← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وَحرم حرَامه وَرجل آتَاهُ الله مَالا فوصل مِنْهُ أقرباءه ورحمه وَعمل بِطَاعَة الله تمنى أَن يكون مثله وَمن تكن فِيهِ أَربع فَلَا يضرّهُ مَا زوى عَنهُ من الدُّنْيَا حسن خَلِيقَة وعفاف وَصدق حَدِيث وَحفظ أَمَانَة أخبرنَا الْمسند أَبُو حَفْص عمر بن الْحسن المراغى بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو الْحسن بن البخارى إجَازَة أخبرنَا أَبُو أَحْمد عبد الْوَهَّاب بن على بن سكينَة كِتَابَة عَن زَاهِر بن طَاهِر عَن شيخ الْإِسْلَام أَبى عُثْمَان الصابونى قَالَ أخبرنَا الْحَاكِم أَبُو عبد الله سَمَاعا عَلَيْهِ قَالَ أخبرنَا أَبُو بكر بن أَبى نصر الداوودى بمرو حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجى بمرو حَدثنَا سليم بن مَنْصُور ابْن عمار حَدثنِي أَبى حَدثنَا يُوسُف بن الصَّباح الفزارى كوفى عَن عبد الله ابْن يُونُس بن أَبى فَرْوَة قَالَ لما أصَاب امْرَأَة الْعَزِيز الْحَاجة قيل لَهَا لَو أتيت يُوسُف فاستشارت فى ذَلِك فَقَالُوا إِنَّا نخافه عَلَيْك قَالَت كلا إنى لَا أَخَاف مِمَّن يخَاف الله فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ فرأته فى ملكه قَالَت الْحَمد لله الذى يَجْعَل العبيد ملوكا بِطَاعَة الله وَالْحَمْد لله الذى يَجْعَل الْمُلُوك عبيدا بمعصيته قَالَ فَتَزَوجهَا فَوَجَدَهَا بكرا فَقَالَ أَلَيْسَ هَذَا أحسن أَلَيْسَ هَذَا أجمل قَالَت إنى ابْتليت بك بِأَرْبَع كنت أجمل أهل زَمَانك وَكنت أجمل أهل زمانى وَكنت بكرا وَكَانَ زوجى عنينا قَالَ وَلما كَانَ من أَمر الْإِخْوَة مَا كَانَ كتب يَعْقُوب إِلَى يُوسُف وَهُوَ لَا يعلم أَنه يُوسُف بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم إِلَى عَزِيز آل فِرْعَوْن سَلام عَلَيْك فإنى أَحْمد إِلَيْك الله الذى لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإنَّا أهل بَيت مولع بِنَا أَسبَاب الْبلَاء كَانَ جدى إِبْرَاهِيم خَلِيل الله ألْقى فى النَّار فى طَاعَة ربه فَجَعلهَا عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا وَأمر الله تَعَالَى جدى أَن يذبح أَبى فَفَدَاهُ الله بِمَا فدَاه بِهِ وَكَانَ لى ابْن وَكَانَ من

стр. 527

أحب النَّاس إِلَى فَفَقَدته فَأذْهب حزنى عَلَيْهِ نور بصرى وَكَانَ لى آخر من أمه كنت إِذا ذكرته ضممته إِلَى صدرى فَأذْهب عَنى بعض وجدى وَهُوَ الْمَحْبُوس عنْدك فى السّرقَة وإنى أخْبرك أَنى لم أسرق وَلم أَلد سَارِقا فَلَمَّا قَرَأَ يُوسُف الْكتاب بَكَى وَصَاح فَقَالَ ﴿اذْهَبُوا بقميصي هَذَا فألقوه على وَجه أبي يَأْتِ بَصيرًا﴾ وَمن شعره قَالَ أَبُو عُثْمَان الصابونى أنشدنى أَبُو مَنْصُور بن حمشاد قَالَ أنشدت لأبى عبد الله البوشنجى فى الشافعى رضى الله عَنهُ (وَمن شعب الْإِيمَان حب ابْن شَافِع ... وَفرض أكيد حبه لَا تطوع) وإنى حياتى شافعى وَإِن أمت ... فتوصيتى بعدى بِأَن تتشفعوا) ذكر الْحَاكِم بِسَنَدِهِ إِلَى أَبى عبد الله البوشنجى حَدثنَا عبد الله بن يزِيد الدمشقى حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر قَالَ رَأَيْت فى المقسلاط وَهُوَ مَوضِع بسوق الدَّقِيق من دمشق صنما من نُحَاس إِذا عَطش نزل فَشرب قَالَ البوشنجى رُبمَا تَكَلَّمت الْعلمَاء على قدر فهم الْحَاضِرين تأديبا وامتحانا فَهَذَا الرجل ابْن جَابر أحد عُلَمَاء الشَّام وَمعنى كَلَامه أَن الصَّنَم لَا يعطش وَلَو عَطش لنزل فَشرب فنفى عَنهُ النُّزُول والعطش قلت لَكِن قَوْله إِذا عَطش قد يُنَازع فى هَذَا فَإِن صِيغَة إِذا لَا تدخل إِلَّا على المتحقق فلابد وَأَن يكون صُدُور الْعَطش وَالنُّزُول مِنْهُ متحققا وَإِلَّا فَلَا يَصح الْإِتْيَان بِصِيغَة إِذا وَلَو كَانَت الْعبارَة إِن لم يكن اعْتِرَاض وَالْحَاصِل أَن الْمُمْتَنع إِذا فرض جَائِزا ترَتّب عَلَيْهِ جَوَاز مُمْتَنع آخر وَقد ظرف الْقَائِل

стр. 528

(وَلَو أَن مَا بى من ضنى وصبابة ... على جمل لم يدْخل النَّار كَافِر) فَإِن مَعْنَاهُ لَو كَانَ مَا بى من الصبابة بالجمل لضعف ورق وَصَارَ بِحَيْثُ يلج فى سم الْخياط وَلَو ولج فى سم الْخياط لدخل الْكَافِر الْجنَّة على مَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ وَلَو دخل الْجنَّة لم يدْخل النَّار فوضح أَن مَا بى من الْحبّ لَو كَانَ بالجمل لم يدْخل النَّار كَافِر وَأَبُو عبد الله البوشنجى هُوَ النَّاقِل أَن الرّبيع ذكر أَن رجلا سَأَلَ الشافعى عَن حَالف قَالَ إِن كَانَ فى كمى دَرَاهِم أَكثر من ثَلَاثَة فعبدى حر فَكَانَ فِيهِ أَرْبَعَة لَا يعْتق لِأَنَّهُ اسْتثْنى من جملَة مَا فى يَده دَرَاهِم وَهُوَ جمع وَدِرْهَم لَا يكون دَرَاهِم فَقَالَ السَّائِل آمَنت بِمن فوهك هَذَا الْعلم فَأَنْشَأَ الشافعى يَقُول (إِذا المعضلات تصديننى ... كشفت حقائقها بِالنّظرِ) الأبيات الَّتِى سقناها فى الْبَاب الْمَعْقُود ليسير من نظم الشافعى رضى الله عَنهُ وَهَذِه فَوَائِد ونخب عَن أَبى عبد الله ﵀ قَالَ الْحَاكِم أَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد بن زِيَاد حَدثنَا الْحسن بن على بن نصر الطوسى قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله البوشنجى بسمرقند وَسَأَلَهُ أعرابى فَقَالَ لَهُ أى شئ القرطبان قَالَ كَانَت امْرَأَة فى الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهَا أم أبان وَكَانَ لَهَا قرطب والقرطب هُوَ السدر وَكَانَ لَهَا تَيْس فى ذَلِك القرطب وَكَانَت تنزى تيسها بِدِرْهَمَيْنِ وَكَانَ النَّاس يَقُولُونَ نَذْهَب إِلَى قرطب أم أبان ننزى تيسها على معزانا فَكثر ذَلِك فَقَالَت الْعَامَّة قرطبان قلت وَهَذِه التَّثْنِيَة مِمَّا جَاءَ على خلاف الْغَالِب فَإِن التَّثْنِيَة عِنْد الْعَرَب جعل الِاسْم

стр. 529

الْقَابِل دَلِيل اثْنَيْنِ متفقين فى اللَّفْظ غَالِبا وفى الْمَعْنى على رأى بِزِيَادَة ألف فى آخِره رفعا وياء مَفْتُوح مَا قبلهَا جرا ونصبا يليهما نون مَكْسُورَة فتحهَا لُغَة وَقد تضم والحارثيون يلزمون الْألف قَالَ النُّحَاة فَمَتَى اخْتلفَا فى اللَّفْظ لم يجز تثنيتهما وَمَا ورد من ذَلِك يحفظ وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ قَالَ شَيخنَا أَبُو حَيَّان والذى ورد من ذَلِك إِنَّمَا روعى فِيهِ التغليب فَمن ذَلِك القمران للشمس وَالْقَمَر والعمران لأبى بكر وَعمر رضى الله عَنْهُمَا والأبوان للْأَب وَالأُم وفى الْأَب وَالْخَالَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش﴾ والأمان للْأُم وَالْجدّة والزهدمان فى زَهْدَم وكردم ابنى قيس والعمران لعَمْرو بن حَارِثَة وَزيد بن عَمْرو والأحوصان الْأَحْوَص بن جَعْفَر وَعَمْرو بن الْأَحْوَص والمصعبان مُصعب بن الزبير وَابْنه والبحيران بحير وفراس ابْنا عبد الله بن سَلمَة والحران الْحر وَأَخُوهُ أَبى والعجاجان فى العجاج وَابْنه هَذَا جَمِيع مَا أوردهُ شَيخنَا فى شرح التسهيل وَرَأَيْت الْأَخ سيدى الشَّيْخ الإِمَام أَبَا حَامِد سلمه الله ذكر فى شرح التَّلْخِيص فى الْمعَانى وَالْبَيَان مَا ذكره أَبُو حَيَّان وَزَاد فَقَالَ والخافقان للمغرب والمشرق وَإِنَّمَا الخافق حَقِيقَة اسْم للمغرب بِمَعْنى مخفوق فِيهِ والبصرتان لِلْبَصْرَةِ والكوفة والمشرقان للمشرق وَالْمغْرب

стр. 530

والمغربان لَهما أَيْضا والحنيفان الحنيف وَسيف ابْنا أَوْس بن حميرى والأقرعان الْأَقْرَع بن حَابِس وَأَخُوهُ مزِيد والطليحتان طليحة بن خويلد الأسدى وَأَخُوهُ حبال والخزيميان والربيبان خُزَيْمَة وربيبة من باهلة بن عَمْرو فَهَذَا مَجْمُوع مَا ذكره الشَّيْخ وَالْأَخ وفاتهما القرطبان كَمَا عرفت والدحرضان اسْم لماءين يُقَال لأَحَدهمَا الدحرض وَللْآخر وسيع قَالَ الشَّاعِر (شربت بِمَاء الدحرضين فَأَصْبَحت ... زوراء تنفر عَن حِيَاض الديلم) (والأسودان للتمر وَالْمَاء قَالَ ﷺ (الأسودان التَّمْر وَالْمَاء) والفمان للفم وَالْأنف ذكره الشَّيْخ جمال الدّين ابْن مَالك والأخوان لأخ وَأُخْت والأذانان الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَقَالَ ﷺ (بَين كل أذانين صَلَاة) أَجمعُوا أَن المُرَاد بِهِ الْأَذَان وَالْإِقَامَة والجونان مُعَاوِيَة وَحسان ابْنا الجون الكنديان ذكره أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فى أَوَائِل الْكَامِل بعد نَحْو خمس كراريس مِنْهُ وَأنْشد عَلَيْهِ (كَأَنَّك لم تشهد لقيطا وحاجبا ... وَعَمْرو بن عَمْرو إِذْ دعوا يال دارم) (وَلم تشهد الجونين والشعب والصفا ... وشدات قيس يَوْم دير الجماجم) والعاشقان اسْم للعاشق والمعشوق وَعَلِيهِ قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف

стр. 531

(العاشقان كِلَاهُمَا متغضب ... وَكِلَاهُمَا متوجد متحبب) (صدت مغاضبة وَصد مغاضبا ... وَكِلَاهُمَا مِمَّا يعالج مُتْعب) (رَاجع أحبتك الَّذين هجرتهم ... إِن المتيم قَلما يتَجَنَّب) (إِن التباعد إِن تطاول مِنْكُمَا ... دب السلو لَهُ فعز الْمطلب) أَرَادَ بالعاشقين الْخَلِيفَة وَوَاحِدَة من حظاياه كَانَ وَقع بَينه وَبَينهَا شنآن فتهاجرا فَحدث الْعَبَّاس فى ذَلِك فأنشده هَذِه الأبيات فَقَامَ إِلَيْهَا وصالحها والأنفان اسْم للأنف والفم ذكره وَأنْشد عَلَيْهِ (إِذا مَا الْغُلَام الأحمق الْأُم سافنى ... بأطراف أنفيه اشمأز فأنزعا) وَاعْلَم أَن شَيخنَا أَبَا حَيَّان اسْتشْهد على أَن العمرين اسْم لأبى بكر وَعمر بقول الشَّاعِر (مَا كَانَ يرضى رَسُول الله فعلهم ... والعمران أَبُو بكر وَلَا عمر) وَأَنا مَا أحفظ هَذَا الْبَيْت إِلَّا والطيبان أَبُو بكر وَلَا عمر وَالْوَزْن بِهِ أتم وَاسْتشْهدَ على أَن القمرين اسْم للشمس وَالْقَمَر يَقُول الفرزدق (أَخذنَا بآفاق السَّمَاء عَلَيْكُم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع) (وَكَانَ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ يَقُول إِنَّمَا أَرَادَ بالقمرين النبى ﷺ وَإِبْرَاهِيم ﵇ وبالنجوم الصَّحَابَة وَهَذَا مَا ذكره ابْن الشجرى فى أَمَالِيهِ وَرَأَيْت فى تَرْجَمَة هَارُون الرشيد أَنه سَأَلَ من حضر مَجْلِسه عَن المُرَاد بالقمرين فى هَذَا الْبَيْت فَأجَاب بِهَذَا الْجَواب نعم أنْشد ابْن الشجرى على القمرين للشمس وَالْقَمَر قَول المتنبى (واستقبلت قمر السَّمَاء بوجهها ... فأرتنى القمرين فى وَقت مَعًا)

стр. 532

وَقَالَ أَبُو عبد الله البوشنجى فى قَوْله ﷺ (البذاذة من الْإِيمَان ثَلَاثًا الْبذاء خلاف البذاذة إِنَّمَا الْبذاء طول اللِّسَان برمى الْفَوَاحِش والبهتان يُقَال فلَان بذى اللِّسَان والبذاذة رثاثة الثِّيَاب فى الملبس والمفرش وَذَلِكَ تواضع عَن رفيع الثِّيَاب وهى ملابس أهل الزّهْد وَقَالَ الْحَاكِم حَدثنَا أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن مُحَمَّد العنبرى حَدثنَا أَبُو عبد الله البوشنجى حَدثنَا النفيلى حَدثنَا عِكْرِمَة بن إِبْرَاهِيم الأزدى قاضى الرى عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن مُوسَى بن طَلْحَة قَالَ مَا رَأَيْت أَخطب من عَائِشَة وَلَا أعرب لقد رَأَيْتهَا يَوْم الْجمل وثار إِلَيْهَا النَّاس فَقَالُوا يَا أم الْمُؤمنِينَ حدثينا عَن عُثْمَان وَقَتله فاستجلست النَّاس ثمَّ حمدت الله وأثنت عَلَيْهِ ثمَّ قَالَت أما بعد فَإِنَّكُم نقمتم على عُثْمَان خِصَالًا ثَلَاثًا إمرة الْفَتى وضربة السَّوْط وموقع الغمامة المحماة فَلَمَّا أعتبنا مِنْهُنَّ مصتموه موصى الثَّوْب بالصابون عدوتم بِهِ الْفقر الثَّلَاث عدوتم بِهِ حُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام وَحُرْمَة الْبَلَد الْحَرَام وَحُرْمَة الْخلَافَة وَالله لعُثْمَان كَانَ أَتْقَاكُم للرب وأوصلكم للرحم وأحصنكم فرجا أَقُول قولى هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لى وَلكم قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا زَكَرِيَّا العنبرى وَأَبا بكر مُحَمَّد بن جَعْفَر يَقُولَانِ سَمِعت أَبَا عبد الله البوشنجى يَقُول فى عقب هَذَا الحَدِيث أما قَوْلهَا إمرة الْفَتى فَإِن عُثْمَان ولى الْكُوفَة الْوَلِيد بن عقبَة بن أَبى معيط لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وعزل سعد بن أَبى وَقاص وَأما قَوْلهَا ضَرْبَة السَّوْط فَإِن عُثْمَان تنَاول عمار بن يَاسر وَأَبا ذَر بِبَعْض التَّقْوِيم كَمَا يُؤَدب الإِمَام رَعيته وَأما قَوْلهَا موقع الغمامة المحماة فَإِن عُثْمَان حمى أحماء فى بِلَاد الْعَرَب لإبل الصَّدَقَة وَقد كَانَ عمر حمى أحماء أَيْضا كَذَلِك فَلم يُنكر النَّاس ذَلِك على عمر فَهَذِهِ الثَّلَاث الَّتِى قالتها عَائِشَة فَلَمَّا استعتبوه مِنْهَا أعتبهم وَرجع إِلَى مُرَادهم وَهُوَ قَوْلهَا مصتموه موص الثَّوْب بالصابون والموص هُوَ الْغسْل والفقر الفرص

стр. 533

يُقَال أفقر الصَّيْد إِذا وجد الصَّائِد فرصته وَكَانَ عُثْمَان آمنا أَنهم لَا يعدون عَلَيْهِ فى الشَّهْر الْحَرَام وَأَنَّهُمْ لَا يسْتَحلُّونَ حرم رَسُول الله ﷺ وهى الْمَدِينَة وَكَانَت الثَّالِثَة حُرْمَة الْخلَافَة قلت وَمَعَ هَذَا لم يشر الشَّاعِر فى قَوْله (قتلوا ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرما ... ودعا فَلم أر مثله مخذولا) إِلَى شئ من الحرمات الثَّلَاث وَلَا حُرْمَة الْإِحْرَام فَإِن عُثْمَان لم يكن أحرم بِالْحَجِّ وَإِنَّمَا أَرَادَ على مَا ذكر الأصمعى أَنه لم يكن أَتَى محرما يحل عُقُوبَته كَمَا سَنذكرُهُ عَن الأصمعى إِن شَاءَ الله تَعَالَى فى تَرْجَمَة أَبى نصر أَحْمد بن عبد الله الثابتى البخارى فى الطَّبَقَة الرَّابِعَة وَقَوْلنَا فى سِيَاق هَذَا السَّنَد سَمِعت أَبَا زَكَرِيَّا وَأَبا بكر يَقُولَانِ سَمِعت أَبَا عبد الله كَذَا هُوَ فى مقتضب تَارِيخ نيسابور لِلْحَافِظِ أبي بكر الحازمى بِخَطِّهِ وَقد كتب كَمَا رَأَيْته بِخَطِّهِ فَوق سَمِعت صَحَّ وَقد أَجَاد فَإِنَّهُ حاك عَن اثْنَيْنِ قَوْلهمَا فَكل مِنْهُمَا يَقُول سَمِعت فافهمه فَهُوَ دَقِيق وَيُشبه هَذَا الْأَثر عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا فى اجْتِمَاع كثير من غَرِيب اللُّغَة فِيهِ حَدِيث زبان بن قيسور الكلفى وَيُقَال زبان بن قسور قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ نَازل بوادى الشوحط وَهُوَ عِنْد إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن إِسْحَاق عَن يحيى بن عُرْوَة بن الزبير عَن أَبِيه عَن زبان وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد لَيْسَ دون إِبْرَاهِيم بن سعد من يحْتَج بِهِ

стр. 534

وَقد سَاقه السهيلى فى الرَّوْض الْألف // بِدُونِ إِسْنَاد // وَنحن نرى أَن نذْكر حَدِيث زبان بن قيسور فَإِن ابْن الْأَثِير لم يذكرهُ فى نِهَايَة غَرِيب الحَدِيث مَعَ شدَّة تفحصه فَنَقُول عَن زبان بن قيسور رضى الله عَنهُ قَالَ رَأَيْت النبى ﷺ وَهُوَ نَازل بوادى الشوحط فكلمته فَقلت يَا رَسُول الله إِن مَعنا لوبا كَانَت فى عيلم لنا بِهِ طرم وشمع فجَاء رجل فَضرب ميتين فأنتج حَيا وكفنه بالثمام ونحسه فطار اللوب هَارِبا ودلى مشواره فى العيلم فاشتار الْعَسَل فَمضى بِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (مَلْعُون مَلْعُون من سرق شرو قوم فأضر بهم أَفلا تبعتم أَثَره وعرفتم خَبره) قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِنَّه دخل فى قوم لَهُم مَنْعَة وهم جيرتنا من هُذَيْل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (صبرك صبرك ترد نهر الْجنَّة وَإِن سعته كَمَا بَين اللقيقة والسحيقة يتسبسب جَريا بِعَسَل صَاف من قذاه مَا تقياه لوب وَلَا مجه نوب) حَدِيث غَرِيب وَكَانَ ﷺ قد أُوتى جَوَامِع الْكَلم فيخاطب كل قوم بلغتهم واللوب بِضَم اللَّام وَسُكُون الْوَاو النَّحْل قَالَه السهيلى وَحَكَاهُ ابْن سَيّده فى الْمُحكم وأغفله الجوهرى والأزهرى والعيلم بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون آخر الْحُرُوف قَالَ السهيلى هى الْبِئْر وَأَرَادَ بهَا هُنَا وقبة النَّحْل أَو الخلية وَقد يُقَال لموْضِع النَّحْل إِذا كَانَ صدعا فى جبل شيق وَجمعه شيقان

стр. 535

والطرم بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة وَإِسْكَان الرَّاء الْعَسَل عَامَّة قَالَه ابْن سَيّده وَغَيره وَحكى الأزهرى عَن اللَّيْث أَنه الشهد وَقَوله فَضرب ميتين فاستخرج حَيا يُرِيد أورى نَارا من زندين ضربهما فَهُوَ من بَاب الِاسْتِعَارَة شبه الزِّنَاد وَالْحجر بالميتين وَالنَّار الَّتِى تخرج مِنْهُمَا بالحى والثمام قَالَ الجوهرى نبت ضَعِيف ذُو خوص وَرُبمَا حشى مِنْهُ أُوَسَّد بِهِ خصاص الْبيُوت فَمَعْنَى قَوْله أَنه كَفنه بالثمام أَنه ألْقى ذَلِك النبت على النَّار الَّتِى أوراها حَتَّى صَار لَهَا دُخان وَهُوَ المُرَاد بقوله نحسه قَالَ السهيلى يُقَال لكل دُخان نُحَاس وَلَا يُقَال إيام إِلَّا لدخان النَّحْل خَاصَّة يُقَال آمها يؤومها إِذا دخنها قَالَه أَبُو حنيفَة وَيُقَال شار الْعَسَل يشوره ويشتاره إِذا اجتناه من خلاياه ومواضعه والمشوار الْآلَة الَّتِى يقطف بهَا وَقَوله ﷺ (من سرق شرو قوم) كَذَا هُوَ فى أصل مُعْتَمد بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الرَّاء وَبعدهَا وَاو لم أجد هَذِه اللَّفْظَة فى كتب اللُّغَة وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ عَن نهر الْجنَّة سعته مَا بَين اللقيقة والسحيقة وكأنهما اسْم موضِعين يعرفهما الْمُخَاطب وألفيتهما كَذَلِك مضبوطين بِضَم أَولهمَا وَقَوله ﷺ (صبرك صبرك) أضمر فِيهِ الْفِعْل أى الزم صبرك وأغنى التّكْرَار عَن لُزُوم الْفِعْل كَمَا فى التحذير ويتسبسب أى يجرى قَالَ الأزهرى يُقَال سبسب إِذا سَار سيرا لينًا فَكَأَنَّهُ استعير لجَرَيَان النَّهر بِاللَّبنِ والنوب أَيْضا من أَسمَاء النَّحْل وَهُوَ بِضَم النُّون وَإِسْكَان الْوَاو قَالَ أَبُو ذُؤَيْب

стр. 536

(إِذا لسعته النَّحْل لم يرج لسعها ... وحالفها فى بَيت نوب عواسل) أى لم يخف لسعها قَالَ أَبُو عُبَيْدَة سميت نوبا لِأَنَّهَا تضرب إِلَى السوَاد وَمن هَذَا المهيع يُقَال لَهُ بَاب المعاياة وصنف فِيهِ الْفُقَهَاء فَأَكْثرُوا وَرووا أَن رجلا قَالَ لأبى حنيفَة مَا تَقول فى رجل قَالَ إنى لَا أَرْجُو الْجنَّة وَلَا أَخَاف النَّار وآكل الْميتَة وَالدَّم وأصدق الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأبْغض الْحق وأهرب من رَحْمَة الله وأشرب الْخمر وَأشْهد بِمَا لم أر وَأحب الْفِتْنَة وأصلى بِغَيْر وضوء وأترك الْغسْل من الْجَنَابَة وأقتل النَّاس فَقَالَ أَبُو حنيفَة لمن حَضَره مَا تَقول فِيهِ فَقَالَ هَذَا كَافِر فَتَبَسَّمَ وَقَالَ هَذَا مُؤمن أما قَوْله لَا أَرْجُو الْجنَّة وَلَا أَخَاف النَّار فَأَرَادَ إِنَّمَا أَرْجُو وأخاف خالقهما وَأَرَادَ بِأَكْل الْميتَة وَالدَّم السّمك وَالْجَرَاد والكبد وَالطحَال وَبِقَوْلِهِ أصدق الْيَهُود وَالنَّصَارَى قَول كل مِنْهُم إِن أَصْحَابه لَيْسُوا على شئ كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَنْهُم وَبِقَوْلِهِ أهرب من رَحْمَة الله الهروب من الْمَطَر ويقوله أبْغض الْحق يعْنى الْمَوْت لِأَن الْمَوْت حق لابد مِنْهُ وبشرب الْخمر شربه فى حَال الِاضْطِرَار وبحب الْفِتْنَة الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد على مَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَنما أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ وبالشهادة على مَا لم ير الشَّهَادَة بِاللَّه وَمَلَائِكَته وأنبيائه وَرُسُله

стр. 537

وبالصلاة بِغَيْر وضوء وَلَا تيَمّم الصَّلَاة على النبى ﷺ وبترك الْغسْل من الْجَنَابَة إِذا فقد المَاء وبالناس الَّذين يقتلهُمْ الْكفَّار وهم الَّذين سماهم الله ﴿النَّاس﴾ فى قَوْله ﴿إِن النَّاس قد جمعُوا لكم﴾ وروى أَن مُحَمَّد بن الْحسن سَأَلَ الشافعى عَن خَمْسَة زنوا بِامْرَأَة فَوَجَبَ على وَاحِد الْقَتْل وَالْآخر الرَّجْم وَالثَّالِث الْجلد وَالرَّابِع نصف الْحَد وَلم يجب على الْخَامِس شئ فَقَالَ الشافعى الأول ذمى زنى بِمسلمَة فَانْتقضَ عَهده فَيقْتل والثانى زَان مُحصن وَالثَّالِث بكر حر وَالرَّابِع عبد وَالْخَامِس مَجْنُون وروى أَن الشافعى رضى الله عَنهُ سُئِلَ عَن امْرَأَة فى فِيهَا لقْمَة قَالَ زَوجهَا إِن بلعتيها فَأَنت طَالِق وَإِن أخرجتيها فَأَنت طَالِق مَا الْحِيلَة قَالَ تبلع نصفهَا وَتخرج نصفهَا وَأَنه جَاءَ رجل إِلَى أَبى حنيفَة رضى الله عَنهُ فَقَالَ حَلَفت بِالطَّلَاق لَا أكلم امرأتى قبل أَن تكلمنى فَقَالَ وَالْعتاق لَازم لى لَا أُكَلِّمك قبل أَن تكلمنى فَكيف أصنع فَقَالَ اذْهَبْ فكلمها وَلَا حنث عَلَيْكُمَا فَذهب إِلَى سُفْيَان الثورى فجَاء سُفْيَان إِلَى أَبى حنيفَة مغضبا فَقَالَ أتبيح الْفروج قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَا ذَاك فَقص لَهُ الْقِصَّة فَقَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ كَذَا إِنَّهَا لما قَالَت لَهُ إِن كلمتك فعلى الْعتاق شافهته بالْكلَام فانحلت يَمِينه فَإِذا كلمها بعد لم يَقع الطَّلَاق فَقَالَ سُفْيَان إِنَّك لتكشف مَا كُنَّا عَنهُ غافلين وَعَن أَبى يُوسُف القاضى قَالَ طلبنى هَارُون الرشيد لَيْلًا فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ إِذا هُوَ جَالس وَعَن يَمِينه عِيسَى بن جَعْفَر فَقَالَ لى إِن عِنْد عِيسَى جَارِيَة وَسَأَلته أَن يَهَبهَا لى فَامْتنعَ وَسَأَلته أَن يَبِيعهَا فَامْتنعَ

стр. 538

فَقلت وَمَا مَنعك من بيعهَا أَو هبتها لأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ إِن على يَمِينا أَن لَا أبيعها وَلَا أهبها فَقَالَ الرشيد فَهَل لَهُ فى ذَلِك مخرج قلت نعم يهب لَك نصفهَا ويبيعك نصفهَا فَيكون لم يَهَبهَا وَلم يبعها قَالَ عِيسَى فأشهدك أَنى قد وَهبتك نصفهَا وبعتك نصفهَا فَقَالَ الرشيد بعد ذَلِك أَيهَا القاضى بقيت وَاحِدَة فَقلت وَمَا هى فَقَالَ إِنَّهَا أمة ولابد من استبرائها ولابد أَن أطلبها فى هَذِه اللَّيْلَة فَقلت لَهُ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا فَإِن الْحرَّة لَا تستبرأ فَفعل ذَلِك فعقدت عقده عَلَيْهَا وَأمر لى بِمَال جزيل وَحَضَرت امْرَأَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أخى مَاتَ وَترك سِتّمائَة دِينَار فَلم أعْط إِلَّا دِينَارا وَاحِدًا فَقَالَ كأنى بك قد ترك أَخُوك زَوْجَة وَأما وبنتين واثنى عشر أَخا وَأَنت فَقَالَت نعم كَأَنَّك حَاضر فَقَالَ أعطوك حَقك للزَّوْجَة ثمن الستمائة وَذَلِكَ خَمْسَة وَسَبْعُونَ دِينَارا وَللْأُمّ السُّدس وَذَلِكَ مائَة دِينَار وللبنتين الثُّلُثَانِ وَذَلِكَ أَرْبَعمِائَة دِينَار وللاثنى عشر أَخا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ دِينَارا وَلَك دِينَار وَاحِد وَسُئِلَ الْقفال عَن بَالغ عَاقل مُسلم هتك حرْزا وسرق نِصَابا لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ بِوَجْه وَلَا قطع عَلَيْهِ فَقَالَ رجل دخل فَلم يجد فى الدَّار شَيْئا فَقعدَ فى دن فجَاء صَاحب الدَّار بِمَال وَوَضعه فَخرج السَّارِق وَأَخذه وَخرج فَلَا يقطع لِأَن المَال حصل بعد هتك الْحِرْز

стр. 539

وَسُئِلَ بعض الْمَشَايِخ عَن رجل خرج إِلَى السُّوق وَترك امْرَأَته فى الْبَيْت ثمَّ رَجَعَ فَوجدَ عِنْدهَا رجلا فَقَالَ مَا هَذَا قَالَت هَذَا زوجى وَأَنت عبدى وَقد بِعْتُك فَقَالَ الشَّيْخ هُوَ عبد زوجه سَيّده بابنته وَدخل العَبْد بهَا ثمَّ مَاتَ سَيّده وَوَقعت الْفرْقَة لِأَنَّهَا ملكت زَوجهَا بِالْإِرْثِ ثمَّ إِنَّهَا كَانَت حَامِلا فَوضعت فانقضت الْعدة فَتزوّجت وباعت ذَلِك الزَّوْج لِأَنَّهُ صَار عَبدهَا وَسُئِلَ آخر عَن رجل نظر إِلَى امْرَأَة أول النَّهَار وهى حرَام عَلَيْهِ ثمَّ حلت ضحوة وَحرمت الظّهْر وحلت الْعَصْر وَحرمت الْمغرب وحلت الْعشَاء وَحرمت الْفجْر وحلت الضُّحَى وَحرمت الظّهْر فَقَالَ هَذَا رجل نظر إِلَى أمة غَيره بكرَة واشتراها ضحوة وَأسْقط الِاسْتِبْرَاء بحيلة فَحلت لَهُ وأعتقها الظّهْر فَحرمت عَلَيْهِ فَتَزَوجهَا الْعَصْر فَحلت فَظَاهر مِنْهَا الْمغرب فَحرمت فَكفر عَن يَمِينه الْعشَاء فَحلت فَطلقهَا عِنْد الْفجْر فَحرمت فَرَاجعهَا ضحوة فَحلت فارتدت الظّهْر فَحرمت وَلَك أَن تزيد فَتَقول ثمَّ حلت الْعَصْر ثمَّ حرمت الْمغرب حُرْمَة مُؤَبّدَة وَذَلِكَ بِأَن تكون أسلمت الْعَصْر فَبَقيت على الزَّوْجِيَّة ثمَّ لاعنها الْمغرب وَسُئِلَ آخر عَن امْرَأَة لَهَا زوجان وَيجوز أَن يَتَزَوَّجهَا ثَالِث ويطأها فَقَالَ هَذِه امْرَأَة لَهَا عبد وَأمه زوجت أَحدهمَا بِالْآخرِ فَيصدق أَنَّهَا امْرَأَة لَهَا زوجان وَاللَّام فى لَهَا للْملك وَإِذا جَاءَ ثَالِث حر أَرَادَ نِكَاحهَا فَلهُ ذَلِك وَسُئِلَ آخر عَن رجل قَالَ لامْرَأَته وهى فى مَاء جَار إِن خرجت من هَذَا المَاء فَأَنت طَالِق وَإِن لم تخرجى فَأَنت طَالِق فَقَالَ لَا تطلق خرجت أَو لم تخرج لِأَنَّهُ جرى وانفصل نَقله الرافعى فى فروع الطَّلَاق وَسُئِلَ آخر عَن رجل تكلم كلَاما فى بَغْدَاد فَوَجَبَ على امْرَأَة بِمصْر أَن تعيد صَلَاة سنة

стр. 540

فَقَالَ هَذِه جَارِيَته أعْتقهَا بِبَغْدَاد وهى بِمصْر وَلم يبلغهَا الْخَبَر إِلَّا بعد سنة وَكَانَت تصلى مكشوفة الرَّأْس فَإِذا بلغَهَا الْخَبَر يجب عَلَيْهَا إِعَادَة الصَّلَاة لِأَن صَلَاة الْحرَّة مكشوفة الرَّأْس لَا تصح وفى الرافعى فى رجل قَالَ لامْرَأَته إِن لم أقل لَك مثل مَا تَقُولِينَ لى فى هَذَا الْمجْلس فَأَنت طَالِق فَقَالَت أَنْت طَالِق إِن الْحِيلَة فى عدم وُقُوع الطَّلَاق أَن يَقُول أَنْت تَقُولِينَ أَنْت طَالِق قلت وَفِيه نظر فَإِن صيغتها أَنْت بِفَتْح التَّاء وصيغته أَنْت بِكَسْرِهَا إِذا أَرَادَ خطابها بِالطَّلَاق فقد يُقَال يَقُول كَمَا قَالَت أَنْت طَالِق بِفَتْح التَّاء وَلَا يَقع الطَّلَاق لِأَنَّهُ خطاب الْمُذكر فلعلها قَالَت لَهُ أَنْت طَالِق بِكَسْر التَّاء ٤٩ - مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن الْمُنْذر بن دَاوُد بن مهْرَان الغطفانى الحنظلى أَبُو حَاتِم الرازى أحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام ولد سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة سمع عبيد الله بن مُوسَى وَأَبا نعيم وطبقتهما بِالْكُوفَةِ وَمُحَمّد بن عبد الله الأنصارى والأصمعى وطبقتهما بِالْبَصْرَةِ وَعَفَّان وهوذة بن خَليفَة وطبقتهما بِبَغْدَاد وَأَبا مسْهر وَأَبا الْجمَاهِر مُحَمَّد بن عُثْمَان وطبقتهما بِدِمَشْق

стр. 541

وَأَبا الْيَمَان وَيحيى الوحاظى وطبقتهما بحمص وَسَعِيد بن أَبى مَرْيَم وطبقته بِمصْر وخلقا بالنواحى والثغور وَتردد فى الرحلة زَمَانا قَالَ ابْنه سَمِعت أَبى يَقُول أول سنة خرجت فى طلب الحَدِيث أَقمت سبع سِنِين أحصيت مَا مشيت على قدمى زِيَادَة على ألف فَرسَخ ثمَّ تركت الْعدَد بعد ذَلِك وَخرجت من الْبَحْرين إِلَى مصر مَاشِيا ثمَّ إِلَى الرملة مَاشِيا ثمَّ إِلَى دمشق ثمَّ إِلَى أنطاكية ثمَّ إِلَى طرسوس ثمَّ رجعت إِلَى حمص ثمَّ مِنْهَا إِلَى الرقة ثمَّ ركبت إِلَى الْعرَاق كل هَذَا وَأَنا ابْن عشْرين سنة حدث عَنهُ من شُيُوخه الصغار يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَعَبدَة بن سُلَيْمَان المروزى وَالربيع بن سُلَيْمَان المرادى وَمن أقرانه أَبُو زرْعَة الرازى وَأَبُو زرْعَة الدمشقى وَمن أَصْحَاب السّنَن أَبُو دَاوُد والنسائى وَقيل إِن البخارى وَابْن ماجة رويا عَنهُ وَلم يثبت ذَلِك وروى عَنهُ أَيْضا أَبُو بكر بن أَبى الدُّنْيَا وَابْن صاعد وَأَبُو عوَانَة والقاضى المحاملى وَأَبُو الْحسن على بن إِبْرَاهِيم الْقطَّان صَاحب ابْن ماجة وَخلق كثير قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أَبى حَاتِم قَالَ لى مُوسَى بن إِسْحَاق القاضى مَا رَأَيْت أحفظ من والدك وَقَالَ أَحْمد بن سَلمَة الْحَافِظ مَا رَأَيْت بعد إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَمُحَمّد بن يحيى أحفظ للْحَدِيث من أَبى حَاتِم وَلَا أعلم بمعانيه وَقَالَ ابْن أَبى حَاتِم سَمِعت يُونُس بن عبد الْأَعْلَى يَقُول أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم إِمَامًا خُرَاسَان بقاؤهما صَلَاح للْمُسلمين

стр. 542

وَقَالَ ابْن أَبى حَاتِم سَمِعت أَبى يَقُول قلت على بَاب أَبى الْوَلِيد الطيالسى من أغرب على حَدِيثا صَحِيحا فَلهُ دِرْهَم وَكَانَ ثمَّ خلق أَبُو زرْعَة فَمن دونه وَإِنَّمَا كَانَ مرادى أَن يلقى على مَا لم أسمع بِهِ فَيَقُولُونَ هُوَ عِنْد فلَان فَأذْهب وأسمعه فَلم يتهيأ لأحد أَن يغرب على حَدِيثا وَسمعت أَبى يَقُول كَانَ مُحَمَّد بن يزِيد الأسفاطى قد ولع بالتفسير وبحفظه فَقَالَ يَوْمًا مَا تحفظون فى قَوْله تَعَالَى ﴿فَنقبُوا فِي الْبِلَاد﴾ فَسَكَتُوا فَقلت حَدثنَا أَبُو صَالح عَن مُعَاوِيَة بن صَالح عَن على بن أَبى طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ ضربوا فى الْبِلَاد وَسمعت أَبى يَقُول قدم مُحَمَّد بن يحيى النيسابورى الرى فألقيت عَلَيْهِ ثَلَاثَة عشر حَدِيثا من حَدِيث الزهرى فَلم يعرف مِنْهَا إِلَّا ثَلَاثَة أَحَادِيث قَالَ شَيخنَا الذهبى ﵀ إِنَّمَا ألْقى عَلَيْهِ من حَدِيث الزهرى لِأَن مُحَمَّدًا كَانَ إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فى معرفَة حَدِيث الزهرى قد جمعه وصنفه وتتبعه حَتَّى كَانَ يُقَال لَهُ الزهرى قَالَ وَسمعت أَبى يَقُول بقيت بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع عشرَة ثَمَانِيَة أشهر فَجعلت أبيع ثيابى حَتَّى نفدت فمضيت مَعَ صديق لى أدور على الشُّيُوخ فَانْصَرف رفيقى بالعشى وَرجعت فَجعلت أشْرب المَاء من الْجُوع ثمَّ أَصبَحت فغدا على رفيقى فطفت مَعَه

стр. 543

على جوع شَدِيد وانصرفت جائعا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد غَدا على فَقلت أَنا ضَعِيف لَا يمكننى قَالَ مَا بك قلت لَا أكتمك مضى يَوْمَانِ مَا طعمت فيهمَا شَيْئا فَقَالَ قد بقى معى دِينَار فنصفه لَك ونجعل النّصْف الآخر فى الْكِرَاء فخرجنا من الْبَصْرَة وَأخذت مِنْهُ نصف الدِّينَار سَمِعت أَبى يَقُول خرجنَا من الْمَدِينَة من عِنْد دَاوُد الجعفرى وصرنا إِلَى الْجَار فَرَكبْنَا الْبَحْر فَكَانَت الرّيح فى وُجُوهنَا فبقينا فى الْبَحْر ثَلَاثَة أشهر وَضَاقَتْ صدورنا وفنى مَا كَانَ مَعنا وَخَرجْنَا إِلَى الْبر نمشى أَيَّامًا حَتَّى فنى مَا تبقى مَعنا من الزَّاد وَالْمَاء فمشينا يَوْمًا لم نَأْكُل وَلم نشرب وَالْيَوْم الثانى كَمثل وَالْيَوْم الثَّالِث فَلَمَّا كَانَ الْمسَاء صلينَا وألقينا بِأَنْفُسِنَا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا فى الْيَوْم الثَّالِث جعلنَا نمشى على قدر طاقتنا وَكُنَّا ثَلَاثَة أَنا وَشَيخ نيسابورى وَأَبُو زُهَيْر المروروذى فَسقط الشَّيْخ مغشيا عَلَيْهِ فَجِئْنَا نحركه وَهُوَ لَا يعقل فتركناه ومشينا قدر فَرسَخ فضعفت وَسَقَطت مغشيا على وَمضى صاحبى يمشى فَرَأى من بعيد قوما قربوا سفينتهم من الْبر ونزلوا على بِئْر مُوسَى فَلَمَّا عاينهم لوح بِثَوْبِهِ إِلَيْهِم فجاءوه وَمَعَهُمْ مَاء فسقوه وَأخذُوا بِيَدِهِ فَقَالَ لَهُم ألْحقُوا رَفِيقَيْنِ لى فَمَا شَعرت إِلَّا بِرَجُل يصب المَاء على وجهى ففتحت عينى فَقلت اسقنى فصب من المَاء فى مشْربَته قَلِيلا فَشَرِبت وَرجعت إِلَى نفسى ثمَّ سقانى قَلِيلا وَأخذ بيدى فَقلت

стр. 544

ورائى شيخ ملقى فَذهب جمَاعَة إِلَيْهِ وَأخذ بيدى وَأَنا أمشى وَأجر رجلى حَتَّى إِذا بلغت عِنْد سفينتهم وَأتوا بالشيخ وأحسنوا إِلَيْنَا فبقينا أَيَّامًا حَتَّى رجعت إِلَيْنَا أَنْفُسنَا ثمَّ كتبُوا لنا كتابا إِلَى مَدِينَة يُقَال لَهَا راية إِلَى واليهم وزودونا من الكعك والسويق وَالْمَاء فَلم نزل نمشى حَتَّى نفد مَا كَانَ مَعنا من المَاء والقوت فَجعلنَا نمشى جياعا على شط الْبَحْر حَتَّى دفعنَا إِلَى سلحفاة مثل الترس فعمدنا إِلَى حجر كَبِير فضربنا على ظهرهَا فانفلق فَإِذا فِيهِ مثل صفرَة الْبيض فحسيناه حَتَّى سكن عَنَّا الْجُوع حَتَّى وصلنا إِلَى مَدِينَة الرَّايَة وأوصلنا الْكتاب إِلَى عاملها فأنزلنا فى دَاره فَكَانَ يقدم إِلَيْنَا كل يَوْم القرع وَيَقُول لِخَادِمِهِ هاتى لَهُم اليقطين الْمُبَارك فَيقدمهُ مَعَ الْخبز أَيَّامًا فَقَالَ وَاحِد منا أَلا تَدْعُو بِاللَّحْمِ المشئوم فَسمع صَاحب الدَّار فَقَالَ أَنا أحسن بِالْفَارِسِيَّةِ فَإِن جدتى كَانَت هروية وأتانا بعد ذَلِك بِاللَّحْمِ ثمَّ زودنا إِلَى مصر سَمِعت أَبى يَقُول لَا أحضر كم مرّة سرت من الْكُوفَة إِلَى بَغْدَاد وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الإيادى يرثى أَبَا حَاتِم من قصيدة (أنفسى مَالك لَا تجزعينا ... وعينى مَالك لَا تدمعينا) (ألم تسمعى بكسوف الْعُلُوم ... فى شهر شعْبَان محقا مدينا) (ألم تسمعى خبر المرتضى ... أَبى حَاتِم أعلم العالمينا) توفى أَبُو حَاتِم الرازى فى شعْبَان سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَله اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سنة وَمن الْفَوَائِد عَنهُ ... .

стр. 545

٥٠ - مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْمُغيرَة بن بردزبه بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا رَاء سَاكِنة ثمَّ دَال مَكْسُورَة مُهْملَة ثمَّ زاى سَاكِنة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء ابْن بذذبه بباء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ ذال مُعْجمَة مَكْسُورَة ثمَّ ذال ثَانِيَة مُعْجمَة سَاكِنة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَكْسُورَة ثمَّ هَاء هَذَا مَا كُنَّا نَسْمَعهُ من الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ وَقيل بدل بردزبه الْأَحْنَف وَقيل غير ذَلِك هُوَ إِمَام الْمُسلمين وقدوة الْمُوَحِّدين وَشَيخ الْمُؤمنِينَ والمعول عَلَيْهِ فى أَحَادِيث سيد الْمُرْسلين وحافظ نظام الدّين أَبُو عبد الله الجعفى مَوْلَاهُم البخارى صَاحب الْجَامِع الصَّحِيح وساحب ذيل الْفضل للمستميح (علا عَن الْمَدْح حَتَّى مَا يزان بِهِ ... كَأَنَّمَا الْمَدْح من مِقْدَاره يضع) (لَهُ الْكتاب الذى يَتْلُو الْكتاب هدى ... هذى السِّيَادَة طودا لَيْسَ ينصدع) (الْجَامِع الْمَانِع الدّين القويم وَسنة ... الشَّرِيعَة أَن تغتالها الْبدع) (قاصى الْمَرَاتِب دانى الْفضل تحسبه ... كَالشَّمْسِ يَبْدُو سناها حِين ترْتَفع) (ذلت رِقَاب جَمَاهِير الْأَنَام لَهُ ... فكلهم وَهُوَ عَال فيهم خضعوا) (لَا تسمعن حَدِيث الحاسدين لَهُ ... فَإِن ذَلِك مَوْضُوع ومنقطع) (وَقل لمن رام يحكيه اصطبارك لَا ... تعجل فَإِن الذى تبغيه مُمْتَنع) (وهبك تأتى بِمَا يحْكى شكالته ... أَلَيْسَ يحْكى محيا الْجَامِع البيع)

стр. 546

كَانَ وَالِده أَبُو الْحسن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم من الْعلمَاء الورعين سمع مَالك بن أنس وَرَأى حَمَّاد بن زيد وَصَالح بن الْمُبَارك وَحدث عَن أَبى مُعَاوِيَة وَجَمَاعَة روى عَنهُ أَحْمد بن حَفْص وَقَالَ دخلت عَلَيْهِ عِنْد مَوته فَقَالَ لَا أعلم فى جَمِيع مالى درهما من شُبْهَة قَالَ أَحْمد بن حَفْص فتصاغرت إِلَى نفسى عِنْد ذَلِك ولد البخارى سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَنَشَأ يَتِيما وَأول سَمَاعه سنة خمس وَمِائَتَيْنِ وَحفظ تصانيف ابْن الْمُبَارك وحبب إِلَيْهِ الْعلم من الصغر وأعانه عَلَيْهِ ذكاؤه المفرط ورحل سنة عشر وَمِائَتَيْنِ بعد أَن سمع الْكثير بِبَلَدِهِ من مُحَمَّد بن سَلام البيكندى وَمُحَمّد بن يُوسُف البيكندى وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندى وَهَارُون ابْن الْأَشْعَث وَطَائِفَة وَسمع ببلخ من مكى بن إِبْرَاهِيم وَيحيى بن بشر الزَّاهِد وقتيبة وَجَمَاعَة وبمرو من على بن الْحسن بن شَقِيق وعبدان وَجَمَاعَة وبنيسابور من يحيى بن يحيى وَبشر بن الحكم وَإِسْحَاق وعدة وبالرى من إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الْحَافِظ وَغَيره وببغداد من شُرَيْح بن النُّعْمَان وَعَفَّان وَطَائِفَة وبالبصرة من أَبى عَاصِم النَّبِيل وَبدل بن المحبر وَمُحَمّد بن عبد الله الأنصارى وَغَيرهم وبالكوفة من أَبى نعيم وطلق بن غَنَّام وَالْحسن بن عَطِيَّة وخلاد بن يحيى وَقبيصَة وَغَيرهم

стр. 547

وبمكة من الحميدى وَعَلِيهِ تفقه عَن الشافعى وبالمدينة من عبد الْعَزِيز الأويسى ومطرف بن عبد الله وبواسط ومصر ودمشق وقيسارية وعسقلان وحمص من خلائق يطول سردهم ذكر أَنه سمع من ألف نفس وَقد خرج عَنْهُم مشيخة وَحدث بهَا وَلم نرها وفى تَارِيخ نيسابور للْحَاكِم أَنه سمع بالجزيرة من أَحْمد بن الْوَلِيد بن الورتنيس الحرانى وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله بن زُرَارَة الرقى وَعَمْرو بن خَالِد وَأحمد بن عبد الْملك بن وَاقد الحرانى وَهَذَا وهم فَإِنَّهُ لم يدْخل الجزيرة وَلم يسمع من أَحْمد بن الْوَلِيد إِنَّمَا روى عَن رجل عَنهُ وَلَا من ابْن زُرَارَة إِنَّمَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله الذى يرْوى عَنهُ هُوَ إِسْمَاعِيل بن أَبى أويس وَأما ابْن وَاقد فَإِنَّهُ سمع مِنْهُ بِبَغْدَاد وَعَمْرو بن خَالِد سمع مِنْهُ بِمصْر نبه على هَذَا شَيخنَا الْحَافِظ المزى فِيمَا رَأَيْته بِخَطِّهِ وَأكْثر الْحَاكِم فى عد شُيُوخه وَذكر الْبِلَاد الَّتِى دَخلهَا ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا سميت من كل نَاحيَة جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين ليستدل بذلك على عالى إِسْنَاده فَإِن مُسلم بن الْحجَّاج لم يدْرك أحدا مِمَّن سميتهم إِلَّا أهل نيسابور وَاعْتَرضهُ شَيخنَا الذهبى كَمَا رَأَيْته بِخَطِّهِ بِأَنَّهُ أدْرك أَحْمد وَعمر بن حَفْص يعْنى وهما مِمَّن عد الْحَاكِم ذكر أَبُو عَاصِم العبادى أَبَا عبد الله فى كِتَابه الطَّبَقَات وَقَالَ سمع من الزعفرانى وأبى ثَوْر والكرابيسى قلت وتفقه على الحميدى وَكلهمْ من أَصْحَاب الشافعى

стр. 548

قَالَ وَلم يرو عَن الشافعى فى الصَّحِيح لِأَنَّهُ أدْرك أقرانه والشافعى مَاتَ مكتهلا فَلَا يرويهِ نازلا وروى عَن الْحُسَيْن وأبى ثَوْر مسَائِل عَن الشافعى قلت وَذكر الشافعى فى موضِعين من صَحِيحه فى بَاب فى الرِّكَاز الْخمس وفى بَاب تَفْسِير الْعَرَايَا من الْبيُوع ورقم شَيخنَا المزى فى التَّهْذِيب للشافعى بِالتَّعْلِيقِ وَذكر هذَيْن المكانين حدث البخارى بالحجاز وَالْعراق وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَكتب عَنهُ المحدثون وَمَا فى وَجهه شَعْرَة روى عَنهُ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم والترمذى وَمُسلم خَارج الصَّحِيح وَمُحَمّد بن نصر المروزى وَصَالح بن مُحَمَّد جزرة وَابْن خُزَيْمَة وَأَبُو الْعَبَّاس السراج وَأَبُو قُرَيْش مُحَمَّد بن جُمُعَة وَيحيى بن مُحَمَّد بن صاعد وَأَبُو حَامِد بن الشرقى وَخلق وَآخر من روى عَنهُ الْجَامِع الصَّحِيح مَنْصُور بن مُحَمَّد البزدوى الْمُتَوفَّى سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة وَآخر من زعم أَنه سَمعه مِنْهُ موتا أَبُو طهير عبد الله بن فَارس البلخى الْمُتَوفَّى سنة سِتّ وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَآخر من روى حَدِيثه عَالِيا خطيب الْموصل فى الدُّعَاء للمحاملى بَينه وَبَينه ثَلَاثَة رجال وَأما كِتَابه الْجَامِع الصَّحِيح فأجل كتب الْإِسْلَام وأفضلها بعد كتاب الله وَلَا عِبْرَة بِمن يرجح عَلَيْهِ صَحِيح مُسلم فَإِن مقَالَته هَذِه شَاذَّة لَا يعول عَلَيْهَا

стр. 549

قَالَ ابْن عدى سَمِعت الْحسن بن الْحُسَيْن الْبَزَّار يَقُول رَأَيْت البخارى شَيخا نحيفا لَيْسَ بالطويل وَلَا بالقصير عَاشَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة إِلَّا ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَقَالَ أَحْمد بن الْفضل البلخى ذهبت عينا مُحَمَّد فى صغره فرأت أمه إِبْرَاهِيم ﵇ فَقَالَ يَا هَذِه قد رد الله على ابْنك بَصَره بِكَثْرَة بكائك أَو دعائك فَأصْبح وَقد رد الله عَلَيْهِ بَصَره وَعَن جِبْرِيل بن مِيكَائِيل سَمِعت البخارى يَقُول لما بلغت خُرَاسَان أصبت ببصرى فعلمنى رجل أَن أحلق رأسى وأغلفه بالخطمى فَفعلت فَرد الله على بصرى رَوَاهَا غُنْجَار فى تَارِيخه وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم الْوراق قلت للبخارى كَيفَ كَانَ بَدْء أَمرك قَالَ ألهمت حفظ الحَدِيث فى الْمكتب ولى عشر سِنِين أَو أقل وَخرجت من الْكتاب بعد الْعشْر فَجعلت أختلف إِلَى الداخلى وَغَيره فَقَالَ يَوْمًا فِيمَا يقْرَأ على النَّاس سُفْيَان عَن أَبى الزبير عَن إِبْرَاهِيم فَقلت لَهُ إِن أَبَا الزبير لم يرو عَن إِبْرَاهِيم فانتهرنى فَقلت لَهُ ارْجع إِلَى الأَصْل فَدخل ثمَّ خرج فَقَالَ لى كَيفَ يَا غُلَام قلت هُوَ الزبير بن عدى عَن إِبْرَاهِيم فَأخذ الْقَلَم منى وَأَصْلحهُ وَقَالَ صدقت فَقَالَ للبخارى بعض أَصْحَابه ابْن كم كنت قَالَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة فَلَمَّا طعنت فى سِتّ عشرَة سنة حفظت كتب ابْن الْمُبَارك ووكيع وَعرفت كَلَام هَؤُلَاءِ ثمَّ خرجت مَعَ أمى وأخى أَحْمد إِلَى مَكَّة فَلَمَّا حججْت رَجَعَ أخى بهَا وَتَخَلَّفت فى طلب الحَدِيث فَلَمَّا طعنت فى ثمانى عشرَة سنة جعلت أصنف قضايا الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأقاويلهم وَذَلِكَ أَيَّام عبيد الله بن مُوسَى وصنفت كتاب التَّارِيخ إِذْ ذَاك عِنْد قبر النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 550

فى الليالى المقمرة وَقل اسْم فى التَّارِيخ إِلَّا وَله عندى قصَّة إِلَّا أَنى كرهت تَطْوِيل الْكتاب وَقَالَ عمر بن حَفْص الْأَشْقَر كُنَّا مَعَ البخارى بِالْبَصْرَةِ نكتب الحَدِيث ففقدناه أَيَّامًا ثمَّ وَجَدْنَاهُ فى بَيت وَهُوَ عُرْيَان وَقد نفد مَا عِنْده فجمعنا لَهُ الدَّرَاهِم وكسوناه وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد البخارى سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول لقِيت أَكثر من ألف رجل من أهل الْحجاز وَالْعراق وَالشَّام ومصر وخراسان إِلَى أَن قَالَ فَمَا رَأَيْت وَاحِدًا مِنْهُم يخْتَلف فى هَذِه الْأَشْيَاء أَن الدّين قَول وَعمل وَأَن الْقُرْآن كَلَام الله وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم سمعته يَقُول دخلت بَغْدَاد ثمانى مَرَّات كل ذَلِك أجالس أَحْمد بن حَنْبَل فَقَالَ لى آخر مَا ودعته يَا أَبَا عبد الله تتْرك الْعلم وَالنَّاس وَتصير إِلَى خُرَاسَان فَأَنا الْآن أذكر قَول أَحْمد وَقَالَ أَبُو بكر الْأَعْين كتبنَا عَن البخارى على بَاب مُحَمَّد بن يُوسُف الفريابى وَمَا فى وَجهه شَعْرَة وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم وراق البخارى سَمِعت حاشد بن إِسْمَاعِيل وَآخر يَقُولَانِ كَانَ البخارى يخْتَلف مَعنا إِلَى السماع وَهُوَ غُلَام فَلَا يكْتب حَتَّى أَتَى على ذَلِك أَيَّامًا فَكُنَّا نقُول لَهُ فَقَالَ إنَّكُمَا قد أكثرتما على فاعرضا على مَا كتبتما فأخرجنا إِلَيْهِ مَا كَانَ عندنَا فَزَاد على خَمْسَة عشر ألف حَدِيث فقرأها كلهَا على ظهر قلب حَتَّى جعلنَا نحكم كتبنَا من حفظه ثمَّ قَالَ أَتَرَوْنَ أَنى اخْتلف هدرا وأضيع أيامى فَعرفنَا أَنه لَا يتقدمه أحد قَالَا فَكَانَ أهل الْمعرفَة يعدون خَلفه فى طلب الحَدِيث وَهُوَ شَاب حَتَّى يغلبوه على نَفسه ويجلسوه فى بعض الطَّرِيق فيجتمع عَلَيْهِ أُلُوف أَكْثَرهم مِمَّن يكْتب عَنهُ وَكَانَ شَابًّا لم يخرج وَجهه

стр. 551

قَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم وَسمعت سليم بن مُجَاهِد يَقُول كنت عِنْد مُحَمَّد بن سَلام البيكندى فَقَالَ لى لَو جِئْت قبل لرأيت صَبيا يحفظ سبعين ألف حَدِيث قَالَ فَخرجت فى طلبه فَلَقِيته فَقلت أَنْت الذى تَقول أَنا أحفظ سبعين ألف حَدِيث قَالَ نعم وَأكْثر وَلَا أجيئك بِحَدِيث عَن الصَّحَابَة أَو التَّابِعين إِلَّا عرفت مولد أَكْثَرهم ووفاتهم ومساكنهم وَلست أروى حَدِيثا من حَدِيث الصَّحَابَة أَو التَّابِعين إِلَّا ولى فى ذَلِك أصل أحفظه حفظا عَن كتاب الله أَو سنة رَسُول الله ﷺ قَالَ غُنْجَار حَدثنَا أَبُو عَمْرو أَحْمد بن مُحَمَّد المقرى حَدثنَا مُحَمَّد بن يَعْقُوب ابْن يُوسُف البيكندى سَمِعت على بن الْحُسَيْن بن عَاصِم البيكندى يَقُول قدم علينا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فَاجْتَمَعْنَا عِنْده فَقَالَ بَعْضنَا سَمِعت إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه يَقُول كأنى أنظر إِلَى سبعين ألف حَدِيث من كتابى فَقَالَ مُحَمَّد أَو تعجب من هَذَا لَعَلَّ فى هَذَا الزَّمَان من ينظر إِلَى مائتى ألف حَدِيث من كِتَابه قَالَ وَإِنَّمَا عَنى بِهِ نَفسه وَقَالَ ابْن عدى حَدَّثَنى مُحَمَّد بن أَحْمد القومسى سَمِعت مُحَمَّد بن خميرويه يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول أحفظ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح وأحفظ مائتى ألف حَدِيث غير صَحِيح وَقَالَ إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة مَا رَأَيْت تَحت أَدِيم السَّمَاء أعلم بِالْحَدِيثِ من مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل البخارى وَقَالَ ابْن عدى سَمِعت عدَّة مَشَايِخ يحكون أَن البخارى قدم بَغْدَاد فَاجْتمع أَصْحَاب الحَدِيث فعمدوا إِلَى مائَة حَدِيث فقلبوا متونها وأسانيدها وَجعلُوا متن هَذَا لإسناد هَذَا

стр. 552

وَإسْنَاد هَذَا لمتن هَذَا ودفعوا إِلَى كل وَاحِد عشرَة أَحَادِيث ليلقوها على البخارى فى الْمجْلس فَاجْتمع النَّاس وانتدب أحدهم فَقَالَ وَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْعشْرَة فَقَالَ لَا أعرفهُ فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ حَتَّى فرغ من الْعشْرَة فَكَانَ الْفُقَهَاء يلْتَفت بَعضهم إِلَى بعض وَيَقُولُونَ الرجل فهم وَمن كَانَ لَا يدرى قضى عَلَيْهِ بِالْعَجزِ ثمَّ انتدب آخر فَفعل كَفعل الأول والبخارى يَقُول لَا أعرفهُ إِلَى فرَاغ الْعشْرَة أنفس وَهُوَ لَا يزيدهم على لَا أعرفهُ فَلَمَّا علم أَنهم قد فرغوا الْتفت إِلَى الأول فَقَالَ أما حَدِيثك الأول فإسناده كَذَا وَكَذَا والثانى كَذَا وَكَذَا وَالثَّالِث إِلَى آخر الْعشْرَة فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده وَفعل بالثانى مثل ذَلِك إِلَى أَن فرغ فَأقر لَهُ النَّاس بِالْحِفْظِ وَقَالَ يُوسُف بن مُوسَى المروروذى كنت بِجَامِع الْبَصْرَة إِذْ سَمِعت مناديا يُنَادى يَا أهل الْعلم لقد قدم مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى فَقَامُوا فى طلبه وَكنت فيهم فَرَأَيْت رجلا شَابًّا يصلى خلف الأسطوانة فَلَمَّا فرغ أَحدقُوا بِهِ وسألوه أَن يعْقد لَهُم مَجْلِسا للإملاء فأجابهم فَلَمَّا كَانَ من الْغَد اجْتمع كَذَا وَكَذَا ألف فَجَلَسَ وَقَالَ يَا أهل الْبَصْرَة أَنا شَاب وَقد سألتمونى أَن أحدثكُم وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِأَحَادِيث عَن أهل بلدكم تستفيدون الْكل حَدثنَا عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة بن أَبى رواد بلديكم حَدثنَا أَبى حَدثنَا شُعْبَة عَن مَنْصُور وَغَيره عَن سَالم بن أَبى الْجَعْد عَن أنس أَن أَعْرَابِيًا قَالَ يَا رَسُول الله الرجل يحب الْقَوْم ... الحَدِيث ثمَّ قَالَ لَيْسَ هَذَا عنْدكُمْ إِنَّمَا عنْدكُمْ عَن غير مَنْصُور وأملى مَجْلِسا على هَذَا النسق

стр. 553

قَالَ يُوسُف وَكَانَ دخولى الْبَصْرَة أَيَّام مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أَبى الشَّوَارِب وَقَالَ الترمذى لم أر أحدا بالعراق وَلَا بخراسان فى معنى الْعِلَل والتاريخ وَمَعْرِفَة الْأَسَانِيد أعلم من مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَقَالَ إِسْحَاق بن أَحْمد الفارسى سَمِعت أَبَا حَاتِم يَقُول سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أعلم من دخل الْعرَاق وَمُحَمّد بن يحيى أعلم من بخراسان الْيَوْم وَمُحَمّد بن أسلم أورعهم وَعبد الله الدارمى أثبتهم وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ انْتهى الْحِفْظ إِلَى أَرْبَعَة من أهل خُرَاسَان أَبُو زرْعَة وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل والدارمى وَالْحسن بن شُجَاع البلخى وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم كَانَ البخارى أحد الْأَئِمَّة فى معرفَة الحَدِيث وَجمعه وَلَو قلت إنى لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه فى الْمُبَالغَة وَالْحسن لرجوت أَن أكون صَادِقا أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا قَالَ قَرَأت على عمر بن القواس أخْبركُم أَبُو الْقَاسِم بن الحرستانى حضورا أخبرنَا جمال الْإِسْلَام أخبرنَا ابْن طلاب أخبرنَا ابْن جَمِيع حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن آدم حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف البخارى قَالَ كنت عِنْد مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بمنزله ذَات لَيْلَة فأحصيت عَلَيْهِ أَنه قَامَ وأسرج ليستذكر أَشْيَاء يعلقها فى ليله ثمانى عشرَة مرّة وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم الْوراق كَانَ أَبُو عبد الله إِذا كنت مَعَه فى سفر يجمعنا بَيت وَاحِد إِلَّا فى القيظ أَحْيَانًا فَكنت أرَاهُ يقوم فى لَيْلَة وَاحِدَة خمس عشرَة مرّة إِلَى عشْرين مرّة فى كل ذَلِك يَأْخُذ القداحة فيورى نَارا ويسرج ثمَّ يخرج أَحَادِيث فَيعلم عَلَيْهَا ثمَّ يضع رَأسه وَكَانَ يصلى وَقت السحر ثَلَاث عشرَة رَكْعَة وَكَانَ لَا يوقظنى فى كل مَا يقوم فَقلت لَهُ إِنَّك تحمل على نَفسك فى كل هَذَا وَلَا توقظنى قَالَ أَنْت شَاب وَلَا أحب أَن أفسد عَلَيْك نومك وَقَالَ الفربرى قَالَ لى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل مَا وضعت فى الصَّحِيح حَدِيثا إِلَّا اغْتَسَلت قبل ذَلِك وَصليت رَكْعَتَيْنِ

стр. 554

وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن معقل سمعته يَقُول كنت عِنْد إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فَقَالَ رجل لَو جمعتم كتابا مُخْتَصرا للسنن فَوَقع ذَلِك فى قلبى فَأخذت فى جمع هَذَا الْكتاب قَالَ شَيخنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ روى من وَجْهَيْن ثابتين عَن البخارى أَنه قَالَ أخرجت هَذَا الْكتاب من نَحْو سِتّمائَة ألف حَدِيث وصنفته فى سِتّ عشرَة سنة وَجَعَلته حجَّة فِيمَا بينى وَبَين الله وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن معقل سمعته يَقُول مَا أدخلت فى الْجَامِع إِلَّا مَا صَحَّ وَتركت من الصِّحَاح لأجل الطول وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم قلت لَهُ تحفظ جَمِيع مَا فى المُصَنّف قَالَ لَا يخفى على جَمِيع مَا فِيهِ وَلَو نشر بعض إسنادى هَؤُلَاءِ لم يفهموا كتاب التَّارِيخ وَلَا عرفوه ثمَّ قَالَ صنفته ثَلَاث مَرَّات وَقد أَخذه ابْن رَاهَوَيْه فَأدْخلهُ على عبد الله بن طَاهِر فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير أَلا أريك سحرًا فَنظر فِيهِ عبد الله فتعجب مِنْهُ وَقَالَ لست أفهم تصنيفه وَقَالَ الفربرى حَدَّثَنى نجم بن الفضيل وَكَانَ من أهل الْفَهم قَالَ رَأَيْت النبى ﷺ فى النّوم خرج من قَرْيَة وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل خَلفه فَإِذا خطا خطْوَة يخطو مُحَمَّد وَيَضَع قدمه على قدمه وَيتبع أَثَره وَقَالَ خلف الْخيام سَمِعت أَبَا عَمْرو أَحْمد بن نصر الْخفاف يَقُول مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أعلم فى الحَدِيث من أَحْمد وَإِسْحَاق بِعشْرين دَرَجَة وَمن قَالَ فِيهِ شئ فَعَلَيهِ منى ألف لعنة وَلَو دخل من هَذَا الْبَاب لملئت مِنْهُ رعْبًا وَقَالَ أَبُو عِيسَى الترمذى كَانَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عِنْد عبد الله بن مُنِير فَلَمَّا قَامَ من عِنْده قَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله جعلك الله زين هَذِه الْأمة قَالَ أَبُو عِيسَى اسْتُجِيبَ لَهُ فِيهِ

стр. 555

وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد المستغفرى فى تَارِيخ نسف وَذكر البخارى لَو جَازَ لى لفضلته على من لقى من مشايخه ولقلت مَا لقى بِعَيْنِه مثل نَفسه وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْخَواص رَأَيْت أَبَا زرْعَة كالصبى جَالِسا بَين يدى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يسْأَله عَن علل الحَدِيث وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الْقطَّان سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول كتبت عَن ألف شيخ أَو أَكثر عَن كل وَاحِد مِنْهُم عشرَة آلَاف وَأكْثر مَا عندى حَدِيث إِلَّا أذكر إِسْنَاده قلت فَارق البخارى بُخَارى وَله خمس عشرَة سنة وَلم يره مُحَمَّد بن سَلام البيكندى بعد ذَلِك وَقد قَالَ سليم بن مُجَاهِد كنت عِنْد مُحَمَّد بن سَلام البيكندى فَقَالَ لَو جِئْت قبل لرأيت صَبيا يحفظ سبعين ألف حَدِيث فَخرجت حَتَّى لحقته فَقلت أَنْت تحفظ سبعين ألف حَدِيث قَالَ نعم وَأكْثر وَلَا أجيبك بِحَدِيث عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَّا عرفت مولد أَكْثَرهم ووفاتهم ومساكنهم وَلست أروى حَدِيثا من حَدِيث الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَّا ولى من ذَلِك أصل أحفظه حفظا عَن كتاب أَو سنة وَقَالَ بَعضهم كنت عِنْد مُحَمَّد بن سَلام البيكندى فَدخل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فَلَمَّا خرج قَالَ مُحَمَّد بن سَلام كلما دخل على هَذَا الصبى تحيرت والتبس على أَمر الحَدِيث وَلَا أَزَال خَائفًا مَا لم يخرج وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم سَمِعت مُحَمَّد بن يُوسُف يَقُول كنت عِنْد أَبى رَجَاء يعْنى قُتَيْبَة فَسئلَ عَن طَلَاق السَّكْرَان فَقَالَ هَذَا أَحْمد بن حَنْبَل وَابْن المدينى وَابْن رَاهَوَيْه قد ساقهم الله إِلَيْك وَأَشَارَ إِلَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَكَانَ مَذْهَب مُحَمَّد أَنه إِذا كَانَ مغلوب الْعقل لَا يذكر مَا يحدث فى سكره أَنه لَا يجوز عَلَيْهِ من أمره شئ

стр. 556

وَسمعت عبد الله بن سعيد يَقُول لما مَاتَ أَحْمد بن حَرْب النيسابورى ركب مُحَمَّد وَإِسْحَاق يشيعان جنَازَته فَكنت أسمع أهل الْمعرفَة بنيسابور ينظرُونَ وَيَقُولُونَ مُحَمَّد أفقه من إِسْحَاق وَعَن الفربرى رَأَيْت النبى ﷺ فى الْمَنَام فَقَالَ لى أَيْن تُرِيدُ فَقلت أُرِيد البخارى فَقَالَ أقرأه منى السَّلَام وَكَانَ البخارى يخْتم الْقُرْآن كل يَوْم نَهَارا وَيقْرَأ فى اللَّيْل عِنْد السحر ثلثا من الْقُرْآن فمجموع ورده ختمة وَثلث ختمة وَكَانَ يَقُول أَرْجُو أَن ألْقى الله وَلَا يحاسبنى باغتياب أحد وَكَانَ يصلى ذَات يَوْم فلسعه الزنبور سبع عشرَة مرّة وَلم يقطع صلَاته وَلَا تغير حَاله وَعَن الإِمَام أَحْمد مَا أخرجت خُرَاسَان مثل البخارى وَقَالَ يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدورقى البخارى فَقِيه هَذِه الْأمة وَقَالَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرازى وَقد خرج البخارى إِلَى الْعرَاق مَا خرج من خُرَاسَان أحفظ مِنْهُ وَلَا قدم الْعرَاق أعلم مِنْهُ قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله سَمِعت أَبَا نصر أَحْمد بن مُحَمَّد الْوراق يَقُول سَمِعت أَبَا حَامِد أَحْمد بن حمدون يَقُول سَمِعت مُسلم بن الْحجَّاج وَجَاء إِلَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى فَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ دعنى حَتَّى أقبل رجليك يَا أستاذ الأستاذين ومسند الْمُحدثين وَيَا طَبِيب الحَدِيث فى علله حَدثَك مُحَمَّد بن سَلام حَدثنَا مخلد بن يزِيد الحرانى قَالَ أخبرنَا ابْن جريج قَالَ حَدَّثَنى مُوسَى ابْن عقبَة عَن سُهَيْل بن أَبى صَالح عَن أَبِيه عَن أَبى هُرَيْرَة عَن النبى ﷺ فَقَالَ البخارى وَحدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين قَالَا حَدثنَا حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج قَالَ حَدَّثَنى مُوسَى بن عقبَة عَن سُهَيْل بن أَبى صَالح عَن أَبِيه عَن

стр. 557

أَبى هُرَيْرَة عَن النبى ﷺ فى كَفَّارَة الْمجْلس أَن يَقُول إِذا قَامَ من مَجْلِسه (سُبْحَانَكَ رَبنَا وَبِحَمْدِك) فَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل هَذَا حَدِيث مليح وَلَا أعلم بِهَذَا الْإِسْنَاد فى الدُّنْيَا حَدِيثا غير هَذَا إِلَّا أَنه مَعْلُول حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا وهيب حَدثنَا سُهَيْل عَن عون بن عبد الله قَوْله قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل هَذَا أولى وَلَا نذْكر لمُوسَى بن عقبَة مُسْندًا عَن سُهَيْل وَهُوَ سُهَيْل بن ذكْوَان مولى جوَيْرِية وهم إخْوَة سُهَيْل وَعباد وَصَالح بَنو أَبى صَالح وهم من أهل الْمَدِينَة وَقَالَ نسج بن سعيد كَانَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان تَجْتَمِع إِلَيْهِ أَصْحَابه فيصلى بهم وَيقْرَأ فى كل رَكْعَة عشْرين آيَة وَكَذَلِكَ إِلَى أَن يخْتم الْقُرْآن وَكَانَ يقْرَأ فى السحر مَا بَين النّصْف إِلَى الثُّلُث من الْقُرْآن فيختم عِنْد السحر فى كل ثَلَاث لَيَال وَكَانَ يخْتم بِالنَّهَارِ فى كل يَوْم ختمة وَيكون ختمة عِنْد الْإِفْطَار كل لَيْلَة وَيَقُول عِنْد كل ختم دَعْوَة مستجابة وَقَالَ بكر بن مُنِير سَمِعت البخارى يَقُول أَرْجُو أَن ألْقى الله وَلَا يحاسبنى أَنى اغتبت أحدا قَالَ شَيخنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ يشْهد لهَذِهِ الْمقَالة كَلَامه فى الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَإِنَّهُ أبلغ مَا يَقُول فِي الرجل الْمَتْرُوك أَو السَّاقِط فِيهِ نظر أَو سكتوا عَنهُ وَلَا يكَاد يَقُول فلَان كَذَّاب وَلَا فلَان يضع الحَدِيث وَهَذَا من شدَّة ورعه قلت وأبلغ تَضْعِيفه قَوْله فى الْمَجْرُوح مُنكر الحَدِيث قَالَ ابْن الْقطَّان قَالَ البخارى كل من قلت فِيهِ مُنكر الحَدِيث فَلَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ

стр. 558

وَقَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب سُئِلَ الْعَبَّاس بن الْفضل الرازى الصايغ أَيهمَا أحفظ أَبُو زرْعَة أَو البخارى فَقَالَ لقِيت البخارى بَين حلوان وبغداد فَرَجَعت مَعَه مرحلة وجهدت أَن أجئ بِحَدِيث لَا يعرفهُ فَمَا أمكن وَأَنا أغرب على أَبى زرْعَة عدد شعرى وَقَالَ أَبُو عَمْرو أَحْمد بن نصر الْخفاف مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أعلم بِالْحَدِيثِ من إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهمَا بِعشْرين دَرَجَة وَمن قَالَ فِيهِ شَيْئا فمنى عَلَيْهِ ألف لعنة ثمَّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التقى النقى الْعَالم الذى لم أر مثله وَقَالَ مُحَمَّد بن يَعْقُوب الأخرم سَمِعت أَصْحَابنَا يَقُولُونَ لما قدم البخارى نيسابور استقبله أَرْبَعَة آلَاف رجل على الْخَيل سوى من ركب بغلا أَو حمارا وَسوى الرجالة وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم فى الكنى عبد الله بن الديلمى أَبُو بسر وَقَالَ البخارى وَمُسلم فِيهِ أَبُو بشر بشين مُعْجمَة قَالَ الْحَاكِم وَكِلَاهُمَا أَخطَأ فى علمى إِنَّمَا هُوَ أَبُو بسر وخليق أَن يكون مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل مَعَ جلالته ومعرفته بِالْحَدِيثِ اشْتبهَ عَلَيْهِ فَلَمَّا نَقله مُسلم من كِتَابه تَابعه على زلته وَمن تَأمل كتاب مُسلم فى الْأَسْمَاء والكنى علم أَنه مَنْقُول من كتاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل حَذْو القذة بالقذة حَتَّى لَا يزِيد عَلَيْهِ فِيهِ إِلَّا مَا يسهل عده وتجلد فى نَقله حق الجلادة إِذْ لم ينْسبهُ إِلَى قَائِله وَكتاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فى التَّارِيخ كتاب لم يسْبق إِلَيْهِ وَمن ألف بعده شَيْئا من التَّارِيخ

стр. 559

أَو الْأَسْمَاء أَو الكنى لم يسْتَغْن عَنهُ فَمنهمْ من نسبه إِلَى نَفسه مثل أَبى زرْعَة وأبى حَاتِم وَمُسلم وَمِنْهُم من حَكَاهُ عَنهُ فَالله يرحمه فَإِنَّهُ الذى أصل الْأُصُول وَذكر الْحَاكِم أَبُو أَحْمد كلَاما سوى هَذَا وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم رَأَيْت أَبَا عبد الله اسْتلْقى على قَفاهُ يَوْمًا وَنحن بفربر فى تصنيف كتاب التَّفْسِير وأتعب نَفسه يَوْمئِذٍ فَقلت إنى أَرَاك تَقول إنى مَا أتيت شَيْئا بِغَيْر علم قطّ مُنْذُ عقلت فَمَا الْفَائِدَة فى الاستلقاء قَالَ أتعبنا أَنْفُسنَا الْيَوْم وَهَذَا ثغر من الثغور خشيت أَن يحدث حدث من أَمر الْعَدو فَأَحْبَبْت أَن أستريح وآخذ أهبة فَإِن غافصنا الْعَدو كَانَ بِنَا حراك وَكَانَ يركب إِلَى الرمى فَمَا أعلم أَنى رَأَيْته فى طول مَا صحبته أَخطَأ سَهْمه الهدف إِلَّا مرَّتَيْنِ وَكَانَ لَا يسْبق وسمعته يَقُول مَا أردْت أَن أَتكَلّم بِكَلَام فِيهِ ذكر الدُّنْيَا إِلَّا بدأت بِحَمْد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ قَالَ وَكَانَ لأبى عبد الله غَرِيم قطع عَلَيْهِ مَالا كثيرا فَبَلغهُ أَنه قدم آمل وَنحن بفربر فَقُلْنَا لَهُ ينبغى أَن تعبر وتأخذه بِمَالك فَقَالَ لَيْسَ لنا أَن نروعه ثمَّ بلغ غَرِيمه فَخرج إِلَى خوارزم فَقُلْنَا ينبغى أَن تَقول لأبى سَلمَة الكشانى عَامل آمل ليكتب إِلَى خوارزم فى أَخذه فَقَالَ إِن أخذت مِنْهُم كتابا طمعوا منى فى كتاب وَلست أبيع دينى بدنياى فجهدنا فَلم يَأْخُذ حَتَّى كلمنا السُّلْطَان عَن غير أمره فَكتب إِلَى والى خوارزم فَلَمَّا بلغ أَبَا عبد الله ذَلِك وجد وجدا شَدِيدا وَقَالَ لَا تَكُونُوا أشْفق على من نفسى وَكتب كتابا وَأَرْدَفَ تِلْكَ الْكتب بكتب وَكتب إِلَى بعض أَصْحَابه بخوارزم أَن لَا يتَعَرَّض لغريمه

стр. 560

فَرجع غَرِيمه وَقصد نَاحيَة مرو فَاجْتمع التُّجَّار وَأخْبر السُّلْطَان فَأَرَادَ التَّشْدِيد على الْغَرِيم فكره ذَلِك أَبُو عبد الله وَصَالح غَرِيمه على أَن يُعْطِيهِ كل سنة عشرَة دَرَاهِم شَيْئا يَسِيرا وَكَانَ المَال خَمْسَة وَعشْرين ألفا وَلم يصل من ذَلِك إِلَى دِرْهَم وَلَا إِلَى أَكثر مِنْهُ سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول مَا توليت شِرَاء شئ قطّ وَلَا بَيْعه قلت فَمن يتَوَلَّى أَمرك فى أسفارك قَالَ كنت أكفى أَمر ذَلِك وَذكر بكر بن مُنِير أَنه حمل إِلَى البخارى بضَاعَة أنفذها إِلَيْهِ ابْنه أَحْمد فَاجْتمع بِهِ بعض التُّجَّار فطلبوها مِنْهُ بِرِبْح خَمْسَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ انصرفوا اللَّيْلَة فَجَاءَهُ من الْغَد تجار آخَرُونَ فطلبوها مِنْهُ بِرِبْح عشرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ إنى نَوَيْت البارحة بيعهَا للَّذين أَتَوا البارحة قلت وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول مَا ينبغى للْمُسلمِ أَن يكون بِحَالَة إِذا دعى لم يستجب لَهُ قَالَ وسمعته يَقُول خرجت إِلَى آدم بن أَبى إِيَاس فتخلفت عَنى نفقتى حَتَّى جعلت أتناول الْحَشِيش وَلَا أخبر بذلك أحدا فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث آتانى أت لم أعرفهُ فناولنى صرة دَنَانِير وَقَالَ أنْفق على نَفسك وَسمعت سليم بن مُجَاهِد يَقُول مَا رَأَيْت بعينى مُنْذُ سِتِّينَ سنة أفقه وَلَا أورع وَلَا أزهد فى الدُّنْيَا من مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَاعْلَم أَن مَنَاقِب أَبى عبد الله كَثِيرَة فَلَا مطمع فى اسْتِيعَاب غالبها والكتب مشحونة بِهِ وَفِيمَا أوردناه مقنع وبلاغ

стр. 561

قصَّته مَعَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلى قَالَ الْحسن بن مُحَمَّد بن جَابر قَالَ لنا الذهلى لما ورد البخارى نيسابور اذْهَبُوا إِلَى هَذَا الرجل الصَّالح فَاسْمَعُوا مِنْهُ فَذهب النَّاس إِلَيْهِ وَأَقْبلُوا على السماع مِنْهُ حَتَّى ظهر الْخلَل فى مجْلِس الذهلى فحسده بعد ذَلِك وَتكلم فِيهِ وَقَالَ أَبُو أَحْمد بن عدى ذكر لى جمَاعَة من الْمَشَايِخ أَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل لما ورد نيسابور واجتمعوا عَلَيْهِ حسده بعض الْمَشَايِخ فَقَالَ لأَصْحَاب الحَدِيث إِن مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل يَقُول اللَّفْظ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فامتحنوه فَلَمَّا حضر النَّاس قَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله مَا تَقول فى اللَّفْظ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق هُوَ أم غير مَخْلُوق فَأَعْرض عَنهُ وَلم يجبهُ فَأَعَادَ السُّؤَال فَأَعْرض عَنهُ ثمَّ أعَاد فَالْتَفت إِلَيْهِ البخارى وَقَالَ الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وأفعال الْعباد مخلوقة والامتحان بِدعَة فشغب الرجل وشغب النَّاس وَتَفَرَّقُوا عَنهُ وَقعد البخارى فى منزله قَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف الفربرى سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول أما أَفعَال الْعباد فمخلوقة فقد حَدثنَا على بن عبد الله حَدثنَا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة حَدثنَا أَبُو مَالك عَن ربعى عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ النبى ﷺ (إِن الله يصنع كل صانع وصنعته) وَسمعت عبيد الله بن سعيد سَمِعت يحيى بن سعيد يَقُول مَا زلت أسمع أَصْحَابنَا يَقُولُونَ إِن أَفعَال الْعباد مخلوقة قَالَ البخارى حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة فَأَما الْقُرْآن المتلو الْمُثبت فى الْمَصَاحِف المسطور الْمَكْتُوب الموعى فى الْقُلُوب فَهُوَ كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق قَالَ الله تَعَالَى ﴿بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾

стр. 562

وَقَالَ يُقَال فلَان حسن الْقِرَاءَة وردئ الْقِرَاءَة وَلَا يُقَال حسن الْقُرْآن وَلَا ردئ الْقُرْآن وَإِنَّمَا ينْسب إِلَى الْعباد الْقِرَاءَة لِأَن الْقُرْآن كَلَام الرب وَالْقِرَاءَة فعل العَبْد وَلَيْسَ لأحد أَن يشرع فى أَمر الله بِغَيْر علم كَمَا زعم بَعضهم أَن الْقُرْآن بألفاظنا وألفاظنا بِهِ شئ وَاحِد والتلاوة هى المتلو وَالْقِرَاءَة هى المقروء فَقيل لَهُ إِن التِّلَاوَة فعل الْقَارئ وَعمل التالى فَرجع وَقَالَ ظننتهما مصدرين فَقيل لَهُ هلا أَمْسَكت كَمَا أمسك كثير من أَصْحَابك وَلَو بعثت إِلَى من كتب عَنْك واسترددت مَا أثبت وَضربت عَلَيْهِ فَزعم أَن كَيفَ يُمكن هَذَا وَقَالَ قلت وَمضى فَقلت لَهُ كَيفَ جَازَ لَك أَن تَقول فى الله شَيْئا لَا تقوم بِهِ شرحا وبيانا إِذا لم تميز بَين التِّلَاوَة والمتلو فَسكت إِذْ لم يكن عِنْده جَوَاب وَقَالَ أَبُو حَامِد الأعمشى رَأَيْت البخارى فى جَنَازَة سعيد بن مَرْوَان والذهلى يسْأَله عَن الْأَسْمَاء والكنى والعلل ويمر فِيهِ البخارى مثل السهْم فَمَا أَتَى على هَذَا شهر حَتَّى قَالَ الذهلى أَلا من يخْتَلف إِلَى مَجْلِسه فَلَا يأتينا فَإِنَّهُم كتبُوا إِلَيْنَا من بَغْدَاد أَنه تكلم فى اللَّفْظ ونهيناه فَلم ينْتَه فَلَا تقربوه قلت كَانَ البخارى على مَا روى وسنحكى مَا فِيهِ مِمَّن قَالَ لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق وَقَالَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلى من زعم أَن لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ مُبْتَدع لَا يُجَالس وَلَا يكلم وَمن زعم أَن الْقُرْآن مَخْلُوق فقد كفر وَإِنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّد بن يحيى وَالْعلم عِنْد الله مَا أَرَادَهُ أَحْمد بن حَنْبَل كَمَا قدمْنَاهُ فى تَرْجَمَة الكرابيسى من النهى عَن الْخَوْض فى هَذَا وَلم يرد مُخَالفَة البخارى وَإِن خَالفه وَزعم أَن لَفظه الْخَارِج من بَين شَفَتَيْه المحدثتين قديم فقد بَاء بِأَمْر عَظِيم وَالظَّن بِهِ خلاف ذَلِك

стр. 563

وَإِنَّمَا أَرَادَ هُوَ وَأحمد وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة النهى عَن الْخَوْض فى مسَائِل الْكَلَام وَكَلَام البخارى عندنَا مَحْمُول على ذكر ذَلِك عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ فَالْكَلَام فى الْكَلَام عِنْد الِاحْتِيَاج وَاجِب وَالسُّكُوت عَنهُ عِنْد عدم الِاحْتِيَاج سنة فَافْهَم ذَلِك ودع خرافات المؤرخين وَاضْرِبْ صفحا عَن تمويهات الضَّالّين الَّذين يظنون أَنهم محدثون وَأَنَّهُمْ عِنْد السّنة واقفون وهم عَنْهَا مبعدون وَكَيف يظنّ بالبخارى أَنه يذهب إِلَى شئ من أَقْوَال الْمُعْتَزلَة وَقد صَحَّ عَنهُ فِيمَا رَوَاهُ الفربرى وَغَيره أَنه قَالَ إنى لأستجهل من لَا يكفر الْجَهْمِية وَلَا يرتاب الْمنصف فى أَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلى لحقته آفَة الْحَسَد الَّتِى لم يسلم مِنْهَا إِلَّا أهل الْعِصْمَة وَقد سَأَلَ بَعضهم البخارى عَمَّا بَينه وَبَين مُحَمَّد بن يحيى فَقَالَ البخارى كم يعترى مُحَمَّد بن يحيى الْحَسَد فى الْعلم وَالْعلم رزق الله يُعْطِيهِ من يَشَاء وَلَقَد ظرف البخارى وَأَبَان عَن عَظِيم ذكائه حَيْثُ قَالَ وَقد قَالَ لَهُ أَبُو عَمْرو الْخفاف إِن النَّاس خَاضُوا فى قَوْلك لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق يَا أَبَا عَمْرو احفظ مَا أَقُول لَك من زعم من أهل نيسابور وقومس والرى وهمذان وبغداد والكوفة وَالْبَصْرَة وَمَكَّة وَالْمَدينَة أَنى قلت لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ كَذَّاب فإنى لم أَقَله إِلَّا أَنى قلت أَفعَال الْعباد مخلوقة قلت تَأمل كَلَامه مَا أذكاه وَمَعْنَاهُ وَالْعلم عِنْد الله إنى لم أقل لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق لِأَن الْكَلَام فى هَذَا خوض فى مسَائِل الْكَلَام وصفات الله الَّتِى لَا ينبغى الْخَوْض فِيهَا إِلَّا للضَّرُورَة ولكنى قلت أَفعَال الْعباد مخلوقة وهى قَاعِدَة مغنية عَن تَخْصِيص هَذِه الْمَسْأَلَة بِالذكر فَإِن كل عَاقل يعلم أَن لفظنا من جملَة أفعالنا وأفعالنا مخلوقة فألفاظنا مخلوقة

стр. 564

لقد أفْصح بِهَذَا الْمَعْنى فى رِوَايَة أُخْرَى صَحِيحَة عَنهُ رَوَاهَا حَاتِم بن أَحْمد بن الكندى قَالَ سَمِعت مُسلم بن الْحجَّاج فَذكر الْحِكَايَة وفيهَا أَن رجلا قَامَ إِلَى البخارى فَسَأَلَهُ عَن اللَّفْظ بِالْقُرْآنِ فَقَالَ أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا وفى الْحِكَايَة أَنه وَقع بَين الْقَوْم إِذْ ذَاك اخْتِلَاف على البخارى فَقَالَ بَعضهم قَالَ لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق وَقَالَ آخَرُونَ لم يقل قلت فَلم يكن الْإِنْكَار إِلَّا على من يتَكَلَّم فى الْقُرْآن فَالْحَاصِل مَا قدمْنَاهُ فى تَرْجَمَة الكرابيسى من أَن أَحْمد ابْن حَنْبَل وَغَيره من السادات الموفقين نهوا عَن الْكَلَام فى الْقُرْآن جملَة وَإِن لم يخالفوا فى مَسْأَلَة اللَّفْظ فِيمَا نظنه فيهم إجلالا لَهُم وفهما من كَلَامهم فى غير رِوَايَة ورفعا لمحلهم عَن قَول لَا يشْهد لَهُ مَعْقُول وَلَا مَنْقُول وَمن أَن الكرابيسى والبخارى وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة الموفقين أَيْضا أفصحوا بِأَن لَفظهمْ مَخْلُوق لما احتاجوا إِلَى الإفصاح هَذَا إِن ثَبت عَنْهُم الإفصاح بِهَذَا وَإِلَّا فقد نقلنا لَك قَول البخارى أَن من نقل عَنهُ هَذَا فقد كذب عَلَيْهِ فَإِن قلت إِذا كَانَ حَقًا لم لَا يفصح بِهِ قلت سُبْحَانَ الله قد أنبأناك أَن السِّرّ فِيهِ تشديدهم فى الْخَوْض فى علم الْكَلَام خشيَة أَن يجرهم الْكَلَام فِيهِ إِلَى مَا لَا ينبغى وَلَيْسَ كل علم يفصح بِهِ فاحفظ مَا نلقيه إِلَيْك وَاشْدُدْ عَلَيْهِ يَديك ويعجبنى مَا أنْشدهُ الغزالى فى منهاج العابدين لبَعض أهل الْبَيْت (إنى لأكتم من علمى جواهره ... كى لَا يرى الْحق ذُو جهل فيفتتنا) (يَا رب جَوْهَر علم لَو أبوح بِهِ ... لقيل لى أَنْت مِمَّن يعبد الوثنا) (ولاستحل رجال صَالِحُونَ دمى ... يرَوْنَ أقبح مَا يأتونه حسنا) (وَقد تقدم فى هَذَا أَبُو حسن ... إِلَى الْحُسَيْن ووصى قبله الحسنا)

стр. 565

ذكره النبأ عَن وَفَاته رضى الله عَنهُ قَالَ ابْن عدى سَمِعت عبد القدوس بن عبد الْجَبَّار السمرقندى يَقُول جَاءَ البخارى إِلَى خزتنك قَرْيَة من قرى سَمَرْقَنْد على فرسخين مِنْهَا وَكَانَ لَهُ بهَا أقرباء ينزل عِنْدهم قَالَ فَسَمعته لَيْلَة وَقد فرغ من صَلَاة اللَّيْل يَقُول فى دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إنى ضَاقَتْ على الأَرْض بِمَا رَحبَتْ فاقبضنى إِلَيْك قَالَ فَمَا تمّ الشَّهْر حَتَّى قَبضه الله وقبره بخرتنك وَعَن عبد الْوَاحِد بن آدم الطواويسى رَأَيْت النبى ﷺ فى الْمَنَام وَمَعَهُ جمَاعَة من أَصْحَابه فَسلمت عَلَيْهِ فَرد على السَّلَام فَقلت مَا وقوفك يَا رَسُول الله فَقَالَ (أنْتَظر مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى) فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام بلغنى مَوته فَنَظَرْنَا فَإِذا هُوَ قد مَاتَ فى السَّاعَة الَّتِى رَأَيْت النبى ﷺ فِيهَا قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله سَمِعت أَبَا صَالح خلف بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى يَقُول سَمِعت أَبَا حسان مهيب بن سليم الكرمانى يَقُول مَاتَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل ﵀ عندنَا لَيْلَة الْفطر أول لَيْلَة من شَوَّال سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ بلغ عمره اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة غير ثنتى عشرَة لَيْلَة وَكَانَ مولده فى شَوَّال سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَكَانَ فى بَيت وَحده فوجدناه لم أَصْبَحْنَا وَهُوَ ميت وَقَالَ بكر بن مُنِير بن خُلَيْد البخارى بعث الْأَمِير خَالِد بن أَحْمد الذهلى متولى بُخَارى إِلَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أَن احْمِلْ إِلَى كتاب الْجَامِع والتاريخ وَغَيرهمَا لأسْمع مِنْك فَقَالَ لرَسُوله أَنا لَا أذلّ الْعلم وَلَا أحملهُ إِلَى أَبْوَاب النَّاس فَإِن كَانَ لَهُ إِلَى شئ مِنْهُ حَاجَة فليحضر فى مسجدى أَو فى دارى وَإِن لم يُعجبهُ هَذَا فَإِنَّهُ سُلْطَان فليمنعنى
следующие страницы →