Полный текст (3 926 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
أَخْبَرَنَا أَبِي تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هِزارمَرْدَ الصِّرِيفِينِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بن أخي ميمي وَأَبُو حَفْص وَعمر ابْن إِبْرَاهِيمَ الْكَتَّانِيُّ قَالا حَدثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد الْبَغَوِيّ حَدثنَا أَبُو خَيْثَمَة زُهَيْر ابْن حَرْبٍ حَدثنَا وَكِيعٌ
ح وَأَخْبَرَنَا أَبِي ﵀ سَمَاعًا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الدِّمْيَاطِيُّ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَجَّاجِ الدِّمَشْقِيُّ أَخْبَرَنَا خَلِيلُ بْنُ أَبِي الرَّجَا أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَدَّادُ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الصُّوفِيُّ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلادٍ الْعَطَّارُ النَّصِيبِيُّ بِبَغْدَادَ حَدثنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُنَاسَةَ
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْغَرَّافِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْقَطِيعِيُّ أَخْبَرَنَا جَمَالُ الإِسْلامِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ الْخلّ أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَطِرِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَيِّعُ حَدثنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ حَدثنَا إِسْحَاقُ بْنُ بُهْلُولٍ
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْجَزَرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي حُضُورًا وَالْمُحِبُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ سَمَاعًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي أَخْبَرَنَا السِّلَفِيُّ وَشُهْدَةُ إِجَازَةً قَالَ السِّلَفِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الفانيدي وَأَبُو مُسْلِمٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ السِّمْنَانِيُّ وَأَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ السَّمَّانُ
стр. 317
وَقَالَت شُهْدَةُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَيُّوبَ وَقَالَ الْمُحِبُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ السَّيِّدِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ ابْن يُوسُفَ حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأَسَدِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدَةَ حَدثنَا عَليّ ابْن حَرْبٍ الطَّائِيُّ حَدثنَا سُفْيَانُ يَعْنِي ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالُوا حَدثنَا هِشَام ابْن عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْزِعُهُ مِنَ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِلْمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أويس عَن مَالك عَن هِشَام ابْن عُرْوَةَ بِهِ
وَفِي الاعْتِصَامِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ تَلِيدٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحٍ وَغَيْرِهِ جَمِيعًا عَن أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَتِيمِ عُرْوَةَ نَحْوَهُ
وَمُسْلِمٌ فِي الْقَدَرِ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ جَرِيرٍ وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد ابْن زَيْدٍ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ وَكيِعٍ وَعَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ وَأَبِي أُسَامَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ وَعَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَدِينِيِّ وَعَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ شُعْبَةَ الثَّلاثَةَ عَشَرَ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهِ
стр. 318
فصل
وَاعْلَم أَن أَصْحَابنَا فرق تفَرقُوا بتفرق الْبِلَاد
فَمنهمْ أَصْحَابنَا بالعراق كبغداد وَمَا والاها
وَأُولَئِكَ بعيد أَن تعزب عَنَّا تراجمهم فَإِنَّهُم إِمَّا من بَغْدَاد نَفسهَا أَو من الْبِلَاد الَّتِي حواليها وَالْغَالِب عَلَى من يقرب مِنْهَا أَنه يدخلهَا وَكَيف لَا وَهِي محلّة الْعلمَاء إِذْ ذَاك ودارالدنيا وحاضرة الرّبع العامر ومركز الْخلَافَة
وبغداد لَهَا كتاب التَّارِيخ للْإِمَام أَبِي بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت الْخَطِيب ﵀ وَهُوَ من أجل الْكتب وأعودها فَائِدَة
وَقد ذيل عَلَيْهِ الإِمَام أَبُو سعد تَاج الْإِسْلَام ابْن السَّمْعَانِيّ فَأحْسن مَا شَاءَ
وذيل عَلى ابْن السَّمْعَانِيّ الْحَافِظ أَبُو عَبْد اللَّه بْن الدبيثي
ثمَّ جَاءَ الْحَافِظ مُحَمَّد بْن مَحْمُود بْن النجار فذيل عَلَى الْخَطِيب نَفسه فَجمع فأوعى عَلَى أَنه أخل بِذكر جمَاعَة كثيرين ذكرهم ابْن السَّمْعَانِيّ وَمَا أَدْرِي لم فعل ذَلِك
وكل هَذِهِ التصانيف وقفت عَلَيْهَا وعَلى غَيرهَا مِمَّا يتَعَلَّق بالبغداديين فحصلنا عَلَى تراجمهم
وَمِنْهُم النيسابوريون
وَقد كَانَت نَيْسَابُورَ من أجل الْبِلَاد وَأَعْظَمهَا لم يكن بعد بَغْدَاد مثلهَا
وَقد عمل لَهَا الْحَافِظ أَبُو عَبْد اللَّه الْحَاكِم تَارِيخا تخضع لَهُ جهابذة الْحفاظ وَهُوَ عِنْدِي سيد التواريخ وتاريخ الْخَطِيب وَإِن كَانَ أَيْضًا من محَاسِن الْكتب الإسلامية إِلَّا أَن صَاحبه طَال عَلَيْهِ الْأَمر وَذَلِكَ لِأَن بَغْدَاد وَإِن كَانَت فِي الْوُجُود بعد نَيْسَابُورَ إِلَّا أَن علماءها أقدم لِأَنَّهَا كَانَت دَار علم وَبَيت رياسة قبل أَن ترْتَفع أَعْلَام نَيْسَابُورَ ثمَّ إِن الْحَاكِم قبل
стр. 319
الْخَطِيب بدهر والخطيب جَاءَ بعده فَلم يَأْتِ إِلَّا وَقد دخل بَغْدَاد من لَا يُحْصى عددا فَاحْتَاجَ إِلَى نوع من الِاخْتِصَار فِي تراجمهم وَأما الْحَاكِم فَأكْثر من يذكرهُ من شُيُوخه أَو شُيُوخ شُيُوخه أَو مِمَّن تقَارب من دهره دهره لتقدم الْحَاكِم وَتَأَخر عُلَمَاء نَيْسَابُورَ فَلَمَّا قل الْعدَد عِنْده كثر الْمقَال وَأطَال فِي التراجم واستوفاها وللخطيب وَاضح الْعذر الَّذِي أبديناه
وَقد ذيل الإِمَام البليغ عَبْد الغافر بْن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي عَلَى تَارِيخ الْحَاكِم وَلم أَقف عَلَى هَذَا الذيل إِلَى الْآن وَمَا أنقله عَنهُ فَهُوَ من كتاب التَّبْيِين لِلْحَافِظِ ابْن عَسَاكِر إِذْ الْحَافِظ ينْقل عِبَارَته أبدا بنصها أَو من منتخب الذيل لإِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الصريفيني فَإِنِّي وقفت عَلَى هَذَا الْمُنْتَخب بِخَط الْمَذْكُور
وَمِنْهُم الخراسانيون
والخراسانيون أَعم من النيسابوريين إِذْ كل نيسابوري خراساني وَلَا ينعكس وَلَيْسَ الخراسانيون مَعَ نَيْسَابُورَ كالعراقيين مَعَ بَغْدَاد فثم جمع يفوقون عدد الْحَصَا من خُرَاسَان لم يدخلُوا نَيْسَابُورَ بِخِلَاف الْعِرَاقِيّين لاتساع بِلَاد خُرَاسَان وَكَثْرَة المدن العامرة فِيهَا وَالْعُلَمَاء بنواحيها إِذْ من جُمْلَتهَا مرو وَهِي الْمَدِينَة الْكُبْرَى وَالدَّار الْعُظْمَى ومربع الْعلمَاء ومرتع الْمُلُوك والوزراء قد كَانَت دَار الْملك لجَماعَة من سلاطين السلجوقية ذَوي الأيد وَالْعَظَمَة دهرا طَويلا
وخراسان عمدتها مَدَائِن أَرْبَعَة كَأَنَّمَا هِيَ قَوَائِمهَا المبنية عَلَيْهَا وَهِي مرو ونَيْسَابُورَ وبلخ وهراة هَذِهِ مدنها الْعِظَام وَلَا ملام عَلَيْك لَو قلت بل هِيَ مدن الْإِسْلَام إِذْ هِيَ كَانَت ديار الْعلم عَلَى اخْتِلَاف فنونه وَالْملك والوزارة عَلَى عظمتها إِذْ ذَاك ومرو
стр. 320
وَاسِطَة العقد وخلاصة النَّقْد وَكَفاك قَول أَصْحَابنَا تَارَة قَالَ الخراسانيون وَتارَة قَالَ المراوزة وهما عبارتان عِنْدهم عَن معبر وَاحِد والخراسانيون نصف الْمَذْهَب فَكَأَن مرو فِي الْحَقِيقَة نصف الْمَذْهَب وَإِنَّمَا عبروا بالمراوزة عَن الخراسانيين جَمِيعًا لِأَن أَكْثَرهم من مرو وَمَا والاها وَكَفاك بِأبي زيد الْمروزِي وتلميذه الْقفال الصَّغِير وَمن نبغ من شعابهما وَخرج من بابهما
وَمِنْهُم أهل الشَّام ومصر
وَهَذَانِ الإقليمان وَمَا مَعَهُمَا من عيذاب وَهِي مُنْتَهى الصَّعِيد إِلَى الْعرَاق مَرْكَز ملك الشَّافِعِيَّة مُنْذُ ظهر مَذْهَب الشَّافِعِي الْيَد الْعَالِيَة لأَصْحَابه فِي هَذِهِ الْبِلَاد لَا يكون الْقَضَاء والخطابة فِي غَيرهم ومنذ انْتَشَر مذْهبه لم يول أحد قَضَاء الديار المصرية إِلَّا عَلَى مذْهبه إِلَّا مَا كَانَ من القَاضِي بكار وَلم يول فِي الشَّام قَاض إِلَّا عَلَى مذْهبه إِلَّا البلاساغوني وَجرى لَهُ مَا جرى فَإِنَّهُ ولي دمشق وأساء السِّيرَة ثمَّ أَرَادَ أَن يعْمل فِي جَامع بني أُميَّة إِمَامًا حنفيا وجامع بني أُميَّة مُنْذُ ظُهُور مَذْهَب الشَّافِعِي لم يؤم فِيهِ إِلَّا شَافِعِيّ وَلَا صعد منبره غير شَافِعِيّ فَأَرَادَ هَذَا القَاضِي إِحْدَاث إِمَام حَنَفِيّ قَالَ ابْن عَسَاكِر فأغلق أهل دمشق الْجَامِع وَلم يمكنوه ثمَّ عزل القَاضِي واستمرت دمشق عَلَى عَادَتهَا لَا يَليهَا إِلَّا شَافِعِيّ إِلَى زمن الظَّاهِر بيبرس التركي ضم إِلَى الشَّافِعِي الْقُضَاة من الْمذَاهب الثَّلَاثَة
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ وَقبل ظُهُور مَذْهَب الشَّافِعِي فِي دمشق لم يكن يَلِي الْقَضَاء بهَا والخطابة والإمامة إِلَّا أوزاعي عَلَى رَأْي الإِمَام الْأَوْزَاعِيّ
стр. 321
قلت وَقبل ظُهُور مَذْهَب الشَّافِعِي بالديار المصرية لم يكن يَلِي الْقَضَاء والخطابة إِلَّا من هُوَ عَلَى مَذْهَب مَالك ﵁ فَلم يكن للحنفية مدْخل فِي هَذِهِ الْبِلَاد فِي وَقت من الْأَوْقَات إِلَّا القَاضِي بكار فَإِنَّهُ ولي الديار المصرية مُدَّة
وَأما بِلَاد الْحجاز فَلم تَبْرَح أَيْضًا مُنْذُ ظُهُور مَذْهَب الشَّافِعِي وَإِلَى يَوْمنَا هَذَا فِي أَيدي الشَّافِعِيَّة الْقَضَاء والخطابة والإمامة بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَالنَّاس من خَمْسمِائَة وَثَلَاث وَسِتِّينَ سنة يخطبون فِي مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ وَيصلونَ عَلَى مَذْهَب ابْن عَمه مُحَمَّد بْن إِدْرِيس يقنتون فِي الْفجْر ويجهرون بِالتَّسْمِيَةِ ويفردون الْإِقَامَة إِلَى غير ذَلِك وَهُوَ ﷺ حَاضر يبصر وَيسمع وَفِي ذَلِك أوضح دَلِيل عَلَى أَن هَذَا الْمَذْهَب صَوَاب عِنْد اللَّه تَعَالَى
وَمِنْهُم أهل الْيمن
وَالْغَالِب عَلَيْهِم الشَّافِعِيَّة لَا يُوجد غير شَافِعِيّ إِلَّا أَن يكون بعض زيدية وَفِي قَوْله ﷺ الْإِيمَان يمَان وَالْحكمَة يَمَانِية مَعَ اقْتِصَار أهل الْيمن عَلَى مَذْهَب الشَّافِعِي دَلِيل وَاضح عَلَى أَن الْحق فِي هَذَا الْمَذْهَب المطلبي فَمَا ظَنك بقوله ﷺ إِذا اجْتمعت جماعات فِي بَعْضهَا قُرَيْش فَالْحق مَعَ قُرَيْش وَهِي مَعَ الْحق أخرجه القراب فِي مَنَاقِب الشَّافِعِي
وَالشَّافِعِيَّة جمَاعَة فِي بَعْضهَا قُرَيْش وَهُوَ إمَامهمْ المطلبي الْمشَار إِلَيْهِ بقوله ﷺ قدمُوا قُريْشًا وَلَا تقدموها وَقَوله ﷺ الْأَئِمَّة من قُرَيْش وَقَوله ﷺ علام قُرَيْش يمْلَأ الأَرْض علما وَدَلَائِل أخر يطول ذكرهَا ولسنا الْآن لَهَا
стр. 322
وَمِنْهُم أهل فَارس
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور وَلم يبرحوا شافعية أَو ظاهرية عَلَى مَذْهَب دَاوُد وَالْغَالِب عَلَيْهِم الشَّافِعِيَّة وَهِي مَدَائِن كَثِيرَة قاعدتها شيراز
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور وَنَحْو مائَة مِنْبَر يَعْنِي مائَة مَدِينَة فِي بِلَاد أذربيجان وَمَا وَرَاءَهَا يخْتَص بالشافعية لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يذكر فِيهَا غير مَذْهَب الشَّافِعِي
وَمِنْهُم خلائق من بِلَاد أخر من بِلَاد الشرق عَلَى اخْتِلَاف أقاليمه واتساع مدنه كسمرقند وبخارى وشيراز وجرجان والري وأصبهان وطوس وساوة وهمذان ودامغان وزنجان وبسطام وتبريز وبيهق وميهنة وأستراباذ وَغير ذَلِك من المدن الدَّاخِلَة فِي أقاليم مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وأذربيجان ومازندران وخوارزم وغزنة وصحاب والغور وكرمان إِلَى بِلَاد الْهِنْد وَجَمِيع مَا وَرَاء النَّهر إِلَى أَطْرَاف الصين وعراق الْعَجم وعراق الْعَرَب وَغير ذَلِك
وكل هَذِهِ كَانَت تحتوي عَلَى مَدَائِن تقر الْعين وتسر الْقلب إِلَى حِين قدر اللَّه تَعَالَى وَله الْحَمد عَلَى مَا قَضَاهُ خُرُوج جنكزخان فَأهْلك الْعباد والبلاد وَوضع السَّيْف واستباح الدِّمَاء والفروج وَخرب العامر
ثمَّ تلاه بنوه وذووه وأكدوا فعله الْقَبِيح وأطدوه وَزَادُوا عَلَيْهِ إِلَى أَن وصل الْحَال إِلَى مَا لَا يقوم بشرحه الْمقَال واستبيح حمى الْخلَافَة وَأخذت بَغْدَاد عَلَى يَد هولاكو بْن تولى بْن جنكزخان وَقتل أَمِير الْمُؤمنِينَ وَبعده سَائِر الْمُسلمين وَرفع الصَّلِيب تَارَة عَلَى جدران بني الْعَبَّاس وَسمع الناقوس آونة من بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه وانتهكت الْمَحَارِم وَخَربَتْ الْجَوَامِع وعطلت الْمَسَاجِد وَخَربَتْ تِلْكَ الديار ومحيت تِلْكَ الرسوم والْآثَار
(ثمَّ انْقَضتْ تِلْكَ الْبِلَاد وَأَهْلهَا ... فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم أَحْلَام)
стр. 323
وَحَيْثُ استطرد الْقَلَم ذكر التتار وفعلهم الْقَبِيح فَلَا بَأْس يشْرَح حَالهم عَلَى الِاخْتِصَار ولنقتصر عَلَى الواقعتين العظيمتين وَاقعَة جنكزخان وحفيده هولاكو فَنَقُول
لما كَانَت سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة كَانَ فِيهَا ظُهُور جنكزخان وَجُنُوده وعبورهم نهر جيحون وَهِي الْوَاقِعَة الَّتِي مَا سطر مثلهَا المؤرخون والمصيبة الَّتِي مَا عاينها الْأَولونَ والداهية الَّتِي مَا خطرت ببال والكاينة الَّتِي تكَاد ترجف عِنْدهَا الْجبَال أجمع النَّاس عَلَى أَن الْعَالم مذ خلق اللَّه تَعَالَى آدم إِلَى زمانها لم يبتلوا بِمِثْلِهَا وَأَن مَا فعله بخت نصر ببني إِسْرَائِيل من الْقَتْل وتخريب بَيت المنقدس يقصر عَن فعلهَا
قَالَ الْحَافِظ عز الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن الثير وَمَا الْبَيْت الْمُقَدّس بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا خرب هَؤُلَاءِ الملاعين من الْبِلَاد الَّتِي كل مَدِينَة مِنْهَا أَضْعَاف الْبَيْت الْمُقَدّس وَمَا بَنو إِسْرَائِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قتلوا فَإِن أهل مَدِينَة وَاحِدَة مِمَّن قتلوا أَضْعَاف بني إِسْرَائِيل وَلَعَلَّ الْخلق لَا يرَوْنَ مثل هَذِهِ الْحَادِثَة إِلَى أَن ينقرض الْعَالم وتنفى الدُّنْيَا إِلَّا يأجودج وَمَأْجُوج وَأما الدَّجَّال فَإِنَّهُ يبْقى عَلَى من ابتعه وَيهْلك من خَالفه وَهَؤُلَاء لم يبقوا عَلَى أحد بل قتلوا النِّسَاء وَالرِّجَال والأطفال وشقوا بطُون الْحَوَامِل وَقتلُوا الأجنة فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
قلت وَحَيْثُ كُنَّا فِي أول فِي هَذَا الْكتاب ذكرنَا أَنه كتاب تَارِيخ وأدب وَفقه وَحَدِيث لَاق بِنَا أَن نشرح هَذَا الْأَمر الْعَظِيم عَلَى وَجه الِاخْتِصَار ونحكى هَذَا الْخطب الجسيم الَّذِي أظلم البصائر وأعمى الْأَبْصَار فَنَقُول
كَانَ القان الْأَعْظَم جنكزخان طاغية التتار وملكهم الأول الَّذِي خرب الْبِلَاد وأباد الْعباد يُسمى تموجين وَكَانُوا ببادية الصين وهم من أَصْبِر النَّاس عَلَى الْقِتَال وأشجعهم فملكوا جنكزخان عَلَيْهِم وأطاعوه طَاعَة الْعباد المخلصين لرب الْعَالمين
وَكَانَ مبدأ ملكه فِي سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بعد وقائع اتّفقت لَهُ هُنَالك تقضى الْمَرْء عِنْد سماعهَا الْعجب العجاب لَا نرى التَّطْوِيل بشرحها
وَلَا زَالَ أمره يعظم وَيكبر وَكَانَ من أَعقل النَّاس وَأخْبرهمْ بالحروب وَوضع لَهُ شرعا اخترعه ودينا ابتدعه لَعنه الله الياسا لَا يحكمون إِلَّا بِهِ وَكَانَ كَافِرًا يعبد الشَّمْس
وَكَانَ السُّلْطَان الْأَعْظَم للْمُسلمين هُوَ السُّلْطَان عَلَاء الدّين خوارز مَشاهُ مُحَمَّد بْن تكش وَكَانَ ملكا عَظِيما اتسعت ممالكه وعظمت هيبته وأذعنت لَهُ الْعباد وَدخلت تَحت هكمه وخلت تِلْكَ الديار من ملك سواهُ لِأَنَّهُ قهر النَّاس كلهم وَصَارَ النَّاس كلهم تَحت حكمه رجلا فَاضلا كَرِيمًا حَلِيمًا خيرا وَكَانَ لَهُ عشرَة آلَاف مَمْلُوك كل مِنْهُم يصلح للْملك وَكَانَت عساكره عدد الْحَصَا لَا يعرف أَولهَا من آخرهَا فتجبر وطغى وَأرْسل إِلَى خَليفَة الْوَقْت وَهُوَ النَّاصِر لدين اللَّه الَّذِي لَا يصطلي لمكره بِنَار وَلَا يُعَامل فِي أَحْوَاله بخداع يَقُول لَهُ كن معي كَمَا كَانَت الْخُلَفَاء قبلك مَعَ سلاطين السلجوقية كألب رسْلَان وملكشاه وأقربهم بِنَا عهدا السُّلْطَان سنجر فَيكون أَمر بَغْدَاد وَالْعراق لي وَلَا يكون لَك إِلَّا الْخطْبَة فَيُقَال وَالله أعلم إِن الْخَلِيفَة جهز رسله إِلَى جنكزخان يحركه عَلَيْهِ
وَأما جنكزخان فَإِنَّهُ لما علم عَظمَة خوارزمشاه شرع فِي عقد التوادد بَينه وَبَينه علما من جنكزخان بِأَنَّهُ لَا يقدر عَلَى معاداة خوارزمشاه وَأرْسل إِلَيْهِ الْهَدَايَا المفتخرة والتقادم السّنيَّة كل ذَلِك وخوارزمشاه لَا يرضى باصطناعه وَيدل بِعظم ملكه ليقضي اللَّه أمرا كَانَ مَفْعُولا
وَجَرت فِي أثْنَاء ذَلِك فُصُول يطول شرحها آخرهَا أَن خوارزمشاه منع التُّجَّار أَن تسير من بِلَاده إِلَى بِلَاد جنكرخان فَانْقَطَعت أَخْبَار بِلَاده عَن جنكزخان زَمنا
стр. 324
كَانَ القان الْأَعْظَم جنكزخان طاغية التتار وملكهم الأول الَّذِي خرب الْبِلَاد وأباد الْعباد يُسمى تموجين وَكَانُوا ببادية الصين وهم من أَصْبِر النَّاس عَلَى الْقِتَال وأشجعهم فملكوا جنكزخان عَلَيْهِم وأطاعوه طَاعَة الْعباد المخلصين لرب الْعَالمين
وَكَانَ مبدأ ملكه فِي سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بعد وقائع اتّفقت لَهُ هُنَالك تقضى الْمَرْء عِنْد سماعهَا الْعجب العجاب لَا نرى التَّطْوِيل بشرحها
وَلَا زَالَ أمره يعظم وَيكبر وَكَانَ من أَعقل النَّاس وَأخْبرهمْ بالحروب وَوضع لَهُ شرعا اخترعه ودينا ابتدعه لَعنه اللَّه سَمَّاهُ الياسا لَا يحكمون إِلَّا بِهِ وَكَانَ كَافِرًا يعبد الشَّمْس
وَكَانَ السُّلْطَان الْأَعْظَم للْمُسلمين هُوَ السُّلْطَان عَلَاء الدّين خوارز مَشاهُ مُحَمَّد بْن تكش وَكَانَ ملكا عَظِيما اتسعت ممالكه وعظمت هيبته وأذعنت لَهُ الْعباد وَدخلت تَحت حكمه وخلت تِلْكَ الديار من ملك سواهُ لِأَنَّهُ قهر النَّاس كلهم وَصَارَ النَّاس كلهم تَحت حكمه وَكَانَ رجلا فَاضلا كَرِيمًا حَلِيمًا خيرا وَكَانَ لَهُ عشرَة آلَاف مَمْلُوك كل مِنْهُم يصلح للْملك وَكَانَت عساكره عدد الْحَصَا لَا يعرف أَولهَا من آخرهَا فتجبر وطغى وَأرْسل إِلَى خَليفَة الْوَقْت وَهُوَ النَّاصِر لدين اللَّه الَّذِي لَا يصطلي لمكره بِنَار وَلَا يُعَامل فِي أَحْوَاله بخداع يَقُول لَهُ كن معي كَمَا كَانَت الْخُلَفَاء قبلك مَعَ سلاطين السلجوقية كألب رسْلَان وملكشاه وأقربهم بِنَا عهدا السُّلْطَان سنجر فَيكون أَمر بَغْدَاد وَالْعراق لي وَلَا يكون لَك إِلَّا الْخطْبَة فَيُقَال وَالله أعلم إِن الْخَلِيفَة جهز رسله إِلَى جنكزخان يحركه عَلَيْهِ
وَأما جنكزخان فَإِنَّهُ لما علم عَظمَة خوارزمشاه شرع فِي عقد التوادد بَينه وَبَينه علما من جنكزخان بِأَنَّهُ لَا يقدر عَلَى معاداة خوارزمشاه وَأرْسل إِلَيْهِ الْهَدَايَا المفتخرة والتقادم السّنيَّة كل ذَلِك وخوارزمشاه لَا يرضى باصطناعه وَيدل بِعظم ملكه ليقضي اللَّه أمرا كَانَ مَفْعُولا
وَجَرت فِي أثْنَاء ذَلِك فُصُول يطول شرحها آخرهَا أَن خوارزمشاه منع التُّجَّار أَن تسير من بِلَاده إِلَى بِلَاد جنكزخان فَانْقَطَعت أَخْبَار بِلَاده عَن جنكزخان زَمنا
стр. 325
وَكَانَ جنكزخان لَعنه اللَّه عَلَى مَا استفاض عَنهُ فِيهِ حسن خلق وَتمسك بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ عقله من الطَّرِيقَة الَّتِي ابتدعها وَمَشى عَلَى قانون وَاحِد وَله تؤدة عَظِيمَة
وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ سديد الْعقل وافر الْكَرم بِحَيْثُ إِنَّه قدم إِلَيْهِ مرّة فِي الصَّيْد بعض الفلاحين ثَلَاث بطيخات وَلم يتَّفق فِي ذَلِك الْوَقْت أَن يكون أحد من الخزندارية الَّتِي لَهُ عِنْده فَقَالَ لزوجته الخاتون أعْطِيه هذَيْن القرطين اللَّذين فِي أذنيك وَكَانَ فيهمَا جوهرتان عظيمتان جدا لَا قيمَة لَهما فشحت الْمَرْأَة بهما وَقَالَت أنظرهُ إِلَى غَد فَقَالَ إِنَّه يبيت اللَّيْلَة مبلبل الخاطر وَرُبمَا لَا يحصل لَهُ شَيْء بعد هَذَا وَإِن هذَيْن من اشتراهما لم يَسعهُ إِلَّا أَن يحضرهما إِلَيْنَا لِأَن مثلهمَا لَا يكون إِلَّا عندنَا فدفعتهما إِلَى الْفَلاح فطار عقله بهما وَذهب فباعهما لبَعض التُّجَّار بِأَلف دِينَار لِأَنَّهُ لم يعرف قيمتهمَا وَكَانَت قيمَة كل وَاحِدَة أَضْعَاف ذَلِك بِمَا لَا يُوصف فحملهما التَّاجِر إِلَيْهِ فردهما إِلَى زَوجته وحكاياته فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة
وَأمر مرّة بقتل ثَلَاثَة قد اقْتَضَت الياسا قَتلهمْ وَإِذا امْرَأَة تبْكي وتصيح فأحضرها فَقَالَت هَذَا ابْني وَهَذَا أخي وَهَذَا زَوجي فَقَالَ اخْتَارِي وَاحِدًا مِنْهُم أطلقهُ فَقَالَت الزَّوْج وَالِابْن يَجِيء مثلهمَا وَالْأَخ لَا عوض لَهُ فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهَا وَأطلق لَهَا الثَّلَاثَة
وَله أَشْيَاء كَثِيرَة من هَذَا كَانَ يَفْعَلهَا بسجيته وَمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ عقله
وَأما خوارزمشاه فَكَانَ سعده قد تَكَامل وَرَأى من العظمة مَا لم يعْهَد مثله لملك من زمن مديد وطالت مدَّته
وَلَقَد يحْكى من سعده أَنه كَانَ حسن الْغناء وَأَن شخصا فداويا جهز عَلَيْهِ ليَقْتُلهُ فَمَا صَادف لَيْلَة يُمكنهُ فِيهَا اغتياله إِلَّا لَيْلَة وَاحِدَة وخوارزمشاه فِي جمع قَلِيل من مماليكه وَهُوَ يُغني فَأَرَادَ الفداوي أَن يُبَادر إِلَيْهِ ليغتاله فَسَمعهُ يُغني فَوقف يتصنت فَإِذا هُوَ
стр. 326
يُغني بِالْفَارِسِيَّةِ مَا مَعْنَاهُ قد عرفت بك فَانْجُ بِنَفْسِك واهرب وَكَانَ هَذَا اتِّفَاقًا فَمَا شكّ الفداوي أَنه قد علم بِهِ فهرب
إِلَّا أَن خوارزمشاه بعد ذَلِك طغت نَفسه ليقضي اللَّه مَا قدره
ثمَّ إِن جمَاعَة من التُّجَّار أخذُوا مَعَهم شَيْئا من المستظرفات لما سمعُوا بمكارم جنكزخان وتحيلوا حَتَّى وصلوا إِلَى بِلَاده وَلم يعلم بهم نواب خوارزمشاه وَلَو علمُوا بهم لراحت أَرْوَاحهم ونهبت أَمْوَالهم فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ أكْرمهم غَايَة الْإِكْرَام وَقَالَ لأي شَيْء انقطعتم عَنَّا فَقَالُوا إِن السُّلْطَان خوارزمشاه منع التُّجَّار من المسافرة إِلَى بلادك وَلَو علم بِنَا لأهلكنا فَجمع أَوْلَاده فأشاروا عَلَيْهِ بِأَن يخرج لقتاله فَقَالَ لَا وَلَكنَّا نرسل إِلَيْهِ
فَأرْسل رسله إِلَى خوارزمشاه وَقَالَ إِن التُّجَّار هم عمَارَة الْبِلَاد وهم الَّذين يحملون التحف والنفائس إِلَى الْمُلُوك وَمَا يَنْبَغِي أَن تمنعهم وَلَا أَنا أَيْضًا نمْنَع تجارنا عَنْك بل يَنْبَغِي لنا أَن تكون كلمتنا وَاحِدَة لتعمر الأقاليم
وَأرْسل من جِهَته تجارًا مَعَهم أَمْوَال لَا تعد وَلَا تحصى فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى الأترار عمد نَائِب خوارزمشاه بهَا وَهُوَ وَالِد زَوجته كسلى خَان فَكتب إِلَى خوارزمشاه بِأَن هَؤُلَاءِ التُّجَّار جَاءُوا بأموال لَا تحصى والرأي قَتلهمْ وَأخذ أَمْوَالهم
فجَاء مرسوم خوارزمشاه بذلك فَعمد إِلَيْهِم فَقتل الْجَمِيع وَأخذ مَا كَانَ مَعَهم فَبلغ ذَلِك جنكزخان فَجمع أَوْلَاده ثَانِيًا وخواصه فَقَالُوا نخرج إِلَيْهِم فَقَالَ لَا وَأرْسل إِلَى خوارزمشاه هَذَا الَّذِي جرى أعلمني هَل هُوَ عَن رضى مِنْك إِن لم يكن برضاك فَنحْن نطلب بدمائهم من نَائِب الأترار ونحضره عَلَى أفحش وُجُوه الذل وَالصغَار وَإِن كَانَ برضاك فقد أَسَأْت التَّدْبِير فَإِنِّي أَنا لَا أدين بِملَّة وَلَا أستحسن فعل ذَلِكَ
стр. 327
وَأَنت تنتمي إِلَى دين الْإِسْلَام وَهَؤُلَاء التُّجَّار كَانُوا عَلَى دينك فَكيف يسعك هَذَا الْأَمر الَّذِي فعلته
فَلَمَّا جَاءَت الرسَالَة إِلَى خوارزمشاه لم يكن لَهُ جَوَاب سوى إِن هَذَا كَانَ بعلمي وأمري وَمَا بَيْننَا إِلَّا السَّيْف
فَقَامَ وَلَده السُّلْطَان جلال الدّين وَكَانَ عَاقِلا فاستنصح بعض الرُّسُل وسألهم عَن حَال جنكزخان وَكَيف طواعية عساكره لَهُ ثمَّ أَشَارَ عَلَى وَالِده بِأَن يتلطف فِي الْجَواب ويخلي بَين جنكزخان ونائب الأترار ويسلطه عَلَى دم وَاحِد يحمي بِهِ الْمُسلمين من نهر جيحون إِلَى قريب بِلَاد الشَّام ومساجد لَا يُحْصى عَددهَا ومدارس وأمم لَا يُحصونَ وَمَدَائِن وأقاليم هِيَ خُلَاصَة الرّبع العامر وَأحسنه وأعمره وأوسعه
فَأبى وَالِده إِلَّا السَّيْف وَأمر بقتل رسل جنكزخان
فيالها فعلة مَا كَانَ أقبحها أجرت كل قَطْرَة من دِمَائِهِمْ سيلا من دِمَاء الْمُسلمين
وَكَانَ ﵀ قد اخْتَلَط قَلِيلا وَطعن فِي السن وغره ملك مَا رَآهُ حصل لغيره وجيش لم يجْتَمع لأحد وَقد كَانَ هَذَانِ الشيئان من أعظم الْأَسْبَاب فِي الْإِعَانَة عَلَيْهِ فَإِن الأَرْض لما لم يبْق فِيهَا ملك سواهُ وَكسر قويت قُلُوب أُولَئِكَ الْكفَّار وصاروا يتبعونه كلما هرب ويملكون الأَرْض شَيْئا فَشَيْئًا والجيش لكثرتهم كَانَ فيهم الْمُسلمُونَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس عَلَى اخْتِلَاف بلدانهم فَلم تكن كلمتهم كلهَا متفقة مَعَه وَلَا عِنْدهم من الْخَوْف عَلَى دين الْإِسْلَام والذب عَنهُ مَا عِنْد الْمُسلمين
فَلَمَّا بلغ ذَلِك جنكزخان استشاط غَضبا وَجَاءَت النَّفس الْكَافِرَة فَقَامَ وَأمر أَوْلَاده يجمع العساكر واختلى بِنَفسِهِ فِي شَاهِق جبل مَكْشُوف الرَّأْس وَاقِفًا عَلَى رجلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام عَلَى مَا يُقَال فَزعم عَثَّرَهُ اللَّه أَن الْخطاب أَتَاهُ بأنك مظلوم واخرج تنتصر عَلَى عَدوك وتملك الأَرْض برا وبحرا وَكَانَ يَقُول الأَرْض ملكي وَالله ملكني إِيَّاهَا
стр. 328
ذكر خُرُوج السُّلْطَان الْأَعْظَم عَلَاء الدّين خوارزمشاه فِي عساكره وَذَلِكَ فِي سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة
خرج فِي أُمَم لَا يحصيهم إِلَّا الَّذِي خلقهمْ فَوجدَ جنكزخان مَشْغُولًا بِقِتَال كسلى خَان فنهب خوارزمشاه أَمْوَالهم وسبى ذَرَارِيهمْ وحريمهم فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ واقتتلوا مَعَه قتالا لم يسمع بِمثلِهِ أُولَئِكَ يُقَاتلُون عَن حريمهم والمسلمون عَن أنفسهم علما بِأَنَّهُم مَتى ولوا استأصلوهم
فَقتل من الْفَرِيقَيْنِ خلق كثير حَتَّى إِن الْخُيُول كَانَت تزلق فِي الدِّمَاء وَكَانَ جملَة من قتل من الْمُسلمين نَحْو عشْرين ألفا وَمن التتار أَضْعَاف ذَلِك ثمَّ تحاجز الْفَرِيقَانِ وَولى كل مِنْهُم إِلَى بِلَاده وَلَكِن بعد أَن كسر خوارزمشاه التتار ثَلَاث مَرَّات
ثمَّ لَجأ خوارزمشاه فِي عساكره إِلَى بُخَارى وسمرقند فحصنهما وَبَالغ فِي كَثْرَة من ترك بهما من الْمُقَاتلَة وَرجع إِلَى خوارزم ليجهز الجيوش الْكَثِيرَة
ذكر قصد القان الْأَعْظَم الطاغية الْأَكْبَر السُّلْطَان جنكزخان أُمَّهَات مَدَائِن الْمُسلمين وأقاليم عُمْدَة سُلْطَان الْمُوَحِّدين
وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن التتار لما كسروا مَعَ خوارزمشاه ثَلَاث مَرَّات تشاغل حنكزخان عَن الْمُسلمين وأهمل أَمرهم وضعفوا هم أَيْضًا عِنْد السُّلْطَان خوارزمشاه فَفرق عساكره فِي الأقاليم لتحفظها وَكَانَ ذَلِك من سوء تَدْبيره فَإِنَّهُ لما فرق عساكره دهمته التتار فَلم يقدر عَلَى جمع عساكره لإعجالهم إِيَّاه عَن ذَلِك فهرب
فقصد جنكزخان عِنْد ذَلِك بُخَارى وَبهَا عشرُون ألف مقَاتل فحاصرها ثَلَاثَة أَيَّام
стр. 329
فَطلب مِنْهُ أَهلهَا الْأمان فَأَمنَهُمْ ودخلها وَذَلِكَ فِي سنة عشرَة فَأحْسن السِّيرَة فِيهَا مكرا وخداعا وامتنعت عَلَيْهِ قلعتها فحاصرها واشتغل أهل الْبَلَد فِي طم خندقها فَكَانَت التتار يأْتونَ بالمنابر والختم والربعات فيطرحونها فِي الخَنْدَق فَفَتحهَا قسرا فِي أَيَّام يسيرَة فَقتل كل من كَانَ بهَا لم يبْق مِنْهُم أحدا
ثمَّ عمد إِلَى الْبَلَد فاصطفى أَمْوَال تجارها ثمَّ قتل خلقا لَا يعملهم إِلَّا اللَّه وأسروا الذُّرِّيَّة وَالنِّسَاء وفسقوا بِهن بِحَضْرَة أهليهن فَمن النَّاس من قَاتل دون حريمه حَتَّى قتل وَمِنْهُم من أسر فعذب بأنواع الْعَذَاب وَكثر الْبكاء والضجيج فِي الْبَلَد
ثمَّ عَمدُوا إِلَى دور بُخَارى ومدارسها ومساجدها وجوامعها فأحرقت حَتَّى صَارَت بَلَاقِع خاوية عَلَى عروشها
ثمَّ صَارُوا يأْتونَ بِجَمَاعَة من الْمُسلمين وَيَقُولُونَ لَهُم نادوا أَيهَا النَّاس إِن التتار قد هربوا فاخرجوا من خباياكم فَيخرج من هُوَ تَحت الأَرْض حِين يسمع الْأَصْوَات الَّتِي يعرفهَا ظَانّا صدقهَا فيقتلون الْخَارِج والصائح لَهُ وَكَذَلِكَ فعلوا فِي كل مَدِينَة وَمَا كَانَ قصدهم إِلَّا خراب الْعَالم
ثمَّ كروا رَاجِعين عَنْهَا قَاصِدين سَمَرْقَنْد وَبهَا خَمْسُونَ ألف مقَاتل من الْجند من عَسْكَر خوارزمشاه وبرز إِلَيْهِ سَبْعُونَ ألفا من الْعَامَّة فَقتل الْجَمِيع فِي سَاعَة وَاحِدَة وَألقى إِلَيْهِ الْخَمْسُونَ ألفا السّلم فسلبهم سِلَاحهمْ وَمَا يمتنعون بِهِ وقتلهم من ذَلِك الْيَوْم واستباح الْمَدِينَة فَقتل الْجَمِيع وَأخذ الْأَمْوَال وَفعل فعلته وعادته إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَأقَام هُنَالك
وبلغه أَن زَوْجَة السُّلْطَان خوارزمشاه وَبنَاته فِي قلعة أيلال فدوام الْقِتَال عَلَيْهَا إِلَى أَن ملكهَا وَأخذ زَوجته وَبنَاته ومنهن وَاحِدَة كَانَت متزوجة بِبَعْض أَقَاربه لم يكن فِي الْعَجم أجمل مِنْهَا فَزَوجهَا لبَعض أَوْلَاده ثمَّ فرق الْبَنَات عَلَى أكَابِر التتار إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
стр. 330
وجهز السَّرَايَا إِلَى الْبلدَانِ فَجهز سَرِيَّة إِلَى بِلَاد خُرَاسَان وَأرْسل أُخْرَى وَرَاء خوارزمشاه وَكَانُوا عشْرين ألفا فَقَالَ اطلبوه وأدركوه وَلَو تعلق بالسماء فساقوا إِلَى طلبه فأدركوه وَبينهمْ وَبَينه نهر جيحون فَلم يَجدوا سفنا فعملوا لَهُم أحواضا يحملون عَلَيْهَا الأسلحة وَيُرْسل أحدهم فرسه وَيَأْخُذ بذنبها فتجره الْفرس إِلَى المَاء وَهُوَ يجر الْحَوْض الَّذِي فِيهِ سلاحه حَتَّى صَارُوا كلهم فِي الْجَانِب الآخر فَلم يشْعر بهم خوارزمشاه إِلَّا وَقد خالطوه فهرب إِلَى نَيْسَابُورَ ثمَّ مِنْهَا إِلَى غَيرهَا وهم فِي أَثَره كلما دخل مَدِينَة وَأقَام فِيهَا ليجتمع ليه عساكره لحقوه وَألقى اللَّه فِي قلبه الرعب فصاروا كلما قاربوه هرب وَمَا زَالَ هَارِبا مِنْهُم حَتَّى ركب فِي بَحر طبرستان وَسَار إِلَى قلعة فِي جَزِيرَة فَكَانَت فِيهَا وَفَاته
وَقيل إِنَّه لَا يعرف بعد ركُوبه الْبَحْر مَا كَانَ من أمره بل ذهب فَلَا يدرى أَيْن ذهب وَلَا كَيفَ سلك
وَيُقَال مرض فِي الْبَحْر وَطلب دَوَاء فأعياه الْخَبَر حَتَّى لم يجده
وَيُقَال طلب فِي الْبَحْر مَكَانا ينَام فِيهِ قدر قامته فَلم يجده فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّه بعد أَن كنت أكبر سلاطين الأَرْض ولي الْأَمر فِيهَا صرت لَا أقدر عَلَى مِقْدَار مَكَان أَنَام فِيهِ فسبحان مَالك الْملك
هَذَا من ملك الخطا وَمَا وَرَاء النَّهر وخوارزم وأصفهان ومازندران وكرمان ومنجان وكش وجكان والغور وغزنة وأميان وأترار وأذربيجان إِلَى مَا يَليهَا من الْهِنْد وبلاد التّرْك وَجَمِيع مَا وَرَاء النَّهر إِلَى أَطْرَاف الصين وخطب لَهُ عَلَى مَنَابِر دربند شرْوَان وبلاد خُرَاسَان وعراق الْعَجم وَغَيرهَا من الأقاليم المتسعة والمدن الشاسعة مَعَ المكنة الزَّائِدَة وَطول الْمدَّة وَوصل إِلَى هَذَا الْحَال
стр. 331
وَقيل إِنَّهُم وجدوا فِي خزانَة من خزائنه عشرَة آلَاف ألف دِينَار وَألف حمل من الأطلس
وَهَذَا الَّذِي جرى لهَؤُلَاء التتار لعنهم اللَّه مَا جرى لأحد مُنْذُ قَامَت الدُّنْيَا فَإِن قوما خَرجُوا من أَطْرَاف الصين فقصدوا بِلَاد تركستان مثل كاشغر وبلاد ساغون ثمَّ مِنْهَا إِلَى مَا وَرَاء النَّهر مثل سَمَرْقَنْد وبخارى وَغَيرهمَا فيملكونها ويفعلون مَا شرحنا بعضه ثمَّ تعبر طَائِفَة مِنْهُم إِلَى خُرَاسَان فيفرغون مِنْهَا قتلا وسبيا وتخريبا كَمَا فعلوا فِيمَا وَرَاءَهَا ثمَّ يجاوزونها إِلَى الرّيّ وهمذان وبلاد الْجَبَل إِلَى حد الْعرَاق ثمَّ يقصدون بِلَاد أذربيجان وأران ثمَّ يملكُونَ بِلَاد دربند شرْوَان ثمَّ بِلَاد اللان وبلاد البلغار ثمَّ بِلَاد القفجاق وهم من أَكثر التّرْك عددا فيملكون عَلَيْهِم ويوسعونهم قتلا وأسرا وتسير طَائِفَة أُخْرَى إِلَى غزنة وأعمالها وَمَا يجاوزها من بِلَاد الْهِنْد وسجستان وكرمان وأفعالهم متحدة فِي الظُّلم وكل هَذَا فِي سنة أَو أَزِيد بِقَلِيل يملكُونَ أَكثر الْمَعْمُور فِي الأَرْض وَأحسنه وأعمره وَمَا لم يملكوه فأهله فِي انتظارهم وَالْخَوْف الْعَظِيم مِنْهُم
هَذَا مَا لم يسمع بِمثلِهِ فَإِن إسكندر الَّذِي ملك الدُّنْيَا لم يملكهَا فِي سنة إِنَّمَا ملكهَا فِي عشر سِنِين وَلم يقتل أحدا بل رَضِي من النَّاس بِالطَّاعَةِ وَهَؤُلَاء بِخِلَاف ذَلِك وَكَانَ السَّبَب فِي هَذَا كُله سُلْطَان الْإِسْلَام عَلَاء الدّين خوارزمشاه وظنه بِنَفسِهِ وَجُنُوده فِي الأول
وَلَقَد سَارُوا إِلَى مازيندران وقلاعها من أمنع القلاع بِحَيْثُ إِن الْمُسلمين لم يفتحوها إِلَّا فِي سنة تسعين فِي أَيَّام سُلَيْمَان بْن عَبْد الْملك فَفَتحهَا هَؤُلَاءِ فِي أيسر مُدَّة ونهبوا مافيها وَقتلُوا أهاليها وَسبوا وأحرقوا ثمَّ رحلوا عَنْهَا نَحْو الرّيّ فَرَأَوْا فِي الطَّرِيق أم السُّلْطَان خوارزمشاه وَكَانَت قد سَمِعت بهزيمة ابْنهَا وَهِي فِي خوارزم وخوارزم دَار ممكتهم الْعُظْمَى
стр. 332
فأخرجت من الْحَبْس عشْرين سُلْطَانا كَانُوا فِي سجن وَلَدهَا وقتلتهم وأودعت بعض القلاع من الْأَمْوَال مَالا يدْرك كَثْرَة ثمَّ سَارَتْ فرأوها وَمَعَهَا من الْأَمْوَال والجواهر والنفائس مَا لَا يعد كَثْرَة فاستأصلوا ذَلِك كُله
ثمَّ قصدُوا الرّيّ فَدَخَلُوهَا عَلَى حِين غَفلَة من أَهلهَا فَقتلُوا وَسبوا وأحرقوا وفعلوا عوائدهم
ثمَّ إِلَى همذان فملكوها
ثمَّ إِلَى زنجان فَقتلُوا أَهلهَا
ثمَّ إِلَى قزوين فملكوها وَقتلُوا من أَهلهَا نَحوا من أَرْبَعِينَ ألفا
ثمَّ يمموا بِلَاد أذربيجان فَصَالحهُمْ سلطانها أزبك بْن البهلوان عَلَى مَال حمله إِلَيْهِم فَتَرَكُوهُ
وَسَارُوا إِلَى موقان فَقَاتلهُمْ الكرج فَلم يقفوا بَين أَيْديهم طرفَة عين حَتَّى انْهَزَمت الكرج وَقتلت التتار مِنْهُم خلقا كثيرا
ثمَّ قصدُوا تفليس وَهِي أكبر مدن الكرج فَقَاتلهُمْ الكرج فكسرهم التتار كسرة ثَانِيَة أقبح من الأولى
ثمَّ سَارُوا إِلَى تبريز فَصَالحهُمْ أَهلهَا ثمَّ إِلَى مراغة فَقتلُوا من أَهلهَا مَا لَا يُحْصى كَثْرَة
وقصدوا مَدِينَة إربل فَاشْتَدَّ الْأَمر عَلَى الْمُسلمين وَكتب الْخَلِيفَة إِلَى أهل الْموصل وجهز عسكرا ثمَّ صرف اللَّه عزم التتار عَنْهُم
وَفرْقَة أُخْرَى من التتار كَانَ أرسلها جنكزخان إِلَى ترمذ فأخذتها
وَأُخْرَى إِلَى فرغانة فَأَخَذُوهَا
стр. 333
وَأما الْفرْقَة الَّتِي أرسلها إِلَى خُرَاسَان فَصَالحهُمْ أهل أَكثر مدائنها كبلخ وَغَيرهَا حَتَّى انْتَهوا إِلَى الطالقان فأعجزتهم قلعتها فحاصروها سِتَّة أشهر حَتَّى عجزوا فَكَتَبُوا إِلَى جنكزخان فَقدم بِنَفسِهِ فحصرها أَرْبَعَة أشهر أُخْرَى حَتَّى فتحهَا قهرا وَقتل من فِيهَا
ثمَّ قصدُوا مَدِينَة مرو وَكَانَ بهَا مِائَتَا ألف مقَاتل فَاقْتَتلُوا مَعَهم قتالا عَظِيما ثمَّ انْكَسَرَ الْمُسلمُونَ فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ثمَّ قتلوا أهل الْبَلَد وغنموهم وسبوهم وعاقبوهم بأنواع الْعَذَاب حَتَّى إِنَّهُم قتلوا فِي يَوْم وَاحِد سَبْعمِائة ألف رجل
ثمَّ سَارُوا إِلَى نَيْسَابُورَ فَفَعَلُوا بهَا فعلهم بِأَهْل مرو
ثمَّ إِلَى طوس ثمَّ إِلَى هراة وَالْكل يَفْعَلُونَ فيهم فعلهم الْمَاضِي فِي غَيرهَا فسبحان مُقَدّر الْأُمُور وَمن يُمْهل حَتَّى يلبس الْإِمْهَال بالإهمال عَلَى الْمَغْرُور وَلَا حَاجَة للتطويل
ملكوا أَكثر عَامر الأَرْض فجعلوه خرابا وَتركُوا الْمَسَاجِد والجوامع والمدارس بَلَاقِع وحرقوا الْكتب والمصاحف وَمَا دخلُوا مَدِينَة إِلَّا وسالت أَوديتهَا بدماء أَهلهَا وَكَانُوا إِذا عجزوا عَن حمل الْأَمْتِعَة أطْلقُوا فِيهَا النيرَان حَتَّى يذهب أَثَرهَا وَكم من أحمال حَرِير أطلقت فِيهَا النيرَان وَلَا وقف لَهُم أحد إِلَّا وأوسعوا عساكره قتلا ونهبا وأسرا إِلَّا السُّلْطَان الْكَبِير جلال الدّين ابْن السُّلْطَان خوارزمشاه فَإِنَّهُ لما علم خبر سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين خوارزمشاه اجْتمع من بَقِي من عساكره عَلَى وَلَده السُّلْطَان الْأَعْظَم جلال الدّين وَكَانَ ذَلِك بِعَهْد من وَالِده فَإِنَّهُ يُقَال إِن خوارزمشاه لما حَضرته الْوَفَاة جمع أَوْلَاده وَقَالَ لَهُم اعلموا أَن عرى الْإِسْلَام قد انْقَطَعت وَلَيْسَ يَأْخُذ بالثأر من الْأَعْدَاء إِلَّا هُوَ وَإِنِّي موليه ولَايَة الْعَهْد عَلَيْكُم
وَكَانَ بطلا شجاعا لَا يصطلى لَهُ بِنَار فَأَتَتْهُ التتار إِلَى بِلَاد غزنة فَقَاتلهُمْ فكسرهم فعادوا إِلَى هراة فَإِذا أَهلهَا قد نقضوا فَقَتَلُوهُمْ عَن آخِرهم ثمَّ عَادوا إِلَى ملكهم جنكزخان لعنهم اللَّه وإياه وَكَانَ أرسل طَائِفَة إِلَى مَدِينَة خوارزم فحاصروها حَتَّى فتحوها قهرا
стр. 334
فَقتلُوا أَهلهَا قتلا ذريعا وَأَرْسلُوا الجسر الَّذِي يمْنَع مَاء جيحون فِيهَا فغرقت دورها وَهلك جَمِيع أَهلهَا وَكَانَ جنكزخان لما عَادوا إِلَيْهِ مخيما عَلَى الطالقان فَجهز مِنْهُم طوائف إِلَى غزنة فَقَاتلهُمْ السُّلْطَان جلال الدّين وكسرهم كسرة عَظِيمَة واستنقذ مِنْهُم خلقا من أُسَارَى الْمُسلمين
ثمَّ كتب إِلَى جنكزخان يطْلب مِنْهُ أَن يبرز بِنَفسِهِ لقتاله فقصده حنكزخان فتواجها وتطاعنا وتوافقت خيلاهما وَكِلَاهُمَا بَطل اللقا مقنع واقتتلوا ثَلَاثَة أَيَّام لم يعْهَد مثلهَا وَقتل فِي الْوَقْعَة دوس خَان بْن جنكزخان ثمَّ ضعف أَصْحَاب السُّلْطَان جلال الدّين وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَرَكبُوا فِي بَحر الْهِنْد فسارت التتار إِلَى غزنة وأخذوها بِلَا كلفة ثمَّ عَاد جلال الدّين بِمن بقى مَعَه من العساكر إِلَى بِلَاد خوزستان ونواحي الْعرَاق فأفسدوا وحاصروا ثمَّ استحوذ السُّلْطَان جلال الدّين على بِلَاد أذربيجان وَكَثِيرًا من بِلَاد الكرج واستفحل أمره جدا وَعظم شَأْنه وَفتح تفليس مَدِينَة الكرج الْعُظْمَى
وَقيل قتل من الكرج سبعين ألفا فِي المعركة واشتغل بِهَذِهِ الْغَزْوَة عَن قصد بَغْدَاد وَقد كَانَ عزم عَلَى قصد الْخَلِيفَة لِأَنَّهُ فِيمَا زعم عمل عَلَى أَبِيه حَتَّى هلك وانزعج الْخَلِيفَة لذَلِك وحصن بَغْدَاد واستخدم الجيوش وَأنْفق الْأَمْوَال الجزيلة
ثمَّ إِن أُخْت السُّلْطَان جلال الدّين الَّتِي كَانَ ابْن جنكزخان تزوج بهَا واستولدها وَمَات وَتركهَا عِنْد أَبِيه جنكزخان كَانَت تكاتب السُّلْطَان جلال الدّين وتنهي إِلَيْهِ أَخْبَار التتار فَأرْسلت إِلَيْهِ وَهُوَ يحاصر خلاط خَاتمًا من خَوَاتِم أَبِيه فصه فيروزج منقوش عَلَيْهِ اسْم السُّلْطَان مُحَمَّد أَمارَة مَعَ القاصد تعلم أخاها أَن جنكزخان بلغه عَنْك شدَّة بأسك واتساع باعك وثباتك وَكَثْرَة عساكرك وَقد عزم عَلَى مصاهرتك والمهادنة مَعَك عَلَى أَن يكون نهر جيحون بَيْنكُم وَله مِنْهُ وجاي وَلَك مِنْهُ ورايح فَإِن أَنْت وجدت من قوتك مقاواتهم وَإِلَّا فشأنك والمسالمة حَال رغبتهم فِيهَا
стр. 335
فَلم يرد جلال الدّين عَلَيْهَا جَوَابا وَلَا فتح للصلح بَابا وتشاغل عَنْهَا بفعلة قبيحة وَهِي حِصَار مَدِينَة خلاط فَإِنَّهُ نزل عَلَيْهَا وحاصرها حَتَّى أكل أَهلهَا لُحُوم الْكلاب ثمَّ فتحهَا ونهبها وعذب أَهلهَا أَشد الْعَذَاب وَأرْسل إِلَيْهِ الْخَلِيفَة يشفع فيهم فَلم يقبل مِنْهُ ورد جَوَابه وَرُسُله أقبح رد
ثمَّ سَار حَتَّى ملك بِلَاد الرّوم فَاجْتمع عَلَيْهِ عَلَاء الدّين كيقباد صَاحب الرّوم وَالْملك الْأَشْرَف مُوسَى صَاحب خلاط فَإِنَّهُ كَانَ أَخذ مَدِينَة خلاط وَهِي للأشرف مُوسَى بْن الْعَادِل صَاحب دمشق وَأي شَيْء هِيَ مَدِينَة خلاط وَمَا قدرهَا وَمَا قدر الْأَشْرَف مُوسَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى جلال الدّين وَأي مَدِينَة فرضت من مَدَائِن جلال الدّين إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه بِقدر مملكة مُوسَى وَبني أَيُّوب كلهم
ثمَّ جَاءَ الْأَشْرَف وكيقباد وانضم إِلَيْهِمَا عَسَاكِر مجمعة فَكَانُوا خَمْسَة آلَاف مقَاتل فَالْتَقوا مَعَ السُّلْطَان جلال الدّين وَهُوَ بِأَذربِيجَان فِي بقايا من عسكره نَحْو عشْرين ألف مقَاتل فكسروه عَلَى قلتهم ويكثرهم بالقلة فَإِن الْخَمْسَة آلَاف كَثِيرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم وَالْعشْرُونَ ألفا أقل شَيْء يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى السُّلْطَان جلال الدّين
ثمَّ خرجت التتار مرّة أُخْرَى وَكَانَ سَبَب خُرُوجهمْ أَن الإسماعيلية كتبُوا إِلَيْهِم يخبرونهم بِضعْف جلال الدّين بن خوارزمشاه وَأَنه عادى جَمِيع الْمُلُوك الَّذين يجاورونه وَأَنه وصل من أمره أَن كَسره الْأَشْرَف بْن الْعَادِل وَكَانَ جلال الدّين قد خرب ديار الإسماعيلية وَفعل بهم كل مَا يستحقونه
فَلَمَّا قدمت التتار اشْتغل بهم وَجَرت بَينهم حروب وهرب من بَين أَيْديهم وامتلأ قلبه خوفًا مِنْهُم وَصَارَ كلما سَار فِي قطر لحقوه وخربوا مَا اجتازوا بِهِ من الأقاليم حَتَّى انْتَهوا إِلَى الجزيرة وجاوزوها إِلَى سنجار وماردين وآمد يفسدون مَا قدرُوا عَلَيْهِ قتلا ونهبا وأسرا
وَانْقطع خبر السُّلْطَان جلال الدّين فَلَا يدرى أَيْن سلك إِلَّا أَنه يحْكى أَنه أَتَى قَرْيَة
стр. 336
من قرى فارقين حائرا وحيدا ظمآن جائعا تعبا فَنزل فِي بيدر من بيادرها فَلحقه فارسان من التتار فَقَتَلَهُمَا وَركب وَصعد الْجَبَل فَرَآهُ بعض الأكراد فَأنْكر حَاله لما رأى عَلَيْهِ من أبهة الْملك وَرَأى فرسه مشحونة بالجواهر وَعلم أَنه ملك فَقَالَ من أَنْت وَأَرَادَ أَن يقْتله فَقَالَ لَا تعجل أَنا السُّلْطَان جلال الدّين سُلْطَان الخوارزمية ووعده بِكُل جميل فَتَركه الرجل فِي بَيته وَمضى فجَاء بعض الأكراد وَقَالَ لأهل الْبَيْت مَا هَذَا الْخَوَارِزْمِيّ النَّائِم وَكَانَ السُّلْطَان قد نَام فَقَالُوا هُوَ رجل أعطَاهُ صَاحب الْبَيْت الْأمان فَقَالَ الْكرْدِي هَذَا هُوَ السُّلْطَان جلال الدّين وَلَقَد قتلت عساكره أَخا لي خيرا مِنْهُ وطعنه بِحَرْبَة وَهُوَ نَائِم فَقتله فِي وقته وَبلغ الْخَبَر صَاحب ميافارقين
وَجَرت أُمُور يطول شرحها وتمكنت التتار من الْمُسلمين وَألقى اللَّه الرعب فِي قُلُوب الْمُسلمين مِنْهُم بِحَيْثُ كَانَ الْكَافِر يجوز عَلَى الْمِائَة من الْمُسلمين فيقتلهم وَاحِدًا وَاحِدًا وَلَا يقدر أحد مِنْهُم يَقُول لَهُ كلمة وأعناقهم تقع عَلَى الأَرْض وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى إِن امْرَأَة مِنْهُم كَانَت عَلَى زِيّ الرِّجَال قتلت عددا عَظِيما من الرِّجَال وأسرت جمَاعَة وَلم يعلمُوا أَنَّهَا امْرَأَة حَتَّى علم بهَا شخص من أُسَارَى الْمُسلمين فَقَتلهَا ﵀
هَذَا مُخْتَصر من أَخْبَار جنكزخان ولنذكرن فِي أثْنَاء هَذَا الْكتاب فصلا آخر إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُخْتَصرا من أَخْبَار حفيده هولاكو بْن تولى بْن جنكزخان فهما الرّجلَانِ الكافران لعنهما اللَّه وَقد أوردنا أَمرهم فِي غَايَة الِاخْتِصَار
وَمن النَّاس من أفرد التصانيف لأخبارهم وَيَكْفِي الْفَقِيه مَا أوردناه فأوقات طَالب الْعلم أشرف أَن تضيع فِي أخبارهم إِلَّا للاعتبار بهَا وَمَا أوردناه عِبْرَة للمعتبرين وكاف للمتعظين
ويعجبني قَول ابْن الْأَثِير فِي الْكَامِل حِين ذكر أخبارهم وَالله لَا أَشك أَن
стр. 337
من يجىء بَعدنَا إِذا بعد الْعَهْد وَرَأى هَذِهِ الْحَادِثَة مسطورة ينكرها ويستبعدها وَالْحق فِي يَده
قَالَ فَمن استبعدها فَلْينْظر أننا سطرناها فِي وَقت يعلم كل من فِيهِ هَذِهِ الْحَادِثَة قد اسْتَوَى فِي مَعْرفَتهَا الْعَالم وَالْجَاهِل لشهرتها يسر اللَّه للْمُسلمين من يحوطهم بمنه وَكَرمه
ولعلنا أطلنا فِي ديباجة هَذَا الْكتاب وَخَرجْنَا من بَاب فولجنا فِي أَبْوَاب وَلَا بُد فِي ذَلِك مَعَ القشر من اللّبَاب وَقد آن الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود والنزوع بِالنَّفسِ الظامئة إِلَى المنهل المورود وَالرُّجُوع إِلَى مَا افتتحنا بِهِ الْكتاب من ذكر التراجم وَالْعود أَحْمَد وَذكر الْقَوْم مَحْمُود
وَقد كَانَ عَن لنا أَن نعقد لمناقب الإِمَام الْأَعْظَم المطلبي والعالم الأقوم ابْن عَم النَّبِي ﷺ بَاب يقدم التراجم فَإِنَّهُ عَالم قُرَيْش الَّذِي مَلأ اللَّه بِهِ طباق الأَرْض علما وَرفع من طباقها إِلَى طباق السما بِذَاتِهِ الطاهرة من هُوَ أَعلَى من نجومها وأسما وَأثبت باسمه فِي طباق أَجْزَائِهَا اسْم من يسمع آذَانا صمًّا وَمن لَو قَالَت بَنو آدم علمه اللَّه الأسما لقيل كَمَا أبرز مِنْهُ لكم أَبَا وَمن تصانيفه أما والحبر الَّذِي أسس بعد الصَّحَابَة قَوَاعِد بَيته بَيت التبوة وأقامها وشيد مباني الْإِسْلَام بَعْدَمَا جهل النَّاس حلالها وحرامها وأيد دعائم الدّين مِنْهُ بِمن سهر فِي محو ليَالِي الشُّبُهَات إِذا سهر غَيره اللَّيَالِي فِي الشَّهَوَات أَو نامها
ولكننا رَأينَا الْخطب فِي ذَلِك عَظِيما وَالْأَمر يَسْتَدْعِي مجلدات وَلَا ينْهض بمعشار مَا يحاوله من أُوتِيَ بسطة فِي الْعلم والجسم إِذْ كَانَ علماجسيما
ثمَّ رَأينَا الْأَئِمَّة قبلنَا إِلَى هَذَا الْمَقْصد قد سبقوا وتنوعوا فِيمَا فَعَلُوهُ وَأَكْثرُوا القَوْل وَصَدقُوا
وَأول من بَلغنِي صنف فِي مَنَاقِب الشَّافِعِي الإِمَام دَاوُد بْن عَلِيّ الْأَصْفَهَانِي إِمَام أهل الظَّاهِر لَهُ مصنفات فِي ذَلِكَ
стр. 338
ثمَّ صنف زَكَرِيَّاء بْن يَحْيَى السَّاجِي وَعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَاتِم
ثمَّ صنف أَبُو الْحَسَن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن إِبْرَاهِيم الآبري كتابا حافلا رتبه عَلَى أَرْبَعَة وَسبعين بَابا
ثمَّ ألف الْحَاكِم أَبُو عبد الله ابْن البيع الْحَافِظ مصنفا جَامعا
وصنف فِي عصره أَيْضًا أَبُو عَلِيّ الْحَسَن بْن الْحُسَيْن بْن حمكان الْأَصْبَهَانِيّ مُخْتَصرا فِي هَذَا النَّوْع
ثمَّ صنف أَبُو عَبْد اللَّه بْن شَاكر الْقطَّان مُخْتَصره الْمَشْهُور
ثمَّ صنف الإِمَام الزَّاهِد إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد السَّرخسِيّ القراب مجموعا حافلا رتبه عَلَى مائَة وَسِتَّة عشر بَابا
ثمَّ صنف الْأُسْتَاذ الْجَلِيل أَبُو مَنْصُور عَبْد القاهر بْن طَاهِر الْبَغْدَادِيّ كتابين أَحدهمَا كَبِير حافل يخْتَص بالمناقب وَالْآخر مُخْتَصر مُحَقّق يخْتَص بِالرَّدِّ عَلَى الْجِرْجَانِيّ الْحَنَفِيّ الَّذِي تعرض لجناب هَذَا الإِمَام
ثمَّ صنف الْحَافِظ الْكَبِير أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ كِتَابه فِي المناقب الْمَشْهُور والْحَسَن الْجَامِع الْمُحَقق وكتبا أخر فِي هَذَا النَّوْع مثل بَيَان خطإ من خطأ الشَّافِعِي وَغَيره
ثمَّ صنف الْحَافِظ الْكَبِير أَبُو بكر الْخَطِيب مجموعا فِي المناقب ومختصرا فِي الِاحْتِجَاج بالشافعي
ثمَّ صنف الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ كِتَابه الْمَشْهُور والمرتب عَلَى أَبْوَاب وتقاسيم
وصنف الْحَافِظ أَبُو عبيد اللَّه مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن أَبِي زيد الْأَصْبَهَانِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الْمقري كتابين أَحدهمَا سَمَّاهُ شِفَاء الصُّدُور فِي محَاسِن صدر الصُّدُور وَالْآخر مُجَلد كَبِير وَهُوَ مُخْتَصر من شِفَاء الصُّدُور سَمَّاهُ الْكتاب الَّذِي أعده شَافِعِيّ فِي مَنَاقِب الإِمَام الشَّافِعِيّ
стр. 339
وصنف الْحَافِظ أَبُو الْحَسَن بْن أَبِي الْقَاسِم الْبَيْهَقِيّ الْمَعْرُوف بفندق كتابا كَبِيرا فِي المناقب
وصنف إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ كتابا يخْتَص بِمَسْأَلَة تَرْجِيح مذْهبه عَلَى سَائِر الْمذَاهب وَيبين أَنه الَّذِي يجب عَلَى كل مَخْلُوق الاعتزاء إِلَيْهِ وتقليده مَا لم يكن مُجْتَهدا
فَلَمَّا رَأَيْت التصانيف فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وعيون أَوْلِيَاء اللَّه تَعَالَى بِمَا يسره عَلَى السَّابِقين قريرة وعيون النَّاس مكتفون بِمَا سبق لأَنهم أهل بَصِيرَة عدلت عَن ذَلِك وشرعت فِي مَقْصُود هَذَا الْمَجْمُوع وَهَا نَحن نَخُوض بحار الْمَقْصُود الْأَعْظَم ونجري فِي كل طبقَة عَلَى حُرُوف المعجم ونأتي بترتيب أشرح فِيهِ الِاخْتِيَار الْحَسَن والجم ونقضي لمن اسْمه مُحَمَّد أَو أَحْمَد بالتقديم ونمضي ذَلِك وَإِن كَانَ التَّرْتِيب يقْضِي لمن اسْمه إِبْرَاهِيم إجلالا لهذين الاسمين الشريفين إِلَّا عَن الِانْفِرَاد عَن غوغاء الجحفل الْعَظِيم
стр. 340
الطَّبَقَة الأولى
١ - أَحْمَد بْن خَالِد الْخلال أَبُو جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ العسكري
قَاضِي الثغر
رَوَى عَن الشَّافِعِي وسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَغَيرهمَا
حدث عَنهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا وَقَالا لَا بَأْس بِهِ
قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ كَانَ خيرا فَاضلا عدلا ثِقَة صَدُوقًا رضَا
وَقَالَ الْحَاكِم من جلة الْفُقَهَاء والمحدثين
مَاتَ سنة سِتّ وَقيل سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ
٢ - أَحْمَد بْن سِنَان بْن أَسد بْن حبَان الْقطَّان أَبُو جَعْفَر الوَاسِطِيّ الْحَافِظ
لَهُ مُسْند مخرج عَلَى الرِّجَال
رَوَى عَن الشَّافِعِي وَأبي مُعَاوِيَة ووكيع وَعبد الرَّحْمَن بْن مهْدي وَخلق
رَوَى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَيحيى بْن صاعد وَابْن خُزَيْمَة وَابْنه جَعْفَر بْن أَحْمَد بْن سِنَان وَعلي بْن عَبْد اللَّه بْن مُبشر وَعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَاتِم
وَقَالَ فِيهِ ابْن أَبِي حَاتِم هُوَ إِمَام أهل زَمَانه
١ - أَحْمَد بْن خَالِد الْخلال أَبُو جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ العسكري
قَاضِي الثغر
رَوَى عَن الشَّافِعِي وسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَغَيرهمَا
حدث عَنهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا وَقَالا لَا بَأْس بِهِ
قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ كَانَ خيرا فَاضلا عدلا ثِقَة صَدُوقًا رضَا
وَقَالَ الْحَاكِم كَانَ من جلة الْفُقَهَاء والمحدثين
مَاتَ سنة سِتّ وَقيل سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ
٢ - أَحْمَد بْن سِنَان بْن أَسد بْن حبَان الْقطَّان أَبُو جَعْفَر الوَاسِطِيّ الْحَافِظ
لَهُ مُسْند مخرج عَلَى الرِّجَال
رَوَى عَن الشَّافِعِي وَأبي مُعَاوِيَة ووكيع وَعبد الرَّحْمَن بْن مهْدي وَخلق رَوَى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَيحيى بْن صاعد وَابْن خُزَيْمَة وَابْنه جَعْفَر بْن أَحْمَد بْن سِنَان وَعلي بْن عَبْد اللَّه بْن مُبشر وَعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَاتِم
وَقَالَ فِيهِ ابْن أَبِي حَاتِم هُوَ إِمَام أهل زَمَانه
стр. 341
وَقَالَ أَبوهُ أَبُو حَاتِم ثِقَة صَدُوق
وَقَالَ ابْن مَاكُولَا وَالدَّارَقُطْنِيّ كَانَ من الثِّقَات الْأَثْبَات
وَقَالَ أَبُو عبيد الْآجُرِيّ سَأَلت أَبَا دَاوُد عَن أَحْمَد بْن سِنَان وَبُنْدَار فَقدم ابْن سِنَان عَلَى بنْدَار
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْحَاكِم فِي فَضَائِل الشَّافِعِي إِن بعض مشايخه بمرو حَدثهُ أَن ابْن سِنَان كَانَ يُقَاس بِابْن الْمُبَارك فِي زَمَانه
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر توفّي سنة سِتّ وَيُقَال سنة ثَمَان وَيُقَال سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ
قَالَ جَعْفَر بْن أَحْمَد بْن سِنَان سَمِعت أَبِي يَقُول لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مُبْتَدع إِلَّا يبغض أَصْحَاب الحَدِيث وَإِذا ابتدع الرجل نزعت حلاوة الحَدِيث من قلبه
قَالَ ابْن أَبِي حَاتِم سَمِعت ابْن سِنَان يَقُول رَأَيْت الشَّافِعِي أَحْمَر الرَّأْس واللحية يَعْنِي أَنه اسْتعْمل الخضاب اتبَاعا للسّنة
٣ - أَحْمَد بْن صَالح الْمصْرِيّ أَبُو جَعْفَر الطبرى الْحَافِظ أحد أَرْكَان الْعلم وجهابذة الْحفاظ
قَالَ أَبُو سَعِيد بْن يُونُس كَانَ أَبوهُ جنديا من أجناد طبرستان فولد لَهُ أَحْمَد بِمصْر سنة سبعين وَمِائَة
قلت سمع سُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَعبد اللَّه بْن وهب وحرمي بْن عمَارَة وعنبسة ابْن سَعِيد وَابْن أَبِي فديك وَعبد الرَّزَّاق وَعبد اللَّه بْن نَافِع وَالشَّافِعِيّ
стр. 342
وروى عَنهُ البُخَارِيّ وَرُبمَا رَوَى عَن رجل عَنهُ وروى عَنهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَعَمْرو النَّاقِد والذهلي ومُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نمير ومَحْمُود بْن غيلَان وَأَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي وَصَالح جزرة وَأَبُو إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ وَأَبُو بكر بْن أَبِي دَاوُد وَخلق
وَدخل بَغْدَاد وناظر بهَا أَحْمَد بْن حَنْبَل
قَالَ أَبُو زرْعَة سَأَلَني أَحْمَد بْن حَنْبَل من بِمصْر فَقلت أَحْمَد بْن صَالح
فسر بِذكرِهِ ودعا لَهُ
وَقَالَ البُخَارِيّ هُوَ ثِقَة مَا رَأَيْت أحدا يتَكَلَّم فِيهِ بِحجَّة
وَقَالَ يَعْقُوب الْفَسَوِي كتبت عَن ألف شيخ وَكسر حجتي فِيمَا بيني وَبَين اللَّه رجلَانِ أَحْمَد بْن حَنْبَل وأَحْمَد بْن صَالح
وَقَالَ ابْن وارة الْحَافِظ أَحْمَد بْن حَنْبَل بِبَغْدَاد وأَحْمَد بْن صَالح الْمصْرِيّ بِمصْر والنفيلي بحران وَابْن نمير بِالْكُوفَةِ هَؤُلَاءِ أَرْكَان الدّين
وَقد تكلم النَّسَائِيّ فِي أَحْمَد بْن صَالح فَقَالَ لَيْسَ بِثِقَة وَلَا مَأْمُون تَركه مُحَمَّد بْن يَحْيَى ورماه يَحْيَى بْن معِين بِالْكَذِبِ
قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب يُقَال كَانَ آفَة أَحْمَد بْن صَالح الْكبر وشراسة الْخلق ونال النَّسَائِيّ مِنْهُ جفَاء فِي مَجْلِسه فَذَلِك الَّذِي أفسد بَينهمَا
قَالَ ابْن عدي سَمِعت مُحَمَّد بْن هَارُون البرقي يَقُول حضرت مجْلِس أَحْمَد بْن صَالح وطرد النَّسَائِيّ من مَجْلِسه فَحَمله عَلَى أَن تكلم فِيهِ
قَالَ ابْن عدي وَكَانَ النَّسَائِيّ يُنكر عَلَيْهِ أَحَادِيث مِنْهَا
стр. 343
عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الدِّينُ النَّصِيحَةُ
وَالْحَدِيثُ فَقَدْ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ
قَالَ ابْن عدي وأَحْمَد من حفاظ الحَدِيث وَكَلَام ابْن معِين فِيهِ تحامل
وَأَرَادَ بِكَلَام ابْن معِين مَا ذكره مُعَاوِيَة بْن صَالح عَنهُ أَنه سَأَلَهُ عَن أَحْمَد بْن صَالح فَقَالَ رَأَيْته كذابا يخْطر فِي جَامع مصر
قلت وَقد ذكر أَن الَّذِي ذكر فِيهِ ابْن معِين هَذِهِ الْمقَالة هُوَ أَحْمَد بْن صَالح الشموني وَهُوَ شيخ بِمَكَّة كَانَ يضع الحَدِيث وَأَنه لم يعن أَحْمَد بْن صَالح هَذَا فَإِن هَذَا كَانَ من أقرانه فِي الْحِفْظ والإتقان ويترجح عَلَيْهِ فِي حَدِيث أهل مصر والحجاز وَذكر أَيْضًا أَنه كَانَت بَينه وَبَينه منافرة دنيوية
قَالَ ابْن عدي وَأما سوء ثَنَاء النَّسَائِيّ عَلَيْهِ فَلَمَّا تقدم
قَالَ وَلَوْلَا أَنِّي شرطت أَن أذكر فِي كتابي كل من تكلم فِيهِ مُتَكَلم لَكُنْت أجل أَحْمَد بْن صَالح أَن أذكرهُ
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو يعلى الخليلي فِي كتاب الْإِرْشَاد ابْن صَالح ثِقَة حَافظ وَاتفقَ الْحفاظ عَلَى أَن كَلَام النَّسَائِيّ فِيهِ تحامل وَلَا يقْدَح كَلَام أَمْثَاله فِيهِ وَقد نقم عَلَى النَّسَائِيّ كَلَامه فِيهِ
وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي كتاب الأحوذي إِمَام ثِقَة من أَئِمَّة الملسمين لَا يُؤثر فِيهِ تجريح وَإِن هَذَا القَوْل يحط من النَّسَائِيّ أَكثر مِمَّا حط من ابْن صَالح
قلت وَكَذَا قَالَ الْبَاجِيّ
قلت أَحْمَد بْن صَالح ثِقَة إِمَام وَلَا الْتِفَات إِلَى كَلَام من تكلم فِيهِ
وَلَكنَّا ننبهك هُنَا على
стр. 344
قَاعِدَة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل
ضَرُورِيَّة نافعة لَا ترَاهَا فى شئ من كتب الْأُصُول فَإنَّك إِذا سَمِعت أَن الْجرْح مقدم عَلَى التَّعْدِيل وَرَأَيْت الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَكنت غرا بالأمور أَو فدما مُقْتَصرا عَلَى مَنْقُول الْأُصُول حسبت أَن الْعَمَل عَلَى جرحه فإياك ثمَّ إياك والحذر كل الحذر من هَذَا الحسبان بل الصَّوَاب عندنَا أَن من ثبتَتْ إِمَامَته وعدالته وَكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحه وَكَانَت هُنَاكَ قرينَة دَالَّة عَلَى سَبَب جرحه من تعصب مذهبي أَو غَيره فَإنَّا لَا نلتفت إِلَى الْجرْح فِيهِ ونعمل فِيهِ بِالْعَدَالَةِ وَإِلَّا فَلَو فتحنا هَذَا الْبَاب أَو أَخذنَا تَقْدِيم الْجرْح عَلَى إِطْلَاقه لما سلم لنا أحد من الْأَئِمَّة إِذْ مَا من إِمَام إِلَّا وَقد طعن فِيهِ طاعنون وَهلك فِيهِ هالكون
وَقد عقد الْحَافِظ أَبُو عمر بن عبد الْبر فى الْكتاب الْعلم بَابا فِي حكم قَول الْعلمَاء بَعضهم فِي بعض بَدَأَ فِيهِ بِحَدِيث الزبير ﵁ دب إِلَيْكُم دَاء الْأُمَم قبلكُمْ الْحَسَد والبغضاء الحَدِيث
وَرُوِيَ بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ اسْتَمعُوا علم الْعلمَاء وَلَا تصدقوا بَعضهم عَلَى بعض فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَهُم أَشد تغايرا من التيوس فِي زروبها
وَعَن مَالك بْن دِينَار يُؤْخَذ بقول الْعلمَاء والقراء فى كل شئ إِلَّا قَول بَعضهم فِي بعض
قلت وَرَأَيْت فِي كتاب معِين الْحُكَّام لِابْنِ عَبْد الرفيع من الْمَالِكِيَّة وَقع فِي المبسوطة من قَول عَبْد اللَّه بْن وهب أَنه لَا يجوز شَهَادَة الْقَارئ عَلَى الْقَارئ يَعْنِي الْعلمَاء لأَنهم أَشد النَّاس تحاسدا وتباغيا
وَقَالَهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك بْن دِينَار
انْتهى
وَلَعَلَّ ابْن عَبْد الْبر يرى هَذَا وَلَا بَأْس بِهِ غير أَنا لَا نَأْخُذ بِهِ عَلَى إِطْلَاقه وَلَكِن نرى أَن الضَّابِط مَا نقُوله من أَن ثَابت الْعَدَالَة لَا يلْتَفت فِيهِ إِلَى قَول من تشهد الْقَرَائِن بِأَنَّهُ مُتَحَامِل عَلَيْهِ إِمَّا لتعصب مذهبي أَو غَيره
стр. 345
ثمَّ قَالَ أَبُو عمر بعد ذَلِك الصَّحِيح فِي هَذَا الْبَاب أَن من ثبتَتْ عَدَالَته وَصحت فِي الْعلم إِمَامَته وبالعلم عنايته لم يلْتَفت فِيهِ إِلَى قَول أحد إِلَّا أَن يَأْتِي فِي جرحته بِبَيِّنَة عادلة تصح بهَا جرحته عَلَى طَرِيق الشَّهَادَات
وَاسْتدلَّ بِأَن السّلف تكلم بَعضهم فِي بعض بِكَلَام مِنْهُ مَا حمل عَلَيْهِ الْغَضَب أَو الْحَسَد وَمِنْه مَا دَعَا إِلَيْهِ التَّأْوِيل وَاخْتِلَاف الِاجْتِهَاد فِيمَا لَا يلْزم الْمَقُول فِيهِ مَا قَالَ الْقَائِل فِيهِ
وَقد حمل بَعضهم عَلَى بعض بِالسَّيْفِ تَأْوِيلا واجتهادا
ثمَّ انْدفع ابْن عَبْد الْبر فِي ذكر كَلَام جمَاعَة من النظراء بَعضهم فِي بعض وَعدم الِالْتِفَات إِلَيْهِ لذَلِك إِلَى أَن انْتهى إِلَى كَلَام ابْن معِين فِي الشَّافِعِي وَقَالَ إِنَّه مِمَّا نقم عَلَى ابْن معِين وعيب بِهِ وَذكر قَول أَحْمَد بْن حَنْبَل من أَيْن يعرف يَحْيَى بْن معِين الشَّافِعِي هُوَ لَا يعرف الشَّافِعِي وَلَا يعرف مَا يَقُوله الشَّافِعِي وَمن جهل شَيْئا عَادَاهُ
قلت وَقد قِيلَ إِن ابْن معِين لم يرد الشَّافِعِي وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْن عَمه كَمَا سنحكيه إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَرْجَمَة الْأُسْتَاذ أَبِي مَنْصُور وَبِتَقْدِير إِرَادَته الشَّافِعِي فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَهُوَ عَار عَلَيْهِ وَقد كَانَ فِي بكاء ابْن معِين عَلَى إجَابَته الْمَأْمُون إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن وتحسره عَلَى مَا فرط مِنْهُ مَا يَنْبَغِي أَن يكون شاغلا لَهُ عَن التَّعَرُّض إِلَى الإِمَام الشَّافِعِي إِمَام الْأَئِمَّة ابْن عَم الْمُصْطَفى ﷺ
ثمَّ ذكر ابْن عَبْد الْبر كَلَام ابْن أَبِي ذيب وإِبْرَاهِيم بْن سعد فِي مَالك بْن أنس قَالَ وَقد تكلم أَيْضًا فِي مَالك عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلمَة وَعبد الرَّحْمَن بْن زيد بْن أسلم ومُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَابْن أَبِي يحيى وَابْن أَبِي الزِّنَاد وعابوا أَشْيَاء من مذْهبه وَقد برأَ اللَّه مَالِكًا عَمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْد اللَّه وجيها
قَالَ وَمَا مثل من تكلم فِي مَالك وَالشَّافِعِيّ ونظائرهما إِلَّا كَمَا قَالَ الْأَعْشَى
(كناطح صَخْرَة يَوْمًا ليقلعها ... فَلم يَضرهَا وأوهى قرنه الوعل)
стр. 346
أَو كَمَا قَالَ الْحَسَن بْن حُمَيْد
(يَا ناطح الْجَبَل العالي ليُكْلِمَه ... أشفِقْ عَلَى الرَّأْس لَا تُشْفِق عَلَى الْجَبَل)
وَلَقَد أحسن أبوالعتاهية حَيْثُ يَقُول
(وَمن ذَا الَّذِي ينجو من النَّاس سالما ... وَلِلنَّاسِ قَالٌ بالظنون وَقيل)
وَقيل لِابْنِ الْمُبَارك فلَان يتَكَلَّم فِي أَبِي حنيفَة فَأَنْشد
(حسدوك أَن رأوك فضلك اللَّه ... بِمَا فضلت بِهِ النجباء)
وَقيل لأبي عَاصِم النَّبِيل فلَان يتَكَلَّم فِي أَبِي حنيفَة فَقَالَ هُوَ كَمَا قَالَ نصيب
(سلمت وَهل حَيّ عَلَى النَّاس يسلم ... )
وَقَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي
(حسدوا الْفَتى إِذْ لم ينالوا سَعْيه ... فالقوم أَعدَاء لَهُ وخصوم)
ثمَّ قَالَ ابْن عَبْد الْبر فَمن أَرَادَ قبُول قَول الْعلمَاء الثِّقَات بَعضهم فِي بعض فليقبل قَول الصَّحَابَة بَعضهم فِي بعض فَإِن فعل ذَلِك فقد ضل ضلالا بَعيدا
وخسر خسرانا مُبينًا
قَالَ وَإِن لم يفعل وَلنْ يفعل إِن هداه اللَّه وألهمه رشده فليقف عِنْدَمَا شرطناه فِي أَن لَا يقبل فِي صَحِيح الْعَدَالَة الْمَعْلُوم بِالْعلمِ عنايته قَول قَائِل لَا برهَان لَهُ
قلت هَذَا كَلَام ابْن عَبْد الْبر وَهُوَ عَلَى حسنه غير صَاف عَن القذى والكدر فَإِنَّهُ لم يزدْ فِيهِ عَلَى قَوْله إِن من ثبتَتْ عَدَالَته ومعرفته لَا يقبل قَول جارحه إِلَّا ببرهان وَهَذَا قد أَشَارَ إِلَيْهِ الْعلمَاء جَمِيعًا حَيْثُ قَالُوا لَا يقبل الْجرْح إِلَّا مُفَسرًا
فَمَا الَّذِي زَاده ابْن عَبْد الْبر عَلَيْهِم وَإِن أَوْمَأ إِلَى أَن كَلَام النظير فِي النظير وَالْعُلَمَاء بَعضهم فِي بعض مَرْدُود مُطلقًا كَمَا قدمْنَاهُ عَن المبسوطة فليفصح بِهِ ثمَّ هُوَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ هَذَا عَلَى إِطْلَاقه بل لابد من زِيَادَة عَلَى قَوْلهم إِن الْجرْح مقدم عَلَى التَّعْدِيل
ونقصان من قَوْلهم كَلَام النظير فِي النظير مَرْدُود
стр. 347
وَالْقَاعِدَة معقودة لهَذِهِ الْجُمْلَة وَلم ينح ابْن عَبْد الْبر فِيمَا يظْهر سواهَا وَإِلَّا لصرح بِأَن كَلَام الْعلمَاء بَعضهم فِي بعض مَرْدُود أَو لَكَانَ كَلَامه غير مُفِيد فَائِدَة زَائِدَة عَلَى مَا ذكره النَّاس وَلَكِن عِبَارَته كَمَا ترى قَاصِرَة عَن المُرَاد
فَإِن قلت فَمَا الْعبارَة الوافية بِمَا ترَوْنَ
قلت مَا عرفناك أَولا من أَن الْجَارِح لَا يقبل مِنْهُ الْجرْح وَإِن فسره فِي حق من غلبت طاعاته عَلَى مَعَاصيه ومادحوه عَلَى ذاميه ومزكوه عَلَى جارحيه إِذا كَانَت هُنَاكَ قرينَة يشْهد الْعقل بِأَن مثلهَا حَامِل عَلَى الوقيعة فِي الذى جرحه من تعصب مذهبي أَو مُنَافَسَة دنيوية كَمَا يكون من النظراء أَو غير ذَلِك فَنَقُول مثلا لَا يلْتَفت إِلَى كَلَام ابْن أَبِي ذيب فِي مَالك وَابْن معِين فِي الشَّافِعِي وَالنَّسَائِيّ فِي أَحْمَد بْن صَالح لِأَن هَؤُلَاءِ أَئِمَّة مَشْهُورُونَ صَار الْجَارِح لَهُم كالآتي بِخَبَر غَرِيب لَو صَحَّ لتوفرت الدَّوَاعِي عَلَى نَقله وَكَانَ الْقَاطِع قَائِما عَلَى كذبه
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يتفقد عِنْد الْجرْح حَال العقائد واختلافها بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَارِح والمجروح فَرُبمَا خَالف الْجَارِح الْمَجْرُوح فِي العقيدة فجرحه لذَلِك وَإِلَيْهِ أَشَارَ الرَّافِعِيّ بقوله وَيَنْبَغِي أَن يكون المزكون بُرَآء من الشحناء والعصبية فِي الْمَذْهَب خوفًا من أَن يحملهم ذَلِك عَلَى جرح عدل أَو تَزْكِيَة فَاسق وَقد وَقع هَذَا لكثير من الْأَئِمَّة جرحوا بِنَاء عَلَى معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مُصِيب وَقد أَشَارَ شيخ الْإِسْلَام سيد الْمُتَأَخِّرين تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد فِي كِتَابه الاقتراح إِلَى هَذَا الْإِسْلَام سيد الْمُتَأَخِّرين تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد فِي كِتَابه الاقتراح إِلَى هَذَا وَقَالَ أَعْرَاض الْمُسلمين حُفْرَة من حفر النَّار وقف عَلَى شفيرها طَائِفَتَانِ من النَّاس المحدثون والحكام
قلت وَمن أَمْثِلَة مَا قدمنَا قَول بَعضهم فِي البُخَارِيّ تَركه أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم من أجل مَسْأَلَة اللَّفْظ فيالله وَالْمُسْلِمين أَيجوزُ لأحد أَن يَقُول البُخَارِيّ مَتْرُوك وَهُوَ حَامِل
стр. 348
لِوَاء الصِّنَاعَة ومقدم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ثمَّ يالله وَالْمُسْلِمين أَتجْعَلُ ممادحه مذام فَإِن الْحق فِي مَسْأَلَة اللَّفْظ مَعَه إِذْ لَا يستريب عَاقل من المخلوقين فِي أَن تلفظه من أَفعاله الْحَادِثَة الَّتِي هِيَ مخلوقة لله تَعَالَى وَإِنَّمَا أنكرها الإِمَام أَحْمَد ﵁ لبشاعة لَفظهَا
وَمن ذَلِك قَول بعض المجسمة فِي أَبِي حَاتِم ابْن حبَان لم يكن لَهُ كَبِير دين نَحن أخرجناه من سجستان لِأَنَّهُ أنكر الْحَد لله فياليت شعري من أَحَق بِالْإِخْرَاجِ من يَجْعَل ربه محدودا أَو من ينزهه عَن الجسمية
وأمثلة هَذَا تكْثر وَهَذَا شَيخنَا الذَّهَبِيّ ﵀ من هَذَا الْقَبِيل لَهُ علم وديانة وَعِنْده عَلَى أهل السّنة تحمل مفرط فَلَا يجوز أَن يعْتَمد عَلَيْهِ
ونقلت من خطّ الْحَافِظ صَلَاح الدّين خَلِيل بن كيكلدى العلائي ﵀ مَا نَصه الشَّيْخ الْحَافِظ شمس الدّين الذَّهَبِيّ لَا أَشك فِي دينه وورعه وتحريه فِيمَا يَقُوله النَّاس وَلكنه غلب عَلَيْهِ مَذْهَب الْإِثْبَات ومنافرة التَّأْوِيل والغفلة عَن التَّنْزِيه حَتَّى أثر ذَلِك فِي طبعه انحرافا شَدِيدا عَن أهل التَّنْزِيه وميلا قَوِيا إِلَى أهل الْإِثْبَات فَإِذا ترْجم وَاحِدًا مِنْهُم يطنب فِي وَصفه بِجَمِيعِ مَا قِيلَ فِيهِ من المحاسن ويبالغ فِي وَصفه ويتغافل عَن غلطاته ويتأول لَهُ مَا أمكن وَإِذا ذكر أحدا من الطّرف الآخر كإمام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَنَحْوهمَا لَا يُبَالغ فِي وَصفه وَيكثر من قَول من طعن فِيهِ وَيُعِيد ذَلِك ويبديه ويعتقده دينا وَهُوَ لَا يشْعر ويعرض عَن محاسنهم الطافحة فَلَا يستوعبها وَإِذا ظفر لأحد مِنْهُم بغلطة ذكرهَا وَكَذَلِكَ فعله فِي أهل عصرنا إِذا لم يقدر عَلَى أحد مِنْهُم بتصريح يَقُول فِي تَرْجَمته وَالله يصلحه وَنَحْو ذَلِك وَسَببه الْمُخَالفَة فِي العقائد
انْتهى
وَالْحَال فِي حق شَيخنَا الذَّهَبِيّ أَزِيد مِمَّا وصف وَهُوَ شَيخنَا ومعلمنا غير أَن الْحق أَحَق أَن يتبع وَقد وصل من التعصب المفرط إِلَى حد يسخر مِنْهُ
وَأَنا أخْشَى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة من غَالب عُلَمَاء الْمُسلمين وأئمتهم الَّذين حملُوا لنا الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة فَإِن غالبهم أشاعرة وَهُوَ إِذا وَقع بأشعري لَا يبقي وَلَا يذر
وَالَّذِي أعتقده أَنهم خصماؤه يَوْم الْقِيَامَة عِنْد
стр. 349
من لَعَلَّ أَدْنَاهُم عِنْده أوجه مِنْهُ فَالله الْمَسْئُول أَن يُخَفف عَنهُ وَأَن يلهمهم الْعَفو عَنهُ وَأَن يشفعهم فِيهِ
وَالَّذِي أدركنا عَلَيْهِ الْمَشَايِخ النَّهْي عَن النّظر فِي كَلَامه وَعدم اعْتِبَار قَوْله وَلم يكن يستجري أَن يظْهر كتبه التاريخية إِلَّا لمن يغلب عَلَى ظَنّه أَنه لَا ينْقل عَنهُ مَا يعاب عَلَيْهِ
وَأما قَول العلائي ﵀ دينه وورعه وتحريه فِيمَا يَقُوله فقد كنت أعتقد ذَلِك وَأَقُول عِنْد هَذِهِ الْأَشْيَاء إِنَّه رُبمَا اعتقدها دينا وَمِنْهَا أُمُور أقطع بِأَنَّهُ يعرف بِأَنَّهَا كذب وأقطع بِأَنَّهُ لَا يختلقها وأقطع بِأَنَّهُ يحب وَضعهَا فِي كتبه لتنتشر وأقطع بِأَنَّهُ يحب أَن يعْتَقد سامعها صِحَّتهَا بغضا للمتحدث فِيهِ وتنفيرا للنَّاس عَنهُ مَعَ قلَّة مَعْرفَته بمدلولات الْأَلْفَاظ وَمَعَ اعْتِقَاده أَن هَذَا مِمَّا يُوجب نصر العقيدة الَّتِي يعتقدها هُوَ حَقًا وَمَعَ عدم ممارسته لعلوم الشَّرِيعَة غير أَنِّي لما أكثرت بعد مَوته النّظر فِي كَلَامه عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى النّظر فِيهِ توقفت فِي تحريه فِيمَا يَقُوله وَلَا أَزِيد عَلَى هَذَا غير الإحالة عَلَى كَلَامه فَلْينْظر كَلَامه من شَاءَ ثمَّ يبصر هَل الرجل متحر عِنْد غَضَبه أَو غير متحر وأعنى بغضبه وَقت تَرْجَمته لوَاحِد من عُلَمَاء الْمذَاهب الثَّلَاثَة الْمَشْهُورين من الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة فَإِنِّي أعتقد أَن الرجل كَانَ إِذا مد الْقَلَم لترجمة أحدهم غضب غَضبا مفرطا ثمَّ قرطم الْكَلَام ومزقه وَفعل من التعصب مَالا يخفى عَلَى ذِي بَصِيرَة ثمَّ هُوَ مَعَ ذَلِك غير خَبِير بمدلولات الْأَلْفَاظ كَمَا يَنْبَغِي فَرُبمَا ذكر لَفْظَة من الذَّم لَو عقل مَعْنَاهَا لما نطق بهَا ودائما أتعجب من ذكره الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ فِي كتاب الْمِيزَان فِي الضُّعَفَاء وَكَذَلِكَ السَّيْف الْآمِدِيّ وَأَقُول يالله الْعجب هَذَانِ لَا رِوَايَة لَهما وَلَا جرحهما أحد وَلَا سمع من أحد أَنه ضعفهما فِيمَا ينقلانه من علومهما فَأَي مدْخل لَهما فِي هَذَا الْكتاب ثمَّ إِنَّا لم نسْمع أحدا يُسَمِّي الإِمَام فَخر الدّين بالفخر بل إِمَّا الإِمَام وَإِمَّا ابْن الْخَطِيب وَإِذا ترْجم كَانَ فِي المُحَمَّدين فَجعله فِي حرف الْفَاء وَسَماهُ الْفَخر ثمَّ حلف فِي آخر الْكتاب
стр. 350
أَنه لم يتَعَمَّد فِيهِ هوى نَفسه فَأَي هوى نفس أعظم من هَذَا فإمَّا أَن يكون ورى فِي يَمِينه أَو اسْتثْنى غير الروَاة فَيُقَال لَهُ فَلم ذكرت غَيرهم وَإِمَّا أَن يكون اعْتقد أَن هَذَا لَيْسَ هوى نفس وَإِذا وصل إِلَى هَذَا الْحَد وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَهُوَ مطبوع عَلَى قلبه
ولنعد إِلَى مَا كُنَّا بصدده فَنَقُول
فَإِن قلت قَوْلكُم لابد من تفقد حَال العقائد هَل تعنون بِهِ أَنه لَا يقبل قَول مُخَالف عقيدة فِيمَن خَالفه مُطلقًا سَوَاء السّني عَلَى المبتدع وَعَكسه أَو غير ذَلِك قلت هَذَا مَكَان معضل يجب عَلَى طَالب التَّحْقِيق التَّوَقُّف عِنْده لفهم مَا يلقى عَلَيْهِ وَأَن لَا يُبَادر لإنكار شَيْء قبل التَّأَمُّل فِيهِ
وَاعْلَم أَنا عنينا مَا هُوَ أَعم من ذَلِك ولسنا نقُول لَا تقبل شَهَادَة السّني عَن المبتدع مُطلقًا معَاذ اللَّه وَلَكِن نقُول من شهد عَلَى آخر وَهُوَ مُخَالف لَهُ فِي العقيدة أوجبت مُخَالفَته لَهُ فِي العقيدة رِيبَة عِنْد الْحَاكِم الْمُنْتَصر لَا يجدهَا إِذا كَانَت الشَّهَادَة صادرة من غير مُخَالف فِي العقيدة وَلَا يُنكر ذَلِك إِلَّا فدم أخرق
ثمَّ الْمَشْهُود بِهِ يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال والأغراض فَرُبمَا وضح غَرَض الشَّاهِد عَلَى الْمَشْهُود عَلَيْهِ إيضاحا لَا يخفى عَلَى أحد وَذَلِكَ لقُرْبه من نصر معتقده أَو مَا أشبه ذَلِك وَرُبمَا دق وغمض بِحَيْثُ لَا يُدْرِكهُ إِلَّا الفطن من الْحُكَّام وَرب شَاهد من أهل السّنة ساذج قد مقت المبتدع مقتا زَائِدا عَلَى مَا يَطْلُبهُ اللَّه مِنْهُ وأساء الظَّن بِهِ إساءة أوجبت لَهُ تَصْدِيق مَا يبلغهُ عَنهُ فَبَلغهُ عَنهُ شئ فغلب عَلَى ظَنّه صدقه لما قدمْنَاهُ فَشهد بِهِ فسبيل الْحَاكِم التَّوَقُّف فِي مثل هَذَا إِلَى أَن يتَبَيَّن لَهُ الْحَال فِيهِ وسبيل الشَّاهِد الْوَرع وَلَو كَانَ من أَصْلَب أهل السّنة أَن يعرض عَلَى نَفسه مَا نقل لَهُ عَن هَذَا المبتدع وَقد صدقه وعزم عَلَى أَن شهد عَلَيْهِ بِهِ أَن يعرض عَلَى نَفسه مثل هَذَا الْخَبَر بِعَيْنِه وَهَذَا الْمخبر بِعَيْنِه لَو كَانَ عَن شخص من أهل عقيدته هَل كَانَ يصدقهُ وَبِتَقْدِير أَنه كَانَ يصدقهُ فَهَل كَانَ يُبَادر إِلَى الشَّهَادَة عَلَيْهِ بِهِ وَبِتَقْدِير أَنه كَانَ يُبَادر فليوازن مَا بَين المبادرتين فَإِن وجدهما سَوَاء فدونه وَإِلَّا فَليعلم أَن حَظّ النَّفس دَاخله وأزيد من ذَلِك أَن الشَّيْطَان استولى عَلَيْهِ
стр. 351
فخيل لَهُ أَن هَذِهِ قربَة وَقيام فِي نصر الْحق وليعلم من هَذِهِ سَبيله أَنه أَتَى من جهل وَقلة دين
وَهَذَا قَوْلنَا فِي سني يجرح مبتدعا فَمَا الظَّن بِمُبْتَدعٍ يجرح سنيا كَمَا قدمْنَاهُ
وَفِي المبتدعة لَا سِيمَا المجسمة زِيَادَة لَا تُوجد فِي غَيرهم وَهُوَ أَنهم يرَوْنَ الْكَذِب لنصرة مَذْهَبهم وَالشَّهَادَة عَلَى من يخالفهم فِي العقيدة بِمَا يسوءه فِي نَفسه وَمَاله بِالْكَذِبِ تأييدا لاعتقادهم ويزداد حنقهم وتقربهم إِلَى اللَّه بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ بِمِقْدَار زِيَادَته فِي النّيل مِنْهُم فَهَؤُلَاءِ لَا يحل لمُسلم أَن يعْتَبر كَلَامهم
فَإِن قلت أَلَيْسَ أَن الصَّحِيح فِي الْمَذْهَب قبُول شَهَادَة المبتدع إِذا لم نكفره قلت قبُول شَهَادَته لَا يُوجب دفع الرِّيبَة عِنْد شَهَادَته عَلَى مخالفه فِي العقيدة والريبة توجب الفحص والتكشف والتثبت وَهَذِه أُمُور تظهر الْحق إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِذا اعتمدت عَلَى مَا يَنْبَغِي
وَفِي تعليقة القَاضِي الْحُسَيْن لَا يجوز أَن يبغض الرجل لِأَنَّهُ من مَذْهَب كَذَا فَإِن ذَلِك يُوجب رد الشَّهَادَة
انْتهى
وَمرَاده لِأَنَّهُ من مَذْهَب من الْمذَاهب المقبولة أما إِذا أبغضه لكَونه مبتدعا فَلَا ترد شَهَادَته
وَاعْلَم أَن مَا ذَكرْنَاهُ من قبُول شَهَادَة المبتدع هُوَ مَا صَححهُ النَّوَوِيّ وَهُوَ مصادم لنَصّ الشَّافِعِي عَلَى عدم قبُول الخطابية وَهِي طَريقَة الْأَصْحَاب وَأَصْحَاب هَذِهِ الطَّرِيقَة يَقُولُونَ لَو شهد خطابي وَذكر فِي شَهَادَته مَا يقطع احْتِمَال الِاعْتِمَاد عَلَى قَول الْمُدَّعِي بِأَن قَالَ سَمِعت فلَانا يقر بِكَذَا لفُلَان أَو رَأَيْته أقْرضهُ قبلت شَهَادَته وَهَذَا مِنْهُم بِنَاء عَلَى أَن الْخطابِيّ يرى جَوَاز الشَّهَادَة لصَاحبه إِذا سَمعه يَقُول لي عَلَى فلَان كَذَا فَصدقهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّافِعِي
وَقد تزايد الْحَال بالخطابية وهم المجسمة فِي زَمَاننَا هَذَا فصاروا يرَوْنَ الْكَذِب عَلَى مخالفيهم فِي العقيدة لَا سِيمَا الْقَائِم عَلَيْهِم بِكُل مَا يسوءه فِي نَفسه وَمَاله
وَبَلغنِي أَن كَبِيرهمْ استفتى فِي شَافِعِيّ أيشهد عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ فَقَالَ أَلَسْت تعتقد أَن دَمه حَلَال قَالَ نعم قَالَ فَمَا دون ذَلِك دون دَمه فاشهد وادفع فَسَاده عَن الْمُسلمين
стр. 352
فَهَذِهِ عقيدتهم ويرون أَنهم الْمُسلمُونَ وَأَنَّهُمْ أهل السّنة وَلَو عدوا عددا لما بلغ علماؤهم وَلَا عَالم فيهم عَلَى الْحَقِيقَة مبلغا يعْتَبر ويكفرون غَالب عُلَمَاء الْأمة ثمَّ يعتزون إِلَى الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ وَهُوَ مِنْهُم برِئ وَلكنه كَمَا قَالَ بعض العارفين ورأيته بِخَط الشَّيْخ تقى الدّين ابْن الصّلاح إمامان ابتلاهما الله بأصحابهما وهما بريان مِنْهُم أَحْمد ابْن حَنْبَل ابْتُلِيَ بالمُجَسِّمَة وجعفر الصَّادِق ابْتُلِيَ بالرافضة
ثمَّ هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ عَلَى طَريقَة النَّوَوِيّ ﵀ وَالَّذِي أرَاهُ أَن لَا تقبل شَهَادَتهم عَلَى سني
فَإِن قلت هَل هَذَا رأى الشَّيْخ أَبِي حَامِد وَمن تَابعه أَن أهل الْأَهْوَاء كلهم لَا تقبل لَهُم شَهَادَة
قلت لَا بل هَذَا قَول بِأَن شَهَادَتهم عَلَى مخالفيهم فِي العقيدة غير مَقْبُولَة وَلَو كَانَ مخالفهم فِي العقيدة مبتدعا وَهَذَا لَا أعتقد أَن النَّوَوِيّ وَلَا غَيره يُخَالف فِيهِ وَالَّذِي قَالَه النَّوَوِيّ قبُول شَهَادَة المبتدع إِذا لم نكفره عَلَى الْجُمْلَة أما أَن شَهَادَته تقبل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مخالفه فِي العقيدة مَعَ مَا هُنَاكَ من الرِّيبَة فَلم يقل النَّوَوِيّ وَلَا غَيره ذَلِك
فَإِن قلت غَايَة الْمُخَالفَة فِي العقيدة أَن توجب عَدَاوَة وَهِي دينية فَلَا توجب رد الشَّهَادَة
قلت إِنَّمَا لَا توجب رد الشَّهَادَة من المحق عَلَى الْمُبْطل كَمَا قَالَ الْأَصْحَاب تقبل شَهَادَة السّني عَلَى المبتدع وَكَذَا من أبْغض الْفَاسِق لفسقه ثمَّ سأعرفك مَا فِيهِ وَأما عَكسه وَهُوَ المبتدع عَلَى السّني فَلم يقلهُ أحد من أَصْحَابنَا
ثمَّ أَقُول فِي مَا ذكره الْأَصْحَاب من قبُول شَهَادَة السّني عَلَى المبتدع إِنَّمَا ذَلِك فِي سني لم يصل فِي حق المبتدع وبغضه لَهُ إِلَى أَن يصير عِنْده حَظّ نفس قد يحملهُ عَلَى التعصب عَلَيْهِ وَكَذَا الشَّاهِد عَلَى الْفَاسِق فَمن وصل من السّني وَالشَّاهِد عَلَى الْفَاسِق إِلَى هَذَا الْحَد
стр. 353
لم أقبل شَهَادَته عَلَيْهِ لِأَن عِنْدهمَا زِيَادَة عَلَى مَا طلبه الشَّارِع مِنْهُمَا أوجبت عِنْدِي الرِّيبَة فِي أَمرهمَا فكم من شَاهد رَأَيْته يبغض إنْسَانا وَيشْهد عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ تدينا وَجَاءَنِي وَأدّى الشَّهَادَة عِنْدِي باكيا وَقت تأديته الشَّهَادَة عَلَى الدّين فرقا خَائفًا أَن يخسف بِالْمُسْلِمين لوُجُود الْمَشْهُود عَلَيْهِ بَين أظهرنَا
وَأَنا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أعتقد وأتيقن أَن الْمَشْهُود عَلَيْهِ خير مِنْهُ وَلَا أَقُول إِنَّه كذب عَلَيْهِ عَامِدًا بل إِنَّه بنى عَلَى الظَّن وَصدق أقوالا ضَعِيفَة أبْغض الْمَشْهُود عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا فمنذ أبغضه لحقه هوى النَّفس وَاسْتولى عَلَيْهِ الشَّيْطَان وَصَارَ الْحَامِل لَهُ فِي نفس الْأَمر حَظّ نَفسه وَفِيمَا يخْطر لَهُ الدّين
هَذَا مَا شاهدته وأبصرته ولي فِي الْقَضَاء سِنِين عديدة فليتق اللَّه امْرُؤ وقف عَلَى حُفْرَة من حفر النَّار فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قد جعلني اللَّه قَاضِيا ومحدثا وَقد قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد أَعْرَاض النَّاس حُفْرَة من حفر النَّار وقف عَلَيْهَا المحدثون والحكام
وَمِمَّا يُؤَيّد مَا قلته أَن أَصْحَابنَا قَالُوا من استباح دم غَيره من الْمُسلمين وَلم يقدر عَلَى قَتله فَشهد عَلَيْهِ بقتل لم يقتل ذكره الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر فِي بَاب من تجوز شَهَادَته نقلا عَن بعض أَصْحَابنَا ساكتا عَلَيْهِ وَلَا يعرف فِي الْمَذْهَب خِلَافه فَإِن قلت قد قَالَ عقيبة وَمن شتم متأولا ثمَّ شهد عَلَيْهِ قبل أَو غير متأول فَلَا
قلت يَعْنِي بِالْقبُولِ بعد الشتم متأولا الشَّهَادَة بِأَمْر معِين وَنحن نعلم أَنه لَا يحملهُ عَلَيْهَا بغض فَلَيْسَ كمن وصفناه
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يتفقد عِنْد الْجرْح أَيْضًا حَال الْجَارِح فِي الْخِبْرَة بمدلولات الْأَلْفَاظ فكثيرا مَا رَأَيْت من يسمع لَفْظَة فيفهمها عَلَى غير وَجههَا
والخبرة بمدلولات الْأَلْفَاظ وَلَا سِيمَا الْأَلْفَاظ الْعُرْفِيَّة الَّتِي تخْتَلف باخْتلَاف عرف النَّاس وَتَكون فِي بعض الْأَزْمِنَة مدحا وَفِي بَعْضهَا ذما أَمر شَدِيد لَا يُدْرِكهُ إِلَّا قعيد بِالْعلمِ
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يتفقد أَيْضًا حَاله فِي الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة فَرب جَاهِل ظن الْحَلَال حَرَامًا فجرح بِهِ وَمن هُنَا أوجب الْفُقَهَاء التَّفْسِير ليتوضح الْحَال
стр. 354
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ حضرت بِمصْر رجلا مزكيا يجرح رجلا فَسئلَ عَن سَببه وألح عَلَيْهِ فَقَالَ رَأَيْته يَبُول قَائِما
قِيلَ وَمَا فِي ذَلِك قَالَ يرد الرّيح من رشاشه عَلَى يَده وثيابه فَيصَلي فِيهِ
قِيلَ هَل رَأَيْته قد أَصَابَهُ الرشاش وَصلى قبل أَن يغسل مَا أَصَابَهُ قَالَ لَا وَلَكِن أرَاهُ سيفعل
قَالَ صَاحب الْبَحْر وَحكي أَن رجلا جرح رجلا وَقَالَ إِنَّه طين سطحه بطين استخرج من حَوْض السَّبِيل
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَيْضًا تفقده وَقد نبه عَلَيْهِ شيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق الْعِيد الْخلاف الْوَاقِع بَين كثير من الصُّوفِيَّة وَأَصْحَاب الحَدِيث فقد أوجب كَلَام بَعضهم فِي بعض كَمَا تكلم بَعضهم فِي حق الْحَارِث المحاسبي وَغَيره وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة دَاخل فِي قسم مُخَالفَة العقائد وَإِن عده ابْن دَقِيق الْعِيد غَيره
والطامة الْكُبْرَى إِنَّمَا هِيَ فِي العقائد المثيرة للتعصب والهوى نعم وَفِي المنافسات الدُّنْيَوِيَّة عَلَى حطام الدُّنْيَا وَهَذَا فِي الْمُتَأَخِّرين أَكثر مِنْهُ فِي الْمُتَقَدِّمين وَأمر العقائد سَوَاء فِي الْفَرِيقَيْنِ
وَقد وصل حَال بعض المجسمة فِي زَمَاننَا إِلَى أَن كتب شرح صَحِيح مُسلم للشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ وَحذف من كَلَام النَّوَوِيّ مَا تكلم بِهِ عَلَى أَحَادِيث الصِّفَات فَإِن النَّوَوِيّ أشعري العقيدة فَلم تحمل قوى هَذَا الْكَاتِب أَن يكْتب الْكتاب عَلَى الْوَضع الَّذِي صنفه مُصَنفه
وَهَذَا عِنْدِي من كَبَائِر الذُّنُوب فَإِنَّهُ تَحْرِيف للشريعة وَفتح بَاب لَا يُؤمن مَعَه بكتب النَّاس وَمَا فِي أَيْديهم من المصنفات فقبح اللَّه فَاعله وأخزاه وَقد كَانَ فِي غنية عَن كِتَابَة هَذَا الشَّرْح وَكَانَ الشَّرْح فِي غنية عَنهُ
ولنعد إِلَى الْكَلَام فِي الجارحين عَلَى النَّحْو الَّذِي عرفناك
فَإِن قلت فَهَذَا يعود بِالْجرْحِ عَلَى الْجَارِح حَيْثُ جرح لَا فِي مَوْضِعه
قلت أما من تكلم بالهوى وَنَحْوه فَلَا شكّ فِيهِ وَأما من تكلم بمبلغ ظَنّه فَهُنَا
стр. 355
وَقْفَة محتومة عَلَى طَالب التحقيقات ومزلة تَأْخُذ بأقدام من لَا يبرأ عَن حوله وقوته ويكل أمره إِلَى عَالم الخفيات
فَنَقُول لَا شكّ أَن من تكلم فِي إِمَام اسْتَقر فِي الأذهان عَظمته وتناقلت الروَاة ممادحه فقد جر الملام إِلَى نَفسه وَلَكنَّا لَا نقضي أَيْضًا عَلَى من عرفت عَدَالَته إِذا جرح من لم يقبل مِنْهُ جرحه إِيَّاه بِالْفِسْقِ بل نجوز أمورا أَحدهَا أَن يكون واهما وَمن ذَا الَّذِي لَا يهم وَالثَّانِي أَن يكون مؤولا قد جرح بشئ ظَنّه جارحا وَلَا يرَاهُ الْمَجْرُوح كَذَلِك كاختلاف الْمُجْتَهدين
وَالثَّالِث أَن يكون نَقله إِلَيْهِ من يرَاهُ هُوَ صَادِقا ونراه نَحن كَاذِبًا وَهَذَا لاختلافنا فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَرب مَجْرُوح عِنْد عَالم معدل عِنْد غَيره فَيَقَع الِاخْتِلَاف فِي الِاحْتِجَاج حسب الِاخْتِلَاف فِي تزكيته فَلم يتَعَيَّن أَن يكون الْحَامِل للجارح عَلَى الْجرْح مُجَرّد التعصب والهوى حَتَّى يجرحه بِالْجرْحِ
ومعنا أصلان نستصحبهما إِلَى أَن نتيقن خلافهما أصل عَدَالَة الإِمَام الْمَجْرُوح الَّذِي قد اسْتَقَرَّتْ عَظمته وأصل عَدَالَة الْجَارِح الَّذِي يثبت فَلَا يلْتَفت إِلَى جرحه وَلَا نجرحه بجرحه
فاحفظ هَذَا الْمَكَان فَهُوَ من الْمُهِمَّات
فَإِن قلت فَهَل مَا قررتموه مُخَصص لقَوْل الْأَئِمَّة إِن الْجرْح مقدم لأنكم تستثنون جارحا لمن هَذَا شَأْنه قد ندر بَين المعدلين قلت لَا فَإِن قَوْلهم الْجرْح مقدم إِنَّمَا يعنون بِهِ حَالَة تعَارض الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَإِذا تَعَارضا لأمر من جِهَة التَّرْجِيح قدمنَا الْجرْح لما فِيهِ من زِيَادَة الْعلم وتعارضهما هُوَ تَعَارضا لأمر من جِهَة التَّرْجِيح قدمنَا الْجرْح لما فِيهِ من زِيَادَة الْعلم وتعارضهما هُوَ اسْتِوَاء الظَّن عِنْدهمَا لِأَن هَذَا شَأْن المتعارضين أما إِذا لم يَقع اسْتِوَاء الظَّن عِنْدهمَا فَلَا تعَارض بل الْعَمَل بأقوى الظنين من جرح أَو تَعْدِيل
وَمَا نَحن فِيهِ لم يتعارضا لِأَن غَلَبَة الظَّن بِالْعَدَالَةِ قَائِمَة وَهَذَا كَمَا أَن عدد الْجَارِح إِذا كَانَ أَكثر قدم الْجرْح
следующие страницы →