Полный текст (3 926 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
الدَّاودِيّ أخبرنَا الْحَمَوِيّ أخبرنَا الْفربرِي أَنا خَ حَدثنَا مُحَمَّد ابْن عبد الله الْأنْصَارِيّ أخبرنَا حميد أَن أنسا ﵁ حَدثهمْ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ كتاب الله الْقصاص انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ خَ من هَذَا الطَّرِيق فَرَوَاهُ فِي الصُّلْح وَالتَّفْسِير والديات مطولا ومختصرا
أخبرنَا الْفَقِيه الأديب مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا عَليّ بن عمر الواني وَأَبُو الْهدى أَحْمد بن مُحَمَّد العباسي قِرَاءَة عَلَيْهِمَا قَالَ الأول أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مكي الحاسب السبط وَقَالَ الثَّانِي أخبرنَا عبد الْوَهَّاب بن ظافر الْأَزْدِيّ ابْن رواج قَالَا أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الطَّاهِر
ح وَأخْبرنَا قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْحسن بن عبد الله بن الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي وَزَيْنَب بنت الْكَمَال وَغَيرهمَا كِتَابَة عَن أبي الْقَاسِم السبط إِذْنا أخبرنَا السلَفِي أخبرنَا مكي بن مَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَلان أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن الْحسن بن أَحْمد الْحِيرِي الجرشِي حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا
стр. 3257
أَبُو يحيى زَكَرِيَّا بن يحيى بن أَسد الْمروزِي بِبَغْدَاد حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَاصِم عَن زر بن حُبَيْش عَن صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي ﵁ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت رجلا أحب قوما وَلم يلْحق بهم قَالَ هُوَ مَعَ من أحب أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عمر عَن سُفْيَان فَوَقع لنا بَدَلا عَالِيا
وَعَن مَحْمُود بن غيلَان عَن يحيى بن آدم عَن سُفْيَان فَوَقع لنا عَالِيا بدرجات ثَلَاث
أَنْشدني شَيخنَا تَقِيّ الدّين أَبُو الْفَتْح لنَفسِهِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أرجوزته الَّتِي مِنْهَا
(اسْمَع أخي وَصِيَّة من نَاصح ... مناضل عَن عرضه مكادح)
(لَا تقصين مَا حييت صاحبا ... وَلَا قَرِيبا بل وَلَا مجانبا)
(وَلَا تعدد الْكَلم فِي أحد ... وَلَا تكن للغلطات بالرصد)
(وَلَا تؤاخذ مذنبا بذنب ... فتغتدي فَاقِد كل صحب)
(إجر مَعَ النَّاس على أَخْلَاقهم ... وَصَاحب الْخلق على وفاقهم)
(وَلَا تقطب إِن أَتَاك سَائل ... فَذَاك للسَّائِل دَاء قَاتل)
(وَلَا تكن على صديق مكثرا ... فَإِن صفو الود يُضحي كدرا)
стр. 3258
(وَلَا يغرنك دوَام الصحبه ... فَمَا يعود الْقلب إِلَّا قلبه)
(لَا تسمعن فِي صَاحب كلَاما ... لَا تلقين لامْرَأَة زماما)
وَهِي طَوِيلَة اقتصرنا مِنْهَا على مَا أوردناه
وأنشدني لنَفسِهِ أَيْضا وكتبت بهَا على جُزْء خرجته فِي الْكَلَام على حَدِيث الْمُتَبَايعين بِالْخِيَارِ
(يصنف فِي كل يَوْم كتابا ... يشابه فِي النُّور ضوء النَّهَار)
(وَأَنت فَمن سادة ينتمون ... بأنسابهم لعَلي النجار)
(فَحق لمادحكم أَن يَقُول ... حَدِيث الْخِيَار رَوَاهُ الْخِيَار)
وأنشدني لنَفسِهِ أَيْضا وكتبت بهَا على الْأَرْبَعين الَّتِي خرجتها زمن الشَّبَاب
(أَجدت الْأَرْبَعين فدمت تاجا ... لأهل الْعلم ذَا فضل مُبين)
(وأضحى الْوَالِد النّدب المرجى ... لما يرجوه فِيك قرير عين)
(وَأَرْجُو أَن أَرَاك رفيع قدر ... وَقد جَاوَزت حد الْأَرْبَعين)
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ من لَفظه تضمينا للبيت الثَّالِث
(عرف العاذل وجدي فلاحى ... وَرَأى عني التسلي فلاحا)
(عَن غزال فاق جيدا وظرفا ... وهلال رام قَتْلِي فلاحا)
(علموني كَيفَ أسلو وَإِلَّا ... فاحجبوا عَن مقلتي الملاحا)
стр. 3259
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ أبياتا مفيدة نظمها فِي أَسمَاء الْخُلَفَاء وَهِي
(إِذا رمت تعداد الخلائف عدهم ... كَمَا قلته تدعى اللبيب المحصلا)
(عَتيق وفاروق وَعُثْمَان بعده ... عَليّ الرِّضَا من بعده حسن تَلا)
(مُعَاوِيَة ثمَّ ابْنه وحفيده ... مُعَاوِيَة وَابْن الزبير أَخُو الْعلَا)
(ومروان يتلوه ابْنه ووليده ... سُلَيْمَان وافى بعده عمر وَلَا)
(يزِيد هِشَام والوليد يزيدهم ... سناهم بإبراهيم مَرْوَان قد علا)
(وسفاح الْمَنْصُور مهْدي ابتدئ ... وهاد رشيد للأمين تكفلا)
(وأعقب بالمأمون معتصم غَدا ... بواثقه يستتبع المتوكلا)
(ومنتصر والمستعين وَبعده ... لمعتز المتلو بالمهتدي انقلا)
(ومعتمد يقفوه معتضد وَعَن ... سنا المكتفي يتلوه مقتدر سلا)
(وبالقاهرة الراضي تعوض متق ... وَبِاللَّهِ مستكف مُطِيع تفضلا)
(وطائعهم لله بِاللَّه قَادر ... وقائمهم بالمقتدي استظهر الْعلَا)
(ومسترشد والراشد المقتفي بِهِ ... ومستنجد والمستضي نَاصِر خلا)
(وظاهرهم مستنصر قد تكملوا ... بمستعصم فِي وقته ظهر البلا)
(ومستنصر أَو حَاكم وَابْنه وَلم ... يقم واثق حَتَّى أَتَى حَاكم الملا)
(فدونكها مني بديها نظمتها ... فَإِن آتٍ تقصيرا فَكُن متطولا)
стр. 3260
وأنشدني شيخ الْإِسْلَام الْوَالِد ﵀ عِنْد سَمَاعه هَذِه الأبيات مني
(أَجدت تَقِيّ الدّين نظما ومقولا ... وَلم تبْق شأوا فِي الْفَضَائِل والعلا)
(فَمن رام نظما للأئمة بعْدهَا ... يروم محالا خاسئا ومجهلا)
خطر لي فِي وَقت أَن أنظم فِي الْخُلَفَاء وأضم خلفاء الفاطميين وخلفاء المغاربة فتذكرت قَول الْوَالِد إِن من رام نظما لَهُم بعد أبي الْفَتْح يكون خاسئا مجهلا فَقلت رجل صَالح وَقد أنطقه الله فأحجمت
وَكتب إِلَيّ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ وَكُنَّا على شاطئ الْبَحْر وَتَأَخر عَنَّا أَبُو الْفَتْح بِالْقَاهِرَةِ لاشتغاله بوفاة والدته رَحمهَا الله تَعَالَى
(تسل تَقِيّ الدّين عَن فقد من أودى ... وأحرق لي قلبا وشيب لي فودا)
(لقد بَان عَنَّا مذ ترحل شخصها ... سرُور وآلى لَا يواصلها عودا)
(سقى الله تربا ضمهَا غيث رَحْمَة ... وجارتها أُمِّي وأولاهما جودا)
(وَلَو كَانَ حزن نَافِعًا لجعلته ... شعاري عَسى أفدي مكرمَة خودا)
(وَلم نزل قصدا لشَيْء سواهُمَا ... وَلَا مطلبا أرجوه كلا وَلَا رودا)
стр. 3261
(فراجع وَكن بِالصبرِ وَالْحكم وَالرِّضَا ... عَن الله للبلوى تذود بِهِ ذودا)
(وَلَا تبد ضعفا إِن علمك قدوة ... وَكن جبلا ذَا قُوَّة شامخا طودا)
(واقدم إِلَيْنَا أَن أَحْمد قَائِل ... أرى كل بيضًا من بعادك لي سُودًا)
أَحْمد الْمَذْكُور هُوَ الْأَخ شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام أَبُو حَامِد أَحْمد وَهَذَا النّصْف نظمه
فَكتب الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْجَواب
(أيا محسنا بَدْء ومستأنفا عودا ... وَمن حَاز من وصف الْعلَا سؤددا عودا)
(وَمن علمه بَحر تزايد مده ... وفيض ندى كفيه عَم الورى جودا)
(ملكت زمَان الْعلم فانقاد طَائِعا ... وأمك بالإذعان إِذْ قدته قودا)
(وجاريت أَرْبَاب البديع بمنطق ... عَلَوْت بِهِ قسا وفقت بِهِ أودا)
(وَأرْسلت سحرًا يطرب السّمع نفثه ... وخمرا تذود الْهم عَن خاطري ذودا)
(وسليتني عَن ذَاهِب أحرق الحشا ... وأذهب عَن قلبِي المسرة إِذْ أودى)
(وغادر مني أسود الشّعْر أبيضا ... كَمَا كل بيضًا من تنائيه لي سُودًا)
(فبردت نَار الشوق إِذْ زَاد وقدها ... وخففت حمل الوجد إِذا آدني أودا)
стр. 3262
(وأفرحتني لما دَعَوْت لَهَا فَفِي ... دعائك خير لَا أواري بِهِ رودا)
(وأذكرتني أما لَهَا الْفضل ثَابت ... لِأَن تركت من بعْدهَا جبلا طودا)
(فَمن بعْدهَا لَا أججت نَار قلبه ... وَلَا شيب الله الْكَرِيم لَهُ فودا)
(وعاش مُقيما فِي علا وسعادة ... قعُود قناة كلما بقيت عودا)
(ومتعه بالسيدين كليهمَا ... وثالثهم لَا يختشي للردى كودا)
(وعاشوا لإنعام يَقُول حسودهم ... لرُؤْيَته لَا خفف الله فِي فودا)
(فَخذهَا عروسا شرفت بمحاسن ... لديكم فَجَاءَت تنجلي لكم خودا)
(على الْعَرَب العرباء تبدي نفاسة ... وَلَا وطِئت نجدا وَلَا صاحبت سُودًا)
(وَلَا يَنْبَغِي إِلَّا الْقبُول فَإِن يكن ... فَذَلِك قصدي لَا نضارا وَلَا ذودا)
стр. 3263
(وَإِن لم تقع بالموقع الرحب مِنْكُم ... فعبدكم قد هاد عَن مثلهَا هودا)
(وَقد جمعت كل القوافي سوى الَّذِي ... تضمنه التصريع من قَوْله عودا)
وَكتب إِلَيْهِ القَاضِي شهَاب الدّين ابْن فضل الله يعزيه فِيهَا أبياتا مِنْهَا
(مُصِيبَة الفاقد فِي فَقده ... تظهر للْوَاحِد فِي وَحده)
(وكل من طَالَتْ بِهِ مُدَّة ... فنقصه فِي مُنْتَهى حَده)
(وَمَا على الْمَرْء إِذا لم يمت ... من ميت قد صَار فِي لحده)
(لَو كَانَ يُغْنِيه عَلَيْهِ البكا ... لكَانَتْ الأنواء من مده)
(ميعادنا الْمَوْت فَمَا لامرئ ... يفر فِي الميعاد عَن وعده)
(وَإِنَّمَا الْأَيَّام مَعْدُودَة ... لَا يغلط الْإِنْسَان فِي عده)
(وكل من حام على مورد ... مصيره يَأْتِي إِلَى ورده)
(وسائق الْمَوْت بِنَا مزعج ... وكل من يسْعَى على جهده)
(كم ولد يبكي على وَالِد ... ووالد يبكي على وَلَده)
(فقد تساوى فِي الثرى أول ... وَآخر قد جَاءَ من بعده)
(لَيْسَ بَين العَبْد من سيد ... كلا وَلَا السَّيِّد من عَبده)
(من سلم الْأَمر إِلَى ربه ... فَازَ بِمَا يرجوه من قَصده)
(كل امْرِئ منا سيلقى الردى ... بذمه إِن شَاءَ أَو حَمده)
стр. 3264
(فاسمع أَبَا الْفَتْح وقيت الردى ... وَلَا تثير النَّار من زنده)
(مثلك من يلقى الردى صَابِرًا ... محتسبا لِلْأجرِ فِي فَقده)
(فقدت أما برة لم يزل ... كوكبها الْمشرق فِي سعده)
(مَاتَت وأبقت مِنْك فِينَا فَتى ... كَمثل مَاء الْورْد من ورده)
وَهِي طَوِيلَة فَأَجَابَهُ بِأَبْيَات مثلهَا
(لله در فاق فِي عقده ... جَاءَ من الْمولى إِلَى عَبده)
(أربى على الزهر علوا كَمَا ... علا شذا الزهر شذا رنده)
(فأنعش الصب وَقد كَاد من ... أحزانه يهْلك فِي جلده)
(فَأَي فضل جاد فِي وبله ... وَأي بَحر زَاد فِي مده)
(من الْمقر الْأَشْرَف المرتضى ... يكْشف صَعب الْأَمر من شده)
(شهَاب دين الله رب الندا ... وجامع الْوَفْد على رفده)
(أَحْمد من عَم الورى فَضله ... فأجمع النَّاس على حَمده)
(ذِي الْقَلَم الْأَعْلَى الَّذِي حَده ... كصارم جرد من غمده)
(يصنع إِن مر على طرسه ... مَا يصنع الناشر فِي برده)
(أحرفه إِن برزت فِي الدجا ... عَاد صباحا جنح مسوده)
وَكتب إِلَيْهِ القَاضِي صَلَاح الدّين الصَّفَدِي أبياتا مِنْهَا سُؤال
(تقرر أَن فعالا فعولًا ... مبالغتان فِي اسْم الفاعلية)
(فَكيف تَقول فِيمَا صَحَّ مِنْهُ ... وَمَا الله بظلام الْبَريَّة)
стр. 3265
(أيعطي القَوْل إِن فَكرت فِيهِ ... سوى نفي الْمُبَالغَة القويه)
(وَكَيف إِذا توضأنا بِمَاء ... طهُور وَهُوَ رَأْي الشافعيه)
(أزلنا الْوَصْف عَنهُ بفرد فعل ... وَذَاكَ خلاف قَول المالكيه)
فَأَجَابَهُ بِأَبْيَات مِنْهَا
(وَمن جَاءَ الحروب بِلَا سلَاح ... كمن عقد الصَّلَاة بِغَيْر نيه)
(فظلام كفرار وَأَيْضًا ... فقد يَأْتِي بِمَعْنى الظالميه)
(وَقد ينفى الْقَلِيل لقلَّة فِي ... فَوَائده بِنَفْي الأكثريه)
(وَقد ينحى بِهِ التكثير قصدا ... لِكَثْرَة من يضام من البريه)
(وَأما قَوْله مَاء طهُور ... ونصرته لقَوْل المالكيه)
(فجَاء على مُبَالغَة فعول ... وساغ مَجِيئه للفاعليه)
(وَقد ينحى بِهِ التكثير قصدا ... لِكَثْرَة من يروم الطاهريه)
وَقد سمعنَا من أبي الْفَتْح خطبَته الفائقه الَّتِي أَلْقَاهَا أول يَوْم تدريسه بالركنية لما قدم مصر ومطلعها
الْحَمد لله نَاصِر الْملك النَّاصِر للدّين الحنيفي وممضي عَزَائِمه ومشيد أَرْكَانه الْقَائِم بِالشَّرْعِ المحمدي ومقوي دعائمه ومخصص أَهله التَّقْوَى بعلى مَا حظيت أهل التَّقْصِير بمعالمه وجامع شَمل الْمُتَّقِينَ بمكارمه وشامل جمع الموقنين بمراحمه والمتفضل
стр. 3266
على من التجأ إِلَيْهِ وَاعْتمد فِي أُمُوره عَلَيْهِ بنجح مَا أشبه أواخره بأوائله وَربح مَا أشبه فواتحه بخواتمه
أَحْمَده على من حلى الْأَعْنَاق بقلائده وجلل الْأَيْدِي بقوائمه وبذل مَا أبداه نظر جوده بمتراكمه إِلَّا أَعَادَهُ بَحر جوده بمتلاطمه وَفضل أثار شمسه فِي ظهيرة الآمال فحققها بقواصده وأطلع قمره فِي دجنة الأوجال فَدَفعهَا بقواصمه
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يعينها الْيَقِين بخوافيه وَالْإِخْلَاص بقوادمه ويثبتها الْقلب فَمَا اللائم فِيهَا بملائمه وَلَا السالي بمسالمه ويقر بهَا اللِّسَان على ممر الْأَوْقَات فيعشو إِلَى أنوارها فِي اللَّيْل بطارقه ويرنو إِلَى أنوائها فِي الصُّبْح بسائمه
وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ وَالْكفْر قد أطل بتعاضده وتعاظمه وَالْبَاطِل قد أضلّ بتزاحمه وتلاحمه فَلم يزل ﷺ حَتَّى أذهب جَيش الْبَاطِل بعواصفه وعواصمه وَنصر جند الْحق بصواهله وصوارمه ﷺ وعَلى آله وَأَصْحَابه صَلَاة يُربي نشرها على الْمسك ولطائمه وتجر ذيلا على نشر الرَّوْض وباسمه
стр. 3267
مِنْهَا أما بعد فَإِن غَرِيب الدَّار وَإِن نَالَ منَاط الثريا فَيَكْفِي أَن يُقَال غَرِيب وبعيد المزار وَلَو تهَيَّأ لَهُ مَا تهيا فَمَا لَهُ فِي الرَّاحَة مِنْهُم نصيب ولمشقة الغربة ازدادت رُتْبَة الْهِجْرَة فِي الْعِبَادَة وشرفت الْوَفَاة حَتَّى جَاءَ موت الْغَرِيب شَهَادَة والغربة كربَة وَلَو كَانَت بَين الْأَقَارِب ومفارقة الأوطان صعبة وَلَو عَن سم العقارب وأنى يُقَاس بِبِلَاد الغربة وَإِن شرف قدرهَا وعذب شرابها
(بِلَاد بهَا نيطت عَليّ تمائمي ... وَأول أَرض مس جلدي ترابها)
وَالْخطْبَة طَوِيلَة فائقة اقتصرنا مِنْهَا على مَا أوردناه
سَمِعت الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَبَا الْفَتْح يَقُول اسْم كلاب بن مرّة جد النَّبِي ﷺ الْمُهَذّب وَعزا ذَلِك لِابْنِ سعد وَهِي فَائِدَة لم أَجدهَا فِي شَيْء من كتب السّير
رَأَيْت فِي الْقطعَة الَّتِي عَملهَا شَيخنَا تَقِيّ الدّين أَبُو الْفَتْح شرحا على التَّنْبِيه فِي بَاب الزَّكَاة أَن السَّائِمَة إِذا كَانَت عاملة فَالَّذِي يظْهر عِنْده مَا صَححهُ الْبَغَوِيّ من وجوب الزَّكَاة فِيهَا بِحُصُول الرِّفْق بالإسامة وَزِيَادَة فَائِدَة الِاسْتِعْمَال خلافًا للرافعي وَالنَّوَوِيّ حَيْثُ صححا أَنه لَا زَكَاة فِيهَا
ثمَّ تلكم أَبُو الْفَتْح على مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عَليّ ﵁ مَرْفُوعا لَيْسَ فِي العوامل صَدَقَة وَضَعفه وأجاد فِي تَعْلِيله
وَهَذَا الَّذِي عمله أَبُو الْفَتْح من شرح التَّنْبِيه حسن جدا حافل جَامع مَعَ غَايَة الِاخْتِصَار وَقد أَكثر فِيهِ النَّقْل عَن الشَّيْخ الْوَالِد وزينه بمحاسن شرح الْمِنْهَاج وَحَيْثُ يَقُول فِيهِ قَالَه شَيخنَا أبقاه الله يُشِير إِلَى كَلَام الْوَالِد ﵀ فِي شرح الْمِنْهَاج أَو غَيره من تصانيفه
стр. 3268
وَمن شعر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَبُو الْفَتْح
(وافتك عَن قرب تباشير الْفَرح ... وأتتك مسرعة مباشير الْمنح)
مِنْهَا
(فارج الْإِلَه وَلَا تخف من غَيره ... تَجِد الْإِلَه لضيق صدرك قد شرح)
(وارغب إِلَيْهِ بِالنَّبِيِّ الْمُصْطَفى ... فِي كشف ضرك عل يأسو مَا انجرح)
(تالله مَا يَرْجُو نداه مخلص ... لسؤاله إِلَّا تهلل وانشرح)
(فَهُوَ النَّبِي الْهَاشِمِي وَمن لَهُ ... جاه علا وعلو قدر قد رجح)
(وَهُوَ النَّعيم لمن توقى وَاتَّقَى ... وَهُوَ الْجَحِيم لمن تكبر واتقح)
(هُوَ وابل الدُّنْيَا إِذا شح الحيا ... وَمُشَفَّع الْأُخْرَى إِذا عرق رشح)
(وَالشَّمْس تخجل من ضِيَاء جَبينه ... والبدر لَو حاكاه فِي الْحسن افتضح)
(كم عين مَاء من أَصَابِعه جرت ... نَهرا وَعين ردهَا لما مسح)
(ومعين فضل من أياديه بدا ... ومعين دمع من أعاديه نزح)
(وَلَقَد دَعَا الْأَشْجَار فانقادت لَهُ ... وَالذِّئْب لما جَاءَ يسْأَله منح)
(وأباد أَنْوَاع الضلال بعرفه ... لما دنا وبعرفه لما نفح)
(من أنزل الْقُرْآن فِي أَوْصَافه ... مَاذَا عساي أَقُول فِيهِ من الْمَدْح)
(فَعَلَيهِ صلى الله مَا هبت صبا ... أَو غرد الْقمرِي يَوْمًا أَو صدح)
(ثمَّ الرِّضَا عَن آله وصحابه ... وَعَن الَّذِي بوشاح علمهمْ اتَّشَحَ)
(مثل البُخَارِيّ الإِمَام المرتضى ... فَهُوَ الَّذِي اغتبق الْفَضَائِل واصطبح)
(من فَضله فِي النَّاس بَحر قد طما ... وعرائس تجلى وغيث قد طفح)
стр. 3269
(وَكتابه كالغيث يستسقى بِهِ ... فسواه فِي كرباتنا لم يستنح)
(وَهُوَ المجرب فِي الشَّديد وكشفه ... أوليس فِي غارات أَمر قد وضح)
وَهَذِه قافية حلوه أول من بَلغنِي نظم فِيهَا عبد الله بن المعتز حَيْثُ يَقُول
(خل الزَّمَان إِذا تقاعس أَو جمح ... واشك الهموم إِلَى المدامة والقدح)
(واحفظ فُؤَادك إِن شربت ثَلَاثَة ... وَاحْذَرْ عَلَيْهِ أَن يطير من الْفَرح)
فِي أَبْيَات أنكر عَلَيْهِ قَوْله فِيهَا
(وَإِذا تَمَادى فِي العتاب قطعته ... بِالضَّمِّ والتقبيل حَتَّى نصطلح)
وَقَالَ مهيار
(مَا كَانَ سَهْما غَار بل ظَبْيًا سنح ... إِن لم يكن قتل الْفُؤَاد فقد جرح)
(فِي خَدّه الكافور سبْحَة عنبر ... مَا كَانَ أغفلني الْغَدَاة عَن السبح)
(وَأما ومشيته توقر تَارَة ... صلفا وَأَحْيَانا يجن من المرح)
فِي أَبْيَات أنكر عَلَيْهِ قَوْله فِيهَا بطح
وَقَالَ ابْن سناء الْملك يمدح الْفَاضِل
(يَا قلب وَيحك إِن ظبيك قد سنح ... فتنح جهدك عَن مراتعه تَنَح)
(وَأَرَدْت أعقله ففر من الحشا ... طَربا وأحبسه فطار من الْفَرح)
стр. 3270
(وأتى فظل صريع هذاك اللمى ... عطشا وَعَاد قَتِيل هاتيك الْملح)
(جنح الغزال إِلَى قتال جوانحي ... فَغَدَوْت أجنح مِنْهُ لما أَن جنح)
(وَمن الْعَجَائِب أَنه لما رمى ... بسهامه قتل الْفُؤَاد وَمَا جرح)
(ولمى صقيل فِي مراشف شادن ... لَو شِئْت أمسحه بلثمي لانمسح)
وَمِنْهَا
(قبلته وَقبلت أَمر صبابتي ... وَنَصَحْت نَفسِي فِي قطيعة من نصح)
(ورشفت ريقته على رغم الطلا ... من كأس مرشفه على غيظ الْقدح)
وَمِنْهَا
(لي سبْحَة من جَوْهَر فِي ثغرها ... ففضلت سَائِر من يسبح بالسبح)
(لم لَا تصالح قِبْلَتِي يَا خدها ... وَالْمَاء فِيك مَعَ اللهيب قد اصْطلحَ)
(كم يعذلون وَلست أسمع قَوْلهم ... وَأَنا وهم مثل الْأَصَم مَعَ الْأَبَح)
(لَيْسَ العذول عَلَيْك إنْسَانا هذى ... إِن العذول عَلَيْك كلب قد نبح)
وَمِنْهَا
(أضحت على مهيار قبلي ناشزا ... إِذْ قَالَ عَن محبوبه فِيهَا بطح)
стр. 3271
(وَتَتَابَعَتْ فتحاتها فتنزهت ... عَن قَول عبد الله حَتَّى نصطلح)
وَلقَائِل أَن يَقُول إِن ابْن سناء الْملك قد وَقع فِيمَا وَقع فِيهِ عبد الله حَيْثُ حكى قَوْله وَجعله قافية فِي قصيدته وَقد وَقع هَذَا لكثير من شعراء الْعَصْر وَنَظِيره قَول من نثر فِي خطْبَة الْأَشْبَاه والنظائر لَيْسَ لَهُ من ثَان وَلَا عَنهُ من ثَان وَلَا عَلَيْهِ إِلَّا مثن وَقضى السجع بِأَن أَقُول ثَان
ثمَّ إِنَّه اعْترض ابْن المعتز ومهيارا بِمَا اعترضهما وَوَقع هُوَ فِي وَاحِدَة وَهِي قَوْله لانمسح فَإِنَّهَا لحن ولي أَبْيَات مِنْهَا
(إِن كَانَ عبد الله أَخطَأ قَوْله ... بِالضَّمِّ والتقبيل حَتَّى نصطلح)
(وأتى بِشَيْء لَيْسَ يحسن ذكره ... مهيار حَيْثُ يَقُول قافية بطح)
(فَلَقَد لحنت وَقلت فِيمَا قلته ... لَو شِئْت أمسحه بلثمي لانمسح)
وَقَالَ كَمَال الدّين ابْن النبيه
(قُم يَا غُلَام ودع نصيحة من نصح ... فالديك قد صدع الدجى لما صدح)
стр. 3272
(خفيت تباشير الصَّباح فأسقني ... مَا ضل فِي الظلماء من قدح الْقدح)
(صهباء مَا لمعت بكف مديرها ... لمقطب إِلَّا تهلل وانشرح)
(وَالله مَا مزج المدام بِمَائِهَا ... لكنه مزج المسرة بالفرح)
وَهَذِه قصيدة مَشْهُورَة نظمها فِي ديوانه
وَقَالَ شهَاب الدّين ابْن التلعفري
(مَاء الغمامة والمدامة والقدح ... وَابْن الْحَمَامَة فِي الأراكة قد صدح)
وَهِي قصيدة مليحة تضمنها ديوانه
وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو حَيَّان قد اقترح على شعراء الْعَصْر قصيدا فِي الشطرنج على وزن مطلع قصيدة ابْن حزمون
(إِلَيْك إِمَام الْعَصْر جبت المفاوزا ... وخلفت خَلْفي صبية وعجائزا)
فَعمل الشَّيْخ الْوَالِد قصيدا بلغت مائَة وَخَمْسَة وَأَرْبَعين بَيْتا جود فِيهَا كل الإجادة
وَعمل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قصيدا مطْلعهَا
(بنفسي غزال مر بالرمل جَائِزا ... فصير قلبِي فِي الْمحبَّة حائزا)
(وَفَوق سَهْما من لحاظ جفونه ... فأصمى وَمَا ألْقى عَن الْقلب حاجزا)
стр. 3273
(تبدى فأبدى للنداوة تمنظرا ... يروق لذِي لب ويكمد لامزا)
(وماس فأمسى الْغُصْن يَهْتَز مائسا ... وَبَان فَبَان الْبَدْر يشرق بارزا)
(ثوى فِي حمى نجد وَلَيْسَ بمنجد ... وَفَوْز فاستحليت فِيهِ المفاوزا)
وَمِنْهَا
(وَيَسْبِي فُؤَادِي مِنْهُ وَاسع طرفه ... إِذا مَا انثنى صبو المحاجر عَاجِزا)
(تفرد بالْحسنِ الْغَرِيب وحبه ... غَرِيب فأضحى للغريبين حائزا)
(كَمَا حازت الشطرنج جيشين جمعا ... غريبين كل حَده لن يجاوزا)
وجود فِيهَا واختتمها بمدح الشَّيْخ أبي حَيَّان ﵀
وَكتب أديب الْعَصْر جمال الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن نباتة إِلَى الشَّيْخ أبي الْفَتْح ﵀ استفتاء صورته
(يَا إِمَامًا قَالَ الْمُقَلّد والعالم ... فِيهِ بِوَاجِب التَّفْضِيل)
(مَا على عاشق يَقُول على حكم ... التَّدَاوِي بِالضَّمِّ والتقبيل)
(وافر الدّين مَعَ بسيط اقتدار ... حذر من عِقَاب يَوْم طَوِيل)
(لَا كمن دأبه بمحبوبه النَّحْو ... فَمن فَاعل وَمن مفعول)
فَأَجَابَهُ
(يَا مَلِيًّا بِكُل فضل جزيل ... وعلينا بِكُل وصف جميل)
стр. 3274
(وجمالا تجمل الْعلم مِنْهُ ... بِصِفَات زين بمجد أثيل)
(جَاءَنِي دَرك الَّذِي قلد النَّحْر ... بِعقد منضد التكليل)
(فتعجبت ثمَّ قلت وَمن يقذف ... بالدر غير بَحر أصيل)
(جَاءَ فِي صُورَة السُّؤَال فَقل فِي ... سَائل فَضله على الْمَسْئُول)
(فتنسمت مِنْهُ ريح شمال ... وترشفت مِنْهُ طعم الشُّمُول)
(وأتاني وَقد فرغت عَن الْآدَاب ... وَالْحب من زمَان طَوِيل)
(فتوقفت عَن جَوَاب وَلَكِن ... أَمر مولَايَ وَاجِب بِالدَّلِيلِ)
(وَجَوَاب الْهوى التسامح فِي الْأَمر ... فَقل إِن أجبْت بالتسهيل)
(إِن من يَدعِي الغرام بِظَبْيٍ ... صَاد أهل الْهوى بِطرف كحيل)
(قد أسَال الدُّمُوع مِنْهُ عذار ... سَائل فِي رياض خد أسيل)
(كَامِل قده بِشعر مديد ... وافر ردفه بخصر نحيل)
(لجدير بِكُل عذر بسيط ... فِي التَّدَاوِي بِالضَّمِّ والتقبيل)
(مَا لنار الْهوى سوى برد ريق ... من لماه فِيهِ شِفَاء الغليل)
(ولقلب يعتاده خفقان ... غير ضم بِهِ دَوَاء العليل)
(غُصَّة الْحبّ لَا تقاس بِشَيْء ... فليزلها من رِيقه بشمول)
(ذَا جَوَاب الغرام حَقًا وَعِنْدِي ... مَاله غير صبره من سَبِيل)
стр. 3275
١٣٢٤ - مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الْكَرِيم أَبُو الْفَضَائِل القَاضِي فَخر الدّين الْمصْرِيّ
نزيل دمشق
ولد سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة
وَسمع من سِتّ الوزراء وَغَيرهَا
وتفقه على الشَّيْخ كَمَال الدّين بن الزملكاني وَالشَّيْخ برهَان الدّين
وبرع فِي الْمَذْهَب ودرس بالعادلية الصُّغْرَى والدولعية والرواحية
وشاع اسْمه وَبعد صيته وَكَانَ من أذكياء الْعَالم
اسْتَخْلَفَهُ القَاضِي جلال الدّين على الحكم بِدِمَشْق وَحج وجاور غير مرّة
стр. 3276
ذكره القَاضِي شهَاب الدّين بن فضل الله فِي مسالك الْأَبْصَار فَقَالَ الْمصْرِيّ الَّذِي لَا يسمح فِيهِ بالمثاقيل وَلَا يهون ذهنه فَيُشبه بِهِ ذائب الْأَصِيل بل هُوَ الْبَحْر الْمصْرِيّ لِأَنَّهُ ذُو النُّون والقطب الْمصْرِيّ بل صَاحب الإِمَام فَخر الدّين وَمثله لَا يكون ذُو الْعلم الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يُنكر وَاللَّفْظ الحلو الْمصْرِيّ السكر فَاء على الْإِسْلَام ظلا مديدا واستطرف الْأَنَام فضلا جَدِيدا وَهُوَ إِمَام الشَّام وغمام الْعلم الْعَام
ثمَّ قَالَ وَهُوَ أفقه من هُوَ بِالشَّام مَوْجُود وأشبه عَالم بأصحاب إِمَامه فِي الْوُجُود
انْتهى
توفّي القَاضِي فَخر الدّين بِدِمَشْق سنة إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة رَحمَه الله
стр. 3277
١٣٢٥ - مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الْوَاحِد بن عبد الْكَرِيم قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين بن الزملكاني
الإِمَام الْعَلامَة المناظر
سمع من يُوسُف بن المجاور وَأبي الْغَنَائِم بن عَلان وعدة مَشَايِخ
وَطلب الحَدِيث بِنَفسِهِ وَكتب الطباق بِخَطِّهِ
وَقَرَأَ الْأُصُول على الشَّيْخ صفي الدّين الْهِنْدِيّ والنحو على الشَّيْخ بدر الدّين ابْن مَالك
وَولد فِي شَوَّال سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة
ودرس بالشامية البرانية والرواحية والظاهرية الجوانية وَغَيرهَا بِدِمَشْق
ثمَّ ولي قَضَاء حلب
стр. 3278
وصنف الرَّد على ابْن تَيْمِية فِي مسئلتي الطَّلَاق والزيارة وكتابا فِي تَفْضِيل الْبشر على الْملك جود فِيهِ وَشرح من منهاج النَّوَوِيّ قطعا مُتَفَرِّقَة
ذكره شَيخنَا الذَّهَبِيّ فِي المعجم الْمُخْتَص فَقَالَ شَيخنَا عَالم الْعَصْر وَكَانَ من بقايا الْمُجْتَهدين وَمن أذكياء أهل زَمَانه درس وَأفْتى وصنف وَتخرج بِهِ الْأَصْحَاب
انْتهى
وَذكره الشَّيْخ جمال الدّين بن نباتة فِي كتاب سجع المطوق فَقَالَ أما وغصون أقلامه المثمرة بِالْهدى وسطور فَتَاوِيهِ الْمُوَضّحَة للحق طرائق قددا وخواطره الَّتِي تولدت فَكَانَت الأنجم مهودا ومآثره الَّتِي ضربت رواق الْعِزّ وَكَانَت المجرة طنبا وَكَانَ الْفجْر عمودا ومناظراته الَّتِي أسكتت المناظرين فَكَأَنَّمَا ضربت سيوفهم الْمُجَرَّدَة لألسنتهم قيودا
إِن الْآدَاب لتحركني لمدحه وَالْأَدب يحثني على السّكُون وَإِنِّي لأعق محاسنه إِذا أردْت برهَا بِالْوَصْفِ وَمن الْبر مَا يكون
(جلّ عَن مَذْهَب المديح فقد كَاد ... يكون المديح فِيهِ هجاء)
ثمَّ قَالَ هُوَ الْبَحْر وعلومه درره الفاخرة وفتاويه المتفرق فِي الْآفَاق سحبه السائرة وَالْعلم إِلَّا أَنه الَّذِي لَا تجنه الغياهب والطود إِلَّا أَنه الَّذِي لَا يحاوله الْبشر
стр. 3279
على أَنه نسر الْكَوَاكِب وَالْمُنْفَرد الَّذِي حمى بَيْضَة الْإِسْلَام فِي أعشاش أقلامه والمجتهد الَّذِي لَا غُبَار على رَأْيه فِي الدّين وَإِن غبر فَفِي وُجُوه أَعْلَامه
ثمَّ قَالَ التَّفْسِير لبراعته قد حكم بِكِتَاب الله الْمنزل وَقَالَ الْفِقْه لعلم فَتَاوِيهِ أَنْت الرامح وكل أعزل وَقَالَ الحَدِيث لتنقيحه هَذَا النّظر الَّذِي لَا يعْزل وَقَالَ الْإِنْشَاء لكتابه لِيَهنك أَن قلم كل بليغ لديك بِخَط أَو بِغَيْر خطّ مغزل وَقَالَ النَّحْو لتدقيقه هَذَا مَا جاد زيد وَعَمْرو فِيهِ وَهَذَا الْعَرَبِيّ الَّذِي لَو سمع الْأَعرَابِي نطقه لصاح يَا أَبَت أدْرك فَاه غلبني فوه لَا طَاقَة لي بِفِيهِ وَقَالَ الْوَصْف وَقَالَ واستقى من مواده وَلَو تحقق غَايَة لما استقال
فَتَبَارَكَ من أطلعه فِي هَذِه الْآفَاق شمسا كَأَن الشَّمْس عِنْده نبراس وأمطاه رتبا كَأَن الثريا فِيهَا خد لقدمه على الْقيَاس وَخَصه بفنون الْعلم فَلهُ حليها النفيس وَمَا لغيره من الْحلِيّ سوى الوسواس
انْتهى
وَعَلِيهِ تخرج القَاضِي فَخر الدّين الْمصْرِيّ وَالشَّيْخ الْحَافِظ صَلَاح الدّين العلائي وَكَانَ كثير التَّعْظِيم لَهُ
توفّي سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة بِمَدِينَة بلبيس من أَعمال مصر كَانَ قد طلبه
стр. 3280
السُّلْطَان إِلَى مصر فَمَاتَ بهَا قبل وُصُوله وَحمل إِلَى الْقَاهِرَة وَدفن بجوار تربة الإِمَام الشَّافِعِي ﵁
وَقد أَجَاد فِي وَصفه شَاعِر الْوَقْت جمال الدّين بن نباتة حَيْثُ يَقُول فِيهِ من قصيدة فائقة امتدحه بهَا أَولهَا
(قضى وَمَا قضيت مِنْك لبانات ... متيم عبثت فِيهِ الصبابات)
(مَا فاض من جفْنه يَوْم الرحيل دم ... إِلَّا وَفِي قلبه مِنْكُم جراحات)
(أحبابنا كل عُضْو فِي محبتكم ... كليم وجد فَهَل للوصل مِيقَات)
(غبتم فغابت مسرات الْقُلُوب فَمَا ... أَنْتُم برغمي وَلَا تِلْكَ المسرات)
(يَا حبذا فِي الصِّبَا عَنْكُم بَقَاء هوى ... وَفِي بروق الغضا مِنْكُم إنابات)
(وحبذا زمن اللَّهْو الَّذِي انقرضت ... أوقاته الغر والأعوام سَاعَات)
(أَيَّام مَا شعر الْبَين المشت بِنَا ... وَلَا خلت من مغاني الْأنس أَبْيَات)
стр. 3281
(حَيْثُ الشَّبَاب قضاياه منفذة ... وَحَيْثُ لي فِي الَّذِي أَهْوى ولايات)
(وَرب حانة خمار طرقت بهَا ... حانت وَلَا طرقت للقصف حانات)
(سبقت قَاصد مغناها وَكنت فَتى ... إِلَى المدام لَهُ بِالسَّبقِ عادات)
(أعشو إِلَى ديرها الْأَقْصَى وَقد لمعت ... تَحت الدجى فَكَأَن الدَّيْر مشكاة)
(وأكشف الْحجب عَنْهَا وَهِي صَافِيَة ... لم يبْق فِي دنها إِلَّا صبابات)
(رَاح زحفت على جَيش الهموم بهَا ... حَتَّى كَأَن سنا الأكواب رايات)
(مصونة السَّرْح باتت دون غايتها ... حاجات قوم وللحاجات أَوْقَات)
(تجول حول أوانيها أشعتها ... كَأَنَّمَا هِيَ للكاسات كاسات)
(كَأَنَّهَا فِي أكف الطائفين بهَا ... نَار يطوف بهَا فِي الأَرْض جنَّات)
(مبلبل الصدغ طوع الْوَصْل منعطف ... كَأَن أصداغه للْعَطْف واوات)
(ترنحت وَهِي فِي كفيه من طرب ... حَتَّى لقد رقصت تِلْكَ الزجاجات)
(وَقمت أشْرب من فِيهِ وخمرته ... شربا تَشِنْ بِهِ فِي الْعقل غارات)
(وَينزل اللثم خديه فينشدها ... هِيَ الْمنَازل لي فِيهَا عَلَامَات)
(سقيا لتِلْك اللييلات الَّتِي سلفت ... فَإِنَّمَا الْعُمر هاتيك اللييلات)
стр. 3282
(عنت لَهَا كل أَوْقَات السرُور كَمَا ... عنت لفضل كَمَال الدّين سَادَات)
(حبر رَأينَا يَقِين الْجُود من يَده ... وَأكْثر الْجُود فِي الدُّنْيَا حكايات)
(سما على الْخلق واستسقوا مواهبه ... لَا غرو أَن تَسْقِي الأَرْض السَّمَوَات)
(واستأنف النَّاس للأيام طيب ثَنَا ... من بعد مَا كثرت فِيهَا الشكايات)
(لَا يختشي فَوت جدوى كَفه بشر ... كَأَن جدواه أرزاق وأوقات)
(وَلَا تزحزح من فضل شمائله ... كَأَنَّهَا لبدور الْفضل هالات)
(يَا شاكي الدَّهْر يممه وَقد غفرت ... من حول أبوابه للدهر زلات)
(وَيَا أَخا السَّعْي فِي علم وَفِي كرم ... هذي الْهَدَايَا وهاتيك الهديات)
(لَا تَطْلُبن من الْأَيَّام مشبهه ... فَفِي طلابك للأيام إعنات)
(وَلَا تصخ لأحاديث الَّذين مضوا ... ألوى الْعَنَان بِمَا تملي الرِّوَايَات)
(طالع فَتَاوِيهِ واستنزل فتوته ... تلق الإفادات تتلوها الإفادات)
(وَحبر الْوَصْف فِي فضل لصَاحبه ... يكَاد ينْطق بِالْوَصْفِ الجمادات)
стр. 3283
(حامي الديار بأقلام لَهَا مدد ... من الْهدى واسْمه فِي الطرس مدات)
(قويمة تمنع الْإِسْلَام من خطر ... فاعجب لَهَا ألفات وَهِي لامات)
(تعلمت بَأْس آساد وجود حَيا ... مُنْذُ اغتدت وَهِي للآساد غابات)
(وعودت قتل ذِي زيغ وَذي خطل ... كَأَنَّهَا من كسير الْحَظ فضلات)
(وجاورت للآلي الْبَحْر فابتسمت ... هُنَالك الْكَلِمَات الجوهريات)
(أغر يهوي معاد القَوْل فِيهِ إِذا ... قيل المعادات أَخْبَار معادات)
(فِي كل معنى دروس من فَوَائده ... وَمن بَوَادِر نعماه إعادات)
(صلى وَرَاء أياديه الحيا فعلى ... تِلْكَ الأيادي من السحب التَّحِيَّات)
(وَصد عَمَّا يروم اللوم نائله ... وَلَا يُفِيد وَلَا تجدي الملامات)
(يرام تَأْخِير جدواه وهمته ... تَقول إيها وللتأخير آفَات)
(من معشر نجب مَاتُوا وتحسبهم ... للمكرمات وَطيب الذّكر مَا مَاتُوا)
(ممدحين لَهُم فِي كل شارقة ... بر وَبَين خبايا اللَّيْل إخبات)
стр. 3284
(تمت أَئِمَّة أَوْصَاف الْكَمَال كَمَا ... تمت بقافية المنظوم أَبْيَات)
(مَا رَوْضَة قلدت أجياد سوسنها ... من السَّحَاب عُقُود لؤلئيات)
(وخطت الرّيح خطا فِي مناهلها ... كَأَن قطر الغوادي فِيهِ جريات)
(يرقى الْحمام الْمُصَفّى دوحها فلهَا ... خلف الستور على العيدان رنات)
(يَوْمًا بأهيج من أخلاقه نشرا ... أَيَّام تنكر أَخْلَاق سريات)
(وَلَا النُّجُوم بأنأى من مراتبه ... أَيَّام تقتصر الْأَيْدِي العليات)
(قدر علا فَرَأى فِي كل شمس ضحى ... جماله فَكَأَن الشَّمْس مرْآة)
(وهمة ذكرهَا نَام وأنعمها ... فَحَيْثُ مَا كنت أَنهَار وجنات)
стр. 3285
(تأبى المدائح أَن يمدح سواك بهَا ... فَتلك فيهم عوار مستردات)
(الله جَارك من عين الزَّمَان لقد ... تجمعت بالمعالي فِيك أشتات)
(جَاوَرت بابك فاستصلحت لي زمني ... حَتَّى وفت وانتفت تِلْكَ العداوات)
(ولاطفتني اللَّيَالِي فَهِيَ حِينَئِذٍ ... من بعد أَهلِي عمات وخالات)
(ونطقتني الأيادي بالعيون ثَنَا ... فللكواكب كالآذان إنصات)
(إِلَّا ذَوي كلم لَو أَن محتسبا ... تَكَلَّمت من جَمِيع الْقَوْم هامات)
(يزاحمون بأشعار ملفقة ... كَأَنَّهُمْ بَين أهل الشّعْر حشوات)
(ويطرحون على الْأَبْوَاب من حمق ... قصائدا هِيَ فِي التَّحْقِيق بايات)
(من كل أبله لَكِن مَا لفطنته ... كالبله فِي هَذِه الدُّنْيَا إصابات)
(يحم حِين يعاني نظم قافية ... عَجزا فتظهر هاتيك الخرافات)
(وَيَغْتَدِي فكره المكدود فِي حرق ... وَقد أحاطت بِمَا قَالَ البرودات)
стр. 3286
(وَقد يَجِيء بِشعر بعد ذَا حسن ... لَكِن على كَتفيهِ مِنْهُ كارات)
(أعيذ مجدك من ألفاظها فلهَا ... جنى كَأَن مَعَانِيهَا جنايات)
(إِن لم يفرق بِفضل بَين نظمهم ... وَبَين نظمي فَمَا للفضل لذات)
(خُذْهَا عروسا لَهَا فِي كل جارحة ... لواحظ وكؤوس بابليات)
(أوردت سؤددك الْأَعْلَى مواردها ... وللسها فِي بحار الْأُفق عبات)
(نعم الْفَتى أَنْت يستصفى الْكَلَام لَهُ ... حَتَّى يبين لَهُ فِي الْعقل سورات)
(ويطرب الْمَدْح فِيهِ حِين أذكرهُ ... كَأَن منتصب الأقلام نايات)
(مَا بعد غيثك غيث يستجاد وَلَا ... من بعد إِثْبَات قولي فِيك إِثْبَات)
стр. 3287
(حزت المحامد حَتَّى مَا لذِي شرف ... من صُورَة الْحَمد لَا جسم وَلَا ذَات)
قلت وَلما قَالَ ابْن نابة فِي ابْن الزملكاني هَذِه الْكَلِمَة البديعة حاول أدباء عصره معارضته فَمَا أَحْسنُوا صنعه بل كل قصر وَلم يلْحق وَتَأَخر وَمَا جَاءَ بِحَق
وأنشدني شمس الدّين مُحَمَّد بن يُوسُف الْمَعْرُوف بالخياط الشَّاعِر قصيدته الَّتِي عَارض بهَا هَذِه القصيدة فَقلت كَيفَ رَضِي ابْن الزملكاني بِهَذِهِ عراضا لتِلْك فَقَالَ أَنا أنْكرت على ابْن نباتة تغزله ونسيبه اللَّذين جَاءَ بهما على هَذَا الْوَجْه وَهُوَ يمتدح عَالما من عُلَمَاء الْمُسلمين وَكَانَ من قَوْله
(مَا شان مدحي لكم ذكر المدام وَلَا ... أضحت جَوَامِع لَفْظِي وَهِي حانات)
(وَلَا طرقت حمى خمارة سحرًا ... وَلَا اكتست لي بكاس الراح راحات)
(وَإِنَّمَا أسكر الْجلاس من أدب ... يَدُور مِنْهُ على الأكياس كاسات)
(عَن منظر الرَّوْض يغنيني القريض وَعَن ... رقص الزجاجات تلهيني الحرازات)
стр. 3288
(عشوت مِنْهَا إِلَى نور الْكَمَال وَلم ... يدر على خاطري دير ومشكاة)
وأنشدها أَيْضا بدرس الشامية بَين يَدي الشَّيْخ كَمَال الدّين بن الزملكاني
وَمن أَرَادَ من أهل هَذِه الْمِائَة أَن يلْحق ابْن نباتة فِي نظم أَو نثر أَو خطّ فقد أَرَادَ الْمحَال وحاول مَا لَا يصير بِحَال
ويعجبني على هَذَا الْوَزْن والروي وَإِن لم يلْحق ابْن نباتة فِي الصنع الْبَهِي قَول ابْن الدواليبي مُتَأَخّر من الْعرَاق
(كم قد صفت لقلوب الْقَوْم أَوْقَات ... وَكن تقضت لَهُم بِاللَّيْلِ لذات)
(وَاللَّيْل دسكرة العشاق يجمعهُمْ ... ذكر الحبيب وَصرف الدمع كاسات)
(مَاتُوا فأحياهم إحْيَاء ليلهم ... وَمن سواهُم أنَاس بالكرى مَاتُوا)
(لما تجلى لَهُم والحجب قد رفعت ... تهتكوا وصبت مِنْهُم صبابات)
(وغيبتهم عَن الأكوان فِي حجب ... وأظهرت سر معناهم إشارات)
(ساقي الْقُلُوب هُوَ المحبوب يشهده ... صيت لَهُم بِقِيَام اللَّيْل عادات)
(إِذا صفا الْوَقْت خَافُوا من تكدره ... وللوصال من الهجران آفَات)
وَمن فَوَائِد الشَّيْخ كَمَال الدّين
فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون﴾ الْآيَة فِي الْجَواب عَن السُّؤَال الْمَشْهُور وَهُوَ أَنه كَيفَ ترك الْعَطف فِي جَمِيع الصِّفَات وَعطف النَّهْي عَن الْمُنكر على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ بِالْوَاو
قَالَ عِنْدِي فِيهِ وَجه حسن وَهُوَ أَن الصِّفَات تَارَة تنسق بِحرف الْعَطف وَتارَة تذكر بِغَيْرِهِ وَلكُل مقَام معنى يُنَاسِبه فَإِذا كَانَ الْمقَام مقَام تعداد صِفَات من غير
стр. 3289
نظر إِلَى جمع أَو انْفِرَاد حسن إِسْقَاط حرف الْعَطف وَإِن أُرِيد الْجمع بَين الصفتين أَو التَّنْبِيه على تغايرهما عطف بالحرف وَكَذَلِكَ إِذا أُرِيد التنويع بِعَدَمِ اجْتِمَاعهمَا أُتِي بالحرف أَيْضا وَفِي الْقُرْآن الْكَرِيم أَمْثِلَة تبين ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا﴾ فَأتى بِالْوَاو بَين الوصفين الْأَخيرينِ لِأَن الْمَقْصُود بِالصِّفَاتِ الأول ذكرهَا مجتمعة وَالْوَاو قد توهم التنويع فحذفت وَأما الْأَبْكَار فَلَا يكن ثيبات والثيبات لَا يكن أَبْكَارًا فَأتى بِالْوَاو لتضاد النَّوْعَيْنِ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿حم تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم غَافِر الذَّنب وقابل التوب شَدِيد الْعقَاب ذِي الطول﴾ فَأتى بِالْوَاو فِي الوصفين الْأَوَّلين وحذفها فِي الوصفين الْأَخيرينِ لِأَن غفران الذَّنب وَقبُول التوب قد يظنّ أَنَّهُمَا يجريان مجْرى الْوَاحِد لتلازمهما فَمن غفر الذَّنب قبل التوب فَبين الله بعطف أَحدهمَا على الآخر أَنَّهُمَا مفهومان متغايران ووصفان مُخْتَلِفَانِ يجب أَن يعْطى كل وَاحِد مِنْهُمَا حكمه وَذَلِكَ مَعَ الْعَطف أبين وأوضح
وَأما شَدِيد الْعقَاب وَذُو الطول فهما كالمتضادين فَإِن شدَّة الْعقَاب تَقْتَضِي إِيصَال الضَّرَر والاتصاف بالطول يَقْتَضِي إِيصَال النَّفْع فَحذف ليعرف أَنَّهَا مجتمعان فِي ذَاته وَأَن ذَاته المقدسة مَوْصُوفَة بهما على الِاجْتِمَاع فَهُوَ فِي حَالَة اتصافه بشديد الْعقَاب ذُو الطول وَفِي حَال اتصافه بِذِي الطول شَدِيد الْعقَاب فَحسن ترك الْعَطف لهَذَا الْمَعْنى
وَفِي هَذِه الْآيَة الَّتِي نَحن فِيهَا يَتَّضِح معنى الْعَطف وَتَركه مِمَّا ذَكرْنَاهُ لِأَن كل صفة
стр. 3290
مِمَّا لم ينسق بِالْوَاو مُغَايرَة لِلْأُخْرَى وَالْغَرَض أَنَّهُمَا فِي اجْتِمَاعهمَا كالوصف الْوَاحِد لموصوف وَاحِد فَلم يحْتَج إِلَى عطف فَلَمَّا ذكر الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وهما متلازمان أَو كالمتلازمين مستمدان من مَادَّة وَاحِدَة كغفران الذَّنب وَقبُول التوب حسن الْعَطف ليبين أَن كل وَاحِد مُعْتَد بِهِ على حِدته قَائِم بِذَاتِهِ لَا يَكْفِي مِنْهُ مَا يحصل فِي ضمن الآخر بل لَا بُد أَن يظْهر أمره بِالْمَعْرُوفِ بِصَرِيح الْأَمر وَنَهْيه عَن الْمُنكر بِصَرِيح النَّهْي فَاحْتَاجَ إِلَى الْعَطف
وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ النَّهْي وَالْأَمر ضدين أَحدهمَا طلب الإيجاد وَالْآخر طلب الإعدام كَانَا كالنوعين المتغايرين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثيبات وأبكارا﴾ فَحسن الْعَطف بِالْوَاو
وَقَالَ فِي قَوْله ﷺ (لَا تفضلُونِي على يُونُس) السَّبَب فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى قَالَ لنَبيه ﷺ ﴿وَلَا تكن كصاحب الْحُوت﴾ وَمن الْمَقْطُوع بِهِ أَنه امتثل هَذَا الْأَمر لعصمته من الْمُخَالفَة فَصَارَ مَقْطُوعًا بأفضليته عَلَيْهِ أَو كالمقطوع بِهِ وَمَعَ ذَلِك نهى عَن تفضيله عَلَيْهِ لما يَقْتَضِيهِ تواضعه لله وكرم خلائقه أَو غير ذَلِك مِمَّا ذكر
قلت فَأَيْنَ اللطيفة فِي نَهْيه عَن التَّفْضِيل
حَاصِل هَذَا أَنه قرر عدم التَّفْضِيل مَعَ الْقطع بِوُقُوعِهِ وَنحن عارفون بذلك إِنَّمَا الْبَحْث عَن الْحِكْمَة فِيهِ
وَقَوله لما يَقْتَضِيهِ تواضعه إِلَى آخِره هُوَ مَا ذكره غَيره فَلم يزدْ على النَّاس شَيْئا
стр. 3291
وَذكر قَول الْفَقِيه نَاصِر الدّين ابْن الْمُنِير فِي المقتفى فِي حَدِيث شَاة أم معبد وَأَن فِيهِ لَطِيفَة عَجِيبَة وَهُوَ أَن اللَّبن المحتلب من الشَّاة الْمَذْكُورَة لَا بُد أَن يفْرض مَمْلُوكا وَالْملك هُنَا دائر بَين النَّبِي ﷺ وَصَاحب الشَّاة وَلِهَذَا قسم اللَّبن وأشبه شَيْء بذلك الْمُسَاقَاة فَإِنَّهَا تلْزمهُ للْأَصْل وَإِصْلَاح بِجُزْء من الثَّمَرَة وَكَذَلِكَ فعل ﷺ كَدم الشَّاة وَأَصْلَحهَا بِجُزْء من اللَّبن
وَيحْتَمل أَن يُقَال إِن اللَّبن مَمْلُوك للنَّبِي ﷺ وسقاها تفضلا لِأَنَّهُ ببركاته كَانَ وَعَن دُعَائِهِ وجد وَالْفِقْه الأول أدق وألطف
انْتهى
قَالَ ابْن الزملكاني وكلا الْوَجْهَيْنِ لَا يَنْفَكّ عَن نظر
وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك فِي مَحل الْمُسَامحَة أَو مَأْذُون ذَلِك فِيهِ فِي مثل هَذَا الْحَال لحاجتهما إِلَى اللَّبن أَو لوُجُوب الضِّيَافَة أَو لكَون الْمَالِك مُشْتَركا
انْتهى
قلت أما النّظر فِي وَجْهي ابْن الْمُنِير فَحق فَإِن الأول لَا يتم لِأَنَّهُ لَو تمّ لجَاز مثل هَذَا النَّوْع فِي اللَّبن وَلَا مُسَاقَاة فِيهِ ولكان وَقع عقد بَينهمَا وَلم يَقع ولكانت الْقيمَة إِمَّا نِصْفَيْنِ عَن السوية وَإِمَّا على مَا يَقع عَلَيْهِ الْإِنْفَاق لَو فرض وَلم ينْقل وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا وَقع أَيْضا
وَالثَّانِي قد يُقَال عَلَيْهِ لَا يلْزم من نمو مَال زيد بدعوة عَمْرو أَن يملك عَمْرو الْقدر النامي
وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَن اللَّبن ملك للنَّبِي ﷺ وَكَذَلِكَ الشَّاة نَفسهَا
стр. 3292
فالنبي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وَلَا يحْتَاج إِلَى إِذن من أحد وَمَا يلْزم على ذَلِك من اجْتِمَاع مالكين على مَمْلُوك وَاحِد لَا مَحْذُور فِيهِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي بعض تعاليقنا
وَهَذَا كَمَا أَن الْوُجُود بأسره ملك لله تَعَالَى ملكا حَقِيقِيًّا وَملك كل مَالك مَا ملكه الله وَهَكَذَا نقُول إِن الْوُجُود بأسره ملك مُحَمَّد ﷺ يتَصَرَّف فِيهِ كَيفَ يَشَاء وَإِذا ازْدحم هُوَ وَبَعض الْملاك فِي شَيْء كَانَ أَحَق لِأَنَّهُ مَالك مُطلق وَلَا كَذَلِك غَيره لِأَن كل وَاحِد وَإِن ملك شَيْئا فَعَلَيهِ فِيهِ الْحجر من بعض الْوُجُوه
ولي أرجوزة فِي خَصَائِص النَّبِي ﷺ ومعجزاته مِنْهَا
(وَهُوَ إِذا احْتَاجَ إِلَى مَال الْبشر ... أَحَق من مَالِكه بِلَا نظر)
(لِأَنَّهُ أولى بِذِي الْإِيمَان ... من نَفسه بِالنَّصِّ فِي الْقُرْآن)
وَذكر الشَّيْخ كَمَال الدّين إشْكَالًا ذكره ابْن الْمُنِير فِي حَدِيث قتل كَعْب ابْن الْأَشْرَف حَاصله أَن النّيل من عرض النَّبِي ﷺ كفر وَلَا تُبَاح كلمة الْكفْر إِلَّا بِالْإِكْرَاهِ فَكيف استأذنوه ﵇ أَن ينالوا مِنْهُ بألسنتهم استدراجا لِلْعَدو وَأذن لَهُم
وَأجَاب عَنهُ بِأَن كَعْبًا كَانَ يحرض على قتل الْمُسلمين وَفِي قَتله خلاص من ذَلِك فَكَأَنَّهُ أكره النَّاس على النُّطْق بِهَذَا الْكَلَام بتعريضه إيَّاهُم للْقَتْل فدفعوا عَن أنفسهم بألسنتهم
انْتهى
قَالَ الشَّيْخ كَمَال الدّين فِي هَذَا الْجَواب نظر لَا يخفى وَيحْتَمل أجوبة مِنْهَا أَن النّيل لم يكن صَرِيحًا فِي الْكفْر بل كَانَ تعريضا يُوهم الْمُخَاطب لَهُم فِيهِ مَقَاصِد صَحِيحَة وَذَلِكَ فِي الخديعة قد يجوز
وَمِنْهَا أَنه كَانَ بِإِذْنِهِ ﷺ وَهُوَ صَاحب الْحق وَقد أذن
стр. 3293
فِي حَقه لمصْلحَة شَرْعِيَّة وَلَا نسلم دُخُول هَذِه الصُّورَة فِيمَا يكون كفرا انْتهى
قلت النَّبِي ﷺ لَا يَأْذَن إِلَّا فِي جَائِز وسبه لَا يجوز أصلا وَالْوَاقِع التَّعْرِيض دون صَرِيح السب وَالْحَامِل عَلَيْهِ الْمصلحَة حَيْثُ اقتضاها الْحَال وَكَانَ فِي المعاريض مندوحة عَن الْكَذِب
وَمن فَتَاوِيهِ
أفتى الشَّيْخ كَمَال الدّين بِبُطْلَان إِجَارَة الجندي أقطاعه وَقد اتبع فِي ذَلِك شَيْخه الشَّيْخ تَاج الدّين بن الفركاح وَالَّذِي أفتى بِهِ النَّوَوِيّ وَالشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد وَغَيرهمَا الصِّحَّة وَهُوَ الْوَجْه
سَمِعت الشَّيْخ جمال الدّين ابْن قَاضِي الزبداني مد الله فِي عمره يَحْكِي عَن الشَّيْخ كَمَال الدّين أَنه كَانَ يَقُول إِذا صلى الْإِنْسَان رَكْعَتي الاستخارة لأمر فَلْيفْعَل بعْدهَا مَا بدا لَهُ سَوَاء انشرحت نَفسه لَهُ أم لَا فَإِن فِيهِ الْخَيْر وَإِن لم تَنْشَرِح لَهُ نَفسه قَالَ وَلَيْسَ فِي الحَدِيث اشْتِرَاط انْشِرَاح النَّفس
رفع إِلَيّ فِي المحاكمات مسئلة فِي رجل وقف على أَوْلَاده الْأَشْرَاف فلَان وَفُلَان وَسمي جمَاعَة أَوْلَاده للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ ثمَّ على أَوْلَادهم من بعدهمْ وعَلى أَوْلَاد أَوْلَادهم وعَلى أَوْلَاد الْأَوْلَاد من بعد آبَائِهِم وأسفل ذَلِك من أَعْقَابهم وأنسابهم طبقَة بعد طبقَة وقرنا
стр. 3294
١٣٢٦ - مُحَمَّد بن عَليّ بن وهب بن مُطِيع بن أبي الطَّاعَة الْقشيرِي أَبُو الْفَتْح تَقِيّ الدّين ولد الشَّيْخ الإِمَام الْقدْوَة مجد الدّين بن دَقِيق الْعِيد
الشَّيْخ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ الزَّاهِد الْوَرع الناسك الْمُجْتَهد الْمُطلق ذُو الْخِبْرَة التَّامَّة بعلوم الشَّرِيعَة الْجَامِع بَين الْعلم وَالدّين والسالك سَبِيل السَّادة الأقدمين أكمل الْمُتَأَخِّرين وبحر الْعلم الَّذِي لَا تكدره الدلاء ومعدن الْفضل الَّذِي لقاصده مِنْهُ مَا يَشَاء وَإِمَام الْمُتَأَخِّرين كلمة لَا يجحدونها وَشَهَادَة على أنفسهم يؤدونها مَعَ وقار عَلَيْهِ سِيمَا الْجلَال وهيبة لَا يقوم الضرغام عِنْدهَا لنزال هَذَا مَعَ مَا أضيف إِلَيْهِ من
стр. 3295
أدب أزهى من الأزهار وألعب بالعقول لَا أَدْرِي بَين يَدي هَذَا الشَّيْخ مَا أَقُول أسْتَغْفر الله من الْعقار
قَالَ أَبُو الْفَتْح ابْن سيد النَّاس الْيَعْمرِي الْحَافِظ لم أر مثله فِيمَن رَأَيْت وَلَا حملت عَن أجل مِنْهُ فِيمَا رَأَيْت وَرويت وَكَانَ للعلوم جَامعا وَفِي فنونها بارعا مقدما فِي معرفَة علل الحَدِيث على أقرانه مُنْفَردا بِهَذَا الْفَنّ النفيس فِي زَمَانه بَصيرًا بذلك سديد النّظر فِي تِلْكَ المسالك أذكى ألمعية وأزكى لوذعية لَا يشق لَهُ غُبَار وَلَا يجْرِي مَعَه سواهُ فِي مضمار
(إِذا قَالَ لم يتْرك مقَالا لقَائِل ... مُصِيب وَلم يثن اللِّسَان على هجر)
وَكَانَ حسن الاستنباط للْأَحْكَام والمعاني من السّنة وَالْكتاب بلب يسحر الْأَلْبَاب وفكر يستفتح لَهُ مَا يستغلق على غَيره من الْأَبْوَاب مستعينا على ذَلِك بِمَا رَوَاهُ من الْعُلُوم مستبينا مَا هُنَالك بِمَا حواه من مدارك الفهوم مبرزا فِي الْعُلُوم النقلية والعقلية والمسالك الأثرية والمدارك النظرية
(وَكَانَ من الْعُلُوم بِحَيْثُ يقْضى ... لَهُ من كل علم بِالْجَمِيعِ)
وَسمع بِمصْر وَالشَّام والحجاز على تحر فِي ذَلِك واحتراز
следующие страницы →