Полный текст (3 926 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
قصَّته مَعَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلى
قَالَ الْحسن بن مُحَمَّد بن جَابر قَالَ لنا الذهلى لما ورد البخارى نيسابور اذْهَبُوا إِلَى هَذَا الرجل الصَّالح فَاسْمَعُوا مِنْهُ فَذهب النَّاس إِلَيْهِ وَأَقْبلُوا على السماع مِنْهُ حَتَّى ظهر الْخلَل فى مجْلِس الذهلى فحسده بعد ذَلِك وَتكلم فِيهِ
وَقَالَ أَبُو أَحْمد بن عدى ذكر لى جمَاعَة من الْمَشَايِخ أَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل لما ورد نيسابور واجتمعوا عَلَيْهِ حسده بعض الْمَشَايِخ فَقَالَ لأَصْحَاب الحَدِيث إِن مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل يَقُول اللَّفْظ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فامتحنوه
فَلَمَّا حضر النَّاس قَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله مَا تَقول فى اللَّفْظ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق هُوَ أم غير مَخْلُوق فَأَعْرض عَنهُ وَلم يجبهُ فَأَعَادَ السُّؤَال فَأَعْرض عَنهُ ثمَّ أعَاد فَالْتَفت إِلَيْهِ البخارى وَقَالَ الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وأفعال الْعباد مخلوقة والامتحان بِدعَة
فشغب الرجل وشغب النَّاس وَتَفَرَّقُوا عَنهُ وَقعد البخارى فى منزله
قَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف الفربرى سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول أما أَفعَال الْعباد فمخلوقة فقد حَدثنَا على بن عبد الله حَدثنَا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة حَدثنَا أَبُو مَالك عَن ربعى عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ النبى ﷺ (إِن الله يصنع كل صانع وصنعته) وَسمعت عبيد الله بن سعيد سَمِعت يحيى بن سعيد يَقُول مَا زلت أسمع أَصْحَابنَا يَقُولُونَ إِن أَفعَال الْعباد مخلوقة
قَالَ البخارى حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة فَأَما الْقُرْآن المتلو الْمُثبت فى الْمَصَاحِف المسطور الْمَكْتُوب الموعى فى الْقُلُوب فَهُوَ كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق قَالَ الله تَعَالَى ﴿بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾
стр. 562
وَقَالَ يُقَال فلَان حسن الْقِرَاءَة وردئ الْقِرَاءَة وَلَا يُقَال حسن الْقُرْآن وَلَا ردئ الْقُرْآن وَإِنَّمَا ينْسب إِلَى الْعباد الْقِرَاءَة لِأَن الْقُرْآن كَلَام الرب وَالْقِرَاءَة فعل العَبْد وَلَيْسَ لأحد أَن يشرع فى أَمر الله بِغَيْر علم كَمَا زعم بَعضهم أَن الْقُرْآن بألفاظنا وألفاظنا بِهِ شئ وَاحِد والتلاوة هى المتلو وَالْقِرَاءَة هى المقروء
فَقيل لَهُ إِن التِّلَاوَة فعل الْقَارئ وَعمل التالى
فَرجع وَقَالَ ظننتهما مصدرين
فَقيل لَهُ هلا أَمْسَكت كَمَا أمسك كثير من أَصْحَابك وَلَو بعثت إِلَى من كتب عَنْك واسترددت مَا أثبت وَضربت عَلَيْهِ
فَزعم أَن كَيفَ يُمكن هَذَا وَقَالَ قلت وَمضى
فَقلت لَهُ كَيفَ جَازَ لَك أَن تَقول فى الله شَيْئا لَا تقوم بِهِ شرحا وبيانا إِذا لم تميز بَين التِّلَاوَة والمتلو فَسكت إِذْ لم يكن عِنْده جَوَاب
وَقَالَ أَبُو حَامِد الأعمشى رَأَيْت البخارى فى جَنَازَة سعيد بن مَرْوَان والذهلى يسْأَله عَن الْأَسْمَاء والكنى والعلل ويمر فِيهِ البخارى مثل السهْم فَمَا أَتَى على هَذَا شهر حَتَّى قَالَ الذهلى أَلا من يخْتَلف إِلَى مَجْلِسه فَلَا يأتينا فَإِنَّهُم كتبُوا إِلَيْنَا من بَغْدَاد أَنه تكلم فى اللَّفْظ ونهيناه فَلم ينْتَه فَلَا تقربوه
قلت كَانَ البخارى على مَا روى وسنحكى مَا فِيهِ مِمَّن قَالَ لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق
وَقَالَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلى من زعم أَن لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ مُبْتَدع لَا يُجَالس وَلَا يكلم وَمن زعم أَن الْقُرْآن مَخْلُوق فقد كفر
وَإِنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّد بن يحيى وَالْعلم عِنْد الله مَا أَرَادَهُ أَحْمد بن حَنْبَل كَمَا قدمْنَاهُ فى تَرْجَمَة الكرابيسى من النهى عَن الْخَوْض فى هَذَا وَلم يرد مُخَالفَة البخارى وَإِن خَالفه وَزعم أَن لَفظه الْخَارِج من بَين شَفَتَيْه المحدثتين قديم فقد بَاء بِأَمْر عَظِيم وَالظَّن بِهِ خلاف ذَلِك
стр. 563
وَإِنَّمَا أَرَادَ هُوَ وَأحمد وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة النهى عَن الْخَوْض فى مسَائِل الْكَلَام وَكَلَام البخارى عندنَا مَحْمُول على ذكر ذَلِك عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ فَالْكَلَام فى الْكَلَام عِنْد الِاحْتِيَاج وَاجِب وَالسُّكُوت عَنهُ عِنْد عدم الِاحْتِيَاج سنة
فَافْهَم ذَلِك ودع خرافات المؤرخين وَاضْرِبْ صفحا عَن تمويهات الضَّالّين الَّذين يظنون أَنهم محدثون وَأَنَّهُمْ عِنْد السّنة واقفون وهم عَنْهَا مبعدون وَكَيف يظنّ بالبخارى أَنه يذهب إِلَى شئ من أَقْوَال الْمُعْتَزلَة وَقد صَحَّ عَنهُ فِيمَا رَوَاهُ الفربرى وَغَيره أَنه قَالَ إنى لأستجهل من لَا يكفر الْجَهْمِية
وَلَا يرتاب الْمنصف فى أَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلى لحقته آفَة الْحَسَد الَّتِى لم يسلم مِنْهَا إِلَّا أهل الْعِصْمَة
وَقد سَأَلَ بَعضهم البخارى عَمَّا بَينه وَبَين مُحَمَّد بن يحيى فَقَالَ البخارى كم يعترى مُحَمَّد بن يحيى الْحَسَد فى الْعلم وَالْعلم رزق الله يُعْطِيهِ من يَشَاء
وَلَقَد ظرف البخارى وَأَبَان عَن عَظِيم ذكائه حَيْثُ قَالَ وَقد قَالَ لَهُ أَبُو عَمْرو الْخفاف إِن النَّاس خَاضُوا فى قَوْلك لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق يَا أَبَا عَمْرو احفظ مَا أَقُول لَك من زعم من أهل نيسابور وقومس والرى وهمذان وبغداد والكوفة وَالْبَصْرَة وَمَكَّة وَالْمَدينَة أَنى قلت لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ كَذَّاب فإنى لم أَقَله إِلَّا أَنى قلت أَفعَال الْعباد مخلوقة
قلت تَأمل كَلَامه مَا أذكاه وَمَعْنَاهُ وَالْعلم عِنْد الله إنى لم أقل لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق لِأَن الْكَلَام فى هَذَا خوض فى مسَائِل الْكَلَام وصفات الله الَّتِى لَا ينبغى الْخَوْض فِيهَا إِلَّا للضَّرُورَة ولكنى قلت أَفعَال الْعباد مخلوقة وهى قَاعِدَة مغنية عَن تَخْصِيص هَذِه الْمَسْأَلَة بِالذكر فَإِن كل عَاقل يعلم أَن لفظنا من جملَة أفعالنا وأفعالنا مخلوقة فألفاظنا مخلوقة
стр. 564
لقد أفْصح بِهَذَا الْمَعْنى فى رِوَايَة أُخْرَى صَحِيحَة عَنهُ رَوَاهَا حَاتِم بن أَحْمد بن الكندى قَالَ سَمِعت مُسلم بن الْحجَّاج فَذكر الْحِكَايَة وفيهَا أَن رجلا قَامَ إِلَى البخارى فَسَأَلَهُ عَن اللَّفْظ بِالْقُرْآنِ فَقَالَ أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا
وفى الْحِكَايَة أَنه وَقع بَين الْقَوْم إِذْ ذَاك اخْتِلَاف على البخارى فَقَالَ بَعضهم قَالَ لفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق وَقَالَ آخَرُونَ لم يقل
قلت فَلم يكن الْإِنْكَار إِلَّا على من يتَكَلَّم فى الْقُرْآن
فَالْحَاصِل مَا قدمْنَاهُ فى تَرْجَمَة الكرابيسى من أَن أَحْمد ابْن حَنْبَل وَغَيره من السادات الموفقين نهوا عَن الْكَلَام فى الْقُرْآن جملَة وَإِن لم يخالفوا فى مَسْأَلَة اللَّفْظ فِيمَا نظنه فيهم إجلالا لَهُم وفهما من كَلَامهم فى غير رِوَايَة ورفعا لمحلهم عَن قَول لَا يشْهد لَهُ مَعْقُول وَلَا مَنْقُول وَمن أَن الكرابيسى والبخارى وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة الموفقين أَيْضا أفصحوا بِأَن لَفظهمْ مَخْلُوق لما احتاجوا إِلَى الإفصاح هَذَا إِن ثَبت عَنْهُم الإفصاح بِهَذَا وَإِلَّا فقد نقلنا لَك قَول البخارى أَن من نقل عَنهُ هَذَا فقد كذب عَلَيْهِ
فَإِن قلت إِذا كَانَ حَقًا لم لَا يفصح بِهِ
قلت سُبْحَانَ الله قد أنبأناك أَن السِّرّ فِيهِ تشديدهم فى الْخَوْض فى علم الْكَلَام خشيَة أَن يجرهم الْكَلَام فِيهِ إِلَى مَا لَا ينبغى وَلَيْسَ كل علم يفصح بِهِ فاحفظ مَا نلقيه إِلَيْك وَاشْدُدْ عَلَيْهِ يَديك
ويعجبنى مَا أنْشدهُ الغزالى فى منهاج العابدين لبَعض أهل الْبَيْت
(إنى لأكتم من علمى جواهره ... كى لَا يرى الْحق ذُو جهل فيفتتنا)
(يَا رب جَوْهَر علم لَو أبوح بِهِ ... لقيل لى أَنْت مِمَّن يعبد الوثنا)
(ولاستحل رجال صَالِحُونَ دمى ... يرَوْنَ أقبح مَا يأتونه حسنا)
(وَقد تقدم فى هَذَا أَبُو حسن ... إِلَى الْحُسَيْن ووصى قبله الحسنا)
стр. 565
ذكره النبأ عَن وَفَاته رضى الله عَنهُ
قَالَ ابْن عدى سَمِعت عبد القدوس بن عبد الْجَبَّار السمرقندى يَقُول جَاءَ البخارى إِلَى خزتنك قَرْيَة من قرى سَمَرْقَنْد على فرسخين مِنْهَا وَكَانَ لَهُ بهَا أقرباء ينزل عِنْدهم قَالَ فَسَمعته لَيْلَة وَقد فرغ من صَلَاة اللَّيْل يَقُول فى دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إنى ضَاقَتْ على الأَرْض بِمَا رَحبَتْ فاقبضنى إِلَيْك
قَالَ فَمَا تمّ الشَّهْر حَتَّى قَبضه الله وقبره بخرتنك
وَعَن عبد الْوَاحِد بن آدم الطواويسى رَأَيْت النبى ﷺ فى الْمَنَام وَمَعَهُ جمَاعَة من أَصْحَابه فَسلمت عَلَيْهِ فَرد على السَّلَام فَقلت مَا وقوفك يَا رَسُول الله فَقَالَ (أنْتَظر مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى) فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام بلغنى مَوته فَنَظَرْنَا فَإِذا هُوَ قد مَاتَ فى السَّاعَة الَّتِى رَأَيْت النبى ﷺ فِيهَا
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله سَمِعت أَبَا صَالح خلف بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى يَقُول سَمِعت أَبَا حسان مهيب بن سليم الكرمانى يَقُول مَاتَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل ﵀ عندنَا لَيْلَة الْفطر أول لَيْلَة من شَوَّال سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ بلغ عمره اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة غير ثنتى عشرَة لَيْلَة وَكَانَ مولده فى شَوَّال سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَكَانَ فى بَيت وَحده فوجدناه لم أَصْبَحْنَا وَهُوَ ميت
وَقَالَ بكر بن مُنِير بن خُلَيْد البخارى بعث الْأَمِير خَالِد بن أَحْمد الذهلى متولى بُخَارى إِلَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أَن احْمِلْ إِلَى كتاب الْجَامِع والتاريخ وَغَيرهمَا لأسْمع مِنْك
فَقَالَ لرَسُوله أَنا لَا أذلّ الْعلم وَلَا أحملهُ إِلَى أَبْوَاب النَّاس فَإِن كَانَ لَهُ إِلَى شئ مِنْهُ حَاجَة فليحضر فى مسجدى أَو فى دارى وَإِن لم يُعجبهُ هَذَا فَإِنَّهُ سُلْطَان فليمنعنى
стр. 566
من الْجُلُوس ليَكُون لى عذر عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة لِئَلَّا أكتم الْعلم فَكَانَ هَذَا سَبَب الوحشة بَينهمَا
وَقَالَ أَبُو بكر بن أَبى عَمْرو البخارى كَانَ سَبَب منافرة البخارى أَن خَالِد بن أَحْمد خَليفَة الظَّاهِرِيَّة ببخارى سَأَلَهُ أَن يحضر منزله فَيقْرَأ الْجَامِع والتاريخ على أَوْلَاده فَامْتنعَ فراسله بِأَن يعْقد مَجْلِسا خَاصّا لَهُم فَامْتنعَ وَقَالَ لَا أخص أحدا فاستعان عَلَيْهِ بحريث بن أَبى الورقاء وَغَيره حَتَّى تكلمُوا فى مذْهبه ونفاه عَن الْبَلَد فَدَعَا عَلَيْهِم فَلم يَأْتِ إِلَّا شهر حَتَّى ورد أَمر الظَّاهِرِيَّة بِأَن يُنَادى على خَالِد فى الْبَلَد فنودى عَلَيْهِ على أتان وَأما حُرَيْث فَابْتلى بأَهْله وَرَأى فِيهَا مَا يجل عَن الْوَصْف وَأما فلَان فَابْتلى بأولاده
رَوَاهَا الْحَاكِم عَن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الضبى عَن أَبى بكر هَذَا
وحريث بن أَبى الورقاء من كبار فُقَهَاء الرأى ببخارى
قَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم سَمِعت غَالب بن جِبْرِيل وَهُوَ الذى نزل عَلَيْهِ أَبُو عبد الله يَقُول أَقَامَ أَبُو عبد الله عندنَا أَيَّامًا فَمَرض وَاشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض حَتَّى جَاءَ رَسُول إِلَى سَمَرْقَنْد بِإِخْرَاجِهِ فَلَمَّا وافى تهَيَّأ للرُّكُوب فَلبس خفيه وتعمم فَلَمَّا مَشى قدر عشْرين خطْوَة أَو نَحْوهَا وَأَنا آخذ بعضده وَرجل آخر معى يَقُود الدَّابَّة ليرْكبَهَا فَقَالَ ﵀ أرسلونى فقد ضعفت فَدَعَا بدعوات ثمَّ اضْطجع فَقضى ﵀ فَسَالَ مِنْهُ من الْعرق شئ لَا يُوصف فَمَا سكن مِنْهُ الْعرق إِلَى أَن أدرجناه فى ثِيَابه
وَكَانَ فِيمَا قَالَ لنا وَأوصى إِلَيْنَا أَن كفنونى فى ثَلَاثَة أَثوَاب بيض لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة فَفَعَلْنَا ذَلِك
فَلَمَّا دفناه فاح من تُرَاب قَبره رَائِحَة غَالِيَة فدام على ذَلِك أَيَّامًا ثمَّ علت سوارى بيض فى السَّمَاء مستطيلة بحذاء قَبره فَجعل النَّاس يَخْتَلِفُونَ ويتعجبون
وَأما التُّرَاب فَإِنَّهُم كَانُوا يرفعون عَن الْقَبْر حَتَّى ظهر الْقَبْر وَلم يكن يقدر على حفظ
стр. 567
الْقَبْر بالحراس وغلبنا على أَنْفُسنَا فنصبنا على الْقَبْر خشبا مشبكا لم يكن أحد يقدر على الْوُصُول إِلَى الْقَبْر
وَأما ريح الطّيب فَإِنَّهُ تداوم أَيَّامًا كَثِيرَة حَتَّى تحدث أهل الْبَلدة وتعجبوا من ذَلِك
وَظهر عِنْد مخالفيه أمره بعد وَفَاته وَخرج بعض مخالفيه إِلَى قَبره وَأظْهر التَّوْبَة والندامة
قَالَ مُحَمَّد وَلم يَعش غَالب بعده إِلَّا الْقَلِيل وَدفن إِلَى جَانِبه
وَقَالَ أَبُو على الغسانى الْحَافِظ أخبرنَا أَبُو الْفَتْح نصر بن الْحسن السُّكْنَى السمرقندى قدم علينا بلنسية عَام أَربع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة قَالَ قحط الْمَطَر عندنَا بسمرقند فى بعض الأعوام فَاسْتَسْقَى النَّاس مرَارًا فَلم يسقوا فَأتى رجل صَالح مَعْرُوف بالصلاح إِلَى قاضى سَمَرْقَنْد فَقَالَ لَهُ إنى قد رَأَيْت رَأيا أعرضه عَلَيْك
قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ أرى أَن تخرج وَيخرج النَّاس مَعَك إِلَى قبر الإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى ونستسقى عِنْده فَعَسَى الله أَن يسقينا فَقَالَ القاضى نعم مَا رَأَيْت
فَخرج القاضى وَالنَّاس مَعَه واستسقى القاضى بِالنَّاسِ وَبكى النَّاس عِنْد الْقَبْر وتشفعوا بِصَاحِبِهِ فَأرْسل الله تَعَالَى السَّمَاء بِمَاء عَظِيم غزير فَقَامَ النَّاس من أَجله بخرتنك سَبْعَة أَيَّام أَو نَحْوهَا لَا يَسْتَطِيع أحد الْوُصُول إِلَى سَمَرْقَنْد من كَثْرَة الْمَطَر وغزارته وَبَين سَمَرْقَنْد وخرتنك نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال
قلت وَأما الْجَامِع الصَّحِيح وَكَونه ملْجأ للمعضلات ومجربا لقَضَاء الْحَوَائِج فَأمر مَشْهُور وَلَو اندفعنا فى ذكر تَفْصِيل ذَلِك وَمَا اتّفق فِيهِ لطال الشَّرْح
стр. 568
ذكر نخب وفوائد ولطائف عَن أَبى عبد الله
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَمن شعر البخارى قَرَأت بِخَط أَبى عَمْرو المستملى وَأنْشد البخارى
(اغتنم فى الْفَرَاغ فضل رُكُوع ... فَعَسَى أَن يكون موتك بغته)
(كم صَحِيح رَأَيْت من غير سقم ... ذهبت نَفسه الصَّحِيحَة قلته)
قَالَ وَأنْشد البخارى
(خَالق النَّاس بِخلق وَاسع ... لَا تكن كَلْبا على النَّاس تهر)
قَالَ وَأنْشد أَبُو عبد الله
(مثل الْبَهَائِم لَا ترى آجالها ... حَتَّى تساق إِلَى المجازر تنحر)
قَالَ وَأنْشد البخارى
(إِن تبْق تفجع بالأحبة كلهم ... وفناء نَفسك لَا أَبَا لَك أفجع)
قلت هَذَا أحسن وَأجْمع من قَول الْقَائِل
(وَمن يعمر يلق فى نَفسه ... مَا يتمناه لأعدائه)
وَمن قَول الطغرائى
(هَذَا جَزَاء امرىء أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الْأَجَل)
وهى من قصيدته الَّتِى تسمى لامية الْعَجم وهى هَذِه
(أَصَالَة الرأى صانتنى عَن الخطل ... وَحلية الْفضل زانتنى لَدَى العطل)
(مجدى أخيرا ومجدى أَولا شرع ... وَالشَّمْس رأد الضخى كَالشَّمْسِ فى الطِّفْل)
стр. 569
(فى م الْإِقَامَة بالزوراء لَا سُكْنى ... بهَا وَلَا ناقتى فِيهَا وَلَا جملى)
(ناء عَن الْأَهْل صفر الرحل مُنْفَرد ... كالسيف عرى متناه من الْخلَل)
(فَلَا صديق إِلَيْهِ مشتكى حزنى ... وَلَا أنيس لَدَيْهِ مُنْتَهى جذلى)
(طَال اغترابى حَتَّى حن راحلتى ... ورحلها وقرى العسالة الذبل)
(وضج من لغب نضوى وعج لما ... يلقى ركابى ولج الركب فى عذلى)
(أُرِيد بسطة كف أستعين بهَا ... على قَضَاء حُقُوق للعلى قبلى)
(والدهر يعكس آمالى ويقنعنى ... من الْغَنِيمَة بعد الكد بالقفل)
(وذى شطاط كصدر الرمْح معتقل ... لمثله غير هياب وَلَا وكل)
(حُلْو الفكاهة مر الْجد قد مزجت ... بِقُوَّة الْبَأْس مِنْهُ رقة الْغَزل)
(طردت سرح الْكرَى عَن ورد مقلته ... وَاللَّيْل أغرى سوام النّوم بالمقل)
(والركب ميل على الأكوار من طرب ... صَاح وَآخر من خمر الْكرَى ثمل)
(فَقلت أَدْعُوك للجلى لتنصرنى ... وَأَنت تخذلنى فى الْحَادِث الجلل)
(تنام عينى وَعين النَّجْم ساهرة ... وتستحيل وصبغ اللَّيْل لم يحل)
(فَهَل تعين على غى هَمَمْت بِهِ ... والغى يزْجر أَحْيَانًا عَن الفشل)
стр. 570
(إنى أُرِيد طروق الْجزع من إضم ... وَقد حماه رُمَاة الحى من ثعل)
(يحْمُونَ بالبيض والسمر اللدان بِهِ ... سود الغدائر حمر الحلى وَالْحلَل)
(فسر بِنَا فى ذمام اللَّيْل مهتديا ... فنفحة الطّيب تهدينا إِلَى الْحلَل)
(فالحب حَيْثُ العدى والأسد رابضة ... حول الكناس لَهَا غَابَ من الأسل)
(نوم ناشئة بالجزع قد سقيت ... نصالها بمياه الغنج والكحل)
(قد زَاد طيب أَحَادِيث الْكِرَام بهَا ... مَا بالكرائم من جبن وَمن بخل)
(تبيت نَار الْهوى مِنْهُنَّ فى كبد ... حرى ونار الْقرى مِنْهُم على القلل)
(يقتلن أنضاء حب لَا حراك بِهِ ... وينحرون كرام الْخَيل وَالْإِبِل)
(يشفى لديغ العوالى فى بُيُوتهم ... بنهلة من غَدِير الْخمر وَالْعَسَل)
(لَعَلَّ إلمامة بالجزع ثَانِيَة ... يدب مِنْهَا نسيم الْبُرْء فى عللى)
(لَا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشقة من نبال الْأَعْين النجل)
(وَلَا أهاب الصفاح الْبيض تسعدنى ... باللمح من صفحات الْبيض فى الكلل)
стр. 571
(وَلَا أخل بغزلان أغازلها ... وَلَو دهتنى أسود الغيل بالغيل)
(حب السَّلامَة يثنى هم صَاحبه ... عَن المعالى ويغرى الْمَرْء بِالْكَسَلِ)
(فَإِن جنحت إِلَيْهِ فَاتخذ نفقا ... فى الأَرْض أَو مصعدا فى الجو فاعتزل)
(ودع غمار العلى للمقدمين على ... ركُوبهَا واقتنع مِنْهُنَّ بالبلل)
(رضَا الذَّلِيل بخفض الْعَيْش مسكنة ... والعز عِنْد رسيم الأينق الذلل)
(فادرأ بهَا فى نحور البيد جافلة ... معارضات مثانى اللجم بالجدل)
(إِن العلى حدثتنى وهى صَادِقَة ... فِيمَا تحدث أَن الْعِزّ فى النَّقْل)
(لَو أَن فى شرف المأوى بُلُوغ علا ... لم تَبْرَح الشَّمْس يَوْمًا دارة الْحمل)
(أهبت بالحظ لَو ناديت مستمعا ... والحظ عَنى بالجهال فى شغل)
(لَعَلَّه إِن بدا فضلى ونقصهم ... لعَينه نَام عَنْهُم أَو تنبه لى)
(أعلل النَّفس بالآمال أرقبها ... مَا أضيق الْعَيْش لَوْلَا فسحة الأمل)
(لم أَرض بالعيش وَالْأَيَّام مقبلة ... فَكيف أرْضى وَقد ولت على عجل)
(غالى بنفسى عرفانى بِقِيمَتِهَا ... فصنتها عَن رخيص الْقدر مبتذل)
(وَعَادَة النصل أَن يزهى بجوهره ... وَلَيْسَ يعْمل إِلَّا فى يدى بَطل)
стр. 572
(مَا كنت أوثر أَن يَمْتَد بى زمنى ... حَتَّى أرى دولة الأوغاد والسفل)
(تقدمتنى رجال كَانَ شوطهم ... وَرَاء خطوى لَو أمشى على مهل)
(هَذَا جَزَاء امرىء أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الْأَجَل)
(وَإِن علانى من دونى فَلَا عجب ... لى أُسْوَة بانحطاط الشَّمْس عَن زحل)
(فاصبر لَهَا غير محتال وَلَا ضجر ... فى حَادث الدَّهْر مَا يغنى عَن الْحِيَل)
(أعدى عَدوك أدنى من وثقت بِهِ ... فحاذر النَّاس واصحبهم على دخل)
(وَإِنَّمَا رجل الدُّنْيَا وواحدها ... من لَا يعول فى الدُّنْيَا على رجل)
(وَحسن ظَنك بِالْأَيَّامِ معْجزَة ... فَظن شرا وَكن مِنْهَا على وَجل)
(غاض الْوَفَاء وفاض الْغدر وانفرجت ... مَسَافَة الْخلف بَين القَوْل وَالْعَمَل)
(وشان صدقك عِنْد النَّاس كذبهمْ ... وَهل يُطَابق معوج بمعتدل)
(إِن كَانَ ينجع شىء فى ثباتهم ... على العهود فَسبق السَّيْف للعذل)
(يَا واردا سُؤْر عَيْش كُله كدر ... أنفقت صفوك فى أيامك الأول)
(فى م اعتراضك لج الْبَحْر تركبه ... وَأَنت يَكْفِيك مِنْهُ مصة الوشل)
(ملك القناعة لَا يخْشَى عَلَيْهِ وَلَا ... يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْأَنْصَار والخول)
(ترجو الْبَقَاء بدار لَا ثبات لَهَا ... فَهَل سَمِعت بِظِل غير منتقل)
(أيا خَبِيرا على الْأَسْرَار مطلعا ... اصمت ففى الصمت منجاة من الزلل)
стр. 573
(قد رشحوك لأمر لَو فطنت لَهُ ... فاربأ بِنَفْسِك أَن ترعى مَعَ الهمل)
فى صَحِيح البخارى عَن الْحسن أَن من عَلَيْهِ صَوْم رَمَضَان إِذا مَاتَ فصَام عَنهُ ثَلَاثُونَ رجلا فى يَوْم وَاحِد أَجزَأَهُ
فرع غَرِيب
يَقع تَفْرِيعا على القَوْل بِأَنَّهُ يصام عَن الْمَيِّت وَقد ذكره النووى فى شرح الْمُهَذّب وَقَالَ لم أر لِأَصْحَابِنَا فِيهِ كلَاما قَالَ وَهُوَ الظَّاهِر
وَكَذَلِكَ قَالَ الْوَالِد فى شرح الْمِنْهَاج إِن مَا قَالَه الْحسن هُوَ الظَّاهِر الذى نعتقده
اسْتدلَّ البخارى على جَوَاز النّظر إِلَى المخطوبة بقول النبى ﷺ لعَائِشَة رضى الله عَنْهَا (رَأَيْتُك فى الْمَنَام يجىء بك الْملك فى سَرقَة من حَرِير فَقَالَ لى هَذِه امْرَأَتك فَكشفت عَن وَجهك الثَّوْب فَإِذا أَنْت هى)
قَالَ الْوَالِد ﵀ فى شرح الْمِنْهَاج وَهَذَا اسْتِدْلَال حسن لِأَن فعل النبى ﷺ فى النّوم واليقظة سَوَاء وَقد كشف عَن وَجههَا
ذكر أَبُو عَاصِم العبادى أَن الساجى قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن الْحُسَيْن عَن الشافعى أَنه قَالَ يكره أَن يَقُول الرجل قَالَ الرَّسُول بل يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ ليَكُون مُعظما انْتهى
وَالْحُسَيْن هُوَ الكرابيسى وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل هُوَ البخارى فِيمَا ذكر أَبُو عَاصِم
стр. 574
وَرَأَيْت بِخَط ابْن الصّلاح أَحسب أَبَا عَاصِم واهما وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل هَذَا هُوَ السلمى
نقلت من خطّ الشَّيْخ الإِمَام ﵀ قَالَ ابْن بشكوال فى الصِّلَة فى تَارِيخ الأندلس فى تَرْجَمَة عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْبر وَالِد أَبى عمر وَقد جوز البخارى أَن يحدث الرجل عَن كتاب أَبِيه بتبيين أَنه خطه دون خطّ غَيره
قَالَ الْوَالِد قَوْله دون خطّ غَيره إِن كَانَ المُرَاد بتبين أَن لَيْسَ خطّ غَيره فَهُوَ مُوَافق لما قَالَه النَّاس وَإِن كَانَ المُرَاد أَنه لَا يحدث عَن خطّ غَيره فَغير مَعْرُوف
٥١ - مُحَمَّد بن عَاصِم بن يحيى أَبُو عبد الله الأصبهانى كَاتب القاضى
رَحل وَأخذ عَن أَصْحَاب الشافعى وَابْن وهب
وَسمع من على بن حَرْب وَسَلَمَة بن شبيب
روى عَنهُ أَحْمد بن بنْدَار والطبرانى وَغَيرهمَا
قَالَ أَبُو الشَّيْخ صنف كتبا كَثِيرَة
توفى سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
стр. 575
٥٢ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مخلد أَبُو الْحُسَيْن الأصبهانى
يعرف بِصَاحِب الشافعى وبوراق الرّبيع بن سُلَيْمَان
نزل مصر وَحدث عَن قُتَيْبَة بن سعيد وَمُحَمّد بن أَبى بكر المقدمى وهانئ ابْن المتَوَكل وَدَاوُد بن رشيد وَجَمَاعَة
روى عَنهُ ابْن جوصا وَغَيره
توفى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ
وَقَالَ أَبُو نعيم بل بعد ذَلِك
٥٣ - مُحَمَّد بن على البجلى القيروانى
... . .
стр. 576
٥٤ - مُحَمَّد بن عقيل الفريابى أَبُو سعيد وَعقيل بِضَم الْعين ثمَّ قَاف مَفْتُوحَة
من أَصْحَاب أَبى إِسْمَاعِيل المزنى وَالربيع بن سُلَيْمَان
حدث بِمصْر عَن قُتَيْبَة بن سعيد وَدَاوُد بن مِخْرَاق وَجَمَاعَة
وَعنهُ على بن مُحَمَّد المصرى الْوَاعِظ وَأَبُو مُحَمَّد بن الْورْد وَأَبُو طَالب أَحْمد بن نصر وَغَيرهم
وَكَانَ من الْفُقَهَاء الشافعيين بِمصْر
توفى بهَا فى صفر سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
قَالَ البيهقى فى كتاب الْمدْخل أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ أخبرنى أَبُو عبد الله الزبير بن عبد الْوَاحِد الْحَافِظ الأسداباذى قَالَ سَمِعت أَبَا سعيد مُحَمَّد بن عقيل الفريابى يَقُول قَالَ المزنى أَو الرّبيع كُنَّا يَوْمًا عِنْد الشافعى بَين الظّهْر وَالْعصر عِنْد الصحن فى الصّفة والشافعى قد اسْتندَ إِمَّا قَالَ إِلَى الأسطوانة وَإِمَّا قَالَ إِلَى غَيرهَا إِذْ جَاءَ شيخ عَلَيْهِ جُبَّة صوف وعمامة صوف وَإِزَار صوف وفى يَده عكازه قَالَ فَقَامَ الشافعى وَسوى عَلَيْهِ ثِيَابه واستوى جَالِسا قَالَ وَسلم الشَّيْخ وَجلسَ وَأخذ الشافعى ينظر إِلَى الشَّيْخ هَيْبَة لَهُ إِذْ قَالَ لَهُ الشَّيْخ أسأَل
قَالَ الشافعى سل قَالَ أيش الْحجَّة فى دين الله
فَقَالَ الشافعى كتاب الله
стр. 577
قَالَ وماذا قَالَ وَسنة رَسُول الله ﷺ
قَالَ وماذا
قَالَ اتِّفَاق الْأمة
قَالَ من أَيْن قلت اتِّفَاق الْأمة
قَالَ من كتاب الله
قَالَ من أَيْن فى كتاب الله
قَالَ فَتدبر الشافعى سَاعَة
فَقَالَ الشَّيْخ قد أجلتك ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها فَإِن جِئْت بِحجَّة من كتاب الله فى الِاتِّفَاق وَإِلَّا تب إِلَى الله
قَالَ فَتغير لون الشافعى ثمَّ إِنَّه ذهب فَلم يخرج ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن
قَالَ فَخرج إِلَيْنَا فى الْيَوْم الثَّالِث فى ذَلِك الْوَقْت يعْنى بَين الظّهْر وَالْعصر وَقد انتفخ وَجهه ويداه وَرجلَاهُ وَهُوَ مسقام فَجَلَسَ قَالَ فَلم يكن بأسرع من أَن جَاءَ الشَّيْخ فَسلم وَجلسَ فَقَالَ حاجتى
فَقَالَ الشافعى نعم أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ الله ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ لَا نصليه على خلاف الْمُؤمنِينَ إِلَّا وَهُوَ فرض
فَقَالَ صدقت وَقَامَ وَذهب
قَالَ الفريابى قَالَ المزنى أَو الرّبيع قَالَ الشافعى لما ذهب الرجل قَرَأت الْقُرْآن فى كل يَوْم وَلَيْلَة ثَلَاث مَرَّات حَتَّى وقفت عَلَيْهِ
стр. 578
قلت إِن ثبتَتْ هَذِه الْحِكَايَة فَيمكن أَن يكون هَذَا الشَّيْخ الْخضر ﵇ وَقد فهمه الشافعى حِين أَجله واستمع لَهُ وأصغى لإغلاظه فى القَوْل وَاعْتمد إِشَارَته وَسَنَد هَذِه الْحِكَايَة صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ
٥٥ - مُحَمَّد بن على بن الْحسن بن بشر الْمُحدث الزَّاهِد أَبُو عبد الله الْحَكِيم الترمذى
الصوفى صَاحب التصانيف
سمع الْكثير من الحَدِيث بخراسان وَالْعراق
وَحدث عَن أَبِيه وَعَن قُتَيْبَة بن سعيد وَصَالح بن عبد الله الترمذى وَصَالح بن مُحَمَّد الترمذى وعَلى بن حجر السعدى وَيَعْقُوب الدورقى وسُفْيَان بن وَكِيع وَغَيرهم
روى عَنهُ يحيى بن مَنْصُور القاضى وَغَيره من عُلَمَاء نيسابور فَإِنَّهُ حدث بهَا فى سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
لقى الْحَكِيم أَبُو عبد الله أَبَا تُرَاب النخشبى وَصَحب يحيى بن الْجلاء
قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى نفوه من ترمذ وأخرجوه مِنْهَا وشهدوا عَلَيْهِ بالْكفْر وَذَلِكَ بِسَبَب تصنيفه كتاب ختم الْولَايَة وَكتاب علل الشَّرِيعَة وَقَالُوا إِنَّه يَقُول إِن للأولياء خَاتمًا كَمَا أَن للأنبياء خَاتمًا وَإنَّهُ يفضل الْولَايَة على النُّبُوَّة وَاحْتج بقوله ﵇ ? < يَغْبِطهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاء > ? وَقَالَ لولم يَكُونُوا أفضل مِنْهُم لم يغبطوهم فجَاء إِلَى بَلخ فقبلوه بِسَبَب مُوَافَقَته إيَّاهُم على الْمَذْهَب ثمَّ اعتذر السلمى عَنهُ ببعد فهم الفاهمين
стр. 579
قلت وَلَعَلَّ الْأَمر كَمَا زعم السلمى وَإِلَّا فَمَا نظن بِمُسلم أَنه يفضل بشرا غير الْأَنْبِيَاء ﵈ على الْأَنْبِيَاء
وَمن تصانيف الترمذى كتاب الفروق لَا بَأْس بِهِ بل لَيْسَ فى بَابه مثله يفرق فِيهِ بَين المداراة والمداهنة والمحاجة والمجادلة والمناظرة والمغالبة والانتصار والانتقام وهلم جرا من أُمُور مُتَقَارِبَة الْمَعْنى وَله أَيْضا كتاب غرس الْمُوَحِّدين وَكتاب عود الْأُمُور وَكتاب المناهى وَكتاب شرح الصَّلَاة
٥٦ - مُحَمَّد بن نصر المروزى الإِمَام الْجَلِيل أَبُو عبد الله
أحد أَعْلَام الْأمة وعقلائها وعبادها
ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد وَنَشَأ بنيسابور وَسكن سَمَرْقَنْد وَكَانَ أَبوهُ مروزيا
سمع مُحَمَّد بن نصر هِشَام بن عمار وَهِشَام بن خَالِد وَالْمُسَيب بن وَاضح وَيحيى بن يحيى وَإِسْحَاق وعَلى بن بَحر الْقطَّان وَالربيع بن سُلَيْمَان وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَعَمْرو بن زُرَارَة وعَلى بن حجر وهدبة وشيبان وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وخلقا
وتفقه على أَصْحَاب الشافعى
روى عَنهُ أَبُو الْعَبَّاس السراج وَأَبُو حَامِد بن الشرقى وَمُحَمّد بن الْمُنْذر شكر وَأَبُو عبد الله بن الأخرم وَابْنه إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن نصر وَطَائِفَة
стр. 580
قَالَ الْحَاكِم هُوَ الْفَقِيه العابد الْعَالم إِمَام أهل الحَدِيث فى عصره بِلَا مدافعة
وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ من أعلم النَّاس باخْتلَاف الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ فى الْأَحْكَام
وَقَالَ ابْن حزم فى بعض تآليفه أعلم النَّاس من كَانَ أجمعهم للسنن وأضبطهم لَهَا وأذكرهم لمعانيها وأدراهم بِصِحَّتِهَا وَبِمَا أجمع النَّاس عَلَيْهِ مِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ وَمَا نعلم هَذِه الصّفة بعد الصَّحَابَة أتم مِنْهَا فى مُحَمَّد بن نصر المروزى فَلَو قَالَ قَائِل لَيْسَ لرَسُول الله ﷺ حَدِيث وَلَا لأَصْحَابه إِلَّا وَهُوَ عِنْد مُحَمَّد بن نصر لما بعد عَن الصدْق
وَقَالَ أَبُو ذَر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن يُوسُف القاضى كَانَ الصَّدْر الأول من مَشَايِخنَا يَقُولُونَ رجال خُرَاسَان أَرْبَعَة ابْن الْمُبَارك وَيحيى بن يحيى وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَمُحَمّد بن نصر المروزى
وَقَالَ أَبُو بكر الصيرفى لَو لم يصنف المروزى إِلَّا كتاب الْقسَامَة لَكَانَ من أفقه النَّاس فَكيف وَقد صنف كتبا سواهَا وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشيرازى صنف مُحَمَّد هَذَا كتبا ضمنهَا الْآثَار وَالْفِقْه وَكَانَ من أعلم النَّاس باخْتلَاف الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ فى الْأَحْكَام وصنف كتابا فِيمَا خَالف فِيهِ أَبُو حنيفَة عليا وَعبد الله رضى الله عَنْهُمَا
وَقَالَ ابْن الأخرم انْصَرف مُحَمَّد بن نصر من الرحلة الثَّانِيَة سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ فاستوطن نيسابور وَلم تزل تِجَارَته بنيسابور أَقَامَ مَعَ شريك لَهُ مضَارب وَهُوَ يشْتَغل بِالْعلمِ وَالْعِبَادَة ثمَّ خرج سنة خمس وَسبعين إِلَى سَمَرْقَنْد فَأَقَامَ بهَا وشريكه بنيسابور وَكَانَ وَقت مقَامه هُوَ الْمُفْتى والمقدم بعد وَفَاة مُحَمَّد ابْن يحيى فَإِن حيكان يعْنى يحيى بن مُحَمَّد بن يحيى وَمن بعده أقرُّوا لَهُ بِالْفَضْلِ والتقدم
قَالَ ابْن الأخرم حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن قُتَيْبَة سَمِعت مُحَمَّد بن يحيى غير مرّة إِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة يَقُول سلوا أَبَا عبد الله المروزى
وَقَالَ أَبُو بكر الصبغى فِيمَا أخبرنَا بِهِ الشَّيْخ الإِمَام الْفَقِيه شيخ الشَّافِعِيَّة
стр. 581
برهَان الدّين أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم ابْن شيخ الشَّافِعِيَّة تَاج الدّين أَبى مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن ابْن إِبْرَاهِيم الفزارى فى كِتَابه إِلَى من دمشق وَعمر بن الْحسن المراغى بقراءتى عَلَيْهِ قَالَ الأول أخبرنَا الْمُسلم بن مُحَمَّد بن الْمُسلم القيسى سَمَاعا عَلَيْهِ وَقَالَ الثانى أخبرنَا أَبُو الْفَتْح يُوسُف بن يَعْقُوب بن المجاور إجَازَة قَالَا أخبرنَا أَبُو الْيمن زيد بن الْحسن الكندى سَمَاعا قَالَ أخبرنَا أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَزاز سَمَاعا قَالَ أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن على بن ثَابت الْخَطِيب قَالَ أخبرنى مُحَمَّد بن على بن يَعْقُوب الْمعدل قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله النيسابورى قَالَ سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق يَقُول أدْركْت إمامين لم أرزق السماع مِنْهُمَا أَبَا حَاتِم الرازى وَمُحَمّد بن نصر المروزى فَأَما مُحَمَّد بن نصر فَمَا رَأَيْت أحسن صَلَاة مِنْهُ وَلَقَد بلغنى أَن زنبورا قعد على جَبهته فَسَالَ الدَّم على وَجهه وَلم يَتَحَرَّك
وَقَالَ ابْن الأخرم مَا رَأَيْت أحسن صَلَاة من مُحَمَّد بن نصر كَانَ الذُّبَاب يَقع على أُذُنه فيسيل الدَّم وَلَا يذبه عَن نَفسه وَلَقَد كُنَّا نتعجب من حسن صلَاته وخشوعه وهيبته للصَّلَاة كَانَ يضع ذقنه على صَدره فينتصب كَأَنَّهُ خَشَبَة مَنْصُوبَة وَكَانَ من أحسن النَّاس خلقا كَأَنَّمَا فقئ فى وَجهه حب الرُّمَّان وعَلى خديه كالورد ولحيته بَيْضَاء
وَقَالَ السليمانى مُحَمَّد بن نصر إِمَام الْأَئِمَّة الْمُوفق من السَّمَاء
وَقَالَ أَحْمد بن إِسْحَاق الصبغى سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الثقفى يَقُول كَانَ إِسْمَاعِيل بن أَحْمد والى خُرَاسَان يصل مُحَمَّد بن نصر فى السّنة بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم ويصله أَخُوهُ إِسْحَاق بِمِثْلِهَا ويصله أهل سَمَرْقَنْد بِمِثْلِهَا فَكَانَ ينفقها من السّنة إِلَى السّنة من غير أَن يكون لَهُ عِيَال فَقيل لَهُ لَو ادخرت لنائبه فَقَالَ سُبْحَانَ الله أَنا بقيت بِمصْر كَذَا وَكَذَا سنة قوتى وثيابى وكاغدى وحبرى وَجَمِيع مَا أنفقهُ على نفسى فى السّنة عشرُون درهما فترى إِن ذهب ذَا لَا يبْقى ذَاك
стр. 582
قلت انْظُر حَالَة من لَا فرق بَين الْقلَّة وَالْكَثْرَة عِنْده
أخبرنَا مُحَمَّد بن الْعَلامَة أَبُو إِسْحَاق الفزارى إِذْنا أخبرنَا الْمُسلم بن مُحَمَّد
ح وَأخْبرنَا أَبُو حَفْص عمر بن الْحسن بن مزِيد بن أميلة المراغى بقراءتى عَلَيْهِ قَالَ أخبرنَا يُوسُف بن يَعْقُوب بن المجاور إجَازَة قَالَا أخبرنَا أَبُو الْيمن الكندى أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز أخبرنَا أَبُو بكر الْخَطِيب أخبرنَا الجوهرى أخبرنَا ابْن حيويه حَدثنَا عُثْمَان بن جَعْفَر اللبان حَدَّثَنى مُحَمَّد بن نصر قَالَ خرجت من مصر ومعى جَارِيَة لى فركبت الْبَحْر أُرِيد مَكَّة فغرقت فَذهب منى ألفا جُزْء وصرت إِلَى جَزِيرَة أَنا وجاريتي فَمَا رَأينَا فِيهَا أحدا وأخذنى الْعَطش فَلم أقدر على المَاء فَوضعت رأسى على فَخذ جاريتى مستسلما للْمَوْت فَإِذا رجل قد جاءنى وَمَعَهُ كوز فَقَالَ هاه فَشَرِبت وسقيتها ثمَّ مضى فَلَا أدرى من أَيْن جَاءَ وَلَا من أَيْن ذهب
أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو حَفْص عمر بن عبد الْمُنعم بن القواس أخبرنَا زيد بن الْحسن الكندى إجَازَة أخبرنَا أَبُو الْحسن بن عبد السَّلَام أخبرنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن على الفيروزابادى قَالَ روى عَنهُ يعْنى مُحَمَّد بن نصر أَنه قَالَ كتبت الحَدِيث بضعا وَعشْرين سنة وَسمعت قولا ومسائل وَلم يكن لى حسن رأى فى الشافعى فَبينا أَنا قَاعد فى مَسْجِد رَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ إِذْ أغفيت إغْفَاءَة فَرَأَيْت النبى ﷺ فى الْمَنَام فَقلت يَا رَسُول الله أكتب رأى أَبى حنيفَة فَقَالَ (لَا) فَقلت رأى مَالك فَقَالَ (اكْتُبْ مَا وَافق حديثى) فَقلت أكتب رأى الشافعى فطأطأ رَأسه شبه الغضبان وَقَالَ تَقول رأى لَيْسَ هُوَ بالرأى هُوَ رد على من خَالف سنتى)
قَالَ فَخرجت فى أثر هَذِه الرُّؤْيَا إِلَى مصر فَكتبت كتب الشافعى
стр. 583
أخبرنَا الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشافعى إجَازَة والمسند أَبُو حَفْص المراغى بقراءتى قَالَ الأول أخبرنَا أَبُو الْغَنَائِم بن عَلان سَمَاعا وَقَالَ الثانى أخبرنَا أَبُو الْفَتْح بن المجاور الشيبانى إجَازَة قَالَا أخبرنَا زيد بن الْحسن أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز أخبرنَا أَحْمد بن على الْحَافِظ أخبرنى أَبُو الْوَلِيد الْحسن بن مُحَمَّد الدربندى أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْحَافِظ ببخارى قَالَ سَمِعت أَبَا صَخْر مُحَمَّد بن مَالك السعدى يَقُول سَمِعت أَبَا الْفضل مُحَمَّد بن عبيد الله البلعمى يَقُول سَمِعت الْأَمِير أَبَا إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل بن أَحْمد يَقُول كنت بسمرقند فَجَلَست يَوْمًا للمظالم وَجلسَ أخى إِسْحَاق إِلَى جنبى إِذْ دخل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نصر فَقُمْت لَهُ إجلالا لعلمه فَلَمَّا خرج عاتبنى أخى إِسْحَاق وَقَالَ أَنْت والى خُرَاسَان يدْخل عَلَيْك رجل من رعيتك فتقوم إِلَيْهِ وَبِهَذَا ذهَاب السياسة فَبت تِلْكَ اللَّيْلَة وَأَنا منقسم الْقلب بذلك فَرَأَيْت النبى ﷺ فى الْمَنَام كأنى وَاقِف مَعَ أخى إِسْحَاق إِذْ أقبل النبى ﷺ فَأخذ بعضدى وَقَالَ يَا إِسْمَاعِيل ثَبت ملكك وَملك بنيك بإجلالك لمُحَمد بن نصر ثمَّ الْتفت إِلَى إِسْحَاق فَقَالَ ذهب ملك إِسْحَاق وَملك بنيه باستخفافه بِمُحَمد بن نصر
حِكَايَة إملاق المحمدين بِمصْر
قَرَأت على أَبى عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الخباز قلت لَهُ أخْبرك أَبُو الْغَنَائِم الْمُسلم بن مُحَمَّد بن عَلان قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنت تسمع فَأقر بِهِ أخبرنَا أَبُو الْيمن
стр. 584
زيد بن الْحسن الكندى أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب حَدَّثَنى أَبُو الْفرج مُحَمَّد بن عبيد الله بن مُحَمَّد الخرجوشى الشيرازى لفظا سَمِعت أَحْمد بن مَنْصُور بن مُحَمَّد الشيرازى يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد الصحاف السجستانى يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس البكرى من ولد أَبى بكر الصّديق رضى الله عَنهُ يَقُول جمعت الرحلة بَين مُحَمَّد بن جرير وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة وَمُحَمّد بن نصر المروزى وَمُحَمّد بن هَارُون الرويانى بِمصْر فأرملوا وَلم يبْق عِنْدهم مَا يقوتهم وأضر بهم الْجُوع فَاجْتمعُوا لَيْلَة فى منزل كَانُوا يأوون إِلَيْهِ فاتفق رَأْيهمْ على أَن يستهموا ويضربوا الْقرعَة فَمن خرجت عَلَيْهِ الْقرعَة سَأَلَ لأَصْحَابه الطَّعَام فَخرجت الْقرعَة على مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فَقَالَ لأَصْحَابه أمهلونى حَتَّى أتوضأ وأصلى صَلَاة الْخيرَة فَانْدفع فى الصَّلَاة فَإِذا هم بالشموع وخصى من قبل والى مصر يدق الْبَاب ففتحوا الْبَاب فَنزل عَن دَابَّته فَقَالَ أَيّكُم مُحَمَّد بن نصر فَقيل هُوَ هَذَا فَأخْرج صرة فِيهَا خَمْسُونَ دِينَارا فَدَفعهَا إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيّكُم مُحَمَّد بن جرير فَقَالُوا هُوَ ذَا فَأخْرج صرة فِيهَا خَمْسُونَ دِينَارا فَدَفعهَا إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيّكُم مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فَقَالُوا هُوَ هَذَا يصلى فَلَمَّا فرغ من صلَاته دفع إِلَيْهِ الصرة وفيهَا خَمْسُونَ دِينَارا ثمَّ قَالَ أَيّكُم مُحَمَّد بن هَارُون وَفعل بِهِ كَذَلِك ثمَّ قَالَ إِن الْأَمِير كَانَ قَائِلا بالْأَمْس فَرَأى فى الْمَنَام خيالا قَالَ إِن المحامد طَوَوْا كشحهم جياعا فأنفذ إِلَيْكُم هَذِه الصرار وَأقسم عَلَيْكُم إِذا نفدت فَابْعَثُوا إِلَى أحدكُم
قلت ابْن نصر وَابْن جرير وَابْن خُزَيْمَة من أَرْكَان مَذْهَبنَا وَأما مُحَمَّد بن هَارُون الرويانى فَهُوَ الْحَافِظ أَبُو بكر لَهُ مُسْند مَشْهُور روى عَن أَبى كريب وَبُنْدَار وَهَذِه الطَّبَقَة مَاتَ سنة سبع وثلثمائة
стр. 585
وَحكى أَن مُحَمَّد بن نصر كَانَ يتَمَنَّى على كبر سنه أَن يُولد لَهُ ابْن
قَالَ الحاكى فَكُنَّا عِنْده يَوْمًا وَإِذا بِرَجُل من أَصْحَابه قد جَاءَ وساره فى أُذُنه فَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ ﴿الْحَمد لله الَّذِي وهب لي على الْكبر إِسْمَاعِيل﴾ ثمَّ مسح وَجهه بباطن كَفه وَرجع إِلَى مَا كَانَ فِيهِ
قَالَ الحاكى فَرَأَيْنَا أَنه اسْتعْمل فى تِلْكَ الْكَلِمَة الْوَاحِدَة ثَلَاث سنَن تَسْمِيَة الْوَلَد وَحمد الله على الموهبة وتسميته إِسْمَاعِيل لِأَنَّهُ ولد على كبر سنه وَقَالَ الله ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾
قلت كَذَا أسْند هَذِه الْحِكَايَة الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن نصر قصد الثَّلَاث فنستفيد من هَذَا أَنه يسْتَحبّ لمن ولد لَهُ ابْن على الْكبر أَن يُسَمِّيه إِسْمَاعِيل وهى مَسْأَلَة حَسَنَة وأحسب إِسْمَاعِيل هَذَا من خنة بخاء مُعْجمَة ثمَّ نون وهى أُخْت القاضى يحيى بن أَكْثَم كَانَ مُحَمَّد بن نصر قد تزَوجهَا
توفى مُحَمَّد بن نصر بسمرقند فى الْمحرم سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
وَمن غَرَائِبه
ذهب إِلَى أَن صَلَاة الصُّبْح تقصر فى الْخَوْف إِلَى رَكْعَة
وَأَنه يُجزئ الْمسْح على الْعِمَامَة
وَنقل فى كِتَابه تَعْظِيم قدر الصَّلَاة عَن بعض أهل الْعلم أَن عِلّة النهى عَن السمر بعد الْعشَاء الْآخِرَة لِأَن مصلى الْعشَاء قد كفرت عَنهُ ذنُوبه بِصَلَاتِهِ فيخشى أَن يكون مِنْهُ الزلة فيتدنس بالذنب بعد الطَّهَارَة
قلت وَعلله آخَرُونَ بِوُقُوع الصَّلَاة الَّتِى هى أفضل الْأَعْمَال خَاتِمَة عمله وَهُوَ قريب من ذَلِك وَآخَرُونَ بِأَن الله قد جعل اللَّيْل سكنا والْحَدِيث يُخرجهُ عَن ذَلِك وَآخَرُونَ
стр. 586
بِأَن نَومه يتَأَخَّر فيخاف فَوَات الصُّبْح عَن وَقتهَا أَو عَن أَوله وَآخَرُونَ بخشية من لَهُ تهجد فَوَاته
قلت وَيُمكن أَن يتَعَلَّق بِكُل من هَذِه الْمعَانى بِجَوَاز اجتماعها وَلَا يُمكن أَن يقْتَصر على وَاحِد من التعليلين الْأَخيرينِ لِئَلَّا يلْزم اخْتِصَاص الْكَرَاهَة بِمن يخْشَى فَوَات الصُّبْح واختصاصهما بِمن لَهُ تهجد يخْشَى فَوَاته
حَدِيث رفع عَن أمتى الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ
هَذَا الحَدِيث كثر ذكره على أَلْسِنَة الْفُقَهَاء والأصوليين وتكلمت عَلَيْهِ قَدِيما فِيمَا كتبته على أَحَادِيث منهاج البيضاوى ثمَّ وقفت على كتاب اخْتِلَاف الْفُقَهَاء للْإِمَام مُحَمَّد بن نصر وَهُوَ مُخْتَصر يذكر فِيهِ خلافيات الْعلمَاء وَيبدأ فى كل مَسْأَلَة بِذكر سُفْيَان الثورى فَأَبْصَرت فِيهِ فى بَاب طَلَاق الْمُكْره وعتاقه مَا نَصه ويروى عَن النبى ﷺ أَنه قَالَ (رفع الله عَن هَذِه الْأمة الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا أكْرهُوا عَلَيْهِ) إِلَّا أَنه // لَيْسَ لَهُ إِسْنَاد // يحْتَج بِمثلِهِ انْتهى
فاستفدت من هَذَا أَن لهَذَا اللَّفْظ // إِسْنَادًا وَلكنه لَا يثبت //
وَقد وَقع الْكَلَام فى هَذَا الحَدِيث قَدِيما بِدِمَشْق وَبهَا الشَّيْخ برهَان الدّين بن الفركاح شيخ الشَّافِعِيَّة ثمَّ إِذْ ذَاك وَبَالغ فى التنقيب عَنهُ وسؤال الْمُحدثين وَذكر فى تعليقته على التَّنْبِيه فى كتاب الصَّلَاة قَول النووى فى زِيَادَة الرَّوْضَة فى كتاب الطَّلَاق فى الْبَاب السَّادِس فى تَعْلِيق الطَّلَاق إِنَّه حَدِيث حسن
قَالَ الشَّيْخ برهَان الدّين وَلم أجد هَذَا اللَّفْظ مَعَ شهرته ثمَّ ذكر أَن فى كَامِل ابْن عدى فى تَرْجَمَة جَعْفَر بن فرقد من حَدِيثه عَن أَبِيه عَن الْحسن عَن أَبى بكرَة
стр. 587
قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (رفع الله عَن هَذِه الْأمة ثَلَاثًا الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَالْأَمر يكْرهُونَ عَلَيْهِ) وجعفر بن جسر وَأَبوهُ ضعيفان
قلت ثمَّ وجد رفيقنا فى طلب الحَدِيث شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الهادى الحنبلى الحَدِيث بِلَفْظِهِ فى رِوَايَة أَبى الْقَاسِم الْفضل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد التميمى الْمُؤَذّن الْمَعْرُوف بأخى عَاصِم فَإِنَّهُ قَالَ حَدثنَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد حَدثنَا مُحَمَّد بن مصفى حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنَا الأوزاعى عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (رفع عَن أمتى الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ)
لَكِن ابْن ماجة روى فى سنَنه الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظ غَيره فَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن مصفى الحمصى عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الأوزاعى عَن عَطاء ابْن أَبى رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس عَن النبى ﷺ قَالَ (إِن الله وضع عَن أمتى الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ) وَلَفظ الْوَضع وَالرَّفْع متقاربان فَلَعَلَّ أحد الراويين روى بِالْمَعْنَى
وَسُئِلَ أَحْمد بن حَنْبَل عَن الحَدِيث فَقَالَ لَا يَصح وَلَا يثبت إِسْنَاده
قلت وروى من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن الله تجَاوز لى عَن أمتى الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا أكْرهُوا عَلَيْهِ) كَذَا رَوَاهُ الطبرانى من حَدِيث الأوزاعى عَن عَطاء بن أَبى رَبَاح عَن عبيد بن عُمَيْر عَن ابْن عَبَّاس
وَبِالْجُمْلَةِ الْأَمر فى الحَدِيث وَإِن تعدّدت أَلْفَاظه كَمَا قَالَ الإمامان أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد ابْن نصر إِنَّه غير ثَابت وَذكر الْخلال من الْحَنَابِلَة فى كتاب الْعلم أَن أَحْمد قَالَ
стр. 588
من زعم أَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان مَرْفُوع فقد خَالف كتاب الله وَسنة رَسُول الله ﷺ فَإِن الله أوجب فى قتل النَّفس فى الْخَطَأ الْكَفَّارَة
قلت وَلَا محمل لهَذَا الْكَلَام إِلَّا أَن يُقَال أَرَادَ بِهِ من زعم ارتفاعهما على الْعُمُوم فى خطاب الْوَضع وخطاب التَّكْلِيف وَإِلَّا فَقَائِل هَذَا الْمقَالة أشبه بوفاق الْإِجْمَاع
٥٧ - إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد البلدى
نقل الغزالى فى الْوَسِيط أَنه روى عَن المزنى عَن الشافعى أَنه رَجَعَ عَن تنجيس شعر الآدمى
وَقد سبق الغزالى إِلَى هَذَا النَّقْل أَبُو عَاصِم العبادى والقاضى الماوردى وجماعات
وَالرجل مَعْرُوف الِاسْم بَين الْمُتَقَدِّمين لَا ينبغى إِنْكَاره غير أَن تَرْجَمته عزيزة لم أَجدهَا إِلَى الْآن كَمَا فى النَّفس
وَقد ذكره العبادى فى الطَّبَقَة الثَّانِيَة فى المقلين المنفردين بروايات وسيأتى مَا يُؤَيّد رِوَايَته فَإنَّا إِن شَاءَ الله سنذكر فى الطَّبَقَة الثَّالِثَة فى تَرْجَمَة مُحَمَّد بن عبد الله بن أَبى جَعْفَر قَوْله سَمِعت ابْن أَبى هُرَيْرَة يَقُول سَمِعت ابْن سُرَيج يَقُول سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الأنماطى يَقُول إِن أَبَا إِبْرَاهِيم المزنى قَالَ سَمِعت الشافعى يَقُول قبل وَفَاته بِشَهْر إِن الشّعْر لَا يَمُوت بِمَوْت ذَات الرّوح فقد تَابع الأنماطى البلدى وَهَذِه مُتَابعَة جَيِّدَة لم أجد فى الْبَاب مثلهَا
стр. 589
٥٨ - إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن بشر الحربى أَبُو إِسْحَاق
الْفَقِيه الْحَافِظ
ولد سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة
وَسمع هَوْذَة بن خَليفَة وَأَبا نعيم وَعبد الله بن صَالح العجلى وَعَاصِم بن على وَعَفَّان وَأَبا سَلمَة التبوذكى ومسدد بن مسرهد وَأَبا عبيد الْقَاسِم بن سَلام وشعيث بن مُحرز وَغَيرهم
روى عَنهُ ابْن صاعد وَأَبُو بكر النجاد وَأَبُو بكر الشافعى وَعبد الرَّحْمَن بن الْعَبَّاس المخلص وَخلق آخِرهم موتا أَبُو بكر القطيعى
أَخذ الْفِقْه عَن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل
قَالَ الْخَطِيب كَانَ إِمَامًا فى الْعلم وإماما فى الزّهْد عَارِفًا بالفقه بَصيرًا بِالْأَحْكَامِ حَافِظًا للْحَدِيث مُمَيّزا لعلله قيمًا بالأدب جماعا للغة صنف غَرِيب الحَدِيث وكتبا كَثِيرَة
أَصله من مرو
وَكَانَ يَقُول أجمع عقلاء كل أمة أَنه من لم يجر مَعَ الْقدر لم يتهنأ بعيشه
قَالَ وقميصى أنظف قَمِيص وإزارى أوسخ إِزَار مَا حدثت نفسى بِأَنَّهُمَا يستويان
стр. 590
قطّ وفرد عُقبى صَحِيح وَالْآخر مَقْطُوع وَلَا أحدث نفسى أَنى أصلحها وَلَا شَكَوْت لأهلى وأقاربى حمى أَجدهَا ولى عشر سِنِين أبْصر بفرد عين مَا أخْبرت بِهِ أحدا وأفنيت من عمرى ثَلَاثِينَ سنة بِرَغِيفَيْنِ إِن جاءتنى بهما أمى أَو أختى وَإِلَّا بقيت جائعا إِلَى اللَّيْلَة الثَّانِيَة وأفنيت ثَلَاثِينَ سنة برغيف فى الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِن جاءتنى بِهِ امرأتى أَو بناتى وَإِلَّا بقيت جائعا والآن آكل نصف رغيف وَأَرْبع عشرَة تَمْرَة وَقَامَ إفطارى فِي رَمَضَان هَذَا بدرهم ودانقين وَنصف
قَالَ السلمى سَأَلت الدارقطنى عَن إِبْرَاهِيم الحربى فَقَالَ كَانَ يُقَاس بِأَحْمَد ابْن حَنْبَل فى زهده وَعلمه وورعه
وَقَالَ الْحَاكِم سَمِعت مُحَمَّد بن صَالح القاضى يَقُول لَا نعلم أَن بَغْدَاد أخرجت مثل إِبْرَاهِيم فى الْأَدَب وَالْفِقْه والْحَدِيث والزهد
وَقَالَ أَبُو بكر الشافعى سَمِعت إِبْرَاهِيم الحربى يَقُول عندى عَن على بن المدينى قمطر وَلَا أحدث عَنهُ بشىء لأنى رَأَيْته بالمغرب وَنَعله بِيَدِهِ مبادرا فَقلت إِلَى أَيْن قَالَ ألحق الصَّلَاة مَعَ أَبى عبد الله قلت من أَبُو عبد الله قَالَ ابْن أَبى دؤاد
قلت نقم عَلَيْهِ اقْتِدَاؤُهُ بِابْن أَبى دؤاد الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن وَقد كَانَ ابْن المدينى مِمَّن يَقُول بذلك فَإِنَّمَا نقم عَلَيْهِ فى الْحَقِيقَة نفس الْبِدْعَة وَأَنا أَنْقم عَلَيْهِ مَعَ الْبِدْعَة مبادرته وسعيه وَالسّنة أَن يأتى الصَّلَاة وَهُوَ يمشى وَعَلِيهِ السكينَة وَلَا يَأْتِيهَا وَهُوَ يسْعَى
توفى الحربى فى ذى الْحجَّة سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَذكره فى الْحَنَابِلَة أولى من ذكره فى الشَّافِعِيَّة
стр. 591
٥٩ - إِسْحَاق بن مُوسَى بن عمرَان الإسفراينى الْفَقِيه الزَّاهِد أَبُو يَعْقُوب صَاحب المزنى وَالربيع
تفقه على المزنى وَسمع الْمَبْسُوط مَعَ الرّبيع
وَسمع من قُتَيْبَة بن سعيد وَإِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ وعَلى بن حجر وَإِبْرَاهِيم بن يُوسُف البلخى وجبارة بن الْمُغلس وَهِشَام بن عمار وَخلق بالعراق وَالشَّام ومصر
روى عَنهُ مُؤَمل بن الْحسن وَأَبُو عوَانَة وَمُحَمّد بن عَبدك وَمُحَمّد بن الأخرم وَجَمَاعَة
وَكَانَ فَقِيها مُحدثا زاهدا ورعا
ذكره الْحَاكِم وَذكر أَن كنية وَالِده أَبُو عمرَان فَلذَلِك رُبمَا قيل إِسْحَاق بن أَبى عمرَان
وَقَالَ أعنى الْحَاكِم كَانَ أحد أَئِمَّة الشافعيين والرحالة فى طلب الحَدِيث توفى بإسفراين سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
قلت هُنَا فَائِدَتَانِ إِحْدَاهمَا أَن شَيخنَا الذهبى قَالَ إِن هَذَا الشَّيْخ هُوَ وَالِد أَبى عوَانَة يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن يزِيد وَإنَّهُ يظنّ أَن الْحَاكِم وهم فى تَسْمِيَة أَبِيه بمُوسَى بن عمرَان
قَالَ وَقد ذكر أَن أَبَا عوَانَة روى عَنهُ وَمَا بَين أَنه وَلَده وَمَا ذكر فى تَارِيخه تَرْجَمَة أُخْرَى لوالد أَبى عوَانَة وَقد رَأَيْت أَنا فى صَحِيح أَبى عوَانَة رِوَايَته عَن أَبِيه إِسْحَاق بن أَبى عمرَان فَهُوَ أَبوهُ وَالله أعلم هَذَا كَلَام شَيخنَا الذهبى
стр. 592
وَالثَّانيَِة أَن الذهبى قَالَ عقيب هَذِه التَّرْجَمَة إِسْحَاق بن أَبى عمرَان أَبُو يَعْقُوب اليحمدى الإستراباذى هُوَ إِسْحَاق بن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن بن عبيد الشافعى الْفَقِيه أَيْضا سمع قُتَيْبَة وَابْن رَاهَوَيْه وَهِشَام بن عمار وحرملة وطبقتهم بخراسان وَالشَّام ومصر وَالْعراق روى عَنهُ أَبُو نعيم بن عدى ووالد عبد الله بن على بن الْقطَّان ذكره حَمْزَة فى تَارِيخ جرجان انْتهى كَلَام شَيخنَا الذهبى
والذى يَقع لى أَنَّهُمَا وَاحِد وَلَيْسَ هُوَ وَالِد أَبى عوَانَة بل غَيره هَذَا إِسْحَاق ابْن مُوسَى وَرُبمَا قيل ابْن أَبى عمرَان ووالد أَبى عوَانَة غَيره
وَقَول شَيخنَا الذهبى مَا ظَفرت لَهُ بِرِوَايَة عَن إِسْحَاق بن أَبى عمرَان لَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون هُوَ أَبَاهُ فَإِن أَبَا عوَانَة لم يستوعب فى مُسْنده شُيُوخه هَذَا إِن صَحَّ أَنه لم يذكر فى كِتَابه إِسْحَاق بن أَبى عمرَان
فَإِن قلت لَا شكّ أَن رِوَايَته عَن أَبِيه وَعدم رِوَايَته عَن إِسْحَاق بن أَبى عمرَان قرينَة
قلت لَكِن ذكر الْحَاكِم لأبى عوَانَة فى الروَاة عَن هَذَا الشَّيْخ من غير تَنْبِيه عَنهُ على أَنه وَلَده قرينَة فى أَنه غَيره أقوى من تِلْكَ مَعَ مَا يَنْضَم إِلَيْهَا من أَن أَبَا عوَانَة نَفسه أَخذ عَن المزنى وَالربيع على أَن الْحَال مُحْتَمل والخطب فِيهِ يسير
وَأما تَفْرِقَة شَيخنَا بَين إِسْحَاق بن مُوسَى بن عمرَان وَإِسْحَاق بن أَبى عمرَان فَلَا أَحْسبهُ إِلَّا وهما وَمَا أرى إِلَّا أَنَّهُمَا وَاحِد وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى
стр. 593
٦٠ - الْجُنَيْد بن مُحَمَّد بن الْجُنَيْد أَبُو الْقَاسِم النهاوندى الأَصْل البغدادى القواريرى الخزاز
سيد الطَّائِفَة ومقدم الْجَمَاعَة وَإِمَام أهل الْخِرْقَة وَشَيخ طَريقَة التصوف وَعلم الْأَوْلِيَاء فى زَمَانه وبهلوان العارفين
تفقه على أَبى ثَوْر وَكَانَ يُفْتى بحلقته وَله من الْعُمر عشرُون سنة
وَسمع الحَدِيث من الْحسن بن عَرَفَة وَغَيره
واختص بِصُحْبَة السرى السقطى والْحَارث بن أَسد المحاسبى وأبى حَمْزَة البغدادى
قَالَ جَعْفَر الخلدى لم نر فى شُيُوخنَا من اجْتمع لَهُ علم وَحَال غير الْجُنَيْد إِذا رَأَيْت علمه رجحته على حَاله وَإِذا رَأَيْت حَاله رجحته على علمه
وَعَن أَبى الْعَبَّاس بن سُرَيج أَنه تكلم يَوْمًا فأعجب بِهِ بعض الْحَاضِرين فَقَالَ ابْن سُرَيج هَذَا ببركة مجالستى لأبى الْقَاسِم الْجُنَيْد ﵀
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الكعبى الْمُتَكَلّم المعتزلى مَا رَأَتْ عيناى مثله كَانَ الكتبة يحضرونه لألفاظه والفلاسفة لدقة مَعَانِيه والمتكلمون لعلمه
стр. 594
قَالَ الخلدى قَالَ الْجُنَيْد ذَات يَوْم مَا أخرج الله إِلَى الأَرْض علما وَجعل لِلْخلقِ إِلَيْهِ سَبِيلا إِلَّا وَقد جعل لى فِيهِ حظا ونصيبا
قَالَ الخلدى وبلغنى أَن الْجُنَيْد كَانَ فى سوقه وَكَانَ ورده فى كل يَوْم ثَلَاثمِائَة رَكْعَة وَثَلَاثِينَ ألف تَسْبِيحَة
قَالَ وسمعته يَقُول مَا نزعت ثوبى للْفراش مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة
قَالَ وَكَانَ الْجُنَيْد عشْرين سنة لَا يَأْكُل إِلَّا من الْأُسْبُوع إِلَى الْأُسْبُوع وَيصلى كل لَيْلَة أَرْبَعمِائَة رَكْعَة
قَالَ أَبُو الْحسن المحلبى قلت للجنيد مِمَّن اسْتَفَدْت هَذَا الْعلم قَالَ من جلوسى بَين يدى الله تَعَالَى ثَلَاثِينَ سنة تَحت تِلْكَ الدرجَة وَأَوْمَأَ إِلَى دَرَجَة فى دَاره
قَالَ إِسْمَاعِيل بن نجيد كَانَ الْجُنَيْد يجىء كل يَوْم إِلَى السُّوق فَيفتح حانوته فيدخله ويسبل السّتْر وَيصلى أَرْبَعمِائَة رَكْعَة ثمَّ يرجع إِلَى بَيته
قَالَ على بن مُحَمَّد الحلوانى حَدَّثَنى خير قَالَ كنت جَالِسا يَوْمًا فى بيتى فخطر لى خاطر أَن أَبَا الْقَاسِم الْجُنَيْد بِالْبَابِ اخْرُج إِلَيْهِ فنفيت ذَلِك عَن قلبى وَقلت وَسْوَسَة فَوَقع لى خاطر ثَان فنفيته فَوَقع خاطر ثَالِث فَعلمت أَنه حق وَلَيْسَ بوسوسة ففتحت الْبَاب فَإِذا أَنا بالجنيد قَائِم فَسلم على وَقَالَ يَا خير أَلا خرجت مَعَ الخاطر الأول
قَالَ أَبُو عَمْرو بن علوان خرجت يَوْمًا إِلَى سوق الرحبة فى حَاجَة فَوَقَعت عينى
стр. 595
على امْرَأَة مسفرة من غير تعمد فألححت بِالنّظرِ فاسترجعت واستغفرت الله وعدت إِلَى منزلى فَقَالَت لى عَجُوز يَا سيدى مالى أرى وَجهك أسود
فَأخذت الْمرْآة فَنَظَرت فَإِذا وجهى أسود فَرَجَعت إِلَى سرى أنظر من أَيْن دهيت فَذكرت النظرة فانفردت فى مَوضِع أسْتَغْفر الله وأسأله الْإِقَالَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا فخطر فى قلبى أَن زر شيخك الْجُنَيْد فانحدرت إِلَى بَغْدَاد فَلَمَّا جِئْت الْحُجْرَة الَّتِى هُوَ فِيهَا طرقت الْبَاب فَقَالَ لى ادخل يَا أَبَا عَمْرو وتذنب فى الرحبة ونستغفر لَك بِبَغْدَاد
قَالَ أَبُو بكر الْعَطَّار حضرت الْجُنَيْد عِنْد الْمَوْت فى جمَاعَة من أَصْحَابنَا فَكَانَ قَاعِدا يصلى ويثنى رجله كلما أَرَادَ أَن يسْجد فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى خرجت الرّوح من رجله فَثقلَتْ عَلَيْهِ حركتها فَمد رجلَيْهِ وَقد تورمتا فَرَآهُ بعض أصدقائه فَقَالَ مَا هَذَا يَا أَبَا الْقَاسِم قَالَ هَذِه نعم الله أكبر فَلَمَّا فرغ من صلَاته قَالَ لَهُ أَبُو مُحَمَّد الجريرى لَو اضطجعت قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد هَذَا وَقت يُؤْخَذ مِنْهُ الله أكبر فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَاتَ
وَعَن الْجُنَيْد أرقت لَيْلَة فَقُمْت إِلَى وردى فَلم أجد مَا كنت أجد من الْحَلَاوَة فَأَرَدْت النّوم فَلم أقدر فَأَرَدْت الْقعُود فَلم أطق ففتحت الْبَاب وَخرجت فَإِذا رجل ملتف فى عباءة مطروح على الطَّرِيق فَلَمَّا أحس بى رفع رَأسه وَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِم إِلَى السَّاعَة
فَقلت يَا سيدى من غير موعد
فَقَالَ بلَى سَأَلت محرك الْقُلُوب أَن يُحَرك لى قَلْبك
فَقلت مَا حَاجَتك
فَقَالَ مَتى يصير دَاء النَّفس دواها
стр. 596
فَقلت إِذا خَالَفت هَواهَا صَار داؤها دواها
فَأقبل على نَفسه فَقَالَ اسمعى قد أَجَبْتُك بِهَذَا الْجَواب سبع مَرَّات فأبيت إِلَّا أَن تسمعيه من الْجُنَيْد فقد سَمِعت وَانْصَرف عَنى وَلم أعرفهُ وَلَا وقفت عَلَيْهِ
وَقَالَ كنت جَالِسا فى مَسْجِد الشونيزية أنْتَظر جَنَازَة أصلى عَلَيْهَا وَأهل بَغْدَاد على طبقاتهم جُلُوس ينتظرون الْجِنَازَة فَرَأَيْت فَقِيرا عَلَيْهِ أثر النّسك يسْأَل النَّاس فَقلت فى نفسى لَو عمل هَذَا عملا يصون بِهِ نَفسه كَانَ أجمل بِهِ فَلَمَّا انصرفت إِلَى منزلى وَكَانَ لى شئ من الْورْد بِاللَّيْلِ من الصَّلَاة وَالْقِرَاءَة والبكاء فَثقلَتْ على جَمِيع أورادى فسهرت وَأَنا قَاعد فغلبتنى عيناى فَرَأَيْت ذَلِك الْفَقِير وَقد جَاءُوا بِهِ ممدودا على خوان وَقَالُوا لى كل لَحْمه فقد اغْتَبْته
فكشف لى عَن الْحَال وَقلت مَا اغْتَبْته إِنَّمَا قلت شَيْئا فى نفسى
فَقيل لى مَا أَنْت مِمَّن يرضى مِنْك بِمثل هَذَا اذْهَبْ إِلَيْهِ واستحله
فَأَصْبَحت وَلم أزل أتردد حَتَّى رَأَيْته فى مَوضِع يلتقط من أوراق البقل فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ تعود يَا أَبَا الْقَاسِم فَقلت لَا
فَقَالَ غفر الله لنا وَلَك
وَمن كَلَام الْجُنَيْد ﵀
الطَّرِيق إِلَى الله مسدود على خلقه إِلَّا على المقتفين آثَار رَسُول الله ﷺ كَمَا قَالَ الله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَقَالَ لَوْلَا أَنه يرْوى أَنه يكون فى آخر الزَّمَان زعيم الْقَوْم أرذلهم مَا تَكَلَّمت عَلَيْكُم
стр. 597
وَقَالَ أضرّ مَا على أهل الديانَات الدَّعَاوَى
وَقَالَ الْمُرُوءَة احْتِمَال زلل الإخوان
وَقيل لَهُ كَيفَ الطَّرِيق إِلَى الله فَقَالَ تَوْبَة تحل الْإِصْرَار وَخَوف يزِيل الْغرَّة ورجاء مزعج إِلَى طَرِيق الْخيرَات ومراقبة الله فى خواطر الْقُلُوب
وَقَالَ لَيْسَ بشنيع مَا يرد على من الْعَالم لأنى قد أصلت أصلا وَهُوَ أَن الدَّار دَار غم وهم وبلاء وفتنة وَأَن الْعَالم كُله شَرّ وَمن حكمه أَن يتلقانى بِكُل مَا أكره وَإِن تلقانى بِمَا أحب فَهُوَ فضل وَإِلَّا فَالْأَصْل الأول
وَقَالَ الزّهْد خلو الْقلب عَمَّا خلت مِنْهُ الْيَد واستصغار الدُّنْيَا ومحو آثارها من الْقلب
وَقَالَ الْخَوْف توقع الْعقُوبَة مَعَ مجارى الأنفاس
وَقَالَ الْخُشُوع تذلل الْقُلُوب لعلام الغيوب
وَقَالَ التَّوَاضُع خفض الْجنَاح ولين الْجَانِب
وَقَالَ وَسَأَلَهُ جمَاعَة أنطلب الرزق فَقَالَ إِن علمْتُم أى مَوضِع هُوَ فاطلبوه
قَالُوا نسْأَل الله فِيهِ قَالَ إِن علمْتُم أَنه ينساكم فذكروه فَقَالُوا أندخل الْبَيْت ونتوكل فَقَالَ التجربة شكّ فَقَالُوا فَمَا الْحِيلَة قَالَ ترك الْحِيلَة
وفى بعض الْكتب نِسْبَة هَذِه الْحِكَايَة إِلَى الْخَواص
وَقَالَ الْيَقِين اسْتِقْرَار الْعلم الذى لَا يتقلب وَلَا يحول وَلَا يتَغَيَّر فى الْقلب
وَقَالَ أَيْضا الْيَقِين ارْتِفَاع الريب فى مشْهد الْغَيْب فَعرف الْيَقِين بتعريفين وسيأتى عَنهُ أَيْضا للشكر تعريفان وَالْكل حق صَحِيح
وَقَالَ الْمسير من الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَة سهل هَين على الْمُؤمن وهجران الْخلق فى جنب الْحق شَدِيد والمسير من النَّفس إِلَى الله صَعب شَدِيد وَالصَّبْر مَعَ الله تَعَالَى أَشد
стр. 598
وَقَالَ الصَّبْر تجرع المرارة من غير تعبيس
وَقَالَ من تحقق فى المراقبة خَافَ على فَوت حَظه من الله تَعَالَى
وَقَالَ وَقد قَالَ الشبلى يَوْمًا بَين يَدَيْهِ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَوْلك ذَا ضيق صدر وَهُوَ ترك للرضا بِالْقضَاءِ وَالرِّضَا رفع الِاخْتِيَار
وَقيل لَهُ مَا للمريد فى مجاراة الحكايات فَقَالَ الحكايات جند من جنود الله يقوى بهَا قُلُوب المريدين فَسئلَ على ذَلِك شَاهدا فَقَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿وكلا نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك﴾
وَقيل لَهُ مَا الْفرق بَين المريد وَالْمرَاد فَقَالَ المريد تتولاه سياسة الْعلم وَالْمرَاد تتولاه رِعَايَة الْحق لِأَن المريد يسير وَالْمرَاد يطير وَأَيْنَ السائر من الطَّائِر
وَقَالَ الْإِخْلَاص سر بَين الله وَعَبده وَلَا يُعلمهُ ملك فيكتبه وَلَا شَيْطَان فيفسده وَلَا هوى فيميله
وَقَالَ الصَّادِق يتقلب فى الْيَوْم أَرْبَعِينَ مرّة والمرائى يثبت على حَالَة وَاحِدَة أَرْبَعِينَ سنة
وَسُئِلَ عَن الْحيَاء فَقَالَ رُؤْيَة الآلاء ورؤية التَّقْصِير يتَوَلَّد مِنْهُمَا حَالَة تسمى الْحيَاء
وَقَالَ الفتوة كف الْأَذَى وبذل الندى
وَقَالَ لَو أقبل صَادِق على الله ألف ألف سنة ثمَّ أعرض عَنهُ لَحْظَة كَانَ مَا فَاتَهُ أَكثر مِمَّا ناله
قلت وَالنَّاس يستشكلون هَذِه الْكَلِمَة ويتطلبون تقريرها وَسَأَلت عَنْهَا بعض العارفين بالتصوف فَقَالَ مَعْنَاهَا يظْهر بِضَرْب مثل وَهُوَ أَن الغواص إِذا غاص فى الْبَحْر منقبا على نَفِيس الْجَوَاهِر إِلَى أَن قَارب قراره وَكَاد يحظى بمراده أعرض وَترك كَانَ مَا فَاتَهُ أَكثر مِمَّا ناله وَكَذَلِكَ من أقبل على الْحق ألف ألف سنة ثمَّ أعرض فَتلك
стр. 599
اللحظة الَّتِى أعرض فِيهَا لَو لم يعرض نتيجة عمل ألف ألف سنة فَلَمَّا أعرض فَاتَتْهُ تِلْكَ النتيجة الَّتِى هى غَايَة عمل ألف ألف سنة فَظهر أَن مَا فَاتَهُ أَكثر مِمَّا ناله
قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى سَمِعت جدى إِسْمَاعِيل بن نجيد يَقُول دخل أَبُو الْعَبَّاس بن عَطاء على الْجُنَيْد وَهُوَ فى النزع فَسلم فَلم يرد عَلَيْهِ ثمَّ رد عَلَيْهِ بعد سَاعَة وَقَالَ اعذرنى فإنى كنت فى وردى ثمَّ حول وَجهه إِلَى الْقبْلَة وَكبر وَمَات
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الجريرى كنت وَاقِفًا على رَأس الْجُنَيْد فى وَقت وَفَاته وَكَانَ يَوْم جُمُعَة وَهُوَ يقْرَأ الْقُرْآن فَقلت يَا أَبَا الْقَاسِم ارْفُقْ بِنَفْسِك فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا رَأَيْت أحدا أحْوج إِلَيْهِ منى فى هَذَا الْوَقْت وَهُوَ ذَا تطوى صحيفتى
وَيُقَال كَانَ نقش خَاتم الْجُنَيْد إِذا كنت تَأمله فَلَا تأمنه
وَكَانَ يَقُول مَا أَخذنَا التصوف من القال والقيل وَلَكِن عَن الْجُوع وَترك الدُّنْيَا وَقطع المألوفات
قَالَ أَبُو سهل الصعلوكى سَمِعت أَبَا مُحَمَّد المرتعش يَقُول قَالَ الْجُنَيْد كنت بَين يدى السرى السقطى أَلعَب وَأَنا ابْن سبع سِنِين وَبَين يَدَيْهِ جمَاعَة يَتَكَلَّمُونَ فى الشُّكْر فَقَالَ يَا غُلَام مَا الشُّكْر
فَقلت أَن لَا تعصى الله بنعمه
فَقَالَ أخْشَى أَن يكون حظك من الله لسَانك
قَالَ الْجُنَيْد فَلَا أَزَال أبكى على هَذِه الْكَلِمَة الَّتِى قَالَهَا لى
وَعَن الْجُنَيْد الشُّكْر أَن لَا ترى نَفسك أَهلا للنعمة
وَعَن الْجُنَيْد أَعلَى دَرَجَة الْكبر أَن ترى نَفسك وَأَدْنَاهَا أَن تخطر ببالك يعْنى نَفسك
قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر الورثانى قَالَ سَمِعت مُحَمَّد
стр. 600
ابْن عبد الْعَزِيز يَقُول سُئِلَ الْجُنَيْد عَمَّن لم يبْق عَلَيْهِ من الدُّنْيَا إِلَّا مِقْدَار مص نواة فَقَالَ الْمكَاتب عبد مَا بقى عَلَيْهِ دِرْهَم
وَمن كَلَام الْجُنَيْد بَاب كل علم نَفِيس جليل بذل المجهود وَلَيْسَ من عبد الله ببذل المجهود كمن طلبه من طَرِيق الْجُود
وَقَالَ إِن الله يخلص إِلَى الْقُلُوب من بره حسب مَا خلصت الْقُلُوب بِهِ إِلَيْهِ من ذكره فَانْظُر مَاذَا خالط قَلْبك
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الزجاجى سَأَلت الْجُنَيْد عَن الْمحبَّة فَقَالَ تُرِيدُ الْإِشَارَة فَقلت لَا قَالَ تُرِيدُ الدَّعْوَى قلت لَا قَالَ فأيش تُرِيدُ قلت عين الْمحبَّة فَقَالَ أَن تحب مَا يحب الله فى عباده وَتكره مَا يكره فى عباده
وَسُئِلَ عَن قرب الله تَعَالَى فَقَالَ قريب لَا بالتلاق بعيد لَا بافتراق
وَقَالَ مكابدة الْعُزْلَة أيسر من مداراة الْخلطَة
توفى الْجُنَيْد يَوْم السبت فى شَوَّال سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة سبع وَتِسْعين
قَالَ الخلدى رَأَيْته فِي النّوم فَقلت مَا فعل الله بك فَقَالَ طاحت تِلْكَ الإشارات وَغَابَتْ تِلْكَ الْعبارَات وفنيت تِلْكَ الْعُلُوم ونفدت تِلْكَ الرسوم وَمَا نفعنا إِلَّا ركيعات كُنَّا نركعها فى السحر
ذكر شئ من الرِّوَايَة عَنهُ
وَقد ذكر أَنه لم يحدث إِلَّا بِحَدِيث وَاحِد حدّثنَاهُ الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر إملاء قَالَ أخبرنَا أَبُو الْفَتْح يُوسُف بن يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن المجاور إِذْنا أخبرنَا الإِمَام أَبُو الْيمن زيد بن الْحسن الكندى أخبرنَا أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْقَزاز الْمَعْرُوف بِابْن زُرَيْق أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن على بن ثَابت الْخَطِيب
следующие страницы →