Полный текст (3 926 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وروى أَنه لما ضرب سَوْطًا قَالَ بِسم اللَّه فَلَمَّا ضرب الثَّانِي قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَلَمَّا ضرب الثَّالِث قَالَ الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق فَلَمَّا ضرب الرَّابِع قَالَ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كتب الله لنا﴾ فَضَربهُ تِسْعَة وَعشْرين سَوْطًا
وَكَانَت تكة أَحْمَد حَاشِيَة ثوب فَانْقَطَعت فَنزل السَّرَاوِيل إِلَى عانته فَرمى بطرفه إِلَى السَّمَاء وحرك شَفَتَيْه فَمَا كَانَ بأسرع من ثُبُوت السَّرَاوِيل عَلَى حَاله لم تتزحزح
قَالَ الرَّاوِي فَدخلت عَلَى أَحْمَد بعد سَبْعَة أَيَّام فَقلت يَا أَبَا عَبْد اللَّه رَأَيْتُك وَقد انحل سراويلك فَرفعت طرفك نَحْو السَّمَاء فَثَبت مَا الَّذِي قلت قَالَ قلت اللَّهم إِنِّي أَسأَلك بِاسْمِك الَّذِي مَلَأت بِهِ الْعَرْش إِن كنت تعلم أَنِّي عَلَى الصَّوَاب فَلَا تهتك لي سترا
وَفِي رِوَايَة لما أقبل الدَّم من أكتافه انْقَطع خيط السَّرَاوِيل وَنزل فَرفع طرفه إِلَى السَّمَاء فَعَاد من لحظته فَسئلَ أَحْمَد فَقَالَ قلت إلهي وسيدي وقفتني هَذَا الْموقف فَلَا تهتكني عَلَى رُءُوس الْخَلَائق
وَرُوِيَ أَنه كَانَ كلما ضرب سَوْطًا أَبْرَأ ذمَّة المعتصم فَسئلَ فَقَالَ كرهت أَن آتِي يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال هَذَا غَرِيم ابْن عَم النَّبِي ﷺ أَو رجل من أهل بَيت النَّبِي ﷺ
فَهَذَا مُخْتَصر من حَال الإِمَام أَحْمَد فِي المحنة رَحمَه اللَّه تَعَالَى وَرَضي عَنهُ
وَأما الْأُسْتَاذ أَحْمَد بْن نصر الْخُزَاعِيّ ذُو الْجنان وَاللِّسَان والثبات وَإِن اضْطربَ المهند والسنان والوثبات وَإِن مَلَأت نَار الْفِتْنَة كل مَكَان فَإِنَّهُ كَانَ شَيخا جَلِيلًا قوالا بِالْحَقِّ أمارا بِالْمَعْرُوفِ نهاء عَن الْمُنكر وَكَانَ من أَوْلَاد الْأُمَرَاء وَكَانَت محنته عَلَى يَد الواثق
стр. 387
قَالَ لَهُ مَا تَقول فِي الْقُرْآن قَالَ كَلَام اللَّه وأصر عَلَى ذَلِك غير متلعثم فَقَالَ بعض الْحَاضِرين هُوَ حَلَال الدَّم فَقَالَ ابْن أَبى دؤاد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ شيخ مختل لَعَلَّ بِهِ عاهة أَو تغير عقل يُؤَخر أمره ويستتاب فَقَالَ الواثق مَا أرَاهُ إِلَّا مُؤديا لكفره قَائِما بِمَا يَعْتَقِدهُ مِنْهُ ثمَّ دَعَا بالصمصامة وَقَالَ إِذا قُمْت إِلَيْهِ فَلَا يقومن أحد معي فَإِنِّي أحتسب خطاي إِلَى هَذَا الْكَافِر الَّذِي يعبد رَبًّا لَا نعبده وَلَا نعرفه بِالصّفةِ الَّتِي وَصفه بهَا ثمَّ أَمر بالنطع فأجلس عَلَيْهِ وَهُوَ مُقَيّد وَأمر أَن يشد رَأسه بِحَبل وَأمرهمْ أَن يمدوه وَمَشى إِلَيْهِ فَضرب عُنُقه وَأمر بِحمْل رَأسه إِلَى بَغْدَاد فَنصبت بالجانب الشَّرْقِي أَيَّامًا وَفِي الْجَانِب الغربي أَيَّامًا وتتبع رُؤُوس أَصْحَابه فسجنوا
وَقَالَ الْحَسَن بْن مُحَمَّد الْخرقِيّ سَمِعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّائِغ يَقُول رَأَيْت أَحْمَد بْن نصر حَيْثُ ضربت عُنُقه قَالَ رَأسه لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ
قَالَ الْمَرْوذِيّ سَمِعت أَبَا عَبْد اللَّه وَذكر أَحْمَد بْن نصر فَقَالَ ﵀ مَا كَانَ أسخاه لقد جاد بِنَفسِهِ
وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه الْحَافِظ فِي تَرْجَمَة أَبِي الْعَبَّاس أَحْمَد بْن سَعِيد الْمَرْوذِيّ وَهُوَ فِي الطَّبَقَة الْخَامِسَة من تَارِيخ نَيْسَابُورَ سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس السياري يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس بْن سعد يَقُول لم يصبر فِي المحنة إِلَّا أَرْبَعَة كلهم من أهل مرو أَحْمَد بْن حَنْبَل أَبُو عَبْد اللَّه وأَحْمَد بْن نصر بْن مَالك الْخُزَاعِيّ ومُحَمَّد بْن نوح بْن مَيْمُون الْمَضْرُوب ونعيم بْن حَمَّاد وَقد مَاتَ فِي السجْن مُقَيّدا
فَأَما أَحْمَد بْن نصر فَضربت عُنُقه وَهَذِه نُسْخَة الرقعة الْمُعَلقَة فِي أذن أَحْمَد بْن نصر بْن مَالك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا رَأس أَحْمَد بْن نصر بْن مَالك دَعَاهُ عَبْد اللَّه الإِمَام
стр. 388
هَارُون وَهُوَ الواثق بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَنفي التَّشْبِيه فَأبى إِلَّا المعاندة فَجعله اللَّه إِلَى ناره وَكتب مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك
وَمَات مُحَمَّد بْن نوح فى فتْنَة الْمَأْمُون
والمعتصم ضرب أَحْمد ابْن حَنْبَل
والواثق قتل أَحْمَد بْن نصر بْن مَالك وَكَذَلِكَ نعيم بْن حَمَّاد
وَلما جلس المتَوَكل دخل عَلَيْهِ عَبْد الْعَزِيز بْن يَحْيَى الْكِنَانِي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا رُؤِيَ أعجب من أَمر الواثق قتل أَحْمَد بْن نصر وَكَانَ لِسَانه يقْرَأ الْقُرْآن إِلَى أَن دفن قَالَ فَوجدَ المتَوَكل من ذَلِك وساءه مَا سَمعه فِي أَخِيه إِذْ دخل عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك الزيات فَقَالَ لَهُ يَا ابْن عَبْد الْملك فِي قلبِي من قتل أَحْمَد بْن نصر فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أحرقني اللَّه بالنَّار إِن قَتله أَمِير الْمُؤمنِينَ الواثق إِلَّا كَافِرًا
قَالَ وَدخل عَلَيْهِ هرثمة فَقَالَ يَا هرثمة فِي قلبِي من قتل أَحْمَد بْن نصر فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قطعني اللَّه إربا إربا إِن قَتله أَمِير الْمُؤمنِينَ الواثق إِلَّا كَافِرًا
قَالَ وَدخل عَلَيْهِ أَحْمَد بْن أَبِي دؤاد فَقَالَ يَا أَحْمَد فِي قلبِي من قتل أَحْمَد بْن نصر فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ضَرَبَنِي اللَّه بالفالج إِن قَتله أَمِير الْمُؤمنِينَ الواثق إِلَّا كَافِرًا
قَالَ المتَوَكل فَأَما الزيات فَأَنا أحرقته بالنَّار وَأما هرثمة فَإِنَّهُ هرب وتبدى واجتاز بقبيلة خُزَاعَة فَعرفهُ رجل من الْحَيّ فَقَالَ يَا معشر خُزَاعَة هَذَا الَّذِي قتل أَحْمَد بْن نصر فقطعوه إربا إربا
وَأما أَحْمَد بْن أَبِي دؤاد فقد سجنه اللَّه فِي جلده
قلت وَبَلغنِي وَمَا أرَاهُ إِلَّا فِي تَارِيخ الْحَاكِم أَن بعض الْأُمَرَاء خرج يتصيد فَأَلْقَاهُ السّير عَلَى أَرض فَنزل بهَا فبحث بعض غلمانه فِي التُّرَاب فحفر حَتَّى رَأْي مَيتا فِي قَبره طريا وَهُوَ فِي نَاحيَة وَرَأسه فِي نَاحيَة وفى أُذُنه رقْعَة عَلَيْهَا شئ مَكْتُوب فأحضر
стр. 389
من قَرَأَهُ فَإِذا هُوَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا رَأس أَحْمَد بْن نصر الْكَلِمَات السَّابِقَة فَعَلمُوا أَنه رَأس أَحْمَد الْخُزَاعِيّ فَدفن وَرفع سَنَام قَبره وَكَانَ هَذَا فِي زمن الْحَاكِم أَبِي عَبْد اللَّه الْحَافِظ وَهُوَ عَلَى طراوته وَكَيف لَا وَهُوَ شَهِيد ﵀ وَرَضي عَنهُ
وَقد طَال أَمر هَذِهِ الْفِتْنَة وطار شررها واستمرت من هَذِهِ السّنة الَّتِي هِيَ سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ إِلَى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ فَرَفعهَا المتَوَكل فِي مَجْلِسه وَنهى عَن القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَكتب بذلك إِلَى الْآفَاق وتوفر دُعَاء الْخلق لَهُ وبالغوا فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ والتعظيم لَهُ حَتَّى قَالَ قَائِلهمْ الْخُلَفَاء ثَلَاثَة أَبُو بكر الصّديق يَوْم الرِّدَّة وَعمر بْن عَبْد الْعَزِيز فِي رد الْمَظَالِم والمتوكل فِي إحْيَاء السّنة
وَسكت النَّاس عَن ذنُوب المتَوَكل وَقد كَانَت الْعَامَّة تنقم عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ أَحدهمَا أَنه ندب لدمشق أفريدون التركي أحد مماليكه وسيره واليا عَلَيْهَا وَكَانَ ظَالِما فاتكا فَقدم فِي سَبْعَة آلَاف فَارس وأباح لَهُ المتَوَكل الْقَتْل فِي دمشق والنهب عَلَى مَا نقل إِلَيْنَا ثَلَاث سَاعَات فَنزل بِبَيْت لهيا وَأَرَادَ أَن يصبح الْبَلَد فَلَمَّا أصبح نظر إِلَى الْبَلَد وَقَالَ يَا يَوْم تصبحك مني فَقدمت لَهُ بغلة فضربته بِالزَّوْجِ فَقتلته وقبره بِبَيْت لهيا ورد الْجَيْش الَّذِي مَعَه خائبين وَبلغ المتَوَكل فصلحت نِيَّته لأهل دمشق
وَالثَّانِي أَنه أَمر بهدم قبر الْحُسَيْن ﵁ وَهدم مَا حوله من الدّور وَأَن يعْمل مزارع وَمنع النَّاس من زيارته وحرث وَبَقِي صحراء فتألم الْمُسلمُونَ لذَلِك وَكتب أهل بَغْدَاد شَتمه عَلَى الْحِيطَان والمساجد وهجاه دعبل وَغَيره من الشُّعَرَاء وَقَالَ قَائِلهمْ
(بِاللَّه إِن كَانَت أُميَّة قد أَتَت ... قتل ابْن بنت نبيها مَظْلُوما)
(فَلَقَد أَتَاهُ بَنو أَبِيه بِمثلِهِ ... هَذَا لعمرك قَبره مهدوما)
(أسفوا عَلَى أَن لَا يَكُونُوا شاركوا ... فِي قَتله فتتبعوه رميما)
стр. 390
قلت لقد كَانَت هَاتَانِ الواقعتان الفظيعتان فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَرفع المحنة قبلهَا بِسنتَيْنِ فَهِيَ ذنُوب لاحقة لرفع الْفِتْنَة لَا سَابِقَة عَلَيْهَا
وَكَانَ من الْأَسْبَاب فِي رفع الْفِتْنَة أَن الواثق أُتِي بشيخ مُقَيّد فَقَالَ لَهُ ابْن أَبِي دؤاد يَا شيخ مَا تَقول فِي الْقُرْآن أمخلوق هُوَ
فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ لم تنصفني الْمَسْأَلَة أَنا أَسأَلك قبل الْجَواب هَذَا الذى تَقوله يَا ابْن أَبى دؤاد من خلق الْقُرْآن شئ علمه رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ أَو جهلوه
فَقَالَ بل علموه
فَقَالَ فَهَل دعوا إِلَيْهِ النَّاس كَمَا دعوتهم أَنْت أَو سكتوا
قَالَ بل سكتوا
قَالَ فَهَلا وسعك مَا وسعهم من السُّكُوت
فَسكت ابْن أَبِي دؤاد وأعجب الواثق كَلَامه وَأمر بِإِطْلَاق سَبيله وَقَامَ الواثق من مَجْلِسه وَهُوَ عَلَى مَا حكى يَقُول هلا وسعك مَا وسعهم يُكَرر هَذِهِ الْكَلِمَة وَكَانَ ذَلِك من الْأَسْبَاب فِي خمود الْفِتْنَة وَإِن كَانَ رَفعهَا بِالْكُلِّيَّةِ إِنَّمَا كَانَ عَلَى يَد المتَوَكل
وَهَذَا الَّذِي أوردناه فِي هَذِهِ الْحِكَايَة هُوَ مَا ثَبت من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَمِنْهُم من زَاد فِيهَا مَا لَا يثبت فاضبط مَا أَثْبَتْنَاهُ ودع مَا عداهُ فَلَيْسَ عِنْد ابْن أَبِي دؤاد من الْجَهْل مَا يصل بِهِ إِلَى أَن يَقُول جهلوه وَإِنَّمَا نِسْبَة هَذَا إِلَيْهِ تعصب عَلَيْهِ وَالْحق وسط فَابْن أَبِي دؤاد مُبْتَدع ضال مُبْطل لَا محَالة وَلَا يَنْتَهِي أمره إِلَى أَن يَدعِي أَن شَيْئا ظهر لَهُ وخفي عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين كَمَا حُكيَ عَنهُ فِي هَذِهِ الْحِكَايَة فَهَذَا معَاذ اللَّه أَن يَقُوله أَو يَظُنّهُ أحد يتزيى بزِي الْمُسلمين وَلَو فَاه بِهِ ابْن أَبِي دؤاد لفرق الواثق من سَاعَته بَين رَأسه وبدنه
وَشَيخنَا الذَّهَبِيّ وَإِن كَانَ فِي تَرْجَمَة ابْن أَبِي دؤاد حكى الْحِكَايَة عَلَى الْوَجْه الَّذِي لَا نرضاه فقد أوردهَا فِي تَرْجَمَة الواثق من غير مَا وَجه عَلَى الْوَجْه الثَّابِت
стр. 391
ولنقطع عنان الْكَلَام فِي هَذِهِ الْفِتْنَة فَفِيمَا أوردناه فِيهَا مقنع وبلاغ وَقد أعلمناك أَنَّهَا لَبِثت شطرا من خلَافَة الْمَأْمُون واستوعبت خلَافَة المعتصم والواثق وَارْتَفَعت فِي خلَافَة المتَوَكل وَقد كَانَ الْمَأْمُون الَّذِي افتتحت فِي أَيَّامه
وَهُوَ عَبْد اللَّه الْمَأْمُون بْن هَارُون الرشيد مِمَّن عني بالفلسفة وعلوم الْأَوَائِل وَمهر فِيهَا وَاجْتمعَ عَلَيْهِ جمع من علمائها فجره ذَلِك إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَذكر المؤرخون أَنه كَانَ بارعا فِي الْفِقْه والعربية وَأَيَّام النَّاس وَلكنه كَانَ ذَا حزم وعزم وحلم وَعلم ودهاء وهيبة وذكاء وسماحة وفطنة وفصاحة وَدين
قِيلَ ختم فِي رَمَضَان ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ختمة وَصعد فِي يَوْم منبرا وَحدث فأورد بِسَنَدِهِ نَحوا من ثَلَاثِينَ حَدِيثا بِحُضُور القَاضِي يَحْيَى بْن أَكْثَم ثمَّ قَالَ لَهُ يَا يَحْيَى كَيفَ رَأَيْت مَجْلِسنَا فَقَالَ أجل مجْلِس يفقه الْخَاصَّة والعامة فَقَالَ مَا رَأَيْت لَهُ حلاوة إِنَّمَا الْمجْلس لأَصْحَاب الخلقان والمحابر
وَقيل تقدم إِلَيْهِ رجل غَرِيب بِيَدِهِ محبرة وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ صَاحب حَدِيث مُنْقَطع بِهِ السبل فَقَالَ مَا تحفظ فِي بَاب كَذَا فَلم يذكر شَيْئا قِيلَ فَمَا زَالَ الْمَأْمُون يَقُول حَدثنَا هشيم وَحدثنَا يَحْيَى وَحدثنَا حجاج حَتَّى ذكر الْبَاب ثمَّ سَأَلَهُ عَن بَاب آخر فَلم يذكر فِيهِ شَيْئا فَقَالَ الْمَأْمُون حَدثنَا فلَان وَحدثنَا فلَان إِلَى أَن قَالَ لأَصْحَابه يطْلب أحدهم الحَدِيث ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ يَقُول أَنا من أَصْحَاب الحَدِيث أَعْطوهُ ثَلَاثَة دَرَاهِم قلت وَكَانَ الْمَأْمُون من الْكَرم بمَكَان مكين بِحَيْثُ إِنَّه فرق فِي سَاعَة سِتَّة وَعشْرين ألف ألف دِرْهَم وحكايات مكارمه تستوعب الأوراق وَإِنَّمَا اقْتصر فِي عَطاء هَذَا السَّائِل فِيمَا نرَاهُ وَالله أعلم لما رأى مِنْهُ من التمعلم وَلَيْسَ هُوَ هُنَاكَ وَلَعَلَّه فهم عَنهُ التعاظم بِالْعلمِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ شَأْن كثير مِمَّن يدْخل إِلَى الْأُمَرَاء ويظنهم جهلة عَلَى الْعَادة الْغَالِبَة
وَكَانَ الْمَأْمُون كثير الْعَفو والصفح
وَمن كَلَامه لَو عرف النَّاس حبي للعفو لتقربوا إِلَي بالجرائم وأخاف أَن لَا أؤجر فِيهِ يَعْنِي لكَونه طبعا لَهُ
стр. 392
قَالَ يَحْيَى بْن أَكْثَم كَانَ الْمَأْمُون يحلم حَتَّى يغيظنا
وَقيل إِن ملاحا مر والمأمون جَالس فَقَالَ أتظنون أَن هَذَا ينبل فِي عَيْني وَقد قتل أَخَاهُ الْأمين يُشِير إِلَى الْمَأْمُون فَسَمعهُ الْمَأْمُون وَظن الْحَاضِرُونَ أَنه سيقضي عَلَيْهِ فَلم يزدْ الْمَأْمُون عَلَى أَن تَبَسم وَقَالَ مَا الْحِيلَة حَتَّى أنبل فِي عين هَذَا السَّيِّد الْجَلِيل
ولسنا نستوعب تَرْجَمَة الْمَأْمُون فَإِن الأوراق تضيق بهَا وَكِتَابنَا غير مَوْضُوع لَهَا وَإِنَّمَا غرضنا أَنه كَانَ من أهل الْعلم وَالْخَيْر وجره الْقَلِيل الَّذِي كَانَ يدريه من عُلُوم الْأَوَائِل إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن كَمَا جَرّه الْيَسِير الَّذِي كَانَ يدريه فِي الْفِقْه إِلَى القَوْل بِإِبَاحَة مُتْعَة النِّسَاء ثمَّ كَانَ ملكا مُطَاعًا فَحمل النَّاس عَلَى معتقده وَلَقَد نَادَى بِإِبَاحَة مُتْعَة النِّسَاء ثمَّ لم يزل بِهِ يحيى بْن أَكْثَم ﵀ حَتَّى أبطلها وَرُوِيَ لَهُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنَيِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِمَا مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَلَمَّا صَحَّحَ لَهُ الْحَدِيثَ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ وَأما مسأله خلق الْقُرْآن فَلم يرجع عَنْهَا
وَكَانَ قد ابْتَدَأَ بالْكلَام فِيهَا فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَلَكِن لم يصمم وَيحمل النَّاس إِلَّا فِي سنة ثَمَان عشرَة ثمَّ عوجل وَلم يُمْهل بل توجه غازيا إِلَى أَرض الرّوم فَمَرض وَمَات فِي سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ
واستقل بالخلافة بعده أَخُوهُ المعتصم بِاللَّه مُحَمَّد بْن هَارُون الرشيد بِعَهْد مِنْهُ وَكَانَ ملكا شجاعا بطلا مهيبا وَهُوَ الَّذِي فتح عمورية وَقد كَانَ المنجمون قضوا بِأَنَّهُ يكسر فانتصر نصرا مؤزرا وَأنْشد فِيهِ أَبُو تَمام الطَّائِي قصيدته السائرة الَّتِي أَولهَا
(السَّيْف أصدق أنباء من الْكتب ... فِي حَده الْحَد بَين الْجد واللعب)
(وَالْعلم فِي شهب الأرماح لامعة ... بَين الخميسين لَا فِي السَّبْعَة الشهب)
стр. 393
(أَيْن الرِّوَايَة أم أَيْن النُّجُوم وَمَا ... صاغوه من زخرف فِيهَا وَمن كذب)
(تخرصا وأحاديثا ملفقة ... لَيست بنبع إِذا عدت وَلَا غرب)
وَلَقَد تضيق الأوراق عَن شرح مَا كَانَ عَلَيْهِ من الشجَاعَة والمهابة والمكارم وَالْأَمْوَال والحيل والدهاء وَكَثْرَة العساكر وَالْعدَد وَالْعدَد
قَالَ الْخَطِيب ولكثرة عساكره وضيق بَغْدَاد عَنهُ بنى سر من رأى وانتقل بالعساكر إِلَيْهَا وَسميت الْعَسْكَر
وَقيل بلغ عدد غلمانه الأتراك فَقَط سَبْعَة عشر ألفا
وَقيل إِنَّه كَانَ عريا من الْعلم مَعَ أَنه رويت عَنهُ كَلِمَات تدل عَلَى فَصَاحَته ومعرفته
قَالَ أَبُو الْفضل الرياشي كتب ملك الرّوم لَعنه اللَّه إِلَى المعتصم يهدده فَأمر بجوابه فَلَمَّا قرئَ عَلَيْهِ الْجَواب لم يرضه وَقَالَ لِلْكَاتِبِ اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أما بعد فقد قَرَأت كتابك وَسمعت خطابك وَالْجَوَاب مَا ترى لَا مَا تسمع ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار﴾
وَمن كَلَامه اللَّهم إِنَّك تعلم أَنِّي أخافك من قبلي وَلَا أخافك من قبلك وأرجوك من قبلك وَلَا أرجوك من قبلي
قلت وَالنَّاس يستحسنون هَذَا الْكَلَام مِنْهُ وَمَعْنَاهُ أَن الْخَوْف من قبلي لما اقترفته من الذُّنُوب لَا من قبلك فَإنَّك عَادل لَا تظلم فلولا الذُّنُوب لما كَانَ للخوف معنى وَأما الرَّجَاء فَمن قبلك لِأَنَّك متفضل لَا من قبلي لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي من الطَّاعَات والمحاسن مَا أرتجيك بهَا
والشق الثَّانِي عندنَا صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ وَأما الأول فَإنَّا نقُول إِن الرب تَعَالَى نَخَاف
стр. 394
من قبله كَمَا نَخَاف من قبلنَا لِأَنَّهُ الْملك القهار يخافه الطائعون والعصاة وَهَذَا وَاضح لمن تدبره
قَالَ المؤرخون وَمَعَ كَونه كَانَ لَا يدْرِي شَيْئا من الْعلم حمل النَّاس عَلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن
قلت لِأَن أَخَاهُ الْمَأْمُون أوصى إِلَيْهِ بذلك وانضم إِلَى ذَلِك القَاضِي أَحْمَد بْن أَبِي دؤاد وَأَمْثَاله من فُقَهَاء السوء فَإِنَّمَا يتْلف السلاطين فسقة الْفُقَهَاء فَإِن الْفُقَهَاء مَا بَين صَالح وطالح فالصالح غَالِبا لَا يتَرَدَّد إِلَى أَبْوَاب الْمُلُوك والطالح غَالِبا يترامى عَلَيْهِم ثمَّ لَا يَسعهُ إِلَّا أَن يجْرِي مَعَهم عَلَى أهوائهم ويهون عَلَيْهِم العظائم وَلَهو عَلَى النَّاس شَرّ من ألف شَيْطَان كَمَا أَن صَالح الْفُقَهَاء خير من ألف عَابِد وَلَوْلَا اجْتِمَاع فُقَهَاء السوء عَلَى المعتصم لنجاه اللَّه مِمَّا فرط مِنْهُ وَلَو أَن الَّذين عِنْده من الْفُقَهَاء عَلَى حق لأروه الْحق أَبْلَج وَاضحا ولأبعدوه عَن ضرب مثل الإِمَام أَحْمَد وَلَكِن مَا الْحِيلَة وَالزَّمَان بني عَلَى هَذَا وَبِهَذَا تظهر حِكْمَة اللَّه فِي خلقه
وَلَقَد كَانَ شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين الْوَالِد ﵀ يقوم فِي الْحق ويفوه بَين يَدي الْأُمَرَاء بِمَا لَا يقوم بِهِ غَيره فيذعنون لطاعته ثمَّ إِذا خرج من عِنْدهم دخل إِلَيْهِم من فُقَهَاء السوء من يعكس ذَلِك الْأَمر وينسب الشَّيْخ الإِمَام إِلَى خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَا ينْدَفع شئ من الْمَفَاسِد بل يزْدَاد الْحَال وَلَقَد قَالَ مرّة لبَعض الْأُمَرَاء وَقد رأى عَلَيْهِ طرزا من ذهب عريضا عَلَى قبَاء حَرِير يَا أَمِير أَلَيْسَ فِي الثِّيَاب الصُّوف مَا هُوَ أحسن من هَذَا الْحَرِير أَلَيْسَ فِي السكندري مَا هُوَ أظرف من هَذَا الطرز أَي لَذَّة لَك فِي لبس الْحَرِير وَالذَّهَب وعَلى أى شئ يدْخل الْمَرْء جَهَنَّم وعذله فِي ذَلِك حَتَّى قَالَ لَهُ ذَلِك الْأَمِير اشْهَدْ عَلَي أَنِّي لَا ألبس بعْدهَا حَرِيرًا وَلَا طرزا وَقد تركت ذَلِك لله عَلَى يَديك فَلَمَّا فَارقه جَاءَهُ من أعرفهُ من الْفُقَهَاء وَقَالَ لَهُ أما الطرز فقد جوز أَبُو حنيفَة مَا دون أَرْبَعَة أَصَابِع وَأما الْحَرِير
стр. 395
فقد أَبَاحَهُ فلَان وَأما وَأما وَرخّص لَهُ ثمَّ قَالَ لَهُ لم لَا نهى عَن المكوس لم لَا نهى عَن كَذَا وَكَذَا وَذكر مَا لَو نهى الشَّيْخ الإِمَام أَو غَيره عَنهُ لما أَفَادَ وَقَالَ لَهُ إِنَّمَا قصد بِهَذَا إهانتك وَأَن يبين للنَّاس أَنَّك تعْمل حَرَامًا فَلم يخرج من عِنْده حَتَّى عَاد إِلَى حَاله الأول وحنق عَلَى الشَّيْخ الإِمَام وظنه قصد تنقيصه عِنْد الْخلق وَلم يكن قصد هَذَا الْفَقِيه إِلَّا إِيقَاع الْفِتْنَة بَين الشَّيْخ الإِمَام والأمير وَلَا عَلَيْهِ أَن يُفْتِي بِمحرم فِي قَضَاء غَرَضه
وَهَذَا الْمِسْكِين لم يكن يخفى عَلَيْهِ أَن ترك النَّهْي عَمَّا لَا يُفِيد النَّهْي عَنهُ من الْمَفَاسِد لَا يُوجب الْإِمْسَاك عَن غَيره وَلَكِن حمله هَوَاهُ عَلَى الْوُقُوع فِي هَذِهِ العظائم والأمير مِسْكين لَيْسَ لَهُ من الْعلم وَالْعقل مَا يُمَيّز بِهِ
والحكايات فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة ومسك اللِّسَان أولى وَالله الْمُسْتَعَان
وَمَات المعتصم فِي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَولى الواثق بِاللَّه أَبُو جَعْفَر هَارُون ابْن المعتصم بْن الرشيد وَكَانَ مليح الشّعْر يرْوى أَنه كَانَ يحب خَادِمًا أهدي لَهُ من مصر فأغضبه الواثق يَوْمًا ثمَّ إِنَّه سَمعه يَقُول لبَعض الخدم وَالله إِنَّه ليروم أَن ُأكَلِّمهُ من أمس فَمَا أفعل فَقَالَ الواثق
(يَا ذَا الَّذِي بعذابي ظلّ مفتخرا ... مَا أَنْت إِلَّا مليك جَار إِذْ قدرا)
(لَوْلَا الْهوى لتجارينا عَلَى قدر ... وَإِن أفق مِنْهُ يَوْمًا مَا فَسَوف ترى)
وَقد ظرف عبَادَة الملقب بِعبَادة المخنث حَيْثُ دخل إِلَيْهِ وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعظم اللَّه أجرك فِي الْقُرْآن قَالَ وَيلك الْقُرْآن يَمُوت قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كل مَخْلُوق يَمُوت بِاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من يُصَلِّي بِالنَّاسِ التَّرَاوِيح إِذا مَاتَ الْقُرْآن فَضَحِك الْخَلِيفَة وَقَالَ قَاتلك اللَّه أمسك
قَالَ الْخَطِيب وَكَانَ ابْن أَبِي دؤاد قد استولى عَلَيْهِ وَحمله عَلَى التَّشْدِيد فِي المحنة
стр. 396
قلت وَكَيف لَا يشدد الْمِسْكِين فِيهَا وَقد أقرُّوا فِي ذهنه أَنَّهَا حق يقربهُ إِلَى اللَّه حَتَّى إِنَّه لما كَانَ الْفِدَاء فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ واستفك الواثق من طاغية الرّوم أَرْبَعَة آلَاف وسِتمِائَة نفس قَالَ ابْن أَبِي دؤاد عَلَى مَا حُكيَ عَنهُ وَلَكِن لم يثبت عندنَا من قَالَ من الْأُسَارَى الْقُرْآن مَخْلُوق خلصوه وَأَعْطوهُ دينارين وَمن امْتنع دَعوه فِي الْأسر وَهَذِه الْحِكَايَة إِن صحت عَنهُ دلّت عَلَى جهل عَظِيم وإفراط فِي الْكفْر
وَهَذَا من الطّراز الأول فَإِذا رأى الْخَلِيفَة قَاضِيا يَقُول هَذَا الْكَلَام أَلَيْسَ يوقعه ذَلِك فِي أَشد مِمَّا وَقع مِنْهُ فنعوذ بِاللَّه من عُلَمَاء السوء ونسأله التَّوْفِيق والإعانة ونعود إِلَى الْكَلَام فِي تَرْجَمَة الإِمَام أَحْمَد
مناظرة بَين الشَّافِعِي وأَحْمَد ابْن حَنْبَل ﵄
حُكيَ أَن أَحْمَد نَاظر الشَّافِعِي فِي تَارِك الصَّلَاة فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي يَا أَحْمَد أَتَقول إِنَّه يكفر
قَالَ نعم
قَالَ إِذا كَانَ كَافِرًا فَبِمَ يسلم
قَالَ يَقُول لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ
قَالَ الشَّافِعِي فالرجل مستديم لهَذَا القَوْل لم يتْركهُ
قَالَ يسلم بِأَن يُصَلِّي
قَالَ صَلَاة الْكَافِر لَا تصح وَلَا يحكم بِالْإِسْلَامِ بهَا فَانْقَطع أَحْمَد وَسكت حكى هَذِهِ المناظرة أَبُو عَلِيّ الْحَسَن بْن عمار من أَصْحَابنَا وَهُوَ رجل موصلي من تلامذة فَخر الْإِسْلَام الشَّاشِي
رَأَيْت فِي تَارِيخ نَيْسَابُورَ للْحَاكِم فِي تَرْجَمَة الْحَافِظ مُحَمَّد بْن رَافع
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفضل حَدثنَا أَحْمَد بْن سَلمَة قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بْن رَافع يَقُول سَمِعت أَحْمد ابْن حَنْبَل يَقُول إِذا قَالَ الْمُؤَذّن فِي أَذَانه صلوا فِي الرّحال فلك أَن تتخلف وَإِن لم يقل فقد وَجب عَلَيْك إِذا قَالَ حَيّ عَلَى الصَّلَاة حَيّ عَلَى الْفَلاح
стр. 397
وَأسْندَ الرِّفَاعِي فِي أَمَالِيهِ أَن أَبَا الْوَلِيد الجرار قَالَ أنشدت بَين يَدي الإِمَام أَحْمَد ابْن حَنْبَل ﵀ وَرَضي عَنهُ
(وأحور مَحْمُود عَلَى حسن وَجهه ... يزِيد كمالا حِين يَبْدُو عَلَى الْبَدْر)
(دَعَاني بِعَيْنيهِ فَلَمَّا أَجَبْته ... رماني بنشاب الْمنية والهجر)
(وكلفني صبرا عَلَيْهِ فَلم أطق ... كَمَا لم يطق مُوسَى اصطبارا عَلَى الْخضر)
(شَكَوْت الْهوى يَوْمًا إِلَيْهِ فَقَالَ لي ... مُسَيْلمَة الْكذَّاب جَاءَ من الْقَبْر)
(أَطَعْت الْهوى لَا بَارك اللَّه فِي الْهوى ... فأنزلني دَار المذلة والصغر)
فَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل صدق الشَّاعِر لَا بَارك اللَّه فِي الْهوى
وروى الْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه فِي تَارِيخ نَيْسَابُورَ فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بْن نصر الْفراء وَهُوَ فِي الطَّبَقَة الْخَامِسَة أَنه سمع أَحْمَد بْن حَنْبَل يَقُول حَدثنَا الشَّافِعِي عَن مَالك بْن أنس عَن ابْن عجلَان قَالَ إِذا أغفل الْعَالم لَا أَدْرِي أُصِيبَت مقاتله وَإِن أَحْمَد بْن حَنْبَل قَالَ لم يسمع مَالك من ابْن عجلَان إِلَّا هَذَا قلت هَذِهِ فَائِدَة
أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ بْنُ الزَّكِيِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِزِّيُّ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي الْيُسْرِ قِرَاءَةً عَلَيْهِمَا وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ الأَوَّلُ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبٍ وَالْمُسْلِمُ بْنُ عَلانَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ مَكِّيِّ ابْن كَامِلٍ الْحَرَّانِيُّ وَقَالَ الثَّانِي أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْيُسْرِ سَمَاعًا قَالُوا أَخْبَرَنَا حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَليّ ابْن الْمُذْهِبِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمْدَانَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ حَدثنَا أَبِي ﵁ حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ﵁ عَنْ نَافِعٍ ﵁ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يبع
стр. 398
بَعْضُكُم عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) وَنَهَى عَنِ النَّجَشِ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلا وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلا
هَذَا الْحَدِيثُ مُسْتَحْسَنُ الإِسْنَادِ لِرِوَايَةِ الأَكَابِرِ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلُهُ فِي تَرْجَمَةِ الْمُزَنِيِّ وَأَنَا أُسَمِّي هَذَا الإِسْنَادَ عِقْدَ الْجَوْهَرِ وَإِذَا سُمِّيَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سِلْسِلَةَ الذَّهَبِ فَقُلْ إِذَا شِئْتَ فِي أَحْمَدَ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالْمُزَنِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ هَكَذَا والبويطى عَن الشافعى هَكَذَا وَهَذَا عِقْدُ الْجَوْهَرِ وَلا حَرَجَ عَلَيْكَ
وَلَيْسَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ رِوَايَةُ أَحْمَدَ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ
٨ - أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن جبلة أَبُو عَبْد اللَّه الصَّيْرَفِي الْبَغْدَادِيّ
سمع الشَّافِعِي وَغَيره
стр. 399
٩ - أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الْوَلِيد
وَيُقَال عون بْن عقبَة بْن الْأَزْرَق بْن عَمْرو بْن الْحَارِث بْن أَبِي شمر الْأَزْرَقِيّ القواس الْمَكِّيّ أَبُو الْوَلِيد وَقيل أَبُو مُحَمَّد وَقيل أَبُو الْحَسَن
وَهُوَ جد صَاحب تَارِيخ مَكَّة
رَوَى عَن عَمْرو بْن يَحْيَى بْن سَعِيد الْأمَوِي وَمَالك وَعبد الْجَبَّار بْن الْورْد وإِبْرَاهِيم بْن سعد وفضيل بْن عِيَاض وَمُسلم بْن خَالِد الزنْجِي وَجَمَاعَة
رَوَى عَنهُ البُخَارِيّ ومُحَمَّد بْن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ وَأَبُو حَاتِم وحنبل بْن إِسْحَاق وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن نصر التِّرْمِذِيّ شيخ الشَّافِعِيَّة وَلَعَلَّه آخر من رَوَى عَنهُ
توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ عَلَى مَا حَرَّره شَيخنَا الذَّهَبِيّ وَوهم بَعضهم فَقَالَ سنة ثِنْتَيْ عشرَة وأظن الْوَهم سرى إِلَى هَذَا الْقَائِل من قَول البُخَارِيّ فارقته حَيا سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَقد صَحَّ أَنه كَانَ حَيا سنة سبع عشرَة وَمن ثمَّ قَالَ ابْن عَسَاكِر مَاتَ سنة سبع عشرَة أَو بعْدهَا
قلت الصَّحِيح سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين
١٠ - أَحْمَد بْن يَحْيَى بْن عَبْد الْعَزِيز الْبَغْدَادِيّ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن الشَّافِعِي الْمُتَكَلّم
حدث عَن الشَّافِعِي والْوَلِيد بْن مُسلم الثَّقَفِيّ
روى عَنهُ أَبُو جَعْفَر الْحَضْرَمِيّ مطين
стр. 400
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ من كبار أَصْحَاب الشَّافِعِي الملازمين لَهُ بِبَغْدَاد ثمَّ صَار من أَصْحَاب ابْن أَبِي دؤاد وَاتبعهُ عَلَى رَأْيه وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق
وَقَالَ أَبُو عَاصِم هُوَ أحد الْحفاظ النساك الْمُفْتِينَ قَالَ وَالشَّافِعِيّ مَنعه من قِرَاءَة كتبه لِأَنَّهُ كَانَ فِي بَصَره سوء
وَقَالَ زَكَرِيَّا السَّاجِي قلت لأبي دَاوُد السجسْتانِي من أَصْحَاب الشَّافِعِي فَقَالَ الْحميدِي وأَحْمَد والبويطي وَالربيع وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْجَارُود والزعفراني والكرابيسي والمزني وحرملة وَرجل لَيْسَ بالمَحْمُود أَبُو عَبْد الرَّحْمَن أَحْمَد بْن يَحْيَى الَّذِي يُقَال لَهُ الشَّافِعِي وَذَلِكَ أَنه بدل وَقَالَ بالاعتزال
قلت وَقَالَ أَيْضًا بمنكرات من الْمسَائِل
فَذهب فِيمَا نَقله أَبُو الْحَسَن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه المرشد شرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ إِلَى أَن الطَّلَاق لَا يَقع بِالصِّفَاتِ محتجا بِأَنَّهُ لما لم يجز نِكَاح الْمُتْعَة لِأَنَّهُ عقد مُعَلّق بِصفة فَكَذَلِك الطَّلَاق بِصفة عقد مُعَلّق وَهَذَا قَول بَاطِل هاجم عَلَى خرق الْإِجْمَاع وَهُوَ مثل قَول الظَّاهِرِيَّة كَمَا صرح بِهِ ابْن حزم فِي الْمحلى وَغَيره
أَن من قَالَ إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر فَأَنت طَالِق أَو ذكر وقتا مَا فَلَا تكون طَالقا بذلك لَا الْآن وَلَا إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر وَلَعَلَّ هَذَا من مُفْرَدَات الظَّاهِرِيَّة
وَقد أَطَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد الْكَلَام عَلَى هَذَا وحرر مُخَالفَته للْإِجْمَاع فِي كِتَابه الرَّد عَلَى ابْن تَيْمِية فِي مَسْأَلَة الطَّلَاق كتاب التَّحْقِيق الَّذِي هُوَ من أجل تصانيف الشَّيْخ الإِمَام
стр. 401
قَرَأْتُ عَلَى الْمُسْنِدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَبَّازِ أَخْبَرَكَ الْمُسْلِمُ بْنُ عَلانَ كِتَابَةً أَخْبَرَنَا أَبُو الْيُمْنِ الْكِنْدِيّ أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز أخبرنَا الْخَطِيب أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَوَالِيقِيُّ مِنَ الْكُوفَةِ فَذَكَرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي حُصَيْنٍ الْهَمْدَانِيَّ أَخْبَرَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ قِرَاءَةً حَدثنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ حَدثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي حُصَيْنٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ حَدثنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيُّ حَدثنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدثنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدثنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعٍ عَنْ رَافِعٍ قَالَ كُنَّا نُصَّلِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ ثُمَّ نَنْحَرُ الْجَزُورَ فَتُجَزَّأُ عَشْرَةَ أَجْزَاءٍ ثُمَّ تُطْبَخُ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ نُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
١١ - أَحْمَد بْن يَحْيَى بْن الْوَزير بْن سُلَيْمَان بْن المُهَاجر التجِيبِي أَبُو عَبْد اللَّه الْمصْرِيّ الْحَافِظ النَّحْوِيّ
مَوْلَاهُم أحد الْأَئِمَّة
رَوَى عَن عَبْد اللَّه بْن وهب وَشُعَيْب بْن اللَّيْث وَأصبغ بْن الْفرج وَجَمَاعَة رَوَى عَنهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ ثِقَة والْحُسَيْن بْن يَعْقُوب الْمصْرِيّ وَأَبُو بكر بْن أَبِي دَاوُد وَآخَرُونَ
стр. 402
ولد سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَكَانَ من أعلم أهل زَمَانه بالشعر وَالْأَدب والغريب وَأَيَّام النَّاس وَصَحب الشَّافِعِي وتفقه لَهُ وَكَانَ يتَقَبَّل فِيمَا ذكر بَعضهم أَي يسْتَأْجر الْأَرَاضِي للزَّرْع وَيعْمل الفلاحة فانكسر عَلَيْهِ بعض الْخراج فحبسه أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الْمُدبر عَلَى مَا انْكَسَرَ عَلَيْهِ فَمَاتَ فِي السجْن لست خلون من شَوَّال سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ فِيمَا ذكر بَعضهم وَذكر آخَرُونَ أَنه إِنَّمَا مَاتَ سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ فِي الشَّهْر الْمَذْكُور فِي السجْن بِمصْر
قَالَ زَكَرِيَّا السَّاجِي بَلغنِي عَن مُحَمَّد بْن الْوَزير أَنه قَالَ مَا شرب الشَّافِعِي من كوز مَرَّتَيْنِ وَلَا عَاد فِي جماع جَارِيَة مَرَّتَيْنِ ذكر ذَلِك الْحَاكِم فِي مَنَاقِب الشَّافِعِي ورأيته كَذَا بِخَط بعض الْمُحدثين مُحَمَّد بْن الْوَزير وَإِنَّمَا هُوَ أَحْمَد بْن يحيى ابْن الْوَزير
١٢ - أَحْمد بن أَبى شُرَيْح الرازى
ذكر الْعَبَّادِيّ أَنه قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول مَا تخَلّل الْإِنْسَان بخلال من بَين أَسْنَانه فليقذفه وَمَا أخرجه بِأُصْبُعِهِ فليأكله قَالَ أَبُو عَاصِم وَفِيه أثر كلوا الوغم واطرحوا الفغم والوغم مَا تساقط من الطَّعَام والفغم مَا تعلق بَين الْأَسْنَان مِنْهُ أَي كلوا فتات الطَّعَام وَارْمُوا مَا يُخرجهُ الْخلال
١٣ - مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الحكم بْن أعين بْن لَيْث الإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمصْرِيّ
أَخُو عَبْد الرَّحْمَن وَسعد
ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة
стр. 403
وروى عَن عَبْد اللَّه بْن وهب وَابْن أَبِي فديك وَأبي ضَمرَة أنس بْن عِيَاض وَأَشْهَب بْن عَبْد الْعَزِيز وَالشَّافِعِيّ وَبِه تفقه وَطَائِفَة
رَوَى عَنهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَاتِم وَابْن خُزَيْمَة وَأَبُو الْعَبَّاس الْأَصَم وَابْن صاعد وَأَبُو بكر بْن زِيَاد النَّيْسَابُورِي وَجَمَاعَة
ولازم الشَّافِعِي ﵁ مُدَّة وَقيل إِن الشَّافِعِي كَانَ معجبا بِهِ لفرط ذكائه وحرصه عَلَى الْفِقْه
قَالَ أَبُو عمر الصَّدَفِي رَأَيْت أهل مصر لَا يعدلُونَ بِهِ أحدا ويصفونه بِالْعلمِ وَالْفضل والتواضع
وَقَالَ النَّسَائِيّ ثِقَة وَقَالَ فِي مَوضِع آخر صَدُوق لَا بَأْس بِهِ وَقَالَ فِي مَوضِع ثَالِث هُوَ أظرف من أَن يكذب
وَقَالَ أَبُو بكر بْن خُزَيْمَة مَا رَأَيْت فِي فُقَهَاء الْإِسْلَام أعرف بأقاويل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الحكم وَقَالَ مرّة كَانَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الحكم أعلم من رَأَيْت عَلَى أَدِيم الأَرْض بِمذهب مَالك وأحفظهم لَهُ سمعته يَقُول كنت أتعجب مِمَّن يَقُول فِي الْمسَائِل لَا أَدْرِي قَالَ وَأما الْإِسْنَاد فَلم يكن يحفظه
قلت إِنَّمَا ذكرنَا ابْن عَبْد الحكم فِي الشافعيين تبعا للشَّيْخ أَبِي عَاصِم الْعَبَّادِيّ وللشيخ أَبِي عَمْرو بْن الصّلاح وَكَانَ الْحَامِل لَهما عَلَى ذكره حِكَايَة الْأَصْحَاب عَنهُ مسَائِل رَوَاهَا عَن الشَّافِعِي وَإِلَّا فالرجل مالكي رَجَعَ عَن مَذْهَب الشَّافِعِي
قَالَ ابْن خُزَيْمَة فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِم عَن الْحَافِظ حسينك التَّمِيمِي عَنهُ كَانَ ابْن عَبْد الحكم من أَصْحَاب الشَّافِعِي فَوَقَعت بَينه وَبَين الْبُوَيْطِيّ وَحْشَة فِي مرض الشَّافِعِي
فحَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر السكرِي صديق الرّبيع قَالَ لما مرض الشَّافِعِي جَاءَ ابْن عَبْد الحكم يُنَازع الْبُوَيْطِيّ فِي مجْلِس الشَّافِعِي فَقَالَ الْبُوَيْطِيّ أَنا أَحَق بِهِ مِنْك فجَاء
стр. 404
الْحميدِي وَكَانَ بِمصْر فَقَالَ قَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ أحد أَحَق بمجلسي من الْبُوَيْطِيّ وَلَيْسَ أحد من أَصْحَابِي أعلم مِنْهُ فَقَالَ لَهُ ابْن عَبْد الحكم كذبت فَقَالَ لَهُ الْحميدِي كذبت أَنْت وَأَبُوك وأمك وَغَضب ابْن عَبْد الحكم فَترك مَذْهَب الشَّافِعِي
فحَدَّثَنِي ابْن عَبْد الحكم قَالَ كَانَ الْحميدِي معي فِي الدَّار نَحوا من سنة وَأَعْطَانِي كتاب ابْن عُيَيْنَة ثمَّ أَبَوا إِلَّا أَن يوقعوا بَيْننَا مَا وَقع
قلت ثمَّ انْتَهَت حَال ابْن عَبْد الحكم إِلَى أَن صنف كتابا سَمَّاهُ الرَّد عَلَى الشَّافِعِي فِيمَا خَالف فِيهِ الْكتاب وَالسّنة وَهُوَ اسْم قَبِيح وَلَقَد نالته بعد هَذَا التصنيف محنة صعبة يطول شرحها
توفّي ابْن عَبْد الحكم فِي النّصْف من ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
وَفِي الْمُحدثين مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الحكم غَيره
رجل رَوَى عَن أَحْمَد بْن مَسْعُود الْمَقْدِسِي
رَوَى الْحَافِظ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ حَدِيثه فِي الْحِلْية فَقَالَ حَدثنَا أَبُو حَامِد أَحْمد ابْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الحكم
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْن يُوسُف بْن أَبِي مُحَمَّد الصَّيْرَفِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي ربيع الأول سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بِمصْر قَالَ حَدثنَا عبد الْوَهَّاب ابْن ظافر بْن رواج إِجَازَةً
ح وَحدثنَا الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ مِنْ لَفْظِهِ فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر
стр. 405
ذى الْحجَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بِالْمَدْرَسَةِ العادلية الْكُبْرَى بِدِمَشْق أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مخلوف بْن جمَاعَة سَمَاعا عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا بن رواج سَمَاعا قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد العلاف أَخْبرنِي عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن عمر الحمامي حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن مُسلم الْخُتلِي حَدثنَا أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد بْن عَلِيّ الْحَرَّانِي حَدثنَا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد يَعْنِي ابْن الضَّحَّاك بْن يَحْيَى بِمصْر حَدثنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الحكم قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَحْكِي عَن إِنْسَان سَمَّاهُ أَنه سُئِلَ عَن الْعدْل فَقَالَ لَيْسَ أحد يُطِيع اللَّه حَتَّى لَا يعصيه وَلَا أحد يَعْصِي اللَّه حَتَّى لَا يطيعه وَلَكِن إِذا كَانَ أَكثر أَمر الرجل الطَّاعَة لله وَلم يقدم عَلَى كَبِيرَة فَهُوَ عدل
قلت كَذَا جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مُقَيّدا بقوله وَلم يقدم عَلَى كَبِيرَة وَجَاء فِي رِوَايَات أخر مُطلقًا وَالْمُطلق مَحْمُول عَلَى الْمُقَيد
قَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم حَدثنَا الشَّافِعِي قَالَ ذكرت لمُحَمَّد بْن الْحَسَن الدُّعَاء فِي الصَّلَاة فَقَالَ لي لَا يجوز أَن يدعى فِي الصَّلَاة إِلَّا بِمَا فِي الْقُرْآن وَمَا أشبهه
قلت لَهُ فَإِن قَالَ رجل اللَّهم أَطْعمنِي قثاء وبصلا وعدسا أَو ارزقني ذَلِك أَو أخرجه لي من أَرض أَيجوزُ ذَلِك
قَالَ لَا
قلت فَهَذَا فِي الْقُرْآن فَإِن كنت إِنَّمَا تجيز مَا فِي الْقُرْآن خَاصَّة فَهَذَا فِيهِ وَإِن كنت تجيز غير ذَلِك فَلم حظرت شَيْئا وأبحت شَيْئا
قَالَ فَمَا تَقول أَنْت
قلت كل مَا جَازَ للمرء أَن يَدْعُو اللَّه بِهِ فِي غير صَلَاة فَجَائِز أَن يَدْعُو بِهِ فِي الصَّلَاة بل أستحب ذَلِك لِأَنَّهُ مَوضِع يُرْجَى سرعَة الْإِجَابَة فِيهِ وَالصَّلَاة الْقِرَاءَة وَالدُّعَاء وَالنَّهْي عَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة هُوَ كَلَام الْآدَمِيّين بَعضهم لبَعض فى غير أَمر بِصَلَاة
стр. 406
قلت فِي المناظرة رد عَلَى دَعْوَى الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّد فِي منع الدُّعَاء بِجَارِيَة حسناء قَالَ ابْن عَبْد الحكم سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول لم يثبت عَن ابْن عَبَّاس فِي التَّفْسِير إِلَّا شَبيه بِمِائَة حَدِيث وَقَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول ثَلَاثَة أَشْيَاء لَيْسَ لطبيب فِيهَا حِيلَة الحماقة والطاعون والهرم
قلت وَفِي آخر كتاب آدَاب الشَّافِعِي لعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَاتِم سَمِعت ابْن عَبْد الْأَعْلَى يَقُول قَالَ لي الشَّافِعِي لم أر شَيْئا أَنْفَع للوباء من البنفسج يدهن بِهِ وَيشْرب
قلت والوباء غير الطَّاعُون فَلَا مُنَافَاة بَين الْأَمريْنِ
١٤ - مُحَمَّد بْن الشَّافِعِي
إمامنا الإِمَام الْأَعْظَم المطلبي أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن إِدْرِيس بْن الْعَبَّاس بْن عُثْمَان بْن شَافِع بْن السَّائِب بْن عبيد بْن عَبْد يزِيد بْن هَاشم بْن الْمطلب بْن عَبْد منَاف بْن قصي الشَّيْخ أَبُو عُثْمَان القَاضِي
وَهُوَ أكبر أَوْلَاد الشَّافِعِي وَلما توفّي وَالِده كَانَ بَالغا مُقيما بِمَكَّة وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ الإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل إِنِّي لَأحبك لثلاث خلال أَنَّك ابْن أَبِي عَبْد اللَّه وَأَنَّك رجل من قُرَيْش وَأَنَّك من أهل السّنة
سمع أَبَاهُ وسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَعبد الرَّزَّاق وأَحْمَد بْن حَنْبَل
قَالَ الْخَطِيب وَذكر لي الْحَسَن بْن أَبِي طَالب أَنه ولي الْقَضَاء بِبَغْدَاد وَحدث عَن عَبْد الرَّزَّاق وَهَذَا القَوْل عِنْدِي // غير صَحِيح // إِنَّمَا ولي الْقَضَاء بالجزيرة وأعمالها وَهُنَاكَ أَيْضًا حدث وللجزريين عَنهُ رِوَايَة
стр. 407
وَولي أَيْضًا الْقَضَاء بِمَدِينَة حلب وَبَقِي بهَا سِنِين كَثِيرَة وأعقب ثَلَاثَة بَنِينَ مِنْهُم الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن إِدْرِيس وَأَبُو الْحَسَن مَاتَ رضيعا وَفَاطِمَة لم تعقب
وَقيل للشَّافِعِيّ ﵁ مَا اسْم أَبِي عُثْمَان فَقَالَ سميته أحب الْأَسْمَاء إِلَى مُحَمَّدا
وَلأبي عُثْمَان مناظرة مَعَ الإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي جُلُود الْميتَة إِذا دبغت
وَقد ذكر شَيْئا من حَدِيثه الْحَافِظ أَبُو عبيد اللَّه ابْن أَبِي زيد الْمَعْرُوف بِابْن الْمقري فِي كِتَابه فِي مَنَاقِب الشَّافِعِي وَأسْندَ حَدِيثه عَن عَبْد الرَّزَّاق وسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَغَيرهمَا انْتهى
وروى الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة أَبِي بكر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الصبغي أحد أَئِمَّة أَصْحَابنَا عَن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَاتِم قَالَ أَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد ابْن بنت الشَّافِعِي قَالَ حَدثنَا أَبِي قَالَ عَاتب مُحَمَّد بْن إِدْرِيس ابْنه أَبَا عُثْمَان فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُ فِي وعظه يَا بني وَالله لَو علمت أَن المَاء الْبَارِد يثلم من مروءتي مَا شربت إِلَّا حارا
أَخْبَرَنَا عمر بْن حسن بْن مزِيد بْن أميلة بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو الْعِزّ يُوسُف ابْن يَعْقُوب بْن المجاور إِجَازَةً أَخْبَرَنَا أَبُو الْيمن الْكِنْدِيّ أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز أخبرنَا الْخَطِيب أَبُو بكر الْحَافِظ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن مُحَمَّد الْخلال حَدثنَا على ابْن الْحَسَن الجراحي حَدثنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن زِيَاد قَالَ حَدثنَا الْمَيْمُونِيّ قَالَ قَالَ لي مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الشَّافِعِي القاضى قَالَ قَالَ لى أَحْمد ابْن حَنْبَل أَبوك أحد السِّتَّة الَّذين أَدْعُو لَهُم فِي السحر
وَبِه إِلَى الْخَطِيب قَالَ وأَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن طَلْحَة الْمقري حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصندلي حَدثنَا خطاب بْن بشر قَالَ جعلت أسأَل أَبَا عبد الله أَحْمد ابْن حَنْبَل فيجيبني ويلتفت إِلَى ابْن الشَّافِعِي وَيَقُول هَذَا مِمَّا علمنَا أَبُو عَبْد اللَّه يعْنى الشافعى
стр. 408
قَالَ خطاب وَسمعت أَحْمَد بْن حَنْبَل يذاكر أَبَا عُثْمَان أَمر أَبِيه فَقَالَ أَحْمَد يرحم اللَّه أَبَا عَبْد اللَّه مَا أُصَلِّي صَلَاة إِلَّا دَعَوْت فِيهَا لخمسة هُوَ أحدهم وَمَا يتقدمه مِنْهُم أحد
قَالَ الْخَطِيب توفّي بالجزيرة بعد سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَللشَّافِعِيّ ولد آخر يُسمى مُحَمَّدا أَيْضًا وكنيته أَبُو الْحَسَن وَهُوَ من جَارِيَة اسْمهَا دَنَانِير ذكر أَبُو سَعِيد بْن يُونُس أَنه قدم مصر مَعَ أَبِيه وَهُوَ صَغِير فَتوفي بهَا فِي شعْبَان سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَمن رِوَايَات أَبِي عُثْمَان عَن أَبِيه ﵁
رَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي أَحْكَام الْقُرْآن عَن الْحَاكِم أَن أَبَا أَحْمَد بْن أَبِي الْحَسَن أخبرهُ قَالَ حَدثنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْحَنْظَلِي حَدثنَا أَبِي حَدثنَا عَبْد الْملك بْن عَبْد الحميد الْمَيْمُونِيّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَان مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الشَّافِعِي قَالَ سَمِعت أَبِي يَقُول لَيْلَة للحميدي مَا تحتج عَلَيْهِم يَعْنِي عَلَى أهل الإرجاء بِآيَة أحج من قَوْله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دين الْقيمَة﴾
وَمِنَ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ﵀ أَخْبَرَنَا شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ شيخ الشَّافِعِيَّة أَبى مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن ابْن إِبْرَاهِيمَ الْفَزَارِيُّ فِي كِتَابِهِ إِلَيَّ وَالْمُسْنِدُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ابْن الْخَبَّازِ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالا أَخْبَرَنَا الْمُسْلِمُ بْنُ مُحَمَّد بن غلان الْقَيْسِيُّ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ سَمَاعًا وَقَالَ ابْنُ الْخَبَّازِ إِجَازَةً
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرَاغِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُوسُف بن يَعْقُوب بن المجاور إجَازَة قَالَا أخبرنَا أَبُو الْيمن زيد بن الْحسن الْكِنْدِيّ أخبرنَا أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَزاز أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب حَدثنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الصَّوَّافُ بِمِصْرَ مِنْ لَفْظِهِ حَدثنَا أَبُو بكر
стр. 409
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ النَّقَّاشُ حَدثنَا نُعْمَانُ بْنُ مُدْرِكٍ الرَّسْعَنِيُّ حَدثنَا أَبُو عُثْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ إِمْلاءً بِرَأْسِ الْعَيْنِ أَخْبَرَنَا أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ عَمِّي يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجَلاحِ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ أَوْ أَمَرَ فَدُعِيَ فَقَالَ (كَيْفَ قُلْتَ فِي أَيِّ الْخُرْزَتَيْنِ أَوِ الْخُرْبَتَيْنِ أَوْ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا أَمْ مِن دُبُرِهَا فِي دُبُرِهَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ)
١٥ - إِبْرَاهِيم بْن خَالِد بْن أَبِي الْيَمَان أَبُو ثَوْر الكلبى البغدادى
الإِمَام الْجَلِيل أحد أَصْحَابنَا البغداديين قِيلَ كنيته أَبُو عَبْد اللَّه ولقبه أَبُو ثَوْر رَوَى عَن سُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَابْن علية وَعبيدَة بْن حُمَيْد وَأبي مُعَاوِيَة ووكيع ومعاذ بْن معَاذ وَعبد الرَّحْمَن بْن مهْدي وَالشَّافِعِيّ وَيزِيد بْن هَارُون وَجَمَاعَة
رَوَى عَنهُ مُسلم خَارج الصَّحِيح وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَأَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ وَالقَاسِم بْن زَكَرِيَّا الْمُطَرز ومُحَمَّد بْن إِسْحَاق السراج وَجَمَاعَة
قَالَ أَبُو بكر الْأَعْين سَأَلت أَحْمَد بْن حَنْبَل مَا تَقول فِي أَبِي ثَوْر قَالَ أعرفهُ بِالسنةِ مُنْذُ خمسين سنة وَهُوَ عِنْدِي فِي مسلاخ سُفْيَان الثَّوْريّ
وَقَالَ ابْن حبَان كَانَ أحد أَئِمَّة الدُّنْيَا فقها وعلما وورعا وفضلا وَخيرا مِمَّن صنف الْكتب وَفرع عَلَى السّنَن وذب عَنْهَا وقمع مخالفيها
стр. 410
قلت قَوْله وَخيرا بِهِ تَمام الْكَلَام وَقَوله مِمَّن صنف الْكتب ابْتِدَاء كَلَام آخر الْجَار وَالْمَجْرُور مِنْهُ فِي مَوضِع الْخَبَر والمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره وَهُوَ مِمَّن صنف إِلَى آخِره وَلَيْسَ الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلقا بقوله وَخيرا فِيمَا يظْهر فَلَيْسَ أَبُو ثَوْر خيرا مِمَّن صنف الْكتب عَلَى الْإِطْلَاق
وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ أَبُو ثَوْر أَولا يتفقه بِالرَّأْيِ وَيذْهب إِلَى قَول أهل الْعرَاق حَتَّى قدم الشَّافِعِي بَغْدَاد فَاخْتلف إِلَيْهِ وَرجع عَن الرَّأْي إِلَى الحَدِيث
وَقَالَ أَبُو حَاتِم هُوَ رجل يتَكَلَّم بِالرَّأْيِ فيخطئ ويصيب وَلَيْسَ مَحَله مَحل المسمعين فِي الحَدِيث
قلت هَذَا غلو من أَبِي حَاتِم وَلَيْسَ الْكَلَام فِي الرَّأْي مُوجبا للقدح فَلَا الْتِفَات إِلَى قَول أَبِي حَاتِم هَذَا وَهُوَ من الطّراز الأول الَّذِي قدمْنَاهُ فِي تَرْجَمَة أَحْمَد بْن صَالح الْمصْرِيّ
وَأَبُو ثَوْر أظهر أمرا من أَن يحْتَاج إِلَى تَوْثِيق وَقد قدمنَا كَلَام أَحْمَد بْن حَنْبَل فِيهِ وَكفى بِهِ شرفا
وَعَن أَحْمَد أَيْضًا أَنه سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَقَالَ للسَّائِل سل غَيرنَا سل الْفُقَهَاء سل أَبَا ثَوْر
وَقَالَ النَّسَائِيّ هُوَ أحد الْفُقَهَاء ثِقَة مَأْمُون
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْحَاكِم كَانَ فَقِيه أهل بَغْدَاد ومفتيهم فِي عصره وَأحد أَعْيَان الْمُحدثين المتقنين
وَعَن أَحْمَد بْن حَنْبَل وَسُئِلَ عَن أَبِي ثَوْر أَنه قَالَ لم يبلغنِي إِلَّا خير إِلَّا أَنه لَا يُعجبنِي الْكَلَام الَّذِي يصيرونه فِي كتبهمْ
قلت وَلَيْسَ فِي هَذَا إِن ثَبت عَن أَحْمَد حط من قدر أَبِي ثَوْر لَا سِيمَا وَقد تقدم من كَلَام أَحْمَد فِي تَعْظِيمه مَا تقدم
وَقَالَ أَبُو عمر بْن عَبْد الْبر كَانَ حسن النّظر ثِقَة فِيمَا يرْوى من الْأَثر إِلَّا أَن لَهُ شذوذا فَارق فِيهِ الْجُمْهُور وَقد عدوه أحد أَئِمَّة الْفُقَهَاء
стр. 411
قلت لَا يَعْنِي شذوذا فِي الحَدِيث بل فِي مسَائِل الْفِقْه الَّتِي أغرب بهَا وسنحكي مِنْهَا طَائِفَة
وَقَوله وَقد عدوه أحد أَئِمَّة الْفُقَهَاء جَار مجْرى الِاعْتِذَار عَنهُ فِيمَا يشذ بِهِ وَأَنه بِحَيْثُ لَا يعاب عَلَى مثله الِاجْتِهَاد وَإِن أغرب فَإِنَّهُ أحد أَئِمَّة الْفُقَهَاء وَإِذا عرفت مَا قِيلَ فِيهِ علمت أَنه لم يصب بِجرح وَللَّه الْحَمد
وَأَنا أجوز أَن يكون قَول أَبِي حَاتِم لَيْسَ مَحَله مَحل المسمعين فِي الحَدِيث مَعَ كَونه غير قدح مُصحفا فِي الْكتب وَأَنه إِنَّمَا قَالَ مَحل المتسعين أَي المكثرين فَإِن أَبَا ثَوْر لم يكن من المكثرين فِي الحَدِيث إكثار غَيره من الْحفاظ وَقد رَأَيْت اللَّفْظَة هَكَذَا بِخَط بعض محدثي زَمَاننَا فِي الْحِكَايَة عَن أَبِي حَاتِم وَلَا شكّ أَن الْفِقْه كَانَ أغلب عَلَيْهِ من الحَدِيث وَكَانَ المحدثون إِذا سئلوا عَن مسَائِل الْفِقْه أحالوا عَلَيْهِ وَقد قدمنَا مَا يدل عَلَى ذَلِك
وَأَخْبَرَنَا الْمُسْنِدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الخباز بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا الْمُسْلِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلانَ إِجَازَةً أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ
ح وَأَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُظَفَّرِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عمر بن عبد الْمُنعم بن القواس أخبرنَا الْقَاضِي عَبْدُ الصَّمَدِ الْحَرَسْتَانِيُّ أَخْبَرَنَا نَصْرُ اللَّهِ الْمِصِّيصِيُّ أَخْبَرَنَا نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ أَخْبَرَنَا الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ حَدثنَا أَحْمد ابْن إِسْحَاقَ النُّهَاوَنْدِيُّ بِالْبَصْرَةِ حَدثنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلادٍ بِالْبَصْرَةِ حَدثنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلٍ حَدَّثَنِي رَجُلٌ ذَكَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ ابْنُ خَلادٍ وَأُنْسِيتُ أَنَا اسْمَهُ قَالَ وَقَفَتِ امْرَأَةٌ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو خَيْثَمَةَ وَخَلَفُ بْنُ سَالِمٍ فِي جَمَاعَةٍ يَتَذَاكَرُونَ الْحَدِيثَ فَسَمِعَتْهُمْ يَقُولُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَوَاهُ فُلانٌ وَمَا حَدَّثَ بِهِ غَيْرُ فُلانٍ فَسَأَلَتْهُمْ عَنِ الْحَائِضِ هَلْ تَغْسِلُ الْمَوْتَى وَكَانَتْ غَاسِلَةً
стр. 412
فَلَمْ يُجِبْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَكَانُوا جَمَاعَةً وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ فَأَقْبَلَ أَبُو ثَوْرٍ فَقَالُوا لَهَا عَلَيْكِ بِالْمُقْبِلِ فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ وَقَدْ دَنَا مِنْهَا فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ نَعَمْ تَغْسِلُ لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا (إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) وَلِقَوْلِهَا كُنْتُ أَفْرِقُ رَأْسَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَاءِ وَأَنَا حَائِضٌ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ فَإِذَا فُرِقَ رَأْسُ الْحَيِّ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى بِهِ فَقَالُوا نَعَمْ رَوَاهُ فُلانٌ وَأَخْبَرَنَاهُ فُلانٌ وَنَعْرِفُهُ مِنْ طَرِيقِ كَذَا وَخَاضُوا فِي الرِّوَايَاتِ وَالطُّرُقِ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ فَأَيْنَ أَنْتُمْ إِلَى الآنَ قَالَ عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزَّارُ صَاحِبُ أَبِي ثَوْرٍ تُوُفِّيَ أَبُو ثَوْرٍ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَمن الْمسَائِل عَن أَبِي ثَوْر والفوائد
نقل الْعَبدَرِي أَن الدّين مقدم عَلَى الْوَصِيَّة عِنْد الْفُقَهَاء كلهم إِلَّا أَبَا ثَوْر فَإِنَّهُ قدم الْوَصِيَّة
وَهَذَا غَرِيب مُصَرح بحكاية الْإِجْمَاع عَلَى خِلَافه فَلَعَلَّ إِجْمَاعهم لم يبلغ أَبَا ثَوْر وَلَعَلَّه يُنَازع فِي وُقُوع الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِك أَو لَعَلَّ مَا نَقله العبدرى غير ثَابت فقد نقل ابْن الْمُنْذر عَن أَبِي ثَوْر فِيمَن أوصى بِعِتْق عَبده عَلَى أَن لَا يُفَارق وَلَده وَعَلِيهِ دين مُحِيط بِمَالِه أَنه أبطل الْوَصِيَّة وَقَالَ يُبَاع فِي الدّين فَإِن أعْتقهُ الْوَرَثَة لم يجز عتقهم وَهَذَا يُخَالف مَا نَقله الْعَبدَرِي
نقل الفوراني فِي الْعمد أَن أَبَا ثَوْر قَالَ لَا تقطع الْيَد إِلَّا فِي خَمْسَة دَرَاهِم
قلت وَهُوَ يشابه قَوْله أقل الصَدَاق خَمْسَة دَرَاهِم
نقل ابْن الْمُنْذر أَن أَبَا ثَوْر قَالَ إِن خِيَار الرَّد بِالْعَيْبِ لَا يكون بِالرِّضَا إِلَّا بالْكلَام أَو يَأْتِي من الْفِعْل مَا يكون فِي الْمَعْقُول من اللُّغَة أَنه رضَا
والمجزوم بِهِ عِنْد الْأَصْحَاب أَن خِيَار الرَّد بِالْعَيْبِ عَلَى الْفَوْر وَيلْزم من يعد مقالات أَبِي ثَوْر وُجُوهًا فِي الْمَذْهَب أَن يعد ذَلِك وَجها وَهُوَ غَرِيب
стр. 413
قَالَ أَبُو ثَوْر فِي رجلَيْنِ اجتهدا فِي الْقبْلَة وَأدّى أَحدهمَا اجْتِهَاده إِلَى خلاف مَا أَدَّاهُ الآخر يجوز أَن يأتم كل مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وَيُصلي كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى جِهَة كمن صلى حول الْكَعْبَة فَإِن يجوز لمن يُصَلِّي إِلَى جِهَة الائتمام بِمن يُصَلِّي إِلَى جِهَة أُخْرَى
نَقله صَاحب الْبَيَان
قَالَ أَبُو عَاصِم سَأَلَ أَبُو ثَوْر الشَّافِعِي عَن رجل اشْترى بَيْضَة من رجل وبيضة من آخر وَوَضعهمَا فِي كمه فَانْكَسَرت إِحْدَاهمَا فَخرجت مذرة فعلى من يرد الْبَيْضَة وَقد أنكر ذَلِك
قَالَ آمره حَتَّى يدعى
قَالَ يَقُول لَا أَدْرِي
قَالَ أَقُول لَهُ انْصَرف فَإنَّا مفتون لَا معلمون
نقل أَبُو عَلِيّ الطَّبَرِيّ فِيمَا علقه عَن أَبِي عَلِيّ بْن أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ أَن أَبَا ثَوْر كَانَ يلْحق الزَّيْت بِالْمَاءِ فيعتبره بالقلتين إِذا وَقعت فِيهِ نَجَاسَة غير مُغيرَة وَرَأَيْت فِي جَامع الْخلال من كتب الْحَنَابِلَة أَن الْمَرْوذِيّ ذكر لأَحْمَد أَن أَبَا ثَوْر كَانَ يلْحق السّمن وَالزَّيْت بِالْمَاءِ
قلت فَابْن أَبِي هُرَيْرَةَ اقْتصر عَلَى نَقله عَن أَبِي ثَوْر فِي الزَّيْت والمروذي ذكره فِي السّمن أَيْضًا
وَالظَّاهِر أَن جَمِيع الْمَائِعَات سَوَاء وَالْمَعْرُوف فِي الْمذَاهب أَن غير المَاء من الْمَائِعَات ينجس بملاقاة يسير النَّجَاسَة وَإِن بلغ قلالا
قَالَ النووى فى شرح الْمُهَذّب وَهَذَا لاخلاف فِيهِ بَين أَصْحَابنَا وَلَا أعلم فِيهِ
стр. 414
خلافًا لأحد من الْعلمَاء وَسبق الْفرق بَينه وَبَين المَاء فِي الِاسْتِدْلَال عَلَى أَبِي حنيفَة وَحَاصِله أَنه لَا يشق حفظ الْمَائِع من النَّجَاسَة وَإِن كثر بِخِلَاف المَاء انْتهى ونقلته من خطه
وَقد نقل بعد ذَلِك بِنَحْوِ عشرَة أوراق أَن صَاحب الْعدة حكى عَن أَبِي حنيفَة أَن الْمَائِع كَالْمَاءِ إِذا بلغ الْحَد الَّذِي يعتبرونه وَأما الْفرق الَّذِي ذكره فقد رَأَيْت الْقفال الْكَبِير فِي أَوَائِل كتاب محَاسِن الشَّرِيعَة فِي بَاب ذكر النَّجَاسَات أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَالَ مَا حَاصله إِن صون الْمَائِعَات بالتغطية مُمكن ومعتاد قَالَ وَالْمَاء خلقه اللَّه تَعَالَى يحْتَاج إِلَيْهِ جَمِيع الْحَيَوَان وَيكثر مَا لَا يكثر غَيره من الْمَائِعَات
وَفِي هَذَا الْفرق إِشَارَة إِلَى اعْتِبَار الْغَلَبَة فَلَا يَنْبَغِي أَن ينجس بِيَسِير النَّجَاسَة من الْمَائِع الْكثير الزَّائِد عَلَى قدر قُلَّتَيْنِ إِلَّا مَا جرت عَادَة النَّاس بحرزه فِي الْإِنَاء أما لَو فرض أَن يخلق اللَّه بحرا من زَيْت فَلَا يَنْبَغِي أَن يحكم بِنَجَاسَتِهِ بِوُقُوع مَا لَا يُغَيِّرهُ من النَّجَاسَات فَإِن الْمَحْكُوم بِنَجَاسَتِهِ إِنَّمَا هُوَ مَا يعْتَاد من الْمَائِعَات
وَإِنَّمَا ذكرت هَذِهِ الصُّورَة لوُقُوع الْبَحْث فِيهَا وَظن بعض النَّاس أَن كل مَائِع ينجس بِيَسِير النَّجَاسَة فَقلت لَهُ ذَلِك فِي الْمَائِعَات الْمُعْتَادَة أما هَذِهِ الصُّورَة فَلَا وجود لَهَا وَلم يتَكَلَّم السَّابِقُونَ فِيهَا وَلَا نجد مُصَرحًا من الْأَصْحَاب بهَا بل هَذَا الْفرق يرشد إِلَى أَن الحكم فِيهَا بِخِلَاف مَا توهم
قَالَ أَبُو ثَوْر سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول حضرت مَجْلِسا وَفِيه مُحَمَّد بْن الْحَسَن بالرقة وَجَمَاعَة من بني هَاشم وقريش وَغَيرهم مِمَّن ينظر فِي الْعلم فَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن قد وضعت كتابا لَو علمت أَن أحدا يرد عَلَي مِنْهُ شَيْئا تبلغنيه الْإِبِل لأتيته قَالَ فَقلت لَهُ قد نظرت فِي كتابك هَذَا فَإِذا مَا بعد الْبَسْمَلَة خطأ كُله قَالَ وَمَا ذَاك قلت لَهُ قَالَ أهل الْمَدِينَة كَذَا فَإِن أردْت كلهم فخطأ لأَنهم لم يتفقوا عَلَى مَا قلت وَإِن أردْت مَالِكًا وَحده فأظهر فِي الْخَطَأ إِذْ لَيْسَ هُوَ كل أهل الْمَدِينَة وَقد كَانَ من عُلَمَاء الْمَدِينَة فِي زَمَنه من يشْتَد نكيره عَلَيْهِ فَأَي الْأَمريْنِ قصدت فقد أَخْطَأت
стр. 415
قَالَ أَبُو ثَوْر قَالَ لي الشَّافِعِي قَالَ لي الْفضل بْن الرّبيع أحب أَن أسمع مناظرتك لِلْحسنِ بْن زِيَاد اللؤْلُؤِي قَالَ الشَّافِعِي فَقلت لَهُ لَيْسَ اللؤْلُؤِي فِي هَذِهِ الْجِهَة وَلَكِن أحضر بعض أَصْحَابِي يكلمهُ بحضرتك فَقَالَ أَو ذَاك فَقَالَ أَبُو ثَوْر فَحَضَرَ الشَّافِعِي وأحضر من أَصْحَابنَا كوفيا كَانَ ينتحل قَول أَبِي حنيفَة فَصَارَ من أَصْحَابنَا
قَالَ فَلَمَّا دخل اللؤْلُؤِي أقبل الْكُوفِي عَلَيْهِ وَالشَّافِعِيّ وَالْفضل بْن الرّبيع حاضران فَقَالَ لَهُ إِن أهل الْمَدِينَة يُنكرُونَ عَلَى أَصْحَابنَا بعض قَوْلهم وَأُرِيد أَن أسأَل عَن مَسْأَلَة من ذَلِك
فَقَالَ لَهُ اللؤْلُؤِي سل
قَالَ مَا تَقول فِي رجل قذف مُحصنَة وَهُوَ فِي الصَّلَاة
قَالَ فَسدتْ صلَاته
قَالَ فَمَا حَال طَهَارَته
قَالَ هِيَ بِحَالِهَا
قَالَ فَمَا تَقول إِن ضحك فِي صلَاته
قَالَ يُعِيد الطَّهَارَة وَالصَّلَاة قَالَ فَقَالَ لَهُ قذف الْمُحْصنَات فِي الصَّلَاة أيسر من الضحك فِيهَا
قَالَ فَقَالَ لَهُ وقعنا فِي هَذَا ثمَّ وثب فَمضى
١٦ - إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن عُثْمَان الشافعى ابْن عَم الإِمَام الشَّافِعِي
رَوَى عَن الشَّافِعِي والفضيل بْن عِيَاض وجده لأمه مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن شَافِع والمنكدر بْن مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدر وَحَمَّاد بْن زيد وَابْن عُيَيْنَة وَطَائِفَة
стр. 416
روى عَنهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه وأَحْمَد بْن سيار الْمروزِي وَأَبُو بكر بْن أَبِي عَاصِم وَبَقِي بْن مخلد ومطين وَغَيرهم
قَالَ أَبُو حَاتِم صَدُوق
وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ ثِقَة
مَاتَ سنة سبع وَيُقَال ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
١٧ - إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن هرم
روى عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَلَّا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ لما حجبهم فِي السخط كَانَ دَلِيلا عَلَى أَنهم يرونه فِي الرِّضَا
وَقد رَوَاهُ غَيره أَيْضًا قَالَ الرّبيع كنت ذَات يَوْم عِنْد الشَّافِعِي وجاءه كتاب من الصَّعِيد يسألونه عَن قَوْله ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ فَكتب لما حجب قوما بالسخط دلّ عَلَى أَن قوما يرونه بِالرِّضَا
قلت لَهُ أَو تدين بِهَذَا يَا سَيِّدي فَقَالَ وَالله لَو لم يُوقن مُحَمَّد بْن إِدْرِيس أَنه يرى ربه فِي الْمعَاد لما عَبده فِي الدُّنْيَا
قَالَ الْبَيْهَقِيّ أنبأني أَبُو الْقَاسِم الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن حبيب الْمُفَسّر إِجَازَةً قَالَ سَمِعت أَبَا عَلَى الْحُسَيْن بْن أَحْمَد الْفَسَوِي بهَا سَمِعت أَبَا نعيم عَبْد الْملك بْن مُحَمَّد بْن عدي الْجِرْجَانِيّ سَمِعت الرّبيع فَذكر الْحِكَايَة
قَالَ الرّبيع كَانَ ابْن هرم يلْزم الشَّافِعِي فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْد اللَّه تملي علينا السّنَن الَّتِي صحت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الشَّافِعِي السّنَن الَّتِي تصح قَليلَة هَذَا أَبُو بكر لَا يَصح لَهُ تِسْعَة أَحَادِيث وَعمر لَا يَصح لَهُ خَمْسُونَ حَدِيثا وَعُثْمَان فَأَقل وَعلي مَعَ مَا كَانَ يحض النَّاس عَلَى الْأَخْذ عَنهُ لَا يَصح لَهُ حَدِيث كثير وَالصَّحِيح عِنْد أهل الْمعرفَة قَلِيل
стр. 417
١٨ - إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذر بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُنْذر بن الْمُغيرَة ابْن عَبْد اللَّه بْن خَالِد بْن حزَام بْن خويلد بْن أَسد بْن عَبْد الْعُزَّى الْحزَامِي المدنى
إِمَام ثِقَة جليل حدث عَن سُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَابْن وهب ومعن بْن عِيسَى وَابْن أَبِي فديك وَأبي ضَمرَة والْوَلِيد بْن مُسلم وَخلق كثير
رَوَى عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحِهِ وَابْن مَاجَه وَبَقِي بْن مخلد وَابْن أَبِي الدُّنْيَا ومُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم البوشنجي ومطين وَخلق
قَالَ صَالح جزرة صَدُوق وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم
وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ ثِقَة
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ إِبْرَاهِيم هَذَا فِي عداد أهل الصدْق وَإِنَّمَا حدث بِالْمَنَاكِيرِ الشُّيُوخ الَّذين رَوَى عَنْهُم فَأَما هُوَ فَهُوَ صَدُوق
وَقَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَسَأَلته يَعْنِي الدَّارَقُطْنِيّ عَن إِبْرَاهِيم الْحزَامِي فَقَالَ ثِقَة
قلت كَانَ حصل عِنْد الإِمَام أَحْمَد ﵁ مِنْهُ شئ لِأَنَّهُ قِيلَ خلط فِي مَسْأَلَة الْقُرْآن كَأَنَّهُ مجمح فِي الْجَواب
قلت وَأرى ذَلِك مِنْهُ تقية وخوفا وَلَكِن الإِمَام أَحْمَد شَدِيد فِي صلابته جزاه اللَّه عَن الْإِسْلَام خيرا وَلَو كلف النَّاس مَا كَانَ عَلَيْهِ أَحْمَد لم يسلم إِلَّا الْقَلِيل
مَاتَ إِبْرَاهِيم فِي الْمحرم سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَكَانَ ينشد لِعبيد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبة
стр. 418
(كتمت الْهوى حَتَّى أضرّ بك الكتم ... ولامك أَقوام ولومهم ظلم)
(ونم عَلَيْك الكاشحون وَقَبله ... عَلَيْك الْهوى قد نم لَو ينفع النم)
(وزادك إغراء بهَا طول هجرها ... عَلَيْك وأبلى لحم أعظمك الْهم)
(أَلا مَا لنَفس لَا تَمُوت فينقضى ... عناها وَلَا تحيى حَيَاة لَهَا طعم)
(تجنبت إتْيَان الحبيب تأثما ... أَلا إِن هجران الحبيب هُوَ الْإِثْم)
(فذق هجرها قد كنت تزْعم أَنه ... رشاد أَلا يَا رُبمَا كذب الزَّعْم)
قَالَ إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذر سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول رَأَيْت سُفْيَان بْن عُيَيْنَة قَائِما عَلَى بَاب كتاب فَقلت مَا تعْمل قَالَ أحب أَن أسمع كَلَام رَبِّي من فِي هَذَا الْغُلَام
١٩ - إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن مخلد بْن إِبْرَاهِيم بْن مطر الْحَنْظَلِي أَبُو يَعْقُوب المروزى ابْن رَاهَوَيْه
أحد أَئِمَّة الدّين وأعلام الْمُسلمين وَهُدَاة الْمُؤمنِينَ الْجَامِع بَين الْفِقْه والْحَدِيث والورع وَالتَّقوى نزيل نَيْسَابُورَ وعالمها
ولد سنة إِحْدَى وَقيل سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة
وَسمع من عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارك سنة بضع وَسبعين فَترك الرِّوَايَة عَنهُ لكَونه لم يتَيَقَّن الْأَخْذ عَنهُ
وارتحل فِي طلب الْعلم سنة أَربع وَثَمَانِينَ
стр. 419
وَسمع قبل الرحلة من ابْن الْمُبَارك كَمَا عرفت وَمن الْفضل الشَّيْبَانِيّ وَالنضْر بْن شُمَيْل وَأبي نميلَة يَحْيَى بْن وَاضح وَعمر بْن هَارُون
وَسمع فِي الرحلة من جرير بْن عَبْد الحميد وسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَعبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي وفضيل بْن عِيَاض ومعتمر بْن سُلَيْمَان وَابْن علية وَبَقِيَّة بْن الْوَلِيد وَحَفْص بْن غياث وَعبد الرَّحْمَن بْن مهْدي وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ والْوَلِيد بْن مُسلم وَعبد الْعَزِيز بْن عَبْد الصَّمد الْعمي وأسباط بْن مُحَمَّد وحاتم ابْن إِسْمَاعِيل وعتاب بْن بشير الْجَزرِي وغندر وَعبد الرَّزَّاق وَأبي بكر بْن عَيَّاش وَخلق سواهُم
رَوَى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وأَحْمَد بْن حَنْبَل وَيحيى بْن معِين ومُحَمَّد بْن يَحْيَى الذهلي وَإِسْحَاق الكوسج والْحَسَن بْن سُفْيَان ومُحَمَّد بْن نصر الْمروزِي وَيحيى بْن آدم وَهُوَ من شُيُوخه وأَحْمَد بْن سَلمَة وإِبْرَاهِيم بْن أَبِي طَالب ومُوسَى بْن هَارُون وجعفر الْفرْيَابِيّ وَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم النَّيْسَابُورِي البشتي وَعبد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن شيرويه وَابْنه مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه وَخلق آخِرهم أَبُو الْعَبَّاس السراج
قَالَ عَلِيّ بْن إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه ولد أَبِي من بطن أمه مثقوب الْأُذُنَيْنِ فَمضى جدي رَاهَوَيْه إِلَى الْفضل بْن مُوسَى فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ يكون ابْنك رَأْسا إِمَّا فِي الْخَيْر وَإِمَّا فِي الشَّرّ
وَقَالَ أَحْمَد بْن سَلمَة سَمِعت إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم يَقُول قَالَ لي عَبْد اللَّه بْن طَاهِر
стр. 420
لم قِيلَ لَك ابْن رَاهَوَيْه وَمَا معنى هَذَا وَهل تكره أَن يُقَال لَك هَذَا فَقلت إِن أَبِي ولد بطرِيق مَكَّة وَقَالَت المراوزة رَاهَوَيْه بِأَنَّهُ ولد فِي الطَّرِيق وَكَانَ أَبِي يكره هَذَا وَأما أَنا فلست أكرهه
قَالَ نعيم بْن حَمَّاد إِذا رَأَيْت الْخُرَاسَانِي يتَكَلَّم فِي إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه فاتهمه فِي دينه
قلت إِنَّمَا قيد الْكَلَام بالخراساني لِأَن أهل إقليم الْمَرْء هم الَّذين بِحَيْثُ لَو كَانَ فِيهِ كَلَام لتكلموا فِيهِ فَكَأَنَّهُ يَقُول من تكلم فِيهِ من أهل إقليمه فَهُوَ مُتَّهم بِالْكَذِبِ لِأَنَّهُ لَا يتَكَلَّم بِحَق لبراءته مِمَّا يشينه فِي دينه
وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل لم يعبر الجسر إِلَى خُرَاسَان مثل إِسْحَاق
وَقَالَ ابْن عدي ركب إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه دين فَخرج من مرو وَجَاء نَيْسَابُورَ فَكلم أَصْحَاب الحَدِيث يَحْيَى بْن يحيى فِي أَمر إِسْحَاق فَقَالَ مَا تُرِيدُونَ قَالُوا تكْتب إِلَى عَبْد اللَّه بْن طَاهِر رقْعَة وَكَانَ عَبْد اللَّه أَمِير خُرَاسَان وَكَانَ بِنَيْسَابُورَ فَقَالَ يَحْيَى مَا كتبت إِلَيْهِ قطّ فألحوا عَلَيْهِ فَكتب فِي رقْعَة إِلَى عَبْد اللَّه بْن طَاهِر أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم رجل من أهل الْعلم وَالصَّلَاح فَحمل إِسْحَاق الرقعة إِلَى عَبْد اللَّه بْن طَاهِر فَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْبَاب قَالَ للحاجب معي رقْعَة يَحْيَى بْن يَحْيَى إِلَى الْأَمِير فَدخل الْحَاجِب فَقَالَ لَهُ رجل بِالْبَابِ زعم أَن مَعَه رقْعَة يَحْيَى بْن يَحْيَى إِلَى الْأَمِير فَقَالَ يَحْيَى بْن يَحْيَى قَالَ نعم قَالَ أدخلهُ فَدخل إِسْحَاق وناوله الرقعة فَأَخذهَا عَبْد اللَّه وَقبلهَا وأقعد إِسْحَاق بجنبه وَقضى دينه ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وصيره من ندمائه
قلت انْظُر مَا كَانَ أعظم أهل الْعلم عِنْد الْأُمَرَاء وَانْظُر مَا أدنى هَذِهِ الْكَلِمَة وأقصر هَذِهِ الرقعة وَمَا ترَتّب عَلَيْهَا من الْخَيْر وَمَا ذَلِك إِلَّا لحسن اعْتِقَاد ذَلِك الْأَمِير وصيانة أهل الْعلم أَيْضًا وَالنَّاس بزمانهم أشبه مِنْهُم بآبائهم
وَقَالَ مُحَمَّد بْن أسلم الطوسي حِين مَاتَ إِسْحَاق مَا أعلم أحدا كَانَ أخْشَى لله من إِسْحَاق يَقُول اللَّه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ من عباده الْعلمَاء﴾ وَكَانَ أعلم النَّاس
стр. 421
قلت كَأَن مُحَمَّد بْن أسلم يركب هَذَا من الضَّرْب الأول من الشكل الأول فِي الْمنطق فَإِنَّهُ ينْحل إِلَى قَوْلك كَانَ ابْن رَاهَوَيْه أعلم النَّاس وكل من كَانَ أعلم النَّاس كَانَ أخْشَى النَّاس ينْتج كَانَ إِسْحَاق أخْشَى النَّاس والمقدمة الصُّغْرَى يَنْبَغِي أَن تكون مُحَققَة بِاتِّفَاق أَو غَيره فَكَأَن كَونه كَانَ أعلم النَّاس أَمر مفروغ مِنْهُ حَتَّى استنتج مِنْهُ أخْشَى النَّاس
قَالَ مُحَمَّد بْن أسلم وَلَو كَانَ الثَّوْريّ فِي الْحَيَاة لاحتاج إِلَى إِسْحَاق
وَقَالَ الدَّارمِيّ سَاد إِسْحَاق أهل الْمشرق وَالْمغْرب بصدقه
وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَذكر إِسْحَاق لَا أعرف لَهُ بالعراق نظيرا
وَقَالَ مرّة وَقد سُئِلَ عَنهُ مثل إِسْحَاق يسْأَل عَنهُ إِسْحَاق عندنَا إِمَام
وَقَالَ النَّسَائِيّ إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه أحد الْأَئِمَّة ثِقَة مَأْمُون سَمِعت سَعِيد بْن ذُؤَيْب يَقُول مَا أعلم عَلَى وَجه الأَرْض مثل إِسْحَاق
وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة وَالله لَو كَانَ إِسْحَاق فِي التَّابِعين لأقروا لَهُ بحفظه وَعلمه وفقهه
وَقَالَ عَلِيّ بْن خشرم حَدثنَا ابْن فُضَيْل عَن ابْن شبْرمَة عَن الشّعبِيّ قَالَ مَا كتبت سَوْدَاء فِي بَيْضَاء إِلَى يومي هَذَا وَلَا حَدَّثَنِي رجل بِحَدِيث قطّ إِلَّا حفظته فَحدثت بِهَذَا إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه فَقَالَ تعجب من هَذَا قلت نعم قَالَ مَا كنت أسمع شَيْئا إِلَّا حفظته وَكَأَنِّي أنظر إِلَى سبعين ألف حَدِيث أَو قَالَ أَكثر من سبعين ألف حَدِيث فِي كتبي
وَقَالَ أَبُو دَاوُد الْخفاف سَمِعت إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه يَقُول لكَأَنِّي أنظر إِلَى مائَة ألف حَدِيث فِي كتبي وَثَلَاثِينَ ألفا أسردها
قَالَ وأملى علينا إِسْحَاق أحد عشر ألف حَدِيث من حفظه ثمَّ قَرَأَهَا علينا فَمَا زَاد حرفا وَلَا نقص حرفا
وَعَن إِسْحَاق مَا سَمِعت شَيْئا إِلَّا وحفظته وَلَا حفظت شَيْئا قطّ فَنسيته
стр. 422
وَقَالَ أَبُو يزِيد مُحَمَّد بْن يَحْيَى سَمِعت إِسْحَاق يَقُول أحفظ سبعين ألف حَدِيث عَن ظهر قلبِي
وَقَالَ أَحْمَد بْن سَلمَة سَمِعت أَبَا حَاتِم الرَّازِيّ يَقُول ذكرت لأبي زرْعَة إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه وَحفظه فَقَالَ أَبُو زرْعَة مَا روى أحفظ من إِسْحَاق
قَالَ أَبُو حَاتِم وَالْعجب من إتقانه وسلامته من الْغَلَط مَعَ مَا رزق من الْحِفْظ
قَالَ فَقلت لأبي حَاتِم إِنَّه أمْلى التَّفْسِير عَن ظهر قلبه فَقَالَ أَبُو حَاتِم وَهَذَا أعجب فَإِن ضبط الْأَحَادِيث المسندة أسهل وأهون من ضبط أَسَانِيد التَّفْسِير وألفاظها
وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّاب كنت مَعَ يَحْيَى بْن يَحْيَى وَإِسْحَاق نعود مَرِيضا فَلَمَّا حاذينا الْبَاب تَأَخّر إِسْحَاق وَقَالَ ليحيى تقدم فَقَالَ يَحْيَى لإسحاق بل أَنْت تقدم فَقَالَ يَا أَبَا زَكَرِيَّا أَنْت أكبر مني قَالَ نعم أَنا أكبر مِنْك وَلَكِنَّك أعلم مني قَالَ فَتقدم إِسْحَاق
وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بْن النَّضر الجارودي حَدثنَا شَيخنَا وَكَبِيرنَا وَمن تعلمنا مِنْهُ وتجملنا بِهِ أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ﵁
وَقَالَ الْحَاكِم هُوَ إِمَام عصره فِي الْحِفْظ وَالْفَتْوَى
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ جمع بَين الحَدِيث وَالْفِقْه والورع
وَقَالَ الخليلي فِي الْإِرْشَاد كَانَ يُسمى شهنشاه الحَدِيث
وَقَالَ أَحْمَد بْن سَعِيد الرباطي فِي إِسْحَاق
(قربي إِلَى اللَّه دَعَاني إِلَى ... حب أَبِي يَعْقُوب إِسْحَاق)
(لم يَجْعَل الْقُرْآن خلقا كَمَا ... قد قَالَه زنديق فساق)
стр. 423
(يَا حجَّة اللَّه عَلَى خلقه ... فِي سنة الماضين للْبَاقِي)
(أَبوك إِبْرَاهِيم مَحْض التقى ... سباق مجد وَابْن سباق)
قَالَ أَبُو يحيى الشعراني إِن إِسْحَاق كَانَ يخضب بالحنا
قَالَ وَمَا رَأَيْت بِيَدِهِ كتابا قطّ إِنَّمَا كَانَ يحدث من حفظه
وَقَالَ وَكنت إِذا ذاكرت إِسْحَاق فِي الْعلم وجدته فَردا فَإِذا جِئْت إِلَى أَمر الدُّنْيَا وجدته لَا رَأْي لَهُ
توفّي إِسْحَاق لَيْلَة نصف شعْبَان سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
قَالَ البُخَارِيّ وَله سبع وَسَبْعُونَ سنة
قَالَ الْخَطِيب فَهَذَا يدل أَن مولده سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ
وَفِي لَيْلَة مَوته يَقُول الشَّاعِر
(يَا هدة مَا هددنا لَيْلَة الْأَحَد ... فِي نصف شعْبَان لَا تنسى مدى الْأَبَد)
قَالَ أَبُو عَمْرو الْمُسْتَمْلِي النَّيْسَابُورِي أَخْبرنِي عَلِيّ بْن سَلمَة الْكَرَابِيسِي وَهُوَ من الصَّالِحين قَالَ رَأَيْت لَيْلَة مَاتَ إِسْحَاق الْحَنْظَلِي كَأَن قمرا ارْتَفع من الأَرْض إِلَى السَّمَاء من سكَّة إِسْحَاق ثمَّ نزل فَسقط فِي الْموضع الَّذِي دفن فِيهِ إِسْحَاق قَالَ وَلم أشعر بِمَوْتِهِ فَلَمَّا غَدَوْت إِذا بحفار يحْفر قبر إِسْحَاق فِي الْموضع الَّذِي رَأَيْت الْقَمَر وَقع فِيهِ
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه وَابْن الْمُبَارك ومُحَمَّد بْن يَحْيَى هَؤُلَاءِ دفنُوا كتبهمْ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُسْنِدُ إِذْنًا خَاصًّا أَخْبَرَنَا الْمُسْلِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلانَ أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ أَخْبَرَنَا الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ رَامِينَ الإِسْتَرَابَاذِيُّ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارٍ الإِسْتَرَابَاذِيُّ حَدثنَا
стр. 424
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ حَدثنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ حَدَّثَنِي بَقِيَّةُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ حَدثنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْن فَضَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ إِلا مِنْ بَأْسٍ
مناظرة بَين الشَّافِعِي وَإِسْحَاق ﵄
رُوِيَ عَن إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه قَالَ كُنَّا بِمَكَّة وَالشَّافِعِيّ بهَا وأَحْمَد بْن حَنْبَل أَيْضًا بهَا وَكَانَ أَحْمَد يُجَالس الشَّافِعِي وَكنت لَا أجالسه فَقَالَ لي أَحْمَد يَا أَبَا يَعْقُوب لم لَا تجَالس هَذَا الرجل فَقلت مَا أصنع بِهِ وسنه قريب من سننا كَيفَ أترك ابْن عُيَيْنَة وَسَائِر الْمَشَايِخ لأَجله قَالَ وَيحك إِن هَذَا يفوت وَذَلِكَ لَا يفوت قَالَ إِسْحَاق فَذَهَبت إِلَيْهِ وتناظرنا فِي كِرَاء بيُوت أهل مَكَّة وَكَانَ الشَّافِعِي تساهل فِي المناظرة وَأَنا بالغت فِي التَّقْرِير وَلما فرغت من كَلَامي وَكَانَ معي رجل من أهل مرو فَالْتَفت إِلَيْهِ وَقلت مردك هَكَذَا مردك واكمالي نيست يَقُول بِالْفَارِسِيَّةِ هَذَا الرجل لَيْسَ لَهُ كَمَال فَعلم الشَّافِعِي أَنِّي قلت فِيهِ سوءا فَقَالَ لي أتناظر قلت للمناظرة جِئْت
قَالَ الشَّافِعِي قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أخرجُوا من دِيَارهمْ﴾ فنسب الديار إِلَى مَالِكهَا أَو إِلَى غير مَالِكهَا وَقَالَ النَّبِي ﷺ يَوْم فتح مَكَّة (من أغلق بَابه فَهُوَ آمن وَمن دخل دَار أَبِي سُفْيَان فَهُوَ آمن) فنسب الديار إِلَى أَرْبَابهَا أم إِلَى غير أَرْبَابهَا وَاشْترى عمر بْن الْخطاب دَارا للسجن من مَالك أَو من غير مَالك وَقَالَ النَّبِي ﷺ (وَهل ترك لنا عقيل من دَار)
стр. 425
قَالَ إِسْحَاق فَقلت الدَّلِيل عَلَى صِحَة قولي أَن بعض التَّابِعين قَالَ بِهِ
فَقَالَ الشَّافِعِي لبَعض الْحَاضِرين من هَذَا
فَقيل إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي
فَقَالَ الشَّافِعِي أَنْت الَّذِي يزْعم أهل خُرَاسَان أَنَّك فقيههم
قَالَ إِسْحَاق هَكَذَا يَزْعمُونَ
فَقَالَ الشَّافِعِي مَا أحوجني أَن يكون غَيْرك فِي موضعك فَكنت آمُر بعرك أُذُنَيْهِ أَقُول قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنت تَقول قَالَ عَطاء وَطَاوُس والْحَسَن وإِبْرَاهِيم وَهل لأحد مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حجَّة
فَقَالَ إِسْحَاق اقْرَأ ﴿سَوَاء العاكف فِيهِ والباد﴾
فَقَالَ الشَّافِعِي هَذَا فِي الْمَسْجِد خَاصَّة
وَعَن دَاوُد بْن عَلِيّ الْأَصْفَهَانِي أَنه كَانَ يَقُول إِن إِسْحَاق لم يفهم احتجاج الشَّافِعِي فَإِن غَرَض الشَّافِعِي أَن يَقُول لَو كَانَت أَرض مَكَّة مُبَاحَة للنَّاس لَكَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول أَي مَوضِع أدركنا فِي دَار أَي شخص نزلنَا فَإِن ذَلِك مُبَاح لنا فَلَمَّا لم يقل ذَلِك بل قَالَ (لم يتْرك لنا عقيل سكنا) دلّ ذَلِك عَلَى أَن كل من ملك مِنْهَا شَيْئا فَهُوَ مَالك لَهُ مَنعه غَيره أَو لم يمنعهُ
ثمَّ يحْكى عَن إِسْحَاق أَنه كَانَ إِذا ذكر الشَّافِعِي كَانَ يَأْخُذ لحيته بِيَدِهِ وَيَقُول واحياي من مُحَمَّد بْن إِدْرِيس يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَلَا سِيمَا فِي قَوْله مردك لَا كَمَا لي نيست
وَفِي رِوَايَة قَالَ إِسْحَاق لما عرفت أَنِّي أفحمت قُمْت
следующие страницы →