقِيق صفته عجزها عَن تَحْقِيق صفة أَصْغَر خلقه فَلَا تكَاد ترَاهُ صَغِيرا يحول وَيَزُول وَلَا يرى لَهُ سمع وَلَا بصر بل مَا يتقلب بِهِ

стр. 3162

ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عَلَيْك مِمَّا ظهر من سَمعه وبصره فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ وخالقهم وَسيد السادات وربهم ثمَّ نقل عَنهُ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الصِّفَات وَذكر قَوْله ﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ قَالَ فوَاللَّه مَا دلهم على عَظِيم مَا وصف من نَفسه وَمَا تحيط بِهِ قَبضته إِلَّا صغر نظرها مِنْهُم عِنْدهم أَن ذَلِك الَّذِي ألقِي فِي روعهم وَخلق على معرفَة قُلُوبهم فَمَا وصف من نَفسه فَسَماهُ على لِسَان رَسُول الله ﷺ سميناه كَمَا سَمَّاهُ وَلم نتكلف مِنْهُ صفة مَا سواهُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا لَا نجحد مَا وصف وَلَا نتكلف معرفَة مَا لم يصف وَبسط الْمَاجشون كَلَامه فِي تَقْرِير هَذَا فَنَقُول لهَذَا الحاكي نعم الْحجَّة أتيت بهَا وَلَكِن لنا وَنعم السِّلَاح حملت وَلَكِن للعدى أما كَلَام عبد الْعَزِيز ﵁ وَمَا ذكر من كبرياء الله وعظمته وَأَنَّهَا تحير الْعُقُول وتشده الفهوم فَهَذَا قَالَه الْعلمَاء نظما ونثرا وَأَنت أزريت على سَادَات الْأَئِمَّة وأعلام الْأمة فِي ثَانِي صفحة نزغت بهَا حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِالْعَجزِ وَالتَّقْصِير ونعيت عَلَيْهِم ذَلِك وعددته عَلَيْهِم ذَنبا وَأَنت مَعْذُور وهم معذورون وَجعلت قَول عبد الْعَزِيز حجتك وَقد ذكر فِي القبضة مَا يَقُوله المتكلمون فِي كل مَوضِع

стр. 3163

وَأمر عبد الْعَزِيز أَن يصف الرب بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَأَن يسكت عَمَّا وَرَاء ذَلِك وَذَلِكَ قَوْلنَا وَفعلنَا وعقدنا وَأَنت وَصفته بِجِهَة الْعُلُوّ وَمَا وصف بهَا نَفسه وجوزت الْإِشَارَة الحسية إِلَيْهِ وَمَا ذكرهَا وَنحن أمررنا الصِّفَات كَمَا جَاءَت وَأَنت جمعت بَين الْعَرْش وَالسَّمَاء بِجِهَة الْعُلُوّ وَقلت فِي السَّمَاء حَقِيقَة وَفِي الْعَرْش حَقِيقَة فسبحان واهب الْعُقُول وَلَكِن كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا ثمَّ ذكر عَن مُحَمَّد بن الْحسن اتِّفَاق الْفُقَهَاء على وصف الرب مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن وَأَحَادِيث الصِّفَات فَنَقُول لَهُ نَحن لَا نَتْرُك من هَذَا حرفا وَأَنت قلت أصف الرب تَعَالَى بِجِهَة الْعُلُوّ وأجوز الْإِشَارَة الحسية إِلَيْهِ فَأَيْنَ هَذَا فِي الْقُرْآن وأخبار الثِّقَات مَا أفدتنا فِي الْفتيا من ذَلِك شَيْئا وَنقل عَن أبي عبيد الله الْقَاسِم بن سَلام ﵁ أَنه قَالَ إِذا سئلنا عَن تَفْسِيرهَا لَا نفسرها وَأَنه قَالَ مَا أدركنا أحدا يُفَسِّرهَا فَنَقُول لَهُ الْحَمد لله حصل الْمَقْصُود لَيْت شعري من فسر السَّمَاء وَالْعرش وَقَالَ مَعْنَاهُمَا جِهَة الْعُلُوّ وَمن ترك تفسيرهما وَأَمرهمَا كَمَا جَاءَا ثمَّ نقل عَن ابْن الْمُبَارك ﵁ أَنه قَالَ يعرف رَبنَا بِأَنَّهُ فَوق سمائه على عَرْشه بَائِن من خلقه وَلَا نقُول كَمَا تَقول الْجَهْمِية إِنَّه هَاهُنَا فِي الأَرْض فَنَقُول لَهُ قد نَص عبد الله أَنه فَوق سمائه على عَرْشه فَهَل قَالَ عبد الله إِن السَّمَاء وَالْعرش وَاحِد وَهِي جِهَة الْعُلُوّ

стр. 3164

وَنقل عَن حَمَّاد بن زيد أَنه قَالَ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِية إِنَّمَا يحاولون أَن يَقُولُوا لَيْسَ فِي السَّمَاء شَيْء فَنَقُول لَهُ أَيْضا أَنْت قلت بمقالتهم فَإنَّك صرحت بِأَن السَّمَاء لَيْسَ هِيَ ذَاتهَا بل الْمَعْنى الَّذِي اشْتقت مِنْهُ وَهُوَ السمو وفسرته بِجِهَة الْعُلُوّ فَالْأولى لَك أَن تنعى على نَفسك مَا نعاه حَمَّاد على الْجَهْمِية وَنقل عَن ابْن خُزَيْمَة أَن من لم يقل إِن الله فَوق سمواته على عَرْشه بَائِن من خلقه وَجب أَن يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضربت عُنُقه ثمَّ ألقِي على مزبلة لِئَلَّا يتَأَذَّى بِهِ أهل الْقبْلَة وَأهل الذِّمَّة فَيُقَال لَهُ الْجَواب عَن مثل هَذَا قد تقدم على أَن ابْن خُزَيْمَة قد علم الْخَاص وَالْعَام حَدِيثه فِي العقائد وَالْكتاب الَّذِي صنفه فِي التَّشْبِيه وَسَماهُ بِالتَّوْحِيدِ ورد الْأَئِمَّة عَلَيْهِ أَكثر من أَن يذكر وَقَوْلهمْ فِيهِ مَا قَالَه هُوَ فِي غَيره مَعْرُوف وَنقل عَن عباد الوَاسِطِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَعَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم نَحوا مِمَّا نَقله عَن حَمَّاد وَقد بَيناهُ ثمَّ ذكر بعد ذَلِك مَا صَحَّ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ كَانَت زَيْنَب تفتخر على أَزوَاج النَّبِي ﷺ تَقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فَوق سبع سموات فَنَقُول لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث أَن زَيْنَب قَالَت إِن الله فَوق سبع سموات بل إِن تَزْوِيج الله إِيَّاهَا كَانَ من فَوق سبع سموات

стр. 3165

ثمَّ نقل عَن أبي سُلَيْمَان الْخطابِيّ مَا نَقله عَن عبد الْعَزِيز الْمَاجشون وَقد بَينا موافقتنا لَهُ ومخالفته لذَلِك وَحَكَاهُ أَيْضا عَن الْخَطِيب وَأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ وَيحيى بن عمار وَأبي إِسْمَاعِيل الْهَرَوِيّ وَأبي عُثْمَان الصَّابُونِي وَحكى عَن أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ أَن الْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي الاسْتوَاء يَقُولُونَ بهَا ويثبتونها من غير تكييف وَلَا تَمْثِيل وَلَا تَشْبِيه وَهُوَ مستو على عَرْشه فِي سمائه دون أرضه وَحَكَاهُ عَن معمر الْأَصْبَهَانِيّ وَقد بَينا لَك غير مَا مرّة أَنه مُخَالف لهَذَا وَأَنه مَا قَالَ بِهِ طرفَة عين إِلَّا ونقضه لِأَن السَّمَاء عِنْده لَيست هِيَ الْمَعْرُوفَة وَأَن السَّمَاء وَالْعرش لَا معنى لَهما إِلَّا جِهَة الْعُلُوّ وَحكى عَن عبد الْقَادِر الجيلي أَنه قَالَ الله بِجِهَة الْعُلُوّ مستو على عَرْشه فليت شعري لم احْتج بِكَلَامِهِ وَترك مثل جَعْفَر الصَّادِق والشبلي والجنيد وَذي النُّون والمصري وجعفر بن نصير وأضرابهم ﵃ وَأما مَا حَكَاهُ عَن أبي عمر بن عبد الْبر فقد علم الْخَاص وَالْعَام مَذْهَب الرجل وَمُخَالفَة النَّاس لَهُ وَنَكِير الْمَالِكِيَّة عَلَيْهِ أَولا وآخرا مَشْهُور ومخالفته لإِمَام الْمغرب أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ مَعْرُوفَة حَتَّى إِن فضلاء الْمغرب يَقُولُونَ لم يكن أحد بالمغرب يرى هَذِه الْمقَالة غَيره وَغير ابْن أبي زيد على أَن الْعلمَاء مِنْهُم من قد اعتذر عَن ابْن أبي زيد بِمَا هُوَ مَوْجُود فِي كَلَام القَاضِي الْأَجَل أبي مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب الْبَغْدَادِيّ الْمَالِكِي ﵀ ثمَّ إِنَّه قَالَ إِن الله فِي السَّمَاء على الْعَرْش من فَوق سبع سموات وَلم يعقل مَا معنى فِي السَّمَاء على الْعَرْش من فَوق سبع سموات

стр. 3166

ثمَّ إِن ابْن عبد الْبر مَا تَأَول هَذَا الْكَلَام وَلَا قَالَ كمقالة الْمُدَّعِي إِن المُرَاد بالعرش وَالسَّمَاء جِهَة الْعُلُوّ ثمَّ نقل عَن الْبَيْهَقِيّ ﵀ مَا لَا تعلق لَهُ بِالْمَسْأَلَة وَأعَاد كَلَام من سبق ذكره ثمَّ ذكر بعد ذَلِك شَيخنَا أَبَا الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ وَأَنه يَقُول الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى وَلَا نتقدم بَين يَدي الله تَعَالَى فِي القَوْل بل نقُول اسْتَوَى بِلَا كَيفَ وَهَذَا الَّذِي نَقله عَن شَيخنَا هُوَ نحلتنا وعقيدتنا لَكِن نَقله لكَلَامه مَا أرَاهُ إِلَّا قصد الْإِيهَام أَن الشَّيْخ يَقُول بالجهة فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَقَد بَالغ فِي البهت وَكَلَام الشَّيْخ فِي هَذَا أَنه قَالَ كَانَ وَلَا مَكَان فخلق الْعَرْش والكرسي فَلم يحْتَج إِلَى مَكَان وَهُوَ بعد خلق الْمَكَان كَمَا كَانَ قبل خلقه وَكَلَامه وَكَلَام أَصْحَابه ﵏ يصعب حصره فِي إِبْطَالهَا ثمَّ حكى ذَلِك عَن القَاضِي أبي بكر وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ ثمَّ تمسك بِرَفْع الْأَيْدِي إِلَى السَّمَاء وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لأجل أَن السَّمَاء منزل البركات والخيرات فَإِن الْأَنْوَار إِنَّمَا تنزل مِنْهَا والأمطار وَإِذا ألف الْإِنْسَان حُصُول الْخيرَات من جَانب مَال طبعه إِلَيْهِ فَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي أوجب رفع الْأَيْدِي إِلَى السَّمَاء وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون﴾ ثمَّ إِن اكْتفى بِمثل هَذِه الدّلَالَة فِي مطَالب أصُول العقائد فَمَا يُؤمنهُ من

стр. 3167

مُدع يَقُول الله تعال فِي الْكَعْبَة لِأَن كل مصل يُوَجه وَجهه إِلَيْهَا وَيَقُول ﴿وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَو يَقُول الله فِي الأَرْض فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿كلا لَا تطعه واسجد واقترب﴾ والاقتراب بِالسُّجُود فِي الْمسَافَة إِنَّمَا هُوَ فِي الأَرْض وَقَالَ النَّبِي ﷺ (أقرب مَا يكون العَبْد فِي سُجُوده) ثمَّ ذكر بعد ذَلِك مَا أجبنا عَنهُ من حَدِيث الأوعال وَذكر بعد ذَلِك مَا لَا تعلق لَهُ بالمسئلة وَأخذ يَقُول إِنَّه حكى عَن السّلف مثل مذْهبه وَإِلَى الْآن مَا حكى مذْهبه عَن أحد لَا من سلف وَلَا من خلف غير عبد الْقَادِر الجيلي وَفِي كَلَام ابْن عبد الْبر بعضه وَأما الْعشْرَة وَبَاقِي الصَّحَابَة ﵃ فَمَا نبس عَنْهُم بِحرف ثمَّ أَخذ بعد ذَلِك فِي مواعظ وأدعية لَا تعلق لَهَا بِهَذَا ثمَّ أَخذ فِي سبّ أهل الْكَلَام ورجمهم وَمَا ضرّ الْقَمَر من نبحه وَقد تبين بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن هَذَا الحبر الْحجَّة يرْجم فتياه أَنه يَقُول مَا قَالَه الله وَرَسُوله وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَلم ينْقل مقَالَته عَن أحد من الصَّحَابَة وَإِذا قد أَتَيْنَا على إِفْسَاد كَلَامه وإيضاح إيهامه وَإِزَالَة إبهامه وَنقض إبرامه وتنكيس أَعْلَامه فلنأخذ بعد هَذَا فِيمَا يتَعَلَّق بغرضنا وإيضاح نحلتنا فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق على سامع هَذِه الْآيَات وَالْأَخْبَار الْمُتَعَلّقَة بِالصِّفَاتِ مَا قدمْنَاهُ من الْوَظَائِف وَهِي التَّقْدِيس وَالْإِيمَان والتصديق وَالِاعْتِرَاف بِالْعَجزِ وَالسُّكُوت والإمساك عَن التَّصَرُّف فِي الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة وكف الْبَاطِن عَن التفكر فِي ذَلِك واعتقاده أَن مَا خَفِي عَنهُ

стр. 3168

لم يخف عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا عَن الصّديق وَلَا عَن أكَابِر الصَّحَابَة ﵃ ولنأخذ الْآن فِي إبراز اللطائف من خفيات هَذِه الْوَظَائِف فَأَقُول وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان أما التَّقْدِيس فَهُوَ أَن يعْتَقد فِي كل آيَة أَو خبر معنى يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى مِثَال ذَلِك إِذا سمع قَوْله ﷺ (إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا) وَكَانَ النُّزُول يُطلق على مَا يفْتَقر إِلَى جسم عَال وجسم سافل وجسم منتقل من العالي إِلَى السافل والزوال انْتِقَال جسم من علو إِلَى سفل وَيُطلق على معنى آخر لَا يفْتَقر إِلَى انْتِقَال وَلَا حَرَكَة جسم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأنزل لكم من الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزوَاج﴾ مَعَ أَن النعم لم تنزل من السَّمَاء بل هِيَ مخلوقة فِي الْأَرْحَام قطعا فالنزول لَهُ معنى غير حَرَكَة الْجِسْم لَا محَالة وَفهم ذَلِك من قَول الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ دخلت مصر فَلم يفهموا كَلَامي فَنزلت ثمَّ نزلت ثمَّ نزلت وَلم يرد حِينَئِذٍ الِانْتِقَال من علو إِلَى سفل فليتحقق السَّامع أَن النُّزُول لَيْسَ بِالْمَعْنَى الأول فِي حق الله تَعَالَى فَإِن الْجِسْم على الله محَال وَإِن كَانَ لَا يفهم من النُّزُول الِانْتِقَال فَيُقَال لَهُ من عجز عَن فهم نزُول الْبَعِير فَهُوَ عَن فهم نزُول الله أعجز فَاعْلَم أَن لهَذَا معنى يَلِيق بجلاله وَفِي كَلَام عبد الْعَزِيز الْمَاجشون السَّابِق إِلَى هَذَا مرامز وَكَذَلِكَ لَفْظَة فَوق الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن وَالْخَبَر فَليعلم أَن فَوق تَارَة تكون للجسمية وَتارَة للمرتبة كَمَا سبق فَليعلم أَن الجسمية على الله محَال وَبعد ذَلِك إِن لَهُ معنى يَلِيق بجلاله تَعَالَى

стр. 3169

وَأما الْإِيمَان والتصديق بِهِ فَهُوَ أَن يعلم أَن رَسُول الله ﷺ صَادِق فِي وصف الله تَعَالَى بذلك وَمَا قَالَه حق لَا ريب فِيهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ وَالْوَجْه الَّذِي قَالَه وَإِن كَانَ لَا يقف على حَقِيقَته وَلَا يتخبطه الشَّيْطَان فَيَقُول كَيفَ أصدق بِأَمْر جملي لَا أعرف عينه بل يخزي الشَّيْطَان وَيَقُول كَمَا إِذا أَخْبرنِي صَادِق أَن حَيَوَانا فِي دَار فقد أدْركْت وجوده وَإِن لم أعرف عينه فَكَذَلِك هَاهُنَا ثمَّ ليعلم أَن سيد الرُّسُل ﷺ قد قَالَ (لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك) وَقَالَ سيد الصديقين ﵁ الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك وَأما الِاعْتِرَاف بِالْعَجزِ فَوَاجِب على كل من لَا يقف على حَقِيقَة هَذِه الْمعَانِي الْإِقْرَار بِالْعَجزِ فَإِن ادّعى الْمعرفَة فقد كلف وكل عَارِف وَإِن عرف فَمَا خَفِي عَلَيْهِ أَكثر وَأما السُّكُوت فَوَاجِب على الْعَوام لِأَنَّهُ بالسؤال يتَعَرَّض لما لَا يطيقه فَهُوَ إِن سَأَلَ جَاهِلا زَاده جهلا وَإِن سَأَلَ عَالما لم يُمكن الْعَالم إفهامه كَمَا لَا يُمكن الْبَالِغ تَعْلِيم الطِّفْل لَذَّة الْجِمَاع وَكَذَلِكَ تَعْلِيمه مصلحَة الْبَيْت وتدبيره بل يفهمهُ مصْلحَته فِي خُرُوجه إِلَى الْمكتب فالعامي إِذا سَأَلَ عَن مثل هَذَا يزْجر ويردع وَيُقَال لَهُ لَيْسَ هَذَا بعشك فادرجي وَقد أَمر مَالك بِإِخْرَاج من سَأَلَهُ فَقَالَ مَا أَرَاك إِلَّا رجل سوء وعلاه الرحضاء وَكَذَلِكَ فعل عمر ﵁ بِكُل من سَأَلَ عَن الْآيَات المتشابهة وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 3170

(إِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة السُّؤَال) وَورد الْأَمر بالإمساك عَن الْقدر فَكيف عَن الصِّفَات وَأما الْإِمْسَاك عَن التَّصَرُّف فِي هَذِه الْأَخْبَار والآيات فَهُوَ أَن يَقُولهَا كَمَا قَالَهَا الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَلَا يتَصَرَّف فِيهَا بتفسير وَلَا تَأْوِيل وَلَا تصريف وَلَا تَفْرِيق وَلَا جمع فَأَما التَّفْسِير فَلَا يُبدل لفظ لُغَة بِأُخْرَى فَإِنَّهُ قد لَا يكون قَائِما مقَامه فَرُبمَا كَانَت الْكَلِمَة تستعار فِي لُغَة دون لُغَة وَرُبمَا كَانَت مُشْتَركَة فِي لُغَة دون لُغَة وَحِينَئِذٍ يعظم الْخطب بترك الِاسْتِعَارَة وباعتقاد أَن أحد الْمَعْنيين هُوَ المُرَاد بالمشترك وَأما التَّأْوِيل فَهُوَ أَن يصرف الظَّاهِر وَيتَعَلَّق بالمرجوح فَإِن كَانَ عاميا فقد خَاضَ بحرا لَا سَاحل لَهُ وَهُوَ غير سابح وَإِن كَانَ عَالما لم يجز لَهُ ذَلِك إِلَّا بشرائط التَّأْوِيل وَلَا يدْخل مَعَ الْعَاميّ فِيهِ لعجز الْعَاميّ عَن فهمه وَأما كف بَاطِنه فلئلا يتوغل فِي شَيْء يكون كفرا وَلَا يتَمَكَّن من صرفه عَن نَفسه وَلَا يُمكن غَيره ذَلِك وَأما اعْتِقَاده أَن النَّبِي ﷺ يعلم ذَلِك فليعلمه وَلَا يقس نَفسه بِهِ وَلَا بِأَصْحَابِهِ وَلَا بأكابر الْعلمَاء فالقلوب معادن وجواهر ثمَّ الْكَلَام بعد هَذَا فِي فصلين أَحدهمَا فِي تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن الْجِهَة فَنَقُول الأول أَن الْقَوْم إِن بحثوا بالأخبار والْآثَار فقد عرفت مَا فِيهَا وَأَنَّهُمْ مَا ظفروا بصحابي وَلَا تَابِعِيّ يَقُول بمقالتهم على أَن الْحق فِي نفس الْأَمر أَن الرِّجَال تعرف بِالْحَقِّ وَلَا يعرف الْحق بِالرِّجَالِ وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن معَاذ رَضِي الله عَنهُ

стр. 3171

أَنه قَالَ اقْبَلُوا الْحق من كل مَا جَاءَ بِهِ وَإِن كَانَ كَافِرًا أَو قَالَ فَاجِرًا واحذروا زيغة الْحَكِيم قَالُوا كَيفَ نعلم أَن الْكَافِر يَقُول الْحق قَالَ إِن على الْحق نورا وَلَقَد صدق ﵁ وَلَو تطوقت قلادة التَّقْلِيد لم نَأْمَن أَن كَافِرًا يأتينا بِمن هُوَ مُعظم فِي مِلَّته وَيَقُول اعرفوا الْحق بِهَذَا وَإِذا قد علمت أَن الْقَوْم لَا مستروح لَهُم فِي النَّقْل فَاعْلَم أَن الله لم يُخَاطب إِلَّا أولى الْعُقُول والألباب والبصائر وَالْقُرْآن طافح بذلك وَالْعقل هُوَ الْمُعَرّف بِوُجُود الله تَعَالَى ووحدته ومبرهن رِسَالَة أنبيائه إِذْ لَا سَبِيل إِلَى معرفَة إِثْبَات ذَلِك بِالنَّقْلِ وَالشَّرْع قد عدل الْعقل وَقبل شَهَادَته وَاسْتدلَّ بِهِ فِي مَوَاضِع من كِتَابه كالاستدلال بالإنشاء على الْإِعَادَة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَضرب لنا مثلا وَنسي خلقه﴾ وَلَقَد هدم الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة مبَاحث الفلاسفة فِي إِنْكَار الْمعَاد الجسماني وَاسْتدلَّ بِهِ على التَّوْحِيد فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾

стр. 3172

وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل إِنَّمَا أعظكم بِوَاحِدَة أَن تقوموا لله مثنى وفرادى ثمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم﴾ فيا خيبة من رد شَاهدا قبله الله وَأسْقط دَلِيلا نَصبه الله فهم يلغون مثل هَذَا ويرجعون إِلَى أَقْوَال مشايخهم الَّذين لَو سُئِلَ أحدهم عَن دينه لم يكن لَهُ قُوَّة على إثْبَاته وَإِذا ركض عَلَيْهِ فِي ميدان التَّحْقِيق جَاءَ سكيتا وَقَالَ سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي حَدِيث الْكُسُوف مَا يعرف بِهِ حَدِيث هَؤُلَاءِ فِي قُبُورهم وَبعد ذَلِك يَقُول الْعقل الَّذِي هُوَ منَاط التَّكْلِيف وحاسب الله تَعَالَى النَّاس بِهِ وَقبل شَهَادَته ونصبه وَأثبت بِهِ أصُول دينه وَقد شهد بخبث هَذَا الْمَذْهَب وَفَسَاد هَذِه العقيدة وَإِنَّهَا آلت إِلَى وَصفه تَعَالَى بالنقائص تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَقد نبهت مَشَايِخ الطَّرِيق على مَا شهد بِهِ الْعقل ونطق بِهِ الْقُرْآن بأسلوب فهمته الْخَاصَّة وَلم تنفر مِنْهُ الْعَامَّة وَبَيَان ذَلِك بِوُجُوه الْبُرْهَان الأول وَهُوَ المقتبس من ذِي الْحسب الزكي وَالنّسب الْعلي سيد الْعلمَاء ووارث خير الْأَنْبِيَاء جَعْفَر الصَّادِق ﵁ قَالَ لَو كَانَ الله فِي شَيْء لَكَانَ محصورا

стр. 3173

وَتَقْرِير هَذِه الدّلَالَة أَنه لَو كَانَ فِي جِهَة لَكَانَ مشارا إِلَيْهِ بِحَسب الْحس وهم يعلمُونَ ذَلِك ويحوزون الْإِشَارَة الحسية إِلَيْهِ وَإِذا كَانَ فِي جِهَة مشارا إِلَيْهِ لزم تناهيه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ فِي هَذِه الْجِهَة دون غَيرهَا فقد حصل فِيهَا دون غَيرهَا وَلَا معنى لتناهيه إِلَّا ذَلِك وكل متناه مُحدث لِأَن تَخْصِيصه بِهَذَا الْمِقْدَار دون سَائِر الْمَقَادِير لَا بُد لَهُ من مُخَصص فقد ظهر بِهَذَا الْبُرْهَان الَّذِي يُبْدِهِ الْعُقُول أَن القَوْل بالجهة يُوجب كَون الْخَالِق مخلوقا والرب مربوبا وَأَن ذَاته متصرف فِيهَا وَتقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا الْبُرْهَان الثَّانِي الْمُسْتَفَاد من كَلَام الشبلي ﵁ شيخ الطَّرِيق وَعلم التَّحْقِيق فِي قَوْله الرَّحْمَن لم يزل وَالْعرش مُحدث وَالْعرش بالرحمن اسْتَوَى وَتَقْرِيره أَن الْجِهَة الَّتِي يخْتَص الله تَعَالَى بهَا على قَوْلهم تَعَالَى الله عَنْهَا وسموها الْعَرْش إِمَّا أَن تكون مَعْدُومَة أَو مَوْجُودَة وَالْقسم الأول محَال بالِاتِّفَاقِ وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تقبل الْإِشَارَة الحسية وَالْإِشَارَة الحسية إِلَى الْعَدَم محَال فَهِيَ مَوْجُودَة وَإِذا كَانَت مَوْجُودَة فَإِن كَانَت قديمَة مَعَ الله فقد وجد لنا قديم غير الله وَغير صِفَاته فَحِينَئِذٍ لَا يدرى أَيهمَا الأولة وَهَذَا خبث هَذِه العقيدة وَإِن كَانَت حَادِثَة فقد حدث التحيز بِاللَّه تَعَالَى فَيلْزم أَن يكون الله قَابلا لصفات نفسية حَادِثَة تَعَالَى الله عَن ذَلِك

стр. 3174

الْبُرْهَان الثَّالِث الْمُسْتَفَاد من لِسَان الطَّرِيقَة وَعلم الْحَقِيقَة وطبيب الْقُلُوب وَالدَّلِيل على المحبوب أبي الْقَاسِم الْجُنَيْد ﵁ قَالَ مَتى يتَّصل من لَا شَبيه لَهُ وَلَا نَظِير بِمن لَهُ شَبيه وَنَظِير هَيْهَات هَيْهَات هَذَا ظن عَجِيب وَتَقْرِير هَذَا الْبُرْهَان أَنه لَو كَانَ فِي جِهَة فإمَّا أَن يكون أكبر أَو مُسَاوِيا أَو أَصْغَر والحصر ضَرُورِيّ فَإِن كَانَ أكبر كَانَ الْقدر الْمسَاوِي مِنْهُ للجهة مغايرا للقدر الْفَاضِل مِنْهُ فَيكون مركبا من الْأَجْزَاء والأبعاض وَذَلِكَ محَال لِأَن كل مركب فَهُوَ مفتقر إِلَى جزئه وجزؤه غَيره وكل مركب مفتقر إِلَى الْغَيْر وكل مفتقر إِلَى الْغَيْر لَا يكون إِلَهًا وَإِن كَانَ مُسَاوِيا للجهة فِي الْمِقْدَار والجهة منقسمة لِإِمْكَان الْإِشَارَة الحسية إِلَى أبعاضها فالمساوي لَهَا فِي الْمِقْدَار منقسم وَإِن كَانَ أَصْغَر مِنْهَا تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا فَإِن كَانَ مُسَاوِيا لجوهر فَرد فقد رَضوا لأَنْفُسِهِمْ بِأَن إلههم قدر جَوْهَر فَرد وَهَذَا لَا يَقُوله عَاقل وَإِن كَانَ مَذْهَبهم لَا يَقُوله عَاقل لَكِن هَذَا فِي بادئ الرَّأْي يضْحك مِنْهُ جهلة الزنج وَإِن كَانَ أكبر مِنْهُ انقسم فانظروا إِلَى هَذِه النحلة وَمَا قد لَزِمَهَا تَعَالَى الله عَنْهَا الْبُرْهَان الرَّابِع الْمُسْتَفَاد من جَعْفَر بن نصير ﵀ وَهُوَ أَنه سُئِلَ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ فَقَالَ اسْتَوَى بِعِلْمِهِ بِكُل شَيْء فَلَيْسَ شَيْء أقرب إِلَيْهِ من شَيْء

стр. 3175

وَتَقْرِير هَذَا الْبُرْهَان أَن نِسْبَة الْجِهَات إِلَيْهِ على التَّسْوِيَة فَيمْتَنع أَن يكون فِي الْجِهَة وَبَيَان أَن نسبتها إِلَيْهِ على التَّسْوِيَة أَنه قد ثَبت أَن الْجِهَة أَمر وجودي فَهِيَ إِن كَانَت قديمَة مَعَ الله لزم وجوده قديمين متميزين بذاتيهما لِأَنَّهُمَا إِن لم يتميزا بذاتيهما فالجهة هِيَ الله تَعَالَى وَالله هُوَ الْجِهَة تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَإِن لم تكن قديمَة فاختصاصه بهَا إِمَّا أَن يكون لِأَن ذَاته اقْتَضَت ذَلِك فَيلْزم كَون الذَّات فاعلة فِي الصِّفَات النفسية أَو غير ذاتية فنسبة الْجِهَات إِلَى ذَاته على التَّسْوِيَة فمرجح جِهَة على جِهَة أَو غير ذاتية فنسبة الْجِهَات إِلَى ذَاته على التَّسْوِيَة فمرجح جِهَة على جِهَة أَمر خَارج عَن ذَاته فَلَزِمَ افتقاره فِي اخْتِصَاصه بالجهة إِلَى غَيره والاختصاص بالجهة هُوَ عين التحيز والتحيز صفة قَائِمَة بِذَات المتحيز فَلَزِمَ افتقاره فِي صفة ذَاته إِلَى غَيره وَهُوَ على الله تَعَالَى محَال ثمَّ اعْلَم أَن هَذِه الْبَرَاهِين الَّتِي سردناها وتلقيناها من مَشَايِخ الطَّرِيق فَإِنَّمَا استنبطوها من الْكتاب الْعَزِيز وَلَكِن لَيْسَ كل مَا فِي الْكتاب الْعَزِيز يعرفهُ كل أحد فَكل يغترف بِقدر إنائه وَمَا نقصت قَطْرَة من مَائه وَلَقَد كَانَ السّلف يستنبطون مَا يَقع من الحروب وَالْغَلَبَة من الْكتاب الْعَزِيز وَلَقَد استنبط ابْن برجان ﵀ من الْكتاب الْعَزِيز فتح الْقُدس على يَد صَلَاح الدّين فِي سنته واستنبط بعض الْمُتَأَخِّرين من سُورَة الرّوم إِشَارَة إِلَى حُدُوث مَا كَانَ بعد سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة وَلَقَد استنبط كَعْب الْأَحْبَار ﵁ من التَّوْرَاة أَن عبد الله بن قلَابَة يدْخل إرم ذَات الْعِمَاد وَلَا يدخلهَا غَيره وَكَانَ يستنبط مِنْهَا مَا يجْرِي من الصَّحَابَة ﵃ وَمَا يلاقيه أجناد الشَّام وَذَلِكَ مَشْهُور

стр. 3176

وَالله تَعَالَى أنزل فِي كِتَابه مَا يفهم أحد الْخلق مِنْهُ الْكثير وَلَا يفهم الآخر من ذَلِك شَيْئا وَلَقَد تخْتَلف الْمَرَاتِب فِي استنباط الْأَحْكَام من كَلَام الْفُقَهَاء والمعاني من قصائد الشُّعَرَاء فَأَما مَا ورد فِي الْكتاب الْعَزِيز مِمَّا يَنْفِي الْجِهَة فتعرفه الْخَاصَّة وَلَا تشمئز مِنْهُ الْعَامَّة فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَلَو حصرته جِهَة لَكَانَ مثلا للمحصور فِي ذَلِك الْبَعْض وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ هَل تعلم لَهُ مثلا وَيفهم ذَلِك من ﴿القيوم﴾ وَبِنَاء الْمُبَالغَة فِي أَنه قَائِم بِنَفسِهِ وَمَا سواهُ قَائِم بِهِ فَلَو قَامَ بالجهة لقام بِهِ غَيره وَيفهم من قَوْله تَعَالَى ﴿المصور﴾ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي جِهَة لتصور فإمَّا أَن يصور نَفسه أَو يصوره غَيره وَكِلَاهُمَا محَال وَيفهم من قَوْله تَعَالَى ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ وَلَو كَانَ على الْعَرْش حَقِيقَة لَكَانَ مَحْمُولا وَيفهم من قَوْله تَعَالَى ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ وَالْعرش شَيْء يهْلك فَلَو كَانَ لَا فِي جِهَة ثمَّ صَار فِي جِهَة ثمَّ صَار لَا فِي جِهَة لوجد التَّغَيُّر وَهُوَ على الله محَال

стр. 3177

وَالْمُدَّعِي لما علم أَن الْقُرْآن طافح بِهَذِهِ الْأَشْيَاء وَبِهَذَا الإشارات قَالَ هَذِه الْأَشْيَاء دلالتها كالإلغاز أَو مَا علم الْمَغْرُور أَن أسرار العقائد الَّتِي لَا تحملهَا عقول الْعَوام لَا تَأتي إِلَّا كَذَلِك وَأَيْنَ فِي الْقُرْآن مَا يَنْفِي الجسمية إِلَّا على سَبِيل الإلغاز وَهل تفتخر الأذهان إِلَّا فِي استنباط الخفيات كاستنباط الشَّافِعِي ﵁ الْإِجْمَاع من قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وكاستنباط الْقيَاس من قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وكما استنبط الشَّافِعِي خِيَار الْمجْلس من نَهْيه ﷺ عَن البيع على بيع أَخِيه وزبدة الْمَسْأَلَة أَن العقائد لم يُكَلف النَّبِي ﷺ الْجُمْهُور مِنْهَا إِلَّا بِلَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله كَمَا أجَاب مَالك الشَّافِعِي ﵄ ووكل الْبَاقِي إِلَى الله وَمَا سمع مِنْهُ وَلَا عَن أَصْحَابه فِيهَا شَيْء إِلَّا كَلِمَات معدودات فَهَذَا الَّذِي يخفى مثله ويلغز فِي إفادته الْفَصْل الثَّانِي فِي إبِْطَال مَا موه بِهِ الْمُدَّعِي من أَن الْقُرْآن وَالْخَبَر اشتملا على مَا يُوهم ظَاهره مَا يتنزه الله تَعَالَى عَنهُ على قَول الْمُتَكَلِّمين فَنَقُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ﴾ الْآيَة دلّت هَذِه الْآيَة على أَن من الْقُرْآن محكما وَمِنْه متشابها والمتشابه قد أَمر العَبْد برد تَأْوِيله إِلَى الله وَإِلَى الراسخين فِي الْعلم فَنَقُول بعد ذَلِك إِنَّمَا لم تأت النُّبُوَّة بِالنَّصِّ ظَاهرا على المتشابهة

стр. 3178

لِأَن جلّ مَقْصُود النُّبُوَّة هِدَايَة عُمُوم النَّاس فَلَمَّا كَانَ الْأَكْثَر محكما وألجمت الْعَامَّة عَن الْخَوْض فِي الْمُتَشَابه حصل الْمَقْصُود لَوْلَا أَن يقيض الله تَعَالَى لَهُم شَيْطَانا يستهويهم ويهلكهم وَلَو أظهر الْمُتَشَابه لضعفت عقول الْعَالم عَن إِدْرَاكه ثمَّ من فَوَائِد الْمُتَشَابه رفْعَة مَرَاتِب الْعلمَاء بَعضهم على بعض كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ وَتَحْصِيل زِيَادَة الأجور بالسعي فِي تفهمها وتفهيمها وتعلمها وتعليهما وَأَيْضًا لَو كَانَ وَاضحا جليا مفهوما بِذَاتِهِ لما تعلم النَّاس سَائِر الْعُلُوم بل هجرت بِالْكُلِّيَّةِ ووضح الْكتاب بِذَاتِهِ وَلما احْتِيجَ إِلَى علم من الْعُلُوم الْمعينَة على فهم كَلَامه تَعَالَى ثمَّ خُوطِبَ فِي الْمُتَشَابه بِمَا هُوَ عَظِيم بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم وَإِن كَانَ الْأَمر أعظم مِنْهُ كَمَا نبه عَلَيْهِ عبد الْعَزِيز الْمَاجشون فِي القبضة وكما قَالَ تَعَالَى فِي نعيم أهل الْجنَّة ﴿فِي سدر مخضود وطلح منضود وظل مَمْدُود وَمَاء مسكوب﴾ الْآيَة فَهَذَا عَظِيم عِنْدهم وَإِن كَانَ فِي الْجنَّة مَا هُوَ أعظم مِنْهُ كَمَا قَالَ ﷺ حِكَايَة على الله (أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر) نسْأَل الله الْعَظِيم أَن يَجْعَل فِيهَا قرارنا وَأَن ينور بصيرتنا وأبصارنا وَأَن يَجْعَل ذَلِك لوجهه الْكَرِيم بمنه وَكَرمه وَنحن نَنْتَظِر مَا يرد من تمويهه وفساده لنبين مدارج زيغه وعناده ونجاهد فِي الله حق جهاده وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين

стр. 3179

١٣٠٣ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن حيدرة شَيخنَا فِي صَحِيح مُسلم القَاضِي شمس الدّين أَبُو الْمَعَالِي ابْن القماح صَاحب المجاميع المفيدة مولده سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وَسمع من إِبْرَاهِيم بن عمر بن مُضر وَإِسْمَاعِيل بن عبد الْقوي بن عزون والنجيب عبد اللَّطِيف والعز عبد الْعَزِيز ابنى عبد الْمُنعم الْحَرَّانِي وَابْن خطيب المزة وَغَيرهم وَكَانَ ذكي القريحة قوي الحافظة حَافِظًا لكثير من الْفِقْه حسن الْحِفْظ لِلْقُرْآنِ كثير التِّلَاوَة وَحكم بِالْقَاهِرَةِ مُدَّة نِيَابَة توفّي فِي ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ ووالده الشَّيْخ علم الدّين أَحْمد بن إِبْرَاهِيم كَانَ أَيْضا من أهل الْعلم والديانة المتينة وَله النّظم البديع وامتحن مرّة بمحنة ذكر أَنه نظم فِيهَا أبياتا فِي لَيْلَة لم ينفلق فجرها إِلَّا وَقد فرج عَنهُ والأبيات

стр. 3180

(اصبر على حُلْو الْقَضَاء ومره ... وَاعْلَم بِأَن الله بَالغ أمره) (فالصدر من يلقى الخطوب بصدره ... وبصبره وَبِحَمْدِهِ وبشكره) (وَالْحر سيف والذنُوب لصفوه ... صدأ وصيقله نَوَائِب دهره) (لَيْسَ الْحَوَادِث غير أَعمال امْرِئ ... يجزى بهَا من خَيره أَو شَره) (فَإِذا أصبت بِمَا أصبت فَلَا تقل ... أوذيت من زيد الزَّمَان وعمره) (واثبت فكم أَمر أمضك عسره ... لَيْلًا فبشرك الصَّباح بيسره) (وَلكم على نَاس أَتَى فرج الْفَتى ... من سر غيب لَا يمر بفكره) (فاضرع إِلَى الله الْكَرِيم وَلَا تسل ... بشرا فَلَيْسَ سواهُ كاشف ضره) (واعجب لنظمي والهموم شواغل ... يلهين عَن نظم الْكَلَام ونثره) وَمَا أحسن قَول شَاعِر الْعَصْر الشَّيْخ جمال الدّين ابْن نباتة فِي هَذَا الْمَعْنى (لَا تخش من غم كغيم عَارض ... فلسوف يسفر عَن إضاءة بدره) (إِن تمس عَن عَبَّاس حالك رَاوِيا ... فكأنني بك رَاوِيا عَن بشره) (وَلَقَد تمر الحادثات على الْفَتى ... وتزول حَتَّى مَا تمر بفكره) (هون عَلَيْك فَرب أَمر هائل ... دفعت قواه بدافع لم تدره) (ولرب ليل بالهموم كدمل ... صابرته حَتَّى ظَفرت بفجره)

стр. 3181

١٣٠٤ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْمُؤمن الشَّيْخ شمس الدّين بن اللبان تفقه على الْفَقِيه نجم الدّين بن الرّفْعَة وَصَحب فِي التصوف الشَّيْخ ياقوت الْمُقِيم بالإسكندرية وَكَانَ الشَّيْخ ياقوت من أَصْحَاب سَيِّدي الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس المرسي صَاحب سَيِّدي الشَّيْخ أبي الْحسن الشاذلي وبرع ابْن اللبان فقها وأصولا ونحوا وتصوفا وَوعظ النَّاس وَعقد مجْلِس التَّذْكِير بِمصْر وبدرت مِنْهُ أَلْفَاظ يُوهم ظَاهرهَا مَا لَا نشك فِي بَرَاءَته مِنْهُ فاتفقت لَهُ كائنة شَدِيدَة ثمَّ نجاه الله تَعَالَى ودرس بِالآخِرَة بِالْمَدْرَسَةِ الْمُجَاورَة لضريح الشَّافِعِي ﵁ وَاخْتصرَ الرَّوْضَة وَبَوَّبَ الْأُم ورتبها على الْمسَائِل والأبواب ووقفت لَهُ على كتاب متشابه الْقُرْآن والْحَدِيث وَهُوَ مُخْتَصر حسن تكلم فِيهِ على بعض الْآيَات وَالْأَحَادِيث المتشابهات بِكَلَام حسن على طَريقَة الصُّوفِيَّة توفّي بالطاعون سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة

стр. 3182

وَمن الْفَوَائِد وَالْملح عَنهُ والأشعار فَمن شعره مَا أوردهُ فِي كِتَابه الْمُتَشَابه فِي الربانيات (تشاغل عَنَّا بوسواسه ... وَكَانَ قَدِيما لنا يطْلب) (محب تناسى عهود الْهوى ... وَأصْبح فِي غَيرنَا يرغب) (وَنحن نرَاهُ ونملي لَهُ ... ويحسبنا أننا غيب) (وَنحن إِلَى العَبْد من نَفسه ... ووسواس شَيْطَانه أقرب) وَمن مناجاته فِي هَذَا الْكتاب وَهُوَ مِمَّا أَخذ عَلَيْهِ إلهي جلت عظمتك أَن يعصيك عَاص أَو ينساك نَاس وَلَكِن أوحيت روح أوامرك فِي أسرار الكائنات فذكرك النَّاسِي بنسيانه وأطاعك العَاصِي بعصيانه وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بحَمْدك إِن عصى دَاعِي إيمَانه فقد أطَاع دَاعِي سلطانك وَلَكِن قَامَت عَلَيْهِ حجتك وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَمن كَلَامه فِيهِ على حَدِيث (إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة) الحَدِيث فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن خشيَة سوء الخاتمة مَخْصُوص بِأَهْل أَعمال الْجنَّة وَأما أهل الْإِخْلَاص لأعمال التَّوْحِيد فَلَا يخْشَى عَلَيْهِم سوء الخاتمة وَلِهَذَا قَالَ (فَيعْمل بِعَمَل أهل

стр. 3183

الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا) فَافْهَم بذلك أَن المقرب متقربان متقرب إِلَى الْجنَّة بأعمالها ومتقرب إِلَى الله بِذكرِهِ كَمَا ثَبت فِي (أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنا مَعَه حِين يذكرنِي) إِلَى قَوْله (وَإِن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا تقربت مِنْهُ باعا) وَذَلِكَ يفهمك أَن المتقرب إِلَى الله تَعَالَى لَا يُمكن أَن يبْقى بَينه وَبَينه ذِرَاع لِأَن ذَلِك الذِّرَاع إِن كَانَ التَّقَرُّب بِهِ مَطْلُوبا من العَبْد لم يبْق بعده مِقْدَار يتَقرَّب الله تَعَالَى بِهِ إِلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فيستلزم الْخلف فِي خَبره وَهُوَ محَال وَإِن كَانَ مَوْعُودًا بِهِ من الله لزم تنجز وعده وَتحقّق الْقرب للْعَبد فَلَا يبْقى بعد وَلَا دُخُول إِلَى النَّار فَعلم أَن ذَلِك الذِّرَاع مَخْصُوص بِأَهْل الْقرب إِلَى الْجنَّة الَّتِي لَا يلْزم مِمَّن يقرب إِلَيْهَا فافهمه فَإِنَّهُ بديع انْتهى وَمِنْه قَالَ أنكر القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي كتاب الأحوذي ثُبُوت الرُّؤْيَة فِي الْموقف وَقَالَ إِن نعيم الرُّؤْيَة لَا يكون إِلَّا للْمُؤْمِنين فِي الْجنَّة وَأَن مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَة فِي الْموقف فَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الامتحان والاختبار وَالَّذِي نعتقده ثُبُوت الرُّؤْيَة وتعميمها للْمُؤْمِنين فِي الْموقف على مَا صَحَّ فِي الحَدِيث وَذَلِكَ صَرِيح فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ انْتهى وَالله أعلم بِالصَّوَابِ

стр. 3184

١٣٠٥ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان بن إِبْرَاهِيم بن عَدْلَانِ بن مَحْمُود بن لَاحق ابْن دَاوُد الْكِنَانِي الشَّيْخ الإِمَام شمس الدّين سمع من الْعِزّ الْحَرَّانِي والحافظ أبي مُحَمَّد الدمياطي وَأبي الْحسن عَليّ بن نصر الله بن الصَّواف وتفقه على الشَّيْخ وجيه الدّين البهنسي وَقَرَأَ الْأُصُول على الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن مَحْمُود الْأَصْبَهَانِيّ شَارِح الْمَحْصُول والنحو على الشَّيْخ بهاء الدّين بن النّحاس وَأفْتى وناظر ودرس وَأفَاد وناب فِي الحكم عَن شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد وَأرْسل رَسُولا إِلَى الْيمن فِي الدولة الناصرية مُحَمَّد بن قلاوون وَشرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ وَلم يكمله وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة لما توجهنا إِلَى الْقَاهِرَة فِي خدمَة الشَّيْخ الْوَالِد ﵀ عِنْدَمَا تسلطن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر أَحْمد بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون ولي الْأَخ الشَّيْخ بهاء الدّين أَبُو حَامِد سلمه الله قَضَاء الْقُضَاة بالعساكر المنصورة ثمَّ وَقع نزاع كثير وَولي الشَّيْخ شمس الدّين الْمشَار إِلَيْهِ قَضَاء الْعَسْكَر وَكَانَ إِمَامًا عَارِفًا بِالْمذهبِ مشارا إِلَيْهِ بالتقدم بَين أهل الْعلم يضْرب الْمثل باسمه

стр. 3185

مولده سنة نَيف وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَتُوفِّي فِي الطَّاعُون سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَمن الْفَوَائِد عَنهُ مناظرة بَينه وَبَين الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ فِي حد الْوَرع لَا يحضرني مِنْهَا إِلَّا أَنه ادّعى أَن الْوَرع ترك الشُّبْهَة وَأَن الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد قَالَ الْوَرع مَرَاتِب أدناها اجْتِنَاب الْكَبَائِر ونقلت من خطّ الْوَالِد جَوَابا عَن مُكَاتبَة أرْسلت إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنى مَا نَصه وَأما كَلَام ابْن عَدْلَانِ فِي الْوَرع فتعجبت مِنْهُ والورع دَرَجَات أدناها كل مُسلم مجتنب للكبائر متصف بِهِ هَذَا فِي الْمصدر وَأما اسْم الْفَاعِل فَهُوَ تَابع للمصدر لَكِن قد يخص فِي الْعرف بِبَعْض الْمَرَاتِب والشروط هَل تحمل على الْمُسَمّى كَمَا ذكره الْفُقَهَاء فِي السّلم أَو على رُتْبَة خَاصَّة إِن دلّ الْعرف عَلَيْهَا فِيهِ بحث أما عِنْد اضْطِرَاب الْعرف فَلَا شكّ فِي الْحمل على الْمُسَمّى وَهَذِه الْكَلِمَات يُمكن أَن تبسط فِي تصنيف ولسنا من أهل الْوَرع إِنَّمَا أَهله سعيد بن الْمسيب وسُفْيَان وَمن الْمُتَأَخِّرين النَّوَوِيّ انْتهى مَا نقلته من خطّ الشَّيْخ الإِمَام وَكَانَت الْوَاقِعَة فِي وقف اشْترط واقفه فِي مُبَاشرَة الْوَرع فَأفْتى الشَّيْخ الإِمَام بالاكتفاء فِيهِ بِالْعَدَالَةِ لاضطراب الْعرف فِي حد الْوَرع

стр. 3186

قَالَ وَالْعَدَالَة أدنى مراتبه فَيحمل عَلَيْهَا وَهَذِه مسئلة حَسَنَة تقع كثيرا وَخَالفهُ فِيهَا ابْن عَدْلَانِ أفتى ابْن عَدْلَانِ فِي وَاقِف مدرسة على الْفُقَهَاء والمتفقهة ومدرس ومعيدين وَجَمَاعَة عينهم قَالَ وَمن شُرُوط الْمَذْكُور أَن لَا يشتغلوا بمدرسة أُخْرَى غير هَذِه الْمدرسَة وَلَا يكون لوَاحِد مِنْهُم تعلق بمدرسة أُخْرَى وَلَا مُبَاشرَة بِتِجَارَة وَلَا بزازة يعرف بهَا غير تِجَارَة الْكتب وَلَا ولَايَة بِأَنَّهُ يجوز للمقرر فِي هَذِه الْمدرسَة الْجمع بَينهَا وَبَين إِمَامَة مَسْجِد قريب مِنْهَا وَوَافَقَهُ شيخ الْحَنَفِيَّة فِي زَمَاننَا قَاضِي قُضَاة الْحَنَفِيَّة بالديار المصرية عَلَاء الدّين عَليّ بن عُثْمَان المارديني بن التركماني قلت وَفِيه نظر لنَصّ الشَّافِعِي على أَن الْإِمَامَة ولَايَة حَيْثُ يَقُول وَلَا أكره الْإِمَامَة إِلَّا من جِهَة أَنَّهَا ولَايَة وَأَنا أكره سَائِر الولايات

стр. 3187

رَأَيْت فِي كَلَام ابْن عَدْلَانِ أَن شَرَائِط الْمَبِيع ثَمَانِيَة فَذكر كَونه طَاهِرا مُنْتَفعا بِهِ مَقْدُورًا على تَسْلِيمه مَمْلُوكا للعاقد أَو لمن يَقع لَهُ العقد مَعْلُوما وَزَاد سالما من الرِّبَا خَالِصا من مُقَارنَة مَا لَا يجوز العقد عَلَيْهِ وَأَن لَا يكون معرضًا للعاهة قَالَ وَقَوْلنَا سالما من الرِّبَا احْتِرَاز عَمَّا لَو اشْتَمَل على الرِّبَا وَقَوْلنَا خَالِصا إِلَى آخِره احْتِرَاز عَمَّا لَو جمع بَين مَعْلُوم ومجهول فَإِنَّهُ لَا يَصح فِي الْأَصَح وَقَوْلنَا وَأَن لَا يكون معرضًا للعاهة احْتِرَاز عَمَّا لَو بَاعَ الثَّمر قبل بَدو الصّلاح أَو الزَّرْع الْأَخْضَر وَلم يشْتَرط الْقطع فَإِنَّهُ لَا يَصح ١٣٠٦ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان بن قايماز شَيخنَا وأستاذنا الإِمَام الْحَافِظ شمس الدّين أَبُو عبد الله التركماني الذَّهَبِيّ مُحدث الْعَصْر اشْتَمَل عصرنا على أَرْبَعَة من الْحفاظ بَينهم عُمُوم وخصوص الْمزي والبرزالي والذهبي وَالشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد لَا خَامِس لهَؤُلَاء فِي عصرهم فَأَما الْمزي والبرزالي وَالْوَالِد فسنترجمهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 3188

وَأما أستاذنا أَبُو عبد الله فَبَصر لَا نَظِير لَهُ وكنز هُوَ الملجأ إِذا نزلت المعضلة إِمَامًا لوُجُود حفظا وَذهب الْعَصْر معنى ولفظا وَشَيخ الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَرجل الرِّجَال فِي كل سَبِيل كَأَنَّمَا جمعت الْأمة فِي صَعِيد وَاحِد فنظرها ثمَّ أَخذ يخبر عَنْهَا إِخْبَار من حضرها وَكَانَ محط رحال تغيبت ومنتهى رغبات من تغيبت تعْمل الْمطِي إِلَى جواره وتضرب البزل المهاري أكبادها فَلَا تَبْرَح أَو تنبل نَحْو دَاره وَهُوَ الَّذِي خرجنَا فِي هَذِه الصِّنَاعَة وأدخلنا فِي عداد الْجَمَاعَة جزاه الله عَنَّا أفضل الْجَزَاء وَجعل حَظه من غرفات الْجنان موفر الْأَجْزَاء وسعده بَدْرًا طالعا فِي سَمَاء الْعُلُوم يذعن لَهُ الْكَبِير وَالصَّغِير من الْكتب والعالي والنازل من الْأَجْزَاء مولده فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة وَأَجَازَ لَهُ أَبُو زَكَرِيَّا بن الصَّيْرَفِي وَابْن أبي الْخَيْر والقطب ابْن أبي عصرون وَالقَاسِم بن الإربلي

стр. 3189

وَطلب الحَدِيث وَله ثَمَانِي عشرَة سنة فَسمع بِدِمَشْق من عمر بن القواس وَأحمد بن هبة الله بن عَسَاكِر ويوسف بن أَحْمد الغسولي وَغَيرهم وببعلبك من عبد الْخَالِق بن علوان وَزَيْنَب بنت عمر بن كندي وَغَيرهمَا وبمصر من الأبرقوهي وَعِيسَى بن عبد الْمُنعم بن شهَاب وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق العبيد والحافظين أبي مُحَمَّد الدمياطي وَأبي الْعَبَّاس بن الظَّاهِرِيّ وَغَيرهم وَلما دخل إِلَى شيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق الْعِيد وَكَانَ الْمَذْكُور شَدِيد التَّحَرِّي فِي الإسماع قَالَ لَهُ من أَيْن جِئْت قَالَ من الشَّام قَالَ بِمَ تعرف قَالَ بالذهبي قَالَ من أَبُو طَاهِر الذَّهَبِيّ فَقَالَ لَهُ المخلص فَقَالَ أَحْسَنت فَقَالَ من أَبُو مُحَمَّد الْهِلَالِي قَالَ سُفْيَان بن عينة قَالَ أَحْسَنت اقْرَأ ومكنه من الْقِرَاءَة عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إِذْ رَآهُ عَارِفًا بالأسماء وَسمع بالإسكندرية من أبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد الغرافي وَأبي الْحسن يحيى بن أَحْمد بن الصَّواف وَغَيرهمَا وبمكة من التوزري وَغَيره وبحلب من سنقر الزيني وَغَيره وبنابلس من الْعِمَاد بن بدران وَفِي شُيُوخه كَثْرَة فَلَا نطيل بتعدادهم

стр. 3190

وَسمع مِنْهُ الْجمع الْكثير وَمَا زَالَ يخْدم هَذَا الْفَنّ إِلَى أَن رسخت فِيهِ قدمه وتعب اللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا تَعب لِسَانه وقلمه وَضربت باسمه الْأَمْثَال وَسَار اسْمه مسير الشَّمْس إِلَّا أَنه لَا يَتَقَلَّص إِذا نزل الْمَطَر وَلَا يدبر إِذا أقبل الليال وَأقَام بِدِمَشْق يرحل إِلَيْهِ من سَائِر الْبِلَاد وتناديه السؤالات من كل نَاد وَهُوَ بَين أكنافها كنف لأهليها وَشرف تفتخر وتزهى بِهِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا طورا ترَاهَا ضاحكة عَن تَبَسم أزهارها وقهقهة عذرانها وَتارَة تلبس ثوب الْوَقار والفخار بِمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من إمامها الْمَعْدُود فِي سكانها وَكَانَ شَيخنَا وَالْحق أَحَق مَا قيل والصدق أولى مَا آثره ذُو السَّبِيل شَدِيد الْميل إِلَى آراء الْحَنَابِلَة كثير الإزراء بِأَهْل السّنة الَّذين إِذا حظروا كَانَ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فيهم مقدم الْقَافِلَة فَلذَلِك لَا ينصفهم فِي التراجم وَلَا يصفهم بِخَير إِلَّا وَقد رغم مِنْهُ أنف الراغم
следующие страницы →