Полный текст (3 926 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
أخبرنَا أبي تغمده الله برحمته أخبرنَا أقسيان بن مَحْفُوظ بِقِرَاءَتِي أخبرنَا قايماز بن عبد الله أخبرنَا السلَفِي أخبرنَا الخانساري بجرباذقان أخبرنَا أَبُو طَاهِر عبد الرَّحِيم أخبرنَا ابْن حَيَّان حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا حَدثنَا مُحرز حَدثنَا الْمُنْكَدر بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أَبِيه عَن جَابر قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن أبي يُرِيد أَن يَأْخُذ مَالِي قَالَ (أَنْت وَمَالك لأَبِيك)
قَالَ لنا شيخ الْإِسْلَام الْوَالِد ﵁ رَوَاهُ ابْن ماجة عَن هِشَام بن عمار عَن عِيسَى بن يُونُس عَن يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر وَهُوَ إِسْنَاد جيد
والمنكدر بن مُحَمَّد الَّذِي وَقع فِي روايتنا هَذِه غلبت عَلَيْهِ الْعِبَادَة فقطعته عَن الْحِفْظ
ومحرز الرَّاوِي عَنهُ هُوَ ابْن سَلمَة روى عَنهُ ابْن ماجة وَذكره ابْن حَيَّان فِي الثِّقَات
وَهَذَا الحَدِيث متأول عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَيدل لَهُ أَمْرَانِ أَحدهمَا قَوْله أَنْت وَمن الْمَعْلُوم أَن الْحر لَا يملك
وَالثَّانِي قَوْله وَمَالك وَمن الْمَعْلُوم أَن المَال لَا يكون فِي الْوَقْت الْوَاحِد لمالكين
стр. 3677
فالمقصود أَن الْوَلَد يعد بِنَفسِهِ وَمَاله لِأَبِيهِ حَتَّى لَا يستأثر عَنهُ بِشَيْء
انْتهى كَلَام الْوَالِد ﵀
أخبرنَا شيخ الْإِسْلَام الْوَالِد ﵀ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قَالَ أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس الدشتي بِقِرَاءَة الذَّهَبِيّ الْحَافِظ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا يُوسُف بن خَلِيل الْحَافِظ ح
وأخبرتنا زَيْنَب بنت الْكَمَال فِي كتابها عَن يُوسُف بن خَلِيل أخبرنَا خَلِيل بن أبي الرَّجَاء ومسعود الْخياط قَالَا أخبرنَا أَبُو عَليّ الْمُقْرِئ أخبرنَا أَحْمد بن عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا أَحْمد بن يُوسُف حَدثنَا الْحَارِث حَدثنَا عبد الله بن بكر حَدثنَا حميد عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ كَانَ بِالبَقِيعِ فَنَادَى رجل يَا أَبَا الْقَاسِم فَالْتَفت إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ قَالَ لم أعنك يَا رَسُول الله إِنَّمَا دَعَوْت فلَانا قَالَ (تسموا باسمي وَلَا تكنوا بكنيتي)
قَالَ لنا الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد تغمد الله برحمته هَذَا حَدِيث صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث زُهَيْر بن مُعَاوِيَة الْكُوفِي عَن حميد وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ عَن حميد
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي التكني بِأبي الْقَاسِم وَالْمُخْتَار عِنْدِي امْتِنَاعه مُطلقًا لمن اسْمه مُحَمَّد وَلغيره فِي زَمَانه ﷺ وَبعده لإِطْلَاق النَّهْي وَلَيْسَ للتخصيص أَو التَّقْيِيد دَلِيل قوي وَقد تكنى جمَاعَة من الْعلمَاء بِهِ كَأَنَّهُمْ رَأَوْا تَقْيِيد
стр. 3678
النَّهْي وَذَلِكَ عذر لَهُم منم الرَّافِعِيّ وأقرانه وَعِنْدِي تحرج إِذا ذكرتهم أَن أذكر هَذِه الكنية وَإِن كَانَ ذكري لَيْسَ تكنية حَتَّى يدْخل فِي النَّهْي لِأَن التَّسْمِيَة وضع اللَّفْظ للمعنى والتسمي قبُول الْمُسَمّى ذَلِك وهما الواردان فِي النَّهْي وَأما الْإِطْلَاق فَأمر ثَالِث لكنه يظْهر امْتِنَاعه أَيْضا إِمَّا لِأَنَّهُ فِي معنى التسمي لِأَنَّهُ رضى بذلك وَإِمَّا لِأَن ذَلِك كالتقرير على الْمُنكر اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون ذَلِك الشَّخْص لَا يعرف إِلَّا بِهِ فَيكون عذرا مَانِعا من الْإِلْحَاق مَعَ عدم دُخُوله فِي النَّهْي فليتنبه لذَلِك
انْتهى كَلَام الْوَالِد ﵀ إملاء
وَمَا ذكره من الْبَحْث دَقِيق حق وَبِه اعتذر فِي شرح الْمِنْهَاج عَن الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ ﵀ حَيْثُ كنى فِي خطْبَة الْمِنْهَاج الرَّافِعِيّ بِأبي الْقَاسِم مَعَ اخْتِيَاره الْمَنْع
أخبرنَا الشَّيْخ الْوَالِد ﵁ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قَالَ أخبرنَا الشَّيْخَانِ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن بدران بن بدر الحجوي الْمَقْدِسِي وَأم مُحَمَّد زَيْنَب بنت أَحْمد ابْن عمر بن أبي بكر بن شكر المقدسية سَمَاعا عَلَيْهِمَا قَالَا أخبرنَا أَبُو الْفضل جَعْفَر ابْن عَليّ بن هبة الله الْهَمدَانِي قِرَاءَة عَلَيْهِ وَنحن نسْمع قَالَ أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم السلَفِي فِي جُمَادَى الأولى سنة سبعين وَخَمْسمِائة قَالَ أخبرنَا أَبُو غَالب مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد الباقلاني بِبَغْدَاد سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة
стр. 3679
قَالَ أخبرنَا أَبُو عَليّ الْحسن بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن شَاذان الْبَزَّاز قَالَ أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الْخَالِق بن الْحسن بن مُحَمَّد بن نصر السَّقطِي الْمَعْرُوف بِابْن أبي رؤبة حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن الْحَارِث الباغندي الوَاسِطِيّ قَالَ حَدثنَا عبيد الله ابْن مُوسَى أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم عَن خباب بن الْأَرَت ﵁ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّد بردة لَهُ عِنْد الْكَعْبَة أَن يَدْعُو الله لنا قُلْنَا أَلا تَسْتَنْصِر لنا قَالَ فَجَلَسَ مغضبا محمرا وَجهه فَقَالَ (كَانَ الرجل من قبلكُمْ يُؤْخَذ فَيُوضَع الْمِنْشَار على مفرق رَأسه فَيشق بِاثْنَيْنِ مَا يصرفهُ ذَلِك عَن دينه وَيُمشط بِأَمْشَاط الْحَدِيد مَا دون عظمه من لحم وَعصب وليتمن الله هَذَا الدّين حَتَّى يسير الرَّاكِب من صنعاء إِلَى حَضرمَوْت لَا يخَاف إِلَّا الله وَالذِّئْب على غنمه وَلَكِنَّكُمْ تعجلون)
// أخرجه البُخَارِيّ // عَن مُسَدّد وَابْن الْمثنى كِلَاهُمَا عَن يحيى عَن إِسْمَاعِيل
стр. 3680
وَعَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن بَيَان وَإِسْمَاعِيل
وَأَبُو دَاوُد عَن عَمْرو بن عون عَن هشيم وخَالِد بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن يحيى بِبَعْضِه كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل
وَالنَّسَائِيّ عَن عَبدة بن عبد الرَّحِيم عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَابْن الْمثنى كِلَاهُمَا عَن يحيى بِبَعْضِه كِلَاهُمَا عَن قيس بن أبي حَازِم بِهِ
أخبرنَا شيخ الْإِسْلَام الشَّيْخ الإِمَام بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ أخبرنَا إِسْحَاق بن أبي بكر النّحاس قَالَ أخبرنَا يُوسُف بن خَلِيل الْحَافِظ قَالَ أخبرنَا يحيى بن أسعد الْأَزجيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو طَالب عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد وَأَبُو نصر أَحْمد بن عبد الله وَأَبُو غَالب بن الْبناء أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي أخبرنَا أَبُو بكر بن حمدَان الْقطيعِي حَدثنَا بشر بن مُوسَى الْأَسدي حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمُقْرِئ عَن أبي حنيفَة عَن الْهَيْثَم عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ لَيْسَ فِي العوامل والحوامل صَدَقَة
مُحَمَّد بن سِيرِين لم يذكر لَهُ تَرْجَمَة فِي الْأَطْرَاف عَن عَليّ
стр. 3681
وَأَبُو عبد الرَّحْمَن الْمُقْرِئ الرَّاوِي عَن أبي حنيفَة هُوَ عبد الله بن يزِيد الْعَدوي مولى آل عمر بن الْخطاب أَصله من نَاحيَة الْبَصْرَة سكن مَكَّة
وَلَا معنى للتطويل بِذكر الْكثير من حَدِيث شيخ الْإِسْلَام الشَّيْخ الإِمَام وَقد اشْتَمَل كتَابنَا هَذَا على الْكثير مِنْهُ فنكتفي مِنْهُ فِي تَرْجَمته بِذكر مَا أوردناه
أنشدنا شيخ الْإِسْلَام الشَّيْخ الإِمَام لنَفسِهِ وَقد وقف على كتاب صنفه ابْن تَيْمِية فِي الرَّد على ابْن المطهر الرافضي
(إِن الروافض قوم لَا خلاق لَهُم ... من أَجْهَل الْخلق فِي علم وأكذبه)
(وَالنَّاس فِي غنية عَن رد إفكهم ... لهجنة الرَّفْض واستقباح مذْهبه)
(وَابْن المطهر لم تطهر خلائقه ... دَاع إِلَى الرَّفْض غال فِي تعصبه)
(لقد تَقول فِي الصحب الْكِرَام وَلم ... يستحي مِمَّا افتراه غير منجبه)
(وَلابْن تَيْمِية رد عَلَيْهِ وفى ... بمقصد الرَّد وَاسْتِيفَاء أضربه)
(لكنه خلط الْحق الْمُبين بِمَا ... يوشبه كدرا فِي صفو مشربه)
(يخالط الحشو أَنى كَانَ فَهُوَ لَهُ ... حثيث سير بشرق أَو بمغربه)
(يرى حوادث لَا مبدا لأولها ... فِي الله سُبْحَانَهُ عَمَّا يظنّ بِهِ)
(لَو كَانَ حَيا يرى قولي ويفهمه ... رددت مَا قَالَ أقفو إِثْر سبسبه)
(كَمَا رددت عَلَيْهِ فِي الطَّلَاق وَفِي ... ترك الزِّيَارَة ردا غير مشتبه)
стр. 3682
(وَبعده لَا أرى للرَّدّ فَائِدَة ... هَذَا وجوهره مِمَّا أضن بِهِ)
(وَالرَّدّ يحسن فِي حَالين وَاحِدَة ... لقطع خصم قوي فِي تغلبه)
(وَحَالَة لانتفاع النَّاس حَيْثُ بِهِ ... هدى وَربح لديهم فِي تطلبه)
(وَلَيْسَ للنَّاس فِي علم الْكَلَام هدى ... بل بِدعَة وضلال فِي تكسبه)
(ولي يَد فِيهِ لَوْلَا ضعف سامعه ... جعلت نظم بسيطي فِي مهذبه)
وأنشدنا أَيْضا لنَفسِهِ قصيدته الَّتِي يُخَاطب بهَا أخي الْأَكْبَر أَبَا بكر مُحَمَّدًا تغمد الله برحمته وَهِي طَوِيلَة مِنْهَا
(أبني لَا تهمل نصيحتي الَّتِي ... أوصيك واسمع من مقالي ترشد)
(احفظ كتاب الله وَالسّنَن الَّتِي ... صحت وَفقه الشَّافِعِي مُحَمَّد)
(وَاعْلَم أصُول الْفِقْه علما محكما ... يهديك للبحث الصَّحِيح الأيد)
(وَتعلم النَّحْو الَّذِي يدني الْفَتى ... من كل فهم فِي الْقُرْآن مُسَدّد)
(واسلك سَبِيل الشَّافِعِي وَمَالك ... وأبى حنيفَة فِي الْعُلُوم وَأحمد)
(وَطَرِيقَة الشَّيْخ الْجُنَيْد وَصَحبه ... والسالكين طريقهم بهم اقتد)
(وَاتبع طَرِيق الْمُصْطَفى فِي كل مَا ... يَأْتِي بِهِ من كل أَمر تسعد)
(واقصد بعلمك وَجه رَبك خَالِصا ... تظفر بسبل الصَّالِحين وتهتد)
стр. 3683
(واخش الْمُهَيْمِن وأت مَا يَدْعُو إِلَيْهِ ... وانته عَمَّا نهى وتزهد)
(وارفع إِلَى الرَّحْمَن كل ملمة ... بضراعة وتمسكن وَتعبد)
(واقطع عَن الْأَسْبَاب قَلْبك واصطبر ... واشكر لمن أولاك خيرا وَاحْمَدْ)
(وَعَلَيْك بالورع الصَّحِيح وَلَا تحم ... حول الْحمى واقنت لِرَبِّك واسجد)
(وَخذ الْعُلُوم بهمة وتفطن ... وقريحة سمحاء ذَات توقد)
(واستنبط الْمكنون من أسرارها ... وابحث عَن الْمَعْنى الْأسد الأرشد)
(وَعَلَيْك أَرْبَاب الْعُلُوم وَلَا تكن ... فِي ضبط مَا يلقونه بمفند)
(وَإِذا أتتك مقَالَة قد خَالَفت ... نَص الْكتاب أَو الحَدِيث الْمسند)
(فاقف الْكتاب وَلَا تمل عَنهُ وقف ... متأدبا مَعَ كل حبر أوحد)
(فلحوم أهل الْعلم سمت للجنة ... عَلَيْهِم فاحفظ لسَانك وابعد)
(هذي وصيتي الَّتِي أوصيكها ... أكْرم بهَا من وَالِد متودد)
وأنشدنا لنَفسِهِ
(إلهي فوضت الْأُمُور جَمِيعهَا ... إِلَيْك فدبرها بِمَا شِئْت والطف)
(وسلمني اللَّهُمَّ يَا رب واحمني ... وَخذ بيَدي وامنن وجد وَتعطف)
стр. 3684
وأنشدنا من لَفظه لنَفسِهِ
(لعمرك إِن لي نفسا تسامى ... إِلَى مَا لم ينل دَارا بن دَارا)
(فَمن هَذَا أرى الدُّنْيَا هباء ... وَلَا أرْضى سوى الفردوس دَارا)
وَأَيْضًا
(إِن الْولَايَة لَيْسَ فِيهَا رَاحَة ... إِلَّا ثَلَاث يبتغيها الْعَاقِل)
(حكم بِحَق أَو إِزَالَة بَاطِل ... أَو نفع مُحْتَاج سواهَا بَاطِل)
وَأَيْضًا وَقد أوردهَا عَنهُ ابْن فضل الله فِي تَارِيخه
(قلبِي ملكت فَمَا بِهِ ... مرمى لواش أَو رَقِيب)
(قد حزت من أعشاره ... سهم الْمُعَلَّى والرقيب)
(يحييه قربك إِن مننت ... بِهِ وَلَو مِقْدَار قيب)
(يَا متلفي ببعاده ... عني أما خفت الرَّقِيب)
وَأَيْضًا وَهُوَ مِمَّا أوردهُ ابْن فضل الله عَنهُ فِي التَّارِيخ
(فِي كل وَاد بليلى وإله شغف ... مَا إِن يزَال بِهِ من مَسهَا وصب)
стр. 3685
(فَفِي بني عَامر من حبها دنف ... وَلابْن تَيْمِية من عهدها سغب)
وَكَانَ قد قالهما وَقد وجد إكثار ابْن تَيْمِية من ذكر ليلى وتمنيها وَأَرَادَ بِعَهْد ليلى ظَاهرا مَا هُوَ لَهُ وَبَاطنا يَمِينهَا وَالْيَمِين الْعَهْد
وَأَيْضًا
(كَمَال الْفَتى بِالْعلمِ لَا بالمناصب ... ورتبة أهل الْعلم أَسْنَى الْمَرَاتِب)
(هم ورثوا علم النَّبِيين فاهتدى ... بهم كل سَار فِي الظلام وسارب)
(وَلَا فَخر إِلَّا إِرْث شرعة أَحْمد ... وَلَا فضل إِلَّا باكتساب المناقب)
(وَبحث وتدقيق وإيضاح مُشكل ... وتحرير برهَان وَقطع مغالب)
(وإحكام آيَات الْكتاب وَسنة ... أَتَت عَن رَسُول من لؤَي بن غَالب)
(إِذا الْمَرْء أَمْسَى للعلوم محالفا ... أَضَاء لَهُ مِنْهَا جَمِيع الغياهب)
(وينزاح عَنهُ كل شكّ وشبهة ... وتبدو لَهُ الْأَنْوَار من كل جَانب)
(هِيَ الرُّتْبَة الْعليا تسامى بِأَهْلِهَا ... إِلَى مُسْتَقر فَوق متن الْكَوَاكِب)
(فدونكها إِن كنت للرشد طَالبا ... تنَلْ خير مرجو الدنا والعواقب)
(وَلَا تعدلن بِالْعلمِ مَالا ورفعة ... وَسمر القنا أَو مرهفات القواضب)
(وهبك ازوت دنياك عَنْك فَلَا تبل ... فعنها لقد عوضت صفو المشارب)
(فَمَا قدر ذِي الدُّنْيَا وَمَا قدر أَهلهَا ... وَمَا اللَّهْو بالأولاد أَو بالكواعب)
(إِذا قست مَا بَين الْعُلُوم وَبَينهَا ... بعقل صَحِيح صَادِق الْفِكر صائب)
(فَمَا لَذَّة تبقى وَلَا عَيْش يقتنى ... سوى الْعلم أَعلَى من جَمِيع المكاسب)
стр. 3686
نقلت من خطّ أخي شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام أبي حَامِد أَحْمد سلمه الله تَعَالَى أَن الْوَالِد أنْشد هَذِه الأبيات حِين أخذت مِنْهُ مشيخة جَامع طولون فِي سنة تسع عشرَة وَأَن والدته الْجدّة ناصرية أسفت عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك بعد ولادَة الْأَخ أبي حَامِد قَالَ فَكَانَ الْوَالِد يَقُول هَا يَا أم وَمَا أَدْرَاك أَن هَذَا الميعاد يعود وَيكون رزق هَذَا الْمَوْلُود فَعَاد إِلَيْهِ فِي سنة سبع وَعشْرين وَاسْتمرّ بِيَدِهِ إِلَى سنة تسع وَثَلَاثِينَ لما ولي قَضَاء الشَّام وَاسْتمرّ باسم الْأَخ أبي حَامِد وَهُوَ الْآن بِيَدِهِ جعله الله كلمة بَاقِيَة فِي عقبه
قلت وَقد ضمن صاحبنا الْحَافِظ الْكَبِير صَلَاح الدّين خَلِيل بن كيكلدي العلائي الْبَيْت الأول من هَذِه القصيدة فِي أَبْيَات لَهُ وَهِي
(أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا مَطِيَّة رَاكب ... تسير بِهِ فِي مهمة وسباسب)
(فإمَّا إِلَى خير يسر نواله ... وَإِمَّا إِلَى شَرّ وَسُوء معاطب)
(فلولا ثَلَاث هن أفضل مقصد ... لما كنت فِي طول الْحَيَاة براغب)
(مُلَازمَة خير اعْتِقَاد منزها ... عَن النَّقْص والتشبيه رب الْمَوَاهِب)
(وَنشر عُلُوم للشريعة ناظما ... عُقُود مَعَانِيهَا لتفيهم طَالب)
(وصوني نَفسِي عَن مزاحمة على ... دني حطام أَو عَليّ مناصب)
(فَفِي ذَاك بالقنوع وراحة ... مُعجلَة من خوف ضد مغالب)
(وحسبك فِي ذَا قَول عَالم عصره ... مقَال محق صَادِق غير كَاذِب)
(كَمَال الْفَتى بِالْعلمِ لَا بالمناصب ... ورتبة أهل الْعلم أَسْنَى الْمَرَاتِب)
стр. 3687
(وَمَعَ ذَاك أَرْجُو من إلهي عَفوه ... وخاتة الْحسنى ونيل الرغائب)
(ويطمعني فِي ذِي الثَّلَاث ثَلَاثَة ... بهم اعتصامي من وبيل المصائب)
(محبَّة خير الْخلق أَحْمد مصطفى الْمُهَيْمِن ... من عليا لؤَي بن غَالب)
(وَأَنِّي موَالٍ للصحابة كلهم ... وَمن بعدهمْ من تَابع فِي الْمذَاهب)
(وبالأولياء الغر حسن تعلقي ... أرى حبهم حتما عَليّ كواجب)
(فحسبي بِهَذَا كُله لي عدَّة ... حَياتِي وموتي والإله محاسبي)
وأنشدنا الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد رَحمَه لله لنَفسِهِ جَوَابا عَن سُؤال ورد عَلَيْهِ فِي السماع أَيّمَا أحل هُوَ أَو الْغَيْبَة
(يَا صَاحب الْأَحْوَال والزفرات ... وَالذكر وَالتَّسْبِيح فِي الخلوات)
(أما اغتياب النَّاس فَهُوَ محرم ... قطعا بِنَصّ الله فِي الحجرات)
(فحذار مِنْهُ حذار لَا تعدل بِهِ ... لهوا بِهِ نوع من الشُّبُهَات)
(وَاعْلَم بِأَن الرقص والدف الَّذِي ... عَنهُ سَأَلت وَقلت فِي أصوات)
(فِيهِ خلاف للأئمة قبلنَا ... سرج الْهِدَايَة سادة السادات)
(لكنه لم تأت قطّ شَرِيعَة ... طلبته أَو جعلته فِي القربات)
(والعارف المشتاق إِن هُوَ هزه ... وجد فَقَامَ يهيم فِي سَكَرَات)
(لَا لوم يلْحقهُ ويحمد حَاله ... يَا طيب مَا يلقى من اللَّذَّات)
(إِن نلْت ذَا يَوْمًا فقد نلْت المنى ... وغنيت فِيهِ عَن فَتَاوَى الفاتي)
(هَذَا جَوَاب عَليّ السُّبْكِيّ ذِي الْحجب ... الْعَظِيمَة صَاحب الحسرات)
стр. 3688
أنشدنا الشَّيْخ الإِمَام لنَفسِهِ قصيدته الَّتِي نظمها فِي الشطرنج عِنْد اقتراح الشَّيْخ أبي حَيَّان ذَلِك على أهل الْعَصْر على زنة خَاصَّة
وَمن نبأ ذَلِك أَن أَبَا حَيَّان اقترح أَن ينظم الشُّعَرَاء على عرُوض قَول ابْن حزمون وقافية قَوْله
(إِلَيْك إِمَام الْخلق جبت المفاوزا ... وخلفت خَلْفي صبية وعجائزا)
وَشرط أَبُو حَيَّان على من عَارضه أَن يتغزل ثمَّ يذكر الْغَرَض ثَانِيًا ثمَّ يمدحه ثَالِثا
فمطلع قصيدة الشَّيْخ الإِمَام
(أَخا العذل لَا تفرط وَكن متجاوزا ... فَمَا كل عذل فِي الْمحبَّة جَائِزا)
(وَلَا كل ذِي وجد يُطيق احْتِمَاله ... وَإِن كَانَ ذَا أيد شَدِيدا مبارزا)
(وَلَا كل صب يحْسب الغي رشده ... وَكَيف ومثلي من يفك المرامزا)
وَهِي طَوِيلَة عدتهَا مائَة وَاثنا عشر بَيْتا لم يتَكَرَّر عَلَيْهِ فِيهَا قافية مِنْهَا
(وَإِنِّي لفي أسر الْهوى ووثاقه ... حَلِيف الضنا من حِين كنت مناهزا)
(تقاذفني أمواجه وبحوره ... وَلم ألق فِيهَا بَين بحرين حاجزا)
(وَلَا أَبْتَغِي عَنْهَا زوالا وإنني ... لفي لَذَّة مِنْهَا أحاذر غامزا)
(وَمَا من رياض الْأنس إِلَّا ولي بهَا ... مراتع لَهو جاهرا لَا مغامزا)
(وَكم من ربى زهر بهَا عِشْت طيبا ... خمائلها تسبي النهى والنحائزا)
стр. 3689
(فطورا أغاني الغانيا وَتارَة ... أغازل غزلانا نفارا نوافزا)
(تصيد بأجفان مراض نواعس ... أسود عرين خادرات نواشزا)
(وطورا بألحان تعبد معبد ... بهَا مهجتي أهْدى إِلَيْهَا هزاهزا)
(وطورا براح رَاحَة الْقلب عِنْدهَا ... ينازعنيها أحور بَات قافزا)
(صبوت إِلَيْهَا حِين طَابَ عزائزا ... فصد فَألْقى فِي الْقُلُوب حزائزا)
(وَعز فذلت نفس حر على الْهوى ... وصال فَقلت اسفك دمي لَك جَائِزا)
لَا حرَام وَلَا مَكْرُوه بل يتَخَيَّر بَين طَرفَيْهِ
(سلوي محَال والصبابة وَاجِب ... أَلَيْسَ وصالي يَا أَخا الْحسن جَائِزا)
(فجد واغتنم أجري وَكن متعطفا ... وَلَو بخيال فِي مَنَامِي حائزا)
أنشدنا الشَّيْخ الإِمَام لنَفسِهِ جَوَابا لبَعض الصُّوفِيَّة من أَبْيَات فِي الذّكر
(إِذا مَا رمت إدراكا بفكري ... يقصر عَن مدى معشار عشر)
(ويدهش أَن يفكر فِي جلال ... من السبحات والتنزيه سري)
(فهيبة ذِي الْجلَال تثير وجدي ... ورؤية ذِي الْكَمَال تبيح سكري)
(أَتَانِي مِنْك يَا شيخ الْمعَانِي ... سُؤال جلّ فِي تَحْقِيق ذكر)
(وَأَنت بشرحه أولى وأدرى ... وَفِي مثل وَمَا خبر كَخَبَر)
(إِذا رمنا اقتناصا من معَان ... تدق فَأَنت مقصد كل حبر)
стр. 3690
(وَإِن رمنا المعارف أَو صَلَاح الْقُلُوب ... فَأَنت لجة كل بَحر)
(وأحوال الْقُلُوب عَلَيْك تجلى ... معارفها فتأخذ كل بكر)
(إِذا مَا السَّيْف برح عَن خَفَاء ... رَأينَا مِنْهُ كل مصون در)
(وَإِن أبدى من الْأَحْوَال كشفا ... فدونك فاستمع لحلال سحر)
(وَلَكِنِّي أَقُول ومنك قولي ... وَلَيْسَ بنافد ودي وشكري)
(وَلَوْلَا العَبْد مُعْتَقدًا محبا ... لأمسك خوف تَقْصِير وَقصر)
(سَأَلت عَن المداد جرى مُضَافا ... إِلَى كَلِمَاته فِي ضمن ذكر)
(وَهل مدد يُضَاف لَهَا منَاف ... مرَادا أَو على مجْرَاه يجْرِي)
(وَمَا الأولى بأوراد لعبد ... يُحَاسب نَفسه بجزيل أجر)
(فدونك يَا مربي كل شيخ ... وعارف وقتنا بديار مصر)
(مدادا لَفْظَة صحت لدينا ... عَن الْهَادِي البشير بِغَيْر نكر)
(رَوَاهَا مُسلم وَاللَّفْظ فِيهِ ... كَمَا قُلْنَا كَذَا نقرا ونقري)
(وَمَا مدد بِلَفْظ فِي حَدِيث ... وَفِي مَعْنَاهُ بعد عِنْد سبر)
(مداد مَا تسطر مِنْهُ خطّ ... وَذَلِكَ مُمكن فِي كل أَمر)
(فيفنى الْخط والكلمات تبقى ... بَقَاء مهيمن رَحْمَن بر)
(وَأما قَوْلنَا مدد فَأصل ... لفرع نَاشِئ عَنهُ بنشر)
стр. 3691
هَذَا مَا أحفظ من هَذَا الْجَواب وَكَانَت القصيدة طَوِيلَة أجَاب بهَا بعض العارفين عِنْد وُرُود سُؤال مِنْهُ عَلَيْهِ وَلم أَقف على السُّؤَال وَلَا عرفت السَّائِل
وَقد كَانَت الأسئلة تَأتيه من شَرق الأَرْض وغربها فَمَا كَانَ مِنْهَا مُتَعَلقا بعلوم الظَّاهِر نقف عَلَيْهِ ونبحث عَنهُ وَمَا كَانَ مِنْهَا مُتَعَلقا بِعلم الْبَاطِن قل أَن يوقفنا عَلَيْهِ أَو يعرفنا سائله وَكَانَ يكتم أَحْوَال من يعرفهُ من الْأَوْلِيَاء
وَأَنا أجوز أَن يكون هَذَا السَّائِل شَيْخه الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس بن عَطاء الله فَإِنِّي أرى فِي هَذَا النّظم من تَعْظِيمه للسَّائِل وَوَصفه إِيَّاه بِأَنَّهُ عَارِف وقته بديار مصر مَا يُنبئ عَن ذَلِك
أنشدنا الشَّيْخ الإِمَام لنَفسِهِ أرجوزته الْمُسَمَّاة بلمعة الْإِشْرَاق فِي أَمْثِلَة الِاشْتِقَاق وَهِي
(يَقُول راجي الله ذِي الألطاف ... حَقًا عَليّ بن عبد الْكَافِي)
(من بعد حمد الله وَالصَّلَاة ... على النَّبِي دَائِم الْأَوْقَات)
стр. 3692
وأنشدنا لنَفسِهِ وَقد وقف على كتاب المناقضات للْأَخ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة بهاء الدّين أبي حَامِد أَحْمد أمتع الله بِبَقَائِهِ
(أَبُو حَامِد فِي الْعلم أَمْثَال أنجم ... وَفِي النَّقْد كالإبريز أخْلص بالسبك)
(فأولهم من إسفراين نشؤه ... وثانيهم الطوسي وَالثَّالِث السُّبْكِيّ)
وَهَذِه منقبة للْأَخ سلمه الله فَأَي مرتبَة أَعلَى من تَشْبِيه وَالِده وَهُوَ من هُوَ علما ودينا وتحرزا فِي الْمقَال لَهُ بالغزالي وَأبي حَامِد الإسفرايني
وَلَقَد كَانَ الْوَالِد ﵁ يجل الْأَخ ويعظمه سمعته غير مرّة يَقُول أَحْمد وَالِد وَهَذَا يشبه قَول الْأُسْتَاذ أبي سهل الصعلوكي فِي وَلَده الْأُسْتَاذ أبي الطّيب
стр. 3693
سهل بن أبي سهل الصعلوكي سهل وَالِد
وَكَذَلِكَ سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام ﵀ يَقُول فِي مرض مَوته وَالْأَخ غَائِب فِي الْحجاز غيبَة أَحْمد أَشد عَليّ مِمَّا أَنا فِيهِ من الْمَرَض وَقد قَالَ أَبُو سهل هَذِه الْكَلِمَة فِي مرض مَوته وَولده أَبُو الطّيب غَائِب
وبلغه أَن دروس الْأَخ خير من دروسه فَقَالَ
(دروس أَحْمد خير من دروس عَليّ ... وَذَاكَ عِنْد عَليّ غَايَة الأمل)
وأنشدنا لنَفسِهِ وَكتب بهما على الْجُزْء الَّذِي خرجته فِي الْكَلَام على حَدِيث الْمُتَبَايعين بِالْخِيَارِ
(عبد الْوَهَّاب مخرجه ... من فضل الله عَليّ نشا)
(يَا رب قه مَا يحذرهُ ... واقدر فِيهِ الْخيرَات وشا)
وَكتب بِخَطِّهِ على تَرْجَمته الَّتِي أنشأتها فِي كتاب الطَّبَقَات الْوُسْطَى وَقد كَانَت الطَّبَقَات الْوُسْطَى تعجبه ويضعها غَالِبا بَين يَدَيْهِ ينظر فِيهَا رَأَيْته كتب بِخَطِّهِ على تَرْجَمته وَهُوَ عِنْدِي الْآن مَا نَصه
(عبد الْوَهَّاب نظرت إِلَى ... ورم باد يَحْكِي سمنا)
(وشغاف بِي يَدْعُوك إِلَى ... حسبانك فِي حَالي حسنا)
(يَا رب اغْفِر لِابْني فِيمَا ... قد خطّ وَقَالَ هوى وجنا)
وَالله إِنِّي فِي نَفسِي أَحْقَر من أَن أنسب إِلَى غلْمَان وَاحِد من الْمَذْكُورين وَمن
стр. 3694
أَنا فِي الغابرين أسأَل الله خَاتِمَة حَسَنَة بمنه وَكَرمه وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ كتبه عَليّ السُّبْكِيّ فِي يَوْم السبت مستهل جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة بِظَاهِر دمشق هَذَا صُورَة خطه على حَاشِيَة كتاب الطَّبَقَات الْوُسْطَى لي
وأنشدوني عَنهُ وَقد جَلَست للشغل فِي الْعلم عقيب وَفَاة الشَّيْخ الإِمَام فَخر الدّين الْمصْرِيّ إِلَى جَانب الرخامة الَّتِي بالجامع الْأمَوِي الَّتِي يُقَال إِن أول من جلس إِلَى جَانبهَا شيخ الْإِسْلَام فَخر الدّين ابْن عَسَاكِر ثمَّ تِلْمِيذه شيخ الْإِسْلَام عز الدّين ابْن عبد السَّلَام ثمَّ تِلْمِيذه الشَّيْخ تَاج الدّين ابْن الفركاح الْفَزارِيّ ثمَّ تِلْمِيذه وَلَده الشَّيْخ برهَان الدّين ثمَّ تِلْمِيذه الشَّيْخ فَخر الدّين الْمصْرِيّ ثمَّ أَنا وكتبتها من خطّ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى
(الْجَامِع الْأمَوِي فِيهِ رخامة ... يأوي لَهَا من للفضائل يطْلب)
(الشَّيْخ فَخر الدّين نجل عَسَاكِر ... وَالشَّيْخ عز الدّين عَنهُ ينْسب)
(وَالشَّيْخ تَاج الدّين نجل فَزَارَة ... عَنهُ تلقاها يُفِيد ويدأب)
(ثمَّ ابْنه أكْرم بِهِ من سيد ... ورع لَهُ كل المناصب تخْطب)
(وتلاه فَخر الدّين وَاحِد مصره ... بذكائه كالنار حِين تلهب)
(وَابْني يليهم زَاده رب السما ... علما وفهما لَيْسَ فِيهِ ينصب)
وَكتب إِلَيّ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد تغمده الله برحمته وَقد وليت توقيع الدست
стр. 3695
بِالشَّام المحروس بَين يَدي ملك الْأُمَرَاء الْأَمِير عَلَاء الدّين أَمِير عَليّ ين عَليّ المارديني نَائِب الشَّام
(أَقُول لنجلي الْبر المفدى ... مقَالا وثقت مِنْهُ عراه)
(وليت كِتَابَة فِي دست ملك ... رست أَحْكَامه وسمت ذراه)
(فَلَا تكْتب بكفك غير شَيْء ... يَسُرك فِي الْقِيَامَة أَن ترَاهُ)
(وَلَا تَأْخُذ من الْمَعْلُوم إِلَّا ... حَلَالا طيبا عطرا ثراه)
(ونصحك صَاحب الدست اتَّخذهُ ... شعارك فالسعادة مَا ترَاهُ)
(ثَلَاث يَا بني بهَا أوصِي ... فَمن يَأْخُذ بهَا يحمد سراه)
(وتقوى الله رَأس المَال فَالْزَمْ ... فَمَا للْعَبد إِلَّا من براه)
فَكتبت إِلَيْهِ الْجَواب ﵁
(أَتَت وَالْقلب فِي الغفلات ساه ... تنبه كل ساه من كراه)
(وصاية وَالِد بر شفوق ... يقوم مَعَ ابْنه فِيمَا عراه)
(رءوف بِابْنِهِ لَو بيع مجد ... بمقدور لبادر وَاشْتَرَاهُ)
(أَلا يأيها الرجل المفدى ... وَمن فَوق السَّمَاء نرى ثراه)
(أنلت فنلت فِي الدُّنْيَا منالا ... يَسُرك فِي الْقِيَامَة أَن ترَاهُ)
стр. 3696
وَكتب إِلَيّ وَقد جمع لي بَين نيابته فِي الحكم وتوقيع الدست وَكَانَت قد وَردت عَلَيْهِ فتيا فِي لعب الشطرنج أجبنا أَيهَا الإِمَام أحلال هُوَ أم حرَام وَنحن قد عرفنَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَلَكنَّا نُرِيد أَن نَعْرِف رَأْيك واجتهادك فألقاها إِلَيّ وَقَالَ اكْتُبْ عَلَيْهَا مَبْسُوطا مستدلا ثمَّ اعرضها
فَكتبت كِتَابَة مُطَوَّلَة جَامِعَة للدلائل ونصرت مَذْهَب الشَّافِعِي فَكتب إِلَى جَانبهَا
(أموقع الدست الشريف ونائب الحكم ... الْعَزِيز ومفتي الْإِسْلَام)
(خف من إلهك أَن يراك وَقد نهاك ... وَمَا انْتَهَيْت وملت للآثام)
﵁ مَا كَانَ أَكثر مراقبته لرَبه كَانَ ربه بَين عَيْنَيْهِ فِي كل آونة
ذكر شَيْء من ثَنَاء الْأَئِمَّة عَلَيْهِ ﵁ وعنهم ونفعنا بِهِ وبهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَقَلِيل مِمَّا شاهدنا من أَحْوَاله الزاهرة وأخلاقه الطاهرة وكراماته الباهرة
قد قدمنَا كَلَام الشَّيْخ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِيهِ وَقَالَ فِيهِ فِي مَكَان آخر كتبه فِي سنة عشْرين وَسَبْعمائة انْتهى إِلَيْهِ الْحِفْظ وَمَعْرِفَة الْأَثر بالديار المصرية وَله كَلَام كثير فِي تَعْظِيمه وَقد قدمنَا فِي تَرْجَمته قَوْله فِيهِ من أَبْيَات
(وكابن معِين فِي حفظ وَنقد ... وَفِي الْفتيا كسفيان وَمَالك)
(وفخر الدّين فِي جدل وَبحث ... وَفِي النَّحْو الْمبرد وَابْن مَالك)
وَصَحَّ من طرق شَتَّى عَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية أَنه كَانَ لَا يعظم أحدا من أهل الْعَصْر كتعظيمه لَهُ وَأَنه كَانَ كثير الثَّنَاء على تصنيفه فِي الرَّد عَلَيْهِ
стр. 3697
وَفِي كتاب ابْن تَيْمِية الَّذِي أَلفه فِي الرَّد على الشَّيْخ الإِمَام فِي رده عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَة الطَّلَاق لقد برز هَذَا على أقرانه
وَهَذَا الرَّد الَّذِي لِابْنِ تَيْمِية على الْوَالِد لم يقف عَلَيْهِ وَلَكِن سمع بِهِ وَأَنا وقفت مِنْهُ على مُجَلد
وَأما الْحَافِظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي فَلم يكْتب بِخَطِّهِ لَفْظَة شيخ الْإِسْلَام إِلَّا لَهُ وللشيخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية وللشيخ شمس الدّين ابْن أبي عمر
وَقد قدمنَا قَول ابْن فضل الله إِنَّه مثل التَّابِعين إِن لم يكن مِنْهُم
وَكَانَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَبُو الْفَتْح السُّبْكِيّ ﵀ يَقُول إِذا رَأَيْته فَكَأَنَّمَا رَأَيْت تابعيا
وَصَحَّ أَن شَيْخه الإِمَام عَلَاء الدّين الْبَاجِيّ ﵀ أقبل عَلَيْهِ بعض الْأُمَرَاء وَكَانَ الشَّيْخ الإِمَام إِلَى جَانِبه الْأَيْمن وَعَن جَانِبه الْأَيْسَر بعض أَصْحَابه فَقعدَ الْأَمِير بَين الْبَاجِيّ وَالشَّيْخ الإِمَام ثمَّ قَالَ الْأَمِير للباجي عَن الَّذِي عَن يسَاره هَذَا إِمَام فَاضل فَقَالَ لَهُ الْبَاجِيّ أَتَدْرِي من هَذَا هُوَ إِمَام الْأَئِمَّة قَالَ من قَالَ الَّذِي جَلَست فَوْقه تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة
وَأما شَيْخه ابْن الرّفْعَة فَكَانَ يعامله مُعَاملَة الأقران ويبالغ فِي تَعْظِيمه ويعرض عَلَيْهِ مَا يصنفه فِي الْمطلب
وَكَذَلِكَ شَيْخه الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدمياطي لم يكن عِنْده أحد فِي مَنْزِلَته
стр. 3698
وَلَو أخذت أعد مقَالَة أشياخه فِيهِ لطال الْفَصْل
وَبَلغنِي أَن ابْن الرّفْعَة حضر مرّة إِلَى مجْلِس الْحَافِظ أبي مُحَمَّد الدمياطي فَوجدَ الشَّيْخ الإِمَام
الْوَالِد بَين يَدَيْهِ فَقَالَ مُحدث أَيْضا وَكَانَ ابْن الرّفْعَة لِعَظَمَة الْوَالِد فِي الْفِقْه عِنْده يظنّ أَنه لَا يعرف سواهُ فَقَالَ الدمياطي لِابْنِ الرّفْعَة كَيفَ تَقول قَالَ قلت للسبكي مُحدث أَيْضا فَقَالَ إِمَام الْمُحدثين فَقَالَ ابْن الرّفْعَة وَإِمَام الْفُقَهَاء أَيْضا فبلغت شَيْخه الْبَاجِيّ فَقَالَ وَإِمَام الْأُصُولِيِّينَ
وَبِالْجُمْلَةِ أجمع من يعرفهُ على أَن كل ذِي فن إِذا حَضَره يتَصَوَّر فِيهِ شَيْئَيْنِ أَحدهمَا أَنه لم ير مثله فِي فنه وَالثَّانِي أَنه لَا فن لَهُ إِلَّا ذَلِك الْفَنّ
وَسمعت صاحبنا شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْخَالِق الْمَقْدِسِي الْمُقْرِئ يَقُول كنت أَقرَأ عَلَيْهِ الْقرَاءَات وَكنت لِكَثْرَة استحضاره فِيهَا أتوهم أَنه لَا يدْرِي سواهَا وَأَقُول كَيفَ يسع عمر الْإِنْسَان أَكثر من هَذَا الاستحضار
وَسمعت الشَّيْخ سيف الدّين أَبَا بكر الحريري مدرس الْمدرسَة الظَّاهِرِيَّة البرانية يَقُول لم أر فِي النَّحْو مثله وَهُوَ عِنْدِي أنحى من أبي حَيَّان
стр. 3699
وَسمعت عَن سيف الدّين الْبَغْدَادِيّ شَيْخه فِي الْمنطق أَنه قَالَ لم أر فِي الْعَجم وَلَا فِي الْعَرَب من يعرف المعقولات مثله
وَسمعت جمَاعَة من أَرْبَاب علم الْهَيْئَة يَقُولُونَ لم نر مثله فِيهَا وَكَذَلِكَ سَمِعت جمَاعَة من أَرْبَاب علم الْحساب
وعَلى الْجُمْلَة لَا يُمَارِي فِي أَنه كَانَ إِمَام الدُّنْيَا فِي كل علم على الْإِطْلَاق إِلَّا جَاهِل بِهِ أَو معاند
وَلَقَد سَمِعت الْحَافِظ الْعَلامَة صَلَاح الدّين خَلِيل بن كيكلدي العلائي يَقُول النَّاس يَقُولُونَ مَا جَاءَ بعد الْغَزالِيّ مثله وَعِنْدِي أَنهم يظلمونه بِهَذَا وَمَا هُوَ عِنْدِي إِلَّا مثل سُفْيَان الثَّوْريّ
قلت أما أَنا فَأَقُول وَالله على لِسَان كل قَائِل كَانَ ذهنه أصح الأذهان وأسرعها نفاذا وأوثقها فهما وَكَانَ آيَة فِي استحضار التَّفْسِير ومتون الْأَحَادِيث وعزوها وَمَعْرِفَة الْعِلَل وَأَسْمَاء الرِّجَال وتراجمهم ووفياتهم وَمَعْرِفَة العالي والنازل وَالصَّحِيح والسقيم عَجِيب الاستحضار للمغازي وَالسير والأنساب وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل آيَة فِي
стр. 3700
استحضار مَذَاهِب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَفرق الْعلمَاء بِحَيْثُ كَانَ تبهت الْحَنَفِيَّة والمالكية والحنابلة إِذا حَضَرُوهُ لِكَثْرَة مَا يَنْقُلهُ عَن كتبهمْ الَّتِي بَين أَيْديهم آيَة فِي استحضار مَذْهَب الشَّافِعِي وشوارد فروعه بِحَيْثُ يظنّ سامعه أَنه الْبَحْر الَّذِي لَا تغيب عَنهُ شاردة إِذا ذكر فرع وَقَالَ لَا يحضرني النَّقْل فِيهِ فيعز على أَبنَاء الزَّمَان وجدانه بعد الفحص والتنقيب وَإِذا سُئِلَ عَن حَدِيث فشذ عَنهُ عسر على الْحفاظ مَعْرفَته
وَكَانَ يُقَال إِنَّه يستحضر الْكتب السِّتَّة غير مَا يستحضره من غَيرهَا من المسانيد والمعاجم والأجزاء
وَأَنا أَقُول يبعد كل الْبعد أَن يَقُول فِي حَدِيث لَا أعرف من رَوَاهُ ثمَّ يُوجد فِي شَيْء من الْكتب السِّتَّة أَو المسانيد الْمَشْهُورَة
وَأما استحضار نُصُوص الشَّافِعِي وأقواله فَكَانَ يكَاد يحفظ الْأُم ومختصر الْمُزنِيّ وأمثالهما
وَأما استحضاره فِي علم الْكَلَام والملل والنحل وعقائد الْفرق من بني آدم فَكَانَ عجبا عجابا
وَأما استحضاره لأبيات الْعَرَب وأمثالها ولغتها فَأمر غَرِيب لقد كَانُوا يقرؤون عَلَيْهِ الْكَشَّاف فَإِذا مر بهم بَيت من الشّعْر سرد القصيدة غالبها أَو عامتها من حفظه وَعَزاهَا إِلَى قَائِلهَا وَرُبمَا أَخذ فِي ذكر نظائرها بِحَيْثُ يتعجب من يحضر
وَأما استحضاره لكتاب سِيبَوَيْهٍ وَكتاب المقرب لِابْنِ عُصْفُور فَكَانَ عجيبا وَلَعَلَّه درس عَلَيْهِمَا
стр. 3701
وَأما حفظه لشوارد اللُّغَة فَأمر مَشْهُور وَكنت أَنا أَقرَأ عَلَيْهِ فِي كتاب التَّلْخِيص للْقَاضِي جلال الدّين فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان أَنا وَآخر معي وَلم يكن فِيمَا أَظن وقف على التَّلْخِيص قبل ذَلِك وَإِنَّمَا أقرأه لأجلي وَكُنَّا نحكم المطالعة قبل الْقِرَاءَة عَلَيْهِ فَيَجِيء فيستحضر من مِفْتَاح السكاكي وَغَيره من كَلَام أهل الْمعَانِي وَالْبَيَان مَا لم نطلع عَلَيْهِ نَحن مَعَ مبالغتنا فِي النّظر قبل الْمَجِيء ثمَّ يوشح ذَلِك بتحقيقاته الَّتِي تطرب الْعُقُول
وَكنت أَقرَأ عَلَيْهِ الْمَحْصُول للْإِمَام فَخر الدّين وَالْأَرْبَعِينَ فِي الْكَلَام لَهُ والمحصل فَكنت أرى أَنه يحفظ الثَّلَاث عَن ظهر قلب
وَأما الْمُهَذّب والوسيط فَكَانَ فِي الْغَالِب ينْقل عبارتهما بِالْفَاءِ وَالْوَاو كَأَنَّهُ درس عَلَيْهِمَا
وَأما شرح الرَّافِعِيّ الَّذِي هُوَ كتَابنَا وَنحن ندأب فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَو قلت كَيفَ كَانَ يستحضره لاتهمني من يسمعني
هَذَا وَكَأَنَّهُ ينظر تعليقة الشَّيْخ أبي حَامِد وَالْقَاضِي الْحُسَيْن وَالْقَاضِي أبي الطّيب والشامل والتتمة وَالنِّهَايَة وَكتب الْمحَامِلِي وَغَيرهم من قدماء الْأَصْحَاب وَيتَكَلَّم لِكَثْرَة مَا يستحضره مِنْهَا بالعبارة
حكى لي الْحَافِظ تَقِيّ الدّين ابْن رَافع قَالَ سبقنَا مرّة إِلَى الْبُسْتَان فَجِئْنَا بعده ووجدناه نَائِما فَمَا أردنَا التشويش عَلَيْهِ فَقَامَ من نَومه وَدخل الْخَلَاء على عَادَته وَكَانَ يُرِيد أَن يكون دَائِما على وضوء فَلَمَّا دخل ظهر لنا كراس تَحت رَأسه فأخذناه فَإِذا هُوَ من شرح الْمِنْهَاج وَقد كتب عَن ظهر قلب نَحْو عشرَة أوراق قَالَ فنظرها رَفِيق كَانَ معي وَقَالَ مَا أعجب لكتابته لَهَا من حفظه وَلَا مِمَّا نَقله من كَلَام الرَّافِعِيّ
стр. 3702
وَالرَّوْضَة وَإِنَّمَا أعجب من نَقله عَن سليم فِي الْمُجَرّد وَابْن الصّباغ فِي الشَّامِل مَا نقل وَلم يكن عِنْده غير الْمِنْهَاج ودواة وورق أَبيض وَكُنَّا قد وجدنَا فِيهَا نقولا عَنْهُمَا
قلت أَنا من نظر شرح الْمِنْهَاج بِخَطِّهِ عرف أَنه كَانَ يكْتب من حفظه أَلا ترَاهُ يعْمل المسطرة وَالْوَرق على قطع الْكَبِير أحد عشر سطرا وَمَا ذَلِك إِلَّا لِأَنَّهُ يكْتب من رَأس الْقَلَم وَيُرِيد أَن ينظر مَا يلْحقهُ فَلذَلِك يعْمل المسطرة متسعة وَيتْرك بَيَاضًا كثيرا
قلت وَكنت أرَاهُ يكْتب متن الْمِنْهَاج ثمَّ يفكر ثمَّ يكْتب وَرُبمَا كتب الْمَتْن ثمَّ نظر الْكتب ثمَّ وَضعهَا من يَده وَانْصَرف إِلَى مَكَان آخر وَجلسَ ففكر سَاعَة ثمَّ كتب
وَكثير من مصنفاته اللطاف كتبهَا فِي دروج ورق المراسلات يَأْخُذ الأوصال ويثنيها طولا وَيجْعَل مِنْهَا كراسا وَيكْتب فِيهِ لِأَنَّهُ رُبمَا لم يكن عِنْده ورق كراريس فَيكْتب فِيهَا من رَأس الْقَلَم وَمَا ذَلِك إِلَّا فِي مَكَان لَيْسَ عِنْده فِيهِ لَا كتب وَلَا ورق النّسخ
وَأما الْبَحْث وَالتَّحْقِيق وَحسن المناظرة فقد كَانَ أستاذ زَمَانه وَفَارِس ميدانه وَلَا يخْتَلف اثْنَان فِي أَنه الْبَحْر الَّذِي لَا يساجل فِي ذَلِك كل ذَلِك وَهُوَ فِي عشر الثَّمَانِينَ وذهنه فِي غَايَة الاتقاد واستحضاره فِي غَايَة الازدياد
وَلما شغرت مشيخة دَار الحَدِيث الأشرفية بوفاة الْحَافِظ الْمزي عين هُوَ الذَّهَبِيّ لَهَا فَوَقع السَّعْي فِيهَا للشَّيْخ شمس الدّين ابْن النَّقِيب وَتكلم فِي حق الذَّهَبِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ بأشعري وَأَن الْمزي مَا وَليهَا إِذْ وَليهَا إِلَّا بعد أَن كتب خطه وَأشْهد على نَفسه بِأَنَّهُ أشعري العقيدة واتسع الْخرق فِي هَذَا فَجمع ملك الْأُمَرَاء الْأَمِير عَلَاء الدّين
стр. 3703
ألطنبغا نَائِب الشَّام إِذْ ذَاك الْعلمَاء فَلَمَّا اسْتَشَارَ الشَّيْخ الإِمَام أَشَارَ بالذهبي فَقَامَ الصائح بَين الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة والمالكية وتقفوا فِيهِ أَجْمَعُونَ وَكَانَ من الْحَاضِرين الشَّيْخ نجم الدّين القحفازي شيخ الْحَنَفِيَّة فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ الإِمَام أيش تَقول فَقَالَ
(وإليكم دَار الحَدِيث تساق ... )
أبدل هَذَا بدار
فَاسْتحْسن الْجَمَاعَة هَذَا مِنْهُ وَدَار إِلَى ملك الْأُمَرَاء وَقَالَ أعلم النَّاس الْيَوْم بِهَذَا الْعلم قَاضِي الْقُضَاة والذهبي وقاضي الْقُضَاة أشعري قطعا وَقطع الشَّك بِالْيَقِينِ أولى
فوليها الشَّيْخ الإِمَام وَلم يكن مُخْتَارًا ذَلِك بل كَانَ يكرههُ وَقَامَ من وقته إِلَى دَار الحَدِيث وَبَين يَدَيْهِ الذَّهَبِيّ وَخلق فروى بِسَنَدِهِ من طرق شَتَّى مِنْهُ إِلَى أبي مسْهر حَدِيث يَا عبَادي وَتكلم على رِجَاله ومخرجه بِحَيْثُ لم يسع الْمجْلس الْكَلَام على
стр. 3704
أَكثر من رجال الحَدِيث ومخرجه إِلَى أَن بهت الْحَاضِرُونَ لعلمهم أَن الشَّيْخ الإِمَام من سِنِين كَثِيرَة لَا ينظر الْأَجْزَاء وَلَا أَسمَاء الرِّجَال وَلَقَد قَالَ الذَّهَبِيّ
(وَمَا علمتني غير مَا الْقلب عالمه ... )
وَالله كنت أعلم أَنه فَوق ذَلِك وَلَكِن مَا خطر لي أَنه مَعَ التّرْك والاشتغال بِالْقضَاءِ يحضر من غير تهيئة ويسند هَذَا الْإِسْنَاد
انْتهى
وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ مَعَ صِحَة الذِّهْن واتقاده عَظِيم الحافظة لَا يكَاد يسمع شَيْئا إِلَّا حفظه وَلَا يحفظ شَيْئا فينساه وَإِن طَال بعده عَن تذكره جمعت لَهُ الحافظة الْبَالِغَة والفهم الْغَرِيب فَمَا كَانَ إِلَّا ندرة فِي النَّاس ووحق الْحق لَو لم أشاهد وَحكي لي أَن وَاحِدًا من الْعلمَاء احتوى على مثل هَذِه الْعُلُوم وَبلغ أقْصَى غاياتها نقلا وتحقيقا مَعَ صِحَة الذِّهْن وجودة المناظرة وَقُوَّة المغالبة وَحسن التصنيف وَطول الباع فِي الاستحضار واستواء الْعُلُوم بأسرها فِي نظهر أَحْسبهُ وهما
وَأَقُول كَيفَ تفي القوى البشرية بذلك وَلَكِن ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء
(وَلَيْسَ لله بمستنكر ... أَن يجمع الْعَالم فِي وَاحِد)
стр. 3705
كَانَ بِالآخِرَة قد أعرض عَن كَثْرَة الْبَحْث والمناظرة وَأَقْبل على التِّلَاوَة والتأله والمراقبة
وَكَانَ ينهانا عَن نوم النّصْف الثَّانِي من اللَّيْل وَيَقُول لي يَا بني تعود السهر وَلَو أَنَّك تلعب وَالْوَيْل كل الويل لمن يرَاهُ نَائِما وَقد انتصف اللَّيْل
واجتمعنا لَيْلَة أَنا والحافظ تَقِيّ الدّين أَبُو الْفَتْح وَالْأَخ المرحوم جمال الدّين الْحُسَيْن وَالشَّيْخ فَخر الدّين الأقفهسي وَغَيرهم فَقَالَ لي بعض الْحَاضِرين نشتهي أَن نسْمع مناظرته وَلَيْسَ فِينَا من يدل عَلَيْهِ غَيْرك فَقلت لَهُ الْجَمَاعَة يُرِيدُونَ سَماع مناظرتك على طَرِيق الجدل فَقَالَ بِسم الله وفهمت أَنه إِنَّمَا وَافق على ذَلِك لمحبته فِي وَفِي تعليمي
فَقَالَ أبصروا مَسْأَلَة فِيهَا أَقْوَال بِقدر عددكم وينصر كل مِنْكُم مقَالَة يختارها من تِلْكَ الْأَقْوَال وَيجْلس يبْحَث معي
فَقلت أَنا مَسْأَلَة الْحَرَام
فَقَالَ بِسم الله انصرفوا فليطالع كل مِنْكُم وَيُحَرر مَا ينصره
فقمنا وأعمل كل وَاحِد جهده ثمَّ عدنا وَقد كَاد اللَّيْل ينتصف وَهُوَ جَالس يَتْلُو هُوَ وَشَيخنَا الْمسند أَحْمد بن عَليّ الْجَزرِي الْحَنْبَلِيّ ﵀ فَقَالَ عبد الْوَهَّاب هَات حُسَيْن هَات هَكَذَا يخصني أَنا وَأخي بالنداء
стр. 3706
فابتدأ وَاحِد من الْجَمَاعَة فَقَالَ لَهُ إِن شِئْت كن مستدلا وَأَنا مَانع وَإِن شِئْت بِالْعَكْسِ
فحاصل الْقَضِيَّة أَن كلا منا صَار يسْتَدلّ على مقَالَته وَهُوَ يمنعهُ وَيبين فَسَاد كَلَامه إِلَى أَن يَنْقَطِع وَيَأْخُذ فِي الْكَلَام مَعَ الآخر حَتَّى انْقَطع الْجَمِيع
فَقَالَ لَهُ بَعْضنَا فَأَيْنَ الْحق
فَقَالَ أَنا أخْتَار الْمَذْهَب الْفُلَانِيّ الَّذِي كنت يَا فلَان تنصره وَنَصره إِلَى أَن قُلْنَا هُوَ الْحق ثمَّ قَالَ بل أخْتَار الْمَذْهَب الَّذِي كنت يَا فلَان تنصره
وَهَكَذَا أَخذ ينصر الْجَمِيع إِلَى أَن قَالَ لَهُ بَعْضنَا فَأَيْنَ الْبَاطِل
فَقَالَ الْآن حصحص الْحق الْمُخْتَار مَذْهَب الشَّافِعِي وَطَرِيق الرَّد على الْمَذْهَب الْفُلَانِيّ كَذَا وَالْمذهب الْفُلَانِيّ كَذَا وَالْمذهب الْفُلَانِيّ كَذَا وَقرر ذَلِك كُله إِلَى أَن قضينا الْعجب وكل منا يعرف أَن أقل مَا يكون للشَّيْخ الإِمَام عَن النّظر فِي مَسْأَلَة الْحَرَام سِنِين كَثِيرَة
وَحضر عندنَا مرّة الشَّيْخ جمال الدّين الْمزي الْحَافِظ ﵀ إِلَى الْبُسْتَان وَكَانَ هُنَاكَ جمَاعَة من الْمَشَايِخ ي جُزْء الْأنْصَارِيّ أحضرهم الْوَالِد لإسماع الْأَطْفَال فَقَالَ لي الشَّيْخ شرف الدّين عبد الله بن الواني الْمُحدث ﵀ كُنَّا نود لَو سمعنَا بِقِرَاءَة الشَّيْخ الإِمَام فَقلت لَهُ فَأخذ الْجُزْء وقرأه على الْجَمَاعَة قِرَاءَة قضى كل منا الْعجب من حسنها وسرعتها وبيانها
стр. 3707
وَأما بَاب الْعِبَادَة والمراقبة فوَاللَّه مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مثله كَانَ دَائِم التِّلَاوَة وَالذكر وَقيام اللَّيْل جَمِيع نَومه بِالنَّهَارِ وَأكْثر ليله التِّلَاوَة وَكَانَت تِلَاوَته أَكثر من صلَاته ويتهجد بِاللَّيْلِ وَيقْرَأ جَهرا فِي النَّوَافِل وَلَا ترَاهُ فِي النَّهَار جَالِسا إِلَّا وَهُوَ يَتْلُو وَلَو كَانَ رَاكِبًا وَلَا يَتْلُو إِلَّا جَهرا وَكَانَ يَتْلُو فِي الْحمام وَفِي المسلخ
وَأما بَاب الْغَيْبَة فوَاللَّه لم أسمع اغتاب أحدا قطّ لَا من الْأَعْدَاء وَلَا من غَيرهم وَمن عَجِيب أمره أَنه كَانَ إِذا مَاتَ شخص من أعدائه يظْهر عَلَيْهِ من التألم والتأسف شَيْء كثير وَلما مَاتَ الشَّيْخ فَخر الدّين الْمصْرِيّ رثاه بِأَبْيَات شعر وتأسف عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لما مَاتَ القَاضِي شهَاب الدّين ابْن فضل الله الَّذِي سقنا كَلَامه فِيهِ فِيمَا مضى وَلَا يخفى مَا كَانَ بَينهمَا وَمن الْغَرِيب أَنه قَرَأَ طَائِفَة من الْقُرْآن ثمَّ أهداها لَهُ فَقلت لَهُ لم هَذَا أَنْت لم تظلمه قطّ وَهُوَ كَانَ يظلمك فَمَا هَذَا فَقَالَ لعَلي كرهته بقلبي فِي وَقت لحظ دُنْيَوِيّ فَانْظُر إِلَى هَذِه المراقبة
وَمِمَّا يدلك على مراقبته قَوْله فِي كتاب الحلبيات وَقد ذكر أَن القَاضِي لَا تسمع عَلَيْهِ الْبَيِّنَة فَإِن قَوْله أصدق مِنْهَا وَأَن فِي كَلَام الرَّافِعِيّ مَا يَقْتَضِي سماعهَا وَتَابعه ابْن الرّفْعَة وَأَنه لَيْسَ بِصَحِيح مَا صورته وتوقفت فِي كِتَابَة هَذَا وخشيت أَن يداخلني شَيْء لكوني قَاضِيا حَتَّى رَأَيْت فِي ورقة بخطي من نحور أَرْبَعِينَ سنة كلَاما فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَفِي آخرهَا وَمَا يَنْبَغِي أَن تسمع على القَاضِي بَيِّنَة وَلَا أَن يطْلب بِيَمِين
انْتهى
فَانْظُر خَوفه مداخلات الْأَنْفس بِحَيْثُ لَو لم يجد هَذِه الورقة السَّابِقَة على تَوليته الْقَضَاء بسنين عديدة لتوقف فِي كِتَابَة مَا اخْتَارَهُ خشيَة وفرقا على دينه جزاه الله عَن دينه خيرا
стр. 3708
وَأما الدُّنْيَا فَلم تكن عِنْده بِشَيْء وَلَا يستكثرها فِي أحد يهب الجزيل وَلَا يرى أَنه فعل شَيْئا ويعجبني قَول الشَّيْخ جمال الدّين ابْن نباتة شَاعِر الْعَصْر فِيهِ من قصيدة امتدحه بهَا
(مُغنِي الْأَنَام فَمَا تعطل عِنْده ... فِي الحكم غير محَاضِر الإفلاس)
(ومعجل الجدوى جزَافا لَا كمن ... هُوَ ضَارب الْأَخْمَاس فِي الأسداس)
وَأما الصَّوْم فَكَانَ يعسر عَلَيْهِ وَلم أره يَصُوم غير رَمَضَان وست من شَوَّال قلت لَهُ لم تواظب على صَوْم سِتّ من شَوَّال فَقَالَ لِأَنَّهَا تَأتي وَقد أدمنت على الصَّوْم
وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا لحدة ذهنه واتقاد قريحته فَكَانَ لَا يُطيق الصَّوْم وَقد مَاتَ فِي عشر الثَّمَانِينَ بالحدة وَرُبمَا كَانَ يقْعد والثلج سَاقِط من السَّمَاء وَهُوَ على رَأسه طاقية
وَكَانَ يَقُول الشَّام توافقني أَكثر من مصر لبردها ويسكن ظَاهر الْبَلَد شتاء وصيفا
стр. 3709
وَكَانَ لَا يصبر إِذا طلعت الشَّمْس إِلَى أَن يَسْتَوِي طَعَام الْبَيْت بل يَأْكُل من السُّوق وَمَا ذَلِك إِلَّا لسهره بِاللَّيْلِ مَعَ حِدة ذهنه فيجوع من طُلُوع الشَّمْس وَلَا يُطيق الصَّبْر ثمَّ إِذا أكل اجتزأ بالعلقة من الطَّعَام واليسير من الْغذَاء
وَأما مأكله وملبسه وملاذه الدُّنْيَوِيَّة فَأمر يسير جدا لَا ينظر إِلَى شَيْء من ذَلِك بل يجتزئ بِيَسِير المأكل ونزر الملبس
وَأما عدم مبالاته بِالنَّاسِ فَأمر غَرِيب وَلَقَد شاهدته غير مرّة يخرج بملوطته وعمامته الَّتِي ينَام فِيهَا إِلَى الطَّرِيق ورأيته مرّة خرج كَذَلِك وَكَانَت الملوطة الَّتِي عَلَيْهِ وسخة مقطعَة
رَاح إِلَى الْجَامِع يَوْم ختم البُخَارِيّ وَجلسَ فِي أخريات النَّاس بِحَيْثُ لم يشْعر بِهِ أحد ثمَّ كَأَنَّهُ عرضت لَهُ حَالَة فَرفع يَدَيْهِ وَتوجه ساكتا على عَادَته وَصَارَ رَافع يَدَيْهِ قبل أَن يشرعوا فِي الدُّعَاء بِنَحْوِ سَاعَة زمانية أَو أَزِيد ثمَّ اسْتمرّ كَذَلِك إِلَى أَن فرغ وَصَارَت الْعَوام يرونه ويتعجبون من لبسه وحاله ومجيئه على تِلْكَ الصُّورَة وَمَا تمّ الْمجْلس إِلَّا وَقد حضر النَّقِيب والغلمان فَقَامَ وَحضر إِلَى الْبَيْت وهم بَين يَدَيْهِ كَأَنَّهُ بَينهم غُلَام وَاحِد مِنْهُم وَعَلِيهِ من المهابة مَا لَا يعبر عَنهُ
وَكنت مَعَ ذَلِك أرَاهُ أَيَّام المواكب السُّلْطَانِيَّة يلبس الطيلسان مواظبا عَلَيْهِ وَكنت أعجب لِأَن طبعه لَا يَقْتَضِي الاكتراث بِهَذِهِ الْأُمُور فتجاسرت عَلَيْهِ وَسَأَلته فَقلت لَهُ أَنْت تقعد وتحكم وَعَلَيْك ثِيَاب مَا تَسَاوِي عشْرين درهما وأراك تحرص على لبس الطيلسان يَوْم الموكب
стр. 3710
فَقَالَ يَا بني هَذَا صَار شعار الشَّافِعِيَّة وَلَا نُرِيد أَن ينسى وَأَنا مَا أَنا مخلد سَيَجِيءُ غَيْرِي ويلبسه فَمَا أحدث عَلَيْهِ عَادَة فِي تبطيله
ورأيته غير مرّة يكون رَاكِبًا البغلة فيجد مَاشِيا فيردفه خَلفه ويعبر الْمَدِينَة وهما كَذَلِك والنقيب والغلمان بَين يَدَيْهِ لَا يقدر أحد أَن يَعْتَرِضهُ
وَحضر مرّة ختمة بالجامع الْأمَوِي وَحَضَرت الْقُضَاة وأعيان الْبَلَد بَين يَدَيْهِ وَهُوَ جَالس فِي محراب الصَّحَابَة فَأَنْشد المنشد قصيدة الصرصري الَّتِي أَولهَا
قَلِيل لمدح الْمُصْطَفى الْخط بِالذَّهَب ... )
فَلَمَّا قَالَ
(وَأَن ينْهض الْأَشْرَاف عِنْد سَمَاعه ... )
الْبَيْت
حصلت للشَّيْخ الإِمَام حَالَة وَقَامَ وَاقِفًا للْحَال فَاحْتَاجَ النَّاس كلهم أَن يقومُوا فَقَامُوا أَجْمَعُونَ وحصلت سَاعَة طيبَة
وَكَانَ لَا يحابي فِي الْحق أحدا وأخباره فِي هَذَا الْبَاب عَجِيبَة حكم مرّة فِي وَاقعَة حريثا وصمم فِيهَا وعانده أرغون الكاملي نَائِب الشَّام وَكَاد الْأَمر يطلخم شاما ومصرا فَذكر القَاضِي صَلَاح الدّين الصَّفَدِي أَنه عبر إِلَيْهِ وَقَالَ يَا مَوْلَانَا قد أعذرت ووفيت مَا عَلَيْك وَهَؤُلَاء مَا يطيعون الْحق فَلم تلقي بِنَفْسِك إِلَى التَّهْلُكَة وتعاديهم قَالَ فَتَأمل فِي مَلِيًّا ثمَّ قَالَ
стр. 3711
(وليت الَّذِي بيني وَبَيْنك عَامر ... وبيني وَبَين الْعَالمين خراب)
وَالله لَا أرضي غير الله
قَالَ فَخرجت من عِنْده وَعرفت أَنه لَا يرجع عَن الْحق بزخارف من القَوْل
قلت وَلَقَد نزل لي شَيخنَا شمس الدّين الذَّهَبِيّ فِي حَيَاته عَن مشيخة دَار الحَدِيث الظَّاهِرِيَّة فَلم يمض النُّزُول وَقَالَ لي وَالله يَا بني أعرف أَنَّك مستحقها وَلَكِن ثمَّ مَشَايِخ هم أولى مِنْك لطعنهم فِي السن
ثمَّ لما حضرت الذَّهَبِيّ الْوَفَاة أشهد على نَفسه بِأَنَّهُ نزل لي عَنْهَا فوَاللَّه لم يمضها لي وَهَا خطه عِنْدِي يَقُول فِيهِ بعد أَن ذكر وَفَاة الذَّهَبِيّ وَقد نزل لوَلَدي عبد الْوَهَّاب عَن مشيخة الظَّاهِرِيَّة وَأَنا أعرف اسْتِحْقَاقه وَلَكِن سنّ الشَّبَاب مَنَعَنِي أَن أمضي النُّزُول لَهُ
وَلما نزل عَن مشيخة دَار الحَدِيث الأشرفية وَاتفقَ أَنه بعد أشهر حضر درسا عمله الْوَلَد تَقِيّ الدّين أَبُو حَاتِم مُحَمَّد ابْن الْأَخ شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام بهاء الدّين أبي حَامِد سلمهما الله وَكَانَ أَشَارَ هُوَ بذلك ليفرح بتدريس ولد وَلَده بِحُضُورِهِ قبل وَفَاته قَالَ للْجَمَاعَة الْحَاضِرين مَا أعلم أحدا يصلح لمشيخة دَار الحَدِيث غير وَلَدي عبد الْوَهَّاب وشخص آخر غَائِب عَن دمشق
وَأكْثر النَّاس لم يفهم الْغَائِب وَأَنا أعرف أَنه الشَّيْخ صَلَاح الدّين العلائي شيخ بَيت الْمُقَدّس وحافظه
стр. 3712
وَكَانَ يَقُول لي فِي أَيَّام مَرضه قبل أَن يحصل لي الْقَضَاء إياك ثمَّ إياك أَن تطلب الْقَضَاء بقلبك فضلا عَن قالبك فَأَنا أطلبه لَك لعلمي بِالْمَصْلَحَةِ فِي ولايتك لَك ولقومك وَلِلنَّاسِ وَأما أَنْت فاحذر لِئَلَّا يكلك الله إِلَيْهِ على مَا قَالَ ﷺ (يَا عبد الرَّحْمَن لَا تسْأَل الْإِمَارَة) الحَدِيث
وحضرته وَقد جَاءَ إِلَيْهِ بعض الْفُقَرَاء فَقَالَ أُرِيد ثَلَاثًا ولَايَة ابْني هَذَا موضعي ورؤية وَلَدي أَحْمد وموتي بِمصْر أشهد بِاللَّه لسمعت ذَلِك مِنْهُ
فَقَالَ لَهُ الْفَقِير سل الله فِي ذَلِك إِن كَانَ مصلحَة
فَقَالَ قد تحققت أَن كل وَاحِد من الثَّلَاثَة مصلحَة
فَقَالَ لَهُ الْقَضَاء مصلحَة لهَذَا
فَقَالَ نعم تحققت أَنه مصلحَة لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالدّين جَمِيعًا
وَقَالَ فِي ذَلِك الْمجْلس أَنا فِي بر وَلَدي أَحْمد يَعْنِي الْأَخ أَبَا حَامِد وَوَصفه بِالْعلمِ الْكثير
وَأما أَحْوَاله فَكَانَت عَجِيبَة جدا مَا عانده أحد إِلَّا وَأخذ سَرِيعا وَكَانَ لَا يحب أَن يظْهر عَلَيْهِ شَيْء من الكرامات ويتأذى كل الْأَذَى من ظُهُورهَا وَمِمَّنْ يظهرها وَقد اتّفقت لَهُ فِي الْقَاهِرَة ودمشق عجائب مِنْهَا واقعته فِي مشيخة جَامع طولون الَّتِي ذكرتها عِنْد ذكر قصيدته الَّتِي أَولهَا
стр. 3713
(كَمَال الْفَتى بِالْعلمِ لَا بالمناصب ... )
وَمِنْهَا أَنه كَانَ بِيَدِهِ تدريس المنصورية أَخذهَا عَن قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين الزرعي عِنْد ولَايَته قَضَاء الشَّام ثمَّ عزل الزرعي وأرغون النَّائِب فِي الْحجاز وَكَانَ كثير الصداقة لَهُ فَلَمَّا بلغ ذَلِك أرغون شقّ عَلَيْهِ وعزم على أَنه إِذا وصل إِلَى مصر ينْزع المنصورية من الْوَالِد ويعديها للزرعي فَلَمَّا قيل إِن أرغون وصل ويطلع غَدا بَات الْوَالِد فِي قلق لِأَنَّهُ لم يكن لَهُ رزق غَيرهمَا إِلَّا الْيَسِير فَأَخْبرنِي أخي الشَّيْخ بهاء الدّين أَنه أخبرهُ أَنه صلى فِي اللَّيْل رَكْعَتَيْنِ فَسمع قَائِلا يَقُول لَهُ أرغون مَاتَ فَلَمَّا أصبح وَحضر الدَّرْس قيل لَهُ إِن أرغون طلع القلعة فَتوجه إِلَى جِهَة القلعة للسلام عَلَيْهِ فَبَلغهُ فِي الطَّرِيق أَن أرغون أمسك
وَمِنْهَا واقعته مَعَ إيتمش نَائِب الشَّام فَإِنَّهُ عانده وضاجره فَحكى لي أخي الشَّيْخ بهاء الدّين أَنه لما اشْتَدَّ بِهِ ذَلِك عزم على عزل نَفسه من الْقَضَاء فَحَضَرَ
стр. 3714
درس الأتابيكة بالصالحية ثمَّ دخل إِلَى مَسْجِد فِي دهليزها وأغلق عَلَيْهِ الْبَاب وَصلى رَكْعَتي الاستخارة فِي ذَلِك فَلَمَّا كَانَت السَّجْدَة الثَّانِيَة من الرَّكْعَة الثَّانِيَة سمع قَائِلا يَقُول ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ فأحجم عَن ذَلِك إِلَى آخر حَيَاته
وَآخر أمره مَعَ إيتمش أَنه أَمر شاد الْأَوْقَاف بِجمع الْفُقَهَاء للْفَتْوَى عَلَيْهِ فَبينا شاد الْأَوْقَاف بعد صَلَاة الْجُمُعَة يجمعهُمْ وَإِذا بالبريدي قدم من مصر يَطْلُبهُ إِلَى بَاب السُّلْطَان معززا مكرما
وَكَانَ الإِمَام تَاج الدّين المراكشي الَّذِي ذكرت تَرْجَمته يحْكى أَنه رأى فِي مَنَامه قَائِلا يَقُول سَيَأْتِي شخص من مماليك ألجاي الدويدار يقتل هَؤُلَاءِ كلهم فَعَن قريب حضر البريدي الْمَذْكُور وَهُوَ قَيْصر مَمْلُوك ألجاي أحد مقدمي الْحلقَة وَتُوفِّي سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة فانطوى ذَلِك الْبسَاط وَعَاد الَّذين كَانُوا من قبل بلحظة يجمعُونَ الغض مِنْهُ واقفين على بَابه يَسْتَغْفِرُونَ ويعتذرون
وأعجب من ذَلِك أَن البريدي ذكر أَنه أَرَادَ أَن يتَخَلَّف فِي الطَّرِيق لشغل عرض لَهُ فصادف أَن غُلَامه سبقه وَمَا أمكنه التَّخَلُّف فَصَارَ غُلَامه وَهُوَ أَمَامه يَسُوق كل
стр. 3715
السُّوق ظنا مِنْهُ أَن البريدي سبقه والبريدي يلْحقهُ إِلَى أَن وصل فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَو تَأَخّر بعده سَاعَة وَاحِدَة لحصل التَّعَب لنا
ثمَّ سَافر إِلَى مصر وَمَا اتّفقت إِقَامَته بهَا وَصَارَ يصعب عَلَيْهِ الْعود إِلَى دمشق وأيدغمش بهَا وَالْإِقَامَة مصر لَا تمكنه فبلغني أَن الْأَمِير الْكَبِير بدر الدّين جنكلي ابْن البابا وَهُوَ أكبر أُمَرَاء الدولة قَالَ نَحن مَعَ هَذَا السُّبْكِيّ فِي صداع لَا يُمكن إِقَامَته بِمصْر وَلَا يهون عَلَيْهِ عوده إِلَى دمشق وإيتمش بهَا وَلَا يمكننا عزل إيتمش بِسَبَب قَاض إِن كَانَت لَهُ كَرَامَة عِنْد الله فَالله يريحه من إيتمش فَجَاءَهُمْ الْخَبَر ثَانِي يَوْم بوفاة إيتمش فَجْأَة فَلَمَّا أَن بلغه الْخَبَر لم يزدْ على أَن ذرفت عَيناهُ بالدموع ثمَّ نَهَضَ إِلَى الصَّلَاة
وَكَانَ مِمَّن يحط عَلَيْهِ عِنْده القَاضِي شهَاب الدّين ابْن فضل الله فعزل وصودر وَاتفقَ لَهُ مَا اتّفق
وَكَانَ القَاضِي شهَاب الدّين أرسل إِلَيْهِ من قبل بِشَهْر يَقُول لَهُ مَعَ مَمْلُوكه عَرفتنِي فَقَالَ قل لَهُ نعم عرفتك وَلَكِن أَنْت مَا عَرفتنِي فَبعد شهر صودر وَاتفقَ لَهُ مَا اتّفق
وَمِنْهَا أمره مَعَ طقزتمر نَائِب الشَّام وَكَانَ من أصحب النَّاس لَهُ فِي مصر فَلَمَّا جَاءَ إِلَى الشَّام غَيره الشاميون عَلَيْهِ وَأَعَانَهُمْ امْتِنَاعه من امْتِثَال أوامره فَطلب إِلَى مصر واستوحشنا من رَوَاحه فَمَا وَصلهَا إِلَّا وَهُوَ فِي النزع وَمَات
وَمِنْهَا أمره مَعَ أرغون شاه نَائِب الشَّام أَيْضا وَقد جرت لَهُ مَعَه فُصُول وَأَنا رَأَيْته مرّة يمسك بطرزه وَيَقُول لَهُ أَنا أَمُوت وَأَنت تَمُوت
следующие страницы →