← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ابْن دَاوُد بن مَنْصُور حَدثنَا عبيد بن خلف الْبَزَّار أَبُو مُحَمَّد حَدَّثَنى إِسْحَاق بن عبد الرَّحْمَن قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن الكرابيسى قلت كَذَا فى السَّنَد عبيد عَن إِسْحَاق وَعبيد صَاحب الكرابيسى وَلَا يمْتَنع أَن يسمع عَنهُ كَمَا سمع مِنْهُ رَجَعَ الحَدِيث إِلَى الكرابيسى سَمِعت الشافعى يَقُول كنت أَقرَأ كتب الشّعْر فآتى البوادى فَأَسْمع مِنْهُم قَالَ فَقدمت مَكَّة مِنْهَا فَخرجت وَأَنا أتمثل بِشعر للبيد وأضرب وحشى قدمى بِالسَّوْطِ فضربنى رجل من ورائى من الحجبة فَقَالَ رجل من قُرَيْش ثمَّ ابْن الْمطلب رضى من دينه ودنياه أَن يكون معلما مَا الشّعْر هَل الشّعْر إِذا استحكمت فِيهِ إِلَّا قعدت معلما تفقه يعلك الله قَالَ فنفعنى الله بِكَلَام ذَلِك الحجبى فَرَجَعت إِلَى مَكَّة فَكتبت عَن ابْن عُيَيْنَة مَا شَاءَ الله أَن أكتب ثمَّ كنت أجالس مُسلم بن خَالِد الزنجى ثمَّ قدمت على مَالك ابْن أنس فَكتبت موطأه فَقلت لَهُ يَا أَبَا عبد الله أَقرَأ عَلَيْك قَالَ يَا ابْن أخى تأتى بِرَجُل يقرأه على فَتسمع فَقلت أَقرَأ عَلَيْك فَتسمع إِلَى كلامى فَقَالَ لى أقرأه فَلَمَّا سمع كلامى لقِرَاءَة كتبه أذن لى فَقَرَأت عَلَيْهِ حَتَّى بلغت كتاب السّير فَقَالَ لى اطوه يَا ابْن أخى تفقه تعل فَجئْت إِلَى مُصعب بن عبد الله فكلمته أَن يكلم بعض أهلنا فيعطينى شَيْئا من الدُّنْيَا فَإِنَّهُ كَانَ لى من الْفقر والفاقة مَا الله بِهِ عليم فَقَالَ لى مُصعب أتيت فلَانا فكلمته فَقَالَ لى أتكلمنى فى رجل كَانَ منا فخالفنا فأعطانى مائَة دِينَار وَقَالَ لى مُصعب إِن هَارُون الرشيد قد كتب إِلَى أَن أصير إِلَى الْيمن قَاضِيا فَتخرج مَعنا لَعَلَّ الله أَن يعوضك مَا كَانَ هَذَا الرجل يعوضك قَالَ فَخرج قَاضِيا على الْيمن فَخرجت مَعَه فَلَمَّا صرنا بِالْيمن وجالسنا النَّاس كتب مطرف بن مَازِن إِلَى هَارُون الرشيد إِن أردْت الْيمن لَا يفْسد عَلَيْك وَلَا يخرج من يَديك فَأخْرج عَنهُ مُحَمَّد بن إِدْرِيس وَذكر أَقْوَامًا من الطالبيين

стр. 457

قَالَ فَبعث إِلَى حَمَّاد البربرى فأوثقت بالحديد حَتَّى قدمنَا على هَارُون بالرقة قَالَ فأدخلت على هَارُون قَالَ فأخرجت من عِنْده قَالَ وقدمت ومعى خَمْسُونَ دِينَارا قَالَ وَمُحَمّد بن الْحسن يَوْمئِذٍ بالرقة فأنفقت تِلْكَ الْخمسين دِينَارا على كتبهمْ قَالَ فَوجدت مثلهم وَمثل كتبهمْ مثل رجل كَانَ عندنَا يُقَال لَهُ فروخ وَكَانَ يحمل الدّهن فى زق لَهُ فَكَانَ إِذا قيل لَهُ عنْدك فرشنان قَالَ نعم فَإِن قيل عنْدك زئبق قَالَ نعم فَإِن قيل عنْدك خيرى قَالَ نعم فَإِذا قيل لَهُ أرنى وللزق رُءُوس كَثِيرَة فَيخرج لَهُ من تِلْكَ الرُّءُوس وَإِنَّمَا هى دهن وَاحِد وَكَذَلِكَ وجدت كتاب أَبى حنيفَة إِنَّمَا يَقُولُونَ كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ وَإِنَّمَا هم مخالفون لَهُ قَالَ فَسمِعت مَا لَا أحصيه مُحَمَّد بن الْحسن يَقُول إِن تابعكم الشافعى فَمَا عَلَيْكُم من حجازى كلفة بعده فَجئْت يَوْمًا فَجَلَست إِلَيْهِ وَأَنا من أَشد النَّاس هما وغما من سخط أَمِير الْمُؤمنِينَ وزادى قد نفد قَالَ فَلَمَّا أَن جَلَست إِلَيْهِ أقبل مُحَمَّد بن الْحسن يطعن على أهل دَار الْهِجْرَة فَقلت على من تطعن على الْبَلَد أم على أَهله وَالله لَئِن طعنت على أَهله إِنَّمَا تطعن على أَبى بكر وَعمر والمهاجرين وَالْأَنْصَار وَإِن طعنت على الْبَلدة فَإِنَّهَا بلدتهم الَّتِى دَعَا لَهُم رَسُول الله ﷺ أَن يُبَارك لَهُم فى صاعهم ومدهم وَحرمه كَمَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة لَا يقتل صيدها فعلى أَيهمْ تطعن فَقَالَ معَاذ الله أَن أطعن على أحد مِنْهُم أَو على بلدته وَإِنَّمَا أطعن على حكم من أَحْكَامه

стр. 458

فَقلت لَهُ وَمَا هُوَ قَالَ الْيَمين مَعَ الشَّاهِد قلت لَهُ وَلم طعنت قَالَ فَإِنَّهُ مُخَالف لكتاب الله فَقلت لَهُ فَكل خبر يَأْتِيك مُخَالفا لكتاب الله أيسقط قَالَ فَقَالَ لى كَذَا يجب فَقلت لَهُ مَا تَقول فى الْوَصِيَّة للْوَالِدين فتفكر سَاعَة فَقلت لَهُ أجب فَقَالَ لَا تجب قَالَ فَقلت لَهُ فَهَذَا مُخَالف لكتاب الله لم قلت إِنَّه لَا يجوز فَقَالَ لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا وَصِيَّة للْوَالِدين قَالَ فَقلت لَهُ أخبرنى عَن شَاهِدين حتم من الله قَالَ فَمَا تُرِيدُ من ذَا قَالَ فَقلت لَهُ لَئِن زعمت أَن الشَّاهِدين حتم من الله لَا غَيره كَانَ ينبغى لَك أَن تَقول إِذا زنى زَان فَشهد عَلَيْهِ شَاهِدَانِ إِن كَانَ مُحصنا رَجَمْته وَإِن كَانَ غير مُحصن جلدته قَالَ فَإِن قلت لَك لَيْسَ هُوَ حتما من الله قَالَ قلت لَهُ إِذا لم يكن حتما من الله فَنَنْزِل كل الْأَحْكَام مَنَازِله فى الزِّنَا أَرْبعا وفى غَيره شَاهِدين وفى غَيره رجلا وَامْرَأَتَيْنِ وَإِنَّمَا أعنى فى الْقَتْل لَا يجوز إِلَّا شَاهِدَانِ فَلَمَّا رَأَيْت قتلا وقتلا أعنى بِشَهَادَة الزِّنَا وأعنى بِشَهَادَة الْقَتْل فَكَانَ هَذَا قتلا وَهَذَا قتلا غير أَن أحكامهما مُخْتَلفَة فَكَذَلِك كل حكم ننزله حَيْثُ أنزلهُ الله مِنْهَا بِأَرْبَع وَمِنْهَا بِشَاهِدين وَمِنْهَا بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ وَمِنْهَا شَاهد وَالْيَمِين فرأيتك تحكم بِدُونِ هَذَا قَالَ وَمَا أحكم بِدُونِ هَذَا قَالَ فَقلت لَهُ مَا تَقول فى الرجل وَالْمَرْأَة إِذا اخْتلفَا فى مَتَاع الْبَيْت فَقَالَ أصحابى يَقُولُونَ فِيهِ مَا كَانَ للرِّجَال فَهُوَ للرِّجَال وَمَا كَانَ للنِّسَاء فَهُوَ للنِّسَاء

стр. 459

قَالَ فَقلت أبكتاب الله هَذَا أم بِسنة رَسُول الله ﷺ قَالَ وَقلت لَهُ فَمَا تَقول فى الرجلَيْن إِذا اخْتلفَا فى الْحَائِط فَقَالَ فى قَول أَصْحَابنَا إِذا لم يكن لَهُم بَيِّنَة ينظر إِلَى العقد من أَيْن هُوَ الْبناء فأحكم لصَاحبه قَالَ فَقلت لَهُ أبكتاب الله قلت هَذَا أم بِسنة رَسُول الله قلت هَذَا وَقلت لَهُ مَا تَقول فى رجلَيْنِ بَينهمَا خص فيختلفان لمن يحكم إِذا لم يكن لَهما بَيِّنَة قَالَ أنظر إِلَى معاقده من أى وَجه هُوَ فأحكم لَهُ قلت لَهُ بِكِتَاب الله قلت هَذَا أم بِسنة رَسُول الله ﷺ قَالَ وَقلت لَهُ فَمَا تَقول فى ولادَة الْمَرْأَة إِذا لم يكن يحضرها إِلَّا امْرَأَة وَاحِدَة وهى الْقَابِلَة وَحدهَا وَلم يكن غَيرهَا قَالَ فَقَالَ الشَّهَادَة جَائِزَة بِشَهَادَة الْقَابِلَة وَحدهَا نقبلها قَالَ فَقلت لَهُ قلت هَذَا بِكِتَاب الله أم بِسنة رَسُول الله ﷺ قَالَ ثمَّ قلت لَهُ من كَانَت هَذِه أَحْكَامه فَلَا يطعن على غَيره قَالَ ثمَّ قلت لَهُ أتعجب من حكم حكم بِهِ رَسُول الله ﷺ وَحكم بِهِ أَبُو بكر وَعمر وَحكم بِهِ على بن أَبى طَالب بالعراق وَقضى بِهِ شُرَيْح قَالَ وَرجل من ورائى يكْتب ألفاظى وَأَنا لَا أعلم قَالَ فَأدْخل على هَارُون وقرأه عَلَيْهِ قَالَ فَقَالَ لى هرثمة بن أعين كَانَ مُتكئا فَاسْتَوَى جَالِسا قَالَ اقرأه على ثَانِيًا قَالَ فَأَنْشَأَ هَارُون يَقُول صدق الله وَرَسُوله صدق الله وَرَسُوله صدق الله وَرَسُوله قَالَ رَسُول الله ﷺ (تعلمُوا من قُرَيْش وَلَا تعلموها قدمُوا قُريْشًا وَلَا تؤخروها) مَا أنكر أَن يكون مُحَمَّد بن إِدْرِيس أعلم من مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ فرضى عَنى وَأمر لى بِخَمْسِمِائَة دِينَار

стр. 460

قَالَ فَخرج بِهِ هرثمة وَقَالَ لى بِالسَّوْطِ هَكَذَا فاتبعته فحدثنى بالقصة وَقَالَ لى قد أَمر لَك بِخَمْسِمِائَة دِينَار وَقد أضفنا إِلَيْهِ مثله قَالَ فوَاللَّه مَا ملكت قبلهَا ألف دِينَار إِلَّا فى ذَلِك الْوَقْت قَالَ وَكنت رجلا أتشبع فكفانى الله على يدى مُصعب وَمن الْمسَائِل عَن الْحُسَيْن وقف الْوَالِد ﵀ على تصنيف الْحُسَيْن فى الشَّهَادَات أَظن أَنى أَنا الذى أحضرته إِلَيْهِ فَكتب مِنْهُ فَوَائده هَا أَنا أحلهَا وَمن خطّ الشَّيْخ الإِمَام أنقلها مِنْهَا حكى الكرابيسى عَن مُعَاوِيَة أَنه قبل شَهَادَة أم سَلمَة لِابْنِ أَخِيهَا وَأَجَازَ زُرَارَة شَهَادَة أَبى مجلز وَحده وَأَجَازَ شُرَيْح شَهَادَة أَبى إِسْحَاق وَحده وَأَجَازَ شُرَيْح أَيْضا شَهَادَة أَبى قيس على مصحف وَحده قَالَ الكرابيسى إِن قَالَ قَائِل أُجِيز شَهَادَة وَاحِد وَجَبت استتابته فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل قَالَ فَإِن قَالَ قَائِل هَؤُلَاءِ من أهل الْعلم قيل لَهُ إِنَّمَا يهدم الْإِسْلَام زلَّة عَالم وَلَا يهدمه زلَّة ألف جَاهِل قد حكم بعض أهل الْعلم بِمَا لَا يحل لَهُ وَلَا يجوز فى الْإِسْلَام فقد قضى شُرَيْح بقضايا لَيْسَ عَلَيْهَا أحد من الْمُسلمين وَلَا لَهُ حجَّة من كتاب وَلَا سنة وَلَا أثر وَلَا يثبت بِجِهَة من الْجِهَات وَمِنْهَا إِذا باعت الصَدَاق وَطَلقهَا قبل الدُّخُول قَالَ مَالك لَهَا نصف مَا اشترت مَا لم تستهلك مِنْهُ شَيْئا وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يجب على من ولى من الْحُكَّام إبِْطَال هَذَا الحكم ورد عَلَيْهِمَا الكرابيسى

стр. 461

وَقَالَ أَبُو يُوسُف فى الحكم بِبيع أم الْوَلَد إِنَّه ينْقض ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا ينْقض للِاخْتِلَاف فِيهِ نقل أَبُو عَاصِم أَن الْحُسَيْن قَالَ الْخَبَر إِذا رَوَاهُ عَالم من الْمُحدثين أوجب الْعلم الظَّاهِر وَالْبَاطِن كالتواتر قَالَ الْحُسَيْن سَمِعت الشافعى يَقُول يكره للرجل أَن يَقُول قَالَ الرَّسُول وَلَكِن يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ ليَكُون مُعظما رَوَاهُ البيهقى وَغَيره وَهُوَ فى كتاب أَبى عَاصِم وروى عَن الشافعى أَيْضا أَنه قَالَ اضْطر النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ فَلم يَجدوا تَحت أَدِيم السَّمَاء خيرا من أَبى بكر فَلذَلِك استعملوه على رِقَاب النَّاس قَالَ أَبُو عَاصِم العبادى وَهَذَا قَول مِنْهُ بِأَن إِمَامَة الْمَفْضُول لَا تجوز نقل العبادى أَن الكرابيسى قَالَ إِذا قَالَ أَنْت طَالِق مثل ألف طلقت ثَلَاثَة لِأَنَّهُ شبه بِعَدَد فَصَارَ كَقَوْلِه مثل عدد نُجُوم السَّمَاء أما إِذا قَالَ مثل الْألف أى بالتعريف فَتطلق وَاحِدَة إِذا لم ينْو شَيْئا لِأَنَّهُ تَشْبِيه بعظيم فَأشبه مَا لَو قَالَ مثل الْجَبَل وفى الرافعى عَن المتولى ...

стр. 462

٢٦ - الْحُسَيْن القلاس بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد اللَّام وفى آخرهَا السِّين الْمُهْملَة الْفَقِيه البغدادى وَيُقَال اسْمه الْحسن قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق كَانَ من علية أَصْحَاب الحَدِيث وحفاظ مَذْهَب الشافعى هَكَذَا حَكَاهُ دَاوُد فى كتاب فَضَائِل الشافعى عَن أَبى ثَوْر وأبى على الزعفرانى انْتهى ٢٧ - حَرْمَلَة بن يحيى بن عبد الله بن حَرْمَلَة بن عمرَان بن قراد التجيبى نِسْبَة إِلَى تجيب بِضَم التَّاء المنقوطة بِاثْنَتَيْنِ من فَوْقهَا وَكسر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وفى آخرهَا بَاء مُوَحدَة وتجيب قَبيلَة كَانَ إِمَامًا جَلِيلًا رفيع الشَّأْن ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة وروى عَن الشافعى وَعبد الله بن وهب وَأَيوب بن سُوَيْد الرملى وَبشر بن بكر التنيسى وَسَعِيد بن أَبى مَرْيَم وَغَيرهم روى عَنهُ مُسلم وَابْن ماجة وَغَيرهمَا وَكَانَ من أَكثر النَّاس رِوَايَة عَن ابْن وهب

стр. 463

قَالَ أَبُو عمر الكندى لم يكن بِمصْر أحد أكتب مِنْهُ عَن ابْن وهب وَذَلِكَ لِأَن ابْن وهب أَقَامَ فى منزلهم سنة وَسِتَّة أشهر مستخفيا من عباد لما طلبه يوليه قَضَاء مصر وَعَن حَرْمَلَة عادنى ابْن وهب من رمد أصابنى وَقَالَ لى يَا أَبَا حَفْص إِنَّه لَا يُعَاد من الرمد وَلَكِنَّك من أهلى وَعَن أَحْمد بن صَالح المصرى صنف ابْن وهب مائَة ألف وَعشْرين ألف حَدِيث عِنْد بعض النَّاس مِنْهَا النّصْف يعْنى نَفسه وَعند بعض النَّاس الْكل يعْنى حَرْمَلَة وَقَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى الحضرمى حَدِيث ابْن وهب كُله عِنْد حَرْمَلَة إِلَّا حديثين وَقَالَ هَارُون بن سعيد سَمِعت أَشهب وَنظر إِلَى حَرْمَلَة فَقَالَ هَذَا خير أهل الْمَسْجِد قلت تكلم بَعضهم فى حَرْمَلَة فَعَن أَبى حَاتِم لَا يحْتَج بِهِ وأنصف ابْن عدى فَقَالَ قد تبحرت حَدِيث حَرْمَلَة وفتشته الْكثير فَلم أجد فى حَدِيثه مَا يجب أَن يضعف من أَجله وَرجل توارى ابْن وهب عِنْدهم وَيكون حَدِيثه كُله عِنْده فَلَيْسَ بِبَعِيد أَن يغرب على غَيره قلت هَذَا هُوَ الْحق وحرملة ثِقَة ثَبت إِن شَاءَ الله صنف الْمَبْسُوط والمختصر وَمَات سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَمن الرِّوَايَة عَن حَرْمَلَة قَالَ حَرْمَلَة حَدثنَا الشافعى أخبرنَا مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (الْحمى من فيح جَهَنَّم فأطفئوها بِالْمَاءِ) قَالَ الْحَاكِم هَذَا الحَدِيث لَيْسَ هُوَ فى الْمُوَطَّأ قَالَ وَكَذَلِكَ روى عَن الشافعى عَن مَالك عَن أَبى الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أَبى هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (العجماء جرحها جَبَّار والبئر جَبَّار والمعدن جَبَّار) وَلَيْسَ فى الْمُوَطَّأ

стр. 464

وَمن الْفَوَائِد عَن حَرْمَلَة قَالَ حَرْمَلَة سَمِعت الشافعى يَقُول مَا حَلَفت بِاللَّه صَادِقا وَلَا كَاذِبًا قطّ قَالَ حَرْمَلَة سَمِعت الشافعى يَقُول أَئِمَّة الْعدْل أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وعَلى وَعمر بن عبد الْعَزِيز رضى الله عَنْهُم وَكَذَا رَوَاهُ عَن الشافعى الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ حَرْمَلَة وَسمعت الشافعى يَقُول إِذا رَأَيْت كوسجا فاحذره وَمَا رَأَيْت من أَزْرَق خيرا قَالَ وسمعته يَقُول مَا تقرب إِلَى الله بعد أَدَاء الْفَرَائِض بِأَفْضَل من طلب الْعلم قَالَ وسمعته يَقُول فى حَدِيث اشترطى لَهُم الْوَلَاء مَعْنَاهُ عَلَيْهِم قَالَ الله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ لَهُم اللَّعْنَة﴾ يعْنى عَلَيْهِم قلت وَقد روى عَن الشافعى تَضْعِيف هَذَا التَّأْوِيل وَقيل إِنَّمَا تَأَوَّلَه هَكَذَا المزنى وَقد عزاهُ حَرْمَلَة إِلَى الشافعى نَفسه فهى فَائِدَة وَقَالَ حَرْمَلَة عَن الشافعى فى قَوْله ﷺ (بيد أَنهم أى من أجل أَنهم قَالَ وَقَالَ الشافعى لَا يقل أحد مَا شَاءَ الله وشئت إِذْ قد جعل فاعلين بل مَا شَاءَ الله ثمَّ شِئْت قَالَ حَرْمَلَة كَانَ الشافعى رضى الله عَنهُ وَهُوَ حدث ينظر فى النُّجُوم وَكَانَ لَهُ صديق وَعِنْده جَارِيَة قد حبلت فَقَالَ إِنَّهَا تَلد إِلَى سَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا بِولد وَيكون فى فَخذه الْأَيْسَر خَال أسود ويعيش أَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ يَمُوت فجَاء الْأَمر كَمَا وصف

стр. 465

فَحرق تِلْكَ الْكتب وَمَا عَاد إِلَى النّظر فى شئ مِنْهَا قَالَ حَرْمَلَة كَانَ الشافعى يخرج لِسَانه فَيبلغ أَنفه قَالَ حَرْمَلَة سَمِعت سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَقُول فى تَفْسِير حَدِيث النبى ﷺ (لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ) قَالَ يسْتَغْنى بِهِ وَقَالَ الشافعى لَيْسَ هُوَ هَكَذَا لَو كَانَ هَكَذَا لقَالَ يتغانا إِنَّمَا هُوَ يتحزن ويترنم بِهِ ويقرأه حذرا وتحزينا وَمن الْمسَائِل عَن حَرْمَلَة قَالَ الرافعى عَن نَص الشافعى فى حَرْمَلَة إِنَّه إِذا أهْدى مُشْرك إِلَى الإِمَام أَو الْأَمِير هَدِيَّة وَالْحَرب قَائِمَة فهى غنيمَة بِخِلَاف مَا إِذا أهْدى قبل أَن يرتحلوا عَن دَار الْإِسْلَام وَعَن أَبى حنيفَة أَنَّهَا للمهدى إِلَيْهِ بِكُل حَال انْتهى وَذكر النووى فى الرَّوْضَة هَذَا الْفَرْع وَقَالَ فِيهِ بِخِلَاف مَا إِذا أهْدى قبل أَن يرتحلوا عَن دَار الْإِسْلَام فَإِنَّهُ للمهدى إِلَيْهِ وَالْحكم بِكَوْنِهِ للمهدى إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ مَنْقُول الرافعى عَن أَبى حنيفَة وَأما على مَذْهَبنَا فَلم يذكرهُ الرافعى والذى ينبغى أَنه يكون فَيْئا على قِيَاس هَدَايَا الْعمَّال وفى الْبَحْر للرويانى مَا يُوَافق مَا وَقع فى الرَّوْضَة لكنه غير مُسلم نبه على ذَلِك الْوَالِد ﵀ فى كتاب هَدَايَا الْعمَّال قَالَ حَرْمَلَة سَمِعت الشافعى يَقُول من زعم من أهل الْعَدَالَة أَنه يرى الْجِنّ أبطلنا شَهَادَته لقَوْل الله تَعَالَى ﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم﴾ إِلَّا أَن يكون نَبيا ذكره الآبرى فى كتاب المناقب

стр. 466

ذهب حَرْمَلَة فِيمَن رهن عينا عِنْد من هى عِنْده بوديعة أَو نَحْوهَا أَنه لَا حَاجَة إِلَى مضى زمَان يَتَأَتَّى فِيهِ صُورَة الْقَبْض وَقَضِيَّة كَلَام الْمُهَذّب والتتمة أَنه قَالَ نقلا عَن الشافعى لَا مذهبا لنَفسِهِ لَكِن صرح الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَجَمَاعَة كَمَا ذكر النووى أَنه إِنَّمَا قَالَ مذهبا لنَفسِهِ لَا نقلا ثمَّ جعل النووى الْمَسْأَلَة ذَات وَجْهَيْن كَقَوْل حَرْمَلَة فَإِنَّهُ وَإِن لم يَنْقُلهُ فَهُوَ صَاحب وَجه هَذَا بعد قَوْله نبهت على كَونه إِنَّمَا قَالَه مذهبا لنَفسِهِ لِئَلَّا يُغير بِهِ وَلَك أَن تَقول إِثْبَات كَونه وَجها يستدعى أَن يكون قَالَه تخريجا على أصل الشافعى وَإِلَّا فقد ينْفَرد حَرْمَلَة فى بعض الْمسَائِل وَيخرج عَن الْمَذْهَب تأصيلا وتفريعا كَمَا قد يفعل ذَلِك المزنى وَغَيره فى بعض الْأَحَايِين قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد فى الرونق والمحاملى فى اللّبَاب كِلَاهُمَا فى كتاب الْأَشْرِبَة قَالَ فى حَرْمَلَة إِذا وجد مَاء طَاهِرا أَو مَاء نجسا وَاحْتَاجَ إِلَى الطَّهَارَة تَوَضَّأ بالطاهر وَشرب النَّجس قلت وَهُوَ مَا ذكره أَبُو على الزجاجى والماوردى وَغَيرهمَا لَكِن أنكرهُ الشاشى وَاخْتَارَ أَنه يشرب الطَّاهِر وَتيَمّم وَصَححهُ النووى لكنى مَا أَظُنهُ اطلع على مَا فِي حَرْمَلَة فَلَعَلَّهُ لَو اطلع عَلَيْهِ لوقف عَن تَصْحِيح شرب الطَّاهِر على أَن مَا صَححهُ هُوَ الذى يظْهر إِن كَانَ النَّجس مِمَّا يعاف اسْتِعْمَاله ١٣٢ ٢٨ - الرّبيع بن سُلَيْمَان بن دَاوُد الجيزى أَبُو مُحَمَّد الأزدى مَوْلَاهُم المصرى الْأَعْرَج وَقيل ابْن الْأَعْرَج كَانَ رجلا فَقِيها صَالحا روى عَن الشافعى وَعبد الله بن وهب وَإِسْحَاق بن وهب وَعبد الله بن يُوسُف وَغَيرهم روى عَنهُ أَبُو دَاوُد والنسائى وَأَبُو بكر بن أَبى دَاوُد وَأَبُو جَعْفَر الطحاوى وَغَيرهم توفى فى ذى الْحجَّة سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة سبع وَخمسين وَهُوَ الذى روى عَن الشافعى أَن قِرَاءَة الْقُرْآن بالألحان مَكْرُوهَة وَأَن الشّعْر بعد الْمَمَات يتبع الذَّات قِيَاسا على حَال الْحَيَاة يعْنى أَنه يطهر بالدباغ ٢٩ - الرّبيع بن سُلَيْمَان بن عبد الْجَبَّار بن كَامِل المرادى مَوْلَاهُم الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْمُؤَذّن صَاحب الشافعى وراوية كتبه والثقة الثبت فِيمَا يرويهِ حَتَّى لقد تعَارض هُوَ وَأَبُو إِبْرَاهِيم المزنى فى رِوَايَة فَقدم الْأَصْحَاب رِوَايَته مَعَ علو قدر أَبى إِبْرَاهِيم علما ودينا وجلالة وموافقة مَا رَوَاهُ للقواعد

стр. 467

أَلا ترى أَن أَبَا إِبْرَاهِيم روى لفظا أَن الشافعى رضى الله عَنهُ قَالَ وَلَو كَانَ العَبْد مَجْنُونا عتق بأَدَاء الْكِتَابَة وَلَا يرجع أَحدهمَا على صَاحبه بشئ وَهَذَا هُوَ الْقيَاس فَإِن الْمَجْنُون وَقت العقد لَا يَصح عقد الْكِتَابَة مَعَه وَمَا هُوَ إِلَّا تَعْلِيق مَحْض فَيعتق بِوُجُود الصّفة وَلَا يُرَاجع بِالْقيمَةِ وَهَذَا هُوَ الذى يُفْتى بِهِ مذهبا وروى الرّبيع هَذِه الصُّورَة بِهَذِهِ اللَّفْظَة وَقَالَ يتراجعان بِالْقيمَةِ وَهَذَا يتَضَمَّن كَون الْكِتَابَة الْجَارِيَة مَعَ الْمَجْنُون كِتَابَة فَاسِدَة يتَعَلَّق بهَا التراجع عِنْد حُصُول الْعتْق وَهَذَا على نِهَايَة الْإِشْكَال فَإِن الْمَجْنُون وَهُوَ الْمَجْنُون لَا عبارَة لَهُ ثمَّ قَالَ ابْن سُرَيج فِيمَا نَقله الصيدلانى وجماعات الصَّحِيح مَا نَقله الرّبيع قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَقد ظهر عندنَا أَن ابْن سُرَيج لم يصحح مَا رَوَاهُ الرّبيع فقها وَلكنه رَآهُ أوثق فى النَّقْل وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الصَّحِيح مَا نقل المزنى قَالَ الْمُحَقِّقُونَ من أَئِمَّتنَا وَمرَاده أَن رِوَايَة المزنى هى الصَّحِيحَة فقها لَا نقلا فَلَا تعَارض بَين مَا صَححهُ أَبُو إِسْحَاق وَمَا صَححهُ ابْن سُرَيج وَقد خرج من هَذَا مَا هُوَ مَوضِع حاجتنا من علو قدر الرّبيع فِيمَا يرويهِ ولد الرّبيع سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة واتصل بِخِدْمَة الشافعى وَحمل عَنهُ الْكثير وَحدث عَنهُ بِهِ وَعَن عبد الله بن وهب وَعبد الله بن يُوسُف التنيسى وَأَيوب بن سُوَيْد الرملى وَيحيى بن حسان وَأسد بن مُوسَى وَجَمَاعَة روى عَنهُ أَبُو دَاوُد والنسائى وَابْن ماجة وَأَبُو زرْعَة الرازى وَأَبُو حَاتِم وَابْنه عبد الرَّحْمَن وزَكَرِيا الساجى وَأَبُو جَعْفَر الطحاوى وَأَبُو بكر عبد الله بن مُحَمَّد

стр. 468

ابْن زِيَاد النيسابورى وَالْحسن بن حبيب الحصائرى وَابْن صاعد وَأَبُو الْعَبَّاس الْأَصَم وَآخَرُونَ آخِرهم أَبُو الفوارس السندى وروى عَنهُ الترمذى بِالْإِجَازَةِ ولد سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة وَكَانَ مُؤذنًا بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع بفسطاط مصر الْمَعْرُوف الْيَوْم بِجَامِع عَمْرو بن الْعَاصِ وَكَانَ يقْرَأ بالألحان وَكَانَ الشافعى يُحِبهُ وَقَالَ لَهُ يَوْمًا مَا أحبك إِلَى وَقَالَ مَا خدمنى أحد قطّ مَا خدمنى الرّبيع بن سُلَيْمَان وَقَالَ لَهُ يَوْمًا يَا ربيع لَو أمكننى أَن أطعمك الْعلم لأطعمتك وَقَالَ الْقفال فى فَتَاوِيهِ كَانَ الرّبيع بطئ الْفَهم فكرر الشافعى عَلَيْهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة أَرْبَعِينَ مرّة فَلم يفهم وَقَامَ من الْمجْلس حَيَاء فَدَعَاهُ الشافعى فى خلْوَة وَكرر عَلَيْهِ حَتَّى فهم وَكَانَت الرحلة فى كتب الشافعى إِلَيْهِ من الْآفَاق نَحْو مائتى رجل وَقد كاشفه الشافعى بذلك حَيْثُ يَقُول لَهُ فِيمَا روى عَنهُ أَنْت راوية كتبى وَمن شعر الرّبيع (صبرا جميلا مَا أسْرع الفرجا ... من صدق الله فى الْأُمُور نجا) (من خشى الله لم ينله أَذَى ... وَمن رجا الله كَانَ حَيْثُ رجا) وَقيل كَانَت فِيهِ سَلامَة صدر وغفلة قلت إِلَّا أَنَّهَا باتفاقهم لم تَنْتَهِ بِهِ إِلَى التَّوَقُّف فى قبُول رِوَايَته بل هُوَ ثِقَة ثَبت خرج إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة حَدِيثه فى // صَحِيحه // وَكَذَلِكَ ابْن حبَان وَالْحَاكِم قَالَ ابْن أَبى حَاتِم سمعنَا مِنْهُ وَهُوَ صَدُوق وَسُئِلَ أَبى عَنهُ فَقَالَ صَدُوق انْتهى وَقَالَ الْخَلِيل فى الْإِرْشَاد ثِقَة // مُتَّفق عَلَيْهِ // قَالَ الطحاوى مَاتَ الرّبيع بن سُلَيْمَان مُؤذن جَامع الْفسْطَاط يَوْم الِاثْنَيْنِ وَدفن يَوْم الثُّلَاثَاء لإحدى وَعشْرين لَيْلَة خلت من شَوَّال سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ وَصلى عَلَيْهِ الْأَمِير خمارويه بن أَحْمد بن طولون

стр. 469

قلت وعاش ابْنه أَبُو المضا مُحَمَّد بعده ثَلَاث سِنِين وَلَهُم شيخ آخر يُقَال لَهُ الرّبيع بن سُلَيْمَان مَاتَ سنة ثَلَاث وَسبعين نبهنا عَلَيْهِ لِئَلَّا يشْتَبه وَهَذِه نخب وفوائد عَن الرّبيع ﵀ قَالَ أَبُو عَاصِم روى الرّبيع عَن الشافعى أَنه قَالَ فى الْأكل أَرْبَعَة أَشْيَاء فرض وَأَرْبَعَة سنة وَأَرْبَعَة أدب أما الْفَرْض فَغسل الْيَدَيْنِ والقصعة والسكين والمغرفة وَالسّنة الْجُلُوس على الرجل الْيُسْرَى وتصغير اللقم والمضغ الشَّديد ولعق الْأَصَابِع وَالْأَدب أَن لَا تمد يدك حَتَّى يمد من هُوَ أكبر مِنْك وتأكل مِمَّا يليك وَقلة النّظر فى وُجُوه النَّاس وَقلة الْكَلَام قَالَ الرّبيع دخلت على الشافعى وَهُوَ مَرِيض فَقلت قوى الله ضعفك فَقَالَ لَو قوى ضعفى قتلنى قلت وَالله مَا أردْت إِلَّا الْخَيْر قَالَ أعلم أَنَّك لَو شتمتنى لم ترد إِلَّا الْخَيْر وفى رِوَايَة قل قوى الله قوتك وَضعف ضعفك قلت أما قد جَاءَ فى أدعية النبى ﷺ (وقو فى رضاك ضعفى) وَعَن حُبَيْش بن مُبشر حضرت مَجْلِسا بالعراق فِيهِ الشافعى فَجرى ذكر مَا يحل وَيحرم من حَيَوَان الْبَحْر فتقلد الشافعى مَذْهَب ابْن أَبى ليلى أَنه يحل كل مَا فى الْبَحْر حَتَّى الضفدع والسرطان إِلَّا شَيْئا فِيهِ سم فَتكلم فَحسن كَلَامه قَالَ الرّبيع فعلقته وعرضته عَلَيْهِ فَاسْتَحْسَنَهُ وَاخْتَارَهُ قلت هُوَ قَول للشافعى شهير وَقد نسبه الشَّيْخ أَبُو عَاصِم إِلَى رِوَايَة الرّبيع

стр. 470

وروى أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن أَحْمد بن الْحُسَيْن الأسدى فى كِتَابه فى مَنَاقِب الشافعى أَن الرّبيع قَالَ كَانَ الشافعى لَا يرى الْإِجَازَة فى الحَدِيث وَأَنه قَالَ أَنا أُخَالِف الشافعى فى هَذَا قَالَ الرّبيع سَمِعت الشافعى يَقُول من استغضب فَلم يغْضب فَهُوَ حمَار وَمن اسْترْضى فَلم يرض فَهُوَ لئيم وفى لفظ شَيْطَان وَمن ذكر فَلم ينزجر فَهُوَ محروم وَمن تعرض لما لَا يعنيه فَهُوَ الملوم قَالَ الرّبيع سَمِعت الشافعى يَقُول مَا حَلَفت بِاللَّه صَادِقا وَلَا كَاذِبًا جادا وَلَا هازلا قلت روى هَذَا عَن الشافعى جماعات من أَصْحَابه الرّبيع وحرملة وَغَيرهمَا وَقد قَالَ الرّبيع سَمِعت الشافعى يَقُول وَالله الذى لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَو علمت أَنه شرب المَاء الْبَارِد ينقص مروءتى مَا شربته قَالَ الرّبيع سَمِعت الشافعى يَقُول أَنْفَع الذَّخَائِر التَّقْوَى وأضرها الْعدوان قَالَ وسمعته يَقُول لَا خير لَك فى صُحْبَة من تحْتَاج إِلَى مداراته قَالَ الرّبيع قَالَ الشافعى فى قَوْله تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ لم يخْتَلف أهل الْعلم بِالْقُرْآنِ فِيمَا علمت أَن السدى الذى لَا يُؤمر وَلَا ينْهَى قلت وَكَذَلِكَ ذكره رضى الله عَنهُ فى الرسَالَة قرأته على الشَّيْخ الإِمَام كَذَلِك فى درس الغزالية قَالَ الرّبيع سُئِلَ الشافعى عَن الرّقية فَقَالَ لَا بَأْس أَن يرقى بِكِتَاب الله أَو ذكر الله جلّ ثَنَاؤُهُ فَقلت أيرقى أهل الْكتاب الْمُسلمين فَقَالَ نعم إِذا رقوا بِمَا يعرف من كتاب الله أَو ذكر الله فَقلت وَمَا الْحجَّة فى ذَلِك

стр. 471

فَقَالَ غير حجَّة فَأَما رِوَايَة صاحبنا وصاحبكم فَإِن مَالِكًا أخبرنَا عَن يحيى ابْن سعيد عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن أَن أَبَا بكر دخل على عَائِشَة وهى تشتكى وَيَهُودِيَّة ترقيها فَقَالَ أَبُو بكر ارقيها بِكِتَاب الله فَقلت للشافعى إِنَّا نكره رقية أهل الْكتاب فَقَالَ وَلم وَأَنْتُم تروون هَذَا عَن أَبى بكر وَلَا أعلمكُم تروون هَذَا عَن غَيره من أَصْحَاب النبى ﷺ خِلَافه وَقد أحل الله طَعَام أهل الْكتاب ونساءهم وأحسب الرّقية إِذا رقوا بِكِتَاب الله مثل هَذَا أَو أخف قلت روى ذَلِك الْحَاكِم فى مَنَاقِب الشافعى عَن الْأَصَم عَن الرّبيع وأظن السَّائِل والمناظر للشافعى فى ذَلِك مُحَمَّد بن الْحسن وَقد تضمن أَن قَول الصحابى إِذا لم يعرف لَهُ مُخَالف حجَّة عِنْد من لَا يرَاهُ حجَّة إِذا خَالفه غَيره وَنَظِيره ذكر الرّبيع أَيْضا مناظرة الشافعى مَعَ مُحَمَّد بن الْحسن فى زَكَاة مَال الْيَتِيم وَقَول الشافعى فى أثْنَاء كَلَامه إِلَّا أَن أصل مَذْهَبنَا ومذهبك أَنا لَا نخالف الْوَاحِد من أَصْحَاب النبى ﷺ إِلَّا أَن يُخَالِفهُ غَيره مِنْهُم فى مناظرة طَوِيلَة فى الْمَسْأَلَة وَذكر الرّبيع مناظرته أَيْضا مَعَ مُحَمَّد بن الْحسن فى الْمُدبر وفيهَا قَول الشافعى لمُحَمد بن الْحسن هَل لَك أَن تَقول على غير أصل أَو قِيَاس على أصل قَالَ لَا قلت فَالْأَصْل كتاب الله أَو سنة رَسُول الله ﷺ أَو قَول بعض أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَو إِجْمَاع النَّاس فى مناظرة طَوِيلَة قَالَ الشافعى فى آخرهَا فَرجع مُحَمَّد إِلَى قَوْلنَا فى بيع الْمُدبر قَالَ الرّبيع قَالَ الشافعى قلت لمُحَمد بن الْحسن لم زعمت أَنه إِذا أَدخل يَده فى الْإِنَاء بنية الْوضُوء ينجس المَاء وأحسب لَو قَالَ هَذَا غَيْركُمْ لقلتم عَنهُ إِنَّه مَجْنُون فَقَالَ لقد سَمِعت أَبَا يُوسُف يَقُول قَول الْحِجَازِيِّينَ فى المَاء أحسن من قَوْلنَا وَقَوْلنَا فِيهِ خطأ

стр. 472

قلت فَأَقَامَ عَلَيْهِ قَالَ قد رَجَعَ إِلَى قَوْلكُم نَحوا من شَهْرَيْن ثمَّ رَجَعَ قلت مَا زَاد رُجُوعه إِلَى قَوْلنَا قُوَّة وَلَا وهنه رُجُوعه عَنهُ قَالَ الرّبيع سَمِعت الشافعى يَقُول وَسَأَلَهُ رجل عَن مَسْأَلَة فَقَالَ يرْوى عَن النبى ﷺ أَنه قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ لَهُ السَّائِل يَا أَبَا عبد الله أَتَقول بِهَذَا فارتعد الشافعى واصفر وَحَال لَونه وَقَالَ وَيحك أى أَرض تقلنى وأى سَمَاء تظلنى إِذا رويت عَن رَسُول الله ﷺ شَيْئا فَلم أقل بِهِ نعم على الرَّأْس وَالْعين وفى لفظ مَتى رويت عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيثا وَلم آخذ بِهِ فأشهدكم أَن عقلى قد ذهب وفى لفظ آخر رَوَاهُ الزعفرانى سَمِعت الشافعى يَقُول لمن قَالَ لَهُ أتأخذ بِهَذَا الحَدِيث ترانى فى بيعَة ترانى فى كَنِيسَة ترى على زى الْكفَّار هُوَ ذَا ترانى فى مَسْجِد الْمُسلمين على زى الْمُسلمين مُسْتَقْبل قبلتهم أروى حَدِيثا عَن النبى ﷺ ثمَّ لَا أَقُول بِهِ وَرَوَاهُ أَيْضا الحميدى وجماعات فَكَأَنَّهُ وَقع لَهُ مَرَّات رضى الله عَنهُ قَالَ الرّبيع سَمِعت الشافعى يَقُول إِذا ضَاقَتْ الْأَشْيَاء اتسعت وَإِذا اتسعت ضَاقَتْ قَالَ وسمعته يَقُول من صدق فى أخوة أَخِيه قبل علله وسد خلله وَعَفا عَن زلله قَالَ وسمعته يَقُول الكيسى الْعَاقِل هُوَ الفطن المتغافل وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِيمَا ذكره البيهقى سَمِعت الرّبيع يَقُول سَمِعت الشافعى يَقُول أكره أَن يَقُول أعظم الله أجرك يعْنى فى الْمُصَاب لِأَن مَعْنَاهُ أَكثر الله مصائبك ليعظم أجرك قلت لنا فى هَذَا من الْبَحْث كَمَا قدمْنَاهُ فى قوى الله ضعفك فكلاهما فى السّنة

стр. 473

وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة أَيْضا حَدثنَا الرّبيع قَالَ كَانَ الشافعى إِذا أَرَادَ أَن يدْخل فى الصَّلَاة قَالَ بِسم الله مُتَوَجها لبيت الله مُؤديا لعبادة الله قَالَ الرّبيع قلت للشافعى من أقدر النَّاس على المناظرة فَقَالَ من عود لِسَانه الركض فى ميدان الْأَلْفَاظ وَلم يتلعثم إِذا رمقته الْعُيُون بالألحاظ ٣٠ - سُلَيْمَان بن دَاوُد بن على بن عبد الله بن عَبَّاس القرشى الهاشمى أَبُو أَيُّوب البغدادى روى عَن الشافعى وَغَيره وروى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل لَو قيل لى اختر للْأمة رجلا اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِم اسْتخْلفت سُلَيْمَان بن دَاوُد الهاشمى وَعَن الشافعى مَا رَأَيْت أَعقل من هذَيْن الرجلَيْن سُلَيْمَان بن دَاوُد وَأحمد بن حَنْبَل توفى سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة عشْرين أخبرنَا أَحْمد بن على الجزرى وَفَاطِمَة بنت إِبْرَاهِيم فى كتابهما عَن مُحَمَّد بن عبد الهادى عَن السلفى أخبرنَا الْمُبَارك بن الطيورى أخبرنَا أَبُو الْفَتْح عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد أخبرنَا على بن عمر حَدثنَا أَبُو بكر بن زِيَاد النيسابورى حَدثنَا عبد الله ابْن أَحْمد حَدَّثَنى أَبى حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد الهاشمى حَدثنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشافعى حَدثنَا يحيى بن سليم عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النبى ﷺ صلى فى كسوف الشَّمْس رَكْعَتَيْنِ فى كل رَكْعَة رَكْعَتَيْنِ

стр. 474

٣١ - عبد الله بن الزبير بن عِيسَى القرشى الأسدى المكى مُحدث مَكَّة وفقيهها أَبُو بكر الحميدى نِسْبَة إِلَى حميد بن زُهَيْر بن الْحَارِث بن أَسد روى عَن الشافعى وتفقه بِهِ وَذهب مَعَه إِلَى مصر وسُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ شَيخنَا الذهبى وَهُوَ أجل أَصْحَابه وَعبد الْعَزِيز الدراوردى وفضيل بن عِيَاض ووكيع وَغَيرهم روى عَنهُ البخارى وَيَعْقُوب بن سُفْيَان وَمُحَمّد بن يحيى الذهلى وَسَلَمَة بن شبيب وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان وَخلق قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل الحميدى عندنَا إِمَام جليل وَقَالَ أَبُو حَاتِم أثبت النَّاس فى ابْن عُيَيْنَة الحميدى وَعَن الرّبيع سَمِعت الشافعى يَقُول مَا رَأَيْت صَاحب بلغم أحفظ من الحميدى كَانَ يحفظ لِابْنِ عُيَيْنَة عشرَة آلَاف حَدِيث وَقَالَ ابْن حبَان جَالس ابْن عُيَيْنَة عشْرين سنة قلت إِن كَانَ مَا قَالَه أَبُو حَاتِم والشافعى وَابْن حبَان هُوَ الْحَامِل للذهبى على قَوْله إِن الحميدى أجل أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة فَلَيْسَ ذَلِك بكاف فِيمَا قَالَ وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان حَدثنَا الحميدى وَمَا لقِيت أنصح لِلْإِسْلَامِ وَأَهله مِنْهُ وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق المروزى سَمِعت إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه يَقُول الْأَئِمَّة فى زَمَاننَا الشافعى والحميدى وَأَبُو عبيد

стр. 475

وَقَالَ على بن خلف سَمِعت الحميدى يَقُول مَا دمت بالحجاز وَأحمد بالعراق وَإِسْحَاق بخراسان لَا يغلبنا أحد قلت وَمن ثمَّ قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله الحميدى مفتى أهل مَكَّة ومحدثهم وَهُوَ لأهل الْحجاز فى السّنة كأحمد بن حَنْبَل لأهل الْعرَاق انْتهى وَقَالَ السراج سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول الحميدى إِمَام فى الحَدِيث قَالَ ابْن سعد والبخارى توفى بِمَكَّة سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَزَاد ابْن سعد فى شهر ربيع الأول وَقد أغفل شَيخنَا المزى حِكَايَة الشَّهْر عَن ابْن سعد وَحكى عَنهُ السّنة وَمن الْفَوَائِد عَن الحميدى قَالَ الرّبيع بن سُلَيْمَان سَمِعت الحميدى يَقُول قدم الشافعى من صنعاء إِلَى مَكَّة بِعشْرَة آلَاف دِينَار فى منديل فَضرب خباءه فى مَوضِع خَارِجا من مَكَّة وَكَانَ أنَاس يأتونه فَمَا برح حَتَّى ذهبت كلهَا وَقَالَ الحميدى ذكر رجل للشافعى حَدِيثا وَقَالَ أَتَقول بِهِ فَقَالَ أَرَأَيْت فى وسطى زنارا أترانى خرجت من كَنِيسَة حَتَّى تَقول لى هَذَا وَمن طَرِيق الحميدى رويت المناظرة الشهيرة بَين مُحَمَّد بن الْحسن والشافعى رضى الله عَنْهُمَا وملخصها قَالَ لَهُ مُحَمَّد مَا تَقول فى رجل غصب من رجل ساجة فَبنى عَلَيْهَا بِنَاء أنْفق فِيهِ ألف دِينَار ثمَّ جَاءَ صَاحب الساجة أثبت بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ أَن هَذَا اغتصبه هَذِه الساجة وَبنى عَلَيْهَا هَذَا الْبناء مَا كنت تحكم

стр. 476

قَالَ الشافعى أَقُول لصَاحب الساجة يجب أَن تَأْخُذ قيمتهَا فَإِن رضى حكمت لَهُ بِالْقيمَةِ وَإِن أَبى إِلَّا ساجته قلعتها ورددتها عَلَيْهِ فَقَالَ مُحَمَّد فَمَا تَقول فى رجل اغتصب من رجل خيط إبريسم فخاط بِهِ بَطْنه فجَاء صَاحب الْخَيط فَأثْبت بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ أَن هَذَا اغتصبه هَذَا الْخَيط أَكنت تنْزع الْخَيط من بَطْنه فَقَالَ الشافعى لَا فَقَالَ مُحَمَّد الله أكبر تركت قَوْلك فَقَالَ الشافعى لَا تعجل يَا مُحَمَّد أخبرنى لَو لم يغصب الساجة من أحد وَأَرَادَ أَن يقْلع عَنْهَا هَذَا الْبناء أمباح لَهُ ذَلِك أم محرم عَلَيْهِ فَقَالَ مُحَمَّد بل مُبَاح فَقَالَ الشافعى أَفَرَأَيْت لَو كَانَ الْخَيط خيط نَفسه فَأَرَادَ أَن يَنْزعهُ من بَطْنه أمباح لَهُ ذَلِك أم محرم فَقَالَ مُحَمَّد بل محرم فَقَالَ الشافعى فَكيف تقيس مُبَاحا على محرم فَقَالَ مُحَمَّد أَرَأَيْت لَو أَدخل غَاصِب الساجة فى سفينة ولجج فى الْبَحْر أَكنت تنْزع اللَّوْح من السَّفِينَة فَقَالَ الشافعى لَا بل آمره أَن يقرب سفينته إِلَى أقرب المراسى إِلَيْهِ ثمَّ أنزع اللَّوْح وأدفعه إِلَى صَاحبه فَقَالَ مُحَمَّد أَلَيْسَ قد قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا ضَرَر وَلَا ضرار) فَقَالَ الشافعى هُوَ أضرّ بِنَفسِهِ لم يضر بِهِ أحد ثمَّ قَالَ الشافعى مَا تَقول فى رجل اغتصب من رجل جَارِيَة فأولدها عشرَة كلهم

стр. 477

قد قرأوا الْقُرْآن وخطبوا على المنابر وحكموا بَين الْمُسلمين فَأثْبت صَاحب الْجَارِيَة بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ أَن هَذَا اغتصبها مِنْهُ ناشدتك الله بِمَاذَا كنت تحكم قَالَ أحكم بِأَن أَوْلَاده أرقاء لصَاحب الْجَارِيَة فَقَالَ الشافعى أَيهمَا أعظم عَلَيْهِ ضَرَرا أَن يَجْعَل أَوْلَاده أرقاء أَو يقْلع الْبناء عَن الساجة ٣٢ - عبد الْعَزِيز بن عمرَان بن أَيُّوب بن مِقْلَاص الإِمَام أَبُو على الخزاعى مَوْلَاهُم المصرى الْفَقِيه أَخذ عَن الشافعى وَعَن عبد الله بن وهب روى عَنهُ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَغَيرهمَا وَهُوَ ابْن بنت سعيد بن أَبى أَيُّوب كَانَ فَقِيها زاهدا توفى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَمن الْمسَائِل عَنهُ روى ابْن مِقْلَاص عَن الشافعى أَن السويق مُخَالف للحنطة والدقيق مجانس لَهَا وَالْمَشْهُور عِنْد الْأَصْحَاب أَن السويق كالدقيق قَالَ الْوَالِد ﵀ وينبغى التثبت فِيمَا نقل ابْن مِقْلَاص فَإِن السويق فى هَذِه الْبِلَاد

стр. 478

إِنَّمَا يسْتَعْمل من الشّعير وَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَال فى مُخَالفَته للحنطة وَإِنَّمَا يستغرب مَنْقُول ابْن مِقْلَاص إِذا صرح بِالْفرقِ بَين السويق والدقيق من جنس وَاحِد ٣٣ - عبد الْعَزِيز بن يحيى بن عبد الْعَزِيز بن مُسلم بن مَيْمُون الكنانى المكى الذى ينْسب إِلَيْهِ كتاب الحيدة روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ومروان بن مُعَاوِيَة الفزارى وَعبد الله بن معَاذ الصنعانى وَمُحَمّد بن إِدْرِيس الشافعى وَبِه تخرج وَهِشَام بن سُلَيْمَان المخزومى وَغَيرهم روى عَنهُ أَبُو العيناء مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن خَلاد وَالْحُسَيْن بن الْفضل البجلى وَأَبُو بكر يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم التيمى وَغَيرهم وَهُوَ قَلِيل الحَدِيث وَيُقَال كَانَ يلقب بالغول لدمامة منظره وَعَن أَبى العيناء لما دخل عبد الْعَزِيز المكى على الْمَأْمُون وَكَانَت خلقته شنعة جدا ضحك أَبُو إِسْحَاق المعتصم فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم يضْحك هَذَا لم يصطف الله يُوسُف ﵇ لجماله وَإِنَّمَا اصطفاه الله لدينِهِ وَبَيَانه فَضَحِك الْمَأْمُون وَأَعْجَبهُ قَالَ الْخَطِيب قدم بَغْدَاد زمن الْمَأْمُون وَجَرت بَينه وَبَين بشر المريسى مناظرة فى الْقُرْآن قلت أى رد على بشر قَوْله بِخلق الْقُرْآن كَذَا بَينه الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَهُوَ مَشْهُور

стр. 479

قَالَ الْخَطِيب وَكَانَ من أهل الْعلم وَالْفضل وَله مصنفات عدَّة وَكَانَ مِمَّن تفقه بالشافعى واشتهر بِصُحْبَتِهِ وَقَالَ دَاوُد بن على الظاهرى كَانَ عبد الْعَزِيز بن يحيى أحد أَتبَاع الشافعى والمقتبسين عَنهُ وَقد طَالَتْ صحبته لَهُ وَخرج مَعَه إِلَى الْيمن وآثار الشافعى فى كتب عبد الْعَزِيز ظَاهِرَة وَنقل الْخَطِيب أَن عبد الْعَزِيز قَالَ دخلت على أَحْمد بن أَبى دؤاد وَهُوَ مفلوج فَقلت إنى لم آتِك عَائِدًا وَلَكِن جِئْت لِأَحْمَد الله أَن سجنك فى جِلْدك قَالَ شَيخنَا الذهبى فَهَذَا يدل على أَن عبد الْعَزِيز كَانَ حَيا فى حُدُود الْأَرْبَعين قلت وعَلى أَنه كَانَ ناصرا للسّنة فى نفى خلق الْقُرْآن كَمَا دلّت عَلَيْهِ مناظرته مَعَ بشر وَكتاب الحيدة الْمَنْسُوب إِلَيْهِ فِيهِ أُمُور مستشنعة لكنه كَمَا قَالَ شَيخنَا الذهبى لم يَصح إِسْنَاده إِلَيْهِ وَلَا ثَبت أَنه من كَلَامه فَلَعَلَّهُ وضع عَلَيْهِ ٣٤ - على بن عبد الله بن جَعْفَر بن نجيح السعدى أَبُو الْحسن ابْن المدينى الْحَافِظ أحد أَئِمَّة الحَدِيث ورفعائهم وَمن انْعَقَد الْإِجْمَاع على جلالته وإمامته وَله التصانيف الحسان مولده سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة وَسمع أَبَاهُ وَحَمَّاد بن زيد وهشيما وَابْن عُيَيْنَة والدراوردى وَابْن وهب

стр. 480

وَعبد الْوَارِث والوليد بن مُسلم وغندرا وَيحيى الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهدى وَابْن علية وَعبد الرَّزَّاق وخلقا سواهُم روى عَنهُ البخارى وَأَبُو دَاوُد وَأحمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد بن يحيى الذهلى وَإِسْمَاعِيل القاضى وَصَالح جزرة وَأَبُو خَليفَة الجمحى وَأَبُو يعلى الموصلى وَعبد الله البغوى وَخلق آخِرهم موتا عبد الله بن مُحَمَّد بن أَيُّوب الْكَاتِب وأقدمهم وَفَاة شَيْخه سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ الْخَطِيب وَبَين وفاتيهما مائَة وثمان وَعِشْرُونَ سنة وروى الترمذى والنسائى عَن رجل عَنهُ قَالَ أَبُو حَاتِم كَانَ ابْن المدينى علما فى النَّاس فى معرفَة الحَدِيث والعلل وَمَا سَمِعت أَحْمد سَمَّاهُ قطّ إِنَّمَا كَانَ يكنيه تبجيلا لَهُ وَعَن ابْن عُيَيْنَة يلوموننى على حب ابْن المدينى وَالله لما أتعلم مِنْهُ أَكثر مِمَّا يتَعَلَّم منى وَعنهُ لَوْلَا ابْن المدينى مَا جَلَست وَعَن عبد الرَّحْمَن بن مهدى أَنه قَالَ ابْن المدينى أعلم النَّاس بِحَدِيث رَسُول الله ﷺ وخاصة بِحَدِيث ابْن عُيَيْنَة وَقَالَ أَبُو قدامَة السرخسى سَمِعت على بن المدينى يَقُول رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم كَأَن الثريا تدلت حَتَّى تناولتها قَالَ أَبُو قدامَة فَصدق الله رُؤْيَاهُ بلغ فى الحَدِيث مبلغا لم يبلغهُ كَبِير أحد قَالَ النسائى كَأَن الله خلق على بن المدينى لهَذَا الشَّأْن وَقَالَ صَاعِقَة كَانَ ابْن المدينى إِذا قدم بَغْدَاد تصدر الْحلقَة وَجَاء يحيى وَأحمد ابْن حَنْبَل وَالنَّاس يتناظرون فَإِذا اخْتلفُوا فى شئ تكلم فِيهِ ابْن المدينى

стр. 481

وَقَالَ السراج قلت للبخارى مَا تشْتَهى قَالَ أَن أقدم الْعرَاق وعَلى بن عبد الله حى فأجالسه وَعَن البخارى مَا استصغرت نفسى عِنْد أحد إِلَّا عِنْد ابْن المدينى وَقيل لأبى دَاوُد أَحْمد أعلم أم على قَالَ على أعلم باخْتلَاف الحَدِيث من أَحْمد وَقَالَ عبد الله بن أَبى زِيَاد القطوانى سَمِعت أَبَا عبيد يَقُول انْتهى الْعلم إِلَى أَرْبَعَة أَبُو بكر بن أَبى شيبَة أسردهم لَهُ وَأحمد بن حَنْبَل أفقههم فِيهِ وعَلى بن المدينى أعلمهم بِهِ وَيحيى بن معِين أكتبهم لَهُ وَكَانَ على بن المدينى مِمَّن أجَاب إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن فى المحنة فنقم ذَلِك عَلَيْهِ وَزيد عَلَيْهِ فى القَوْل وَالصَّحِيح عندنَا أَنه إِنَّمَا أجَاب خشيَة السَّيْف قَالَ ابْن عدى سَمِعت مُسَدّد بن أَبى يُوسُف القلوسى سَمِعت أَبى يَقُول قلت لِابْنِ المدينى مثلك فى علمك يُجيب إِلَى مَا أجبْت إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا يُوسُف مَا أَهْون عَلَيْك السَّيْف وَعنهُ خفت أَن أقتل وَلَو ضربت سَوْطًا وَاحِدًا لمت قلت وَمَا حكى من أَنه علل حَدِيث الرُّؤْيَة بسؤال القاضى أَحْمد بن أَبى دؤاد لَهُ وَقَوله لَهُ هَذِه حَاجَة الدَّهْر وَأَن عليا قَالَ فِيهِ من لَا يعول عَلَيْهِ قيس بن أَبى حَازِم إِنَّمَا كَانَ أَعْرَابِيًا بوالا على عَقِبَيْهِ وَأَن ابْن أَبى دؤاد قَالَ لِأَحْمَد بن حَنْبَل تحتج علينا بِحَدِيث جرير فى الرُّؤْيَة وَإِنَّمَا هُوَ من رِوَايَة قيس بن أَبى حَازِم أعرابى بوال على عَقِبَيْهِ وَأَن ابْن حَنْبَل قَالَ علمت أَن هَذَا من عمل ابْن المدينى فَهُوَ أثر لَا يَصح

стр. 482

وَقَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب هَذَا بَاطِل قد نزه الله ابْن المدينى عَن قَول ذَلِك فى قيس وَلَيْسَ فى التَّابِعين من أدْرك الْعشْرَة وروى عَنْهُم غَيره وَلم يحك أحد مِمَّن سَاق محنة أَحْمد أَنه نوظر فى حَدِيث الرُّؤْيَة وَقَالَ أَبُو العيناء دخل على بن المدينى إِلَى أَحْمد بن أَبى دؤاد بعد محنة أَحْمد فَنَاوَلَهُ رقْعَة وَقَالَ هَذِه طرحت فى دارى فَإِذا فِيهَا (يَا ابْن المدينى الذى شرعت لَهُ ... دنيا فجاد بِدِينِهِ لينالها) (مَاذَا دعَاك إِلَى اعْتِقَاد مقَالَة ... قد كَانَ عنْدك كَافِرًا من قَالَهَا) (أَمر بدا لَك رشده فقبلته ... أم زهرَة الدُّنْيَا أردْت نوالها) (فَلَقَد عهدتك لَا أبالك مرّة ... صَعب المقادة للتى تدعى لَهَا) (إِن الحريب لمن يصاب بِدِينِهِ ... لَا من يرزى نَاقَة وفصالها) فَقَالَ لَهُ لقد قُمْت وقمنا من حق الله بِمَا يصغر قدر الدُّنْيَا عِنْد كثير ثَوَابه ثمَّ وَصله بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم وَقَالَ مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أَبى شيبَة سَمِعت على بن المدينى يَقُول قبل مَوته بشهرين الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَمن قَالَ مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر وَقَالَ البخارى مَاتَ على بن المدينى ليومين بقيا من ذى الْقعدَة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ الْحَارِث وَغير وَاحِد مَاتَ بسر من رأى فى ذى الْقعدَة وَغلط من قَالَ سنة ثَلَاث وَمن الْفَوَائِد عَن على ﵀ روى أَبُو مُحَمَّد بن حزم الظاهرى فى كتاب الِاتِّصَال أَن أَبَا مُحَمَّد حبيبا البخارى وَهُوَ صَاحب أَبى ثَوْر ثِقَة مَشْهُور قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن سهل قَالَ سَمِعت على

стр. 483

ابْن المدينى يَقُول دخلت على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لى أتعرف حَدِيثا مُسْندًا فِيمَن سبّ النبى ﷺ فَيقْتل فَقلت نعم فَذكرت لَهُ حَدِيث عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن سماك بن الْفضل عَن عُرْوَة بن مُحَمَّد عَن رجل من بلقين قَالَ كَانَ رجل يشْتم النبى ﷺ فَقَالَ النبى ﷺ (من يكفينى عدوا لى) فَقَالَ خَالِد بن الْوَلِيد أَنا فَبَعثه النبى ﷺ إِلَيْهِ فَقتله فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيْسَ هَذَا مُسْندًا هُوَ عَن رجل فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَكَذَا يعرف هَذَا الرجل وَهُوَ اسْمه وَقد أَتَى النبى ﷺ فَبَايعهُ هُوَ مَشْهُور مَعْرُوف قَالَ فَأمر لى بِأَلف دِينَار قَالَ ابْن حزم هُوَ حَدِيث صَحِيح مُسْند قلت لَا يُرِيد ابْن المدينى بقوله وَهُوَ اسْمه أَن اسْم هَذَا الرجل الْمَجْهُول رجل من بلقين وَأَن هَذَا اللَّفْظ علم عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُرِيد أَنه بذلك يعرف لَا يعرف لَهُ اسْم علم بل إِنَّمَا يعرف بقبيلته وهى الْقَيْن فَيُقَال رجل من بنى الْقَيْن يدل عَلَيْهِ مَعَ وضوحه قَوْله هَكَذَا يعرف هَذَا الرجل وَقَوله وَقد أَتَى النبى ﷺ فَبَايعهُ جَوَاب سُؤال مُقَدّر تَقْدِيره إِذا كَانَ مَجْهُولا فَكيف يحْتَج بِهِ فَأجَاب بِأَن جَهَالَة الْعين وَالِاسْم مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ صحابى لَا يقْدَح لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول وَهَذَا الرجل كَمَا ذكر ابْن المدينى لَا يعرف لَهُ اسْم وَقد روى البيهقى هَذَا الحَدِيث فى سنَنه من حَدِيث معمر هَكَذَا وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح وروى الْحَاكِم أَبُو عبد الله بِسَنَدِهِ فى كتاب مزكى الْأَخْبَار أَن عبد الله بن على

стр. 484

ابْن المدينى قَالَ سَمِعت أَبى يَقُول خَمْسَة أَحَادِيث لَا أصل لَهَا عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيث (لَو صدق السَّائِل مَا أَفْلح من رده) وَحَدِيث (لَا وجع إِلَّا وجع الْعين وَلَا غم إِلَّا غم الدّين) وَحَدِيث (إِن الشَّمْس ردَّتْ على على بن أَبى طَالب) وَحَدِيث (أفطر الحاجم والمحجوم إنَّهُمَا كَانَا يغتابان) قلت هُوَ نَظِير قَول الإِمَام أَحْمد رضى الله عَنهُ أَرْبَعَة أَحَادِيث لَا أصل لَهَا حَدِيث (من آذَى ذِمِّيا فَكَأَنَّمَا آذانى) وَحَدِيث (من بشرنى بِخُرُوج آذار ضمنت لَهُ على الله الْجنَّة) وَحَدِيث (للسَّائِل حق وَلَو جَاءَ على فرس) وَحَدِيث (يَوْم صومكم يَوْم نحركم يَوْم رَأس سنتكم) ٣٥ - الْفضل بن الرّبيع بن يُونُس بن مُحَمَّد بن عبد الله بن أَبى فَرْوَة واسْمه كيسَان مولى عُثْمَان بن عَفَّان رضى الله عَنهُ أَبُو الْعَبَّاس حَاجِب الرشيد ثمَّ وزيره كَانَ من رجال الدَّهْر رَأيا وحزما ودهاء ورياسة وَمَكَارِم وعظمة فى الدُّنْيَا ولوالده الجاه الرفيع عِنْد مخدومه أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبى جَعْفَر الْمَنْصُور وَلما آل الْأَمر إِلَى هَارُون الرشيد واستوزر البرامكة جعل الْفضل حَاجِبه وَكَانَ الْفضل يروم التَّشَبُّه بالبرامكة ومعارضتهم وَلم يكن لَهُ إِذْ ذَاك من الْمقدرَة مَا يدْرك اللحاق بهم فَمن ثمَّ كَانَت بَينهم إحن وشحناء إِلَى أَن قدر الله زَوَال نعْمَة البرامكة على يدى الْفضل فَإِنَّهُ تمكن بمجالسة الرشيد وأوغر قلبه فِيمَا يذكر عَلَيْهِم حَتَّى اتّفق لَهُ مَا تناقلته الروَاة

стр. 485

وَاسْتمرّ الْفضل مُتَمَكنًا عِنْد هَارُون إِلَى أَن قضى هَارُون نحبه فَقَامَ بالخلافة وَلَده مُحَمَّد الْأمين وسَاق إِلَيْهِ الخزائن بعد موت أَبِيه وَسلم إِلَيْهِ الْقَضِيب والخاتم وَأَتَاهُ بذلك من طوس وَكَانَ الْفضل هُوَ صَاحب الْحل وَالْعقد لاشتغال الْأمين باللهو وَلما تداعت دولة الْأمين ولاح عَلَيْهَا الإدبار اختفى الْفضل مُدَّة طَوِيلَة فَلَمَّا بُويِعَ إِبْرَاهِيم بن المهدى ظهر الْفضل وساس نَفسه وَلم يدْخل مَعَهم فى شئ فَلذَلِك عَفا عَنهُ الْمَأْمُون بشفاعة طَاهِر بن الْحُسَيْن وَاسْتمرّ بطالا فى دولة الْمَأْمُون لاحظ لَهُ إِلَّا السَّلامَة إِلَى أَن مَاتَ وفى تقصى أخباره طول وفصول وَلَكنَّا نذْكر فَوَائِد من أوائلها وأواخرها فَمِنْهَا قيل دخل الْفضل يَوْمًا على يحيى بن خَالِد البرمكى وَقد جلس لقَضَاء الْحَوَائِج وَبَين يَدَيْهِ وَلَده جَعْفَر يُوقع فى الْقَصَص فَعرض الْفضل عَلَيْهِ عشر رقاع للنَّاس فتعلل يحيى فى كل رقْعَة بعلة وَلم يُوقع فى شئ مِنْهَا أَلْبَتَّة فَجمع الْفضل الرّقاع وَقَالَ ارْجِعْنَ خائبات خاسئات ثمَّ خرج وَهُوَ ينشد (عَسى وَعَسَى يثنى الزَّمَان عنانه ... بتصريف حَال وَالزَّمَان عثور) (فتقضى لبانات وتشفى حسائف ... وتحدث من بعد الْأُمُور أُمُور) فَسَمعهُ يحيى فَقَالَ عزمت عَلَيْك يَا أَبَا الْعَبَّاس إِلَّا رجعت فَرجع فَوَقع لَهُ فى جَمِيع الرّقاع ثمَّ لم يمض إِلَّا الْقَلِيل ونكبت البرامكة على يَدَيْهِ وَتَوَلَّى هُوَ الوزارة بعد أَن كَانَ حاجبا وتنازع يَوْمًا جَعْفَر بن يحيى وَالْفضل بن الرّبيع بِحَضْرَة الرشيد فَقَالَ جَعْفَر للفضل يالقيط إِشَارَة إِلَى شئ كَانَ يُقَال عَن أَبِيه فَقَالَ الْفضل اشْهَدْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ جَعْفَر للرشيد ترَاهُ عِنْد من يقيمك هَذَا الْجَاهِل شَاهدا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنت حَاكم الْحُكَّام

стр. 486

وَالْفضل بن الرّبيع هُوَ الذى يَقُول فِيهِ أَبُو نواس (وَلَيْسَ لله بمستنكر ... أَن يجمع الْعَالم فى وَاحِد) من أَبْيَات مَاتَ الْفضل سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ فى عشر السّبْعين ويستحسن إِيرَاده فى أَصْحَاب الشافعى لما أخبرتنا بِهِ زَيْنَب بنت الْكَمَال المقدسية إِذْنا عَن الْحَافِظ أَبى الْحجَّاج الدمشقى أَنه قَالَ أخبرنَا أَبُو المكارم اللبان أخبرنَا الْحسن بن أَحْمد الْحداد أخبرنَا أَبُو نعيم الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد ابْن جَعْفَر البغدادى غنْدر حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبيد حَدثنَا أَبُو نصر المخزومى الكوفى حَدثنَا الْفضل بن الرّبيع حَاجِب هَارُون الرشيد أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ دخلت على هَارُون الرشيد فَإِذا بَين يَدَيْهِ ضبارة سيوف وأنواع من الْعَذَاب فَقَالَ لى يَا فضل فَقلت لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ على بِهَذَا الحجازى يعْنى الشافعى فَقلت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ذهب هَذَا الرجل قَالَ فَأتيت الشافعى فَقلت لَهُ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ أصلى رَكْعَتَيْنِ فَقلت صل فصلى ثمَّ ركب بغلة كَانَت لَهُ فسرنا مَعًا إِلَى دَار الرشيد فَلَمَّا دَخَلنَا الدهليز الأول حرك الشافعى شَفَتَيْه فَلَمَّا دَخَلنَا الدهليز الثانى حرك شَفَتَيْه فَلَمَّا وصلنا بِحَضْرَة الرشيد قَامَ إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ كالمشرئب لَهُ فأجلسه مَوْضِعه وَقعد بَين يَدَيْهِ يعْتَذر إِلَيْهِ وخاصة أَمِير الْمُؤمنِينَ قيام ينظرُونَ إِلَى مَا أعد لَهُ من أَنْوَاع الْعَذَاب فَإِذا هُوَ جَالس بَين يَدَيْهِ فتحدثوا طَويلا ثمَّ أذن لَهُ بالانصراف فَقَالَ لى يَا فضل قلت لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 487

فَقَالَ احْمِلْ بَين يَدَيْهِ بدرة فَحملت فَلَمَّا صرنا إِلَى الدهليز الأول لِخُرُوجِهِ قلت سَأَلتك بالذى صير غَضَبه عَلَيْك رضَا إِلَّا مَا عرفتنى مَا قلت فى وَجه أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى رضى فَقَالَ لى يَا فضل فَقلت لَهُ لبيْك أَيهَا السَّيِّد الْفَقِيه قَالَ خُذ منى واحفظ عَنى قلت ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ الْآيَة اللَّهُمَّ إنى أعوذ بِنور قدسك وببركة طهارتك وبعظمة جلالك من كل عاهة وَآفَة وطارق الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا طَارِقًا يطرقنى بِخَير يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ اللَّهُمَّ بك ملاذى فبك ألوذ وَبِك غياثى فبك أغوث يَا من ذلت لَهُ رِقَاب الفراعنة وخضعت لَهُ مقاليد الْجَبَابِرَة اللَّهُمَّ ذكرك شعارى ودثارى ونومى وقرارى أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت اضْرِب على سرادقات حفظك وقنى رعبى بِخَير مِنْك يَا رَحْمَن قَالَ الْفضل فكتبتها وجعلتها فى بركَة قبائى وَكَانَ الرشيد كثير الْغَضَب على وَكَانَ كلما هم أَن يغْضب أحركها فى وَجهه فيرضى فَهَذَا مِمَّا أدْركْت من بركَة الشافعى ٣٦ - الْقَاسِم بن سَلام بتَشْديد اللَّام الإِمَام الْجَلِيل أَبُو عبيد الأديب الْفَقِيه الْمُحدث صَاحب التصانيف الْكَثِيرَة فى الْقرَاءَات وَالْفِقْه واللغة وَالشعر قَرَأَ الْقُرْآن على الكسائى وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وشجاع بن أَبى نصر

стр. 488

وَسمع الحَدِيث من إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وهشيم بن بشير وَشريك بن عبد الله وَهُوَ أكبر شُيُوخه وَعبد الله بن الْمُبَارك وأبى بكر بن عَيَّاش وَجَرِير بن عبد الحميد وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وخلائق آخِرهم موتا هِشَام ابْن عمار روى عَنهُ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدارمى ووكيع وَأَبُو بكر بن أَبى الدُّنْيَا وعباس الدورى والْحَارث بن أَبى أُسَامَة وعَلى بن عبد الْعَزِيز البغوى وَأحمد بن يحيى البلاذرى الْكَاتِب وَآخَرُونَ وتفقه على الشافعى رضى الله عَنهُ وتناظر مَعَه فى الْقُرْء هَل هُوَ حيض أَو طهر إِلَى أَن رَجَعَ كل مِنْهُمَا إِلَى مَا قَالَه الآخر كَمَا سنشرح ذَلِك ولد بهراة وَكَانَ أَبوهُ فِيمَا يذكر عبدا لبَعض أَهلهَا وتنقلت بِهِ الْبِلَاد وَولى قَضَاء طرسوس ثمَّ حج بِالآخِرَة فتوفى بِمَكَّة سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه الْحق يحب لله أَبُو عبيد أفقه منى وَأعلم منى أَبُو عبيد أوسعنا علما وأكثرنا أدبا إِنَّا نحتاج إِلَى أَبى عبيد وَأَبُو عبيد لَا يحْتَاج إِلَيْنَا قَالَ الْحَاكِم هُوَ الإِمَام المقبول عِنْد الْكل وَقَالَ أَبُو بكر الأنبارى وَكَانَ أَبُو عبيد قد جزأ اللَّيْل ثَلَاثَة أَجزَاء ثلثا ينَام وَثلثا يصلى وَثلثا يطالع الْكتب وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد كَانَ أَبُو عبيد مؤدبا صَاحب نَحْو وعربية وَطلب الحَدِيث وَالْفِقْه وَولى قَضَاء طرسوس أَيَّام ثَابت بن نصر بن مَالك وَلم يزل مَعَه وَمَعَ وَلَده وَقدم بَغْدَاد ففسر بهَا غَرِيب الحَدِيث وصنف كتبا وَحدث وَحج فتوفى بِمَكَّة سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ عَبَّاس الدوري سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول أَبُو عبيد مِمَّن يزْدَاد عندنَا كل يَوْم خيرا

стр. 489

وَقَالَ أَبُو قدامَة سَمِعت أَحْمد يَقُول أَبُو عبيد أستاذ وَقَالَ حمدَان بن سهل سَأَلت يحيى بن معِين عَن أَبى عبيد فَقَالَ مثلى يسْأَل عَن أَبى عبيد أَبُو عبيد يسْأَل عَن النَّاس وَقَالَ أَبُو دَاوُد ثِقَة مَأْمُون قَالَ الدارقطنى ثِقَة إِمَام جبل وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْغنى بن سعيد فى كتاب الطَّهَارَة لأبى عبيد حديثان مَا حدث بهما غَيره وَلَا حدث بهما عَنهُ غير مُحَمَّد بن يحيى المروزى أَحدهمَا حَدِيث شُعْبَة عَن عَمْرو بن أَبى وهب وَالْآخر حَدِيث عبيد الله بن عمر عَن سعيد المقبرى حدث بِهِ عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله وَحدث بِهِ النَّاس عَن يحيى عَن ابْن عجلَان وَقَالَ ثَعْلَب لَو كَانَ أَبُو عبيد فى بنى إِسْرَائِيل لَكَانَ عجبا وَقَالَ القاضى أَبُو الْعَلَاء الواسطى أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر التميمى حَدثنَا أَبُو على النحوى حَدثنَا الفسطاطى قَالَ كَانَ أَبُو عبيد مَعَ عبد الله بن طَاهِر فَبعث إِلَيْهِ أَبُو دلف يستهديه أَبَا عبيد مُدَّة شَهْرَيْن فأنفذه إِلَيْهِ فَأَقَامَ شَهْرَيْن فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَاف وَصله بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فَلم يقبلهَا وَقَالَ أَنا فى جنَّة رجل لم يحوجنى إِلَى صلَة غَيره فَلَمَّا عَاد إِلَى ابْن طَاهِر وَصله بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير قد قبلتها وَلَكِن قد أغنيتنى بمعروفك وبرك وَقد رَأَيْت أَن أشترى بهَا سِلَاحا وخيلا وأوجه بهَا إِلَى الثغر ليَكُون الثَّوَاب متوفرا على الْأَمِير فَفعل قيل وَكَانَ أَبُو عبيد إِذا صنف كتابا أهداه إِلَى عبد الله بن طَاهِر فَيحمل إِلَيْهِ مَالا خطيرا اسْتِحْسَانًا لذَلِك

стр. 490

وَقَالَ عبد الله بن طَاهِر الْأَئِمَّة للنَّاس أَرْبَعَة ابْن عَبَّاس فى زَمَانه والشعبى فى زَمَانه وَالقَاسِم بن معن فى زَمَانه وَأَبُو عبيد فى زَمَانه وَقَالَ عَبْدَانِ بن مُحَمَّد المروزى حَدثنَا أَبُو سعيد الضَّرِير قَالَ كنت عِنْد عبد الله بن طَاهِر فورد عَلَيْهِ نعى أَبى عبيد فَأَنْشَأَ يَقُول (يَا طَالب الْعلم قد مَاتَ ابْن سَلام ... وَكَانَ فَارس علم غير محجام) (مَاتَ الذى كَانَ فِينَا ربع أَرْبَعَة ... لم يلق مثلهم إستار أَحْكَام) (خير الْبَريَّة عبد الله أَوَّلهمْ ... وعامر ولنعم التلو يَا عَام) (هما اللَّذَان أنافا فَوق غَيرهمَا ... والقاسمان ابْن معن وَابْن سَلام) وَمن الْفَوَائِد عَنهُ حكى الأزهرى فى التَّهْذِيب عَن أَبى عبيد الْقَاسِم بن سَلام فى قَوْله ﷺ (لَا يَمُوت لمُسلم ثَلَاثَة من الْوَلَد فَتَمَسهُ النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقسم) أَن المُرَاد بِهَذَا الْقسم قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ فَإِذا مر بهَا متجاوزا لَهَا فقد أبر الله قسمه ثمَّ اعْتَرَضَهُ الأزهرى بِأَنَّهُ لَا قسم فى قَوْله ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ فَكيف يكون لَهُ تَحِلَّة قَالَ وَلَكِن معنى قَوْله إِلَّا تَحِلَّة الْقسم إِلَّا التعزيز الذى لَا ينداه مِنْهُ مَكْرُوه وَأَصله من قَول الْعَرَب ضَربته تحليلا وضربته تعزيرا أى لم أبالغ فى ضربه وَأَصله من تَحْلِيل الْيَمين وَهُوَ أَن يحلف الرجل ثمَّ يسْتَثْنى اسْتثِْنَاء مُتَّصِلا بِالْيَمِينِ يُقَال آلى فلَان ألية لم يتَحَلَّل أى لم يسْتَثْن ثمَّ جعل ذَلِك مثلا لكل شىء قل وقته

стр. 491

وَمِنْه قَول الشَّاعِر (نَجَائِب وقعهن الأَرْض تَحْلِيل ... ) أى قَلِيل هَين يسير وَيُقَال للرجل إِذا أمعن فى وَعِيد أَو أفرط فى قَول حلا أَبَا فلَان أى تحلل فى يَمِينك جعله فى وعيده كحالف فَأمره بِالِاسْتِثْنَاءِ قلت وَهُوَ اعْتِرَاض عَجِيب فَإِن الْقسم مُقَدّر فى قَوْله ﴿وَإِن مِنْكُم﴾ لِأَن الْقسم عِنْد النُّحَاة يتلَقَّى بالنفى وَالْإِثْبَات وَالتَّقْدِير وَالله إِن مِنْكُم إِلَّا واردها أَو أقسم إِن مِنْكُم إِلَّا واردها يدل عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا قَوْله تَعَالَى بعد ذَلِك ﴿كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ قَالَ الْحسن وَقَتَادَة قسما وَاجِبا وروى عَن ابْن مَسْعُود والثانى هَذَا الحَدِيث فقد فهم الْمُصْطَفى ﷺ الْقسم مِنْهُ وَقَول الأزهرى وَأَصله من قَوْلهم ضَربته تحليلا إِلَى قَوْله جعله فى وعيده كحالف مِمَّا يدل على مَا ذَكرْنَاهُ فَإِنَّهُ لَو لم يقدر أَنه حَالف مَا صَحَّ شىء مِمَّا ذكرنَا ذهب أَبُو عبيد إِلَى أَن من طلقت فى طهر وجامعها فِيهِ زَوجهَا لَا تنقضى عدتهَا إِلَّا بالطعن فى الْحَيْضَة الرَّابِعَة وَجعله الجيلى فى شرح التَّنْبِيه مَذْهَبنَا وَهُوَ خلاف نَص الْمُخْتَصر وتصريح الْأَصْحَاب

стр. 492

قَالَ ابْن الرّفْعَة وَلَعَلَّ الجيلى اعْتقد أَبَا عبيد من أَصْحَابنَا فاقتصر على حِكَايَة مذْهبه قلت هَذَا كَلَام عَجِيب أَبُو عبيد لَا ريب فى أَنه من أَصْحَابنَا وَلَكِن ذَلِك لَا يسوغ حِكَايَة قَوْله مذهبا لنا مَعَ تَصْرِيح الْمَذْهَب بِخِلَافِهِ قَالَ أَبُو عبيد فى قَول الشَّاعِر (فَإِن أدع اللواتى من أنَاس ... أضاعوهن لَا أدع الذينا) الذى هُنَا لَا صلَة لَهَا وَالْمعْنَى إِن أدع ذكر النِّسَاء لَا أدع ذكر الرِّجَال قلت هَذَا الْبَيْت للكميت وَهُوَ شَاهد ذكر الْمَوْصُول بِغَيْر صلَة لقَرِينَة قَالَ أَبُو عبيد فى معنى قَول الشماخ (وَمَاء قد وَردت لوصل أروى ... عَلَيْهِ الطير كالورق اللجين) (ذعرت بِهِ القطا ونفيت عَنهُ ... مقَام الذِّئْب كَالرّجلِ اللعين) إِن فيهمَا تَقْدِيمًا وتأخيرا وَالتَّقْدِير فى الأول وَمَاء كالورق اللجين عَلَيْهِ الطير واللجين الذى قد ضرب حَتَّى تلجن وَالتَّقْدِير فى الثانى مقَام الذِّئْب اللعين كَالرّجلِ انْتهى ذكره فى كِتَابه فى معانى الشّعْر قلت فَجعل ورقه كالورق صفة لماء فَيكون قد فصل بَين الْمَوْصُوف وَالصّفة بمتعلق رب المحذوفة وَهُوَ قَوْله وَردت وَعَلِيهِ الطير جملَة وهى صفة ثَانِيَة مؤخرة عَن الصّفة الْوَاقِعَة ظرفا وَهَكَذَا أصل الْكَلَام وَيجوز أَن يكون المَاء مَوْصُوفا بِثَلَاث صِفَات هَاتين الصفتين وَقَوله قد وَردت وَيكون مُتَعَلق رب إِنَّمَا هُوَ قَوْله ذعرت بِهِ القطا وَلَا يَأْبَى هَذَا الْوَجْه قَول أَبى عبيد وَيكون إِنَّمَا قدر قَوْله كالورق مقدما ليعلمك أَنه من صلَة مَاء لِأَن مَا قبله غير صفة وَقَوله حَتَّى تلجن أى حَتَّى تلزج وَمِنْه قَوْلهم لجنت الخطمى وَنَحْوه إِذا ضَربته ليثخن وتلجن رَأسه إِذا لم ينق وسخه

стр. 493

واللجين الْخبط عَن ابْن السّكيت وَهُوَ مَا سقط من الْوَرق عِنْد الْخبط وَأنْشد عَلَيْهِ الْبَيْت والذعر الْفَزع يُقَال ذعرته أذعره ذعرا أفزعته والذعر بِالضَّمِّ الِاسْم وَقَوله مقَام مَحْمُول على أَنه صلَة أى ونفيت عَنهُ الذِّئْب وَهُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فى قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ وَقَوله اللعين لَا يتَعَيَّن أَن يكون صفة للذئب كَمَا ذكر بل يجوز أَن يكون صفة للرجل أى كَالرّجلِ المبعد الطريد وَرُبمَا يكون ذَلِك أحسن فَإِن التَّشْبِيه لَيْسَ بِالرجلِ من حَيْثُ هُوَ بل بِالرجلِ الْمَوْصُوف باللعين قَالَه الشَّيْخ جمال الدّين عبد الله بن هِشَام فى بعض مجاميعه ذكر أَن الشافعى وَأَبا عبيد رضى الله عَنْهُمَا تناظرا فى الْقُرْء فَكَانَ الشافعى يَقُول إِنَّه الْحيض وَأَبُو عبيد يَقُول إِنَّه الطُّهْر فَلم يزل كل مِنْهُمَا يُقرر قَوْله حَتَّى تفَرقا وَقد انتحل كل وَاحِد مِنْهُمَا مَذْهَب صَاحبه وتأثر بِمَا أوردهُ من الْحجَج والشواهد قلت وَإِن صحت هَذِه الْحِكَايَة فَفِيهَا دلَالَة على عَظمَة أَبى عبيد فَلم يبلغنَا عَن أحد أَنه نَاظر الشافعى ثمَّ رَجَعَ الشافعى إِلَى مذْهبه وَقد حكى الرافعى فى شَرحه هَذِه الْحِكَايَة وَقَالَ إِنَّهَا تقتضى أَن يكون للشافعى قَول قديم أَو حَدِيث يُوَافق مَذْهَب أَبى حنيفَة قلت وَلَيْسَ ذَلِك بِلَازِم فقد يناظر الْمَرْء على مَا لَا يرَاهُ إِشَارَة للفائدة وإبرازا لَهَا وتعليما للجدل فَلَعَلَّهُ لما رأى أَبَا عبيد يعْتَقد أَنه الْحيض انتصب عَنهُ مستدلا عَلَيْهِ

стр. 494

لينقطع مَعَه فَيعلم أَبُو عبيد ضعف مذْهبه فِيهِ وَلِهَذَا يتَبَيَّن أَن الشافعى لم يرجع إِلَى أَبى عبيد فى الْحَقِيقَة لِأَن المناظرة لم تكن إِلَّا لما ذَكرْنَاهُ وَقَوله حَدِيث كَذَا هُوَ بِالْحَاء والثاء لَا جَدِيد بِالْجِيم وَالدَّال لِأَن أَبَا عبيد من أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيّين فمناظرته إِن صحت كائنة بِبَغْدَاد فَيكون ذَلِك قولا قَدِيما للشافعى أَو حَدِيثا حدث لَهُ بعد أَن كَانَ يخْتَار أَنه الطُّهْر فَيكون الشافعى قَائِلا بِأَنَّهُ الطُّهْر ثمَّ بِأَنَّهُ الْحيض ثمَّ عَائِدًا إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ الطُّهْر وَعَلِيهِ مَاتَ وَرُبمَا صحف بَعضهم حَدِيثا بجديد وَلَيْسَ بجيد ثمَّ قَالَ الرافعى لَو أعلم قَول الغزالى الْأَقْرَاء الْأَطْهَار بِالْوَاو وللمناظرة المحكية لم يكن بَعيدا وَاعْتَرضهُ الزنجانى شَارِح الْوَجِيز بِأَنَّهُ إِن قَالَ هَذَا عَن نقل فَلَا كَلَام وَإِلَّا فالحكاية لَا تدل عَلَيْهِ لِأَن الْإِنْسَان قد يناظر غَيره فِيمَا لَا يَعْتَقِدهُ قلت وَعَجِبت لَهُ من ذَلِك فَإِن الرافعى لم يعلم بِالْقَافِ حَتَّى يُقَال لَهُ هَذَا وَإِنَّمَا أعلم بِالْوَاو وَإِشَارَة إِلَى مقَالَة أَبى عبيد وعدها وَجها فى الْمَذْهَب لكَونه على الْجُمْلَة من أَصْحَابنَا فَلَا يبعد أَن تعد مقالاته وُجُوهًا وَقد لَا تعد لِأَنَّهُ يتحدث فى هَذِه الْمَسْأَلَة على قَضِيَّة اللُّغَة لَا على قَوَاعِد إِمَام الْمَذْهَب وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَه وَلذَلِك نَاظر صَاحب الْمَذْهَب نَفسه وَلَو كَانَ مخرجا على قَاعِدَته لما ناظره ٣٧ - قحزم بن عبد الله بن قحزم أَبُو حنيفَة الأسوانى بِفَتْح الْقَاف بعْدهَا حاء مُهْملَة سَاكِنة ثمَّ زاى مَفْتُوحَة ثمَّ مِيم هُوَ آخر من صحب الشافعى موتا

стр. 495

قَالَ ابْن عبد الْبر روى عَنهُ كثيرا من كتبه وَكَانَ مفتيا وَأَصله من القبط وَقَالَ ابْن يُونُس توفى فى جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ ٣٨ - مُوسَى بن أَبى الْجَارُود أَبُو الْوَلِيد المكى راوى كتاب الأمالى عَن الشافعى وَأحد الثِّقَات من أَصْحَابه وَالْعُلَمَاء قَالَ أَبُو عَاصِم يرجع إِلَيْهِ عِنْد اخْتِلَاف الرِّوَايَة روى عَن يحيى بن معِين وأبى يَعْقُوب البويطى روى عَنهُ الزعفرانى وَالربيع وَأَبُو حَاتِم الرازى وَكَانَ فَقِيها جَلِيلًا أَقَامَ بِمَكَّة يُفْتى النَّاس على مَذْهَب الشافعى قَالَ أَبُو الْوَلِيد سَمِعت الشافعى يَقُول إِذا قلت قولا وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ خِلَافه فقولى مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ وَهَكَذَا رَوَاهُ الحميدى وَالربيع وَأَبُو ثَوْر وَغَيرهم عَن الشافعى وَقَالَ أَيْضا قَالَ الشافعى مَا ناظرت أحدا فَأَحْبَبْت أَن يخطىء وَقَالَ كَانَ يُقَال إِن مُحَمَّد بن إِدْرِيس وَحده يحْتَج بِهِ كَمَا يحْتَج بالبطن من الْعَرَب قلت وَيُوَافِقهُ قَول الأصمعى صححت أشعار الهذليين على شَاب من قُرَيْش بِمَكَّة يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن إِدْرِيس وَقَول عبد الْملك بن هِشَام الشافعى مِمَّن تُؤْخَذ عَنهُ اللُّغَة وَقَول أَبى عُثْمَان المازنى الشافعى حجَّة عندنَا فى النَّحْو قلت وَمَسْأَلَة الِاحْتِجَاج بمنطق الشافعى فى اللُّغَة والاستشهاد بِكَلَامِهِ نظما ونثرا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَلم أجد من أشْبع القَوْل فِيهِ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ نَازع فِيهِ فى كتاب
следующие страницы →