Полный текст (3 926 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
ألما كثيرا لفراقه فَدخلت إخميم وَأَنا على تِلْكَ الْحَال متألم فَحَضَرت ميعاد ابْن عبد الظَّاهِر فَتكلم على عَادَته ثمَّ نظر إِلَيّ وَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ أنَاس يظنون أَنهم من الْخَواص وهم من عوام الْعَوام قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم﴾ وَمن للتَّبْعِيض وَمعنى التَّبْعِيض أَن لَا ترفع شَيْئا من بَصرك إِلَى شَيْء من الْمعاصِي
وكراماته كَثِيرَة
توفّي فِي رَجَب سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة بإخميم
١٣٨٨ - عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن يُوسُف قَاضِي الْقُضَاة الشَّيْخ عَلَاء الدّين القونوي
شيخ الشُّيُوخ
قدم دمشق قَدِيما وَسمع الحَدِيث بِهَذِهِ الديار من أبي الْفضل أَحْمد بن هبة الله ابْن عَسَاكِر وَأبي حَفْص عمر بن القواس وَأبي الْعَبَّاس الأبرقوهي وَابْن الصَّواف وَابْن الْقيم والحافظين أبي مُحَمَّد الدمياطي وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق الْعِيد
стр. 3642
وشغل النَّاس بِالْعلمِ شاما ومصرا وَمَعَ مُلَازمَة التَّقْوَى وَحسن السمت وَكَثْرَة الْعلم والإفادة
انْتفع بِهِ أهل مصر ثمَّ ولي قَضَاء الشَّام فَسَار سيرة حَسَنَة
ذكره كَمَال الدّين جَعْفَر الأدفوي فِي كتاب الْبَدْر السافر فَقَالَ شيخ الدَّهْر وعالمه من شادت بِهِ أَرْكَان التصوف ومعالمه إِن ذكر التَّفْسِير فالزمخشري أَو الْفِقْه فالطبري أَو الْبَيَان والبديع فالسكاكي والجزري أَو النَّحْو فالجياني العكبري أَو التصوف فالجنيد وَالسري أَو الْأُصُول فالبحر العجاج والعارض الصيب أَو الْكَلَام فَابْن فورك وَأَبُو الطّيب أَو الجدل وَالْخلاف فالنسفي والعميدي يسلمان لَهُ فِيهِ أَو المنطلق فالخونجي والأبهري يتلقيانه من فِيهِ مَعَ عقل وافر ونسل طَاهِر
أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ قَرِيبا من ثَلَاثِينَ سنة يلقِي دروسا يُدِير من المعارف على أهل العوارف كئوسا إِذا طلع الْفجْر خرج من مَسْكَنه للصَّلَاة بِسُكُون ووقار ثمَّ يسْتَمر فِي إِفَادَة الطّلبَة إِلَى منتصف النَّهَار
انْتهى
وَذكر أَن شيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق الْعِيد قَالَ إِنَّه يُطلق على القونوي اسْم الْفَاضِل استحقاقا قَالَ وناهيك بِابْن دَقِيق الْعِيد من عَالم متضلع ومحتاط بِمَا يَقُوله متورع
стр. 3643
قلت لَا شكّ أَن هَذِه من ابْن دَقِيق الْعِيد منقبة للقونوي عَظِيمَة
درس بِدِمَشْق بِالْمَدْرَسَةِ الإقبالية ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا مُدَّة فِي غَايَة من الْفقر مَعَ عزة النَّفس إِلَى أَن ولي تدريس الشريفية ومشيخة الخانقاه الصلاحية
وصنف شرح الْحَاوِي وَاخْتصرَ منهاج الْحَلِيمِيّ وَشرح كتاب التعرف فِي التصوف وَاخْتصرَ المعالم فِي الْأُصُول
ثمَّ ولي قَضَاء الشَّام وَأقَام دون عَاميْنِ إِلَى أَن مَاتَ فِي رَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة وعمره اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سنة
وَمن شعره أَبْيَات أجَاب بهَا سَائِلًا قصد الطعْن فِي الشَّرِيعَة ذَكرنَاهَا فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ عَلَاء الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الْبَاجِيّ الرسباني
стр. 3644
أنشدنا الْحَافِظ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن رَافع بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ أنشدنا قَاضِي الْقُضَاة عَلَاء الدّين القونوي لنَفسِهِ فِي الشجاج
(إِذا رمت إحصاء الشجاج فهاكها ... مفسرة أسماؤها متواليه)
(فحارصة إِن شقَّتْ الْجلد ثمَّ مَا ... أسالت دَمًا وَهِي الْمُسَمَّاة داميه)
(وباضعة مَا تقطع اللَّحْم وَالَّتِي ... لَهَا الغوص فِيهِ للَّتِي مر تاليه)
(وَتلك لَهَا وصف التلاحم ثَابت ... وَمَا بعْدهَا السمحاق فافهمه واعيه)
(وَقل ذَاك مَا أفْضى إِلَى الْجلْدَة الَّتِي ... تكون وَرَاء اللَّحْم للعظم غاشيه)
(وموضحة مَا أوضح الْعظم باديا ... وهاشمة بِالْكَسْرِ للعظم ناعيه)
(وَمن بعْدهَا مَا ينْقل الْعظم وَاسْمهَا ... منقلة ثمَّ الَّتِي هِيَ آتيه)
(فمأمومة أمت من الرَّأْس أمه ... وَقد بقيت أُخْرَى بهَا الْعشْر وافيه)
(فدامغة تسمى بحرق جليدة ... هِيَ الْأُم كيس للدماغ وحاويه)
(وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي عدهَا وَإِن ... ترد ضبط حكم الْكل فاسمع مقاليه)
(فَفِي الْخَمْسَة الأولى الْحُكُومَة ثمَّ مَا ... بإيضاح عمد فالقصاص وجانيه)
(وخصت بِهَذَا الموضحات بضبطها ... فَلَا عشر فِي استيفائها متكافيه)
стр. 3645
(وَإِن حصلت فِي غير عمد أَو انْتَهَت ... إِلَى المَال عفوا فاقدر الْأَرْش ثَانِيه)
(على دِيَة النَّفس الَّتِي أوضحت بهَا ... فَتلك لنصف الْعشْر مِنْهَا مساويه)
(وَذَا الْقدر أرش الهشيم وَالنَّقْل مُفردا ... وزد لانضمام بِالْحِسَابِ مراعيه)
(فَفِي اثْنَيْنِ مِنْهَا الْعشْر ثمَّ لثالث ... تزيد عَلَيْهِ نصفه إِن تحاشيه)
(ومأمومة فِيهَا من النَّفس ثلثهَا ... ودامغة مثل لَهَا ومكافيه)
(وَقيل بِأَن للدَّفْع لَيْسَ جِرَاحَة ... لتذفيفه كالجز يوحي ملاقيه)
(وَقد نجز الْمَقْصُود والعي وَاضح ... وعجمتي العجماء فِي النّظم باديه)
مناظرة بَين الشَّيْخ عَلَاء الدّين وَالشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد رحمهمَا الله
١٣٨٩ - عَليّ بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن مَنْصُور بن عَليّ
الشَّيْخ زين الدّين أَبُو الْحسن ابْن شيخ العوينة الْموصِلِي ... . .
стр. 3646
١٣٩٠ - عَليّ بن الْحُسَيْن السَّيِّد شرف الدّين الْحُسَيْنِي
وَكيل بَيت المَال بالديار المصرية ونقيب الْأَشْرَاف بهَا ومدرس المشهد الْحُسَيْنِي وَغَيره
وَكَانَ رجلا فَاضلا ممدحا أديبا هُوَ وَالشَّيْخ جمال الدّين ابْن نباتة وَالْقَاضِي شهَاب الدّين ابْن فضل الله أدباء الْعَصْر إِلَّا أَن ابْن نباتة وَابْن فضل الله يزيدان عَلَيْهِ بالشعر فَإِنَّهُ لم يكن لَهُ فِي النّظم يَد وَأما النثر فَكَانَ فِيهِ أستاذا ماهرا مَعَ معرفَة بالفقه وَالْأُصُول والنحو
ومولده سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة
وَكتب إِلَيّ كتابا من الْقَاهِرَة يعزيين فِي الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀
مَاتَ السَّيِّد شرف الدّين فِي ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَدفن بالقرافة
١٣٩١ - عَليّ بن عبد الله بن أبي الْحسن بن أبي بكر الأردبيلي
الشَّيْخ تَاج الدّين التبريزي
نزيل الْقَاهِرَة المتضلع بغالب الْفُنُون من المعقولات وَالْفِقْه والنحو والحساب والفرائض ببلاده
وَأخذ عَن قطب الدّين الشِّيرَازِيّ وعلاء الدّين النُّعْمَان الْخَوَارِزْمِيّ وَخلق
стр. 3647
قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ هُوَ عَالم كَبِير شهير كثير التلامذة حسن الصيانة من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة
قلت كَانَ ماهرا فِي عُلُوم شَتَّى وعني بِالْحَدِيثِ بِالآخِرَة وَسمع بِدِمَشْق ومصر من جمَاعَة من مشيختنا واستكتب كتاب الْمِيزَان فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل لشَيْخِنَا الذَّهَبِيّ وصنف فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْأُصُول والحساب ولازم شغل الطّلبَة بأصناف الْعُلُوم إِلَى أَن توفّي بِالْقَاهِرَةِ فِي شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
رَحمَه الله تَعَالَى
١٣٩٢ - عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْعلي
الْخَطِيب عماد الدّين ولد فَخر الدّين ولد قَاضِي الْقُضَاة عماد الدّين ابْن السكرِي
روى عَن جده لأمه الشَّيْخ بهاء الدّين ابْن الجميزي وَعَن وَالِده الشَّيْخ فَخر الدّين ابْن السكرِي وَعَن جده لِأَبِيهِ قَاضِي الْقُضَاة الْفَقِيه عماد الدّين
وَحدث بِالْقَاهِرَةِ ودمشق
ومولده فِي خَامِس الْمحرم سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
جهز إِلَى التتار رَسُولا فَدخل بِلَاد أذربيجان وَأقَام بهَا أَربع سِنِين ثمَّ عَاد
روى عَنهُ البرزالي وَشَيخنَا الذَّهَبِيّ وَجَمَاعَة
وَذكره أبي الْعَلَاء القوصي وَقَالَ صدر جليل عَالم وَكَانَ يدرس بمشهد الْحُسَيْن بِالْقَاهِرَةِ ومنازل الْعِزّ بِمصْر ويخطب بالجامع الحاكمي
توفّي فِي صفر سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة
стр. 3648
١٣٩٣ - عَليّ بن عبد الْكَافِي بن عَليّ بن تَمام بن يُوسُف بن مُوسَى بن تَمام ابْن حَامِد بن يحيى بن عمر بن عُثْمَان بن عَليّ بن مسوار بن سوار ابْن سليم السُّبْكِيّ
الشَّيْخ الإِمَام الْفَقِيه الْمُحدث الْحَافِظ الْمُفَسّر الْمُقْرِئ الأصولي الْمُتَكَلّم النَّحْوِيّ
стр. 3649
اللّغَوِيّ الأديب الْحَكِيم المنطقي الجدلي الخلافي النظار
شيخ الْإِسْلَام قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين أَبُو الْحسن
(إِمَام النَّاس جَامع كل علم ... فريد الدَّهْر أسمى من تسامى)
(لَهُ التَّفْسِير لِلْقُرْآنِ أَلْقَت ... إِلَيْهِ معادن الْعلم الزماما)
(وَفِي فن الحَدِيث إِلَيْهِ تنضى ... ركائب من يه طلب القياما)
(وَفِي فن الْأُصُول لَهُ سمو ... وَفِي نوع الْفُرُوع غَدا الهماما)
(وَفِي الْعَرَبيَّة الْأَمْثَال سَارَتْ ... بهَا فِي الْخَافِقين لَهُ دواما)
(حوى لُغَة وتصريفا ونحوا ... وأبياتا بِهِ تسمو نظاما)
(وأنسابا وتاريخا مُبينًا ... لأحوال الَّذين غدوا عظاما)
(بديع بَيَان أسلوب الْمعَانِي ... إِذا شرح اسْمهَا للمرء هاما)
(وَفِي علم الْعرُوض وَفِي القوافي ... وَالِاسْتِدْلَال لم يأل اهتماما)
(وَفِي علم الْكَلَام وكل بحث ... غَدا الحبر الْمُقدم والإماما)
شيخ الْمُسلمين فِي زَمَانه والداعي إِلَى الله فِي سره وإعلانه والمناضل عَن الدّين الحنيفي بقلمه وَلسَانه
أستاذ الأستاذين وَأحد الْمُجْتَهدين وخصم المناظرين
جَامع أشتات الْعُلُوم والمبرز فِي الْمَنْقُول مِنْهَا وَالْمَفْهُوم والمشمر فِي رضَا الْحق وَقد أَضَاءَت النُّجُوم
стр. 3650
شَافِعِيّ الزَّمَان وَحجَّة الْإِسْلَام الْمَنْصُوب من طرق الْجنان والمرجع إِذا دجت مشكلة وَغَابَتْ عَن العيان
عباب لَا تكدره الدلاء وسحاب تتقاصر عَنهُ الأنواء وَبَاب للْعلم فِي عصره وَكَيف لَا وَهُوَ عَليّ الَّذِي تمت بِهِ النعماء
(وَكَانَ من الْعُلُوم بِحَيْثُ يقْضى ... لَهُ من كل علم بِالْجَمِيعِ)
وَكَانَ من الْوَرع وَالدّين وسلوك سَبِيل الأقدمين على سنَن ويقين إِن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ
صادع بِالْحَقِّ لَا يخَاف لومة لائم صَادِق فِي النِّيَّة لَا يختشي بطشة ظَالِم صابر وَإِن ازدحمت الضراغم
مَنُوط بِهِ أَمر المشكلات فِي دياجيها محطوط عَن قدره السَّمَاء ودراريها مَبْسُوط قلمه وَلسَانه فِي الْأمة وفتاويها
شيخ الْوَقْف حَالا وعلما وَإِمَام التَّحْقِيق حَقِيقَة ورسما وَعلم الْأَعْلَام فعلا واسما
(إِذا تغلغل فكر الْمَرْء فِي طرف ... من مجده غرقت فِيهِ خواطره)
لَا يرى الدُّنْيَا إِلَّا هباء منثورا وَلَا يدْرِي كَيفَ يجلب الدِّرْهَم فَرحا وَالدِّينَار
стр. 3651
سُرُورًا وَلَا يَنْفَكّ يَتْلُو الْقُرْآن قَائِما وَقَاعِدا رَاكِبًا وماشيا وَلَو كَانَ مَرِيضا مَعْذُورًا
وَكَانَ دعواته تخترق السَّبع الطباق وتفترق بركاتها فتملأ الأفاق وتسترق خبر السَّمَاء وَكَيف لَا وَقد رفعت على يَد ولي الله تفتح لَهُ أَبْوَابهَا ذَوَات الإغلاق
وَكَانَت يَدَاهُ بِالْكَرمِ مبسوطتين لَا يُقَاس إِلَّا بحاتم وَلَا ينشد إِلَّا
(على قدر أهل الْعَزْم تَأتي العزائم ... )
وَلَا يعرف إِلَّا الْعَطاء الجزل
(وَتَأْتِي على قدر الْكِرَام المكارم ... )
(يَد تلوح لأفواه تقبلهَا ... فتستقل الثريا أَن تكون فَمَا)
(وللمعاني الحسان الغر تَكْتُبهَا ... بِأَحْسَن الْخط لما تمسك القلما)
(وللعفاة لتوليهم عوائدها ... فَلَا يرى الْغَيْث شَيْئا لَو وفى وهمى)
(وللدعائي طول اللَّيْل يرفعها ... إِلَى الْإِلَه ليولين بِهِ النعما)
(أعظم بهَا نعما كالبحر ملتطما ... والغيث منسجما والجود منقسما)
يواظب على الْقُرْآن سرا وجهرا لَا يقرن ختام ختمة إِلَّا بِالشُّرُوعِ فِي أُخْرَى وَلَا يفْتَتح بعد الْفَاتِحَة إِلَّا سُورَة تترى
مَعَ تقشف لَا يتردع مَعَه غير ثوب العفاف وَلَا يتطلع إِلَى مَا فَوق مِقْدَار الكفاف وَلَا يتنوع إِلَّا فِي أَصْنَاف هَذِه الْأَوْصَاف
стр. 3652
يقطع اللَّيْل تسبيحا وقرآنا وقياما لله لَا يُفَارِقهُ أَحْيَانًا وبكاء يفِيض من خشيَة الله ألوانا
أقسم بِاللَّه أَنه لفوق مَا وَصفته وَإِنِّي لناطق بهَا وغالب ظَنِّي أَنِّي مَا أنصفته وَإِن الغبي سيظن فِي أمرا مَا تصورته
(وَمَا عَليّ إِذا مَا قلت معتقدي ... دع الحسود يظنّ السوء عُدْوانًا)
(هَذَا الَّذِي تعرف الْأَمْلَاك سيرته ... إِذا ادلهم دجى لم يبْق سهرانا)
(هَذَا الَّذِي يسمع الرَّحْمَن صائحه ... إِذا بَكَى وأفاض الدمع ألوانا)
(هَذَا الَّذِي يسمع الرَّحْمَن دَعوته ... إِذا تقَارب وَقت الْفجْر أَو حانا)
(هَذَا الَّذِي تعرف الغبراء جَبهته ... من السُّجُود طوال اللَّيْل عرفانا)
(هَذَا الَّذِي لم يُغَادر سيل مدمعه ... أَرْكَان شبيبته الْبَيْضَاء أَحْيَانًا)
(وَالله وَالله وَالله الْعَظِيم وَمن ... أَقَامَهُ حجَّة فِي الْعَصْر برهانا)
(وحافظا لنظام الشَّرْع ينصره ... نصرا يلقيه من ذِي الْعَرْش غفرانا)
(كل الَّذِي قلت بعض من مناقبه ... مَا زِدْت إِلَّا لعَلي زِدْت نُقْصَانا)
وَمَا زَالَ فِي علم يرفعهُ وتصنيف يَضَعهُ وشتات تَحْقِيق يجمعه إِلَى أَن سَار إِلَى دَار الْقَرار وَمَا سَاد أحد ناواه وَلَا كَانَ ذَا استبصار وَلَا سَاءَ من وَالَاهُ بل عَمه
стр. 3653
بِالْفَضْلِ المدرار وَلَا سَاغَ بسوى طَرِيقه الاهتداء وَالِاعْتِبَار وَلَا ساح بِغَيْر نَادِيه نيل يخجل وابل الأمطار وَلَا ساخ قدم فَتى قَامَ بنصرته وَقَالَ أنْصر بَقِيَّة الْأَنْصَار وَلَا سَالَ إِلَّا ويداه مبسوطتان وابل كرم فِي هَذِه الديار وَلَا سامة أحد بِسوء إِلَّا وَكَانَت عَلَيْهِ دَائِرَة الْفلك الدوار وَلَا سَاقه الله حِين قَبضه إِلَّا إِلَى جنَّة عدن أعدت لأمثاله من الْمُتَّقِينَ الْأَبْرَار
ولد فِي ثَالِث صفر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة
وتفقه فِي صغره على وَالِده وَكَانَ من الِاشْتِغَال على جَانب عَظِيم بِحَيْثُ يسْتَغْرق غَالب ليله وَجَمِيع نَهَاره وَحكى لي أَنه لم يَأْكُل لحم الْغنم إِلَّا بعد الْعشْرين من عمره لحدة ذهنه وَأَنه كَانَ إِذا شم رَائِحَته حصل لَهُ شرى وَإِنَّمَا كَانَ يخرج من الْبَيْت صَلَاة الصُّبْح فيشتغل على الْمَشَايِخ إِلَى أَن يعود قريب الظّهْر فيجد أهل الْبَيْت قد عمِلُوا لَهُ فروجا فيأكله وَيعود إِلَى الِاشْتِغَال إِلَى الْمغرب فيأكل شَيْئا حلوا لطيفا ثمَّ يشْتَغل بِاللَّيْلِ وَهَكَذَا لَا يعرف غير ذَلِك حَتَّى ذكر لي أَن وَالِده قَالَ لأمه هَذَا الشَّاب مَا يطْلب قطّ درهما وَلَا شَيْئا فَلَعَلَّهُ يرى شَيْئا يُرِيد أَن يَأْكُلهُ فضعي فِي منديل درهما أَو دِرْهَمَيْنِ فَوضعت نصف دِرْهَم
стр. 3654
قَالَت الْجدّة فاستمر نَحْو جمعتين وَهُوَ يعود والمنديل مَعَه وَالنّصف فِيهِ إِلَى أَن رمى بِهِ إِلَيّ وَقَالَ أيش أعمل بِهَذَا خذوه عني
وَكَانَ الله تَعَالَى قد أَقَامَ وَالِده ووالدته للْقِيَام بأَمْره فَلَا يدْرِي شَيْئا من حَال نَفسه
ثمَّ زوجه وَالِده بابنة عَمه وعمره خمس عشرَة سنة وألزمها أَن لَا تحدثه فِي شَيْء من أَمر نَفسهَا وَكَذَلِكَ ألزمها والدها وَهُوَ عَمه الشَّيْخ صدر الدّين فاستمرت مَعَه ووالده ووالدها يقومان بأمرهما وَهُوَ لَا يَرَاهَا إِلَّا وَقت النّوم وصحبته مُدَّة ثمَّ إِن والدها بلغه أَنَّهَا طالبته بِشَيْء من أَمر الدُّنْيَا فَطَلَبه وَحلف عَلَيْهِ بِالطَّلَاق ليُطَلِّقهَا فَطلقهَا فَانْظُر إِلَى اعتناء وَالِده وَعَمه بأَمْره وَكَانَ ذَلِك خوفًا مِنْهُمَا أَن يشْتَغل باله بِشَيْء غير الْعلم
ثمَّ إِنَّه دخل الْقَاهِرَة مَعَ وَالِده وَعرض محافيظ حفظهَا التَّنْبِيه وَغَيره على ابْن بنت الْأَعَز وَغَيره وَقيل إِن وَالِده دخل بِهِ إِلَى شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد عرض عَلَيْهِ التَّنْبِيه وَإِن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَالَ لوالده رد بِهِ إِلَى الْبر إِلَى أَن يصير فَاضلا عد بِهِ إِلَى الْقَاهِرَة فَرد بِهِ إِلَى الْبر
قَالَ الْوَالِد ﵀ فَلم أعد إِلَّا بعد وَفَاة الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ففاتتني مُجَالَسَته فِي الْعلم
وَسمعت الْوَالِد يَقُول أَنا مَا أتحقق الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَلَكِنِّي أذكر أَنِّي دخلت دَار الحَدِيث الكاملية بِالْقَاهِرَةِ وَرَأَيْت شَيخا هَيئته كَهَيئَةِ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الموصوفة
стр. 3655
لنا لَعَلَّه هُوَ وَسمعت الْحَافِظ تَقِيّ الدّين أَبَا الْفَتْح ابْن الْعم ﵀ يَقُول هُوَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَلَكِن الشَّيْخ الإِمَام لورعه لَا يجْزم مَعَ أدنى احْتِمَال
ثمَّ لما دخل الْقَاهِرَة بعد أَن صَار فَاضلا تفقه على شَافِعِيّ الزَّمَان الْفَقِيه نجم الدّين ابْن الرّفْعَة وَقَرَأَ الْأَصْلَيْنِ وَسَائِر المعقولات على الإِمَام النظار عَلَاء الدّين الْبَاجِيّ والمنطق وَالْخلاف على سيف الدّين الْبَغْدَادِيّ وَالتَّفْسِير على الشَّيْخ علم الدّين الْعِرَاقِيّ والقراءات على الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن الصَّائِغ والفرائض على الشَّيْخ عبد الله الغماري الْمَالِكِي
وَأخذ الحَدِيث عَن الْحَافِظ شرف الدّين الدمياطي ولازمه كثيرا ثمَّ لَازم بعده وَهُوَ كَبِير إِمَام الْفَنّ الْحَافِظ سعد الدّين الْحَارِثِيّ
وَأخذ النَّحْو عَن الشَّيْخ ابْن حَيَّان وَصَحب فِي التصوف الشَّيْخ تَاج الدّين ابْن عَطاء الله
وَسمع بالإسكندرية من أبي الْحُسَيْن يحيى بن أَحْمد بن عبد الْعَزِيز بن الصَّوَاب وَعبد الرَّحْمَن بن مخلوف بن جمَاعَة وَيحيى بن مُحَمَّد بن عبد السَّلَام
وبالقاهرة من عَليّ بن نصر بن الصَّواف وَعلي بن عِيسَى بن الْقيم وَعلي بن مُحَمَّد بن هَارُون الثَّعْلَبِيّ والحافظ أبي مُحَمَّد عبد الْمُؤمن بن خلف الدمياطي وشهاب بن عَليّ
стр. 3656
المحسني وَالْحسن بن عبد الْكَرِيم سبط زِيَادَة ومُوسَى بن عَليّ بن أبي طَالب وَمُحَمّد بن عبد الْعَظِيم بن السَّقطِي وَمُحَمّد بن المكرم الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الصُّوفِي وَمُحَمّد بن نصير بن أَمِين الدولة ويوسف بن أَحْمد المشهدي وَعمر بن عبد الْعَزِيز بن الْحُسَيْن بن رَشِيق وشهدة بنت عمر بن العديم
وبدمشق من ابْن الموازيني وَابْن مشرف وَأبي بكر بن أَحْمد بن عبد الدَّائِم وَأحمد بن مُوسَى الدشتي وَعِيسَى الْمطعم وَإِسْحَاق بن أبي بكر بن النّحاس وَسليمَان بن حَمْزَة القَاضِي وَخلق
وَأَجَازَ لَهُ من بَغْدَاد الرشيد بن أبي الْقَاسِم وَإِسْمَاعِيل بن الطبال وَغَيرهمَا
وَجمع مُعْجَمه الجم الْغَفِير وَالْعدَد الْكثير وَكتب بِخَطِّهِ وَقَرَأَ الْكثير بِنَفسِهِ وَحصل الْأَجْزَاء الْأُصُول وَالْفُرُوع وَسمع الْكتب وَالْمَسَانِيد وَخرج وانتقى على كثير من شُيُوخه وَحدث بِالْقَاهِرَةِ ودمشق
سمع مِنْهُ الْحفاظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي وَأَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ وَأَبُو مُحَمَّد البرزالي وَغَيرهم
ذكره الذَّهَبِيّ فِي المعجم الْمُخْتَص فَقَالَ القَاضِي الإِمَام الْعَلامَة الْفَقِيه الْمُحدث الْحَافِظ فَخر الْعلمَاء تَقِيّ الدّين أَبُو الْحسن السُّبْكِيّ ثمَّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي ولد القَاضِي الْكَبِير زين الدّين
стр. 3657
مولده سنة ثَلَاث وثماني وسِتمِائَة
سمع من الدمياطي وطبقته وبالثغر من شَيخنَا يحيى الصَّوَاب لحقه بآخر رَمق وبدمشق من ابْن الموازيني وَابْن مشرف وبالحرمين
وَكَانَ صَادِقا متثبتا خيرا دينا متواضعا حسن السمت من أوعية الْعلم يدْرِي الْفِقْه ويقرره وَعلم الحَدِيث ويحرره وَالْأُصُول ويقرئها والعربية ويحققها ثمَّ قَرَأَ بالروايات على تَقِيّ الدّين ابْن الصَّائِغ وصنف التصانيف المتقنة وَقد بَقِي فِي زَمَانه الملحوظ إِلَيْهِ بالتحقيق وَالْفضل
سَمِعت مِنْهُ وَسمع مني وَحكم بِالشَّام وحمدت أَحْكَامه فَالله يُؤَيّدهُ ويسدده سمعنَا مُعْجَمه بالكلاسة انْتهى
وَذكره أَيْضا فِي مُعْجم شُيُوخ وَفِي تذكرة الْحفاظ وَغَيرهمَا من كتبه
ذكره الْفَاضِل الأديب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى بن فضل الله الْعمريّ فِي كتاب مسالك الْأَبْصَار فَقَالَ بعد ذكر نسبه حجَّة الْمذَاهب مفتي الْفرق قدوة الْحفاظ آخر الْمُجْتَهدين قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين أَبُو الْحسن صَاحب التصانيف التقي الْبر الْعلي الْقدر
سمي عَليّ كرم الله وَجهه الَّذِي هُوَ بَاب الْعلم وَلَا غرو أَن كَانَ هَذَا الْمدْخل إِلَى ذَلِك الْبَاب والمستخرج من دَقِيق ذَلِك الْفضل هَذَا اللّبَاب والمستمير من تِلْكَ الْمَدِينَة الَّتِي ذَلِك الْبَاب بَابهَا والواقف عَلَيْهَا من سميه فَذَاك بَابهَا وَهَذَا بوابها
وبحر لَا يعرف لَهُ عبر وَصدر لَا يداخله كبر وأفق لَا تقيسه كف
стр. 3658
الثريا بشبر وأصيل قدره أجل مِمَّا يموه بِهِ لجين النَّهَار ذائب التبر
إِمَام نَاضِح عَن رَسُول الله ﷺ بنضاله وجاهد بجداله وَلم يلطخ بالدماء حد نصاله
حمى جناب النُّبُوَّة الشريف بقيامه فِي نَصره وتسديد سهامه للذب عَنهُ من كنَانَة مصره فَلم يخط على بعد الديار سَهْمه الراشق وَلم يخف مسام تِلْكَ الدسائس فهمه الناشق
ثمَّ لم يزل حَتَّى نقي الصُّدُور من شبه دنسها وَوُقِيَ من الْوُقُوع فِي ظلم حندسها
قَامَ حِين خلط على ابْن تَيْمِية الْأَمر وسول لَهُ قرينه الْخَوْض فِي ضحضاح ذَلِك الْجَمْر حِين سد بَاب الْوَسِيلَة يغْفر الله لَهُ وَلَا حرمهَا وَأنكر شدّ الرّحال لمُجَرّد الزِّيَارَة لَا واخذه الله وَقطع رَحمهَا
وَمَا برح يدلج ويسير حَتَّى نصر صَاحب ذَلِك الْحمى الَّذِي لَا ينتهك نصرا مؤزرا وكشف من خبء الضمائر فِي الصُّدُور عَنهُ صَدرا موغرا فَأمْسك مَا تماسك من بَاقِي العرى وَحصل أجرا فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة يرى حَتَّى سهل السَّبِيل إِلَى زِيَارَة صَاحب الْقَبْر ﵊ وَقد كَادَت تزور عَنهُ قسرا صُدُور الركائب وتجر قهرا أَعِنَّة الْقُلُوب وَهن لوائب بِتِلْكَ الشُّبْهَة الَّتِي كَادَت شرارتها تعلق بحداد
стр. 3659
الأوهام وتمد غيهب صداها صدأ على مزايا الأفهام وهيهات كَيفَ يزار الْمَسْجِد وَيخْفى صَاحبه ﷺ أَو يخفيه الْإِبْهَام أَو تذاد الْمطِي عَنهُ وَهِي تتراشق إِلَيْهِ كالسهام ولولاه ﷺ لما عرف تَفْضِيل ذَلِك الْمَسْجِد وَلَا يم إِلَى ذَلِك الْمحل تأميل المغير وَلَا المنجد ولولاه لما قدس الْوَادي وَلَا أسس على التَّقْوَى مَسْجِد فِي ذَلِك النادي وَكَذَلِكَ قبلهَا شكر الله لَهُ قَامَ فِي لُزُوم مَا انْعَقَد عَلَيْهِ الْإِجْمَاع وَبعد الظُّهُور بمخالفته على الأطماع
وَمنع فِي مَسْأَلَة الطَّلَاق أَن تجْرِي فِي الْكَفَّارَة مجْرى الْيَمين وَأَن تجلى فِي صُورَة إِن حققت لَا تبين خوفًا على مَحْفُوظ الْأَنْسَاب ومحظوظ الأحساب لما كَانَت تُؤدِّي إِلَيْهِ هَذِه الْعَظِيمَة وتستولي عَلَيْهِ هَذِه الْمُصِيبَة العميمة
وصنف فِي الرَّد على هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ كِتَابيه بل جرد سَيْفه وأرهف ذبابيه ورد الْقرن وَهُوَ ألذ خصيم وَشد عَلَيْهِ وَهُوَ يشد على غير هزيم وقابله وَهُوَ الشَّمْس الَّتِي تعشي الْأَبْصَار وقاتله وَكم جهد مَا يثبت البطل لعَلي وَفِي يَده ذُو الفقار
(وتطاعنا وتواقفت خيلاهما ... وَكِلَاهُمَا بَطل اللِّقَاء مقنع)
стр. 3660
وَمَا زَالا حَتَّى تقصدت الصفاح وتقصفت الرماح وتحيفت الْكَلم الْأَدِلَّة وجف الْقَلَم حَتَّى لم يبْق فِي فِيهِ بلة وانجلت غياهب ذَلِك العثير تبرق فِيهِ صفحات الْحق السوي والحظ السعيد النَّبَوِيّ والنصر المحمدي إِلَّا أَنه بالفتوح الْعلوِي بجهاد أيد صَاحب الشَّرِيعَة وآزره ورد على من سد بَاب الذريعة وخذل ناصره وأمضى يسابق إِلَيْهِ مرمى طرفه
جواد جرى على أعراقه وَجَاء على إِثْر سباقه
من عِصَابَة الْأَنْصَار حَيْثُ يعرف فِي الْحسب التليد ويدخر شرف النّسَب للمواليد وتصغر عظائم الأخيار وتصعر هَامة كل جَبَّار وتنشر ذؤابة يعرب على كتف شرفها وتركز عِصَابَة الْمجد المؤثل لسلفها
(وَالله أَوْس آخَرُونَ وخزرج ... )
لَا بل هُوَ مِمَّن تشيدت بِهِ حصونهم الحصينة وحميت بِهِ أَن يدْخل الدَّجَّال أنقاب الْمَدِينَة واستله الفخار من بقايا تِلْكَ الأسرة فِي أكْرم ظُهُورهَا وَأعظم شموسها
стр. 3661
المجللة للآفاق بظهورها وَأَعْلَى آياتها فِي مراقي الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة درجا وَأسرى فِي أرجاء طيبَة الطّيبَة أرجا وأحوى لعلومها أشتاتا ولعلوها فِي أَسَانِيد العوالي إِثْبَاتًا ولحنوها على من نزل بهَا فِيمَا هُوَ أدفأ وأكن أبياتا وأسكن فِي صُدُور محافلها من الْأَسْرَار وأطلع فِي أفق جحافلها من الأقمار
بزغ من مطلع الصَّحَابَة ﵃ وَنزع بِهِ عرقه إِلَى التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان وَهُوَ مثلهم إِن لم يكن مِنْهُم
ثمَّ خرج من بَيت الوزارة حَتَّى تتقاصر النُّجُوم وتتناصر ثمَّ تتناصف الْخُصُوم وتخفض أَعْنَاق الغيوم وَيجْرِي رحضاء الْبَرْق كَأَنَّهُ مَحْمُوم وتخضر أندية الْأُفق وَسُهيْل قد نبذ بالعراء كَأَنَّهُ ملوم ويسري هودج النَّجْم وَكَأَنَّهُ برسن الجوزاء مزموم ويباري صدر صَدره اللَّيْل فيربد حنقا وَلَو ألقِي فِي تياره لما اسْتَطَاعَ أَن يقوم ويتطاير زبد شبهه ويتنفس سحره كَأَنَّهُ مظلوم وَيظْهر على آخر فجره ثمَّ يخفى كَأَنَّهُ غيظ مكظوم ويضاهي مرآه مرْآة الضوي النَّهَار وأنى لَهُ وَوجه صباحه كَأَنَّهُ من حمرَة الشَّفق ملطوم وَلَو بذل ألفا مثل دِينَار شمسه لما بلغ مَا يروم
стр. 3662
وبرز فِي طلب الْعلم حَتَّى أسكت لِسَان كل مُتَكَلم وأمات ذكر كل مُتَقَدم
وَأَحْيَا إِمَامَة الشَّافِعِي بنشر مذْهبه وَنصر ذِي النّسَب الْقرشِي فِي علياء رتبه
وَقَامَ بالاحتجاج لإِمَام بني الْمطلب فِي الائتمام بشريعة سيد بني عبد الْمطلب وَإِقَامَة الْحجَّة فِي سَبَب تَقْدِيمه وَحسب مَا أحرز فِي حَدِيثه مُضَافا إِلَى قديمه يحْتَج لقوليه ويحتل كنف مذْهبه الْمُمْتَنع من طريقيه حَتَّى أَصبَحت تسفر لَهُ وجوهه سافرة النقب ضاهرة المحاسن من وَرَاء الْحجب
لَا ترد الهيم إِلَّا حياضة وَلَا يعد النسيم إِلَّا رياضة حَتَّى تفرد وَالزَّمَان بِعَدَد أَهله مشحون وَالْعصر بمحاسن بنيه مفتون وساد أهل مصر قاطبة واستوطنها وضرتها الشَّام لَهُ خاطبة وَكَانَ بهَا لدين يقيمه ويقين يديمه وتقى هُوَ وَصفه وَعلا أَرَادَ مطاولتها الطود وَمَا هُوَ نصفه
وَقطع بهَا مُدَّة مقَامه فِي علم ينشره وَحقّ ينصره وضال يهديه وطالب يجديه وَسنة يؤيدها وبدعة فِي دكادك الخذلان يلحدها وزيغ يقوم منآده وزيف يعجل انتقاده وَطَرِيقَة سلف مَا عادها وَحَقِيقَة خلف مَا أنكرتها عَداهَا
وفتاو يعْتَمد عَلَيْهَا فُقَهَاء الْآفَاق ويستند إِلَيْهَا عُلَمَاء مصر وَالشَّام وَالْعراق
стр. 3663
وتصانيف هِيَ جادة السَّبِيل ومادة الدَّلِيل تصد الأضاليل وَترد الأباطيل وَترد على الْعلمَاء فغاية الْمجِيد أَن يستحضر مَا حوته من نقُول أَو يَمْتَد إِلَى أَن يعد نَفسه مَعَه فَلَا يزِيد على أَن يكْتب تَحت خطه كَذَلِك نقُول
ثمَّ ولي قَضَاء الشَّام فأزال عطله وأزاح خطله وَأصْلح فاسده ونفق كاسده وتوقل ذرْوَة منصبه حَتَّى لَا يمتطى السنام وَلَا يستصلح الْأَنَام وَلَا يُوجد المؤهل وَاحِد فِي مصر وَلَا شامه فِي الشَّام فَحكم بسيرة العمرين فِي الْإِنْصَاف وَحكى صُورَة القمرين فِي الْأَوْصَاف
وانتهت إِلَيْهِ مشيخة دَار الحَدِيث بِالِاسْتِحْقَاقِ فوليها وَعرضت لَهُ أخواتها فَمَا رضيها
وتدارك الْعلم وَلم يبْق مِنْهُ إِلَّا آخر الرمق وصان الْمَذْهَب وَمَا لَهُ وَجه إِلَّا ظَاهر الرهق
وانتاش الطّلبَة من مراقد الخمول ومقاعد الونى عَن أَوَائِل الحمول حَتَّى نقضت كواكبهم عَن مقلها الْكرَى ورفضت سحائبهم إِلَّا مُوَاصلَة السرى إِلَّا أَن كثر الْعلم وطالبه وَعز ذُو الْفضل وَصَاحبه بكرم لله دره مَا أغزره وجود مَا أقل لَدَيْهِ حد الْبَحْر وَمَا أنزره
стр. 3664
لَو عاصره حَاتِم وَهُوَ فِي الْكَرم لما ذكر أَو كَعْب بن مامة وَقد سمح حَتَّى بحص جنَاحه لما شكر بندى يغص بِهِ الْبَحْر شرقا ويتفصد جبين السَّحَاب عرقا ويتهيبه الْبَرْق فترتعد فرائصه فرقا ويختشي صوائبه الرَّعْد فيتعوذ وَلَا يَنْفَعهُ الرقى
هَذَا كُله وَهُوَ بعض مَا فِي كرم سجاياه وَأَقل مِمَّا فِي كثير مزاياه
هَذَا إِلَى جبين كالهلال ووقار عَلَيْهِ سميا الْجلَال وأدب أعذب فِي الْمقبل من المَاء الزلَال وَأطيب فِي المقيل من برد الظلال بنوادر أحر من الْجَمْر وألعب بالعقول أسْتَغْفر الله من الْخمر
حدا على طَريقَة سلفه المعرب مَا قصرت عَن مداه الْأَوَائِل واستجدت من نداه النائل وطرف علمه مِنْهُ بِمِقْدَار مَا أَعَانَهُ على التَّفْسِير الَّذِي أسكت عَارضه كل قَائِل وَغير هَذَا من انتزاع الْميل وأقامة الدَّلَائِل
ثمَّ سرح إِلَى حَيْثُ يسرح الطّرف ويدئب الطّرف ويلم بنادي المتيمين
стр. 3665
وَينزل بوادي سلف أهل الصبابة المغرمين ويخالط تِلْكَ الْعِصَابَة فِي كيسها وَيذكر حَدِيث ليلى وقيسها لطائف لَو أَنَّهَا لأهل ذَلِك الزَّمَان السالف لما قَالُوا الأسمار إِلَّا فِي طرائف ظرائفها وَلَا قَالُوا فِي سمُرَات الْحَيّ إِلَّا فِي ظلّ وارفها وَلَا زادوا فِي ربيع بن أبي ربيعَة إِلَّا بعض زخارفها وَلَا عدوا جميلا إِلَّا مَا نشر من فضل مطارفها وَلَا رجعُوا عَنْهَا إِلَى مَذْهَب جرير فِي أوبه وَلَا خيموا عزل الأناشيد بتوبه كل ذَلِك بِطرف أدب غض الجنى لي مِنْهُ إِلَّا إطراب السَّامع وتنويع مَا لَا إِثْم فِيهِ إِذا قيل فِي فَضله الْجَامِع هُوَ الله الْجَامِع الَّذِي لَا يضاهي بيُوت عِبَادَته الْمَسَاجِد وَلَا يساهر مقل قناديلها طرفه الهاجد وَلَا تضم ضلوع محاريها مثل صَدره وَلَا تشْتَمل أحناء عقودها على مثل سره بسيرة زينها العفاف فَمَا تدنست صحف أَيَّامهَا وأقنعها الكفاف فَمَا رَأَتْ مَا زَاد عَلَيْهِ إِلَّا من آثامها
وَقد عَادَتْ دمشق بِهِ معمورة الأندية مأثورة الأنحية باهرة الْعلمَاء ظَاهِرَة بزينة نُجُوم السَّمَاء مَاضِيَة على مَنْهَج القدماء قاضية على سواهَا بِأَن الْعلم فِيهَا بِالْحَقِيقَةِ وَفِي غَيرهَا بالأسماء
стр. 3666
وَهَذَا هُوَ الْيَوْم وَالله يبقيه خير من أظلته خضراؤها وصغرت لَدَى قدره الْجَلِيل كبراؤها قد ملك قُلُوب أَهلهَا المتباينة وسَاق بعصاه سوائم شردها المتعاصية واستوسق بِهِ أَمر الشَّام لعَلي وَكَانَ لَا يُطِيع إِلَّا مُعَاوِيَة
انْتهى
وَذكر بعد ذَلِك شَيْئا من حَاله وَقَالَ فِي آخِره وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْعلم فِي الْقرَاءَات والْحَدِيث والأصلين وَالْفِقْه
هَذَا كَلَام ابْن فضل الله وَلَا يخفى مَا كَانَ بَينه وَبَين الْوَالِد من الشحناء
وَذكره الشَّيْخ الإِمَام الأديب صَلَاح الدّين أَبُو الصفاء خَلِيل بن أيبك الصَّفَدِي فِي كتاب أَعْيَان الْعَصْر فَقَالَ بعد ذكر نسبه الإِمَام الْعَالم الْعَامِل الزَّاهِد العابد الْوَرع الخاشع البارع الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام حبر الْأمة مفتي الْفرق الْمُقْرِئ الْمُحدث الرحلة الْمُفَسّر الْفَقِيه الأصولي البليغ الأديب المنطيقي الجدلي النظار جَامع الْفُنُون عَلامَة الزَّمَان قَاضِي الْقُضَاة أوحد الْمُجْتَهدين تَقِيّ الدّين أَبُو الْحسن الْأنْصَارِيّ الخزرجي السُّبْكِيّ الشَّافِعِي الْأَشْعَرِيّ
(يَا سعد هَذَا الشَّافِعِي الَّذِي ... بلغه الله تَعَالَى رِضَاهُ)
(يَكْفِيهِ يَوْم الْحَشْر أَن عد فِي ... أَصْحَابه السُّبْكِيّ قَاضِي الْقُضَاة)
أما التَّفْسِير فيا إمْسَاك ابْن عَطِيَّة وَوُقُوع الرَّازِيّ مَعَه فِي رزية
وَأما الْقرَاءَات فيا بعد الداني وبخل السخاوي بإتقان السَّبع المثاني
وَأما الحَدِيث فيا هزيمَة ابْن عَسَاكِر وعي الْخَطِيب لما أَن يذاكر
стр. 3667
وَأما الْأُصُول فيا كلال حد السَّيْف وعظمة فَخر الدّين كَيفَ تحيفها الحيف
وَأما الْفِقْه فيا وُقُوع الْجُوَيْنِيّ فِي أول مهلك من نِهَايَة الْمطلب وجر الرَّافِعِيّ إِلَى الْكسر بعد انتصاب علمه الْمَذْهَب فِي الْمَذْهَب
وَأما الْمنطق فيا إدبار دبيران وقذى عينه وابتهار الْأَبْهَرِيّ وغطاء كشفه بمينه
وَأما الْخلاف فيا نسف جبال النَّسَفِيّ وعمى العميدي فَإِن إرشاده خَفِي
وَأما النَّحْو فالفارسي ترجل إِلَيْهِ يطْلب إعظامه والزجاجي تكسر جمعه مَا فَازَ بالسلامة
وَأما اللُّغَة فالجوهري مَا لصحاحة قيمَة والأزهري أظلمت لياليه الْبَهِيمَة
وَأما الْأَدَب فَصَاحب الذَّخِيرَة استعطى وَوَاضِع الْيَتِيمَة تَركهَا وَذهب إِلَى أَهله يتمطى
وَأما الْحِفْظ فَمَا سد السلَفِي خلة ثغره وَكسر قلب الْجَوْزِيّ لما أكل الْحزن لبه وَخرج من قشره
стр. 3668
هَذَا إِلَى إتقان فنون يطول سردها وَيشْهد الامتحان أَنه فِي الْمَجْمُوع فَردهَا واطلاع على معارف أخر وفوائد مَتى تكلم فِيهَا قلت بَحر زخر
إِذا مَشى النَّاس فِي رقراق علم كَانَ هُوَ خائض اللجة وَإِذا خبط النَّاس عشواء سَار هُوَ فِي بَيَاض المحجة
وَأما الْأَخْلَاق فَقل أَن رَأَيْتهَا فِي غَيره مَجْمُوعَة أَو وجد فِي أكياس النَّاس دِينَار على سكتها المطبوعة
فَم بسام وَوجه بَين الْجمال والجلال قسام وَخلق كَأَنَّهُ نفس السحر على الزهر نسام
وكف تخجل الغيوث من ساجمها وَتشهد البرامكة أَن نفس حَاتِم فِي نقش خاتمها
وحلم لَا يَسْتَقِيم مَعَه الْأَحْنَف وَلَا يرى الْمَأْمُون مَعَه إِلَّا خائنا عِنْد من روى أَو صنف وَلَا يُوجد لَهُ فِيهِ نَظِير وَلَا فِي غرائب أبي مخنف وَلَا يحمل عَلَيْهِ حمل فَإِنَّهُ جَاءَ فِيهِ بِالْكَيْلِ المكنف
لم أره انتقم لنَفسِهِ مَعَ الْقُدْرَة وَلَا شمت بعدو هزم بعد النُّصْرَة بل يعْفُو ويصفح عَمَّن أجرم ويتألم لمن أوقد الدَّهْر نَار حربه وأضرم
стр. 3669
ورعاية ود لصَاحبه الَّذِي قدم عَهده وتذكر لمحاسنه الَّتِي كَاد يمحوها بعده
وطهارة لِسَان لم يسمع مِنْهُ فِي غيبَة بنت شفة وَلَا تسف طيور الْمَلَائِكَة مِنْهُ على سفه
وزهد فِي الدُّنْيَا وأقلامه تتصرف فِي الْأَمْوَال ويفضها على ممر الْأَيَّام وَالْجمع وَالْأَشْهر وَالْأَحْوَال واطراح للملبس والمأكل وعزوف عَن كل لَذَّة وإعراض عَن أَعْرَاض هَذِه الدُّنْيَا الَّتِي خلق الله النُّفُوس إِلَيْهَا مغذة
هَذَا مَا رَآهُ عياني وَختم عَلَيْهِ جناني
وَأما مَا وصف لي من قيام الدجا وَالْوُقُوف فِي مقَام الْخَوْف والرجا فَأمر أَجْزم بصدقه وَأشْهد بِحقِّهِ فَإِن هَذَا الظَّاهِر لَا يكون لَهُ بَاطِن غير هَذَا وَلَا يرى غَيره حَتَّى الْمعَاد معَاذًا
(علم الزَّمَان حِسَاب كل فَضِيلَة ... بِجَمَاعَة كَانَت لتِلْك محركه)
(فَرَآهُمْ مُتَفَرّقين على المدا ... فِي كل فن وَاحِدًا قد أدْركهُ)
(فَأتى بِهِ من بعدهمْ فَأتى بِمَا ... جاؤوا بِهِ جمعا فَكَانَ الفذلكه)
стр. 3670
ثمَّ انْدفع القَاضِي صَلَاح الدّين فِي ذكر شَيْء من أَحْوَاله وكراماته وأخباره فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبهُ وَله بِهِ خُصُوصِيَّة
стр. 3671
رَحل الْوَالِد ﵀ إِلَى الشَّام فِي طلب الحَدِيث فِي سنة سِتّ وَسَبْعمائة وناظر بهَا وَأقر لَهُ علماؤها وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة فِي سنة سبع مستوطنا مُقبلا على التصنيف والفتيا وشغل الطّلبَة وَتخرج بِهِ فضلاء الْعَصْر
стр. 3672
ثمَّ حج فِي سنة سِتّ عشرَة وزار قبر الْمُصْطَفى ﷺ ثمَّ عَاد وَألقى عَصا السّفر وَاسْتقر والفتاوى ترد عَلَيْهِ من أقطار الأَرْض وَترد إِلَيْهِ بَعْضًا على بعض
وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْمَذْهَب بِمصْر فَمَا طافت على نَظِيره وَإِن سَقَاهَا النّيل وَرَوَاهَا وَلَا اشْتَمَلت على مثله أباطحها ورباها وَلَا فخرت إِلَّا بِهِ حَتَّى لقد لعبت بأعطاف البان مهاب صباها
وَفِي هَذِه الْمدَّة رد على الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس ابْن تَيْمِية فِي مَسْأَلَتي الطَّلَاق والزيارة وَألف غَالب مؤلفاته الْمَشْهُورَة كالتفسير وتكملة شرح الْمُهَذّب وَشرح الْمِنْهَاج للنووي وَغير ذَلِك من مَبْسُوط ومختصر
وطار اسْمه فَمَلَأ الأقطار وَحلق على الدُّنْيَا وَلم يكتف بِمصْر من الْأَمْصَار شهرة بَعدت أطرافا وعمدت إِلَى الرّبع العامر من جانبيه تحاول عَلَيْهِ إشرافا
стр. 3673
وَتَمَادَى الْأَمر إِلَى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فِي تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وَكَانَ قد تهَيَّأ لملازمة بَيته وَذَلِكَ أَنه كَانَ من عَادَته من حِين يهل شهر رَجَب لَا يخرج من بَيته حَتَّى يَنْسَلِخ شهر رَمَضَان إِلَّا لصَلَاة الْجُمُعَة فَطَلَبه السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون ﵀ وَذكر لَهُ أَن قَضَاء الشَّام قد شغر بوفاة جلال الدّين الْقزْوِينِي وأراده على ولَايَته فَأبى فَمَا زَالَ السُّلْطَان إِلَى أَن ألزمهُ بذلك بعد ممانعة طَوِيلَة فِي مجْلِس متماد يطول شَرحه فَقبل الْولَايَة يالها غلطة أُفٍّ لَهَا وورطة ليته صمم وَلَا فعلهَا
فَقدم دمشق وَسَار على مَا يَلِيق بِهِ من قدم مَا نرى القَاضِي بكارا زَاد عَلَيْهِ إِلَّا بتبكيره ومجيئه فِي أول الزَّمَان وَهَذَا جَاءَ فِي أخيره مصمما فِي الْحق لَا تَأْخُذهُ فِيهِ لومة لائم صادعا بِالشَّرْعِ لَا يهاب بَطش الظَّالِم غير ملتفت إِلَى شَفِيع وَلَا مكترث بِذِي قدر رفيع
(حَتَّى يَقُول لِسَان الْحَال ينشده ... يَا ثَبت لله هَذَا الصَّبْر وَالْجَلد)
(الْمُسلمُونَ بِخَير مَا بقيت لَهُم ... وَلَيْسَ بعْدك خير حِين تفتقد)
وَرُبمَا خاطبته الْمُلُوك وَهُوَ لَا يسمع لَهُم كلَاما وَلَا يرد عَلَيْهِم جَوَابا
стр. 3674
(يدع الْجَواب فَلَا يُرَاجع هَيْبَة ... والسائلون نواكس الأذقان)
(أدب الْوَقار وَعز سُلْطَان التقى ... فَهُوَ الْعَزِيز وَلَيْسَ ذَا سُلْطَان)
وَجلسَ للتحديث بالكلاسة فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْحَافِظ تَقِيّ الدّين أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف السُّبْكِيّ جَمِيع مُعْجَمه الَّذِي خرجه لَهُ الْحَافِظ شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أيبك الحسامي الدمياطي ﵀ وسَمعه عَلَيْهِ خلائق مِنْهُم الْحَافِظ الْكَبِير أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن الزكي الْمزي والحافظ الْكَبِير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الذَّهَبِيّ
وَقد تولى بِدِمَشْق مَعَ الْقَضَاء خطابة الْجَامِع الْأمَوِي وباشرها مُدَّة لَطِيفَة وأنشدني شَيخنَا الذَّهَبِيّ لنَفسِهِ إِذْ ذَاك
(لِيهن الْمِنْبَر الْأمَوِي لما ... علاهُ الْحَاكِم الْبَحْر التقي)
(شُيُوخ الْعَصْر أحفظهم جَمِيعًا ... وأخطبهم وأقضاهم عَليّ)
وَولي بعد وَفَاة الْحَافِظ الْمزي مشيخة دَار الحَدِيث الأشرفية فَالَّذِي نرَاهُ أَنه مَا دَخلهَا أعلم مِنْهُ وَلَا أحفظ من الْمزي وَلَا أورع من النَّوَوِيّ وَابْن الصّلاح
وَقَالَ لي شَيخنَا الذَّهَبِيّ حِين ولي الخطابة إِنَّه مَا صعد هَذَا الْمِنْبَر بعد ابْن عبد السَّلَام أعظم مِنْهُ
стр. 3675
ثمَّ ولي تدريس الشامية البرانية عِنْد شغورها بِمَوْت الشَّيْخ شمس الدّين ابْن النَّقِيب فَمَا حل مفرقها واقتعد نمرقها أعلم مِنْهُ كلمة لَا اسْتثِْنَاء فِيهَا كَذَا يكون من يتَوَلَّى المناصب وبمثل هَذَا تناط الْمَرَاتِب
ذكر شَيْء من الرِّوَايَة عَنهُ
أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ مناولة مقرونة بِالْإِجَازَةِ الْخَاصَّة قَالَ أخبرنَا عَليّ بن عبد الْكَافِي الْحَافِظ بِكفْر بَطنا بِقِرَاءَتِي أخبرنَا يحيى بن أَحْمد أخبرنَا مُحَمَّد ابْن عماد أخبرنَا ابْن رِفَاعَة أخبرنَا الخلعي أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن عمر أخبرنَا أَبُو سعيد بن الْأَعرَابِي حَدثنَا سَعْدَان حَدثنَا سُفْيَان عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن أبي الأوبر عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ يُصَلِّي حافيا وناعلا وَقَائِمًا وَقَاعِدا وينفتل عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله
قَالَ لنا شَيخنَا أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ الْحَافِظ ﵁ هَذَا حَدِيث غَرِيب صَالح الْإِسْنَاد وَاسم أبي الأوبر زِيَاد الْحَارِثِيّ كُوفِي سَمَّاهُ يحيى بن معِين
стр. 3676
أخبرنَا أبي تغمده الله برحمته أخبرنَا أقسيان بن مَحْفُوظ بِقِرَاءَتِي أخبرنَا قايماز بن عبد الله أخبرنَا السلَفِي أخبرنَا الخانساري بجرباذقان أخبرنَا أَبُو طَاهِر عبد الرَّحِيم أخبرنَا ابْن حَيَّان حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا حَدثنَا مُحرز حَدثنَا الْمُنْكَدر بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أَبِيه عَن جَابر قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن أبي يُرِيد أَن يَأْخُذ مَالِي قَالَ (أَنْت وَمَالك لأَبِيك)
قَالَ لنا شيخ الْإِسْلَام الْوَالِد ﵁ رَوَاهُ ابْن ماجة عَن هِشَام بن عمار عَن عِيسَى بن يُونُس عَن يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر وَهُوَ إِسْنَاد جيد
والمنكدر بن مُحَمَّد الَّذِي وَقع فِي روايتنا هَذِه غلبت عَلَيْهِ الْعِبَادَة فقطعته عَن الْحِفْظ
ومحرز الرَّاوِي عَنهُ هُوَ ابْن سَلمَة روى عَنهُ ابْن ماجة وَذكره ابْن حَيَّان فِي الثِّقَات
وَهَذَا الحَدِيث متأول عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَيدل لَهُ أَمْرَانِ أَحدهمَا قَوْله أَنْت وَمن الْمَعْلُوم أَن الْحر لَا يملك
وَالثَّانِي قَوْله وَمَالك وَمن الْمَعْلُوم أَن المَال لَا يكون فِي الْوَقْت الْوَاحِد لمالكين
стр. 3677
فالمقصود أَن الْوَلَد يعد بِنَفسِهِ وَمَاله لِأَبِيهِ حَتَّى لَا يستأثر عَنهُ بِشَيْء
انْتهى كَلَام الْوَالِد ﵀
أخبرنَا شيخ الْإِسْلَام الْوَالِد ﵀ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قَالَ أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس الدشتي بِقِرَاءَة الذَّهَبِيّ الْحَافِظ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا يُوسُف بن خَلِيل الْحَافِظ ح
وأخبرتنا زَيْنَب بنت الْكَمَال فِي كتابها عَن يُوسُف بن خَلِيل أخبرنَا خَلِيل بن أبي الرَّجَاء ومسعود الْخياط قَالَا أخبرنَا أَبُو عَليّ الْمُقْرِئ أخبرنَا أَحْمد بن عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا أَحْمد بن يُوسُف حَدثنَا الْحَارِث حَدثنَا عبد الله بن بكر حَدثنَا حميد عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ كَانَ بِالبَقِيعِ فَنَادَى رجل يَا أَبَا الْقَاسِم فَالْتَفت إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ قَالَ لم أعنك يَا رَسُول الله إِنَّمَا دَعَوْت فلَانا قَالَ (تسموا باسمي وَلَا تكنوا بكنيتي)
قَالَ لنا الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد تغمد الله برحمته هَذَا حَدِيث صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث زُهَيْر بن مُعَاوِيَة الْكُوفِي عَن حميد وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ عَن حميد
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي التكني بِأبي الْقَاسِم وَالْمُخْتَار عِنْدِي امْتِنَاعه مُطلقًا لمن اسْمه مُحَمَّد وَلغيره فِي زَمَانه ﷺ وَبعده لإِطْلَاق النَّهْي وَلَيْسَ للتخصيص أَو التَّقْيِيد دَلِيل قوي وَقد تكنى جمَاعَة من الْعلمَاء بِهِ كَأَنَّهُمْ رَأَوْا تَقْيِيد
стр. 3678
النَّهْي وَذَلِكَ عذر لَهُم منم الرَّافِعِيّ وأقرانه وَعِنْدِي تحرج إِذا ذكرتهم أَن أذكر هَذِه الكنية وَإِن كَانَ ذكري لَيْسَ تكنية حَتَّى يدْخل فِي النَّهْي لِأَن التَّسْمِيَة وضع اللَّفْظ للمعنى والتسمي قبُول الْمُسَمّى ذَلِك وهما الواردان فِي النَّهْي وَأما الْإِطْلَاق فَأمر ثَالِث لكنه يظْهر امْتِنَاعه أَيْضا إِمَّا لِأَنَّهُ فِي معنى التسمي لِأَنَّهُ رضى بذلك وَإِمَّا لِأَن ذَلِك كالتقرير على الْمُنكر اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون ذَلِك الشَّخْص لَا يعرف إِلَّا بِهِ فَيكون عذرا مَانِعا من الْإِلْحَاق مَعَ عدم دُخُوله فِي النَّهْي فليتنبه لذَلِك
انْتهى كَلَام الْوَالِد ﵀ إملاء
وَمَا ذكره من الْبَحْث دَقِيق حق وَبِه اعتذر فِي شرح الْمِنْهَاج عَن الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ ﵀ حَيْثُ كنى فِي خطْبَة الْمِنْهَاج الرَّافِعِيّ بِأبي الْقَاسِم مَعَ اخْتِيَاره الْمَنْع
أخبرنَا الشَّيْخ الْوَالِد ﵁ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قَالَ أخبرنَا الشَّيْخَانِ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن بدران بن بدر الحجوي الْمَقْدِسِي وَأم مُحَمَّد زَيْنَب بنت أَحْمد ابْن عمر بن أبي بكر بن شكر المقدسية سَمَاعا عَلَيْهِمَا قَالَا أخبرنَا أَبُو الْفضل جَعْفَر ابْن عَليّ بن هبة الله الْهَمدَانِي قِرَاءَة عَلَيْهِ وَنحن نسْمع قَالَ أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم السلَفِي فِي جُمَادَى الأولى سنة سبعين وَخَمْسمِائة قَالَ أخبرنَا أَبُو غَالب مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد الباقلاني بِبَغْدَاد سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة
стр. 3679
قَالَ أخبرنَا أَبُو عَليّ الْحسن بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن شَاذان الْبَزَّاز قَالَ أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الْخَالِق بن الْحسن بن مُحَمَّد بن نصر السَّقطِي الْمَعْرُوف بِابْن أبي رؤبة حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن الْحَارِث الباغندي الوَاسِطِيّ قَالَ حَدثنَا عبيد الله ابْن مُوسَى أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم عَن خباب بن الْأَرَت ﵁ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّد بردة لَهُ عِنْد الْكَعْبَة أَن يَدْعُو الله لنا قُلْنَا أَلا تَسْتَنْصِر لنا قَالَ فَجَلَسَ مغضبا محمرا وَجهه فَقَالَ (كَانَ الرجل من قبلكُمْ يُؤْخَذ فَيُوضَع الْمِنْشَار على مفرق رَأسه فَيشق بِاثْنَيْنِ مَا يصرفهُ ذَلِك عَن دينه وَيُمشط بِأَمْشَاط الْحَدِيد مَا دون عظمه من لحم وَعصب وليتمن الله هَذَا الدّين حَتَّى يسير الرَّاكِب من صنعاء إِلَى حَضرمَوْت لَا يخَاف إِلَّا الله وَالذِّئْب على غنمه وَلَكِنَّكُمْ تعجلون)
// أخرجه البُخَارِيّ // عَن مُسَدّد وَابْن الْمثنى كِلَاهُمَا عَن يحيى عَن إِسْمَاعِيل
стр. 3680
وَعَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن بَيَان وَإِسْمَاعِيل
وَأَبُو دَاوُد عَن عَمْرو بن عون عَن هشيم وخَالِد بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن يحيى بِبَعْضِه كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل
وَالنَّسَائِيّ عَن عَبدة بن عبد الرَّحِيم عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَابْن الْمثنى كِلَاهُمَا عَن يحيى بِبَعْضِه كِلَاهُمَا عَن قيس بن أبي حَازِم بِهِ
أخبرنَا شيخ الْإِسْلَام الشَّيْخ الإِمَام بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ أخبرنَا إِسْحَاق بن أبي بكر النّحاس قَالَ أخبرنَا يُوسُف بن خَلِيل الْحَافِظ قَالَ أخبرنَا يحيى بن أسعد الْأَزجيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو طَالب عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد وَأَبُو نصر أَحْمد بن عبد الله وَأَبُو غَالب بن الْبناء أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي أخبرنَا أَبُو بكر بن حمدَان الْقطيعِي حَدثنَا بشر بن مُوسَى الْأَسدي حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمُقْرِئ عَن أبي حنيفَة عَن الْهَيْثَم عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ لَيْسَ فِي العوامل والحوامل صَدَقَة
مُحَمَّد بن سِيرِين لم يذكر لَهُ تَرْجَمَة فِي الْأَطْرَاف عَن عَليّ
следующие страницы →