← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَمِنْه قَول الشَّاعِر (نَجَائِب وقعهن الأَرْض تَحْلِيل ... ) أى قَلِيل هَين يسير وَيُقَال للرجل إِذا أمعن فى وَعِيد أَو أفرط فى قَول حلا أَبَا فلَان أى تحلل فى يَمِينك جعله فى وعيده كحالف فَأمره بِالِاسْتِثْنَاءِ قلت وَهُوَ اعْتِرَاض عَجِيب فَإِن الْقسم مُقَدّر فى قَوْله ﴿وَإِن مِنْكُم﴾ لِأَن الْقسم عِنْد النُّحَاة يتلَقَّى بالنفى وَالْإِثْبَات وَالتَّقْدِير وَالله إِن مِنْكُم إِلَّا واردها أَو أقسم إِن مِنْكُم إِلَّا واردها يدل عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا قَوْله تَعَالَى بعد ذَلِك ﴿كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ قَالَ الْحسن وَقَتَادَة قسما وَاجِبا وروى عَن ابْن مَسْعُود والثانى هَذَا الحَدِيث فقد فهم الْمُصْطَفى ﷺ الْقسم مِنْهُ وَقَول الأزهرى وَأَصله من قَوْلهم ضَربته تحليلا إِلَى قَوْله جعله فى وعيده كحالف مِمَّا يدل على مَا ذَكرْنَاهُ فَإِنَّهُ لَو لم يقدر أَنه حَالف مَا صَحَّ شىء مِمَّا ذكرنَا ذهب أَبُو عبيد إِلَى أَن من طلقت فى طهر وجامعها فِيهِ زَوجهَا لَا تنقضى عدتهَا إِلَّا بالطعن فى الْحَيْضَة الرَّابِعَة وَجعله الجيلى فى شرح التَّنْبِيه مَذْهَبنَا وَهُوَ خلاف نَص الْمُخْتَصر وتصريح الْأَصْحَاب

стр. 492

قَالَ ابْن الرّفْعَة وَلَعَلَّ الجيلى اعْتقد أَبَا عبيد من أَصْحَابنَا فاقتصر على حِكَايَة مذْهبه قلت هَذَا كَلَام عَجِيب أَبُو عبيد لَا ريب فى أَنه من أَصْحَابنَا وَلَكِن ذَلِك لَا يسوغ حِكَايَة قَوْله مذهبا لنا مَعَ تَصْرِيح الْمَذْهَب بِخِلَافِهِ قَالَ أَبُو عبيد فى قَول الشَّاعِر (فَإِن أدع اللواتى من أنَاس ... أضاعوهن لَا أدع الذينا) الذى هُنَا لَا صلَة لَهَا وَالْمعْنَى إِن أدع ذكر النِّسَاء لَا أدع ذكر الرِّجَال قلت هَذَا الْبَيْت للكميت وَهُوَ شَاهد ذكر الْمَوْصُول بِغَيْر صلَة لقَرِينَة قَالَ أَبُو عبيد فى معنى قَول الشماخ (وَمَاء قد وَردت لوصل أروى ... عَلَيْهِ الطير كالورق اللجين) (ذعرت بِهِ القطا ونفيت عَنهُ ... مقَام الذِّئْب كَالرّجلِ اللعين) إِن فيهمَا تَقْدِيمًا وتأخيرا وَالتَّقْدِير فى الأول وَمَاء كالورق اللجين عَلَيْهِ الطير واللجين الذى قد ضرب حَتَّى تلجن وَالتَّقْدِير فى الثانى مقَام الذِّئْب اللعين كَالرّجلِ انْتهى ذكره فى كِتَابه فى معانى الشّعْر قلت فَجعل ورقه كالورق صفة لماء فَيكون قد فصل بَين الْمَوْصُوف وَالصّفة بمتعلق رب المحذوفة وَهُوَ قَوْله وَردت وَعَلِيهِ الطير جملَة وهى صفة ثَانِيَة مؤخرة عَن الصّفة الْوَاقِعَة ظرفا وَهَكَذَا أصل الْكَلَام وَيجوز أَن يكون المَاء مَوْصُوفا بِثَلَاث صِفَات هَاتين الصفتين وَقَوله قد وَردت وَيكون مُتَعَلق رب إِنَّمَا هُوَ قَوْله ذعرت بِهِ القطا وَلَا يَأْبَى هَذَا الْوَجْه قَول أَبى عبيد وَيكون إِنَّمَا قدر قَوْله كالورق مقدما ليعلمك أَنه من صلَة مَاء لِأَن مَا قبله غير صفة وَقَوله حَتَّى تلجن أى حَتَّى تلزج وَمِنْه قَوْلهم لجنت الخطمى وَنَحْوه إِذا ضَربته ليثخن وتلجن رَأسه إِذا لم ينق وسخه

стр. 493

واللجين الْخبط عَن ابْن السّكيت وَهُوَ مَا سقط من الْوَرق عِنْد الْخبط وَأنْشد عَلَيْهِ الْبَيْت والذعر الْفَزع يُقَال ذعرته أذعره ذعرا أفزعته والذعر بِالضَّمِّ الِاسْم وَقَوله مقَام مَحْمُول على أَنه صلَة أى ونفيت عَنهُ الذِّئْب وَهُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فى قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ وَقَوله اللعين لَا يتَعَيَّن أَن يكون صفة للذئب كَمَا ذكر بل يجوز أَن يكون صفة للرجل أى كَالرّجلِ المبعد الطريد وَرُبمَا يكون ذَلِك أحسن فَإِن التَّشْبِيه لَيْسَ بِالرجلِ من حَيْثُ هُوَ بل بِالرجلِ الْمَوْصُوف باللعين قَالَه الشَّيْخ جمال الدّين عبد الله بن هِشَام فى بعض مجاميعه ذكر أَن الشافعى وَأَبا عبيد رضى الله عَنْهُمَا تناظرا فى الْقُرْء فَكَانَ الشافعى يَقُول إِنَّه الْحيض وَأَبُو عبيد يَقُول إِنَّه الطُّهْر فَلم يزل كل مِنْهُمَا يُقرر قَوْله حَتَّى تفَرقا وَقد انتحل كل وَاحِد مِنْهُمَا مَذْهَب صَاحبه وتأثر بِمَا أوردهُ من الْحجَج والشواهد قلت وَإِن صحت هَذِه الْحِكَايَة فَفِيهَا دلَالَة على عَظمَة أَبى عبيد فَلم يبلغنَا عَن أحد أَنه نَاظر الشافعى ثمَّ رَجَعَ الشافعى إِلَى مذْهبه وَقد حكى الرافعى فى شَرحه هَذِه الْحِكَايَة وَقَالَ إِنَّهَا تقتضى أَن يكون للشافعى قَول قديم أَو حَدِيث يُوَافق مَذْهَب أَبى حنيفَة قلت وَلَيْسَ ذَلِك بِلَازِم فقد يناظر الْمَرْء على مَا لَا يرَاهُ إِشَارَة للفائدة وإبرازا لَهَا وتعليما للجدل فَلَعَلَّهُ لما رأى أَبَا عبيد يعْتَقد أَنه الْحيض انتصب عَنهُ مستدلا عَلَيْهِ

стр. 494

لينقطع مَعَه فَيعلم أَبُو عبيد ضعف مذْهبه فِيهِ وَلِهَذَا يتَبَيَّن أَن الشافعى لم يرجع إِلَى أَبى عبيد فى الْحَقِيقَة لِأَن المناظرة لم تكن إِلَّا لما ذَكرْنَاهُ وَقَوله حَدِيث كَذَا هُوَ بِالْحَاء والثاء لَا جَدِيد بِالْجِيم وَالدَّال لِأَن أَبَا عبيد من أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيّين فمناظرته إِن صحت كائنة بِبَغْدَاد فَيكون ذَلِك قولا قَدِيما للشافعى أَو حَدِيثا حدث لَهُ بعد أَن كَانَ يخْتَار أَنه الطُّهْر فَيكون الشافعى قَائِلا بِأَنَّهُ الطُّهْر ثمَّ بِأَنَّهُ الْحيض ثمَّ عَائِدًا إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ الطُّهْر وَعَلِيهِ مَاتَ وَرُبمَا صحف بَعضهم حَدِيثا بجديد وَلَيْسَ بجيد ثمَّ قَالَ الرافعى لَو أعلم قَول الغزالى الْأَقْرَاء الْأَطْهَار بِالْوَاو وللمناظرة المحكية لم يكن بَعيدا وَاعْتَرضهُ الزنجانى شَارِح الْوَجِيز بِأَنَّهُ إِن قَالَ هَذَا عَن نقل فَلَا كَلَام وَإِلَّا فالحكاية لَا تدل عَلَيْهِ لِأَن الْإِنْسَان قد يناظر غَيره فِيمَا لَا يَعْتَقِدهُ قلت وَعَجِبت لَهُ من ذَلِك فَإِن الرافعى لم يعلم بِالْقَافِ حَتَّى يُقَال لَهُ هَذَا وَإِنَّمَا أعلم بِالْوَاو وَإِشَارَة إِلَى مقَالَة أَبى عبيد وعدها وَجها فى الْمَذْهَب لكَونه على الْجُمْلَة من أَصْحَابنَا فَلَا يبعد أَن تعد مقالاته وُجُوهًا وَقد لَا تعد لِأَنَّهُ يتحدث فى هَذِه الْمَسْأَلَة على قَضِيَّة اللُّغَة لَا على قَوَاعِد إِمَام الْمَذْهَب وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَه وَلذَلِك نَاظر صَاحب الْمَذْهَب نَفسه وَلَو كَانَ مخرجا على قَاعِدَته لما ناظره ٣٧ - قحزم بن عبد الله بن قحزم أَبُو حنيفَة الأسوانى بِفَتْح الْقَاف بعْدهَا حاء مُهْملَة سَاكِنة ثمَّ زاى مَفْتُوحَة ثمَّ مِيم هُوَ آخر من صحب الشافعى موتا

стр. 495

قَالَ ابْن عبد الْبر روى عَنهُ كثيرا من كتبه وَكَانَ مفتيا وَأَصله من القبط وَقَالَ ابْن يُونُس توفى فى جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ ٣٨ - مُوسَى بن أَبى الْجَارُود أَبُو الْوَلِيد المكى راوى كتاب الأمالى عَن الشافعى وَأحد الثِّقَات من أَصْحَابه وَالْعُلَمَاء قَالَ أَبُو عَاصِم يرجع إِلَيْهِ عِنْد اخْتِلَاف الرِّوَايَة روى عَن يحيى بن معِين وأبى يَعْقُوب البويطى روى عَنهُ الزعفرانى وَالربيع وَأَبُو حَاتِم الرازى وَكَانَ فَقِيها جَلِيلًا أَقَامَ بِمَكَّة يُفْتى النَّاس على مَذْهَب الشافعى قَالَ أَبُو الْوَلِيد سَمِعت الشافعى يَقُول إِذا قلت قولا وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ خِلَافه فقولى مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ وَهَكَذَا رَوَاهُ الحميدى وَالربيع وَأَبُو ثَوْر وَغَيرهم عَن الشافعى وَقَالَ أَيْضا قَالَ الشافعى مَا ناظرت أحدا فَأَحْبَبْت أَن يخطىء وَقَالَ كَانَ يُقَال إِن مُحَمَّد بن إِدْرِيس وَحده يحْتَج بِهِ كَمَا يحْتَج بالبطن من الْعَرَب قلت وَيُوَافِقهُ قَول الأصمعى صححت أشعار الهذليين على شَاب من قُرَيْش بِمَكَّة يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن إِدْرِيس وَقَول عبد الْملك بن هِشَام الشافعى مِمَّن تُؤْخَذ عَنهُ اللُّغَة وَقَول أَبى عُثْمَان المازنى الشافعى حجَّة عندنَا فى النَّحْو قلت وَمَسْأَلَة الِاحْتِجَاج بمنطق الشافعى فى اللُّغَة والاستشهاد بِكَلَامِهِ نظما ونثرا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَلم أجد من أشْبع القَوْل فِيهِ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ نَازع فِيهِ فى كتاب

стр. 496

الْبُرْهَان عِنْد الْكَلَام فى مَفْهُوم الصّفة وشاققناه نَحن فى شرح مختصرابن الْحَاجِب وَسمعت أَن أَبَا حَيَّان جمعه وَالشَّيْخ الإِمَام مجْلِس وَكَانَ أَبُو حَيَّان يرى وجوب حذف خبر لَوْلَا مُطلقًا وَالشَّيْخ الإِمَام يرى رأى ابْن مَالك من الْفرق بَين كَذَا ٣٩ - يُوسُف بن يحيى الإِمَام الْجَلِيل أَبُو يَعْقُوب البويطى المصرى وبويط من صَعِيد مصر وَهُوَ أكبر أَصْحَاب الشافعى المصريين كَانَ إِمَامًا جَلِيلًا عابدا زاهدا فَقِيها عَظِيما مناظرا جبلا من جبال الْعلم وَالدّين غَالب أوقاته الذّكر والتشاغل بِالْعلمِ غَالب ليله التَّهَجُّد والتلاوة سريع الدمعة تفقه على الشافعى واختص بِصُحْبَتِهِ وَحدث عَنهُ وَعَن عبد الله بن وهب وَغَيرهمَا

стр. 497

روى عَنهُ الرّبيع المرادى وَهُوَ رَفِيقه وَإِبْرَاهِيم الحربى وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل الترمذى وَأَبُو حَاتِم وَقَالَ صَدُوق وَأحمد بن إِبْرَاهِيم بن فيل وَالقَاسِم بن هِشَام السمسار وَآخَرُونَ وَله الْمُخْتَصر الْمَشْهُور والذى اخْتَصَرَهُ من كَلَام الشافعى رضى الله عَنهُ قَالَ أَبُو عَاصِم هُوَ فى غَايَة الْحسن على نظم أَبْوَاب الْمَبْسُوط قلت وقفت عَلَيْهِ وَهُوَ مَشْهُور قَالَ أَبُو عَاصِم كَانَ الشافعى رضى الله عَنهُ يعْتَمد البويطى فى الْفتيا ويحيل عَلَيْهِ إِذا جَاءَتْهُ مَسْأَلَة قَالَ واستخلفه على أَصْحَابه بعد مَوته فتخرجت على يَدَيْهِ أَئِمَّة تفَرقُوا فى الْبِلَاد ونشروا علم الشافعى فى الْآفَاق وَقَالَ الرّبيع كَانَ أَبُو يَعْقُوب من الشافعى بمَكَان مكين وَقد قدمنَا فى تَرْجَمَة ابْن عبد الحكم مَا رَوَاهُ الْحَاكِم عَن إِمَام الْأَئِمَّة أَبى بكر بن خُزَيْمَة أَنه قَالَ كَانَ ابْن عبد الحكم أعلم من رَأَيْت بِمذهب مَالك فَوَقَعت بَينه وَبَين البويطى وَحْشَة عِنْد موت الشافعى فحدثنى أَبُو جَعْفَر السكرى قَالَ تنَازع ابْن عبد الحكم والبويطى مجْلِس الشافعى فَقَالَ البويطى أَنا أَحَق بِهِ مِنْك وَقَالَ الآخر كَذَلِك فجَاء الحميدى وَكَانَ تِلْكَ الْأَيَّام بِمصْر فَقَالَ قَالَ الشافعى لَيْسَ أحد أَحَق بمجلسى من يُوسُف وَلَيْسَ أحد من أصحابى أعلم مِنْهُ فَقَالَ لَهُ ابْن عبد الحكم كذبت قَالَ لَهُ كذبت أَنْت وَأَبُوك وأمك وَغَضب ابْن عبد الحكم وَجلسَ البويطى فى مجْلِس الشافعى وَجلسَ ابْن عبد الحكم فى الطاق الثَّالِث

стр. 498

وَعَن الرّبيع أَن البويطى وَابْن عبد الحكم تنَازعا الْحلقَة فى مرض الشافعى فَأخْبر بذلك فَقَالَ الْحلقَة البويطى وَكَانَت الْفَتَاوَى ترد على البويطى من السُّلْطَان فَمن دونه وَهُوَ متنوع فى صنائع الْمَعْرُوف كثير التِّلَاوَة لَا يمر يَوْم وَلَيْلَة غَالِبا حَتَّى يخْتم فسعى بِهِ من يحسده وَكتب فِيهِ إِلَى ابْن أَبى دؤاد بالعراق فَكتب إِلَى والى مصر أَن يمتحنه فامتحنه فَلم يجب وَكَانَ الوالى حسن الرأى فِيهِ فَقَالَ لَهُ قل فِيمَا بينى وَبَيْنك قَالَ إِنَّه يقْتَدى بى مائَة ألف وَلَا يَدْرُونَ الْمَعْنى قَالَ وَكَانَ أَمر أَن يحمل إِلَى بَغْدَاد فى أَرْبَعِينَ رَطْل حَدِيد قيل وَكَانَ المزنى وحرملة وَابْن الشافعى مِمَّن سعى بالبويطى قَالَ جَعْفَر الترمذى فحدثنى الثِّقَة عَن البويطى أَنه قَالَ برِئ النَّاس من دمى إِلَّا ثَلَاثَة حَرْمَلَة والمزنى وَآخر قلت إِن صحت هَذِه الْحِكَايَة فالذى عندنَا فى إِبْهَام الثَّالِث أَنه رَاعى فِيهِ حق وَالِده رضوَان الله عَلَيْهِ قَالَ الرّبيع كَانَ البويطى أبدا يُحَرك شَفَتَيْه بِذكر الله وَمَا أَبْصرت أحدا أنزع بِحجَّة من كتاب الله من البويطى وَلَقَد رَأَيْته على بغل وفى عُنُقه غل وفى رجلَيْهِ قيد وَبَين الغل والقيد سلسلة حَدِيد وَهُوَ يَقُول إِنَّمَا خلق الله الْخلق بكن فَإِذا كَانَت مخلوقة فَكَأَن مخلوقا خلق بمخلوق وَلَئِن أدخلت عَلَيْهِ لأصدقنه يعْنى الواثق ولأموتن فى حديدى هَذَا حَتَّى يأتى قوم يعلمُونَ أَنه قد مَاتَ فى هَذَا الشَّأْن قوم فى حديدهم وَقَالَ أَبُو يَعْقُوب أَيْضا خلق الله الْخلق بكن أفتراه خلق مخلوقا بمخلوق وَالله يَقُول بعد فنَاء الْخلق ﴿لمن الْملك الْيَوْم﴾ وَلَا مُجيب وَلَا داعى فَيَقُول تَعَالَى ﴿لله الْوَاحِد القهار﴾ فَلَو كَانَ مخلوقا مجيبا لفنى حَتَّى لَا يُجيب وَكَانَ يَقُول من قَالَ الْقُرْآن مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر

стр. 499

قلت يرحم الله أَبَا يَعْقُوب لقد قَامَ مقَام الصديقين قَالَ الساجى كَانَ البويطى وَهُوَ فى الْحَبْس يغْتَسل كل جُمُعَة ويتطيب وَيغسل ثِيَابه ثمَّ يخرج إِلَى بَاب السجْن إِذا سمع النداء فَيردهُ السجان وَيَقُول ارْجع رَحِمك الله فَيَقُول البويطى اللَّهُمَّ إنى أجبْت داعيك فمنعونى وَقَالَ أَبُو عَمْرو المستملى حَضَرنَا مجْلِس مُحَمَّد بن يحيى الذهلى فَقَرَأَ علينا كتاب البويطى إِلَيْهِ وَإِذا فِيهِ والذى أَسأَلك أَن تعرض حالى على إِخْوَاننَا أهل الحَدِيث لَعَلَّ الله يخلصنى بدعائهم فإنى فى الْحَدِيد وَقد عجزت عَن أَدَاء الْفَرَائِض من الطَّهَارَة وَالصَّلَاة فَضَجَّ النَّاس بالبكاء وَالدُّعَاء لَهُ قلت انْظُر إِلَى هَذَا الحبر ﵀ لم يكن أسفه إِلَّا على أَدَاء الْفَرَائِض وَلم يتأثر بالقيد وَلَا بالسجن فرضى الله عَنهُ وجزاه عَن صبره خيرا وَمَا كَانَ أَبُو يَعْقُوب ليَمُوت إِلَّا فى الْحَدِيد كَيفَ وَقد قَالَ الرّبيع كنت عِنْد الشافعى أَنا والمزنى وَأَبُو يَعْقُوب فَقَالَ لى أَنْت تَمُوت فى الحَدِيث وَقَالَ لأبى يَعْقُوب أَنْت تَمُوت فى الْحَدِيد وَقَالَ للمزنى هَذَا لَو ناظره الشَّيْطَان لقطعه قَالَ الرّبيع فَدخلت على البويطى أَيَّام المحنة فرأيته مُقَيّدا إِلَى أَنْصَاف سَاقيه مغلولة يَدَاهُ إِلَى عُنُقه وَقَالَ الرّبيع أَيْضا كتب إِلَى البويطى أَن اصبر نَفسك للغرباء وَحسن خلقك لأهل حلقتك فإنى لم أزل أسمع الشافعى ﵀ يكثر أَن يتَمَثَّل بِهَذَا الْبَيْت (أهين لَهُم نفسى لكى يكرمونها ... وَلنْ تكرم النَّفس الَّتِى لَا تهينها) مَاتَ البويطى فى شهر رَجَب سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ فى سجن بَغْدَاد فى الْقَيْد والغل

стр. 500

وَمن الْفَوَائِد عَن أَبى يَعْقُوب قَالَ أَبُو جَعْفَر الترمذى سَمِعت البويطى يحْكى عَن الشافعى أَنه قَالَ لَيْسَ من الْمُرُوءَة أَن يخبر الرجل بسنه روى ذَلِك الْحَاكِم أَبُو عبد الله بن البيع فى مَنَاقِب الشافعى وَرَوَاهُ غَيره أَيْضا قَالَ البويطى سُئِلَ الشافعى كم أصُول الْأَحْكَام قَالَ خَمْسمِائَة قيل لَهُ وَكم أصُول السّنة قَالَ خَمْسمِائَة قيل لَهُ كم مِنْهَا عِنْد مَالك قَالَ كلهَا إِلَّا خَمْسَة وَثَلَاثِينَ قيل لَهُ كم عِنْد ابْن عُيَيْنَة مِنْهَا قَالَ كلهَا إِلَّا خَمْسَة وَهَذِه غرائب استخرجها النووى ﵀ من مُخْتَصر البويطى قَالَ الشافعى رضى الله عَنهُ فى بَاب النُّشُوز من البويطى إِذا تزوج الْحر أمة ثمَّ خالعه سَيِّدهَا على نفس الْأمة فَجَعلهَا عوض الْخلْع لم يَصح الْخلْع وهى امْرَأَته بِحَالِهَا لِأَن الْخلْع لَا يتم إِلَّا بِملكه وَإِذا ملكهَا انْفَسَخ النِّكَاح وَصَارَت ملكا لَهُ وَلَا يَقع الطَّلَاق على ملك وفى بَاب الدَّعْوَى والبينات مِنْهُ لَو ادّعى رجل على رجل أَو امْرَأَة بالعبودية وهما معروفان بِالْحُرِّيَّةِ فأقرا بذلك لم يجز وفى الْبَاب الْمَذْكُور مِنْهُ أَيْضا لَو قَالَ رجل من رمانى أَو من دخل الْمَسْجِد أَو الْبَيْت فَهُوَ ابْن الزَّانِيَة فَرَمَاهُ رجل أَو دخل رجل لم يجب عَلَيْهِ حد الْقَذْف وَكَذَا لَو قَالَ ذَلِك لإِنْسَان بِعَيْنِه لم يجب عَلَيْهِ الْحَد لِأَنَّهُ يعرف كذبه فَإِنَّهُ لَا يكون بِدُخُولِهِ أَو رميه زَانيا وفى بَاب طَلَاق الْحر وَالْأمة الْحرَّة ثَلَاثًا إِذا كَانَت الْأمة تَحت عبد فَطلقهَا وَأَرَادَ سَيِّدهَا أَن يُسَافر بهَا سَافر

стр. 501

وفى الْبَاب الْمَذْكُور مِنْهُ أَيْضا وَلَو قَالَ لامْرَأَته كلما ولدت ولدا فَأَنت طَالِق فَولدت اثْنَيْنِ فى بطن طلقت بِالْأولِ وَانْقَضَت عدتهَا بِالْآخرِ وَإِن وضعت ثَلَاثَة طلقت ثِنْتَيْنِ وَانْقَضَت عدتهَا بالثالث وَإِن ولدت أَرْبعا طلقت بِالثلَاثِ وَانْقَضَت عدتهَا بالرابع وَهَذِه غرائب استخرجها الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ من مُخْتَصر البويطى قَالَ الشَّيْخ الإِمَام ﵀ نَص الإِمَام الشافعى فى البويطى على أَن الْأكل من رَأس الثَّرِيد وَالْقرَان بَين التمرتين والتعريس على قَارِعَة الطَّرِيق أَي النُّزُول لَيْلًا واشتمال الصماء حرَام قلت وللشيخ الإِمَام تصنيف فى هَذِه الْمسَائِل ضم إِلَيْهَا أَن الشافعى نَص فى الْأُم أَيْضا على تَحْرِيم احتباء الرجل بِثَوْب وَاحِد مفضيا بِوَجْهِهِ إِلَى السَّمَاء وَتَحْرِيم أكله مِمَّا لَا يَلِيهِ وفى الرسَالَة نَحْو ذَلِك وَقد ذكره أَبُو بكر الصيرفى شارحها مصوبا لَهُ وَهَذِه غرائب استخرجتها أَنا فَأَقُول قَالَ فى البويطى فى بَاب غسل الْجُمُعَة وَهُوَ بعد بَاب التَّيَمُّم كَيفَ هُوَ وَقبل كتاب الصَّلَاة وَإِذا ولغَ الْكَلْب فى الْإِنَاء غسل سبعا أولَاهُنَّ أَو أخراهن بِالتُّرَابِ لَا يطهره غير ذَلِك وَكَذَلِكَ روى عَن رَسُول الله ﷺ وَالْخِنْزِير قِيَاسا عَلَيْهِ يغسل سبعا ويهراق مَا ولغَ فِيهِ الْخِنْزِير وَالْكَلب من مَاء أَو سمن أَو عسل أَو لبن أَو غير ذَلِك إِذا كَانَ ذائبا وَإِن كَانَ جَامِدا ألْقى مَا أكلا وَأكل مَا بقى انْتهى

стр. 502

وَهَذَا نَص وقفت عَلَيْهِ فى حَيَاة الْوَالِد ﵀ وكتبته إِذْ ذَاك فى شرح منهاج البيضاوى ثمَّ كتبته فى شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَلم أزل أغتبط بِهِ ثمَّ الْآن وقفت فى مُخْتَصر البويطى أَيْضا فى أواخره فى بَاب اخْتِلَاف مَالك والشافعى قَالَ مَالك فى الْكَلْب يلغ فى الْإِنَاء وَفِيه لبن بالبادية إِنَّه يشرب اللَّبن وَيغسل الْإِنَاء سبعا أولَاهُنَّ أَو أخراهن بِالتُّرَابِ انْتهى وَلَو تجرد هَذَا عَمَّا نَص عَلَيْهِ فى بَاب غسل الْجُمُعَة لقيل إِنَّه إِنَّمَا قَالَه نقلا عَن مَالك لَكِن تبين لى أَن منقوله عَن مَالك الذى أَشَارَ إِلَى مُخَالفَة الشافعى لَهُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ شرب اللَّبن أما تعين الأولى أَو الْأُخْرَى للْغسْل فالمذهبان متوافقان عَلَيْهِ وَمن الْعجب أَن النووى فى المنثورات مَعَ تجرده لغرائب البويطى لم يذكر هَذَا النَّص وَذكر السُّؤَال الْمَشْهُور على الْأَصْحَاب فى اقتصارهم على السَّبْعَة فى إِحْدَاهُنَّ من غير تعْيين الأولى وَالْأُخْرَى فى الْمُطلق على الْمُقَيد وَأجَاب عَنهُ وَلم يشْتَغل بِذكر هَذَا النَّص فَمَا أَظُنهُ وقف عَلَيْهِ وَقد بَينا بعد الْكَشْف أَن هَذَا النَّص أَمر مفروغ مِنْهُ عِنْد الْمُتَقَدِّمين ثَابت فى كل الرِّوَايَات وَقد نَقله صَاحب جمع الْجَوَامِع أَبُو سهل بن العفريس وَلَفظ النَّص عِنْده وكل مَا أصَاب فِيهِ آدمى مُسلم أَو كَافِر يَده أَو شرب مِنْهُ أَو شربت مِنْهُ دَابَّة فَلَيْسَتْ تنجسه إِلَّا دابتان الْكَلْب وَالْخِنْزِير فَإِن شرب مِنْهُ كلب أَو خِنْزِير لم يطهر إِلَّا بِأَن يغسل سبعا أولَاهُنَّ أَو أخراهن بِالتُّرَابِ لَا يطهر إِلَّا بذلك انْتهى ذكره فى بَاب المَاء الراكد وهى عبارَة الشافعى رضى الله عَنهُ لِأَن أَبَا سهل لَا يُغير من الْعبارَة شَيْئا إِنَّمَا يحْكى النُّصُوص بألفاظها وَكَذَلِكَ سَائِر من يجمع النُّصُوص لَيْسَ لَهُم فى أَلْفَاظ الشافعى رضى الله عَنهُ تصرف لَكِن رَأَيْت فى أصل قديم بِكِتَاب ابْن العفريس أَو إِحْدَاهُنَّ فجوزت أَن يكون إِحْدَاهُنَّ بِالدَّال تصحفت بأخراهن بالراء كَمَا قيل مثله فى الحَدِيث

стр. 503

وَكَذَلِكَ وجدت فى كتاب الإشراف لِابْنِ الْمُنْذر مَا نَصه وَكَانَ الشافعى وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرأى يَقُولُونَ المَاء الذى ولغَ الْكلاب فِيهِ نجس يهراق وَيغسل الْإِنَاء أولَاهُنَّ أَو أخراهن بِالتُّرَابِ انْتهى أَوْلَاد الموالى وموالى الموالى هَل يدْخلُونَ فى الْوَقْف على الموالى هَذَا فرع حسن نَص البويطى على أَن أَوْلَاد الموالى يدْخلُونَ وموالى الموالى أى عتقاؤهم لَا يدْخلُونَ وَهَذِه عِبَارَته قَالَ ﵀ فى أَوَاخِر بَاب الأحباس قبل بَاب بُلُوغ الرشد وَهُوَ فى أَوَاخِر الْكتاب قَالَ أَبُو يَعْقُوب وَإِذا قَالَ دارى حبس على موالى وَله موَالٍ من فَوق وَمن أَسْفَل وَلم يبين فقد قيل هُوَ بَينهمَا وَقيل بوقفه حَتَّى يصطلحوا وَإِن قَالَ موالى من أَسْفَل ولولده موَالٍ من أَسْفَل لم يدْخل فى ذَلِك إِلَّا موَالِيه خَاصَّة وَولد موَالِيه وَلم يدْخل فى ذَلِك موالى موَالِيه لِأَن الْوَلَاء لَهُم قبله وينسبون إِلَيْهِم وَأَوْلَادهمْ بِمَنْزِلَة آبَائِهِم لأَنهم موَالِيه انْتهى وَهُوَ من كَلَام أَبى يَعْقُوب لَا من كَلَام الشافعى رضى الله عَنهُ وَقَوله وَقيل بوقفه حَتَّى يصطلحوا فى الْمَسْأَلَة الأولى هُوَ القَوْل الذى حَكَاهُ الرافعى فى بَاب الْوَصِيَّة عَن حِكَايَة البويطى وَلم يذكرهُ فى كتاب الْوَقْف وَحَكَاهُ النووى فى الْوَقْف وَجها من زِيَادَته عَن حِكَايَة الدارمى ثمَّ قَالَ إِنَّه لَيْسَ بشئ وَاعْلَم أَن صَاحب الْبَحْر نقل مَسْأَلَة أَوْلَاد الموالى وموالى الموالى فَقَالَ الْأخْتَان يَجْتَمِعَانِ فى الْملك فيطأ الْمَالِك وَاحِدَة ثمَّ يطَأ الْأُخْرَى قبل أَن يحرم الأولى قَالَ أَصْحَابنَا قاطبة إِذا كَانَ لَهُ أمتان وهما أختَان فوطئ إِحْدَاهمَا حرمت الْأُخْرَى حَتَّى تحرم الأولى عَلَيْهِ بتزويج أَو كِتَابَة وَنَحْو ذَلِك فَإِن أقدم وَوَطئهَا قبل ذَلِك أَثم وَلم يجب

стр. 504

الْحَد للشُّبْهَة ثمَّ الثَّانِيَة مستمرة على التَّحْرِيم كَمَا كَانَت وَالْأولَى مستمرة على الْحل وَالْحرَام لَا يحرم الْحَلَال وَعَن أَبى مَنْصُور بن مهْرَان أستاذ الأودنى إِنَّه إِذا أحبل الثَّانِيَة حلت وَحرمت الْمَوْطُوءَة وعَلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ اقْتصر الرافعى قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ فى شرح الْمِنْهَاج وفى البويطى إِذا كَانَ عِنْده أمتان أختَان فوطئهما قيل لَهُ لَا تقربهما حَتَّى تحرم فرج إِحْدَاهمَا قَالَ الشَّيْخ الإِمَام وَهَذَا يقتضى إِثْبَات قَول آخر أَنه بِوَطْء الثَّانِيَة يحرمان جَمِيعًا قلت وَقد وقفت على النَّص فى البويطى فى بَاب الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ وَهُوَ نَحْو نصف الْكتاب وَقد أَخطَأ بعض النَّاس ففهم من هَذَا النَّص أَن الْحَال بِوَطْء الثَّانِيَة يصيرهما كَمَا لَو اشتراهما ابْتِدَاء بِحَيْثُ يجوز لَهُ أَن يقدم بعده على وَطْء من شَاءَ مِنْهُمَا ثمَّ يحرم الْأُخْرَى وَهُوَ سوء فهم وفى قَوْله لَا يقربهما مَا يرد قَوْله ٤٠ - يُونُس بن عبد الْأَعْلَى بن مُوسَى بن ميسرَة بن حَفْص بن حَيَّان الإِمَام الْكَبِير أَبُو مُوسَى الصدفى المصرى الْفَقِيه المقرى ولد فى ذى الْحجَّة سنة سبعين وَمِائَة وَقَرَأَ الْقُرْآن على ورش وَغَيره وأقرأ النَّاس وَسمع الحَدِيث من سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَابْن وهب والوليد بن مُسلم ومعن بن عِيسَى وأبى ضَمرَة أنس بن عِيَاض والشافعى وَأخذ عَنهُ الْفِقْه وَطَائِفَة أُخْرَى

стр. 505

روى عَنهُ مُسلم والنسائى وَابْن ماجة وَأَبُو عوَانَة وَأَبُو بكر بن زِيَاد النيسابورى وَأَبُو الطَّاهِر المدينى وَخلق وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْعلم بديار مصر وروى عَن الشافعى رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ مَا رَأَيْت بِمصْر أحدا أَعقل من يُونُس ابْن عبد الْأَعْلَى وَقَالَ يحيى بن حسان يونسكم هَذَا من أَرْكَان الْإِسْلَام وَكَانَ يُونُس من جملَة الَّذين يتعاطون الشَّهَادَة أَقَامَ يشْهد عِنْد الْحُكَّام سِتِّينَ سنة قَالَ النسائى يُونُس ثِقَة وَقَالَ ابْن أَبى حَاتِم سَمِعت أَبى يوثق يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَيرْفَع من شَأْنه قلت لم يتَكَلَّم أحد فى يُونُس وَلَا نقموا عَلَيْهِ إِلَّا تفرده عَن الشافعى بِالْحَدِيثِ الذى فى مَتنه وَلَا مهدى إِلَّا عِيسَى بن مَرْيَم فَإِنَّهُ لم يروه عَن الشافعى غَيره وَلَكِن ذَلِك غير قَادِح فالرجل ثِقَة ثَبت وَكَانَ شَيخنَا الذهبى ﵀ يُنَبه على فَائِدَة وهى أَن حَدِيثه الْمَذْكُور عَن الشافعى إِنَّمَا قَالَ فِيهِ حدثت عَن الشافعى وَلم يقل حَدَّثَنى الشافعى قَالَ هَكَذَا هُوَ مَوْجُود فى كتاب يُونُس رِوَايَة أَبى الطَّاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد المدينى عَنهُ وَرَوَاهُ جمَاعَة عَنهُ عَن الشافعى فَكَأَنَّهُ دلسه بِلَفْظَة عَن وَأسْقط ذكر من حَدثهُ بِهِ عَن الشافعى فَالله أعلم هَذَا كَلَام شَيخنَا رَحمَه الله تَعَالَى وَأَنا أَقُول قد صرح الروَاة عَن يُونُس بِأَنَّهُ قَالَ حَدثنَا الشافعى فَأخْبرنَا مُحَمَّد بن عبد المحسن السبكى الْحَاكِم قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قَالَ أخبرنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن على بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة بن الحبوبى سَمَاعا عَلَيْهِ عَن أَبى الْوَفَاء مَحْمُود بن إِبْرَاهِيم بن سُفْيَان بن مندة أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر الباغبان أخبرنَا أَبُو عَمْرو

стр. 506

عبد الْوَهَّاب بن أَبى عبد الله مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن مندة أخبرنَا أَبى الإِمَام أَبُو عبد الله أخبرنَا أَبُو على الْحسن بن يُوسُف الطرائفى بِمصْر وَأحمد بن عمر وَأَبُو الطَّاهِر قَالَا حَدثنَا أَبُو مُوسَى يُونُس بن عبد الْأَعْلَى بن ميسرَة الصدفى حَدثنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشافعى حَدثنَا مُحَمَّد بن خَالِد الجندى عَن أبان بن صَالح عَن الْحسن بن أَبى الْحسن عَن أنس بن مَالك عَن النبى ﷺ أَنه قَالَ (لَا يزْدَاد الْأَمر إِلَّا شدَّة وَلَا الدُّنْيَا إِلَّا إدبارا وَلَا النَّاس إِلَّا شحا وَلَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على شرار النَّاس وَلَا مهدى إِلَّا عِيسَى بن مَرْيَم) وأخبرناه أَيْضا أَبى الشَّيْخ الإِمَام ﵀ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن صصرى بِدِمَشْق وَإِسْمَاعِيل بن نصر الله ابْن أَحْمد بن عَسَاكِر بِالْقَاهِرَةِ قَالَا أخبرنَا أَبُو المكارم عبد الْوَاحِد بن عبد الرَّحْمَن ابْن عبد الْوَاحِد الأزدى أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الشافعى أخبرنَا أَبُو الْحسن على ابْن الْحسن بن الْحُسَيْن الموازينى أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان ابْن أَبى نصر أخبرنَا القاضى أَبُو بكر يُوسُف بن الْقَاسِم الميانجى حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة النيسابورى وَأحمد بن مُحَمَّد بن شَاكر الزنجانى بالميانج وَأَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن أَبى حَاتِم بالرى وزَكَرِيا بن يحيى الساجى بِالْبَصْرَةِ وَأحمد بن مُحَمَّد الطحاوى وَغَيرهم بِمصْر والقاضى عبد الله بن مُحَمَّد القزوينى قَالُوا حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى فَذكره بِلَفْظِهِ انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ ابْن ماجة فَرَوَاهُ فى سنَنه عَن يُونُس

стр. 507

وَقيل إِن الشافعى تفرد بِهِ عَن مُحَمَّد بن خَالِد الجندى وَلَيْسَ كَذَلِك إِذْ قد تَابعه عَلَيْهِ زيد بن السكن وعَلى بن الزيد اللحجى فروياه عَن مُحَمَّد بن خَالِد وَتكلم جمَاعَة فى هَذَا الحَدِيث وَالصَّحِيح فِيهِ أَن الجندى تفرد بِهِ وَذكر أَبُو عبد الله الْحَاكِم أَن الْجند رجل مَجْهُول قَالَ وَقَالَ صَامت بن معَاذ عدلت إِلَى الْجند مسيرَة يَوْمَيْنِ من صنعاء فَدخلت على مُحدث لَهُم فطلبت هَذَا الحَدِيث فَوَجَدته عِنْده عَن مُحَمَّد بن خَالِد الجندى عَن أبان بن أبي عَيَّاش وَهُوَ مَتْرُوك عَن الْحسن عَن رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُنْقَطع وَأما الشافعى فَلم يروه عَنهُ غير يُونُس وَأما يُونُس فَرَوَاهُ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عوَانَة يَعْقُوب بن إِسْحَاق الإسفراينى وَابْن ماجة وَعبد الرَّحْمَن بن أَبى حَاتِم وَأَبُو بكر بن زِيَاد وَهَؤُلَاء أَئِمَّة ﵏ أَجْمَعِينَ مَاتَ يُونُس فى ربيع الآخر سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وبذكره نختتم الطَّبَقَة الأولى ونقتصر فِيهَا على من ذَكرْنَاهُ وَاعْلَم أَن فى الروَاة عَن الشافعى كَثْرَة وَقد أفردهم الْحَافِظ أَبُو الْحسن الدارقطنى فى جُزْء وَنحن لم نذْكر إِلَّا من تمذهب بمذهبه أَو كَانَ كَبِير الْقدر لنبين أَنه إِنَّمَا حصل على مَا حصل بِسَبَبِهِ وَإِلَّا فقد أهملنا الْكثير من الروَاة عَنهُ وأسقطنا مَا لَا نرى لذكره معنى غير سَواد فى بَيَاض

стр. 508

وَمن الْفَوَائِد والمسائل عَن يُونُس قَالَ يُونُس سَمِعت الشافعى يَقُول لَوْلَا مَالك وَابْن عُيَيْنَة لذهب علم الْحجاز قَالَ وسمعته يَقُول إِذا جَاءَ مَالك فمالك النَّجْم قَالَ يُونُس فِيمَا رَوَاهُ ابْن عبد الْبر فى كتاب الْعلم سَمِعت الشافعى يَقُول إِذا سَمِعت الرجل يَقُول الِاسْم غير الْمُسَمّى أَو الِاسْم الْمُسَمّى فاشهد عَلَيْهِ أَنه من أهل الْكَلَام وَلَا دين لَهُ قلت وَهَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا روى فى ذمّ الْكَلَام وَقد روى مَا يُعَارضهُ وللحافظ ابْن عَسَاكِر فى كتاب تَبْيِين كذب المفترى على أَمْثَال هَذِه الْكَلِمَة كَلَام لَا مزِيد على حسنه ذكرت بعضه مَعَ زيادات فى كتاب منع الْمَوَانِع حكى يُونُس عَن الشافعى فى بَاب الْعدَد أَنه قَالَ اخْتلف عمر وعَلى رضى الله عَنْهُمَا فى ثَلَاث مسَائِل الْقيَاس فِيهَا مَعَ على وَبِقَوْلِهِ أَقُول إِحْدَاهَا إِذا تزوجت فى عدتهَا وَدخل بهَا الثانى حرمهَا على الثانى أبدا عمر بن الْخطاب وَبِه أَخذ مَالك وَأحمد فى رِوَايَة وَهُوَ قَول قديم وَعند على لَا تحرم على التَّأْبِيد وَهُوَ الْجَدِيد وَهَكَذَا الْخلاف فى كل وَطْء أفسد النّسَب هَل يحرم بِهِ على الْمُفْسد أبدا مثل وَطْء زَوْجَة غَيره بِشُبْهَة أَو أمة غَيره بِشُبْهَة وَوَجهه المؤيدون بِأَنَّهُ استعجل الْحق قبل وقته فحرمه الله تَعَالَى فى وقته كالميراث إِذا قتل مُوَرِثه لم يَرِثهُ وَبِأَنَّهُ سَبَب يفْسد فَيحرم بِهِ على التَّأْبِيد كاللعان وَحجَّة الْجَدِيد قَوْله تَعَالَى ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ وَهَذِه من وَرَاء ذَلِكُم وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ مُبَاحا لم يحرم بِهِ على التَّأْبِيد فَكَذَلِك إِذا كَانَ حَرَامًا بِالزِّنَا وَلِأَن الْخُصُوم فرقوا بَين الْعَالم فَلم يحرموها عَلَيْهِ أبدا قَالُوا لِأَنَّهُ جَاره بِالْحَدِّ وَالْجَاهِل فَفِيهِ

стр. 509

حرموها أبدا وَالْفرق فَاسد لِأَن الْعَالم أَشد جرما وبالزنا يفْسد النّسَب أَيْضا فى كَلِمَات كَثِيرَة لعلمائنا وَوجه الشافعى كَون الْقيَاس مَعَ على كرم الله وَجهه بِأَن الْوَطْء لَا يقتضى تَحْرِيم الْمَوْطُوءَة على الواطىء بل تَحْرِيم غَيرهَا على الواطىء وتحريمها على غير الواطىء فَمَا قَالُوهُ خلاف الْأُصُول وَأطَال أَصْحَابنَا فى هَذِه الْمَسْأَلَة حَتَّى أنكر أهل الْبَصْرَة أَن يكون للشافعى قَول قديم فِيهَا قَالُوا وَإِنَّمَا ذكره حِكَايَة لَا مذهبا الثَّانِيَة امْرَأَة الْمَفْقُود قَالَ عمر تنْكح بعد التَّرَبُّص وَهُوَ الْقَدِيم وَقَالَ على تصبر أبدا وَهُوَ الْجَدِيد وَلَفظ على إِنَّهَا امْرَأَة ابْتليت فَلتَصْبِر وَالثَّالِثَة إِذا تزوجت الرَّجْعِيَّة بعد انْقِضَاء الْعدة وَكَانَ زَوجهَا الْمُطلق غَائِبا وَدخل بهَا الثانى ثمَّ عَاد الْمُطلق وَأقَام بَيِّنَة أَنه كَانَ رَاجعهَا قبل انْقِضَاء عدتهَا قَالَ عمر الثانى أَحَق بهَا وَقَالَ على بل هى للْأولِ وَهُوَ قَوْلنَا ذكر هَذَا كُله الرويانى فِي الْبَحْر فى كتاب الْعدَد وَلم يذكرهُ الماوردى فى الحاوى مَعَ تتبعه لأمثال ذَلِك وَهُوَ ثَابت عَن الشافعى مروى بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَيْهِ رَوَاهُ ابْن أَبى حَاتِم وَابْن حمكان فى مَنَاقِب الشافعى وَغَيرهمَا وروى عبد الرَّحْمَن بن أَبى حَاتِم فى كِتَابه فى آدَاب الشافعى أَنه سمع يُونُس يَقُول سَمِعت الشافعى يَقُول لَو أتم مُسَافر الصَّلَاة مُتَعَمدا مُنْكرا للقصر فَعَلَيهِ إِعَادَة الصَّلَاة وَهَذَا شىء غَرِيب قَالَ ابْن خُزَيْمَة سَمِعت يُونُس وَذكر الشافعى فَقَالَ كَانَ يناظر الرجل حَتَّى يقطعهُ ثمَّ يَقُول لمناظره تقلد أَنْت الْآن قولى وأتقلد قَوْلك فيتقلد المناظر قَوْله ويتقلد الشافعى قَول المناظر فَلَا يزَال يناظره حَتَّى يقطعهُ وَكَانَ لَا يَأْخُذ فى شىء إِلَّا تَقول هَذِه صناعته

стр. 510

قَالَ يُونُس قَالَ الشافعى فى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يخْرجن إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ الْفَاحِشَة أَن تبذو على أهل زَوجهَا وَقَالَ أصح الْمعَانى فى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن﴾ الْوَلَد والحيضة لَا تكْتم ذَلِك عَن زَوجهَا مَخَافَة أَن يُرَاجِعهَا وَقَالَ يُونُس قَالَ الشافعى فى قَوْله تَعَالَى ﴿واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة﴾ الْآيَة كلهَا نسخت بِالْحَدِيثِ قَالَ النبى ﷺ (خُذُوا عَنى خُذُوا عَنى قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا على الْبكر جلد مائَة وتغريب عَام وعَلى الثّيّب الرَّجْم) قلت هَذَا يدل على أَن الشافعى لَا يمْنَع نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ وَقد أطلنا فى الْكَلَام على ذَلِك فى أصُول الْفِقْه قَالَ الإِمَام الْجَلِيل أَبُو الْوَلِيد النيسابورى حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَحْمُود قَالَ سَأَلَ إِنْسَان يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن معنى قَول النبى ﷺ (أقرُّوا الطير على مكناتها) فَقَالَ إِن الله يحب الْحق إِن الشافعى قَالَ كَانَ الرجل فى الْجَاهِلِيَّة إِذا أَرَادَ الْحَاجة أَتَى الطير فى وَكره فنفره فَإِن أَخذ ذَات الْيَمين مضى لِحَاجَتِهِ وَإِن أَخذ ذَات الشمَال رَجَعَ فَنهى النبى ﷺ عَن ذَلِك قَالَ وَكَانَ الشافعى ﵀ نَسِيج وَحده فى هَذِه الْمعَانى وَقَالَ مُحَمَّد بن مهَاجر سَأَلت وكيعا عَن تَفْسِير هَذَا الحَدِيث فَقَالَ هُوَ صيد اللَّيْل فَذكرت لَهُ قَول الشافعى فَاسْتَحْسَنَهُ وَقَالَ مَا كُنَّا نظنه إِلَّا صيد اللَّيْل

стр. 511

قلت المكنات وَاحِدهَا مكنة بِكَسْر الْكَاف وَقد تفتح وهى فى الأَصْل بيض الضباب وَقيل هى هُنَا بِمَعْنى الْأَمْكِنَة وَقيل مكناتها جمع مكن وَمكن جمع مَكَان كصعدات فى صعد وحمرات فى حمر قَالَ يُونُس قلت للشافعى مَا تَقول فى رجل يصلى وَرجل قَاعد فعطس الْقَاعِد فَقَالَ لَهُ الْمصلى رَحِمك الله قَالَ لَهُ الشافعى لَا تَنْقَطِع صلَاته قَالَ لَهُ يُونُس كَيفَ وَهَذَا كَلَام قَالَ إِنَّمَا دَعَا الله لَهُ وَقد دَعَا رَسُول الله ﷺ فى الصَّلَاة لقوم وعَلى آخَرين قلت وَقد صحّح الرويانى هَذَا النَّص وَصحح الْمُتَأَخّرُونَ بطلَان الصَّلَاة بِهِ قَالَ يُونُس كُنَّا فى مجْلِس الشافعى فَقَالَ مَا أبين من حى فَهُوَ ميت فَقَامَ إِلَيْهِ غُلَام لم يبلغ الْحلم فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله لَا يخْتَلف النَّاس أَن الشّعْر وَالصُّوف مجزوز من حى وَهُوَ طَاهِر فَقَالَ الشافعى لم أرد إِلَّا فى المتعبدين نَقله الآبرى فى كِتَابه وَقَالَ يعْنى بالمتعبدين الْآدَمِيّين بِخِلَاف الْبَهَائِم قَالَ يُونُس سَمِعت الشافعى يَقُول أوحى الله إِلَى دَاوُد ﵇ يَا دَاوُد وعزتى وجلالى لأبترن كل شفتين تكلمتا بِخِلَاف مَا فى الْقلب قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله سَمِعت أَبَا نصر أَحْمد بن الْحُسَيْن بن أَبى مَرْوَان يَقُول سَمِعت ابْن خُزَيْمَة يَقُول سَمِعت يُونُس بن عبد الْأَعْلَى يَقُول إِن أم الشافعى رضى الله عَنهُ فَاطِمَة بنت عبيد الله بن الْحسن بن الْحُسَيْن بن على بن أَبى طَالب وَإِنَّهَا هى الَّتِى حملت

стр. 512

الشافعى رضى الله عَنهُ إِلَى الْيَمين وأدبته وَإِن يُونُس كَانَ يَقُول لَا أعلم هاشميا وَلدته هاشمية إِلَّا على بن أَبى طَالب والشافعى رضى الله عَنْهُمَا قلت وَهَذَا قَول من قَالَ إِن أم الشافعى رضى الله عَنهُ من ولد على كرم الله وَجهه وَعَلِيهِ الإِمَام أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْفضل الفارسى فَإِنَّهُ نَصره فى كِتَابه الذى صنفه فى نسب الشافعى لَكِن أنكرهُ زَكَرِيَّا الساجى وَأَبُو الْحسن الآبرى والبيهقى والخطيب والأردستانى وَزَعَمُوا أَنَّهَا كَانَت أزدية وَمِنْهُم من قَالَ أسدية وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ لما قدم مصر سَأَلَهُ بعض أَهلهَا أَن ينزل عِنْده فَأبى وَقَالَ إنى أنزل على أخوالى الأسديين قلت وَأَنا أَقُول لَا دلَالَة فِي هَذَا على أَن أمه أسدية لجَوَاز أَن تكون الأَسدِية أم أَبِيه أَو أم جده وَنَحْو ذَلِك وَيكون اقْتدى فى ذَلِك قولا وفعلا برَسُول الله ﷺ لما هَاجر وَقدم الْمَدِينَة وَنزل على أخوال عبد الْمطلب إِكْرَاما لَهُم فَمَا ذكره يُونُس من أَن أمه من ولد على قَول لم يظْهر لى فَسَاده بل أَنا أميل إِلَيْهِ فَإِن قلت قد ضعفه من ذكرت من الْأَئِمَّة وَجعل البيهقى الْحمل فِيهِ على أَحْمد ابْن الْحُسَيْن ابْن أَبى مَرْوَان وَاحْتج بمخالفة سَائِر الرِّوَايَات لَهُ قلت لم يتَبَيَّن لى مخالفتها فَإِن غايتها مَا ذكرت من أَنه رضى الله عَنهُ قَالَ أنزل على أخوالى الأسديين وَقد بَينا أَنه يُمكن حمل ذَلِك على أخوال الْأَب وَنَحْوه والمصير إِلَى ذَلِك مُتَعَيّن للْجمع بَينه وَبَين هَذِه الرِّوَايَة الصَّرِيحَة فى تعْيين اسْم أمة وَسِيَاق نَسَبهَا إِلَى على كرم الله وَجهه وَضعف ابْن أَبى مَرْوَان لم يثبت عندنَا وَلَو كَانَ لم يسكت عَنهُ الْحَاكِم إِن شَاءَ الله وَالَّذين قَالُوا إِن أمه أسدية رُبمَا قَالُوا أَيْضا أزدية ثمَّ قَالُوا الأزد والأسد شىء وَاحِد وَلم يعينوا لَهَا اسْما وَلَا ساقوا نسبا وَغَايَة بَعضهم أَن كناها أم حَبِيبَة

стр. 513

فَإِن قلت قد ذكرُوا أَن ابْن عبد الحكم قَالَ سَمِعت الشافعى يَقُول أمى من الأزد قلت وَقد ذكرنَا أَن يُونُس قَالَ مَا أبديناه وَالله أعلم أى الْأَمريْنِ أثبت وَالْجمع بَينهمَا عِنْد الثُّبُوت مُمكن بِالطَّرِيقِ الَّتِى ذكرنَا فَإِن قلت فقد وَافق ابْن المقرى الْجَمَاعَة على تَضْعِيف كَونهَا علوِيَّة محتجا بقول الشافعى فى حكايته مَعَ إِبْرَاهِيم الحجبى الذى تقدّمت فى تَرْجَمَة الْحَارِث النقال على ابْن عمى قَالَ وَلم يقل جدى قَالَ وَلَو كَانَ جده لذكر ذَلِك لِأَن الجدودة أقوى من الخؤولة والعمومة قلت يحْتَمل أَن يُقَال إِنَّمَا اقْتصر على كَونه ابْن عَمه لِأَنَّهَا الْقَرَابَة من جِهَة الْأَب وَأما الجدودة فَإِنَّهَا قرَابَة من جِهَة الْأُم والقرابة من جِهَة الْأُم لَا تذكر غَالِبا ثمَّ الْأَمر فى هَذِه الْمَسْأَلَة موهوم فلسنا فِيهَا على قطع وَلَا ظن غَالب وَمَا ذَكرْنَاهُ من اقْتِصَاره على أَنه ابْن عَمه للمعنى الذى أبديناه حسن فى الْجَواب لَو وَقع الِاقْتِصَار عَلَيْهِ فى كل الرِّوَايَات لَكِن فى بَعْضهَا ابْن عمى وَابْن خالتى وَذكر الخؤولة يضعف مَا أبديناه وَلَا عَظِيم فى الْمَسْأَلَة وأى الْأَمريْنِ مِنْهَا ثَبت فشرفه بَين فَإِن الأزد أَيْضا قَالَ فيهم رَسُول الله ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الترمذى الأزد أَسد الله فى الأَرْض يُرِيد النَّاس أَن يضعوهم ويأبى الله إِلَّا أَن يرفعهم الحَدِيث وَكَانَت أمه رضى الله عَنْهَا بِاتِّفَاق النقلَة من العابدات القانتات وَمن أذكى الْخلق فطْرَة وهى الَّتِى شهِدت هى وَأم بشر المريسى بِمَكَّة عِنْد القاضى فَأَرَادَ أَن يفرق بَينهمَا ليسألهما منفردتين عَمَّا شهدتا بِهِ استفسارا فَقَالَت لَهُ أم الشافعى أَيهَا القاضى لَيْسَ لَك ذَلِك لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿أَن تضل إِحْدَاهمَا فَتذكر إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى﴾ فَلم يفرق بَينهمَا

стр. 514

قلت وَهَذَا فرع حسن وَمعنى قوى واستنباط جيد ومنزع غَرِيب وَالْمَعْرُوف فى مَذْهَب وَلَدهَا رضى الله عَنهُ إِطْلَاق القَوْل بِأَن الْحَاكِم إِذا ارتاب بالشهود اسْتحبَّ لَهُ التَّفْرِيق بَينهم وكلامها رضى الله عَنْهَا صَرِيح فى اسْتثِْنَاء النِّسَاء للمنزع الذى ذكرته وَلَا بَأْس بِهِ فَإِن قلت هَذَا الذى جَاءَ فى بعض الرِّوَايَات من قَول الشافعى فى على كرم الله وَجهه ابْن خالتى مَا وَجهه فَإِن كَونه ابْن عَمه وَاضح وَأما كَونه ابْن خَالَته فَغير وَاضح قلت قد وجهوه بِأَن أم السَّائِب بن عبيد جد الشافعى رضى الله عَنهُ هى الشفا بنت الأرقم بن هَاشم بن عبد منَاف وَأم هَذِه الْمَرْأَة خليدة بنت أَسد بن هَاشم بن عبد منَاف وَأم على بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه فَاطِمَة بنت أَسد بن هَاشم ابْن عبد منَاف فَظهر أَن عليا كرم الله وَجهه ابْن خَالَة الشافعى بِمَعْنى ابْن خَالَة أم جده خَاتِمَة لهَذِهِ الطَّبَقَة الأولى اعْلَم أَن فى الروَاة عَن الشافعى رضى الله عَنهُ كَثْرَة وَقد أفردهم الْحَافِظ أَبُو الْحسن الدارقطنى بِجُزْء وَنحن اقتصرنا على من تمذهب بمذهبه أَو كَانَ كَبِير الْقدر فى نَفسه وأسقطنا ذكر من لَا نرى لذكره كَبِير معنى غير سَواد فى بَيَاض بِحَيْثُ أسقطنا ذكر جمَاعَة ذكرهم أَبُو عَاصِم العبادى وَغَيره مِمَّن صنف فى الطَّبَقَات وفيمن أَخذ علم الشافعى وعزى إِلَيْهِ وعاصره وَذكر الْأَصْحَاب فى الطَّبَقَات عبد الرَّحْمَن بن مهدى وَيحيى بن سعيد الْقطَّان أما عبد الرَّحْمَن بن مهدى بن حسان بن عبد الرَّحْمَن

стр. 515

الطَّبَقَة الثَّانِيَة فِيمَن توفى بعد الْمِائَتَيْنِ مِمَّن لم يصحب الشافعى وَإِنَّمَا اقتفى أَثَره وَاكْتفى بِمن استطلع خَبره وَاصْطفى طَرِيقه الذى أطلع فى دياجى الشكوك قمره

стр. 516

٤١ - أَحْمد بن سيار بن أَيُّوب أَبُو الْحسن المروزى الزَّاهِد الْحَافِظ أحد الْأَعْلَام سمع عَفَّان وَسليمَان بن حَرْب وعبدان وَمُحَمّد بن كثير وَصَفوَان بن صَالح الدمشقى وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَيحيى بن بكير وطبقتهم وروى عَنهُ النسائى وَوَثَّقَهُ وَقَالَ فى مَوضِع آخر لَيْسَ بِهِ بَأْس وَابْن خُزَيْمَة وَمُحَمّد بن نصر المروزى وحاجب الطوسى وَخلق وفى صَحِيح البخارى حَدثنَا أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن أَبى بكر المقدمى فَقيل إِن أَحْمد الْمشَار إِلَيْهِ هَذَا وَكَانَ يشبه بِابْن الْمُبَارك فى زَمَانه وَهُوَ مُصَنف تَارِيخ مرو وَتوفى فى ربيع الآخر سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَقد اسْتكْمل سبعين سنة وَمن مسَائِله قَوْله إِن الْمصلى إِذا لم يرفع يَدَيْهِ للافتتاح لَا تصح صلَاته قَالَ ابْن الصّلاح وَقد نظرت فَلم أجد ذَلِك محكيا عَن أحد قلت سيأتى إِن شَاءَ الله تَعَالَى فى تَرْجَمَة ابْن خُزَيْمَة مَا يُوَافقهُ وَنَقله النووى فى تَهْذِيب الْأَسْمَاء عَن دَاوُد وَمِنْهَا أَنه قَالَ بِإِيجَاب الْأَذَان للْجُمُعَة دون غَيرهَا

стр. 517

٤٢ - أَحْمد بن عبد الله بن سيف أَبُو بكر السجستانى حكى أَنه سمع المزنى يَقُول وَقد سُئِلَ عَمَّن تزوج امْرَأَة على بَيت شعر يجوز على معنى قَول الشافعى إِذا كَانَ مثل قَول الْقَائِل (يُرِيد الْمَرْء أَن يعْطى مناه ... ويأبى الله إِلَّا مَا أَرَادَا) (يَقُول الْمَرْء فائدتى ومالى ... وتقوى الله أكْرم مَا استفادا) وروى عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن الشافعى رضى الله عَنهُ أَنه سمع رجلَيْنِ يتعاتبان والشافعى يسمع كَلَامهمَا فَقَالَ لأَحَدهمَا إِنَّك لَا تقدر أَن ترْضى النَّاس كلهم فَأصْلح مَا بَيْنك وَبَين الله وَلَا تبال بِالنَّاسِ ذكره الْحَافِظ أَبُو سعد بن السمعانى فى تَرْجَمَة الْحَافِظ أَبى مَسْعُود عبد الْجَلِيل بن مُحَمَّد بن كوتاه وروى عَن المزنى قَالَ قَالَ الشافعى فِيمَن تكشف فى الْحمام إِنَّه لَا تقبل شَهَادَته لِأَن السّتْر فرض ٤٣ - أَحْمد بن الْحُسَيْن بن سهل أَبُو بكر الفارسى صَاحب عُيُون الْمسَائِل إِمَام جليل وَهُوَ مِمَّن استبهم على أمره ففى طَبَقَات أَبى عَاصِم العبادى ذكره فى الطَّبَقَة

стр. 518

الثَّانِيَة مَعَ ابْن خُزَيْمَة وأنظاره قبل أَبى عبد الله البوشنجى وَمُحَمّد بن نصر وَغَيرهمَا وَقَضِيَّة هَذَا أَن يكون أَخذ عَمَّن لقى الشافعى رضى الله عَنهُ وَيُؤَيّد ذَلِك أَن مَحْمُود الخوارزمى ذكر أَنه تفقه على المزنى وَأَنه أول من درس مَذْهَب الشافعى ببلخ بِرِوَايَة المزنى كَذَا نَص عَلَيْهِ فى تَرْجَمَة أَبى الْحَيَاة مُحَمَّد بن أَبى قَاسم عبد الله ابْن أَبى بكر مُحَمَّد بن أَبى على الْحسن بن أَبى الْحسن على بن الإِمَام أَبى بكر أَحْمد بن الْحسن بن سهل وَقَالَ سمعته يعْنى أَبَا الْحَيَاة يذكر أَن سهلا الذى فى نسبه من التَّابِعين ويوافق هَذَا قَول من قَالَ إِن أَبَا بكر الفارسى توفى سنة خمس وثلثمائة قبل ابْن سُرَيج وَهُوَ مَا ذكرته فى الطَّبَقَات الْوُسْطَى لكنى على قطع بِأَن صَاحب عُيُون الْمسَائِل توفى بعد ابْن سُرَيج لأنى رَأَيْت أصلا أصيلا من كِتَابه مَوْقُوفا بخزانة الْمدرسَة البادرائية بِدِمَشْق وَمِمَّا دلنى على أَنه كتب فى حَيَاته قَول كَاتبه فِيمَا دَعَا بِهِ لمصنفه مد الله فى عمره وأدام عزه وَذكر فى آخر الْجُزْء الأول مِنْهُ أَنه فرغ مِنْهُ لَيْلَة الْأَحَد لليلة مَضَت من ذى الْحجَّة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة بسمرقند فى ولَايَة الْأَمِير أَبى مُحَمَّد نوح بن نصر مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه صُورَة خطه وَذكر فى آخر الْكتاب أَنه فرغه فى شَوَّال سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلثمائة وَهَذِه النُّسْخَة مجزأَة ثَمَانِيَة أَجزَاء ضمن مُجَلد وَاحِد وَقد استكتبت مِنْهَا نُسْخَة ليحيى هَذَا الْكتاب فإنى لم أجد بِهِ إِلَّا هَذِه النُّسْخَة وَفِيمَا ذكرته مَا يدل على أَنه كَانَ مَوْجُودا سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة ويوافق هَذَا مَنَام لِابْنِ سُرَيج شهير مِمَّن حَكَاهُ عَنهُ أَبُو بكر الفارسى سَنذكرُهُ فى تَرْجَمَة ابْن سُرَيج إِن شَاءَ الله مَعَ قَرَائِن مُحَققَة بِأَنَّهُ من تلامذة ابْن سُرَيج وَعند هَذَا قد يقف الذِّهْن أَو يقْضى بِأَنَّهُمَا فارسيان وَلَا شكّ أَن لنا فارسيين أَحدهمَا أَبُو بكر صَاحب الْعُيُون والثانى أَبُو مُحَمَّد أَحْمد بن مَيْمُون الذى ذكره الْأَصْحَاب مِنْهُم الرافعى عِنْد نقلهم عَنهُ

стр. 519

أَن الْأمة إِذا سلمت لزَوجهَا فى اللَّيْل دون النَّهَار يجب لَهَا نصف النَّفَقَة أما فارسيان كل مِنْهُمَا أَبُو بكر فبعيد وبتقديره فَكل مِنْهُمَا أَبُو بكر أَحْمد بن الْحسن بن سهل أبعد وبتقديره فَمَا صَاحب الْعُيُون بمتقدم على ابْن سُرَيج وَلَا بتلميذ للمزنى وَلَا بمدرك زَمَانه قطعا وَقد قضى العبادى بِأَن أَبَا بكر الفارسى هُوَ صَاحب الْعُيُون وَكتاب الانتقاد وَغَيرهمَا فَكيف هَذَا وليقع الِاكْتِفَاء بترجمة صَاحب الْعُيُون فَإِنَّهُ الْمَذْكُور فى بطُون الأوراق وَليكن ذكره فى الطَّبَقَة الثَّالِثَة فِيمَن توفى بعد الثلثمائة فَذكره هُنَاكَ أَحَق مِنْهُ هُنَا ٤٤ - أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن عُثْمَان بن شَافِع بن السَّائِب الإِمَام أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال أَبُو عبد الرَّحْمَن ابْن بنت الشافعى رضى الله عَنْهُم كَذَا سَاق نسبه الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّا النووى ﵀ فى بَاب الْحيض من شرح الْمُهَذّب وَقَالَ إِنَّه يَقع فى اسْمه وكنيته تخبيط فى كتب الْمَذْهَب وَإِن الْمُعْتَمد هَذَا الذى ذكره وَإِن أمه زَيْنَب بنت الإِمَام الشافعى وَإنَّهُ روى عَن أَبِيه عَن الشافعى وَقَالَ كَانَ إِمَامًا مبرزا لم يكن فى آل شَافِع بعد الشافعى مثله سرت إِلَيْهِ بركَة جده قَالَ وَقد ذكرت حَاله فى تَهْذِيب الْأَسْمَاء وفى الطَّبَقَات ٤٥ - أَحْمد بن نصر بن زِيَاد أَبُو عبد الله القرشى النيسابورى المقرى الزَّاهِد الرّحال

стр. 520

روى عَن عبد الله بن نمير وَابْن أَبى فديك وأبى أُسَامَة وَالنضْر بن شُمَيْل وَجَمَاعَة سمع مِنْهُ أَبُو نعيم وَهُوَ من شُيُوخه وَحدث عَنهُ الترمذى والنسائى وَابْن خُزَيْمَة وَأَبُو عرُوبَة الحرانى قَالَ الْحَاكِم كَانَ فَقِيه أهل الحَدِيث فى عصره كثير الحَدِيث والرحلة رَحل إِلَى أَبى عبيد على كبر السن متفقها فَأخذ عَنهُ وَكَانَ يُفْتى بنيسابور على مذْهبه وَعَلِيهِ تفقه ابْن خُزَيْمَة قبل أَن يرحل توفى سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ أَحْمد بن الْحسن بن سهل الفارسى أَبُو بكر لِأَصْحَابِنَا فِيمَا يظْهر اثْنَان كل مِنْهُمَا أَبُو بكر الْفَارِس أَحدهمَا صَاحب عُيُون الْمسَائِل ٤٦ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن نصر الشَّيْخ الإِمَام أَبُو جَعْفَر الترمذى شيخ الشَّافِعِيَّة بالعراق قبل ابْن سُرَيج رَحل وَسمع يحيى بن بكير ويوسف بن عدى وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الحزامى والقواريرى وطبقتهم

стр. 521

روى عَنهُ عبد الباقى بن قَانِع وَأحمد بن كَامِل وَأَبُو الْقَاسِم الطبرانى وَغَيرهم تفقه على أَصْحَاب الشافعى وَكَانَ إِمَامًا زاهدا ورعا قانعا باليسير حكى أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن السرى الزّجاج أَنه كَانَ يجرى عَلَيْهِ فى الشَّهْر أَرْبَعَة دَرَاهِم قَالَ وَكَانَ لَا يسْأَل أحدا شَيْئا وَقَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى بن حَمَّاد أخبرنى أَنه تقوت بضعَة عشر يَوْمًا بِخمْس حبات قَالَ وَلم أكن أملك غَيرهَا فاشتريت بهَا لفتا وَكنت آكل مِنْهُ قَالَ أَحْمد بن كَامِل لم يكن للشَّافِعِيَّة بالعراق أرأس مِنْهُ وَلَا أورع وَلَا أَكثر تقللا وَقَالَ الدارقطنى ثِقَة مَأْمُون ناسك توفى أَبُو جَعْفَر فى الْمحرم سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَقد كمل أَرْبعا وَتِسْعين سنة وَنقل أَنه اخْتَلَط بِأخرَة وَله فى المقالات كتاب سَمَّاهُ كتاب اخْتِلَاف أهل الصَّلَاة فى الْأُصُول وقف عَلَيْهِ ابْن الصّلاح وانتقى مِنْهُ فَقَالَ وَمن خطه نقلت أَن أَبَا جَعْفَر قل مَا تعرض فى هَذَا الْكتاب لما يخْتَار هُوَ وَأَنه روى فى أَوله حَدِيث تفترق أمتى على ثَلَاث وَسبعين فرقة عَن أَبى بكر بن أَبى شيبَة وَأَنه بَالغ فى الرَّد على من فضل الْغنى على الْفقر وَأَنه نقل أَن فرقة من الشِّيعَة قَالُوا أَبُو بكر وَعمر أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ غير أَن عليا أحب إِلَيْنَا قَالَ أَبُو جَعْفَر فَلَحقُوا بِأَهْل الْبدع حَيْثُ ابتدعوا خلاف من مضى

стр. 522

٤٧ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن على الخلالى أَبُو بكر من أَصْحَاب المزنى ذكره العبادى وَهُوَ من أَصْحَاب المزنى وَالربيع روى عَنهُ أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن المقرى وَقَالَ هُوَ ثِقَة صَاحب المزنى وَالربيع وَقَالَ ابْن نقطة فى التَّقْيِيد إِنَّه الخلالى بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام وَزعم أَنه نقل ذَلِك من خطّ مؤتمن فى غير مَوضِع ٤٨ - مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن مُوسَى وَقيل مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن أَبُو عبد الله البوشنجى العبدى شيخ أهل الحَدِيث فى زَمَانه بنيسابور سمع من إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الحزامى والْحَارث بن سُرَيج النقال وأبى جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد النفيلى وَعبد الْعَزِيز بن عمرَان بن مِقْلَاص وعَلى بن الْجَعْد وأبى كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء ومسدد بن مسرهد وَيحيى بن عبد الله بن بكير وَسَعِيد ابْن مَنْصُور وأبى نصر التمار وَغَيرهم روى عَنهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغانى وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل البخارى وهما أكبر مِنْهُ

стр. 523

وَابْن خُزَيْمَة وَأَبُو الْعَبَّاس الدغولى وَأَبُو حَامِد بن الشرقى وَأَبُو بكر بن إِسْحَاق الصبغى وَإِسْمَاعِيل بن نجيد وَخلق كثير وَقيل إِن البخارى روى عَنهُ حَدِيثا فى الصَّحِيح ذكر ذَلِك مُحَمَّد بن يَعْقُوب ابْن الأخرم وفى الصَّحِيح للبخارى حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا النفيلى ذكره فى تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة قَالَ شَيخنَا الذهبى فَإِن لم يكن البوشنجى وَإِلَّا فَهُوَ مُحَمَّد بن يحيى قَالَ والأغلب أَنه البوشنجى فَإِن الحَدِيث بِعَيْنِه رَوَاهُ الْحَاكِم عَن أَبى بكر بن أَبى نصر حَدثنَا البوشنجى حَدثنَا النفيلى حَدثنَا مِسْكين بن بكير حَدثنَا شُعْبَة عَن خَالِد الْحذاء عَن مَرْوَان الْأَصْفَر عَن رجل من أَصْحَاب النبى ﷺ وَهُوَ ابْن عمر أَنَّهَا نسخت ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ﴾ الْآيَة قلت وَلذَلِك ذكره شَيخنَا المزى فى التَّهْذِيب وَكَانَ البوشنجى من أجل الْأَئِمَّة وَله تَرْجَمَة طَوِيلَة عريضة ذَات فَوَائِد فى تَارِيخ الْحَاكِم قَالَ ابْن حمدَان سَمِعت ابْن خُزَيْمَة يَقُول لَو لم يكن فى أَبى عبد الله من الْبُخْل بِالْعلمِ مَا كَانَ مَا خرجت إِلَى مصر وَكَانَ إِمَامًا فى اللُّغَة وَكَلَام الْعَرَب قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم سَمِعت أَبَا بكر بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله البوشنجى يَقُول للمستملى الزم لفظى وخلاك ذمّ

стр. 524

وَقَالَ أَبُو عبد الله بن الأخرم سَمِعت أَبَا عبد الله البوشنجى غير مرّة يَقُول حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير وَذكره بملء الْفَم وَقَالَ دعْلج حَدثنِي فَقِيه أَن أَبَا عبد الله حضر مجْلِس دَاوُد الظاهرى بِبَغْدَاد فَقَالَ دَاوُد لأَصْحَابه حضركم من يُفِيد وَلَا يَسْتَفِيد وَكَانَ أَبُو عبد الله البوشنجى قوى النَّفس أَشَارَ يَوْمًا إِلَى ابْن خُزَيْمَة فَقَالَ مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق كيس وَأَنا لَا أَقُول هَذَا لأبى ثَوْر وَلما توفى الْحُسَيْن بن مُحَمَّد القبانى قدم أَبُو عبد الله للصَّلَاة عَلَيْهِ فصلى وَلما أَرَادَ أَن ينْصَرف قدمت دَابَّته وَأخذ أَبُو عَمْرو الْخفاف بلجامه وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بركابه وَأَبُو بكر الجارودى وَإِبْرَاهِيم بن أَبى طَالب يسويان عَلَيْهِ ثِيَابه فَمضى وَلم يكلم وَاحِدًا مِنْهُم وفى لفظ وَلم يمْنَع وَاحِدًا مِنْهُم وَالْمعْنَى هُنَا وَاحِد فَإِن مُرَاد من قَالَ وَلم يكلم أَنه لم يمْنَع وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد النيسابورى حَضَرنَا مجْلِس البوشنجى وَسَأَلَهُ أَبُو على الثقفى عَن مَسْأَلَة فَأجَاب فَقَالَ لَهُ أَبُو على يَا أَبَا عبد الله كَأَنَّك تَقول فِيهَا بقول أَبى عبيد فَقَالَ يَا هَذَا لم يبلغ بِنَا التَّوَاضُع أَن نقُول بقول أَبى عبيد وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة وَقد سُئِلَ عَن مَسْأَلَة بعد أَن شيع جَنَازَة أَبى عبد الله لَا أفتى حَتَّى نواريه لحده وَكَانَ البوشنجى جوادا سخيا وَكَانَ يقدم لسنانيره من كل طَعَام يَأْكُلهُ وَبَات لَيْلَة ثمَّ ذكر السنانير بعد فرَاغ طَعَامه فطبخ فى اللَّيْل من ذَلِك الطَّعَام وأطعمهم وَقَالَ السَّيِّد الْجَلِيل أَبُو عُثْمَان سعيد بن إِسْمَاعِيل تقدّمت يَوْمًا لأصافح أَبَا عبد الله البوشنجى تبركا بِهِ فَقبض يَده عَنى وَقَالَ لست هُنَاكَ

стр. 525

وَقَالَ الْحسن بن يَعْقُوب كَانَ مقَام أَبى عبد الله بنيسابور على الليثية فَلَمَّا انْقَضتْ أيامهم خرج إِلَى بُخَارى إِلَى حَضْرَة إِسْمَاعِيل الْأَمِير فالتمس مِنْهُ بعد أَن أَقَامَ عِنْده بُرْهَة أَن يكْتب أرزاقه بنيسابور قلت الليثية يَعْقُوب بن اللَّيْث الضفار وَأَخُوهُ عَمْرو وذووهما ملكوا فَارس متغلبين عَلَيْهَا وَبَلغت بهما تنقلات الْأَحْوَال إِلَى أَن بلغا دَرَجَة السلطنة بعد الصَّنْعَة فى الصفر وَجَرت لَهُم أُمُور يطول شرحها وَقَالَ الْحَاكِم سَمِعت الْحُسَيْن بن الْحسن الطوسى يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله البوشنجى يَقُول أخذت من الليثية سَبْعمِائة ألف دِرْهَم قيل مَاتَ أَبُو عبد الله البوشنجى فى غرَّة الْمحرم سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَقيل بل سلخ ذى الْحجَّة سنة تسعين وَدفن من الْغَد وَهُوَ الْأَشْبَه عندى وَصلى عَلَيْهِ إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة ومولده سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ وَمن الرِّوَايَة عَنهُ أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام وَأحمد ابْن هبة الله وَزَيْنَب بنت كندى قِرَاءَة عَن الْمُؤَيد الطوسى أَن أَبَا عبد الله الفراوى أخبرهُ وَعَن عبد الْمعز الهروى أَن تميما الْمُؤَدب أخبرهُ وَعَن زَيْنَب الشعرية أَن إِسْمَاعِيل بن أَبى قَاسم أخْبرهَا قَالُوا أخبرنَا عمر بن أَحْمد بن مسرور أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن نجيد الزَّاهِد سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلثمائة حَدثنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجى حَدثنَا روح بن صَلَاح المصرى حَدثنَا مُوسَى بن على بن رَبَاح عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (الْحَسَد فى اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَقَامَ بِهِ وَأحل حَلَاله

стр. 526

وَحرم حرَامه وَرجل آتَاهُ الله مَالا فوصل مِنْهُ أقرباءه ورحمه وَعمل بِطَاعَة الله تمنى أَن يكون مثله وَمن تكن فِيهِ أَربع فَلَا يضرّهُ مَا زوى عَنهُ من الدُّنْيَا حسن خَلِيقَة وعفاف وَصدق حَدِيث وَحفظ أَمَانَة أخبرنَا الْمسند أَبُو حَفْص عمر بن الْحسن المراغى بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو الْحسن بن البخارى إجَازَة أخبرنَا أَبُو أَحْمد عبد الْوَهَّاب بن على بن سكينَة كِتَابَة عَن زَاهِر بن طَاهِر عَن شيخ الْإِسْلَام أَبى عُثْمَان الصابونى قَالَ أخبرنَا الْحَاكِم أَبُو عبد الله سَمَاعا عَلَيْهِ قَالَ أخبرنَا أَبُو بكر بن أَبى نصر الداوودى بمرو حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجى بمرو حَدثنَا سليم بن مَنْصُور ابْن عمار حَدثنِي أَبى حَدثنَا يُوسُف بن الصَّباح الفزارى كوفى عَن عبد الله ابْن يُونُس بن أَبى فَرْوَة قَالَ لما أصَاب امْرَأَة الْعَزِيز الْحَاجة قيل لَهَا لَو أتيت يُوسُف فاستشارت فى ذَلِك فَقَالُوا إِنَّا نخافه عَلَيْك قَالَت كلا إنى لَا أَخَاف مِمَّن يخَاف الله فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ فرأته فى ملكه قَالَت الْحَمد لله الذى يَجْعَل العبيد ملوكا بِطَاعَة الله وَالْحَمْد لله الذى يَجْعَل الْمُلُوك عبيدا بمعصيته قَالَ فَتَزَوجهَا فَوَجَدَهَا بكرا فَقَالَ أَلَيْسَ هَذَا أحسن أَلَيْسَ هَذَا أجمل قَالَت إنى ابْتليت بك بِأَرْبَع كنت أجمل أهل زَمَانك وَكنت أجمل أهل زمانى وَكنت بكرا وَكَانَ زوجى عنينا قَالَ وَلما كَانَ من أَمر الْإِخْوَة مَا كَانَ كتب يَعْقُوب إِلَى يُوسُف وَهُوَ لَا يعلم أَنه يُوسُف بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم إِلَى عَزِيز آل فِرْعَوْن سَلام عَلَيْك فإنى أَحْمد إِلَيْك الله الذى لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإنَّا أهل بَيت مولع بِنَا أَسبَاب الْبلَاء كَانَ جدى إِبْرَاهِيم خَلِيل الله ألْقى فى النَّار فى طَاعَة ربه فَجَعلهَا عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا وَأمر الله تَعَالَى جدى أَن يذبح أَبى فَفَدَاهُ الله بِمَا فدَاه بِهِ وَكَانَ لى ابْن وَكَانَ من

стр. 527

أحب النَّاس إِلَى فَفَقَدته فَأذْهب حزنى عَلَيْهِ نور بصرى وَكَانَ لى آخر من أمه كنت إِذا ذكرته ضممته إِلَى صدرى فَأذْهب عَنى بعض وجدى وَهُوَ الْمَحْبُوس عنْدك فى السّرقَة وإنى أخْبرك أَنى لم أسرق وَلم أَلد سَارِقا فَلَمَّا قَرَأَ يُوسُف الْكتاب بَكَى وَصَاح فَقَالَ ﴿اذْهَبُوا بقميصي هَذَا فألقوه على وَجه أبي يَأْتِ بَصيرًا﴾ وَمن شعره قَالَ أَبُو عُثْمَان الصابونى أنشدنى أَبُو مَنْصُور بن حمشاد قَالَ أنشدت لأبى عبد الله البوشنجى فى الشافعى رضى الله عَنهُ (وَمن شعب الْإِيمَان حب ابْن شَافِع ... وَفرض أكيد حبه لَا تطوع) وإنى حياتى شافعى وَإِن أمت ... فتوصيتى بعدى بِأَن تتشفعوا) ذكر الْحَاكِم بِسَنَدِهِ إِلَى أَبى عبد الله البوشنجى حَدثنَا عبد الله بن يزِيد الدمشقى حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر قَالَ رَأَيْت فى المقسلاط وَهُوَ مَوضِع بسوق الدَّقِيق من دمشق صنما من نُحَاس إِذا عَطش نزل فَشرب قَالَ البوشنجى رُبمَا تَكَلَّمت الْعلمَاء على قدر فهم الْحَاضِرين تأديبا وامتحانا فَهَذَا الرجل ابْن جَابر أحد عُلَمَاء الشَّام وَمعنى كَلَامه أَن الصَّنَم لَا يعطش وَلَو عَطش لنزل فَشرب فنفى عَنهُ النُّزُول والعطش قلت لَكِن قَوْله إِذا عَطش قد يُنَازع فى هَذَا فَإِن صِيغَة إِذا لَا تدخل إِلَّا على المتحقق فلابد وَأَن يكون صُدُور الْعَطش وَالنُّزُول مِنْهُ متحققا وَإِلَّا فَلَا يَصح الْإِتْيَان بِصِيغَة إِذا وَلَو كَانَت الْعبارَة إِن لم يكن اعْتِرَاض وَالْحَاصِل أَن الْمُمْتَنع إِذا فرض جَائِزا ترَتّب عَلَيْهِ جَوَاز مُمْتَنع آخر وَقد ظرف الْقَائِل

стр. 528

(وَلَو أَن مَا بى من ضنى وصبابة ... على جمل لم يدْخل النَّار كَافِر) فَإِن مَعْنَاهُ لَو كَانَ مَا بى من الصبابة بالجمل لضعف ورق وَصَارَ بِحَيْثُ يلج فى سم الْخياط وَلَو ولج فى سم الْخياط لدخل الْكَافِر الْجنَّة على مَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ وَلَو دخل الْجنَّة لم يدْخل النَّار فوضح أَن مَا بى من الْحبّ لَو كَانَ بالجمل لم يدْخل النَّار كَافِر وَأَبُو عبد الله البوشنجى هُوَ النَّاقِل أَن الرّبيع ذكر أَن رجلا سَأَلَ الشافعى عَن حَالف قَالَ إِن كَانَ فى كمى دَرَاهِم أَكثر من ثَلَاثَة فعبدى حر فَكَانَ فِيهِ أَرْبَعَة لَا يعْتق لِأَنَّهُ اسْتثْنى من جملَة مَا فى يَده دَرَاهِم وَهُوَ جمع وَدِرْهَم لَا يكون دَرَاهِم فَقَالَ السَّائِل آمَنت بِمن فوهك هَذَا الْعلم فَأَنْشَأَ الشافعى يَقُول (إِذا المعضلات تصديننى ... كشفت حقائقها بِالنّظرِ) الأبيات الَّتِى سقناها فى الْبَاب الْمَعْقُود ليسير من نظم الشافعى رضى الله عَنهُ وَهَذِه فَوَائِد ونخب عَن أَبى عبد الله ﵀ قَالَ الْحَاكِم أَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد بن زِيَاد حَدثنَا الْحسن بن على بن نصر الطوسى قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله البوشنجى بسمرقند وَسَأَلَهُ أعرابى فَقَالَ لَهُ أى شئ القرطبان قَالَ كَانَت امْرَأَة فى الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهَا أم أبان وَكَانَ لَهَا قرطب والقرطب هُوَ السدر وَكَانَ لَهَا تَيْس فى ذَلِك القرطب وَكَانَت تنزى تيسها بِدِرْهَمَيْنِ وَكَانَ النَّاس يَقُولُونَ نَذْهَب إِلَى قرطب أم أبان ننزى تيسها على معزانا فَكثر ذَلِك فَقَالَت الْعَامَّة قرطبان قلت وَهَذِه التَّثْنِيَة مِمَّا جَاءَ على خلاف الْغَالِب فَإِن التَّثْنِيَة عِنْد الْعَرَب جعل الِاسْم

стр. 529

الْقَابِل دَلِيل اثْنَيْنِ متفقين فى اللَّفْظ غَالِبا وفى الْمَعْنى على رأى بِزِيَادَة ألف فى آخِره رفعا وياء مَفْتُوح مَا قبلهَا جرا ونصبا يليهما نون مَكْسُورَة فتحهَا لُغَة وَقد تضم والحارثيون يلزمون الْألف قَالَ النُّحَاة فَمَتَى اخْتلفَا فى اللَّفْظ لم يجز تثنيتهما وَمَا ورد من ذَلِك يحفظ وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ قَالَ شَيخنَا أَبُو حَيَّان والذى ورد من ذَلِك إِنَّمَا روعى فِيهِ التغليب فَمن ذَلِك القمران للشمس وَالْقَمَر والعمران لأبى بكر وَعمر رضى الله عَنْهُمَا والأبوان للْأَب وَالأُم وفى الْأَب وَالْخَالَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش﴾ والأمان للْأُم وَالْجدّة والزهدمان فى زَهْدَم وكردم ابنى قيس والعمران لعَمْرو بن حَارِثَة وَزيد بن عَمْرو والأحوصان الْأَحْوَص بن جَعْفَر وَعَمْرو بن الْأَحْوَص والمصعبان مُصعب بن الزبير وَابْنه والبحيران بحير وفراس ابْنا عبد الله بن سَلمَة والحران الْحر وَأَخُوهُ أَبى والعجاجان فى العجاج وَابْنه هَذَا جَمِيع مَا أوردهُ شَيخنَا فى شرح التسهيل وَرَأَيْت الْأَخ سيدى الشَّيْخ الإِمَام أَبَا حَامِد سلمه الله ذكر فى شرح التَّلْخِيص فى الْمعَانى وَالْبَيَان مَا ذكره أَبُو حَيَّان وَزَاد فَقَالَ والخافقان للمغرب والمشرق وَإِنَّمَا الخافق حَقِيقَة اسْم للمغرب بِمَعْنى مخفوق فِيهِ والبصرتان لِلْبَصْرَةِ والكوفة والمشرقان للمشرق وَالْمغْرب

стр. 530

والمغربان لَهما أَيْضا والحنيفان الحنيف وَسيف ابْنا أَوْس بن حميرى والأقرعان الْأَقْرَع بن حَابِس وَأَخُوهُ مزِيد والطليحتان طليحة بن خويلد الأسدى وَأَخُوهُ حبال والخزيميان والربيبان خُزَيْمَة وربيبة من باهلة بن عَمْرو فَهَذَا مَجْمُوع مَا ذكره الشَّيْخ وَالْأَخ وفاتهما القرطبان كَمَا عرفت والدحرضان اسْم لماءين يُقَال لأَحَدهمَا الدحرض وَللْآخر وسيع قَالَ الشَّاعِر (شربت بِمَاء الدحرضين فَأَصْبَحت ... زوراء تنفر عَن حِيَاض الديلم) (والأسودان للتمر وَالْمَاء قَالَ ﷺ (الأسودان التَّمْر وَالْمَاء) والفمان للفم وَالْأنف ذكره الشَّيْخ جمال الدّين ابْن مَالك والأخوان لأخ وَأُخْت والأذانان الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَقَالَ ﷺ (بَين كل أذانين صَلَاة) أَجمعُوا أَن المُرَاد بِهِ الْأَذَان وَالْإِقَامَة والجونان مُعَاوِيَة وَحسان ابْنا الجون الكنديان ذكره أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فى أَوَائِل الْكَامِل بعد نَحْو خمس كراريس مِنْهُ وَأنْشد عَلَيْهِ (كَأَنَّك لم تشهد لقيطا وحاجبا ... وَعَمْرو بن عَمْرو إِذْ دعوا يال دارم) (وَلم تشهد الجونين والشعب والصفا ... وشدات قيس يَوْم دير الجماجم) والعاشقان اسْم للعاشق والمعشوق وَعَلِيهِ قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
следующие страницы →