← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وَقد كَانَ الْمَمْلُوك من قبل يتَرَدَّد وَيذْهب وَيَأْخُذ فِي كل مَذْهَب (وَلما ملأتم ناظري من جمالكم ... سددتم على قلبِي جَمِيع المسالك) ثمَّ فض عَن مسك نَفسه الْمَخْتُوم ختامه وأماط عَن ثغر سيناته لثامه وَنصب محاريب نوناته قبل إِمَامه وَبَايع مِنْهُ إِمَامًا لبس من خَزَائِن المحابر خلعة الْإِمَامَة وَرَأى بِعَيْنِه أدبا يتأدب من خلف أُذُنه قدامَة قدامه فأحجم بَاعه الْقصير عَنهُ طَويلا وَطلب من الْمُعَارضَة والمطاولة لهَذَا اللَّفْظ مقيلا (وطاش لبي إِذْ عاينته فَرحا ... وَمن ينل غَايَة لم يرجها يطش) ثمَّ أطرقت مَلِيًّا وَقلت حييا (منثور هَذَا الْكتاب حِين أَتَى ... يسمو على الدّرّ وَهُوَ منظوم) (أهْدى لنا عرفه بمقدمه ... تأرج الْمسك وَهُوَ مختوم) لقد فاح من طي تِلْكَ المهارق نشرها قبل نشرها وَقلت حِين قَرَأت من تِلْكَ الرسَالَة تَرْجَمَة معروفها وبشرها (وقفت وَقد وافى مشرف سَيِّدي ... لَهُ ألفا قبل اطلاعي على حرف) (وقبلته ألفا وألفا فَقَالَ لي ... غرامي زده وَاضْرِبْ الْألف فِي الْألف)

стр. 3432

فَإِذا هُوَ كتاب علم وَكَلَام إِذا تجرد سيف لِسَان البليغ لِحَرْب خَصمه ألْقى لفصاحته السّلم فأقسم من كتاب مَوْلَانَا الْكَرِيم بالمختوم لقد أظهر تهافت الفلاسفة بحكمة دَرَجَة المرقوم وشاهدت أَصْحَاب المطالب الأدبية كَيفَ ألقيت لمنشئه مَفَاتِيح الْكُنُوز وَوصل العَبْد لكيمياء السَّعَادَة حِين اهْتَدَى لحسن التَّدْبِير من تِلْكَ الشذور والرموز فعوذ بألم ذَلِك الْكتاب وَدخلت عَلَيْهِ حِين دخل جنته مَلَائِكَة السَّلَام من كل بَاب وَنشر ميت الْحَظ بنشوره وَخرج اللب فِي وَصفه من قشوره وَأخذ من الزَّمَان توقيع الْأمان بقدوم منشوره (كَانَ الملطف كالقميص أما ترى ... أبصارنا ردَّتْ لنا بملطف) (وافى فسكن نَار قلبِي رمزه ... أسمعتم نَارا بِنَار تنطفي) (وأرادت الأجفان عَادَة جريها ... أَو جرى عَادَتهَا فَقلت لَهَا قفي) (كفي فقد جَاءَ الحبيب بِمَا كفى ... وصلا وعاشقه الْمَعْنى قد كفي)

стр. 3433

وفتحه الْمَمْلُوك فَرَأى من بلاغته بِمصْر فتح الْعَزِيز ولفظا أطرب ببسيطه أَقْوَاله لِأَنَّهُ وجيز وتنبيها يتيقظ بِهِ ذُو التَّمْيِيز ومهذب عبارَة فِيهَا لكل فَقِيه فِي البراعة تعجيز وسحرا يعرف النفاثات فِي العقد بخلوه من التعقيد وكتابا فِيهِ لكل بَاب من أَبْوَاب الْأَدَب إقليد وَملك فصاحة طالع سعده فِي كل وَقت سعيد وفلكا كلما لَاحَ لي هِلَال نونه عادني من السرُور عيد قد استعبد رق الْكَلَام الْمُحَرر وَأهْدى عقدا كُله جَوْهَر وقلادة إِلَّا أَنَّهَا بِالنَّفسِ عنبر وحللا إِذا رفل الْقَلَم فِيمَا حاكه مِنْهَا يتحبر ومقام أنس إِذا تختر بسلافة الخاطر تمايل عطفه وتخطر فَجَلَست من طرسه وَلَفظه بَين سالف وسلاف واعتنقت مِنْهُ قدود ألفات فاقت الْخلاف بِلَا خلاف ولثمت مِنْهُ ميمات حميت نَفسِي النونات مِنْهَا الثغور ورصدت من نقطه نجوما إِلَّا أَنَّهَا لَا تغور وَرَأَيْت حروفا ترتاح الرّوح إِلَى شكلها الْحسن وتفرغت لأنظر مِنْهَا كل عين أحلى من عين الحبيب الملأى من الوسن واستنطق الأفواه

стр. 3434

ليل خَيره بالتسبيح وتدرع شَاهد حسنه بدروع الإجادة فَهُوَ لَا يخْشَى التجريح وَقلت مضمنا فِي تلويح إِشَارَته الأدبية فِي مقَام التَّصْرِيح (ومشرف إِن زَاد تَشْرِيفًا فقد ... خلعت عَلَيْهِ جمَالهَا الْأَيَّام) (هُوَ جَامع لِلْحسنِ إِلَّا أَنه ... قصر عَلَيْهِ تَحِيَّة وَسَلام) (وعَلى العدا من طرسه وبقوسه ... رصدان ضوء الصُّبْح والإظلام) وبدأت بِبسْم الله فِي قِرَاءَته فَإِذا عَلَيْهِ من التَّيْسِير عنوان وَرَأَيْت من شعب مَعَانِيه يَا مَالك الْأَدَب مَا لم يره أَحْمد فِي شعب بوان وتطفلت بعد المشيب من حُرُوفه المعرقة وسطوره المحمرة على مائدة ذَات ألوان وَعجز قيراطي عَن حمر دَنَانِير سطوره الَّتِي تجْرِي على حروفها وَعلم أَن تِلْكَ الدَّنَانِير لم تبْق عِنْده الْأَيَّام مِنْهَا غير صروفها وغيض مَاء فكرته حِين رأى نيل بلاغه مَوْلَانَا قد احمر من الزِّيَادَة وَكسر قَصَبَة

стр. 3435

قلمه حِين رَآهَا لقناديل ذهنه على رَأْي الْعَامَّة طفاية وجمرة حمرَة تِلْكَ الصُّدُور وقادة وارتاح لأشكالها الَّتِي لَهُ بهَا على سلوك طَرِيق الْوَصْف قصره وتخلص من عقلة الْحصْر عِنْد الِاجْتِمَاع بشارد الفكرة وَعلم أَن سيف الفصاحة قتل العي فاحمر صفيحه وَأَن شبح النقس الْأسود يحسن بالياقوت الْأَحْمَر توشيحه وَأَن إِنْسَان هَذِه البلاغة خلق من علق وَأَن ليل النقس لَا يَخْلُو من شفق وَظن أَن الغسق والشفق قد انجلا فأجراهما مدادا أَو الرمل عشق شكل سطورها فَمَا اخْتَار عَنهُ انفرادا أَو أَن حمامته الساجعة خضبت كفها أَو أَن روضته المزهرة أحدق بهَا الشَّفق وحفها لقد قَامَت مقَام الوجنات لوجوه الطروس الْبيض حمرتها وتوقدت فِي فَحْمَة ليل النقس جمرتها وتشعشعت فِي كؤوس البلاغة خمرتها فناهيك بألفاظها كؤوسا أَبْصرت حمرتها فِي عين القرطاس وخده وفصول ربيع بلاغتها وَتلك الْحمرَة مَاء ورد من وردة ثَبت بهَا أَن الْحسن أَحْمَر

стр. 3436

وَأَن ربيع بلاغتها الخصيب أَخْضَر وَأَن جَامع روضها الَّذِي قَامَ فِيهِ شحرور البلاغة خَطِيبًا أَزْهَر وتكتبت جيوش الْكَلَام من سطورها فِي دهمها وحمرها وحملت وهزمت جيوش المتأدبين وحمرتها من دِمَاء من قتلت وَأصْبح الْأسود والأحمر طوع أقلامها وزأر أسدها الْورْد عِنْد اهتزازها من آجامها وأصبحت ذَات عين على المعارضين حمرا وَأقر لجياد ألفاظها بِالسَّبقِ من أظلته الخضراء وأقلته الغبرا وَقَالَت مفاخرها الدمشقية للمبارز هَذَا الميدان والشقرا وجليت كاعبها الَّتِي اعتدل قدها وتفتح وردهَا وجندت أجنادها وَكَثُرت بالحمرة سوادها وعصفرت للرفاق أبرادها واشتملت بملاءتها العسجدية وحلت فِي الأفواه حلاوتها الوردية وَحَاصِله أَن هَذَا الْكتاب مخلق تملأ الدُّنْيَا بشائره وَأَن أَحْمَر رمزه قد أصبح والأحامرة الثَّلَاثَة ضرائره لقد عاقده منشئه أَن ينظم جَوَاهِر البلاغة عقودا لجيده فأوفى بِالْعُقُودِ ونفح عنبر نَفسه فالضائع من الْمسك عِنْده مَفْقُود ودام ورد رياضه على الْعَهْد خلافًا لما هُوَ من الْورْد مَعْهُود

стр. 3437

فلاح للمملوك من كَتِيبَة براعته الخضراء بَطل بعد بَطل وهام الْقلب بوابل سحابه السحباني هيام علية بَطل وَانْطَلق فِي وَصفه الْجنان وَرَأى بِهِ رياضا لَو رَآهَا أَبُو نواس لسلا بهَا عَن جنان وثنى عنانه عَن عنان وألجم منشئه المتأدبين حِين أطلق فِيهِ الْعَنَان فَإِذا هُوَ مفتتح ببديع أغلق على صَاحب الْمِفْتَاح بَاب الْكَلَام وَخط أصبح ابْن البواب لَهُ كالغلام وَقَالَ المُصَنّف (من هام فِي هَذَا يعان ... وَلَا يعاب وَلَا يلام) فاشتغل بِهِ عَن كَيْت وَكَيْت وَعظم قدر مَعَانِيه الْأَصْلِيَّة حِين وجد كل معنى مِنْهَا فِي بَيت فَرَأى الْجنان وحورها وعقود الحسان ونحورها ودرر الْأَلْفَاظ وبحورها وسواحر الْبَيَان وَكَيف أصبح الْقلب مسحورها وَأَوَى بَين أبياته الأدبية إِلَى دَار حَدِيث وأسانيد يحصل بهَا من مِيرَاث النُّبُوَّة التوريث

стр. 3438

وَقَالَ سُبْحَانَ من توج بِهَذَا التَّاج لهَذَا الشَّأْن مفارق طرقه وأطلع بِهِ بعد الأفول بدره من أفقه وَرغب إِلَى الْوَهَّاب أَن يديم على عَبده مَا وهب ويحفظ هَذَا الْحَافِظ لتتجلى الْأَسَانِيد مِنْهُ سِيمَا إِذا روى عَن الذَّهَبِيّ بسلسلة الذَّهَب فَللَّه دره حَافِظًا أنسى النَّاس إِذا رتل الْمَتْن من درج ومحدثا تبحر فِي علم الحَدِيث فَحدث عَنهُ وَلَا حرج فاق على مَشَايِخ الْعَصْر الْقَدِيم فِي الحَدِيث وَوصل بأسانيده الْعَالِيَة إِلَى مدى لَا يُوصل إِلَيْهِ بالسير الحثيث وَتمسك الطَّالِب من أسانيده الْمُتَّصِلَة بِحَبل وثيق وأسكره مَا سمع من حُلْو الحَدِيث فَلَا كَرَامَة لمر الْعَتِيق وأملى الأمالي الَّتِي لَيْسَ لَهَا قالي وَطعن الْخصم فِي معترك الْجِدَال من أَحَادِيثه بالعوالي فَالْحَدِيث لَا يعرفهُ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه طَالبه وَلَا تَأتي لَهُ إِلَّا من هَذَا الْبَيْت غَرَائِبه وَرَأَيْت من الْفَوَائِد الحديثية مَا ذهل كثير من الْحفاظ عَنْهَا وَورد على الْمَمْلُوك مِنْهَا (حَدِيث لَو أَن الْمَيِّت نوجي بِبَعْضِه ... لأصبح حَيا بعد مَا ضمه الْقَبْر)

стр. 3439

وأملت أَحَادِيث أحلى فِي النُّفُوس من المنى وَأَسْمَاء إِذا وصفتها على سَبِيل الِاكْتِفَاء قلت أحلى من الكنى فَعلمت أَن هَذَا الْمُحدث قد أرضع بلبان هَذَا الْفَنّ وغذي وتحدث النَّاس بِانْفِرَادِهِ فِيهِ فَهُوَ الَّذِي (حَدِيثه أَو حَدِيث عَنهُ يُعجبنِي ... هَذَا إِذا غَابَ أَو هَذَا إِذا حضرا) (كِلَاهُمَا حسن عِنْدِي أسر بِهِ ... لَكِن أحلاهما مَا وَافق النظرا) فحرس الله سين أسانيده بقاف وحاء تحويله بحم الْأَحْقَاف فقد أَحْيَا السّنة المحمدية حَتَّى أَسْفر صبحها فِي هَذَا الْعَصْر وَأورد إِذْ هُوَ جوهري هَذَا الْعلم صحاحه وَلَا يُنكر الصِّحَاح لأبي نصر فَهُوَ إِمَام الْعُلُوم على الْأَبَد وَالسَّابِق للعلياء سبق الْجواد إِذا استولى على الأمد وَالسَّيِّد الْحَافِظ الَّذِي دَاره لَا دَار مية بَين العلياء والسند

стр. 3440

وَالشَّيْخ الَّذِي اخْتصَّ بعلو الْإِسْنَاد وَالْمحل والرحلة الَّذِي ينشد الطَّالِب إِذا حث ركائبه إِلَيْهِ ورحل (إِلَيْك وَإِلَّا تساق الركائب ... وعنك وَإِلَّا فالمحدث كَاذِب) على أَنه عَالم مناظر وحافظ مذاكر وأديب محَاضِر وَذُو اطلَاع ينشد (كم ترك الأول للْآخر ... ) فَهُوَ بَين الْعلمَاء إِمَام ملتهم ومصلى قبلتهم ومجلي حلبتهم والمنشد عِنْد طُلُوع أهلتهم (أَخذنَا بآفاق السَّمَاء عليكمو ... لنا قمراها والنجوم الطوالع) عدنا إِلَى اجتلاء تِلْكَ الْعَرُوس واجتناء تِلْكَ الغروس فَأكْرم بهَا عروسا ترفق من الطروس فِي حلل وتسير من خفرها فِي كلل وَأعظم بهَا غَرِيبَة يطيب بِبَيْت شعرهَا لَا بِبَيْت شعرهَا الْحلَل أنصارية النجار لَا خور فِي عودهَا إِذا انْتَمَى إِلَى بني النجار وَلَا خلل

стр. 3441

سَار ذكر بَيتهَا الطّيب فِي الْأَمْصَار وَعلم أَن من الْإِيمَان الِاعْتِرَاف بِحَق الْأَنْصَار لما أخبرناه الْعدْل أَبُو الْحسن عَليّ بن مَسْعُود بن بهتك العجمي قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قيل لَهُ أخْبرك الشَّيْخ أَبُو الْعِزّ بن الصيقل فَأقر بِهِ أخبرنَا أَبُو عَليّ ضِيَاء بن أبي الْقَاسِم أخبرنَا القَاضِي أَبُو بكر الْأنْصَارِيّ أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن علوان أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم الْخرقِيّ حَدثنَا أَبُو بكر النجاد حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله حَدثنِي عِيسَى بن سُبْرَة عَن أَبِيه عَن أبي سُبْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَلا لَا صَلَاة إِلَّا بِوضُوء وَلَا وضوء لمن لم يذكر اسْم الله أَلا لَا يُؤمن بِاللَّه من لَا يُؤمن بِي وَلَا يُؤمن بِي من لَا يعرف حق الْأَنْصَار) اكْتفى الْمَمْلُوك بِهَذَا الحَدِيث الَّذِي أفرده على سَبِيل التَّوَصُّل بِهِ إِلَى الْبركَة والتوسل وَترك الْكَلَام عَلَيْهِ لِئَلَّا تخرج بِهِ الرسَالَة عَن حد الترسل وَعلم أَن هَذِه الطّرق لَا يسلكها جَوَاده الوجي وَأَنه إِذا طَار بِهَذَا المطار يُقَال لَهُ لَيْسَ هَذَا بعشك

стр. 3442

فادرجي فلست من رجال هَذِه المحافل وَلَا من فرسَان هَذِه الجحافل أما علمت أَن الْخَارِج عَن لغته لحان وَأَن الدَّاخِل فِي غير فنه يَفْضَحهُ الامتحان غير أَنه تجاسر على هَذِه الصِّنَاعَة واستكثر على نَفسه مَا أوردهُ مِنْهَا لقلَّة البضاعة ونطق بَين يَدي ملكهَا وقابل بِالْمِصْبَاحِ شمس فلكها وانتقل إِلَى مقَام حَدثنَا بعد مقَام أما بعد وقابل بِالَّذِي أسْندهُ مَا أسْندهُ مَوْلَانَا وَكَيف يُقَابل مُسْند سيد بِمُسْنَد عبد وَقَالَ عِنْد قِرَاءَة مَا أوردهُ سَيِّدي من أَحَادِيثه زِدْنِي من حَدِيثك يَا سعد وَقَالَ مضمنا (علم الحَدِيث إِلَى أبي نصر غَدا ... من دون أهل الْعَصْر حَقًا يسند) (أضحى أَمِير الْمُؤمنِينَ بقبة ... وَيَد الْخلَافَة لَا تطاولها يَد) فَلذَلِك عجل الْمَمْلُوك إِلَى فنه الأدبي منجاه وَترك الْكَلَام فِي الحَدِيث قَائِلا كَمَا قَالَ غَيره بضاعتنا فِي الحَدِيث مزجاه ثمَّ انْتهى الْمَمْلُوك إِلَى مَا وَصفه سَيِّدي من حبه لعَبْدِهِ وَخَصه بِهِ من فَضله ووده وَنظر إِلَى حبه لسيدي فَإِذا هُوَ كئوس (لَهَا فِي عِظَام الشاربين دَبِيب ... )

стр. 3443

وعروس (لَهَا بهجة بَين الملاح وَطيب ... ) وغروس (يلذ جناها فِي فمي ويطيب ... ) وأصل كريم النِّتَاج وَملك لَا يَلِيق أَن يرْتَفع على رَأسه إِلَّا هَذَا التَّاج فَلَيْسَ الْحبّ إِلَّا مَا نَشأ عَلَيْهِ الْقلب ونما وربي فِي أَرض من الْمَوَدَّة وسما (وَلَيْسَ بتزويق اللِّسَان وصوغه ... وَلكنه مَا خالط اللَّحْم والدما) وَحقا مَا أَقُول (أحبك حبا مَا عَلَيْهِ زِيَادَة ... وَلَا فِيهِ نُقْصَان وَلَا فِيهِ من من) بل أَقُول (أحبك أصنافا من الْحبّ لم أجد ... لَهَا مثلا فِي سَائِر النَّاس يعرف) (فمنهن أَن لَا يعرض الدَّهْر ذكركُمْ ... على الرّوح إِلَّا كَادَت الرّوح تتْلف) (ومنهن حب للفؤاد يَخُصُّهُ ... فَلَا أمتري فِيهِ وَلَا أتكلف) (وَحب بدا للجسم واللون ظَاهرا ... وَحب لَدَى نَفسِي من الرّوح ألطف) وَأَقُول (أحبك يَا شمس الزَّمَان وبدره ... وَإِن لامني فِيك السها والفراقد) لقد رفعت لهَذَا الْحبّ فِي الْقلب قباب ونصبت لَهُ خيام لَهَا من حبال الْوَصْل

стр. 3444

وسماء الود أوتاد وَأَسْبَاب وَأصْبح كذوات مَوْلَانَا الَّتِي كلما عمرت زَادَت شبَابًا على شباب وتميزت أعداده على أعداد من جعل لمحبوبه الْوَاحِد ثَلَاثَة أحباب لقد اتحدا بِروح العَبْد حَتَّى الْتبس عَلَيْهِ أَيهمَا الرّوح وامتزجا فَمَا أردي بِأَيِّهِمَا يَغْدُو الْجِسْم وَيروح وسرى كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي صَاحبه سريان الْأَعْرَاض فِي الْجَوَاهِر وصارا ذاتا وَاحِدَة فَمَا أولاهما بقول الشَّاعِر (دَعَاهَا بيا قيس أجابت نداءه ... ونادته يَا ليلى أجَاب نداءها) أَو بقول ابْن سناء الْملك (وبتنا كجسم وَاحِد من عناقنا ... وَإِلَّا كحرف فِي الْكَلَام مشدد) فَأحب الله ذَات مَوْلَانَا البديعة الصِّفَات وحرس جنابها من الْآفَات فَلَا يزَال العَبْد يقربهَا للقلب بتذكاره ويصورها نصب عَيْنَيْهِ بأفكاره حَتَّى كَاد الْقلب لَا يشكو النَّوَى وَيصير فِي حالتي الْقرب والبعد على حَال سوى وَأما أشواق الْمَمْلُوك فَقَوِيت وتضاعفت وتزايدت وترادفت وتجندت أجنادها فائتلفت وتعارفت وروى الصب عَنْهَا حَدِيثي الزَّفِير والدمع بعلو ونزول وَأنْشد مقيمها الَّذِي لَا يحول عَن عَهده وَلَا يَزُول

стр. 3445

(كم نظرة لي حِيَال الشَّام لَو وصلت ... رَوَت غليل فؤاد مِنْك ملتاح) وينشد (نادمت ذكرك والظلماء عاكفة ... فَكَانَ يَا سَيِّدي أحلى من السمر) (فَلَو ترى عبرتي والشوق يسفحها ... لما الْتفت إِلَى شَيْء من الْمَطَر) ورام أَن يتشبث بشوق مَوْلَانَا وَيتَعَلَّق ويرقى لفتح المصراع الثَّانِي من بَيت الزحلوقة فتزحلق فنظم بديها وَفِي ضلوعه مَا فِيهَا (شوقي لوجهك شوق لَا أَزَال أرى ... أَجِدهُ يَا شَقِيق الرّوح أقدمه) (ولي فَم كَاد ذكر الشوق يحرقه ... لَو كَانَ من قَالَ نَارا أحرقت فَمه) ثمَّ قلت مضمنا (روحي تَقول وَقد جَاءَت رسائلكم ... هَل لي إِلَى الْوَصْل من عُقبى أرجيها) (وَلم أكن قبلهَا بالشوق أقتلها ... إِلَّا لعلمي بِأَن الشوق يُحْيِيهَا) (ولي دموع بسري للورى نطقت ... فأطلعت قَلبهَا للنَّاس من فِيهَا) (كالنار لونا وإحراقا فوردتها ... تجني على الْكَفّ إِن أهويت تجنيها)

стр. 3446

وَرَأى الإشارات الَّتِي شوقته إِلَيْهَا شوق العليل إِلَى الشِّفَاء وَأهل مصر إِلَى الْوَفَاء وَوصف سَيِّدي أَلْفَاظ الْمَمْلُوك وَكَانَ من حَقّهَا أَن تلفظ ولحظها بِعَين الْعِنَايَة وَكَانَ من شَأْنهَا أَن لَا تلحظ وَذكرهَا فِي مقَام التنويه وَكَانَ اللَّائِق بهَا أَن تنسى وَلَا تحفظ إِلَّا أَنه أودع سجعه مِنْهَا شَيْئا تغير مِنْهُ قلب النّيل وانكسر ورام فتح بَاب الْعباب فَمَا جسر وانتهيت إِلَى النّظم الموشح بقلائد العقيان فَإِذا لَهُ زجل وَقيل لي أهذه هِيَ الْجَوَاهِر الجليلة فَقلت أجل وَرَأَيْت مَا فِي وَصفه ليَالِي الْبعد من الِاسْتِعَارَة وَعلمت أَن مَوْلَانَا خَليفَة الْأَدَب الرشيد وَغَيره فِيهِ مسلوب الْعبارَة وتأملت مَا ذكره من أَمر الْفِرَاق فَلَا يذم لكَونه كَانَ سَببا للتلاق ومبلغنا لتِلْك الْأَمَاكِن المقدسة والجهات الَّتِي هِيَ على التَّقْوَى مؤسسة وَلَا يذم بَين فِيهِ إصْلَاح ذَات الْبَين وَلَا انْتِقَال مَوْلَانَا الْحسن الشبيه بقول ابْن الْحُسَيْن (فِرَاق وَمن فَارَقت غير مذمم ... وَأم وَمن يممت خير ميمم)

стр. 3447

وَذكر سَيِّدي المشيب فوارد الْمَمْلُوك على معنى كَانَ نظمه قَدِيما وَهُوَ (قد بَان عصر شرابي ... مذ بَان عصر شَبَابِي) (وَقد جددت بشيب ... والشيب سَوط عَذَاب) فَأَما مَا ذكر مَوْلَانَا من الشوق فَهُوَ يعرب عَن شرح حَال العَبْد من بعده ويبرهن عَن صب يَقُول من حرقه ودمعه على بعده (فِي الْعين مَاء وَفِي الْقلب لهيب لظى ... وَقد تخوفت فِي الْحَالين من تلفي) (كالعود يقطر والنيران تحرقه ... كَالْمَاءِ فِي طرف وَالنَّار فِي طرف) وَأما ذكره زمَان أنسه والأوقات الَّتِي يفْدي العَبْد دست سرورها بِنَفسِهِ فَهُوَ عِنْدِي الزَّمَان الَّذِي ابتسم فِيهِ السرُور والمنية الَّتِي كَانَ الخصيب على مثل عيشها الْأَخْضَر يَدُور وَذكر مَوْلَانَا الغربة فَكَانَ مَوْلَانَا بِمصْر هُوَ الْغَرِيب الْعَزِيز وَشَيخ الْعُلُوم الَّذِي ابتسمت بِهِ ثغور مصر حِين بلغت بِهِ سنّ التَّمْيِيز وَمَا كَانَ الْغَرِيب فِيهَا إِلَّا علمه وَلَا الْمُنَاسب لارتقاء المناصب إِلَّا حلمه وَلَا الْمُرْسل لأغراض الْمَعَالِي وقلب المعادي

стр. 3448

إِلَّا سَهْمه وَلَا الْمُؤثر فِي قُلُوب أَهلهَا إِلَّا حبه وَلَا الملائم لكل ذِي عقل بعيد من الْخَطَأ إِلَّا قربه وَأما مَا ذكره عَن العَبْد من الإهمال واشتغاله عَن موَالِيه مَعَ فَرَاغه من الأشغال فَأَنا هُنَالك وَلَكِنِّي مَعَ ذَلِك (أغيب عَنْك بود مَا يُغَيِّرهُ ... نأي الْمحل وَلَا صرف من الزَّمن) فوَاللَّه مَا تَبَاعَدت إعْرَاضًا وَلَا تبدلت معتاضا (وَمَا كَانَ صدى عَن حماك ملالة ... وَلَا ذَلِك الإحجام إِلَّا تهيبا) واهتديت للمصباح الَّذِي اقتبسه سَيِّدي من الْآيَة وتأملته فَإِذا فِيهِ من الِاكْتِفَاء تَنْبِيه وكفاية وأحببت الْمَقْطُوع الْمَوْصُول الْحسن المطبوع فَقلت (يَا أَيهَا الْبَحْر الَّذِي هُوَ عدَّة ... لخطوب دهر لَا يُطَاق عديدها) (مَا ضرّ ذاتي كل مَا اتصفت بِهِ ... إِن كنت مَعَ تِلْكَ الصِّفَات تريدها) مَعَ علمه بِانْقِطَاع مقطوعه عَن مَوْلَانَا وَأَن ذَلِك الْمَقْطُوع وصل إِلَى مدى مَا أجدرنا بِالْوُقُوفِ دونه وأولانا وَأَن ذَلِك التَّضْمِين يَمِين وَأَن القرائح لَا تبرز مثله من كمين وَأَن الْحَاسِد لَهُ إِذا توقد غيظا كانون صَدره فَهُوَ بذلك قمين هَذَا مَعَ مَا فِيهِ من حلم سَيِّدي وإغضائه وَكَرمه الَّذِي تشهد بِهِ من العَبْد سَائِر

стр. 3449

أَعْضَائِهِ وصحيح الود الَّذِي يُعَامل بِهِ عبيده على علاتهم وتغافله عَنْهُم عملا بقوله ﷺ (دعوا النَّاس فِي غفلاتهم) ووصلت إِلَى مَا طرزه الْقَلَم على ذَلِك الرَّسْم فَوقف العَبْد عِنْد حَده وَرَأى من ذَلِك الْمَنْطُوق القَوْل الشَّارِح لصدق وده ثمَّ ناديت بِمَا أسْندهُ من حَقِيقَة الْمحبَّة وَبَينه من آدَاب الصُّحْبَة فحفظ الله عَيْش عَهده الْخضر على يأس الْهوى ورجائه ومحبته الَّتِي لَا تَتَغَيَّر وَإِن زَاد الْمَمْلُوك فِي جفائه وتأملت بِالْعينِ ذَلِك الْأَثر وأسمعت أُذُنِي مِنْهُ فِي قِرَاءَته أطيب الْخَبَر وَجرى الْفَهم لما أَشَارَ حِين وقف عَلَيْهِ وتيقظ لما أومى إِلَيْهِ وحللت رموزه واستثرت كنوزه فَأَما مَا حكم بِهِ الشَّيْخ الإِمَام عَلَيْهِ فَهُوَ اللَّائِق بتحقيقه وَالْقَوْل الَّذِي تتوفر دواعي العارفين بمقاصد الشَّرْع على تَصْدِيقه وَأما مَا ذكره سَيِّدي على قَول الْخياط وفضله وسواه من الْكَلَام قَاضِي ذهنه وعدله فَهُوَ كَلَام مُحَرر وسكر مُكَرر وَسيف بدر لَفظه مجوهر إِلَّا أَن

стр. 3450

الْمَمْلُوك رأى نَفسه عِنْد استشهاده بِبَيْت الْخياط شَاعِرًا بوصله وأديبا إِذا حَاز الأدباء خصل السَّبق لم يحز من الْفضل خصْلَة وَكَأن الْخياط فصل تفاصيل حَال الْبعد فِي بَيته بالخيط والإبرة وقصها بعد أَن قاسها على حَاله فَمَا نقصت ذرة ثمَّ توجه الْمَمْلُوك إِلَى مَا ذكر عَن مَالك وسلكت فِي تِلْكَ المسالك فَإِذا مدارس عُلُوم ومدارك فهوم وأبحاث منقحة وجنات أَبْوَابهَا مفتحة وفهمت مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بذلك الْمَنْقُول عَن مَالك فَلَا حرج على من تكلم وَلَا يعجز الْمَمْلُوك أَن يكون كَأبي ضَمْضَم وَأما مَا عِنْد سَيِّدي للْعَبد من الارتياح والتطلع لأخباره السارة فِي الغدو والرواح فحال العَبْد غير منتقلة عَن هَذِه الْحَال وَلَا يأويه إِلَّا إِلَى بَابه الارتحال (بَعدت فواشوقاه عَن أَبيض الثنا ... وغبت فوالهفاه عَن أَخْضَر القنا) (أشع مدحه العالي وذرني والعدى ... وبح باسمه الغالي وَدعنِي من الكنا) فَمَتَى ترد إِلَى العَبْد روحه وتعاد وَيحكم قَاضِي الْقرب بِنَقْض مَا حكم بِهِ قَاضِي البعاد

стр. 3451

وَأما مَا عرض بِهِ من حِكَايَة القَاضِي واللص فَمَا على ذَلِك بِمَعْرِِفَة إسنادها فَإِنَّهَا عِنْد الْمَمْلُوك بِغَيْر إِسْنَاد وَعرض للمملوك سُؤال وَهُوَ أَنه هَل يجوز رِوَايَة مَا يَقع فِي مُكَاتبَة من إِسْنَاد حَدِيث أَو غَيره من غير إِذن فِي الرِّوَايَة وَهل يكون ذَلِك كالوجادة وَكَانَ غَرَض سَيِّدي مِنْهَا أَن يُخَاطب الْمَمْلُوك بِمَا خَاطب بِهِ القَاضِي اللص من تِلْكَ الْعبارَة ويومئ إِلَى مَا تعانيه الشُّعَرَاء من السرقات بألطف إِشَارَة والمملوك مغالط فِي فهم ذَلِك بحسه غير آخذ ذَلِك الْمَعْنى لنَفسِهِ وَمِمَّا يعجب الْمَمْلُوك من أَبْيَات اللص قَوْله (قَالَت وَقد رابها عدمي ثكلتك من ... رَاض بنزر معاش فِيهِ تكدير) (مهلا سليمى سينفي الْعَار عَن هممي ... هم وعزم وإدلاج وتشمير) (مَاذَا أُؤَمِّل من علم وَمن أدب ... مَعَ معشر كلهم حول الندى عور) وَلَقَد أحسن القَاضِي حِين صرف اللص بعد اطِّلَاعه على فضيلته مكرما وحلله من ثِيَابه بعد أَن صيره بتجريده مِنْهَا محرما وَأما غَيره سَيِّدي على بَنَات فكره الَّذِي دق بَاب البلاغة إِذْ دق وتخوفه عَلَيْهَا من الْمَمْلُوك ولسان حَالي يَتْلُو ﴿مَا لنا فِي بناتك من حق﴾ فخوف سَيِّدي على كَلَامه

стр. 3452

الْمُحَرر خوف ابْن برد من سلم على مبتكراته أَو السّري من الخالديين على اختلاس مَعَانِيه من أبياته فَللَّه در السّري حَيْثُ يَقُول متظلما مِنْهُمَا (شنا على الْآدَاب أقبح غَارة ... جرحت قُلُوب محَاسِن الْآدَاب) (تركت غرائب منطقي فِي غربَة ... مسبية لَا تهتدي لإياب) (جرحى وَمَا ضربت بِحَدّ مهند ... أسرى وَمَا حملت على الأقتاب) (إِن عز مَوْجُود الْكَلَام لديهما ... فَأَنا الَّذِي وقف الْكَلَام ببابي) وَأما مَا ذكره عَن مصر فِي فصل التشوق على سَبِيل الإدماج وإرساله ذَلِك السَّيْل الَّذِي طما تياره إِذْ ماج فأثار ترابها وطير ذبابها فَهِيَ ذَات الْغُبَار الَّذِي لَا يلْحق والذباب الْأسود الَّذِي يقاسي مِنْهُ فِي النَّهَار الْأَبْيَض الْعَدو الْأَزْرَق (أحبه قومه على شوه ... أم القرنبى تخالها حسنه)

стр. 3453

وَأما الْمَمْلُوك فالبلدان عِنْده هما مَا هما ومدينتان لم يبْق فِي الْأَمْصَار سواهُمَا وواديان (حللت بِهَذَا حلَّة ثمَّ حلَّة ... بِهَذَا وطاب الواديان كِلَاهُمَا) فَهُوَ يصافيهما ويوافيهما ويعامل كلا مِنْهُمَا بِالْحُسْنَى وتكرم مصر لوجهها الوسيم ودمشق لشرفها الْأَعْلَى ومقامها الْأَسْنَى وَيُصْبِح ثَانِيًا لعنان التَّفْضِيل بَين البلدين من أول وهلة تَارِكًا للتفصيل بِالْجُمْلَةِ وَلَا يستنجد من حلاوة نيل مصر بأجناد من الْعَسَل وَلَا يُحَرك من عيدَان قصبها مَا يقوم مقَام الأسل وَلَا يتَعَرَّض لدمشق إِلَّا بِمَا يرضيها وَلَا يجرد فِي عيوبها سيوفه وَلَا ينتضيها وَلَا يُومِئ إِلَيْهَا على سَبِيل الذَّم عُيُون كَلَامه برمزه وَلَا يبرز من مرماه أَقْوَاله إِلَى مقَامهَا بَرزَة لَكِن يَقُول سقى الله دمشق سحابا تقوم صحون ديارها لأخلافه إِذا تحلبت مقَام الْقَعْب وَيُصْبِح كف الثريا لَهَا بِمَائِهَا أسمح من كَعْب وَذكر سَيِّدي الشَّام وسحابها وشمول الْمَطَر رحابها فقد نقل أَنه هم الأقطار

стр. 3454

وغرق صحن جَامعهَا الْقطر من الأمطار واتشحت الْعَرُوس من در الْبرد بوشاح وَكَاد النسْر أَن يطير إِلَى مَكَان يعصمه من المَاء وَكَيف يطير مبلول الْجنَاح حَتَّى أصبح طوفان المَاء بِهِ وَهُوَ متلاطم وتلا كل قَارِئ فِيهِ حَتَّى روى مَاؤُهُ عَن ابْن كثير فَلم يجد نَافِع وَلَا عَاصِم وتوالت على طرق الْمُصَلِّين الْمِيَاه والأوحال وسالت الشَّرَائِع فشرع للمؤذنين أَن يَقُولُوا أَلا صلوا فِي الرّحال فَعظم لنزول السَّمَاء على الأَرْض بِلَا كيل الْفرق وَجرى طوفان الْمِيَاه إِلَى الْجَامِع فكاد أَن يلجم نسرا وَأَهله الْغَرق وَأصْبح كافوري الثَّلج من الأَرْض وَهُوَ متداني وندف قَوس السَّحَاب قطنه على جنَّة الزبداني وَرَأى النَّاس فِي يَوْمه الْأَبْيَض الْمَوْت الْأَحْمَر وشاب مِنْهُ فِي السَّاعَة شَارِب الرَّوْض الْأَخْضَر

стр. 3455

وبيض لرؤوس الْجبَال فودا وَلبس مسالكها فَكَأَن فضتها النقرة ببياضها سُودًا وألبس ذوائب أشجارها حلَّة المشيب وَستر برد بستانها الْأَخْضَر القشيب وَحمل بكتيبته الْبَيْضَاء على كتيبته الخضراء وجارى الأعوج جري سكاب دانيه على الغبراء وعادت قلَّة كل جبل مِنْهُ وَهِي ثلجية وَكَاد نَهَاره يستر ببياض ثَوْبه الدُّرِّي سَواد حلَّة اللَّيْل السجية وَمَال مَاء السَّحَاب على الضّيَاع فتداعت حيطانها ونزح من لم يقدر على نزح الْمِيَاه من قطانها وكاثر مياه أنهارها بِتِلْكَ الْمِيَاه وَمَا اسْتَحى مِنْهَا على كَثْرَة حَيَّاهُ فَقلت حِين بلغنَا أَن المَاء طَغى بِالشَّام وعتا وَطَالَ بهَا على من حل فِيهَا مقَام الشتا (قد طول الْبرد فِي إِقَامَته ... بِالشَّام وَالنَّفس عِنْدهَا ضجره) (وَقلت إِذْ شَاب مِنْهُ مفرقه ... بالثلج يَا برد شاخت العشره)

стр. 3456

وَقلت (الثَّلج قد جَاءَ على أَشهب ... وَعم بالبلقا وسيع الفضا) (فارتاعت الشقراء من جلق ... إِذْ سل من أبيضه أبيضا) إِلَّا أَنه جبر ذَلِك بِأَلف نعْمَة وَنظرت إِلَى الشَّام أمطاره بِعَين الرَّحْمَة (وَإِن يكن الْفِعْل الَّذِي سَاءَ وَاحِدًا ... فأفعاله اللائي سررن أُلُوف) وَأما قَول سَيِّدي إِنَّه مَا تعرض لمصر بتعريض فِي كَلَام وَاحْتج بِمَا ذكره عَن الشَّام فَفرق بَين مَا عيبت بِهِ مصر من طين وتراب وطنين ذُبَاب وَبَين مَا نسب إِلَى دمشق من كافور ثلج وإيقاع ربَاب لَكِنَّهَا تَقول حِين جبرها من حَيْثُ كسرهَا وشرفها حِين أمرهَا على باله وَذكرهَا (لَئِن سَاءَنِي أَن نالني بمساءة ... لقد سرني أَنِّي خطرت بِبَالِهِ) فَهِيَ تقنع بِأَن رفع عَنْهَا جَانب تجافيه ووصفها بِوَصْف فِيهِ مَا فِيهِ وَمِمَّا يذكرهُ العَبْد أَنه لَو نصب بَين هذَيْن المصرين المنافرة وَأقَام سوق الْمُفَاخَرَة لأنسى بِحرف الفخار حَرْب الْفجار ولأبطل حجاج كل وَاحِدَة من حجاج

стр. 3457

الْأُخْرَى بِمَا أبطل ولأثار بَين النّيل وأنهار دمشق عِنْد الْمُحَاربَة غُبَار القسطل لَكِن ثنى الْمَمْلُوك عَن الْمُفَاخَرَة سير الْعَنَان وعنان السّير وَألقى بِيَدِهِ إِلَى السّلم وتلا لِسَانه ﴿وَالصُّلْح خير﴾ عَالما أَن المكابرة من الصَّغِير مَعَ هبوط قدره لَا تصعد وَأَن سَحَاب العناد جهام وَإِن أبرق وأرعد ثمَّ انْتهى الْمَمْلُوك لما تشرف بِهِ من خلعة الْخلَّة والحلة الَّتِي جر ذيلها على شَاعِر الْحلَّة ووصلت كَثْرَة لثمه لتِلْك الْأَلْفَاظ إِلَى الْعدَد الَّذِي لَا يغلب من قلَّة ثمَّ هيأ هَذَا الْجَواب بعد الِاسْتِقْصَاء لجهده فِي الشُّكْر والاستيعاب والتمهيد للفظ إِذا تمثل عِنْد نَفسه بِبَاب سيد عُلَمَاء زَمَانه لَا يعاب آخِره وَللَّه الْحَمد والْمنَّة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم القضائي التاجي الْمَمْلُوك إِبْرَاهِيم القيراطي يقبل الأَرْض ذَات الْكَرم والشرف الَّذِي علا على إرم إِن لم يكن أرم والأنهار الَّتِي لمائها رونق مَاء الشَّبَاب فَأنى يفاخر بالنيل إِذا بلغ الْهَرم والحمى الَّذِي أنْشد سلامنا الْمَكِّيّ حِين سَار إِلَيْهِ (مَا سرت من حرم إِلَّا إِلَى حرم ... )

стр. 3458

١٣٣٢ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد بن نَبَاته أديب الْعَصْر الشَّيْخ جمال الدّين ابْن شَيخنَا الشَّيْخ شمس الدّين الْمُحدث حَامِل لِوَاء الشُّعَرَاء فِي زَمَانه مَا رَأينَا أشعر مِنْهُ وَلَا أحسن نثرا وَلَا أبدع خطا لَهُ فنون ثَلَاث لم نر من لحقه وَلَا قاربه فِيهَا سبق النَّاس إِلَى حسن النّظم فَمَا لحقه لَاحق فِي شَيْء مِنْهُ وَإِلَى أَنْوَاع النثر فَمَا قاربه مقارب إِلَى ذرة مِنْهُ وَإِلَى بارعة الْخط فَمَا قدر معَارض على أَن يَحْكِي لَهُ خطا أَو يجاريه فِي أصُول كِتَابَته وإسجامها وجرايانها مولده بِالْقَاهِرَةِ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَمَات بهَا سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة

стр. 3459

(فَهِيَ للوفد كعبة ومطاف ... ومقام وموقف ومثاب) مهديا إِلَى تِلْكَ الأَرْض المقدسة تحيات هَذِه الأَرْض الْمُحرمَة مبلغا لبقاع الشَّام الْمُبَارَكَة سَلام هَذِه المشاعر المحترمة معوذا ذَلِك الْمقَام بِهَذَا الْمقَام ومناهل تِلْكَ المشارب الصافية بِمَاء زَمْزَم الَّذِي هُوَ طَعَام طعم وشفاء سقام رَافعا دُعَاء يطوف بِالْبَيْتِ الْعَتِيق جديده ويأوي إِلَى رُكْنه الشَّديد سديده وتسقى بِمَاء زَمْزَم غروسه وتروق على يَد العَبْد فِي الْمقَام كؤوسه وتشرق فِيهِ شموعه بل شموسه ويتأرج بِحَضْرَتِهِ زهوره ويشيع فِي بطُون تِلْكَ الأودية المشرفة ظُهُوره ويكفل الْبَيْت وليده فِي حجره إِلَى أَن يبلغ نِهَايَة السُّعُود وَيكون لَهُ من الْبَيْت المحجوج إِلَى الْبَيْت الْمَعْمُور على درج الْإِجَابَة صعُود ويفوح عرف قلم مسطره ويحلو ويطرب فَهُوَ فِي أَحْوَاله الثَّلَاثَة عود محوطا ركنها الشَّامي بالركن الْيَمَانِيّ وجهاتها السِّت بِالْمحل الَّذِي أنزلت بِهِ فِي إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ السَّبع المثاني

стр. 3460

١٣٣٣ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشَّيْخ فَخر الدّين الصّقليّ مُصَنف التَّنْجِيز فِي الْفِقْه وَهُوَ التَّعْجِيز إِلَّا أَنه يزِيد فِيهِ تَصْحِيح الْخلاف وَبَعض قيود كَانَ فَقِيها دينا ورعا تفقه على الشَّيْخ قطب الدّين السنباطي وَولي الْقَضَاء بِبَعْض جَوَانِب الْقَاهِرَة وَمَات فِي خَامِس عشر ذِي الْقعدَة سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة ١٣٣٤ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد الرَّازِيّ الشَّيْخ الْعَلامَة قطب الدّين الْمَعْرُوف بالتحتاني إِمَام مبرز فِي المعقولات اشْتهر اسْمه وَبعد صيته

стр. 3461

مواظبا على الثَّنَاء الْأَبْيَض عِنْد الْحجر الْأسود نَاظرا من شِيمَة مَالِكهَا الْبَيْضَاء مَا لم تره الزَّرْقَاء كلما اكتحل من إثمد حلَّة الْبَيْت السَّوْدَاء بمرود وَيُنْهِي مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الود بِمَكَّة والصفا والشوق الَّذِي أصبح مِنْهُ بعد شِفَاء الْقرب على شفا والدمع الَّذِي شابه النّيل فِي أَوْصَافه زِيَادَة وَحُمرَة ووفا مطالعا للأبواب الْعَالِيَة بِأَنَّهُ خيم بِفنَاء الْبَيْت وَنزل وَأحب جوَار الله اعتزالا للنَّاس وَلَا بدع لِجَار الله إِذا اعتزل فَلَعَلَّ أَن تتمهد لَهُ فرش الْجنان عِنْد تعلقه بِتِلْكَ الأستار وَعَسَى أَن يجد بذلك الْبَيْت سَببا لنجاته فِي تِلْكَ الدَّار وتروج مَعَ أهل الرِّبْح بضَاعَة عمله المزجاة إِذا حصل أهل الخسارة بدار الْبَوَار وَيُصْبِح مَكَانَهُ فِي الْجنَّة فِي مَحل رفع إِذا قطع الْعَيْش بجوار ذَلِك الْحرم خفضا على الْجوَار ويعد واصلا بتدبير الله تَعَالَى لكيمياء السَّعَادَة إِذا ظفر بذلك الْحجر المكرم وَيصير كل زَمَانه ربيعا إِذا حل بذلك الْبَيْت الْمحرم ويسفر لَهُ من ذَلِك الْأُفق صبح الْأَمَانِي وينشد إِذا ضرب عنق شَيْطَان هَوَاهُ من تِلْكَ الْأَركان باليماني (أَلا أَيهَا الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أضحى هوانا يَمَانِيا)

стр. 3462

وَاخْتَارَ أَن يكون فِي مَظَنَّة الْإِجَابَة ليقوم من وَظِيفَة دُعَائِهِ بِمَا الْتزم وَأَن يواظب على ذَلِك الْمُلْتَزم فِي الْمقَام وعَلى ذَلِك الْمقَام فِي الْمُلْتَزم فسقى الله عهد مَوْلَانَا الَّذِي طالما ترنم بِهِ العَبْد حول الْحطيم وزمزم وَقَامَ وَاجِب قلبه من فرض ذكره بِمَا يلْزم وَمِمَّا حث الْمَمْلُوك على هَذِه الْعُبُودِيَّة أَنه وجد مَوْلَانَا ذكره من كتاب ورد مِنْهُ فِي نَاحيَة واستفهم عَن حَاله فِي حَاشِيَة رقعته وَمن الْمَمْلُوك فِي الرقعة حَتَّى يعد فِي الْحَاشِيَة لقد نطق العَبْد بالثناء عَلَيْهِ جَهرا وَشد قدومه لَهُ بِبَطن مَكَّة ظهرا وشكرت جوارحه فضلك الَّذِي داوى على الْبعد جريحا وقريحته بعطفك الَّذِي شفى من الْبَين قريحا ونشق الْبَيْت نسيم ثنائه وَكَيف لَا ينشق لنسيمه ريحًا (وَقد بلغ الضراح وساكنيه ... نثاك وزار من سكن الضريحا) وصاغ لِسَانه شكر مَا تطوق بِهِ جيده من هَذِه النِّعْمَة وَلم يكن لَهُ لعمري

стр. 3463

بذلك طوق وتحلى من در كَلَامه بِمَا لَا يعرفهُ إِلَّا أهل السلوك وَمن شهده بِمَا لم يشهده إِلَّا أَرْبَاب الذَّوْق فَأصْبح الْمَمْلُوك حِين ذكر فِي الْحَاشِيَة من أهل الطَّرب وأنشده لِسَانه ولقلبه فِي وُرُود سَلام مَوْلَانَا أَي أرب (رضيت بالكتب بعد الْبعد فَانْقَطَعت ... حَتَّى رضيت سَلاما فِي حواشيها) إِي وَالله الْمَمْلُوك رَاض من كتب مَوْلَانَا بعد الهجر بوصل وقانع من كَلَامه فِي كل سنة بفصل فَشكر الله لافتقاد مَوْلَانَا هَذِه الْمِنَّة وَهَذَا الْفضل الَّذِي لَيْسَ لإطفائه نَار الشوق جَزَاء إِلَّا الْجنَّة وَلَقَد علم الْمَمْلُوك حِين وقف على خطّ مَوْلَانَا أَن جفن صدقاته لَا تطرقه عَن مماليكه سنة وَغفر سيئات الزَّمَان حِين لَاحَ لَهُ بِوَجْه الطرس من نقطة حَسَنَة بعد حَسَنَة وَإِلَّا فللمملوك عَن رِسَالَة مَوْلَانَا قبل أَن يغيب عَن مصر جَوَاب حَاضر وهشيم نبت يغضي حَيَاء إِذا قَابل بالناظر روضها النَّاظر فَإِنَّهُ كَانَ أنشأ رِسَالَة مُطَوَّلَة وَلكنهَا عَن طائرات كلم مَوْلَانَا المحلقة مقصرة وجهز من بَنَات فكره كل حوراء بِطرف سحر الْبَيَان مبصرة وجلاها عروسا يعْقد عَلَيْهَا الْعَاد حِين حلت خِنْصره وأبرزها درة تَاج وكعبة لَهَا من ذخائر الْمعَانِي رتاج وكريمة لَهَا من كرائم بَنَات الْفِكر نتاج فعزمت

стр. 3464

على التَّوَجُّه فحيل بَينهَا وَبَينه بِمَا حيل وتحركت نَفسهَا برقعتها للسير فحبسها حَابِس الْفِيل وَأَيْضًا فَكَانَ الْمَمْلُوك ينشئ فِيهَا وَهُوَ يتأهب لِلْحَجِّ وَكلما ظهر غمر عزمه سلك شَيْطَان شعره فجَاء غير ذَلِك الْفَج فَوجدَ الْمَمْلُوك على نَفسه حِين فقد من إرسالها مَا فقد واجتهد فِي إيصالها للبلاد الشامية فَإِذا الْحجَّاج قد (أخذت حداتهم حجازا بَعْدَمَا ... غنت وَرَاء الركب فِي عشاق) وَإِذا توجه العَبْد إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَى الديار المصرية وَجه بهَا إِلَى الْأَبْوَاب الْعَالِيَة وأنفذها وَإِن كَانَت عاطلة لتصبح إِذا لحظها مَوْلَانَا بِالْعينِ حَالية وَكَيف لَا ينفذها وَهُوَ كلما تذكر بعده عَن بانه أَن وَكلما فكر فِي قربه مِنْهُ فِي الزَّمَان السالف حن وَكلما سَأَلَ دمعه الزَّمَان أَن يجود باللقاء ضن فَهُوَ بأسره مَعَ الْبَين فِي أسر وَقَلبه بالنوى فِي كسر وَكَأن طَائِر فُؤَاده المضطرب إِذا تذكر قبَّة النسْر (قطاة عزها شرك فأضحت ... تجاذبه وَقد علق الْجنَاح) فَهُوَ يذوب تلهفا وينشد تأسفا (أسرب القطا هَل من معير جنَاحه ... لعَلي إِلَى من قد هويت أطير)

стр. 3465

وَكَيف يطير مقصوص الْجنَاح ويسير أَسِير أثخنته فِي معترك الْبَين الْجراح طَال مَا شام بِمصْر برق الشَّام وخلع فِي حب جنَّة الزبداني قَمِيص الاحتشام وتعطش إِلَى رَيَّان رياضها حلاها الْقطر إِذا عطر فِي القفر البشام وَقَالَ لأمانيه وَقد حدثته برؤيتها (إِن كنت كَاذِبَة الَّذِي حَدَّثتنِي ... فنجوت منجى الْحَارِث بن هِشَام) وَمَا زَالَ الْمَمْلُوك يتشوق إِلَى مَا بِدِمَشْق من الْبِقَاع وَيثبت من وصفهَا الْمُحَقق مَا تحلى بِهِ عِنْد النّسخ الرّقاع وَمَا برح فِي هَذِه الْمدَّة تجاه الْكَعْبَة المشرفة يُعْطِيهَا من كنوز الدُّعَاء بِالْحجرِ سماحا ويكرر أوراده مِنْهَا مسَاء وصباحا ويعوذ بِالْحجرِ الْمُلْتَزم أحجارها وبالميزاب فوارها وبزمزم أنهارها وبالبيت دارها كَمَا يعوذ سنيرا بثبير ويذكي بِالدُّعَاءِ لَهُ فِي أم الْقرى على أبي قبيس القبس الْمُنِير وَيَوَد لَو رأى حسن معهدها ورقص طَربا حول مغانيها الَّتِي فاقت الْمعَانِي بمعبدها فَللَّه جَامعهَا الَّذِي جمع الطلاوة وَقلت حِين أصبح للصَّلَاة فِي صحنه حلاوة

стр. 3466

(الْجَامِع الْأمَوِي أضحى حسنه ... حسنا عَلَيْهِ فِي الْبَريَّة أجمعا) (حلوه إِذْ حلوه فَانْظُر صحنه ... تَلقاهُ أصبح للحلاوة مجمعا) وَقلت (سقى بِدِمَشْق الْغَيْث جَامع نسكها ... وروضا بِهِ غنى الْحمام المغرد) (إِذا مَا زها فِي الْعين من ذَاك معبد ... لذكر حلا فِي السّمع من ذَاك معبد) وَقلت (دمشق فِي الْحسن لَهَا منصب ... عَال وَذكر فِي الورى شَائِع) (فَخَل من قَاس بهَا غَيرهَا ... وَقل لَهُ ذَا الْجَامِع الْمَانِع) وَقلت مضمنا (دمشق بواديها رياض نواضر ... بهَا ينجلي عَن قلب ناظرها الْهم) (على نَفسه فليبك من ضَاعَ عمره ... وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا نصيب وَلَا سهم) وَقلت مادحا (للصب بعْدك حَالَة لَا تعجب ... وتتيه من صلف عَلَيْهِ وتعجب) (أبكيته ذَهَبا صبيبا أحمرا ... من عينه وَيَقُول هَذَا الْمطلب) (وقتلته بنواظر أجفانها ... بسيوفها الْأَمْثَال فِيهَا تضرب) (رفقا بِمن أجريت مقلته دَمًا ... ووقفت من جريانها تتعجب) (نيران بعْدك أحرقته فَهَل إِلَى ... نَحْو الْجنان ببعد يتَقرَّب) (كم جَيش العذال فِيك وَإِنَّمَا ... سُلْطَان حسنك جَيْشه لَا يغلب) (من لي بشمسي المحاسن لم يزل ... عَقْلِي بِهِ فِي كل وَقت يذهب) (أحببته متعمما ومعنفي ... أبدا عَليّ بظلمه يتعصب)

стр. 3467

(ويعيب من طرق التفقه وَجهه ... والعشق يُفْتِي أَن ذَاك الْمَذْهَب) (وَلَقَد تعبت بعاذل ومراقب ... هَذَا يزير والرقيب ينقب) (ومؤذنا سلوانه وغرامه ... هَذَا يرجع حَيْثُ ذَاك يثوب) (وَأَقُول للقلب الَّذِي لَا يَنْتَهِي ... عَن حبه أبدا وَلَا يتَجَنَّب) (قد كدت أَنَّك لَا تسميك الورى ... قلبا لكونك عَنهُ لَا تتقلب) (وَلَو اسْتَطَعْت فركته وأدرته ... عَنهُ وَلَكِن مَا لقلبي لولب) (بِأبي غَنِي ملاحة أَشْكُو لَهُ ... فقري فَيُصْبِح بالغنى يتطرب) (قمر على غُصْن وغصن فَوْقه ... قمر على طول المدى لَا يغرب) (قل للغزال وللغزالة إِن رنا ... أَو لَاحَ يهرب ذَا وَتلك تغيب) (مَا زلت أرفع قصَّة الشكوى لَهُ ... وَأجر أَسبَاب الخداع وأنصب) (حَيْثُ العواذل والرقيب بمعزل ... عَنَّا وَحَيْثُ الْوَقْت وَقت طيب) (وَطلبت رشف الثغر مِنْهُ فَقَالَ لي ... مَا فِي الْوُجُود سوى المدامة يطْلب) (وَغدا ينادمني وكأس حَدِيثه ... أشهى إِلَيّ من الْعَتِيق وَأطيب) (وَأَقُول حِين رشفت صافي ثغره ... من بعد ثغرك مَا صفا لي مشرب) (قَالَ احسب الْقبل الَّتِي قبلتني ... فأجبت إِنَّا أمة لَا نحسب) (لله ليل كالنهار قطعته ... بالوصل لَا أخْشَى بِهِ مَا يرهب)

стр. 3468

(وَركبت مِنْهُ إِلَى التصابي أدهما ... من قبل أَن يَبْدُو لصبح أَشهب) (أَيَّام لَا مَاء الخدود يشوبه ... كدر العذار وَلَا عِذَارَيْ أشيب) (كم فِي مجَال اللَّهْو لي من جَوْلَة ... أضحت ترقص بِالسَّمَاعِ وتطرب) (وَلكم أتيت الْحَيّ أطلب غرَّة ... بعد الرحيل فَلم يلح لي مضرب) (ووقفت فِي رسم الديار وللبكا ... رسم عَليّ مُقَرر ومرتب) (وأقمت للندماء سوق خلاعة ... يجبى المجون إِلَيّ فِيهِ ويجلب) (ثمَّ انْتَبَهت وصبح شيبي قد محا ... ليل الشَّبَاب وَزَالَ ذَاك الغيهب) (وَرجعت عَن طرق الغواية مقلعا ... وسفين رشدي للسلامة مركب) (وَذكرت فِي عليا دمشق معشرا ... أم الزَّمَان بمثلهم لَا تنجب) (قوم بِحسن فعالهم وصفاتهم ... قد جَاءَ يعْتَذر الزَّمَان المذنب) (قوم مديحهم الْمُصدق فِي الورى ... ومديح أهل زمانهم فمكذب) (لَا تسْأَل القصاد عَن ناديهم ... لَكِن يدلهم الثَّنَاء الطّيب) (يَا من لحران الْفُؤَاد لطرفه ... لما تدمشق أدمع تتحلب) (أشتاق فِي وَادي دمشق معهدا ... كل الْجمال إِلَى حماه ينْسب) (مَا فِيهِ إِلَّا رَوْضَة أَو جوسق ... أَو جدول أَو بلبل أَو ربرب)

стр. 3469

(وَكَأن ذَاك النَّهر فِيهِ معصم ... بيد النسيم منقش ومكتب) (وَإِذا تكسر مَاؤُهُ أبصرته ... فِي الْحَال بَين رياضه يتشعب) (وشدت على العيدان ورق أطربت ... بغنائها من غَابَ عَنهُ المطرب) (فالورق تشدو والنسيم مشبب ... وَالنّهر يسْقِي والحدائق تشرب) (وضياعها ضَاعَ النسيم بهَا فكم ... أضحى لَهُ من بَيْننَا متطلب) (وحلت بقلبي من عَسَّال جنَّة ... فِيهَا لأرباب الخلاعة ملعب) (وَلكم طربت على السماع لجنكها ... وَغدا بربوتها اللِّسَان يشبب) (فَمَتَى أَزور معالما أَبْوَابهَا ... بسماحه كتب الْكِرَام تبوب) (وَأرى حمى قَاضِي الْقُضَاة فَإِنَّهُ ... حصن إِلَيْهِ من الزَّمَان الْمَهْرَب) (مَا زَالَ للْعُلَمَاء فِيهِ تعلم ... مِنْهُ وللأدباء فِيهِ تأدب) (كم طَالب للْعلم فِيهِ وطالب ... لِلْمَالِ تمّ لذا وَذَا مَا يطْلب) (عُلَمَاء أهل الأَرْض حِين تعدهم ... فِي الْفضل دون مقَامه تتذبذب) (وَله مَذَاهِب فِي المكارم حَاتِم ... لَو عَاشَ كَانَ بِمِثْلِهَا يتمذهب) (كثرت عطاياه فخلنا أَنه ... معن وحاشاه بذلك يلْعَب) (لله مِنْهُ مَكَارِم تاجية ... سبكية تبدو وَلَا تتحجب)

стр. 3470

(قَاض مقرّ الْعدْل فِي أبوابه ... فالجور من أرجائها لَا يقرب) (رَاض الْأُمُور فَأَقْبَلت منقادة ... وزمامها بيدَيْهِ لَا يستصعب) (مَا قدمُوا يَوْمًا علاهُ لمنصب ... إِلَّا علا قدرا وَقل المنصب) (يجْرِي الندى للواقفين بِبَابِهِ ... ويصوبهم مِنْهُ السَّحَاب الصيب) (قَاضِي الْقُضَاة كليم بعْدك لم يزل ... للقرب من ناديكم يترقب) (لَوْلَا تلهب قلبه بلظى النَّوَى ... مَا بَات وَهُوَ على اللِّقَاء يلهب) (وَلَقَد ذكرتك والوفود بِمَكَّة ... كل إِلَى الله الْمُهَيْمِن يرغب) (حطم الْحطيم ذنوبهم وبزمزم ... لَهُم مناهل وردهَا مستعذب) (والكعبة الغراء أسبل سترهَا ... ودعاؤنا من تَحْتَهُ لَا يحجب) (ولرحمة الرَّحْمَن من ميزابها ... للطائفين سَحَاب عَفْو يسْكب) (فطفقت أخْلص فِي الدُّعَاء وظننا ... أَن الْكَرِيم لذاك لَيْسَ يخيب) (ولفرط شوقي قد نظمت مدامعي ... عقدا يؤلف دره ويرتب) (ولماء جفني فِي الخدود تدفق ... ولنار قلبِي فِي الضلوع تلهب) (يَا ذَا الْأُصُول الصاحبية جودكم ... للْأَصْل فِي شرع الندى يستصحب) (وَلكم إِذا تَعب الْكِرَام من العطا ... يَوْم المكارم رَاحَة لَا تتعب) (هَا قد بعثت بهَا عروسا لَفظهَا ... بِالسحرِ يَأْخُذ بالقلوب ويخلب)
следующие страницы →