Полный текст (3 926 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فخيل لَهُ أَن هَذِهِ قربَة وَقيام فِي نصر الْحق وليعلم من هَذِهِ سَبيله أَنه أَتَى من جهل وَقلة دين
وَهَذَا قَوْلنَا فِي سني يجرح مبتدعا فَمَا الظَّن بِمُبْتَدعٍ يجرح سنيا كَمَا قدمْنَاهُ
وَفِي المبتدعة لَا سِيمَا المجسمة زِيَادَة لَا تُوجد فِي غَيرهم وَهُوَ أَنهم يرَوْنَ الْكَذِب لنصرة مَذْهَبهم وَالشَّهَادَة عَلَى من يخالفهم فِي العقيدة بِمَا يسوءه فِي نَفسه وَمَاله بِالْكَذِبِ تأييدا لاعتقادهم ويزداد حنقهم وتقربهم إِلَى اللَّه بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ بِمِقْدَار زِيَادَته فِي النّيل مِنْهُم فَهَؤُلَاءِ لَا يحل لمُسلم أَن يعْتَبر كَلَامهم
فَإِن قلت أَلَيْسَ أَن الصَّحِيح فِي الْمَذْهَب قبُول شَهَادَة المبتدع إِذا لم نكفره قلت قبُول شَهَادَته لَا يُوجب دفع الرِّيبَة عِنْد شَهَادَته عَلَى مخالفه فِي العقيدة والريبة توجب الفحص والتكشف والتثبت وَهَذِه أُمُور تظهر الْحق إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِذا اعتمدت عَلَى مَا يَنْبَغِي
وَفِي تعليقة القَاضِي الْحُسَيْن لَا يجوز أَن يبغض الرجل لِأَنَّهُ من مَذْهَب كَذَا فَإِن ذَلِك يُوجب رد الشَّهَادَة
انْتهى
وَمرَاده لِأَنَّهُ من مَذْهَب من الْمذَاهب المقبولة أما إِذا أبغضه لكَونه مبتدعا فَلَا ترد شَهَادَته
وَاعْلَم أَن مَا ذَكرْنَاهُ من قبُول شَهَادَة المبتدع هُوَ مَا صَححهُ النَّوَوِيّ وَهُوَ مصادم لنَصّ الشَّافِعِي عَلَى عدم قبُول الخطابية وَهِي طَريقَة الْأَصْحَاب وَأَصْحَاب هَذِهِ الطَّرِيقَة يَقُولُونَ لَو شهد خطابي وَذكر فِي شَهَادَته مَا يقطع احْتِمَال الِاعْتِمَاد عَلَى قَول الْمُدَّعِي بِأَن قَالَ سَمِعت فلَانا يقر بِكَذَا لفُلَان أَو رَأَيْته أقْرضهُ قبلت شَهَادَته وَهَذَا مِنْهُم بِنَاء عَلَى أَن الْخطابِيّ يرى جَوَاز الشَّهَادَة لصَاحبه إِذا سَمعه يَقُول لي عَلَى فلَان كَذَا فَصدقهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّافِعِي
وَقد تزايد الْحَال بالخطابية وهم المجسمة فِي زَمَاننَا هَذَا فصاروا يرَوْنَ الْكَذِب عَلَى مخالفيهم فِي العقيدة لَا سِيمَا الْقَائِم عَلَيْهِم بِكُل مَا يسوءه فِي نَفسه وَمَاله
وَبَلغنِي أَن كَبِيرهمْ استفتى فِي شَافِعِيّ أيشهد عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ فَقَالَ أَلَسْت تعتقد أَن دَمه حَلَال قَالَ نعم قَالَ فَمَا دون ذَلِك دون دَمه فاشهد وادفع فَسَاده عَن الْمُسلمين
стр. 352
فَهَذِهِ عقيدتهم ويرون أَنهم الْمُسلمُونَ وَأَنَّهُمْ أهل السّنة وَلَو عدوا عددا لما بلغ علماؤهم وَلَا عَالم فيهم عَلَى الْحَقِيقَة مبلغا يعْتَبر ويكفرون غَالب عُلَمَاء الْأمة ثمَّ يعتزون إِلَى الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ وَهُوَ مِنْهُم برِئ وَلكنه كَمَا قَالَ بعض العارفين ورأيته بِخَط الشَّيْخ تقى الدّين ابْن الصّلاح إمامان ابتلاهما الله بأصحابهما وهما بريان مِنْهُم أَحْمد ابْن حَنْبَل ابْتُلِيَ بالمُجَسِّمَة وجعفر الصَّادِق ابْتُلِيَ بالرافضة
ثمَّ هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ عَلَى طَريقَة النَّوَوِيّ ﵀ وَالَّذِي أرَاهُ أَن لَا تقبل شَهَادَتهم عَلَى سني
فَإِن قلت هَل هَذَا رأى الشَّيْخ أَبِي حَامِد وَمن تَابعه أَن أهل الْأَهْوَاء كلهم لَا تقبل لَهُم شَهَادَة
قلت لَا بل هَذَا قَول بِأَن شَهَادَتهم عَلَى مخالفيهم فِي العقيدة غير مَقْبُولَة وَلَو كَانَ مخالفهم فِي العقيدة مبتدعا وَهَذَا لَا أعتقد أَن النَّوَوِيّ وَلَا غَيره يُخَالف فِيهِ وَالَّذِي قَالَه النَّوَوِيّ قبُول شَهَادَة المبتدع إِذا لم نكفره عَلَى الْجُمْلَة أما أَن شَهَادَته تقبل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مخالفه فِي العقيدة مَعَ مَا هُنَاكَ من الرِّيبَة فَلم يقل النَّوَوِيّ وَلَا غَيره ذَلِك
فَإِن قلت غَايَة الْمُخَالفَة فِي العقيدة أَن توجب عَدَاوَة وَهِي دينية فَلَا توجب رد الشَّهَادَة
قلت إِنَّمَا لَا توجب رد الشَّهَادَة من المحق عَلَى الْمُبْطل كَمَا قَالَ الْأَصْحَاب تقبل شَهَادَة السّني عَلَى المبتدع وَكَذَا من أبْغض الْفَاسِق لفسقه ثمَّ سأعرفك مَا فِيهِ وَأما عَكسه وَهُوَ المبتدع عَلَى السّني فَلم يقلهُ أحد من أَصْحَابنَا
ثمَّ أَقُول فِي مَا ذكره الْأَصْحَاب من قبُول شَهَادَة السّني عَلَى المبتدع إِنَّمَا ذَلِك فِي سني لم يصل فِي حق المبتدع وبغضه لَهُ إِلَى أَن يصير عِنْده حَظّ نفس قد يحملهُ عَلَى التعصب عَلَيْهِ وَكَذَا الشَّاهِد عَلَى الْفَاسِق فَمن وصل من السّني وَالشَّاهِد عَلَى الْفَاسِق إِلَى هَذَا الْحَد
стр. 353
لم أقبل شَهَادَته عَلَيْهِ لِأَن عِنْدهمَا زِيَادَة عَلَى مَا طلبه الشَّارِع مِنْهُمَا أوجبت عِنْدِي الرِّيبَة فِي أَمرهمَا فكم من شَاهد رَأَيْته يبغض إنْسَانا وَيشْهد عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ تدينا وَجَاءَنِي وَأدّى الشَّهَادَة عِنْدِي باكيا وَقت تأديته الشَّهَادَة عَلَى الدّين فرقا خَائفًا أَن يخسف بِالْمُسْلِمين لوُجُود الْمَشْهُود عَلَيْهِ بَين أظهرنَا
وَأَنا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أعتقد وأتيقن أَن الْمَشْهُود عَلَيْهِ خير مِنْهُ وَلَا أَقُول إِنَّه كذب عَلَيْهِ عَامِدًا بل إِنَّه بنى عَلَى الظَّن وَصدق أقوالا ضَعِيفَة أبْغض الْمَشْهُود عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا فمنذ أبغضه لحقه هوى النَّفس وَاسْتولى عَلَيْهِ الشَّيْطَان وَصَارَ الْحَامِل لَهُ فِي نفس الْأَمر حَظّ نَفسه وَفِيمَا يخْطر لَهُ الدّين
هَذَا مَا شاهدته وأبصرته ولي فِي الْقَضَاء سِنِين عديدة فليتق اللَّه امْرُؤ وقف عَلَى حُفْرَة من حفر النَّار فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قد جعلني اللَّه قَاضِيا ومحدثا وَقد قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد أَعْرَاض النَّاس حُفْرَة من حفر النَّار وقف عَلَيْهَا المحدثون والحكام
وَمِمَّا يُؤَيّد مَا قلته أَن أَصْحَابنَا قَالُوا من استباح دم غَيره من الْمُسلمين وَلم يقدر عَلَى قَتله فَشهد عَلَيْهِ بقتل لم يقتل ذكره الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر فِي بَاب من تجوز شَهَادَته نقلا عَن بعض أَصْحَابنَا ساكتا عَلَيْهِ وَلَا يعرف فِي الْمَذْهَب خِلَافه فَإِن قلت قد قَالَ عقيبة وَمن شتم متأولا ثمَّ شهد عَلَيْهِ قبل أَو غير متأول فَلَا
قلت يَعْنِي بِالْقبُولِ بعد الشتم متأولا الشَّهَادَة بِأَمْر معِين وَنحن نعلم أَنه لَا يحملهُ عَلَيْهَا بغض فَلَيْسَ كمن وصفناه
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يتفقد عِنْد الْجرْح أَيْضًا حَال الْجَارِح فِي الْخِبْرَة بمدلولات الْأَلْفَاظ فكثيرا مَا رَأَيْت من يسمع لَفْظَة فيفهمها عَلَى غير وَجههَا
والخبرة بمدلولات الْأَلْفَاظ وَلَا سِيمَا الْأَلْفَاظ الْعُرْفِيَّة الَّتِي تخْتَلف باخْتلَاف عرف النَّاس وَتَكون فِي بعض الْأَزْمِنَة مدحا وَفِي بَعْضهَا ذما أَمر شَدِيد لَا يُدْرِكهُ إِلَّا قعيد بِالْعلمِ
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يتفقد أَيْضًا حَاله فِي الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة فَرب جَاهِل ظن الْحَلَال حَرَامًا فجرح بِهِ وَمن هُنَا أوجب الْفُقَهَاء التَّفْسِير ليتوضح الْحَال
стр. 354
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ حضرت بِمصْر رجلا مزكيا يجرح رجلا فَسئلَ عَن سَببه وألح عَلَيْهِ فَقَالَ رَأَيْته يَبُول قَائِما
قِيلَ وَمَا فِي ذَلِك قَالَ يرد الرّيح من رشاشه عَلَى يَده وثيابه فَيصَلي فِيهِ
قِيلَ هَل رَأَيْته قد أَصَابَهُ الرشاش وَصلى قبل أَن يغسل مَا أَصَابَهُ قَالَ لَا وَلَكِن أرَاهُ سيفعل
قَالَ صَاحب الْبَحْر وَحكي أَن رجلا جرح رجلا وَقَالَ إِنَّه طين سطحه بطين استخرج من حَوْض السَّبِيل
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَيْضًا تفقده وَقد نبه عَلَيْهِ شيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق الْعِيد الْخلاف الْوَاقِع بَين كثير من الصُّوفِيَّة وَأَصْحَاب الحَدِيث فقد أوجب كَلَام بَعضهم فِي بعض كَمَا تكلم بَعضهم فِي حق الْحَارِث المحاسبي وَغَيره وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة دَاخل فِي قسم مُخَالفَة العقائد وَإِن عده ابْن دَقِيق الْعِيد غَيره
والطامة الْكُبْرَى إِنَّمَا هِيَ فِي العقائد المثيرة للتعصب والهوى نعم وَفِي المنافسات الدُّنْيَوِيَّة عَلَى حطام الدُّنْيَا وَهَذَا فِي الْمُتَأَخِّرين أَكثر مِنْهُ فِي الْمُتَقَدِّمين وَأمر العقائد سَوَاء فِي الْفَرِيقَيْنِ
وَقد وصل حَال بعض المجسمة فِي زَمَاننَا إِلَى أَن كتب شرح صَحِيح مُسلم للشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ وَحذف من كَلَام النَّوَوِيّ مَا تكلم بِهِ عَلَى أَحَادِيث الصِّفَات فَإِن النَّوَوِيّ أشعري العقيدة فَلم تحمل قوى هَذَا الْكَاتِب أَن يكْتب الْكتاب عَلَى الْوَضع الَّذِي صنفه مُصَنفه
وَهَذَا عِنْدِي من كَبَائِر الذُّنُوب فَإِنَّهُ تَحْرِيف للشريعة وَفتح بَاب لَا يُؤمن مَعَه بكتب النَّاس وَمَا فِي أَيْديهم من المصنفات فقبح اللَّه فَاعله وأخزاه وَقد كَانَ فِي غنية عَن كِتَابَة هَذَا الشَّرْح وَكَانَ الشَّرْح فِي غنية عَنهُ
ولنعد إِلَى الْكَلَام فِي الجارحين عَلَى النَّحْو الَّذِي عرفناك
فَإِن قلت فَهَذَا يعود بِالْجرْحِ عَلَى الْجَارِح حَيْثُ جرح لَا فِي مَوْضِعه
قلت أما من تكلم بالهوى وَنَحْوه فَلَا شكّ فِيهِ وَأما من تكلم بمبلغ ظَنّه فَهُنَا
стр. 355
وَقْفَة محتومة عَلَى طَالب التحقيقات ومزلة تَأْخُذ بأقدام من لَا يبرأ عَن حوله وقوته ويكل أمره إِلَى عَالم الخفيات
فَنَقُول لَا شكّ أَن من تكلم فِي إِمَام اسْتَقر فِي الأذهان عَظمته وتناقلت الروَاة ممادحه فقد جر الملام إِلَى نَفسه وَلَكنَّا لَا نقضي أَيْضًا عَلَى من عرفت عَدَالَته إِذا جرح من لم يقبل مِنْهُ جرحه إِيَّاه بِالْفِسْقِ بل نجوز أمورا أَحدهَا أَن يكون واهما وَمن ذَا الَّذِي لَا يهم وَالثَّانِي أَن يكون مؤولا قد جرح بشئ ظَنّه جارحا وَلَا يرَاهُ الْمَجْرُوح كَذَلِك كاختلاف الْمُجْتَهدين
وَالثَّالِث أَن يكون نَقله إِلَيْهِ من يرَاهُ هُوَ صَادِقا ونراه نَحن كَاذِبًا وَهَذَا لاختلافنا فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَرب مَجْرُوح عِنْد عَالم معدل عِنْد غَيره فَيَقَع الِاخْتِلَاف فِي الِاحْتِجَاج حسب الِاخْتِلَاف فِي تزكيته فَلم يتَعَيَّن أَن يكون الْحَامِل للجارح عَلَى الْجرْح مُجَرّد التعصب والهوى حَتَّى يجرحه بِالْجرْحِ
ومعنا أصلان نستصحبهما إِلَى أَن نتيقن خلافهما أصل عَدَالَة الإِمَام الْمَجْرُوح الَّذِي قد اسْتَقَرَّتْ عَظمته وأصل عَدَالَة الْجَارِح الَّذِي يثبت فَلَا يلْتَفت إِلَى جرحه وَلَا نجرحه بجرحه
فاحفظ هَذَا الْمَكَان فَهُوَ من الْمُهِمَّات
فَإِن قلت فَهَل مَا قررتموه مُخَصص لقَوْل الْأَئِمَّة إِن الْجرْح مقدم لأنكم تستثنون جارحا لمن هَذَا شَأْنه قد ندر بَين المعدلين قلت لَا فَإِن قَوْلهم الْجرْح مقدم إِنَّمَا يعنون بِهِ حَالَة تعَارض الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَإِذا تَعَارضا لأمر من جِهَة التَّرْجِيح قدمنَا الْجرْح لما فِيهِ من زِيَادَة الْعلم وتعارضهما هُوَ تَعَارضا لأمر من جِهَة التَّرْجِيح قدمنَا الْجرْح لما فِيهِ من زِيَادَة الْعلم وتعارضهما هُوَ اسْتِوَاء الظَّن عِنْدهمَا لِأَن هَذَا شَأْن المتعارضين أما إِذا لم يَقع اسْتِوَاء الظَّن عِنْدهمَا فَلَا تعَارض بل الْعَمَل بأقوى الظنين من جرح أَو تَعْدِيل
وَمَا نَحن فِيهِ لم يتعارضا لِأَن غَلَبَة الظَّن بِالْعَدَالَةِ قَائِمَة وَهَذَا كَمَا أَن عدد الْجَارِح إِذا كَانَ أَكثر قدم الْجرْح
стр. 356
إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ لَا تعَارض وَالْحَالة هَذِهِ وَلَا يَقُول منا أحد بِتَقْدِيم التَّعْدِيل لَا من قَالَ بتقديمه عِنْد التَّعَارُض وَلَا غَيره
وعبارتنا فِي كتَابنَا جمع الْجَوَامِع وَهُوَ مُخْتَصر جمعناه فِي الْأَصْلَيْنِ جمع فأوعى وَالْجرْح مقدم إِن كَانَ عدد الْجَارِح أَكثر من الْمعدل إِجْمَاعًا وَكَذَا إِن تَسَاويا أَو كَانَ الْجَارِح أقل وَقَالَ ابْن شعْبَان بِطَلَب التَّرْجِيح
انْتهى
وَفِيه زِيَادَة عَلَى مَا فِي مختصرات أصُول الْفِقْه فَإنَّا نبهنا فِيهِ عَلَى مَكَان الْإِجْمَاع وَلم ينبهوا عَلَيْهِ وحكينا فِيهِ مقَالَة ابْن شعْبَان من الْمَالِكِيَّة وَهِي غَرِيبَة لم يشيروا إِلَيْهَا وأشرنا بقولنَا يطْلب التَّرْجِيح إِلَى أَن النزاع إِنَّمَا هُوَ فِي حَالَة التَّعَارُض لِأَن طلب التَّرْجِيح إِنَّمَا هُوَ فِي تِلْكَ الْحَالة
وَهَذَا شَأْن كتَابنَا جمع الْجَوَامِع نفع اللَّه بِهِ غَالِبا ظننا أَن فِي كل مَسْأَلَة فِيهِ زيادات لَا تُوجد مَجْمُوعَة فِي غَيره مَعَ البلاغة فِي الِاخْتِصَار
إِذا عرفت هَذَا علمت أَنه لَيْسَ كل جرح مقدما
وَقد عقد شَيخنَا الذَّهَبِيّ رَحمَه اللَّه تَعَالَى فصلا فِي جمَاعَة لَا يعبأ بالْكلَام فيهم بل هم ثِقَات عَلَى رغم أنف من تفوه فيهم بِمَا هم عَنهُ بُرَآء وَنحن نورد فِي تَرْجَمته محَاسِن ذَلِك الْفَصْل إِنْ شَاءَ اللَّهُ
ولنختم هَذِهِ الْقَاعِدَة بفائدتين عظيمتين لَا يراهما النَّاظر أَيْضًا فِي غير كتَابنَا هَذَا
إِحْدَاهمَا أَن قَوْلهم لَا يقبل الْجرْح إِلَّا مُفَسرًا إِنَّمَا هُوَ أَيْضًا فِي جرح من ثبتَتْ عَدَالَته واستقرت فَإِذا أَرَادَ رَافع رَفعهَا بِالْجرْحِ قِيلَ لَهُ ائْتِ ببرهان عَلَى هَذَا أَو فِيمَن لم يعرف حَاله وَلَكِن ابتدره جارحان ومزكيان فَيُقَال إِذْ ذَاك للجارحين فسرا مَا رميتماه بِهِ
أما من ثَبت أَنه مَجْرُوح فَيقبل قَول من أطلق جرحه لجريانه عَلَى الأَصْل الْمُقَرّر عندنَا وَلَا نطالبه بالتفسير إِذْ لَا حَاجَة إِلَى طلبه
والفائدة الثَّانِيَة أَنا لَا نطلب التَّفْسِير من كل أحد بل إِنَّمَا نطلبه حَيْثُ يحْتَمل الْحَال شكا إِمَّا لاخْتِلَاف فِي الِاجْتِهَاد أَو لتهمة يسيرَة فِي الْجَارِح أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يُوجب
стр. 357
سُقُوط قَول الْجَارِح وَلَا يَنْتَهِي إِلَى الِاعْتِبَار بِهِ عَلَى الْإِطْلَاق بل يكون بَين بَين أما إِذا انْتَفَت الظنون واندفعت التهم وَكَانَ الْجَارِح خَبرا من أَحْبَار الْأمة مبرأ عَن مظان التُّهْمَة أَو كَانَ الْمَجْرُوح مَشْهُورا بالضعف متروكا بَين النقاد فَلَا نتلعثم عِنْد جرحه وَلَا نحوج الْجَارِح إِلَى تَفْسِير بل طلب التَّفْسِير مِنْهُ وَالْحَالة هَذِهِ طلب لغيبة لَا حَاجَة إِلَيْهَا
فَنحْن نقبل قَول ابْن معِين فِي إِبْرَاهِيم بن شُعَيْب المدنى شيخ روى عَنهُ ابْن وهب إِنَّه لَيْسَ بشئ وَفِي إِبْرَاهِيم بْن يزِيد الْمدنِي إِنَّه ضَعِيف وَفِي الْحُسَيْن بْن الْفرج الْخياط إِنَّه كَذَّاب يسرق الحَدِيث وعَلى هَذَا وَإِن لم يبين الْجرْح لِأَنَّهُ إِمَام مقدم فِي هَذِهِ الصِّنَاعَة جرح طَائِفَة غير ثابتي الْعَدَالَة والثبت وَلَا نقبل قَوْله فِي الشَّافِعِي وَلَو فسر وأتى بِأَلف إِيضَاح لقِيَام الْقَاطِع عَلَى أَنه غير محق بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ
فَاعْتبر مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي ابْن معِين وَغَيره واحتفظ بِمَا ذَكرْنَاهُ تنْتَفع بِهِ
وَيقرب من هَذِهِ الْقَاعِدَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل
قَاعِدَة فِي المؤرخين
نافعة جدا فَإِن أهل التَّارِيخ رُبمَا وضعُوا من أنَاس وَرفعُوا أُنَاسًا إِمَّا لتعصب أَو لجهل أَو لمُجَرّد اعْتِمَاد عَلَى نقل من لَا يوثق بِهِ أَو غير ذَلِك من الْأَسْبَاب
وَالْجهل فِي المؤرخين أَكثر مِنْهُ فِي أهل الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَكَذَلِكَ التعصب قل أَن رَأَيْت تَارِيخا خَالِيا من ذَلِك
وَأما تَارِيخ شَيخنَا الذَّهَبِيّ غفر اللَّه لَهُ فَإِنَّهُ عَلَى حسنه وَجمعه مشحون بالتعصب المفرط لَا واخذه اللَّه فَلَقَد أَكثر الوقيعة فِي أهل الدّين أَعنِي الْفُقَرَاء الَّذين هم صفوة الْخلق واستطال بِلِسَانِهِ عَلَى كثير من أَئِمَّة الشافعيين والحنفيين وَمَال فأفرط عَلَى الأشاعرة ومدح فَزَاد فِي المجسمة هَذَا وَهُوَ الْحَافِظ المدره وَالْإِمَام المبجل فَمَا ظَنك بعوام المؤرخين فَالرَّأْي عندنَا أَلا يقبل مدح وَلَا ذمّ من المؤرخين إِلَّا بِمَا اشْتَرَطَهُ إِمَام الْأَئِمَّة وَحبر الْأمة وَهُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ حَيْثُ قَالَ ونقلته من خطه فِي مجاميعه
стр. 358
يشْتَرط فِي المؤرخ الصدْق وَإِذا نقل يعْتَمد اللَّفْظ دون الْمَعْنى وَألا يكون ذَلِك الَّذِي نَقله أَخذه فِي المذاكرة وَكتبه بعد ذَلِك وَأَن يُسمى الْمَنْقُول عَنهُ فَهَذِهِ شُرُوط أَرْبَعَة فِيمَا يَنْقُلهُ
وَيشْتَرط فِيهِ أَيْضًا لما يترجمه من عِنْد نَفسه وَلما عساه يطول فِي التراجم من الْمَنْقُول وَيقصر أَن يكون عَارِفًا بِحَال صَاحب التَّرْجَمَة علما ودينا وَغَيرهمَا من الصِّفَات وَهَذَا عَزِيز جدا وَأَن يكون حسن الْعبارَة عَارِفًا بمدلولات الْأَلْفَاظ وَأَن يكون حسن التَّصَوُّر حَتَّى يتَصَوَّر حَال تَرْجَمته جَمِيع حَال ذَلِك الشَّخْص ويعبر عَنهُ بِعِبَارَة لَا تزيد عَلَيْهِ وَلَا تنقص عَنهُ وَأَن لَا يغلبه الْهوى فيخيل إِلَيْهِ هَوَاهُ الإطناب فِي مدح من يُحِبهُ وَالتَّقْصِير فِي غَيره بل إِمَّا أَن يكون مُجَردا عَن الْهوى وَهُوَ عَزِيز وَإِمَّا أَن يكون عِنْده من الْعدْل مَا يقهر بِهِ هَوَاهُ ويسلك طَرِيق الْإِنْصَاف
فَهَذِهِ أَرْبَعَة شُرُوط أُخْرَى وَلَك أَن تجعلها خَمْسَة لِأَن حسن تصَوره وَعلمه قد لَا يحصل مَعَهُمَا الاستحضار حِين التصنيف فَيجْعَل حُضُور التَّصَوُّر زَائِدا عَلَى حسن التَّصَوُّر وَالْعلم فَهِيَ تِسْعَة شُرُوط فِي المؤرخ وأصعبها الِاطِّلَاع عَلَى حَال الشَّخْص فِي الْعلم فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى الْمُشَاركَة فِي علمه والقرب مِنْهُ حَتَّى يعرف مرتبته انْتهى
وَذكر أَن كِتَابَته لهَذِهِ الشُّرُوط كَانَت بعد أَن وقف عَلَى كَلَام ابْن معِين فى الشافعى وَقَول أَحْمَد بْن حَنْبَل إِنَّه لَا يعرف الشَّافِعِي وَلَا يعرف مَا يَقُول
قلت وَمَا أحسن قَوْله وَلما عساه يطول فِي التراجم من الْمَنْقُول وَيقصر فَإِنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى فَائِدَة جليلة يغْفل عَنْهَا كَثِيرُونَ ويحترز مِنْهَا الموفقون وَهِي تَطْوِيل التراجم وتقصيرها فَرب محتاط لنَفسِهِ لَا يذكر إِلَّا مَا وجده مَنْقُولًا ثمَّ يَأْتِي إِلَى من يبغضه فينقل جَمِيع مَا ذكر من مذامه ويحذف كثيرا مِمَّا نقل من ممادحه ويجئ إِلَى من يُحِبهُ فيعكس الْحَال فِيهِ ويظن الْمِسْكِين أَنه لم يَأْتِ بذنب لِأَنَّهُ لَيْسَ يجب عَلَيْهِ تَطْوِيل تَرْجَمَة أحد وَلَا اسْتِيفَاء مَا ذكر من ممادحه وَلَا يظنّ المغتر أَن تَقْصِيره لترجمته بِهَذِهِ النِّيَّة استزراء بِهِ وخيانة لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْمُؤْمنِينَ فِي تأدية مَا قيل
стр. 359
فِي حَقه من حمد وذم فَهُوَ كمن يذكر بَين يَدَيْهِ بعض النَّاس فَيَقُول دَعونَا مِنْهُ وَإنَّهُ عَجِيب أَو اللَّه يصلحه فيظن أَنه لم يغتبه بشئ من ذَلِك وَمَا يظنّ أَن ذَلِك من أقبح الْغَيْبَة
وَلَقَد وقفت فِي تَارِيخ الذَّهَبِيّ ﵀ عَلَى تَرْجَمَة الشَّيْخ الْمُوفق بْن قدامَة الْحَنْبَلِيّ وَالشَّيْخ فَخر الدّين بْن عَسَاكِر وَقد أَطَالَ تِلْكَ وَقصر هَذِهِ وأتى بِمَا لَا يشك لَبِيب أَنه لم يحملهُ عَلَى ذَلِك إِلَّا أَن هَذَا أشعري وَذَاكَ حنبلي وسيقفون بَين يَدي رب الْعَالمين
وَكَذَلِكَ مَا أحسن قَول الشَّيْخ الإِمَام وَأَن لَا يغلبه الْهوى فَإِن الْهوى غلاب إِلَّا لمن عصمه اللَّه
وَقَوله فإمَّا أَن يتجرد عَن الْهوى أَو يكون عِنْده من الْعدْل مَا يقهر بِهِ هَوَاهُ عندنَا فِيهِ زِيَادَة فَنَقُول
قد لَا يتجرد عَن الْهوى وَلَكِن لَا يَظُنّهُ هوى بل يَظُنّهُ لجهله أَو بدعته حَقًا وَذَلِكَ لَا يتطلب مَا يقهر هَوَاهُ لِأَن المستقر فِي ذهنه أَنه محق وَهَذَا كَمَا يفعل كثير من المتخالفين فِي العقائد بَعضهم فِي بعض فَلَا يَنْبَغِي أَن يقبل قَول مُخَالف فِي العقيدة عَلَى الْإِطْلَاق إِلَّا أَن يكون ثِقَة وَقد رَوَى شَيْئا مضبوطا عاينه أَو حَقَّقَهُ
وَقَوْلنَا مضبوطا احترزنا بِهِ عَن رِوَايَة مَا لَا يَنْضَبِط من الترهات الَّتِي لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا عِنْد التَّأَمُّل والتحقق شئ
وَقَوْلنَا عاينه أَو حَقَّقَهُ ليخرج مَا يرويهِ عَمَّن غلا أَو رخص ترويجا لعقيدته
وَمَا أحسن اشْتِرَاطه الْعلم وَمَعْرِفَة مدلولات الْأَلْفَاظ فَلَقَد وَقع كَثِيرُونَ لجهلهم بِهَذَا وَفِي كتب الْمُتَقَدِّمين جرح جمَاعَة بالفلسفة ظنا مِنْهُم أَن علم الْكَلَام فلسفة إِلَى أَمْثَال ذَلِك مِمَّا يطول عده
فقد قِيلَ فِي أَحْمَد بْن صَالح الَّذِي نَحن فِي تَرْجَمته إِنَّه يتفلسف وَالَّذِي قَالَ هَذَا لَا يعرف الفلسفة
وَكَذَلِكَ قِيلَ فى أَبى حَاتِم الرازى وَإِنَّمَا كَانَ رجلا متكلما
стр. 360
وَقَرِيب من هَذَا قَول الذَّهَبِيّ فِي الْمزي كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَرْجَمَة الْمزي فِي الطَّبَقَة السَّابِعَة أَنه يعرف مضايق الْمَعْقُول وَلم يكن الْمزي وَلَا الذَّهَبِيّ يدريان شَيْئا من الْمَعْقُول
وَالَّذِي أُفْتِي بِهِ أَنه لَا يجوز الِاعْتِمَاد عَلَى كَلَام شَيخنَا الذَّهَبِيّ فِي ذمّ أشعري وَلَا شكر حنبلي وَالله الْمُسْتَعَان
توفّي أَحْمَد بْن صَالح سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ
٤ - أَحْمَد بْن أَبِي سُرَيج الصَّباح النَّهْشَلِي
وَقيل أَحْمَد بْن عمر بْن الصَّباح أَبُو جَعْفَر الرازى البغدادى
سَمِعت شُعَيْب بْن حَرْب وَأَبا مُعَاوِيَة الضَّرِير وَابْن علية ووكيعا وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة
رَوَى عَنهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو بكر بْن أَبِي دَاوُد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَغَيرهم
قَالَ النَّسَائِيّ ثِقَة
وَقَالَ أَبُو حَاتِم صَدُوق
стр. 361
٥ - أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وهب بْن مُسلم الْقرشِي أَبُو عبيد اللَّه الْمصْرِيّ الملقب بِبَحْشَلٍ
روى عَن عَمه عَبْد اللَّه بْن وهب وَعَن الشَّافِعِي وَجَمَاعَة
حدث عَنهُ مُسلم فِي الصَّحِيح وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن جرير توفّي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
٦ - أَحْمَد بْن عَمْرو بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن السَّرْح الْقرشِي الْأمَوِي مَوْلَاهُم أَبُو الطَّاهِر المصرى الْفَقِيه
روى عَن سُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَالشَّافِعِيّ وَابْن وهب وَغَيرهم
وَعنهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَطَائِفَة آخِرهم أَبُو بكر بْن أَبِي دَاوُد
وَكَانَ من جلة الْعلمَاء شرح موطأ مَالك وَتفرد عَن ابْن وهب بِحَدِيث فَقَالَ
حَدثنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (كُلُّ بَنِي آدَمَ سَيِّدٌ وَالرَّجُلُ سَيِّدُ أَهْلِهِ وَالْمَرْأَةُ سَيِّدَةُ بَيْتِهَا)
هَذَا حَدِيثٌ // صَحِيحٌ غَرِيبٌ //
توفّي أَبُو الطَّاهِر لأَرْبَع عشرَة خلت من ذِي الْقعدَة سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ
стр. 362
٧ - أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن حَنْبَل بْن هِلَال بْن أَسد بْن إِدْرِيس بْن عَبْد اللَّه بن حَيَّان ابْن عَبْد اللَّه بْن أنس بْن عَوْف بْن قاسط بْن مَازِن بْن شَيبَان بْن ذهل ابْن ثَعْلَبَة بْن عكابة بْن صَعب بْن عَلِيّ بن بكر بن وَائِل
هَكَذَا نسبه وَلَده عَبْد اللَّه وَاعْتَمدهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب وَغَيره وَأما قَول عَبَّاس الدوري وأبى بكر بْن أَبِي دَاوُد إِن الإِمَام أَحْمَد كَانَ من بني ذهل بْن شَيبَان فغلطهما الْخَطِيب وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ من بني شَيبَان بْن ذهل بْن ثَعْلَبَة قَالَ وَذهل بْن ثَعْلَبَة هُوَ عَم ذهل بْن شَيبَان بْن ثَعْلَبَة
هُوَ الإِمَام الْجَلِيل أَبُو عَبْد اللَّه الشَّيْبَانِيّ الْمروزِي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ صَاحب الْمَذْهَب الصابر عَلَى المحنة النَّاصِر للسّنة شيخ الْعِصَابَة ومقتدى الطَّائِفَة وَمن قَالَ فِيهِ الشَّافِعِي فِيمَا رَوَاهُ حَرْمَلَة خرجت من بَغْدَاد وَمَا خلفت بهَا أفقه وَلَا أورع وَلَا أزهد وَلَا أعلم من أَحْمَد
وَقَالَ الْمُزنِيّ أَبُو بكر يَوْم الرِّدَّة وَعمر يَوْم السَّقِيفَة وَعُثْمَان يَوْم الدَّار وعَلى يَوْم صفّين وأَحْمَد بْن حَنْبَل يَوْم المحنة
وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد سَمِعت أَبَا زرْعَة يَقُول كَانَ أَبوك يحفظ ألف ألف حَدِيث فَقلت وَمَا يدْريك فَقَالَ ذاكرته فَأخذت عَلَيْهِ الْأَبْوَاب
وَعَن أَبى زرْعَة حزر كتب أَحْمَد يَوْم مَاتَ فبلغت اثْنَي عشر حملا وعدلا مَا كَانَ عَلَى ظهر كتاب مِنْهَا حَدِيث فلَان وَلَا فِي بَطْنه حَدثنَا فلَان وكل ذَلِك كَانَ يحفظه عَلَى ظهر قلبه
стр. 363
وَقَالَ قُتَيْبَة بْن سَعِيد كَانَ وَكِيع إِذا كَانَت الْعَتَمَة ينْصَرف مَعَه أَحْمَد بْن حَنْبَل فيقف عَلَى الْبَاب فيذاكره فَأخذ لَيْلَة بِعضَادَتَيْ الْبَاب ثمَّ قَالَ يَا أَبَا عَبْد اللَّه أُرِيد أَن ألقِي عَلَيْك حَدِيث سُفْيَان قَالَ هَات قَالَ تحفظ عَن سُفْيَان عَن سَلمَة بْن كهيل كَذَا قَالَ نعم حَدثنَا يَحْيَى فَيَقُول سَلمَة كَذَا وَكَذَا فَيَقُول حَدثنَا عَبْد الرَّحْمَن فَيَقُول وَعَن سَلمَة كَذَا وَكَذَا فَيَقُول أَنْت حَدَّثتنَا حَتَّى يفرغ من سَلمَة
ثمَّ يَقُول أَحْمَد فتحفظ عَن سَلمَة كَذَا وَكَذَا فَيَقُول وَكِيع لَا ثمَّ يَأْخُذ فِي حَدِيث شيخ شيخ
قَالَ فَلم يزل قَائِما حَتَّى جَاءَت الْجَارِيَة فَقَالَت قد طلع الْكَوْكَب أَو قَالَت الزهرة
وَقَالَ عَبْد اللَّه قَالَ لي أَبِي خُذ أَي كتاب شِئْت من كتب وَكِيع فَإِن شِئْت أَن تَسْأَلنِي عَن الْكَلَام حَتَّى أخْبرك بِالْإِسْنَادِ وَإِن شِئْت بِالْإِسْنَادِ حَتَّى أخْبرك عَن الْكَلَام
وَقَالَ الْخلال سَمِعت أَبَا الْقَاسِم بْن الْجبلي وَكَفاك بِهِ يَقُول أَكثر النَّاس يظنون أَن أَحْمَد إِذا سُئِلَ كَأَن علم الدُّنْيَا بَين عَيْنَيْهِ
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ رَأَيْت أَحْمَد كَأَن اللَّه جمع لَهُ علم الْأَوَّلين والآخرين
وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق مَا رَأَيْت أفقه من أَحْمَد بْن حَنْبَل وَلَا أورع
وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مهْدي مَا نظرت إِلَى أَحْمَد بْن حَنْبَل إِلَّا تذكرت بِهِ سُفْيَان الثَّوْريّ
وَقَالَ قُتَيْبَة خير أهل زَمَاننَا ابْن الْمُبَارك ثمَّ هَذَا الشَّاب يَعْنِي أَحْمَد بْن حَنْبَل
وَقَالَ أَيْضًا إِذا رَأَيْت الرجل يحب أَحْمَد فَاعْلَم أَنه صَاحب سنة
وَقَالَ أَيْضًا وَقد قِيلَ لَهُ تضم أَحْمَد إِلَى التَّابِعين فَقَالَ إِلَى كبار التَّابِعين
وَقَالَ أَيْضًا لَوْلَا الثَّوْريّ لمات الْوَرع وَلَوْلَا أَحْمَد لأحدثوا فى الدّين
стр. 364
وَقَالَ أَيْضًا أَحْمَد إِمَام الدُّنْيَا
وَقَالَ أَيْضًا كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي أَسمَاء من رَوَى عَن الشَّافِعِي مَاتَ الثَّوْريّ وَمَات الْوَرع وَمَات الشافعى وَمَاتَتْ السّنَن وَيَمُوت أَحْمد ابْن حَنْبَل وَتظهر الْبدع
وَقَالَ أَبُو مسْهر وَقد قِيلَ لَهُ هَل تعرف أحدا يحفظ عَلَى هَذِهِ الْأمة أَمر دينهَا قَالَ لَا أعلمهُ إِلَّا شَاب فِي نَاحيَة الْمشرق يَعْنِي أَحْمَد بْن حَنْبَل
وَعَن إِسْحَاق أَحْمَد حجَّة بَين اللَّه وخلقه
وَقَالَ أَبُو ثَوْر وَقد سُئِلَ عَن مَسْأَلَة قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن حَنْبَل شَيخنَا وإمامنا فِيهَا كَذَا وَكَذَا
فَهَذَا يسير من ثَنَاء الْأَئِمَّة عَلَيْهِ ﵁
ولد سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة بِبَغْدَاد جئ بِهِ إِلَيْهَا من مرو حملا
وتفقه عَلَى الشَّافِعِي وَهُوَ الحاكي عَنهُ أَنه جوز بيع الباقلاء فِي قشريه
وَأَن السَّيِّد يُلَاعن أمته وَكَانَ يَقُول أَلا تعْجبُونَ من أَبِي عَبْد اللَّه يَقُول يُلَاعن السَّيِّد عَن أم وَلَده
وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِي هَذَا فَمنهمْ من قطع بِخِلَافِهِ وَحمل قَول أَحْمَد عَلَى أَن مُرَاده بِأبي عَبْد اللَّه إِمَّا مَالك وَإِمَّا سُفْيَان
وَضعف الرَّوْيَانِيّ هَذَا بِأَنَّهُ رَوَى عَنهُ أَنه قَالَ أَلا تعْجبُونَ من الشَّافِعِي وَمِنْهُم من تَأَوَّلَه بِتَأْوِيل آخر
قَالَ حَنْبَل سَمِعت أَبَا عَبْد اللَّه يَقُول طلبت الحَدِيث سنة تسع وَسبعين
قلت وَمن شُيُوخه هشيم وسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وإِبْرَاهِيم بْن سعد وَجَرِير بْن عَبْد الحميد وَيحيى الْقطَّان والوليد بن مُسلم وَإِسْمَاعِيل بن علية وَعلي بْن هَاشم بْن الْبَرِيد ومعتمر بْن سُلَيْمَان وغندر وَبشر بْن الْمفضل وَزِيَاد البكائي وَيحيى بْن
стр. 365
أَبِي زَائِدَة وَأَبُو يُوسُف القَاضِي ووكيع وَابْن نمير وَعبد الرَّحْمَن بْن مهْدي وَيزِيد بْن هَارُون وَعبد الرَّزَّاق وَالشَّافِعِيّ وَخلق
وَمِمَّنْ رَوَى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وابناه صَالح وَعبد اللَّه
وَمن شُيُوخه عَبْد الرَّزَّاق والْحَسَن بْن مُوسَى الأشيب قِيلَ وَالشَّافِعِيّ فِي بعض الْأَمَاكِن الَّتِي قَالَ فِيهَا أَخْبَرَنَا الثِّقَة
وَقد كنت أَنا لما قَرَأت مُسْند الشَّافِعِي عَلَى شَيخنَا أَبِي عَبْد اللَّه الْحَافِظ سَأَلته فِي كل مَكَان من تِلْكَ فَكَانَ بَعْضهَا يتَعَيَّن أَن يكون مُرَاده بِهِ يحيى بْن حسان كَمَا قِيلَ إِنَّه الْمَقْصُود بِهِ دَائِما وَبَعضهَا يتَعَيَّن أَنه يُرِيد بِهِ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي يحيى وَبَعضهَا يتَرَدَّد
وَذَلِكَ مُعَلّق عِنْدِي فِي مَجْمُوع مِمَّا علقته عَن شَيخنَا ﵀ وأكثرها لَا يُمكن أَنه يُرِيد بِهِ أَحْمَد بْن حَنْبَل مثل قَوْله أَخْبَرَنَا الثِّقَة عَن أَبِي إِسْحَاق فَلَا يُمكن أَن يُرِيد بِهِ أَحْمَد بل إِمَّا إِبْرَاهِيم بْن سعد أَو غَيره
وَمثل قَوْله أَخْبَرَنَا الثِّقَة عَن ابْن شهَاب يحْتَمل مَالِكًا وَابْن سعد وسُفْيَان ابْن عُيَيْنَة وَلَا ثَالِث لَهُم فِي أَشْيَاخ الشَّافِعِي
وَمثل قَوْله الثِّقَة عَن معمر فَهُوَ إِمَّا هِشَام بْن يُوسُف الصغاني أَو عَبْد الرَّزَّاق
وَمثل قَوْله الثِّقَة من أَصْحَابنَا عَن هِشَام بْن حسان قَالَ شَيخنَا أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَحْمَد الْحَافِظ لَعَلَّه يَحْيَى الْقطَّان
وَمثل قَوْله الثِّقَة عَن زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق عَن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه قَالَ لي مُحَمَّد ابْن أَحْمَد الْحَافِظ إِنَّه يَحْيَى بْن حسان التنيسِي
وَمثل مَوَاضِع أخر تركتهَا اختصارا
وروى عَنهُ من أقرانه على بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بْن معِين ودحيم الشَّامي وَغَيرهم
قَالَ الْخَطِيب ولد أَبُو عَبْد اللَّه بِبَغْدَاد وَنَشَأ بهَا وبهامات وَطلب الْعلم ثمَّ رَحل
стр. 366
إِلَى الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَمَكَّة وَالْمَدينَة واليمن وَالشَّام والجزيرة
قلت وَألف مُسْنده وَهُوَ أصل من أصُول هَذِهِ الْأمة
قَالَ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بْن أَبِي بكر الْمَدِينِيّ ﵁ هَذَا الْكتاب يَعْنِي مُسْند الإِمَام أَبِي عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ قدس اللَّه روحه أصل كَبِير ومرجع وثيق لأَصْحَاب الحَدِيث انتقي من أَحَادِيث كَثِيرَة ومسموعات وافرة فَجعل إِمَامًا ومعتمدا وَعند التَّنَازُع ملْجأ ومستندا عَلَى مَا أَخْبَرَنَا وَالِدي وَغَيره رحمهمَا اللَّه أَن الْمُبَارك بْن عَبْد الْجَبَّار أَبَا الْحُسَيْن كتب إِلَيْهِمَا من بَغْدَاد قَالَ
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن عمر بْن أَحْمَد الْبَرْمَكِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه عبيد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن حمدَان بْن عمر بْن بطة قِرَاءَةً عَلَيْهِ حَدثنَا أَبُو حَفْص عمر بْن مُحَمَّد بْن رجا حَدثنَا مُوسَى بْن حمدون الْبَزَّار قَالَ قَالَ لنا حَنْبَل بْن إِسْحَاق جَمعنَا عمي يَعْنِي الإِمَام أَحْمَد لي ولصالح ولعَبْد اللَّه وَقَرَأَ علينا الْمسند وَمَا سَمعه مِنْهُ يعْنى تَاما غَيرنَا وَقَالَ لنا إِن هَذَا الْكتاب قد جمعته وانتقيته من أَكثر من سَبْعمِائة وَخمسين ألفا فَمَا اخْتلف فِيهِ الْمُسلمُونَ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ فَارْجِعُوا إِلَيْهِ فَإِن كَانَ فِيهِ وَإِلَّا لَيْسَ بِحجَّة
وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد ﵄ كتب أَبِي عشرَة آلَاف ألف حَدِيث لم يكْتب سوادا فِي بَيَاض إِلَّا حفظه
وَقَالَ عَبْد اللَّه أَيْضًا قلت لأبي لم كرهت وضع الْكتب وَقد عملت الْمسند فَقَالَ عملت هَذَا الْكتاب إِمَامًا إِذا اخْتلف النَّاس فِي سنة عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ إِلَيْهِ
وَقَالَ أَيْضًا خرج أَبى الْمسند من سَبْعمِائة ألف حَدِيث
قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ وَلم يخرج إِلَّا عَمَّن ثَبت عِنْده صدقه وديانته دون من طعن فِي أَمَانَته
ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْد اللَّه ابْن الإِمَام أَحْمَد ﵄ قَالَ سَأَلت أَبِي
стр. 367
عَن عَبْد الْعَزِيز بْن أبان فَقَالَ لم أخرج عَنهُ فِي الْمسند شَيْئا لما حدث بِحَدِيث الْمَوَاقِيت تركته
قَالَ أَبُو مُوسَى فَأَما عدد أَحَادِيث الْمسند فَلم أزل أسمع من أَفْوَاه النَّاس أَنَّهَا أَرْبَعُونَ ألفا إِلَى أَن قَرَأت عَلَى أَبِي مَنْصُور بْن زُرَيْق بِبَغْدَاد قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ وَقَالَ ابْن الْمُنَادِي لم يكن فِي الدُّنْيَا أحد أروى عَن أَبِيه مِنْهُ يَعْنِي عَبْد اللَّه ابْن الإِمَام أَحْمد ابْن حَنْبَل لِأَنَّهُ سمع الْمسند وَهُوَ ثَلَاثُونَ ألفا وَالتَّفْسِير وَهُوَ مائَة ألف وَعِشْرُونَ ألفا سمع مِنْهَا ثَلَاثِينَ ألفا وَالْبَاقِي زِيَادَة فَلَا أَدْرِي هَذَا الَّذِي ذكر ابْن الْمُنَادِي أَرَادَ بِهِ مَالا مُكَرر فِيهِ أَو أَرَادَ غَيره مَعَ المكرر فَيصح الْقَوْلَانِ جَمِيعًا والاعتماد عَلَى قَول ابْن الْمُنَادِي دون غَيره
قَالَ وَلَو وجدنَا فراغا لعددناه إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَما عدد الصَّحَابَة ﵃ فِيهِ فنحو من سَبْعمِائة رجل
قَالَ أَبُو مُوسَى وَمن الدَّلِيل عَلَى أَن مَا أودعهُ الإِمَام أَحْمَد ﵁ مُسْنده قد احتاط فِيهِ إِسْنَادًا ومتنا وَلم يُورد فِيهِ إِلَّا مَا صَحَّ سَنَده مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ
قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالا أَخْبَرَنَا الْقَطِيعِيُّ حَدثنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدثنَا أَبِي حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ)
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ لِي أَبِي فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ اضْرِبْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ خِلافُ الأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)
стр. 368
وَهَذَا مَعَ ثِقَةِ رِجَالِ إِسْنَادِهِ حِينَ شَذَّ لَفْظُهُ عَنِ الأَحَادِيثِ الْمَشَاهِيرِ أَمَرَ بِالضَّرْبِ عَلَيْهِ فَكَانَ عَلَى مَا قُلْنَاهُ آخِرَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ ﵀ مُخْتَصَرًا
قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب رَحمَه اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن شُجَاع الصُّوفِي قَالَ أَخْبَرَنَا عمر بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن سلم حَدثنَا أَحْمَد بْن عَلِيّ الْأَبَّار قَالَ سَمِعت سُفْيَان بْن وَكِيع يَقُول أَحْمَد عندنَا محنة من عَابَ أَحْمَد عندنَا فَهُوَ فَاسق
وَقَالَ الْخَطِيب أَيْضًا حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن أَبِي طَالب حَدثنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن شَاذان حَدثنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ الْمقري قَالَ أنشدنا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن بدينا الْموصِلِي قَالَ أَنْشدني ابْن أعين فِي الإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل ﵁ وأرضاه
(أضحى ابْن حَنْبَل محنة مَأْمُونَة ... وبحب أَحْمَد يعرف المتنسك)
(وَإِذا رَأَيْت لأَحْمَد متنقصا ... فَاعْلَم بِأَن ستوره ستهتك)
روى كَلَام سُفْيَان بْن وَكِيع وهذين الْبَيْتَيْنِ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن عَسَاكِر ﵀ فِي بعض تصانيفه فَقَالَ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن مَنْصُور الْفَقِيه وَأَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك بْن خيرون قَالا أَخْبَرَنَا الْخَطِيب فذكرهما
وَأما زهد الإِمَام أَحْمَد ﵁ وورعه وتقلله من الدُّنْيَا فقد سَارَتْ بأخباره الركْبَان
وَقد أفرد جمَاعَة من الْأَئِمَّة التصنيف فِي مناقبه مِنْهُم الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ وَأَبُو الْفرج بْن الْجَوْزِيّ
стр. 369
توفّي ﵀ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ لَا ثنتى عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول وَقد غلط ابْن قَانِع وَغَيره فَقَالُوا ربيع الآخر
قَالَ الْمَرْوذِيّ مرض أَبُو عَبْد اللَّه لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لليلتين خلتا من ربيع الأول وَمرض تِسْعَة أَيَّام وَكَانَ رُبمَا أذن للنَّاس فَيدْخلُونَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا يسلمُونَ عَلَيْهِ وَيرد عَلَيْهِم وتسامع النَّاس وكثروا وَسمع السُّلْطَان بِكَثْرَة النَّاس فَوكل بِبَابِهِ وبباب الزقاق الرابطة وَأَصْحَاب الْأَخْبَار ثمَّ أغلق بَاب الزقاق فَكَانَ النَّاس فِي الشوارع والمساجد حَتَّى تعطل بعض الباعة وحيل بَينهم وَبَين البيع وَالشِّرَاء وَكَانَ الرجل إِذا أَرَادَ أَن يدْخل إِلَيْهِ رُبمَا دخل من بعض الدّور وطرز الحاكة وَرُبمَا تسلق وَجَاء أَصْحَاب الْأَخْبَار فقعدوا عَلَى الْأَبْوَاب وجاءه حَاجِب ابْن طَاهِر فَقَالَ إِن الْأَمِير يُقْرِئك السَّلَام وَهُوَ يَشْتَهِي أَن يراك فَقَالَ هَذَا مِمَّا أكره وأمير الْمُؤمنِينَ أعفاني مِمَّا أكره وَأَصْحَاب الْخَبَر يَكْتُبُونَ بِخَبَرِهِ إِلَى الْعَسْكَر وَالْبرد تخْتَلف كل يَوْم وَجَاء بَنو هَاشم فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَجعلُوا يَبْكُونَ عَلَيْهِ وَجَاء قوم من الْقُضَاة وَغَيرهم فَلم يُؤذن لَهُم وَدخل عَلَيْهِ شيخ فَقَالَ اذكر وقوفك بَين يَدي اللَّه فشهق أَبُو عَبْد اللَّه وسالت الدُّمُوع عَلَى خديه
فَلَمَّا كَانَ قبل وَفَاته بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ قَالَ ادعوا لي الصّبيان بِلِسَان ثقيل فَجعلُوا ينضمون إِلَيْهِ فَجعل يشمهم وَيمْسَح بِيَدِهِ على رؤوسهم وعينه تَدْمَع وأدخلت الطست تَحْتَهُ فَرَأَيْت بَوْله دَمًا عبيطا لَيْسَ فِيهِ بَوْل فَقلت للطبيب فَقَالَ هَذَا رجل قد فتت الْحزن وَالْغَم جَوْفه
واشتدت علته يَوْم الْخَمِيس ووضأته فَقَالَ خلل الْأَصَابِع فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة ثقل وَقبض صدر النَّهَار فصاح النَّاس وعلت الْأَصْوَات بالبكاء حَتَّى كَأَن الدُّنْيَا قد ارتجت وامتلأت السكَك والشوارع
قَالَ الْمَرْوذِيّ أخرجت الْجِنَازَة بعد منصرف النَّاس من الْجُمُعة
стр. 370
قَالَ مُوسَى بْن هَارُون الْحَافِظ يُقَال إِن أَحْمَد لما مَاتَ مسحت الأَرْض المبسوطة الَّتِي وقف النَّاس للصَّلَاة عَلَيْهَا فحصر مقادير النَّاس بالمساحة على التَّقْدِير سِتّمائَة ألف وَأكْثر سوى مَا كَانَ فِي الْأَطْرَاف والأماكن المتفرقة
قلت وَقيل فِي عدد الْمُصَلِّين عَلَيْهِ كثير قيل كَانُوا ألف ألف وثلثمائة ألف سوى من كَانَ فِي السفن فِي المَاء كَذَا رَوَاهُ خشنام بْن سَعِيد
وَقَالَ ابْن أَبِي حَاتِم سَمِعت أَبَا زرْعَة يَقُول بَلغنِي أَن المتَوَكل أَمر أَن يمسح الْموضع الَّذِي وقف عَلَيْهِ النَّاس حَيْثُ صلى عَلَى أَحْمد فَبلغ مقَام ألفى ألف وَخَمْسمِائة ألف
وَعَن الْوَركَانِي وَهُوَ رجل كَانَ يسكن إِلَى جوَار الإِمَام أَحْمَد قَالَ أسلم يَوْم مَاتَ أَحْمَد من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس عشرُون ألفا وَفِي لفظ عشرَة آلَاف
قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ وَهِي حِكَايَة مُنكرَة تفرد بهَا الْوَركَانِي والراوى عَنهُ قَالَ وَالْعقل يحِيل أَن يَقع مثل هَذَا الْحَادِث فِي بَغْدَاد وَلَا يرويهِ جمَاعَة تتوفر دواعيهم عَلَى نقل مَا هُوَ دونه بِكَثِير وَكَيف يَقع مثل هَذَا الْأَمر وَلَا يذكرهُ المروزى وَلَا صَالح ابْن أَحْمَد وَلَا عَبْد اللَّه وَلَا حَنْبَل الَّذين حكوا من أَخْبَار أَبِي عَبْد اللَّه جزئيات كَثِيرَة
قَالَ فوَاللَّه لَو أسلم يَوْم مَوته عشرَة أنفس لَكَانَ عَظِيما يَنْبَغِي أَن يرويهِ نَحْو من عشرَة أنفس
أَخْبَرَنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا عبد الْوَاسِع بن عبد الْكَافِي الْأَبْهَرِيّ إجَازَة أخبرنَا أَبُو الْحَسَن مُحَمَّد بْن أَبِي جَعْفَر بْن عَلِيّ الْقرظِيّ سَمَاعا أَخْبَرَنَا الْقَاسِم بْن الْحَافِظ أَبِي الْقَاسِم عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن هبة اللَّه بْن عَلِيّ بْن عَسَاكِر أَخْبَرَنَا عَبْد الْجَبَّار بن مُحَمَّد بن أَحْمد الخواري إجَازَة وَحدثنَا عَنهُ بِهِ أَبِي سَمَاعا
стр. 371
ح قَالَ ابْن المظفر وَأخْبرنَا يُوسُف بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ إجَازَة أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن بَرَكَات الخشوعي سَمَاعا أَخْبَرَنَا الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم إِجَازَةً أَخْبَرَنَا عَبْد الْجَبَّار الخواري حَدثنَا الإِمَام أَبُو سَعِيد الْقشيرِي إملاء حَدثنَا الْحَاكِم أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الصفار أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بْن عَبْد لله الرَّازِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد الْمَلْطِي يَقُول قَالَ الرّبيع بْن سُلَيْمَان إِن الشَّافِعِي ﵁ خرج إِلَى مصر فَقَالَ لي يَا ربيع خُذ كتابي هَذَا فَامْضِ بِهِ وَسلمهُ إِلَى أَبِي عَبْد اللَّه وائتني بِالْجَوَابِ
قَالَ الرّبيع فَدخلت بَغْدَاد وَمَعِي الْكتاب فصادفت أَحْمد ابْن حَنْبَل فِي صَلَاة الصُّبْح فَلَمَّا انْفَتَلَ من الْمِحْرَاب سلمت إِلَيْهِ الْكتاب وَقلت هَذَا كتاب أَخِيك الشَّافِعِي من مصر فَقَالَ لي أَحْمَد نظرت فِيهِ فَقلت لَا فَكسر الْخَتْم وَقَرَأَ وتغرغرت عَيناهُ فَقلت لَهُ أيش فِيهِ أَبَا عَبْد اللَّه فَقَالَ يذكر فِيهِ أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي النّوم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ إِلَى أَبِي عَبْد اللَّه فاقرأ ﵇ وَقل لَهُ إِنَّك ستمتحن وتدعى إِلَى خلق الْقُرْآن فَلَا تجبهمْ فيرفع اللَّه لَك علما إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الرّبيع فَقلت لَهُ الْبشَارَة يَا أَبَا عَبْد اللَّه فَخلع أحد قميصيه الَّذِي يَلِي جلده فأعطانيه فَأخذت الْجَواب وَخرجت إِلَى مصر وسلمته إِلَى الشَّافِعِي ﵁ فَقَالَ أيش الَّذِي أَعْطَاك فَقلت قَمِيصه فَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ نفجعك بِهِ وَلَكِن بله وادفع إِلَي المَاء لأتبرك بِهِ
قَالَ الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد الدوري سَمِعت أَبَا جَعْفَر الْأَنْبَارِي يَقُول لما حمل أَحْمَد يُرَاد بِهِ الْمَأْمُون اجتزت فعبرت الْفُرَات إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ فِي الخان فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا جَعْفَر تعنيت فَقلت لَيْسَ هَذَا عناء قَالَ فَقلت لَهُ يَا هَذَا أَنْت الْيَوْم رَأس وَالنَّاس يقتدون بك فوَاللَّه إِن أجبْت إِلَى خلق الْقُرْآن ليجيبن بإجابتك خلق من خلق اللَّه وَإِن أَنْت لم تجب ليمتنعن خلق من النَّاس كثير وَمَعَ هَذَا فَإِن الرجل إِن لم يقتلك فَإنَّك تَمُوت
стр. 372
ولابد من الْمَوْت فَاتق اللَّه وَلَا تجبهمْ إِلَى شئ فَجعل أَحْمَد يبكى وَهُوَ يَقُول مَا شَاءَ اللَّه مَا شَاءَ اللَّه قَالَ ثمَّ قَالَ لي أَحْمَد يَا أَبَا جَعْفَر أعد عَلِيّ مَا قلت قَالَ فَأَعَدْت عَلَيْهِ قَالَ فَجعل أَحْمَد يَقُول مَا شَاءَ اللَّه مَا شَاءَ اللَّه
وَقَالَ دعْلج بْن أَحْمَد السجسْتانِي حَدثنَا أَبُو بكر السهروردي بِمَكَّة قَالَ رَأَيْت أَبَا ذَر بسهرورد وَقد قدم مَعَ واليها وَكَانَ مقطعا بالبرص يَعْنِي وَكَانَ مِمَّن ضرب أَحْمَد بَين يَدي المعتصم قَالَ دعينا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَنحن خَمْسُونَ وَمِائَة جلاد فَلَمَّا أمرنَا بضربه كُنَّا نغدوا عَلَى ضربه ونمر ثمَّ يجِئ الآخر عَلَى أَثَره ثمَّ يضْرب
وَقَالَ دعْلج أَيْضًا حَدثنَا الْخضر بْن دَاوُد أَخْبرنِي أَبُو بكر النحامي قَالَ لما كَانَ فِي تِلْكَ الْغَدَاة الَّتِي ضرب فِيهَا أَحْمَد بْن حَنْبَل زلزلنا وَنحن بعبادان
وَقَالَ البُخَارِيّ لما ضرب أَحْمَد كُنَّا بِالْبَصْرَةِ فَسمِعت أَبَا الْوَلِيد يَقُول لَو كَانَ هَذَا فِي بني إِسْرَائِيل لَكَانَ أحدوثة
ذكر الداهية الدهياء والمصيبة الصماء وَهِي محنة عُلَمَاء الزَّمَان ودعاؤهم إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَقيام الأَحْمَدين ابْن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ وَابْن نصر الْخُزَاعِيّ ﵄ مقَام الصديقين وَمَا اتّفق فِي تِلْكَ الكائنة من أَعَاجِيب تتناقلها الروَاة عَلَى ممر السنين
كَانَ القَاضِي أَحْمَد بْن أَبِي دؤاد مِمَّن نَشأ فِي الْعلم وتضلع بِعلم الْكَلَام وَصَحب فِيهِ هياج بْن الْعَلَاء السّلمِيّ صَاحب وَاصل بْن عَطاء أحد رُءُوس الْمُعْتَزلَة وَكَانَ ابْن أَبِي دؤاد رجلا فصيحا قَالَ أَبُو العيناء مَا رَأَيْت رَئِيسا قطّ أفْصح وَلَا أنطق مِنْهُ وَكَانَ كَرِيمًا ممدحا وَفِيه يَقُول بَعضهم
стр. 373
(لقد أنست مساوي كل دهر ... محَاسِن أَحْمَد بن دؤاد)
(وَمَا طوفت فِي الْآفَاق إِلَّا ... وَمن جدواك رَاحِلَتي وزادي)
(يُقيم الظَّن عنْدك والأماني ... وَإِن قلقت ركابي فِي الْبِلَاد)
وَكَانَ مُعظما عِنْد الْمَأْمُون أَمِير الْمُؤمنِينَ يقبل شفاعاته ويصغي إِلَى كَلَامه وأخباره فِي هَذَا كَثِيرَة
فَدس ابْن أَبِي دؤاد لَهُ القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَحسنه عِنْده وصيره يَعْتَقِدهُ حَقًا مُبينًا إِلَى أَن أجمع رَأْيه فِي سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ عَلَى الدُّعَاء إِلَيْهِ فَكتب إِلَى نَائِبه عَلَى بَغْدَاد إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْخُزَاعِيّ ابْن عَم طَاهِر بْن الْحُسَيْن فِي امتحان الْعلمَاء كتابا يَقُول فِيهِ
وَقد عرف أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن الْجُمْهُور الْأَعْظَم والسواد الْأَكْبَر من حَشْو الرّعية وسفلة الْعَامَّة مِمَّن لَا نظر لَهُ وَلَا روية وَلَا استضاء بِنور الْعلم وبرهانه أهل جَهَالَة بِاللَّه وعمى عَنهُ وضلالة عَن حَقِيقَة دينه وقصور أَن يقدروا اللَّه حق قدره ويعرفوه كنه مَعْرفَته ويفرقوا بَينه وَبَين خلقه وَذَلِكَ أَنهم ساووا بَين اللَّه وَبَين خلقه وَبَين مَا أنزل من الْقُرْآن فأطبقوا عَلَى أَنه قديم لم يخلقه اللَّه ويخترعه وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فَكل مَا جعله اللَّه فقد خلقه كَمَا قَالَ ﴿وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ وَقَالَ ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سبق﴾ فَأخْبرهُ أَنه قصَص لأمور أحدثه بعْدهَا وَقَالَ ﴿أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت﴾ وَالله مُحكم كِتَابه ومفصله فَهُوَ خالقه ومبتدعه ثمَّ انتسبوا إِلَى السّنة وَأَنَّهُمْ أهل الْحق وَالْجَمَاعَة وَأَن من سواهُم أهل الْبَاطِل وَالْكفْر فاستطالوا بذلك وغروا بِهِ الْجُهَّال حَتَّى مَال قوم من أهل السمت الْكَاذِب والتخشع لغير اللَّه إِلَى موافقتهم فنزعوا الْحق إِلَى باطلهم وَاتَّخذُوا دون اللَّه وليجة إِلَى ضلالهم
إِلَى أَن قَالَ فَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أُولَئِكَ شَرّ الْأمة المنقوصون من التَّوْحِيد حظا
стр. 374
أوعية الْجَهَالَة وأعلام الْكَذِب ولسان إِبْلِيس النَّاطِق فِي أوليائه والهائل عَلَى أعدائه من أهل دين اللَّه وأحق أَن يتهم فِي صدقه وتطرح شَهَادَته وَلَا يوثق بِهِ من عمي عَن رشده وحظه من الْإِيمَان بِالتَّوْحِيدِ وَكَانَ عَمَّا سوى ذَلِك أعمى وأضل سَبِيلا ولعمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أكذب النَّاس من كذب عَلَى اللَّه ووحيه وتخرص الْبَاطِل وَلم يعرف اللَّه حق مَعْرفَته فاجمع من بحضرتك من الْقُضَاة فاقرأ عَلَيْهِم كتَابنَا وامتحنهم فِيمَا يَقُولُونَ واكشفهم عَمَّا يَعْتَقِدُونَ فِي خلق اللَّه وإحداثه وأعلمهم أَنِّي غير مستعين فِي عمل وَلَا واثق بِمن لَا يوثق بِدِينِهِ
فَإِذا أقرُّوا بذلك ووافقوا فمرهم بِنَصّ من بحضرتهم من الشُّهُود ومسألتهم عَن علمهمْ فِي الْقُرْآن وَترك شَهَادَة من لم يقر أَنه مَخْلُوق واكتب إِلَيْنَا بِمَا يَأْتِيك عَن قُضَاة أهل عَمَلك فِي مسألتهم وَالْأَمر لَهُم بِمثل ذَلِك
وَكتب الْمَأْمُون إِلَيْهِ أَيْضًا فِي إشخاص سَبْعَة أنفس وهم
مُحَمَّد بْن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ وَيحيى بْن معِين وَأَبُو خَيْثَمَة وَأَبُو مُسلم مستملي يزِيد بْن هَارُون وَإِسْمَاعِيل بْن دَاوُد وَإِسْمَاعِيل بْن أَبِي مَسْعُود وأَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي
فأشخصوا إِلَيْهِ فامتحنهم بِخلق الْقُرْآن فَأَجَابُوهُ فردهم من الرقة إِلَى بَغْدَاد وَسبب طَلَبهمْ أَنهم توقفوا أَولا ثمَّ أجابوه تقية
وَكتب إِلَى إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بِأَن يحضر الْفُقَهَاء ومشايخ الحَدِيث ويخبرهم بِمَا أجَاب بِهِ هَؤُلَاءِ السَّبْعَة فَفعل ذَلِك فَأَجَابَهُ طَائِفَة وَامْتنع آخَرُونَ
فَكَانَ يَحْيَى بْن معِين وَغَيره يَقُولُونَ أجبنا خوفًا من السَّيْف
ثمَّ كتب الْمَأْمُون كتابا آخر من جنس الأول إِلَى إِسْحَاق وَأمره بإحضار من امْتنع فأحضر جمَاعَة مِنْهُم أَحْمد ابْن حَنْبَل وَبشر بْن الْوَلِيد الْكِنْدِيّ وَأَبُو حسان الزيادى
стр. 375
وَعلي بْن أَبِي مقَاتل وَالْفضل بْن غَانِم وَعبيد اللَّه بْن عمر القواريري وَعلي بْن الْجَعْد وسجادة وَالذَّيَّال بْن الْهَيْثَم وقُتَيْبَة بْن سَعِيد وَكَانَ حِينَئِذٍ بِبَغْدَاد وسعدويه الوَاسِطِيّ وَإِسْحَاق بْن أَبِي إِسْرَائِيل وَابْن الهرش وَابْن علية الْأَكْبَر ومُحَمَّد بْن نوح الْعجلِيّ وَيحيى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْعمريّ وَأَبُو نصر التمار وَأَبُو معمر الْقطيعِي ومُحَمَّد بْن حَاتِم بْن مَيْمُون وَغَيرهم وَعرض عَلَيْهِم كتاب الْمَأْمُون فعرضوا ووروا وَلم يجيبوا وَلم ينكروا
فَقَالَ لبشر بْن الْوَلِيد مَا تَقول قَالَ قد عرفت أَمِير الْمُؤمنِينَ غير مرّة قَالَ والآن فقد تجدّد من أَمِير الْمُؤمنِينَ كتاب قَالَ أَقُول كَلَام اللَّه قَالَ لم أَسأَلك عَن هَذَا أمخلوق هُوَ قَالَ مَا أحسن غير مَا قلت لَك وَقد استعهدت أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن لَا أَتكَلّم فِيهِ
ثمَّ قَالَ لعَلي بْن أَبِي مقَاتل مَا تَقول قَالَ الْقُرْآن كَلَام اللَّه وَإِن أمرنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بشئ سمعنَا وأطعنا
وَأجَاب أَبُو حسان الزيَادي بِنَحْوِ من ذَلِك
ثمَّ قَالَ لأَحْمَد ابْن حَنْبَل مَا تَقول قَالَ كَلَام اللَّه قَالَ أمخلوق هُوَ قَالَ هُوَ كَلَام اللَّه لَا أَزِيد عَلَى هَذَا
ثمَّ امتحن البَاقِينَ وَكتب بجواباتهم
وَقَالَ ابْن الْبكاء الْأَكْبَر أَقُول الْقُرْآن مجعول ومحدث لوُرُود النَّص بذلك فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم والمجعول مَخْلُوق قَالَ نعم قَالَ فالقرآن مَخْلُوق قَالَ لَا أَقُول مَخْلُوق
стр. 376
ثمَّ وَجه بجواباتهم إِلَى الْمَأْمُون فورد عَلَيْهِ كتاب الْمَأْمُون
بلغنَا مَا أجَاب بِهِ متصنعة أهل الْقبْلَة وملتمسو الرياسة فِيمَا لَيْسُوا لَهُ بِأَهْل فَمن لم يجب أَنه مَخْلُوق فامنعه من الْفَتْوَى وَالرِّوَايَة
وَيَقُول فِي الْكتاب فَأَما مَا قَالَ بشر فقد كذب وَلم يكن جرى بَين أَمِير الْمُؤمنِينَ وَبَينه فِي ذَلِك عهد أَكثر من إِخْبَار أَمِير الْمُؤمنِينَ من اعْتِقَاده كلمة الْإِخْلَاص وَالْقَوْل بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق فَادع بِهِ إِلَيْك فَإِن تَابَ فأشهر أمره وَإِن أصر عَلَى شركه وَدفع أَن يكون الْقُرْآن مخلوقا بِكُفْرِهِ وإلحاده فَاضْرب عُنُقه وَابعث إِلَيْنَا بِرَأْسِهِ
وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي فامتحنه فَإِن أجَاب وَإِلَّا فَاضْرب عُنُقه
وَأما عَلِيّ بْن أَبِي مقَاتل فَقل لَهُ أَلَسْت الْقَائِل لأمير الْمُؤمنِينَ إِنَّك تحلل وَتحرم وَأما الذَّيَّال فَأعلمهُ أَنه كَانَ فِي الطَّعَام الَّذِي سَرقه من الأنبار مَا يشْغلهُ
وَأما أَحْمَد بْن يزِيد أَبُو الْعَوام وَقَوله إِنَّه لَا يحسن الْجَواب فِي الْقُرْآن فَأعلمهُ أَنه صبي فِي عقله لَا فِي سنه جَاهِل سيحسن الْجَواب إِذا أدب ثمَّ إِن لم يفعل كَانَ السَّيْف من وَرَاء ذَلِك
وَأما أَحْمَد بْن حَنْبَل فَأعلمهُ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد عرف فحوى مقَالَته وَاسْتدلَّ عَلَى جَهله وآفته بهَا
وَأما الْفضل بْن غَانِم فَأعلمهُ أَنه لم يخف عَلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا كَانَ فِيهِ بِمصْر وَمَا اكْتسب من الْأَمْوَال فِي أقل من سنة يَعْنِي فِي ولَايَته الْقَضَاء
وَأما الزيَادي فَأعلمهُ أَنه كَانَ منتحلا وَلَاء دعِي فَأنْكر أَبُو حسان أَن يكون مولى لزياد بْن أَبِيه وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الزيَادي لأمر من الْأُمُور
قَالَ وَأما أَبُو نصر التمار فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ شبه خساسة عقله بخساسة متجره وَأما ابْن نوح وَابْن حَاتِم فأعلمهم أَنهم مشاغيل بِأَكْل الرِّبَا عَن الْوُقُوف عَلَى التَّوْحِيد
стр. 377
وَأَن أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو لم يسْتَحل محاربتهم فِي اللَّه إِلَّا لإربائهم وَمَا نزل بِهِ كتاب اللَّه فِي أمثالهم لاستحل ذَلِك فَكيف بهم وَقد جمعُوا مَعَ الإرباء شركا وصاروا لِلنَّصَارَى شبها
وَأما ابْن شُجَاع فَأعلمهُ أَنَّك صَاحبه بالْأَمْس والمستخرج مِنْهُ مَا استخرجته من المَال الَّذِي كَانَ اسْتحلَّ من مَال الْأَمِير عَلِيّ بْن هِشَام
وَأما سَعْدَوَيْه الوَاسِطِيّ فَقل لَهُ قبح اللَّه رجلا بلغ بِهِ التصنع للْحَدِيث والحرص عَلَى الرياسة فِيهِ أَن يتَمَنَّى وَقت المحنة
وَأما الْمَعْرُوف بسجادة وإنكاره أَن يكون سمع مِمَّن كَانَ يُجَالس من الْعلمَاء القَوْل بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق فَأعلمهُ أَن فِي شغله بإعداد النَّوَى وحكه لإِصْلَاح سجادته وبالودائع الَّتِي دَفعهَا إِلَيْهِ عَلِيّ بْن يَحْيَى وَغَيره مَا أذهله عَن التَّوْحِيد
وَأما القواريري فَفِيمَا تكشف من أَحْوَاله وقبوله الرشا والمصانعات مَا أبان عَن مذْهبه وَسُوء طَرِيقَته وسخافة عقله وَدينه
وَأما يَحْيَى الْعمريّ فَإِن كَانَ من ولد عمر بْن الْخطاب فَجَوَابه مَعْرُوف
وَأما مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن عَاصِم فَإِنَّهُ لَو كَانَ مقتديا بِمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة الَّتِي حكيت عَنهُ وَأَنه بعد صبي يحْتَاج إِلَى أَن يعلم
وَقد كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَجه إِلَيْك الْمَعْرُوف بِأبي مسْهر بعد أَن نَصه أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن محنته فِي الْقُرْآن فجمجم عَنْهَا ولجلج فِيهَا حَتَّى دَعَاهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالسَّيْفِ فَأقر ذَمِيمًا فانصصه عَن إِقْرَاره فَإِن كَانَ مُقيما عَلَيْهِ فأشهر ذَلِك وأظهره
وَمن لم يرجع عَن شركه مِمَّن سميت بعد بشر وَابْن الْمهْدي فاحملهم موثوقين إِلَى عَسْكَر أَمِير الْمُؤمنِينَ ليسألهم فَإِن لم يرجِعوا حملهمْ عَلَى السَّيْف
قَالَ فَأَجَابُوا كلهم عِنْد ذَلِك إِلَّا أَحْمَد بْن حَنْبَل وسجادة ومُحَمَّد بْن نوح والقواريري فَأمر بهم إِسْحَاق فقيدوا ثمَّ سَأَلَهُمْ من الْغَد وهم فِي الْقُيُود فَأجَاب سجادة ثمَّ عاودهم ثَالِثا فَأجَاب القواريري وَوجه بأَحْمَد بْن حَنْبَل ومُحَمَّد بْن نوح الْمَضْرُوب إِلَى طرسوس ثمَّ بلغ الْمَأْمُون أَنهم أجابوا مكرهين فَغَضب وَأمر بإحضارهم
стр. 378
إِلَيْهِ فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الرقة بلغتهم وَفَاة الْمَأْمُون وَكَذَا جَاءَ الْخَبَر بِمَوْت الْمَأْمُون إِلَى أَحْمَد ولطف اللَّه وَفرج
وَأما مُحَمَّد بْن نوح فَكَانَ عديلا لأَحْمَد بْن حَنْبَل فِي الْمحمل فَمَاتَ فَغسله أَحْمَد بالرحبة وَصلى عَلَيْهِ وَدَفنه رَحمَه اللَّه تَعَالَى
وَأما الْمَأْمُون فَمَرض بالروم فَلَمَّا اشْتَدَّ مَرضه طلب ابْنه الْعَبَّاس ليقدم عَلَيْهِ وَهُوَ يظنّ أَنه لَا يُدْرِكهُ فَأَتَاهُ وَهُوَ مجهود
وَقد نفذت الْكتب إِلَى الْبلدَانِ فِيهَا من عَبْد اللَّه الْمَأْمُون وأخيه أَبِي إِسْحَاق الْخَلِيفَة من بعده بِهَذَا النَّص فَقيل إِن ذَلِك وَقع بِأَمْر الْمَأْمُون وَقيل بل كتبُوا ذَلِك وَقت غشي أَصَابَهُ فَأَقَامَ الْعَبَّاس عِنْده أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ
وَكَانَ الْمَأْمُون قد كتب وَصِيَّة تطول حكايتها ضمنهَا تحريض الْخَلِيفَة بعده عَلَى حمل الْخلق عَلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن ثمَّ توفّي فِي رَجَب وَدفن بطرسوس واستقل أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتصم بالخلافة
فَكَانَ من سَعَادَة الْمَأْمُون مَوته قبل أَن يحضر أَحْمَد بْن حَنْبَل إِلَى بَين يَدَيْهِ فَلم يكن ضربه عَلَى يَدَيْهِ
وَكَانَت هَذِهِ الْفِتْنَة عَظِيمَة الْموقع وَأول من امتحن فِيهَا من الْعلمَاء عَفَّان بْن مُسلم الْحَافِظ وَلما دعِي وَعرض عَلَيْهِ القَوْل بِخلق الْقُرْآن فَامْتنعَ قِيلَ قد رسمنا بِقطع عطائك وَكَانَ يعْطى ألف دِرْهَم فِي كل شهر فَقَالَ ﴿وَفِي السَّمَاءِ رزقكم وَمَا توعدون﴾ وَكَانَت عِنْده عائلة كَبِيرَة قِيلَ فدق عَلَيْهِ الْبَاب داق فِي ذَلِك الْيَوْم لَا يعرف وَقَالَ خُذ هَذِهِ الْألف وَلَك كل شهر عِنْدِي ألف يَا أَبَا عُثْمَان ثبتك اللَّه كَمَا ثَبت الدّين ثمَّ امتحن النَّاس بعده
قَالَ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم البوشنجي سَمِعت أَحْمَد ابْن حَنْبَل يَقُول تبينت الْإِجَابَة فِي دعوتين دَعَوْت اللَّه أَن لَا يجمع بيني وَبَين الْمَأْمُون ودعوته أَن لَا أرى المتَوَكل فَلم أر الْمَأْمُون مَاتَ بالبذندون وَهُوَ نهر الرّوم وأَحْمَد مَحْبُوس بالرقة حَتَّى بُويِعَ المعتصم بالروم وَرجع فَرد أَحْمَد إِلَى بَغْدَاد
стр. 379
وَأما المتَوَكل فَإِنَّهُ لما أحضر أَحْمَد دَار الْخلَافَة ليحدث وَلَده قعد لَهُ المتَوَكل فِي خوخة حَتَّى نظر إِلَى أَحْمَد وَلم يره أَحْمَد
قَالَ صَالح لما صدر أَبِي ومُحَمَّد بْن نوح إِلَى طرسوس ردا فِي أقيادهما فَلَمَّا صَار إِلَى الرقة حملا فِي سفينة فَلَمَّا وصلا إِلَى عانات توفّي مُحَمَّد فَأطلق عَنهُ قَيده وَصلى عَلَيْهِ أَبِي
وَقَالَ حَنْبَل قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه مَا رَأَيْت أحدا عَلَى حَدَاثَة سنه وَقدر علمه أقوم بِأَمْر اللَّه من مُحَمَّد بْن نوح وَإِنِّي لأرجو أَن يكون قد ختم لَهُ بِخَير قَالَ لي ذَات يَوْم يَا أَبَا عَبْد اللَّه اللَّه اللَّه إِنَّك لست مثلي أَنْت رجل يقْتَدى بك قد مد الْخلق أَعْنَاقهم إِلَيْك لما يكون مِنْك فَاتق اللَّه واثبت لأمر اللَّه أَو نَحْو هَذَا فَمَاتَ وَصليت عَلَيْهِ ودفنته أَظُنهُ قَالَ بعانة
قَالَ صَالح صَار أَبِي إِلَى بَغْدَاد مُقَيّدا فَمَكثَ بالياسرية أَيَّامًا ثمَّ حبس بدار اكتريت لَهُ عِنْد دَار عمَارَة ثمَّ نقل بعد ذَلِك إِلَى حبس الْعَامَّة فِي درب الموصلية فَقَالَ إِنِّي كنت أُصَلِّي بِأَهْل السجْن وَأَنا مُقَيّد فَلَمَّا كَانَ فِي رَمَضَان سنة تسع عشرَة حولت إِلَى دَار إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم
وَأما حَنْبَل بْن إِسْحَاق فَقَالَ حبس أَبُو عَبْد اللَّه فِي دَار عمَارَة بِبَغْدَاد فِي إسطبل لمُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم أخي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم وَكَانَ فِي حبس ضيق وَمرض فِي رَمَضَان فحبس فِي ذَلِك الْحَبْس قَلِيلا ثمَّ حول إِلَى حبس الْعَامَّة فَمَكثَ فِي السجْن نَحوا من ثَلَاثِينَ شهرا فَكُنَّا نأتيه ونقرأ عَلَيْهِ كتاب الإرجاء وَغَيره فِي الْحَبْس فرأيته يُصَلِّي بِأَهْل الْحَبْس
стр. 380
وَعَلِيهِ الْقَيْد وَكَانَ يخرج رجله من حَلقَة الْقَيْد وَقت الصَّلَاة وَالنَّوْم
وَكَانَ يُوَجه إِلَي كل يَوْم برجلَيْن أَحدهمَا يُقَال لَهُ أَحْمَد بْن رَبَاح وَالْآخر أَبُو شُعَيْب الْحجام فَلَا يزَالَانِ يناظراني حَتَّى إِذا أَرَادَا الِانْصِرَاف دعِي بِقَيْد فزيد فِي قيودي قَالَ فَصَارَ فِي رجله أَرْبَعَة أقياد
قَالَ أَبِي فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث دخل عَلَي أحد الرجلَيْن فناظرني فَقلت لَهُ مَا تَقول فِي علم اللَّه
قَالَ علم اللَّه مَخْلُوق
فَقلت لَهُ كفرت
فَقَالَ الرَّسُول الَّذِي كَانَ يحضر من قبل إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم إِن هَذَا رَسُول أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَقلت لَهُ إِن هَذَا قد كفر
فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الرَّابِعَة وَجه يَعْنِي المعتصم ببغا الَّذِي كَانَ يُقَال لَهُ الْكَبِير إِلَى إِسْحَاق فَأمره بحملي إِلَيْهِ فأدخلت عَلَى إِسْحَاق فَقَالَ يَا أَحْمَد إِنَّهَا وَالله نَفسك إِنَّه لَا يقتلك بِالسَّيْفِ إِنَّه قد آلى إِن لم تجبه أَن يَضْرِبك ضربا بعد ضرب وَأَن يلقيك فِي مَوضِع لَا ترى فِيهِ شمس وَلَا قمر أَلَيْسَ قد قَالَ الله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ أفيكون مجعولا إِلَّا مخلوقا قلت فقد قَالَ تَعَالَى ﴿فجعلهم كعصف مَأْكُول﴾ أفخلقهم قَالَ فَسكت
فَلَمَّا صرنا إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بِبَاب الْبُسْتَان أخرجت وجئ بِدَابَّة فَحملت عَلَيْهَا وَعلي الأقياد مَا معي أحد يمسكني فكدت غير مرّة أَن أخر على وجهى
стр. 381
لثقل الْقُيُود فجِئ بِي إِلَى دَار المعتصم فأدخلت حجرَة وأدخلت إِلَى بَيت وأقفل الْبَاب عَليّ وَذَلِكَ فِي جَوف اللَّيْل وَلَيْسَ فِي الْبَيْت سراج فَأَرَدْت أَن أتمسح للصَّلَاة فمددت يَدي فَإِذا أَنا بِإِنَاء فِيهِ مَاء وطست مَوْضُوع فَتَوَضَّأت وَصليت
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد أخرجت تكتي من سراويلي وشددت بهَا الأقياد أحملها وعطفت سراويلي فجَاء رَسُول المعتصم فَقَالَ أجب فَأخذ بيَدي وأدخلني عَلَيْهِ والتكة فِي يَدي أحمل بهَا الأقياد وَإِذا هُوَ جَالس وَابْن أَبِي دؤاد حَاضر وَقد جمع خلقا كثيرا من أَصْحَابه فَقَالَ لَهُ يَعْنِي المعتصم أدنه أدنه فَلم يزل يدنيني حَتَّى قربت مِنْهُ ثمَّ قَالَ لي اجْلِسْ فَجَلَست وَقد أثقلتني الأقياد فَمَكثت قَلِيلا ثمَّ قلت أتأذن لي فِي الْكَلَام فَقَالَ تكلم
فَقلت إِلَى مَا دَعَا اللَّه وَرَسُوله
فَسكت هنيئة ثمَّ قَالَ إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ
فَقلت فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ
ثمَّ قلت إِن جدك ابْن عَبَّاس يَقُول لما قدم وَفد عبد الْقَيْس على رَسُول الله ﷺ سَأَلُوهُ عَن الْإِيمَان فَقَالَ (أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَان قَالُوا اللَّه وَرَسُوله أعلم قَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَأَن تعطوا الْخمس من الْمغنم)
قَالَ أَبِي قَالَ يَعْنِي المعتصم لَوْلَا أَنِّي وَجَدْتُك فِي يَد من كَانَ قبلي مَا عرضت لَك ثمَّ قَالَ يَا عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق ألم آمُرك بِرَفْع المحنة فَقلت اللَّه أكبر إِن فِي هَذَا لفرجا للْمُسلمين
ثمَّ قَالَ لَهُم ناظروه كَلمُوهُ يَا عَبْد الرَّحْمَن كَلمه
فَقَالَ لي عَبْد الرَّحْمَن مَا تَقول فِي القُرْآن
стр. 382
قلت لَهُ مَا تَقول فِي علم اللَّه فَسكت
فَقَالَ لي بَعضهم أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ وَالْقُرْآن أَلَيْسَ هُوَ شئ فَقلت قَالَ اللَّه ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبهَا﴾ فدمرت إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّه فَقَالَ بَعضهم قَالَ اللَّه ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذكر من رَبهم مُحدث﴾ أفيكون مُحدثا إِلَّا مخلوقا
فَقلت قَالَ اللَّه ﴿ص وَالْقُرْآن ذِي الذّكر﴾ فالذكر هُوَ الْقُرْآن وَتلك لَيْسَ فِيهَا ألف وَلَا لَام
وَذكر بَعضهم حَدِيث عمرَان بْن حُصَيْن أَن اللَّه خلق الذّكر
فَقلت هَذَا خطأ حَدثنَا غير وَاحِد أَن اللَّه كتب الذّكر
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث ابْن مَسْعُود مَا خلق اللَّه من جنَّة وَلَا نَار وَلَا سَمَاء وَلَا أَرض أعظم من آيَة الْكُرْسِيّ
فَقلت إِنَّمَا وَقع الْخلق عَلَى الْجنَّة وَالنَّار وَالسَّمَاء وَالْأَرْض وَلم يَقع عَلَى الْقُرْآن
فَقَالَ بَعضهم حَدِيث خباب يَا هنتاه تقرب إِلَى اللَّه بِمَا اسْتَطَعْت فَإنَّك لن تتقرب إِلَيْهِ بشئ أحب إِلَيْهِ من كَلَامه
فَقلت هَكَذَا هُوَ
قَالَ صَالح بْن أَحْمَد فَجعل أَحْمَد بْن أَبِي دؤاد ينظر إِلَى أَبِي كالمغضب
قَالَ أَبِي وَكَانَ يتَكَلَّم هَذَا فأرد عَلَيْهِ وَيتَكَلَّم هَذَا فأرد عَلَيْهِ فَإِذا انْقَطع الرجل مِنْهُم اعْترض ابْن أَبِي دؤاد فَيَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هُوَ وَالله ضال مضل مُبْتَدع فَيَقُول
стр. 383
كَلمُوهُ ناظروه فيكلمني هَذَا فأرد عَلَيْهِ ويكلمني هَذَا فأرد عَلَيْهِ فَإِذا انْقَطَعُوا يَقُول لي المعتصم وَيحك يَا أَحْمَد مَا تَقول فَأَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعطوني شَيْئا من كتاب اللَّه أَو سنة رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَقُول بِهِ فَيَقُول ابْن أَبِي دؤاد أَنْت لَا تَقول إِلَّا مَا فِي كتاب اللَّه أَو سنة رَسُول اللَّهِ فَقلت لَهُ تأولت تَأْوِيلا فَأَنت أعلم وَمَا تأولت مَا يحبس عَلَيْهِ وَمَا يُقيد عَلَيْهِ
ثمَّ إِن المعتصم دَعَا أَحْمَد مَرَّتَيْنِ فِي مجلسين يطول شرحهما وَهُوَ يَدعُوهُ إِلَى الْبِدْعَة وأَحْمَد ﵁ يَأْبَى عَلَيْهِ أَشد الإباء
قَالَ أَحْمَد ﵁ وَلما كَانَت اللَّيْلَة الثَّالِثَة قلت خليق أَن يحدث غَدا من أمرى شئ فَقلت لبَعض من كَانَ معي الْمُوكل بِي ارْتَدَّ لي خيطا فَجَاءَنِي بخيط فشددت بِهِ الأقياد ورددت التكة إِلَى سراويلي مَخَافَة أَن يحدث من أمرى شئ فأتعرى
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد فِي الْيَوْم الثَّالِث وَجه إِلَيّ فأدخلت فَإِذا الدَّار غاصة فَجعلت أَدخل من مَوضِع إِلَى مَوضِع وَقوم مَعَهم السيوف وَقوم مَعَهم السِّيَاط وَغير ذَلِك وَلم يكن فِي الْيَوْمَيْنِ الماضيين كثير أحد من هَؤُلَاءِ فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَيْهِ قَالَ اقعد ثمَّ قَالَ ناظروه كَلمُوهُ فَجعلُوا يناظروني وَيتَكَلَّم هَذَا فأرد عَلَيْهِ وَجعل صوتي يَعْلُو أَصْوَاتهم فَجعل بعض من عَلَى رَأسه قَائِم يومي إِلَيّ بِيَدِهِ فَلَمَّا طَال الْمجْلس نحاني ثمَّ خلا بهم ثمَّ نحاهم وردني إِلَى عِنْده وَقَالَ وَيحك يَا أَحْمَد أجبني حَتَّى أطلق عَنْك بيَدي فَرددت عَلَيْهِ نَحوا مِمَّا كنت أرد فَقَالَ لي عَلَيْك وَذكر اللَّعْن وَقَالَ خذوه واسحبوه واخلعوه قَالَ فسحبت ثمَّ خلعت
قَالَ وَقد كَانَ صَار إِلَي شعر من شعر النَّبِي ﷺ فِي كم قميصى فَوجه إِلَى إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم مَا هَذَا المصرور فِي كمك قلت شعر من شعر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم
стр. 384
قَالَ وسعى بعض الْقَوْم إِلَى الْقَمِيص ليخرقه عَليّ فَقَالَ لَهُم يَعْنِي المعتصم لَا تخرقوه فَنزع الْقَمِيص عني قَالَ فَظَنَنْت أَنه إِنَّمَا درئ عَن الْقَمِيص الْخرق بِسَبَب الشّعْر الَّذِي كَانَ فِيهِ
قَالَ وَجلسَ عَلَى كرْسِي يَعْنِي المعتصم ثمَّ قَالَ العقابين والسياط فجيء بالعقابين فمدت يداي فَقَالَ بعض من حضر خَلْفي خُذ بِأَيّ الخشبتين بيديك وَشد عَلَيْهِمَا فَلم أفهم مَا قَالَ فتخلعت يداي
وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم البوشنجي ذكرُوا أَن المعتصم لَان فِي أَمر أَحْمَد لما علق فِي العقابين وَرَأى ثُبُوته وتصميمه وصلابته فِي أمره حَتَّى أغراه ابْن أَبِي دؤاد وَقَالَ لَهُ إِن تركته قِيلَ إِنَّك تركت مَذْهَب الْمَأْمُون وسخطت قَوْله فهاجه ذَلِك عَلَى ضربه
قَالَ صَالح قَالَ أَبى لما جئ بالسياط نظر إِلَيْهَا المعتصم وَقَالَ ائْتُونِي بغَيْرهَا ثمَّ قَالَ للجلادين تقدمُوا فَجعل يتَقَدَّم إِلَي الرجل مِنْهُم فيضربني سوطين فَيَقُول لَهُ شدّ قطع اللَّه يدك ثمَّ يتَنَحَّى ويتقدم الآخر فيضربني سوطين وَهُوَ يَقُول فِي كل ذَلِك شدّ قطع اللَّه يدك فَلَمَّا ضربت تِسْعَة عشر سَوْطًا قَامَ إِلَيّ يَعْنِي المعتصم فَقَالَ يَا أَحْمَد علام تقتل نَفسك إِنِّي وَالله عَلَيْك لشفيق
قَالَ فَجعل عجيف ينخسني بقائمة سَيْفه وَيَقُول أَتُرِيدُ أَن تغلب هَؤُلَاءِ كلهم
وَجعل بَعضهم يَقُول وَيلك الْخَلِيفَة عَلَى رَأسك قَائِم وَقَالَ بَعضهم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ دَمه فِي عنقِي اقتله وَجعلُوا يَقُولُونَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت صَائِم وَأَنت فِي الشَّمْس قَائِم فَقَالَ لي وَيحك يَا أَحْمَد مَا تَقول فَأَقُول أعطوني شَيْئا من كتاب اللَّه أَو سنة رَسُول الله ﷺ أَقُول بِهِ فَرجع وَجلسَ وَقَالَ للجلاد تقدم وأوجع قطع اللَّه يدك ثمَّ قَامَ الثَّانِيَة فَجعل يَقُول وَيحك يَا أَحْمَد أجبني فَجعلُوا يقبلُونَ عَلِيّ وَيَقُولُونَ يَا أَحْمَد
стр. 385
إمامك عَلَى رَأسك قَائِم وَجعل عَبْد الرَّحْمَن يَقُول من صنع من أَصْحَابك فِي هَذَا الْأَمر مَا تصنع وَجعل المعتصم يَقُول وَيحك أجبنى إِلَى شئ لَك فِيهِ أدني فرج حَتَّى أطلق عَنْك بيَدي فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعطوني شَيْئا من كتاب اللَّه فَرجع وَقَالَ للجلادين تقدمُوا فَجعل الجلاد يتَقَدَّم ويضربني سوطين ويتنحي فِي خلال ذَلِك يَقُول شدّ قطع اللَّه يدك
قَالَ أَبِي فَذهب عَقْلِي فَأَفَقْت بعد ذَلِك فَإِذا الأقياد قد أطلقت عني فَقَالَ لي رجل مِمَّن حضر إِنَّا كببناك عَلَى وَجهك وطرحناك عَلَى ظهرك ودسناك قَالَ أَبِي فَمَا شَعرت بذلك وأتوني بسويق فَقَالُوا لي اشرب وتقيأ فَقلت لَا أفطر
ثمَّ جِيءَ بِي إِلَى دَار إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم فَحَضَرت صَلَاة الظّهْر فَتقدم ابْن سَمَّاعَة فصلى فَلَمَّا انْفَتَلَ من الصَّلَاة قَالَ لي صليت وَالدَّم يسيل فِي ثَوْبك فَقلت قد صلى عمر وجرحه يثغب دَمًا
قَالَ صَالح ثمَّ خلي عَنهُ فَصَارَ إِلَى منزله وَكَانَ مكثه فِي السجْن مذ أَخذ وَحمل إِلَى أَن ضرب وخلي عَنهُ ثَمَانِيَة وَعشْرين شهرا
وَلَقَد أَخْبرنِي أحد الرجلَيْن اللَّذين كَانَا مَعَه قَالَ يَا ابْن أخي رَحْمَة اللَّه عَلَى أَبِي عَبْد اللَّه وَالله مَا رَأَيْت أحدا يُشبههُ وَلَقَد جعلت أَقُول لَهُ فِي وَقت مَا يُوَجه إِلَيْنَا بِالطَّعَامِ يَا أَبَا عَبْد اللَّه أَنْت صَائِم وَأَنت فِي مَوضِع تقية وَلَقَد عَطش فَقَالَ لصَاحب الشَّرَاب ناولني فَنَاوَلَهُ قدحا فِيهِ مَاء وثلج فَأَخذه وَنظر إِلَيْهِ هنيئه ثمَّ رده وَلم يشرب فَجعلت أتعجب من صبره عَلَى الْجُوع والعطش وَهُوَ فِيمَا هُوَ فِيهِ من الهول
قَالَ صَالح كنت ألتمس وأحتال أَن أوصل إِلَيْهِ طَعَاما أَو رغيفا فِي تِلْكَ الْأَيَّام فَلم أقدر
وَأَخْبرنِي رجل حَضَره أَنه تفقده فِي هَذِهِ الْأَيَّام الثَّلَاثَة وهم يناظرونه فَمَا لحن فِي كلمة قَالَ وَمَا ظَنَنْت أَن أحدا يكون فِي مثل شجاعته وَشدَّة قلبه
стр. 386
وروى أَنه لما ضرب سَوْطًا قَالَ بِسم اللَّه فَلَمَّا ضرب الثَّانِي قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَلَمَّا ضرب الثَّالِث قَالَ الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق فَلَمَّا ضرب الرَّابِع قَالَ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كتب الله لنا﴾ فَضَربهُ تِسْعَة وَعشْرين سَوْطًا
وَكَانَت تكة أَحْمَد حَاشِيَة ثوب فَانْقَطَعت فَنزل السَّرَاوِيل إِلَى عانته فَرمى بطرفه إِلَى السَّمَاء وحرك شَفَتَيْه فَمَا كَانَ بأسرع من ثُبُوت السَّرَاوِيل عَلَى حَاله لم تتزحزح
قَالَ الرَّاوِي فَدخلت عَلَى أَحْمَد بعد سَبْعَة أَيَّام فَقلت يَا أَبَا عَبْد اللَّه رَأَيْتُك وَقد انحل سراويلك فَرفعت طرفك نَحْو السَّمَاء فَثَبت مَا الَّذِي قلت قَالَ قلت اللَّهم إِنِّي أَسأَلك بِاسْمِك الَّذِي مَلَأت بِهِ الْعَرْش إِن كنت تعلم أَنِّي عَلَى الصَّوَاب فَلَا تهتك لي سترا
وَفِي رِوَايَة لما أقبل الدَّم من أكتافه انْقَطع خيط السَّرَاوِيل وَنزل فَرفع طرفه إِلَى السَّمَاء فَعَاد من لحظته فَسئلَ أَحْمَد فَقَالَ قلت إلهي وسيدي وقفتني هَذَا الْموقف فَلَا تهتكني عَلَى رُءُوس الْخَلَائق
وَرُوِيَ أَنه كَانَ كلما ضرب سَوْطًا أَبْرَأ ذمَّة المعتصم فَسئلَ فَقَالَ كرهت أَن آتِي يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال هَذَا غَرِيم ابْن عَم النَّبِي ﷺ أَو رجل من أهل بَيت النَّبِي ﷺ
فَهَذَا مُخْتَصر من حَال الإِمَام أَحْمَد فِي المحنة رَحمَه اللَّه تَعَالَى وَرَضي عَنهُ
وَأما الْأُسْتَاذ أَحْمَد بْن نصر الْخُزَاعِيّ ذُو الْجنان وَاللِّسَان والثبات وَإِن اضْطربَ المهند والسنان والوثبات وَإِن مَلَأت نَار الْفِتْنَة كل مَكَان فَإِنَّهُ كَانَ شَيخا جَلِيلًا قوالا بِالْحَقِّ أمارا بِالْمَعْرُوفِ نهاء عَن الْمُنكر وَكَانَ من أَوْلَاد الْأُمَرَاء وَكَانَت محنته عَلَى يَد الواثق
стр. 387
قَالَ لَهُ مَا تَقول فِي الْقُرْآن قَالَ كَلَام اللَّه وأصر عَلَى ذَلِك غير متلعثم فَقَالَ بعض الْحَاضِرين هُوَ حَلَال الدَّم فَقَالَ ابْن أَبى دؤاد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ شيخ مختل لَعَلَّ بِهِ عاهة أَو تغير عقل يُؤَخر أمره ويستتاب فَقَالَ الواثق مَا أرَاهُ إِلَّا مُؤديا لكفره قَائِما بِمَا يَعْتَقِدهُ مِنْهُ ثمَّ دَعَا بالصمصامة وَقَالَ إِذا قُمْت إِلَيْهِ فَلَا يقومن أحد معي فَإِنِّي أحتسب خطاي إِلَى هَذَا الْكَافِر الَّذِي يعبد رَبًّا لَا نعبده وَلَا نعرفه بِالصّفةِ الَّتِي وَصفه بهَا ثمَّ أَمر بالنطع فأجلس عَلَيْهِ وَهُوَ مُقَيّد وَأمر أَن يشد رَأسه بِحَبل وَأمرهمْ أَن يمدوه وَمَشى إِلَيْهِ فَضرب عُنُقه وَأمر بِحمْل رَأسه إِلَى بَغْدَاد فَنصبت بالجانب الشَّرْقِي أَيَّامًا وَفِي الْجَانِب الغربي أَيَّامًا وتتبع رُؤُوس أَصْحَابه فسجنوا
وَقَالَ الْحَسَن بْن مُحَمَّد الْخرقِيّ سَمِعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّائِغ يَقُول رَأَيْت أَحْمَد بْن نصر حَيْثُ ضربت عُنُقه قَالَ رَأسه لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ
قَالَ الْمَرْوذِيّ سَمِعت أَبَا عَبْد اللَّه وَذكر أَحْمَد بْن نصر فَقَالَ ﵀ مَا كَانَ أسخاه لقد جاد بِنَفسِهِ
وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه الْحَافِظ فِي تَرْجَمَة أَبِي الْعَبَّاس أَحْمَد بْن سَعِيد الْمَرْوذِيّ وَهُوَ فِي الطَّبَقَة الْخَامِسَة من تَارِيخ نَيْسَابُورَ سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس السياري يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس بْن سعد يَقُول لم يصبر فِي المحنة إِلَّا أَرْبَعَة كلهم من أهل مرو أَحْمَد بْن حَنْبَل أَبُو عَبْد اللَّه وأَحْمَد بْن نصر بْن مَالك الْخُزَاعِيّ ومُحَمَّد بْن نوح بْن مَيْمُون الْمَضْرُوب ونعيم بْن حَمَّاد وَقد مَاتَ فِي السجْن مُقَيّدا
فَأَما أَحْمَد بْن نصر فَضربت عُنُقه وَهَذِه نُسْخَة الرقعة الْمُعَلقَة فِي أذن أَحْمَد بْن نصر بْن مَالك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا رَأس أَحْمَد بْن نصر بْن مَالك دَعَاهُ عَبْد اللَّه الإِمَام
стр. 388
هَارُون وَهُوَ الواثق بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَنفي التَّشْبِيه فَأبى إِلَّا المعاندة فَجعله اللَّه إِلَى ناره وَكتب مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك
وَمَات مُحَمَّد بْن نوح فى فتْنَة الْمَأْمُون
والمعتصم ضرب أَحْمد ابْن حَنْبَل
والواثق قتل أَحْمَد بْن نصر بْن مَالك وَكَذَلِكَ نعيم بْن حَمَّاد
وَلما جلس المتَوَكل دخل عَلَيْهِ عَبْد الْعَزِيز بْن يَحْيَى الْكِنَانِي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا رُؤِيَ أعجب من أَمر الواثق قتل أَحْمَد بْن نصر وَكَانَ لِسَانه يقْرَأ الْقُرْآن إِلَى أَن دفن قَالَ فَوجدَ المتَوَكل من ذَلِك وساءه مَا سَمعه فِي أَخِيه إِذْ دخل عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك الزيات فَقَالَ لَهُ يَا ابْن عَبْد الْملك فِي قلبِي من قتل أَحْمَد بْن نصر فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أحرقني اللَّه بالنَّار إِن قَتله أَمِير الْمُؤمنِينَ الواثق إِلَّا كَافِرًا
قَالَ وَدخل عَلَيْهِ هرثمة فَقَالَ يَا هرثمة فِي قلبِي من قتل أَحْمَد بْن نصر فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قطعني اللَّه إربا إربا إِن قَتله أَمِير الْمُؤمنِينَ الواثق إِلَّا كَافِرًا
قَالَ وَدخل عَلَيْهِ أَحْمَد بْن أَبِي دؤاد فَقَالَ يَا أَحْمَد فِي قلبِي من قتل أَحْمَد بْن نصر فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ضَرَبَنِي اللَّه بالفالج إِن قَتله أَمِير الْمُؤمنِينَ الواثق إِلَّا كَافِرًا
قَالَ المتَوَكل فَأَما الزيات فَأَنا أحرقته بالنَّار وَأما هرثمة فَإِنَّهُ هرب وتبدى واجتاز بقبيلة خُزَاعَة فَعرفهُ رجل من الْحَيّ فَقَالَ يَا معشر خُزَاعَة هَذَا الَّذِي قتل أَحْمَد بْن نصر فقطعوه إربا إربا
وَأما أَحْمَد بْن أَبِي دؤاد فقد سجنه اللَّه فِي جلده
قلت وَبَلغنِي وَمَا أرَاهُ إِلَّا فِي تَارِيخ الْحَاكِم أَن بعض الْأُمَرَاء خرج يتصيد فَأَلْقَاهُ السّير عَلَى أَرض فَنزل بهَا فبحث بعض غلمانه فِي التُّرَاب فحفر حَتَّى رَأْي مَيتا فِي قَبره طريا وَهُوَ فِي نَاحيَة وَرَأسه فِي نَاحيَة وفى أُذُنه رقْعَة عَلَيْهَا شئ مَكْتُوب فأحضر
стр. 389
من قَرَأَهُ فَإِذا هُوَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا رَأس أَحْمَد بْن نصر الْكَلِمَات السَّابِقَة فَعَلمُوا أَنه رَأس أَحْمَد الْخُزَاعِيّ فَدفن وَرفع سَنَام قَبره وَكَانَ هَذَا فِي زمن الْحَاكِم أَبِي عَبْد اللَّه الْحَافِظ وَهُوَ عَلَى طراوته وَكَيف لَا وَهُوَ شَهِيد ﵀ وَرَضي عَنهُ
وَقد طَال أَمر هَذِهِ الْفِتْنَة وطار شررها واستمرت من هَذِهِ السّنة الَّتِي هِيَ سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ إِلَى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ فَرَفعهَا المتَوَكل فِي مَجْلِسه وَنهى عَن القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَكتب بذلك إِلَى الْآفَاق وتوفر دُعَاء الْخلق لَهُ وبالغوا فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ والتعظيم لَهُ حَتَّى قَالَ قَائِلهمْ الْخُلَفَاء ثَلَاثَة أَبُو بكر الصّديق يَوْم الرِّدَّة وَعمر بْن عَبْد الْعَزِيز فِي رد الْمَظَالِم والمتوكل فِي إحْيَاء السّنة
وَسكت النَّاس عَن ذنُوب المتَوَكل وَقد كَانَت الْعَامَّة تنقم عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ أَحدهمَا أَنه ندب لدمشق أفريدون التركي أحد مماليكه وسيره واليا عَلَيْهَا وَكَانَ ظَالِما فاتكا فَقدم فِي سَبْعَة آلَاف فَارس وأباح لَهُ المتَوَكل الْقَتْل فِي دمشق والنهب عَلَى مَا نقل إِلَيْنَا ثَلَاث سَاعَات فَنزل بِبَيْت لهيا وَأَرَادَ أَن يصبح الْبَلَد فَلَمَّا أصبح نظر إِلَى الْبَلَد وَقَالَ يَا يَوْم تصبحك مني فَقدمت لَهُ بغلة فضربته بِالزَّوْجِ فَقتلته وقبره بِبَيْت لهيا ورد الْجَيْش الَّذِي مَعَه خائبين وَبلغ المتَوَكل فصلحت نِيَّته لأهل دمشق
وَالثَّانِي أَنه أَمر بهدم قبر الْحُسَيْن ﵁ وَهدم مَا حوله من الدّور وَأَن يعْمل مزارع وَمنع النَّاس من زيارته وحرث وَبَقِي صحراء فتألم الْمُسلمُونَ لذَلِك وَكتب أهل بَغْدَاد شَتمه عَلَى الْحِيطَان والمساجد وهجاه دعبل وَغَيره من الشُّعَرَاء وَقَالَ قَائِلهمْ
(بِاللَّه إِن كَانَت أُميَّة قد أَتَت ... قتل ابْن بنت نبيها مَظْلُوما)
(فَلَقَد أَتَاهُ بَنو أَبِيه بِمثلِهِ ... هَذَا لعمرك قَبره مهدوما)
(أسفوا عَلَى أَن لَا يَكُونُوا شاركوا ... فِي قَتله فتتبعوه رميما)
стр. 390
قلت لقد كَانَت هَاتَانِ الواقعتان الفظيعتان فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَرفع المحنة قبلهَا بِسنتَيْنِ فَهِيَ ذنُوب لاحقة لرفع الْفِتْنَة لَا سَابِقَة عَلَيْهَا
وَكَانَ من الْأَسْبَاب فِي رفع الْفِتْنَة أَن الواثق أُتِي بشيخ مُقَيّد فَقَالَ لَهُ ابْن أَبِي دؤاد يَا شيخ مَا تَقول فِي الْقُرْآن أمخلوق هُوَ
فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ لم تنصفني الْمَسْأَلَة أَنا أَسأَلك قبل الْجَواب هَذَا الذى تَقوله يَا ابْن أَبى دؤاد من خلق الْقُرْآن شئ علمه رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ أَو جهلوه
فَقَالَ بل علموه
فَقَالَ فَهَل دعوا إِلَيْهِ النَّاس كَمَا دعوتهم أَنْت أَو سكتوا
قَالَ بل سكتوا
قَالَ فَهَلا وسعك مَا وسعهم من السُّكُوت
فَسكت ابْن أَبِي دؤاد وأعجب الواثق كَلَامه وَأمر بِإِطْلَاق سَبيله وَقَامَ الواثق من مَجْلِسه وَهُوَ عَلَى مَا حكى يَقُول هلا وسعك مَا وسعهم يُكَرر هَذِهِ الْكَلِمَة وَكَانَ ذَلِك من الْأَسْبَاب فِي خمود الْفِتْنَة وَإِن كَانَ رَفعهَا بِالْكُلِّيَّةِ إِنَّمَا كَانَ عَلَى يَد المتَوَكل
وَهَذَا الَّذِي أوردناه فِي هَذِهِ الْحِكَايَة هُوَ مَا ثَبت من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَمِنْهُم من زَاد فِيهَا مَا لَا يثبت فاضبط مَا أَثْبَتْنَاهُ ودع مَا عداهُ فَلَيْسَ عِنْد ابْن أَبِي دؤاد من الْجَهْل مَا يصل بِهِ إِلَى أَن يَقُول جهلوه وَإِنَّمَا نِسْبَة هَذَا إِلَيْهِ تعصب عَلَيْهِ وَالْحق وسط فَابْن أَبِي دؤاد مُبْتَدع ضال مُبْطل لَا محَالة وَلَا يَنْتَهِي أمره إِلَى أَن يَدعِي أَن شَيْئا ظهر لَهُ وخفي عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين كَمَا حُكيَ عَنهُ فِي هَذِهِ الْحِكَايَة فَهَذَا معَاذ اللَّه أَن يَقُوله أَو يَظُنّهُ أحد يتزيى بزِي الْمُسلمين وَلَو فَاه بِهِ ابْن أَبِي دؤاد لفرق الواثق من سَاعَته بَين رَأسه وبدنه
وَشَيخنَا الذَّهَبِيّ وَإِن كَانَ فِي تَرْجَمَة ابْن أَبِي دؤاد حكى الْحِكَايَة عَلَى الْوَجْه الَّذِي لَا نرضاه فقد أوردهَا فِي تَرْجَمَة الواثق من غير مَا وَجه عَلَى الْوَجْه الثَّابِت
следующие страницы →