Полный текст (3 926 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
فَقلت إِذا خَالَفت هَواهَا صَار داؤها دواها
فَأقبل على نَفسه فَقَالَ اسمعى قد أَجَبْتُك بِهَذَا الْجَواب سبع مَرَّات فأبيت إِلَّا أَن تسمعيه من الْجُنَيْد فقد سَمِعت وَانْصَرف عَنى وَلم أعرفهُ وَلَا وقفت عَلَيْهِ
وَقَالَ كنت جَالِسا فى مَسْجِد الشونيزية أنْتَظر جَنَازَة أصلى عَلَيْهَا وَأهل بَغْدَاد على طبقاتهم جُلُوس ينتظرون الْجِنَازَة فَرَأَيْت فَقِيرا عَلَيْهِ أثر النّسك يسْأَل النَّاس فَقلت فى نفسى لَو عمل هَذَا عملا يصون بِهِ نَفسه كَانَ أجمل بِهِ فَلَمَّا انصرفت إِلَى منزلى وَكَانَ لى شئ من الْورْد بِاللَّيْلِ من الصَّلَاة وَالْقِرَاءَة والبكاء فَثقلَتْ على جَمِيع أورادى فسهرت وَأَنا قَاعد فغلبتنى عيناى فَرَأَيْت ذَلِك الْفَقِير وَقد جَاءُوا بِهِ ممدودا على خوان وَقَالُوا لى كل لَحْمه فقد اغْتَبْته
فكشف لى عَن الْحَال وَقلت مَا اغْتَبْته إِنَّمَا قلت شَيْئا فى نفسى
فَقيل لى مَا أَنْت مِمَّن يرضى مِنْك بِمثل هَذَا اذْهَبْ إِلَيْهِ واستحله
فَأَصْبَحت وَلم أزل أتردد حَتَّى رَأَيْته فى مَوضِع يلتقط من أوراق البقل فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ تعود يَا أَبَا الْقَاسِم فَقلت لَا
فَقَالَ غفر الله لنا وَلَك
وَمن كَلَام الْجُنَيْد ﵀
الطَّرِيق إِلَى الله مسدود على خلقه إِلَّا على المقتفين آثَار رَسُول الله ﷺ كَمَا قَالَ الله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَقَالَ لَوْلَا أَنه يرْوى أَنه يكون فى آخر الزَّمَان زعيم الْقَوْم أرذلهم مَا تَكَلَّمت عَلَيْكُم
стр. 597
وَقَالَ أضرّ مَا على أهل الديانَات الدَّعَاوَى
وَقَالَ الْمُرُوءَة احْتِمَال زلل الإخوان
وَقيل لَهُ كَيفَ الطَّرِيق إِلَى الله فَقَالَ تَوْبَة تحل الْإِصْرَار وَخَوف يزِيل الْغرَّة ورجاء مزعج إِلَى طَرِيق الْخيرَات ومراقبة الله فى خواطر الْقُلُوب
وَقَالَ لَيْسَ بشنيع مَا يرد على من الْعَالم لأنى قد أصلت أصلا وَهُوَ أَن الدَّار دَار غم وهم وبلاء وفتنة وَأَن الْعَالم كُله شَرّ وَمن حكمه أَن يتلقانى بِكُل مَا أكره وَإِن تلقانى بِمَا أحب فَهُوَ فضل وَإِلَّا فَالْأَصْل الأول
وَقَالَ الزّهْد خلو الْقلب عَمَّا خلت مِنْهُ الْيَد واستصغار الدُّنْيَا ومحو آثارها من الْقلب
وَقَالَ الْخَوْف توقع الْعقُوبَة مَعَ مجارى الأنفاس
وَقَالَ الْخُشُوع تذلل الْقُلُوب لعلام الغيوب
وَقَالَ التَّوَاضُع خفض الْجنَاح ولين الْجَانِب
وَقَالَ وَسَأَلَهُ جمَاعَة أنطلب الرزق فَقَالَ إِن علمْتُم أى مَوضِع هُوَ فاطلبوه
قَالُوا نسْأَل الله فِيهِ قَالَ إِن علمْتُم أَنه ينساكم فذكروه فَقَالُوا أندخل الْبَيْت ونتوكل فَقَالَ التجربة شكّ فَقَالُوا فَمَا الْحِيلَة قَالَ ترك الْحِيلَة
وفى بعض الْكتب نِسْبَة هَذِه الْحِكَايَة إِلَى الْخَواص
وَقَالَ الْيَقِين اسْتِقْرَار الْعلم الذى لَا يتقلب وَلَا يحول وَلَا يتَغَيَّر فى الْقلب
وَقَالَ أَيْضا الْيَقِين ارْتِفَاع الريب فى مشْهد الْغَيْب فَعرف الْيَقِين بتعريفين وسيأتى عَنهُ أَيْضا للشكر تعريفان وَالْكل حق صَحِيح
وَقَالَ الْمسير من الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَة سهل هَين على الْمُؤمن وهجران الْخلق فى جنب الْحق شَدِيد والمسير من النَّفس إِلَى الله صَعب شَدِيد وَالصَّبْر مَعَ الله تَعَالَى أَشد
стр. 598
وَقَالَ الصَّبْر تجرع المرارة من غير تعبيس
وَقَالَ من تحقق فى المراقبة خَافَ على فَوت حَظه من الله تَعَالَى
وَقَالَ وَقد قَالَ الشبلى يَوْمًا بَين يَدَيْهِ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَوْلك ذَا ضيق صدر وَهُوَ ترك للرضا بِالْقضَاءِ وَالرِّضَا رفع الِاخْتِيَار
وَقيل لَهُ مَا للمريد فى مجاراة الحكايات فَقَالَ الحكايات جند من جنود الله يقوى بهَا قُلُوب المريدين فَسئلَ على ذَلِك شَاهدا فَقَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿وكلا نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك﴾
وَقيل لَهُ مَا الْفرق بَين المريد وَالْمرَاد فَقَالَ المريد تتولاه سياسة الْعلم وَالْمرَاد تتولاه رِعَايَة الْحق لِأَن المريد يسير وَالْمرَاد يطير وَأَيْنَ السائر من الطَّائِر
وَقَالَ الْإِخْلَاص سر بَين الله وَعَبده وَلَا يُعلمهُ ملك فيكتبه وَلَا شَيْطَان فيفسده وَلَا هوى فيميله
وَقَالَ الصَّادِق يتقلب فى الْيَوْم أَرْبَعِينَ مرّة والمرائى يثبت على حَالَة وَاحِدَة أَرْبَعِينَ سنة
وَسُئِلَ عَن الْحيَاء فَقَالَ رُؤْيَة الآلاء ورؤية التَّقْصِير يتَوَلَّد مِنْهُمَا حَالَة تسمى الْحيَاء
وَقَالَ الفتوة كف الْأَذَى وبذل الندى
وَقَالَ لَو أقبل صَادِق على الله ألف ألف سنة ثمَّ أعرض عَنهُ لَحْظَة كَانَ مَا فَاتَهُ أَكثر مِمَّا ناله
قلت وَالنَّاس يستشكلون هَذِه الْكَلِمَة ويتطلبون تقريرها وَسَأَلت عَنْهَا بعض العارفين بالتصوف فَقَالَ مَعْنَاهَا يظْهر بِضَرْب مثل وَهُوَ أَن الغواص إِذا غاص فى الْبَحْر منقبا على نَفِيس الْجَوَاهِر إِلَى أَن قَارب قراره وَكَاد يحظى بمراده أعرض وَترك كَانَ مَا فَاتَهُ أَكثر مِمَّا ناله وَكَذَلِكَ من أقبل على الْحق ألف ألف سنة ثمَّ أعرض فَتلك
стр. 599
اللحظة الَّتِى أعرض فِيهَا لَو لم يعرض نتيجة عمل ألف ألف سنة فَلَمَّا أعرض فَاتَتْهُ تِلْكَ النتيجة الَّتِى هى غَايَة عمل ألف ألف سنة فَظهر أَن مَا فَاتَهُ أَكثر مِمَّا ناله
قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى سَمِعت جدى إِسْمَاعِيل بن نجيد يَقُول دخل أَبُو الْعَبَّاس بن عَطاء على الْجُنَيْد وَهُوَ فى النزع فَسلم فَلم يرد عَلَيْهِ ثمَّ رد عَلَيْهِ بعد سَاعَة وَقَالَ اعذرنى فإنى كنت فى وردى ثمَّ حول وَجهه إِلَى الْقبْلَة وَكبر وَمَات
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الجريرى كنت وَاقِفًا على رَأس الْجُنَيْد فى وَقت وَفَاته وَكَانَ يَوْم جُمُعَة وَهُوَ يقْرَأ الْقُرْآن فَقلت يَا أَبَا الْقَاسِم ارْفُقْ بِنَفْسِك فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا رَأَيْت أحدا أحْوج إِلَيْهِ منى فى هَذَا الْوَقْت وَهُوَ ذَا تطوى صحيفتى
وَيُقَال كَانَ نقش خَاتم الْجُنَيْد إِذا كنت تَأمله فَلَا تأمنه
وَكَانَ يَقُول مَا أَخذنَا التصوف من القال والقيل وَلَكِن عَن الْجُوع وَترك الدُّنْيَا وَقطع المألوفات
قَالَ أَبُو سهل الصعلوكى سَمِعت أَبَا مُحَمَّد المرتعش يَقُول قَالَ الْجُنَيْد كنت بَين يدى السرى السقطى أَلعَب وَأَنا ابْن سبع سِنِين وَبَين يَدَيْهِ جمَاعَة يَتَكَلَّمُونَ فى الشُّكْر فَقَالَ يَا غُلَام مَا الشُّكْر
فَقلت أَن لَا تعصى الله بنعمه
فَقَالَ أخْشَى أَن يكون حظك من الله لسَانك
قَالَ الْجُنَيْد فَلَا أَزَال أبكى على هَذِه الْكَلِمَة الَّتِى قَالَهَا لى
وَعَن الْجُنَيْد الشُّكْر أَن لَا ترى نَفسك أَهلا للنعمة
وَعَن الْجُنَيْد أَعلَى دَرَجَة الْكبر أَن ترى نَفسك وَأَدْنَاهَا أَن تخطر ببالك يعْنى نَفسك
قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر الورثانى قَالَ سَمِعت مُحَمَّد
стр. 600
ابْن عبد الْعَزِيز يَقُول سُئِلَ الْجُنَيْد عَمَّن لم يبْق عَلَيْهِ من الدُّنْيَا إِلَّا مِقْدَار مص نواة فَقَالَ الْمكَاتب عبد مَا بقى عَلَيْهِ دِرْهَم
وَمن كَلَام الْجُنَيْد بَاب كل علم نَفِيس جليل بذل المجهود وَلَيْسَ من عبد الله ببذل المجهود كمن طلبه من طَرِيق الْجُود
وَقَالَ إِن الله يخلص إِلَى الْقُلُوب من بره حسب مَا خلصت الْقُلُوب بِهِ إِلَيْهِ من ذكره فَانْظُر مَاذَا خالط قَلْبك
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الزجاجى سَأَلت الْجُنَيْد عَن الْمحبَّة فَقَالَ تُرِيدُ الْإِشَارَة فَقلت لَا قَالَ تُرِيدُ الدَّعْوَى قلت لَا قَالَ فأيش تُرِيدُ قلت عين الْمحبَّة فَقَالَ أَن تحب مَا يحب الله فى عباده وَتكره مَا يكره فى عباده
وَسُئِلَ عَن قرب الله تَعَالَى فَقَالَ قريب لَا بالتلاق بعيد لَا بافتراق
وَقَالَ مكابدة الْعُزْلَة أيسر من مداراة الْخلطَة
توفى الْجُنَيْد يَوْم السبت فى شَوَّال سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة سبع وَتِسْعين
قَالَ الخلدى رَأَيْته فِي النّوم فَقلت مَا فعل الله بك فَقَالَ طاحت تِلْكَ الإشارات وَغَابَتْ تِلْكَ الْعبارَات وفنيت تِلْكَ الْعُلُوم ونفدت تِلْكَ الرسوم وَمَا نفعنا إِلَّا ركيعات كُنَّا نركعها فى السحر
ذكر شئ من الرِّوَايَة عَنهُ
وَقد ذكر أَنه لم يحدث إِلَّا بِحَدِيث وَاحِد حدّثنَاهُ الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر إملاء قَالَ أخبرنَا أَبُو الْفَتْح يُوسُف بن يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن المجاور إِذْنا أخبرنَا الإِمَام أَبُو الْيمن زيد بن الْحسن الكندى أخبرنَا أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْقَزاز الْمَعْرُوف بِابْن زُرَيْق أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن على بن ثَابت الْخَطِيب
стр. 601
أخبرنَا أَبُو سعيد المالينى أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عمر بن مُحَمَّد بن مقبل أخبرنَا جَعْفَر الخلدى حَدثنَا جُنَيْد بن مُحَمَّد
ح وَأخْبرنَا أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا القاضى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سَالم بن يُوسُف بن صاعد بن السّلم سَمَاعا أخبرنَا الْحسن بن أَحْمد بن يُوسُف الأوقى أخبرنَا أَبُو طَاهِر السلفى أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن على بن الْحسن ابْن زَكَرِيَّا الصوفى فِيمَا قَرَأت عَلَيْهِ أخبرنَا والدى أَبُو الْحسن على بن الْحسن الطريثيثى حَدثنَا أَبُو سعيد أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن حَفْص بن الْخَلِيل الهروى لفظا أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عمر بن مُحَمَّد بن مقبل حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد ابْن نصير أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم الْجُنَيْد حَدثنَا الْحسن بن عَرَفَة
ح وبإسنادنا الْمَشْهُور إِلَى ابْن عَرَفَة حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير الكوفى عَن عَمْرو ابْن قيس الملائى عَن عَطِيَّة عَن أَبى سعيد الخدرى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله) ثمَّ قَرَأَ ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾
قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب لَا يعرف للجنيد غير هَذَا الحَدِيث
قَالَ أَبُو الْفرج ابْن الجوزى وَقد رَأَيْت لَهُ حَدِيثا آخر
قلت أخبرناه أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر الْحَافِظ بقراءتى عَلَيْهِ عَن أَبى الْحسن ابْن البخارى عَن أَبى الْفرج عبد الرَّحْمَن بن على بن مُحَمَّد بن الجوزى أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الباقى أخبرنَا رزق الله بن عبد الْوَهَّاب أخبرنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى حَدثنَا أَحْمد بن عَطاء الصوفى حَدثنَا مُحَمَّد بن على بن الْحُسَيْن قَالَ سُئِلَ الْجُنَيْد عَن الفراسة فَقَالَ حَدثنَا الْحسن بن
стр. 602
عَرَفَة حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن عَاصِم عَن زر عَن عبد الله قَالَ كنت أرعى غنما لعقبة بن أَبى معيط وَذكر الحَدِيث وَقَالَ فى آخِره قَالَ لى النبى ﷺ (إِنَّك غليم معلم)
أخبرنَا الْمسند أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الخباز بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو الْغَنَائِم الْمُسلم بن مُحَمَّد بن عَلان القيسى سَمَاعا عَلَيْهِ حَدثنَا أَبُو الْيمن زيد بن الْحسن الكندى أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن زُرَيْق الشيبانى أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن على البغدادى حَدثنَا مُحَمَّد بن المظفر بن السراج من حفظه قَالَ سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد الخلدى يَقُول قَالَ لى أَبُو الْقَاسِم الْجُنَيْد ﵀ اطراح هَذِه الْأمة من الْمُرُوءَة والاستئناس بهم حجاب عَن الله تَعَالَى والطمع فيهم فقر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المظفر بن أَبى مُحَمَّد النابلسى الْحَافِظ بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا أقضى الْقُضَاة جمال الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نجم الدّين مُحَمَّد بن سَالم بن يُوسُف بن صاعد بن السّلم النابلسى قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا الشَّيْخ تقى الدّين أَبُو على الْحسن بن أَحْمد بن يُوسُف الأوقى سَمَاعا أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلفى سَمَاعا
ح وَكتب إِلَى أَحْمد بن على الجزرى وَفَاطِمَة بنت إِبْرَاهِيم وَغَيرهمَا عَن مُحَمَّد بن عبد الهادى عَن السلفى إجازات أخبرنى أَبُو بكر أَحْمد بن على بن الْحُسَيْن أخبرنَا والدى حَدثنَا أَبُو سعد أَحْمد بن مُحَمَّد المالينى سمعتت أَبَا الْوَزير على بن إِسْمَاعِيل الصوفى يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المنصورى يَقُول سَأَلت الْجُنَيْد مَتى يسْتَوْجب العَبْد أَن يُقَال لَهُ عَاقل قَالَ سَمِعت سريا يَقُول هُوَ أَن لَا يظْهر فى جوارحه شئ قد ذمه مَوْلَاهُ
وَبِه إِلَى المالينى سَمِعت أَبَا الْقَاسِم يُوسُف بن يحيى سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْجُنَيْد بن مُحَمَّد يَدْعُو بموضعك فى قُلُوب العارفين دلنى على رضاك وَأخرج من قلبى مَالا ترضاه وأسكن فى قلبى رضاك
стр. 603
وَبِه قَالَ سَمِعت عُثْمَان بن عبد الله الزنجى يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد بن مُحَمَّد يَقُول وَقد سُئِلَ عَن الْيَقِين مَا هُوَ فَقَالَ ترك مَا ترى لما لَا ترى
وَبِه قَالَ سمع أَبَا الْحُسَيْن أَحْمد بن زيزى يَقُول قلت للجنيد من أصحب بعْدك قَالَ اصحب بعدى من تأمنه سر الله فِيك
وَبِه قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن على بن أَحْمد بن قرقر يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن على بن مُحَمَّد السيروانى يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو ابْن علوان يَقُول سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْجُنَيْد بن مُحَمَّد يَقُول حضرت إملاك بعض الأبدال من النِّسَاء بِبَعْض الأبدال من الرِّجَال فَمَا كَانَ فى جمَاعَة من حضر إِلَّا من ضرب بِيَدِهِ إِلَى الْهَوَاء فَأخذ شَيْئا وَطَرحه من در وَيَاقُوت وَمَا أشبهه قَالَ أَبُو الْقَاسِم فَضربت بيدى فَأخذت زعفرانا وطرحته فَقَالَ لى الْحَضَر مَا كَانَ فى الْجَمَاعَة من أهْدى مَا يصلح للعرس غَيْرك
وَبِه قَالَ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد سَمِعت إِبْرَاهِيم بن دَاوُد البردعى يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول نِهَايَة الصابر فى حَال الصَّبْر حمل الْمُؤَن لله حَتَّى تنقضى أَوْقَات الْمَكْرُوه
وَبِه قَالَ سَمِعت أَبَا الْقَاسِم يُوسُف بن يحيى يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَدْعُو إِذا سَأَلَهُ إِنْسَان أَن يَدْعُو لَهُ جمع الله همك وَلَا شتت سرك وقطعك عَن كل قَاطع يقطعك عَنهُ ووصلك إِلَى كل وَاصل يوصلك إِلَيْهِ وَجعل غناهُ فى قَلْبك وشغلك بِهِ عَمَّن سواهُ ورزقك أدبا يصلح لمجالسته وَأخرج من قَلْبك مَالا يرضى وأسكن فى قَلْبك رِضَاهُ ودلك عَلَيْهِ من أقرب الطّرق
стр. 604
أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الخباز بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا الشَّيْخَانِ أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن أَبى عبد الله بن حَمَّاد بن العسقلانى وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن حمد بن كَامِل ابْن عمر المقدسى سَمَاعا قَالَا أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد بن منينا وَعبد الْوَهَّاب بن سكينَة إجَازَة قَالَا أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الباقى الأنصارى القاضى أخبرنَا الْخَطِيب أَبُو بكر أخبرنَا مُحَمَّد بن الْحسن الأهوازى قَالَ سَمِعت أَبَا حَاتِم الطبرى يَقُول سُئِلَ الْجُنَيْد رَحمَه الله تَعَالَى عَن التصوف فَقَالَ اسْتِعْمَال كل خلق سنى وَترك كل خلق دنى
وَبِه إِلَى الْخَطِيب أخبرنَا بكران بن الطّيب الجرجرائى حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد قَالَ سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول لَا تكون من الصَّادِقين أَو تصدق مَكَانا لَا ينجيك إِلَّا الْكَذِب فِيهِ
أخبرنَا الْمسند عز الدّين أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن ضِيَاء الدّين أَبى الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن عمر بن الحموى قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا أَبُو الْحسن ابْن البخارى أخبرنَا أَبُو حَفْص بن طبرزد أخبرنَا القاضى أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الباقى الأنصارى أخبرنَا أَبُو حَفْص هناد بن إِبْرَاهِيم أَبُو المظفر القاضى النسفى قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن الْقَاسِم الفارسى يَقُول كَانَ الْجُنَيْد بَات لَيْلَة الْعِيد فى مَوضِع غير الْموضع الذى كَانَ يعتاده فى الْبَريَّة فَلَمَّا أَن صَار وَقت السحر إِذا بشاب ملتف فى عباءة وَهُوَ يبكى وَيَقُول
(بِحرْمَة غربتى كم ذَا الصدود ... أَلا تعطف على أَلا تجود)
(سرُور الْعِيد قد عَم النواحى ... وضرى فى ازدياد لَا يبيد)
(فَإِن كنت اقترفت خلال سوء ... فعذرى فى الْهوى أَن لَا أَعُود)
стр. 605
أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا الْمَشَايِخ أَبُو بكر إِسْمَاعِيل بن الأنماطى وَأُخْته رقية وَغَيرهمَا حضورا عَن أَبى بكر بن أَبى سعد الصفار أخبرنَا أَبُو مَنْصُور عبد الْخَالِق بن زَاهِر الشحامى أخبرنَا الإِمَام أَبُو الْحسن على بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمُؤَذّن أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله ابْن باكويه أخبرنَا نصر بن أَبى نصر أخبرنَا جَعْفَر بن نصير قَالَ سَمِعت الْجُنَيْد قَالَ حججْت على الْوحدَة فجاورت بِمَكَّة فَكنت إِذا جن اللَّيْل دخلت الطّواف فَإِذا بِجَارِيَة تَطوف وَتقول
(أَبى الْحبّ أَن يخفى وَكم قد كتمته ... فَأصْبح عندى قد أَنَاخَ وطنبا)
(إِذا اشْتَدَّ شوقى هام قلبى بِذكرِهِ ... فَإِن رمت قربا من حبيبى تقربا)
(ويبدو فأفنى ثمَّ أحيى بِهِ لَهُ ... ويسعدنى حَتَّى ألذ وأطربا)
قَالَ فَقلت لَهَا يَا جَارِيَة أما تتقين الله فى مثل هَذَا الْمَكَان تتكلمين بِمثل هَذَا الْكَلَام فالتفتت إِلَى وَقَالَت يَا جُنَيْد
(لَوْلَا التقى لم ترنى ... أَهجر طيب الوسن)
(إِن التقى شردنى ... كَمَا ترى عَن وطنى)
(أفر من وجدى بِهِ ... فحبه هيمنى)
ثمَّ قَالَت يَا جُنَيْد تَطوف بِالْبَيْتِ أم بِرَبّ الْبَيْت فَقلت أَطُوف بِالْبَيْتِ فَرفعت طرفها إِلَى السَّمَاء وَقَالَت سحانك مَا أعظم مشيئتك فى خلقك خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار ثمَّ أنشأت تَقول
(يطوفون بالأحجار يَبْغُونَ قربَة ... إِلَيْك وهم أقسى قلوبا من الصخر)
(وتاهوا فَلم يدروا من التيه من هم ... وحلوا مَحل الْقرب فى بَاطِن الْفِكر)
(فَلَو أَخْلصُوا فى الود غَابَتْ صفاتهم ... وَقَامَت صِفَات الود للحق بِالذكر)
стр. 606
أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا أَحْمد بن هبة الله بن عَسَاكِر بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن عُثْمَان بن إِسْمَاعِيل القارى إجَازَة أخبرنَا هبة الرَّحْمَن بن عبد الْوَاحِد بن عبد الْكَرِيم القشيرى سَمَاعا عَلَيْهِ إملاء قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا سعيد مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الصفار قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السلمى قَالَ سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله قَالَ سَمِعت أَبَا عمر الأنماطى قَالَ قَالَ رجل للجنيد على مَاذَا يتأسف الْمُحب من أوقاته فَقَالَ على زمَان بسط أورث قبضا أَو زمَان أنس أورث وَحْشَة ثمَّ أنشأ يَقُول
(قد كَانَ لى مشرب يصفو بقربكم ... فكدرته يَد الْأَيَّام حِين صفا)
وَبِه إِلَى هبة الرَّحْمَن القشيرى أخبرنَا أَبُو صَالح أَحْمد بن عبد الْملك الْمُؤَذّن أخبرنَا أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الأصبهانى قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن على بن هَارُون بن مُحَمَّد وَأَبا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُفِيد يَقُولَانِ سمعنَا أَبَا الْقَاسِم الْجُنَيْد ابْن مُحَمَّد غير مرّة يَقُول طريقنا مضبوط بِالْكتاب وَالسّنة من لم يحفظ الْقُرْآن وَلم يكْتب الحَدِيث وَلم يتفقه لَا يقْتَدى بِهِ
وأخبرناه أَيْضا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف بن أَحْمد الخلاطى قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع بِالْقَاهِرَةِ أخبرنَا نَفِيس الدّين عبد الرَّحْمَن بن عبد الْكَرِيم بن أَبى الْقَاسِم أخبرنَا والدى أخبرنَا أَبُو الْفضل عبد الله بن أَحْمد الطوسى أخبرنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مَرْزُوق بن عبد الرَّزَّاق الزعفرانى البغدادى قِرَاءَة عَلَيْهِ فى الْمحرم سنة سبع وَخَمْسمِائة قيل لَهُ أخْبركُم أَبُو الْحسن على بن أَحْمد بن على بن عبد الله الْحَافِظ الصقلى أخبرنَا أَبُو الْحسن على بن هَارُون بن مُحَمَّد وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُفِيد قَالَا سمعنَا أَبَا الْقَاسِم الْجُنَيْد بن مُحَمَّد ﵀ يَقُول تفقهت على مَذْهَب أَصْحَاب الحَدِيث كأبى عبيد وأبى ثَوْر وصحبت الْحَارِث
стр. 607
المحاسبى وسرى بن الْمُغلس رَحْمَة الله عَلَيْهِم وَذَلِكَ كَانَ سَبَب فلاحى إِذْ علمنَا هَذَا مضبوط بِالْكتاب وَالسّنة وَمن لم يحفظ الْقُرْآن وَيكْتب الحَدِيث ويتفقه قبل سلوكه فَإِنَّهُ لَا يجوز الِاقْتِدَاء بِهِ
أخبرنَا الشَّيْخ الْوَالِد ﵀ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مخلوف بن جمَاعَة
ح وَأخْبرنَا يحيى بن يُوسُف المصرى قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قَالَا أخبرنَا عبد الْوَهَّاب بن ظافر بن رواج قَالَ ابْن جمَاعَة سَمَاعا وَقَالَ شَيخنَا إجَازَة قَالَ أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلفى أخبرنَا أَبُو الْحسن العلاف أخبرنَا أَبُو الْحسن الحمامى حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن جَعْفَر الختلى سَمِعت أَبَا الْقَاسِم بن بكير قَالَ سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول بنى أمرنَا هَذَا على أَربع لَا نتكلم إِلَّا عَن وجود وَلَا نَأْكُل إِلَّا عَن فاقة وَلَا ننام إِلَّا عَن غَلَبَة وَلَا نسكت إِلَّا عَن خشيَة
ذكر نخب وفوائد عَن أَبى الْقَاسِم ﵀
هَل الْأَفْضَل للمحتاج أَن يَأْخُذ من الزَّكَاة أَو صَدَقَة التَّطَوُّع قَالَ الغزالى فى الْإِحْيَاء اخْتلف فِيهِ السّلف وَكَانَ الْجُنَيْد والخواص وَجَمَاعَة يَقُولُونَ الْأَخْذ من الصَّدَقَة أفضل لِئَلَّا يضيق على الْأَصْنَاف وَلِئَلَّا يخل بِشَرْط من شُرُوطهَا وَقَالَ آخَرُونَ الزَّكَاة أفضل لِأَنَّهَا إِعَانَة على وَاجِب وَلَو ترك أهل الزَّكَاة أَخذهَا أثموا وَلِأَن الزَّكَاة لَا منَّة فِيهَا
قَالَ الغزالى وَالصَّوَاب أَنه يخْتَلف بالأشخاص فَإِن عرض لَهُ شُبْهَة فى اسْتِحْقَاقه لم يَأْخُذ الزَّكَاة وَإِن قطع باستحقاقه ينظر إِن كَانَ الْمُتَصَدّق إِن لم يَأْخُذهَا هَذَا لم يتَصَدَّق
стр. 608
فليأخذ الصَّدَقَة فَإِن إِخْرَاج الزَّكَاة لابد مِنْهُ وَإِن كَانَ لابد من إِخْرَاج تِلْكَ الصَّدَقَة يُخَيّر قَالَ وَأخذ الزَّكَاة أَشد فى كسر النَّفس
٦١ - الْحَارِث بن أَسد المحاسبى أَبُو عبد الله
علم العارفين فى زَمَانه وأستاذ السائرين الْجَامِع بَين علمى الْبَاطِن وَالظَّاهِر شيخ الْجُنَيْد
وَيُقَال إِنَّمَا سمى المحاسبى لِكَثْرَة محاسبته لنَفسِهِ
قَالَ ابْن الصّلاح ذكره الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور فى الطَّبَقَة الأولى فِيمَن صحب الشافعى وَقَالَ كَانَ إِمَام الْمُسلمين فى الْفِقْه والتصوف والْحَدِيث وَالْكَلَام وَكتبه فى هَذِه الْعُلُوم أصُول من يصنف فِيهَا وَإِلَيْهِ ينْسب أَكثر متكلمى الصفاتية
ثمَّ قَالَ لَو لم يكن فِي أَصْحَاب الشافعى فى الْفِقْه وَالْكَلَام وَالْأُصُول وَالْقِيَاس والزهد والورع والمعرفة إِلَّا الْحَارِث المحاسبى لَكَانَ مغبرا فى وُجُوه مخالفيه وَالْحَمْد لله على ذَلِك
قَالَ ابْن الصّلاح صحبته للشافعى لم أر أحدا ذكرهَا سواهُ وَلَيْسَ أَبُو مَنْصُور من أهل هَذَا الْفَنّ فيعتمد فِيمَا تفرد بِهِ والقرائن شاهدة بانتفائها
قلت إِن كَانَ أَبُو مَنْصُور صرح بِأَنَّهُ صحب الشافعى فالاعتراض عَلَيْهِ لائح وَإِلَّا فقد يكون أَرَادَ بالطبقة الأولى من عاصر الشافعى وَكَانَ فى طبقَة الآخذين عَنهُ وَقد ذكره فى الطَّبَقَة الأولى أَيْضا أَبُو عَاصِم العبادى وَقَالَ كَانَ مِمَّن عاصر الشافعى وَاخْتَارَ مذْهبه وَلم يقل كَانَ مِمَّن صَحبه فَلَعَلَّ هَذَا الْقدر مُرَاد أَبى مَنْصُور
стр. 609
روى الْحَارِث عَن يزِيد بن هَارُون وطبقته
روى عَنهُ أَبُو الْعَبَّاس بن مَسْرُوق وَأحمد بن الْحسن بن عبد الْجَبَّار الصوفى وَالشَّيْخ الْجُنَيْد وَإِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق السراج وَأَبُو على الْحُسَيْن بن خيران الْفَقِيه وَغَيرهم
قَالَ الْخَطِيب لَهُ كتب كَثِيرَة فى الزّهْد وأصول الدّيانَة وَالرَّدّ على الْمُعْتَزلَة والرافضة
قلت كتبه كَثِيرَة الْفَوَائِد جمة الْمَنَافِع وَقَالَ جمع من الصُّوفِيَّة إِنَّهَا تبلغ مائتى مُصَنف
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو عبد الله بن خَفِيف اقتدوا بِخَمْسَة من شُيُوخنَا وَالْبَاقُونَ سلمُوا إِلَيْهِم أَحْوَالهم الْحَارِث بن أَسد المحاسبى والجنيد بن مُحَمَّد وَأَبُو مُحَمَّد رُوَيْم وَأَبُو الْعَبَّاس بن عَطاء وَعَمْرو بن عُثْمَان المكى لأَنهم جمعُوا بَين الْعلم والحقائق
وَقَالَ جَعْفَر الخلدى سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول كنت كثيرا أَقُول لِلْحَارِثِ عزلتى أنسى فَيَقُول كم تَقول أنسى وعزلتى لَو أَن نصف الْخلق تقربُوا منى مَا وجدت بهم أنسا وَلَو أَن نصف الْخلق الآخر نأوا عَنى مَا استوحشت لبعدهم
قَالَ وَسمعت الْجُنَيْد يَقُول كَانَ الْحَارِث كثير الضّر فاجتاز بى يَوْمًا وَأَنا جَالس على بابنا فَرَأَيْت على وَجهه زِيَادَة الضّر من الْجُوع فَقلت لَهُ يَا عَم لَو دخلت إِلَيْنَا نلْت من شئ من عندنَا وعمدت إِلَى بَيت عمى وَكَانَ أوسع من بيتنا لَا يَخْلُو من أَطْعِمَة فاخرة لَا يكون مثلهَا فى بيتنا سَرِيعا فَجئْت بأنواع كَثِيرَة من الطَّعَام فَوَضَعته بَين يَدَيْهِ فَمد يَده فَأخذ لقْمَة فَرَفعهَا إِلَى فِيهِ فرأيته يعلكها وَلَا يزدردها ثمَّ وثب وَخرج وَمَا كلمنى فَلَمَّا كَانَ الْغَد لَقيته فَقلت لَهُ يَا عَم سررتنى ثمَّ نغصت على قَالَ يَا بنى أما الْفَاقَة فَكَانَت شَدِيدَة وَقد اجتهدت فى أَن أنال من الطَّعَام الذى قَدمته إِلَى وَلَكِن بينى وَبَين الله عَلامَة إِذا لم يكن الطَّعَام مرضيا ارْتَفع إِلَى أنفى مِنْهُ زفرَة فَلم تقبله نفسى فقد رميت بِتِلْكَ اللُّقْمَة فى دهليزكم
стр. 610
وفى رِوَايَة أُخْرَى كَانَ إِذا مد يَده إِلَى طَعَام فِيهِ شُبْهَة تحرّك لَهُ عرق فى أُصْبُعه فَيمْتَنع مِنْهُ
وَقَالَ الْجُنَيْد مَاتَ أَبُو الْحَارِث يَوْم مَاتَ وَإِن الْحَارِث لمحتاج إِلَى دانق فضَّة وَخلف أَبوهُ مَالا كثيرا وَمَا أَخذ مِنْهُ حَبَّة وَاحِدَة وَقَالَ أهل ملتين لَا يتوارثان وَكَانَ أَبوهُ رَافِضِيًّا
وَقَالَ أَبُو على بن خيران الْفَقِيه رَأَيْت الْحَارِث بِبَاب الطاق فى وسط الطَّرِيق مُتَعَلقا بِأَبِيهِ وَالنَّاس قد اجْتَمعُوا عَلَيْهِ يَقُول أمى طَلقهَا فَإنَّك على دين وهى على دين غَيره
وَهَذَا من الْحَارِث بِنَاء على القَوْل بتكفير الْقَدَرِيَّة فَلَعَلَّهُ كَانَ يرى ذَلِك وَأما الْحِكَايَة الْمُتَقَدّمَة فى أَنه لم يَأْخُذ من مِيرَاث أَبِيه فَلَعَلَّهُ ترك الْأَخْذ من مِيرَاثه ورعا لِأَنَّهُ فى مَحل الْخلاف إِذْ فى تَكْفِير الْقَدَرِيَّة خلاف وفى نفى التَّوَارُث بِنَاء على التَّكْفِير أَيْضا خلاف وَابْن الصّلاح جعل عدم أَخذه من مِيرَاث أَبِيه دَلِيلا مِنْهُ على أَنه يَقُول بالتكفير وَفِيه نظر لاحْتِمَال أَنه فعل ذَلِك ورعا وَقد صرح بَعضهم بذلك وَبِأَن الله عوضه عَن ذَلِك بِأَنَّهُ كَانَ لَا يدْخل بَطْنه إِلَّا الْحَلَال الْمَحْض كَمَا تقدم
وَأما حمله أَبَاهُ على أَن يُطلق امْرَأَته فصريح فى أَنه كَانَ يرى التَّكْفِير إِذْ لَا مَحل للورع هُنَا
وَقيل أنْشد قَوَّال بَين يدى الْحَارِث هَذِه الأبيات
(أَنا فى الغربة أبكى ... مَا بَكت عين غَرِيب)
(لم أكن يَوْم خروجى ... من بلادى بمصيب)
(عجبا لى ولتركى ... وطنا فِيهِ حبيبى)
فَقَامَ يتواجد ويبكى حَتَّى رَحمَه كل من حَضَره
وروى الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل المحاملى القاضى قَالَ قَالَ أَبُو بكر بن هَارُون بن المجدر
стр. 611
سَمِعت جَعْفَر ابْن أخى أَبى ثَوْر يَقُول حضرت وَفَاة الْحَارِث فَقَالَ إِن رَأَيْت مَا أحب تبسمت إِلَيْكُم وَإِن رَأَيْت غير ذَلِك تنسمتم فى وجهى قَالَ فَتَبَسَّمَ ثمَّ مَاتَ
قَوْله تنسمتم فى وجهى بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعْدهَا نون ثمَّ سين ضبطناه لِئَلَّا يتصحف
توفى الْحَارِث سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ
ذكر الْبَحْث عَمَّا كَانَ بَينه وَبَين الإِمَام أَحْمد
أول مَا نقدمه أَنه ينبغى لَك أَيهَا المسترشد أَن تسلك سَبِيل الْأَدَب مَعَ الْأَئِمَّة الماضين وَأَن لَا تنظر إِلَى كَلَام بَعضهم فى بعض إِلَّا إِذا أَتَى ببرهان وَاضح ثمَّ إِن قدرت على التَّأْوِيل وتحسين الظَّن فدونك وَإِلَّا فَاضْرب صفحا عَمَّا جرى بَينهم فَإنَّك لم تخلق لهَذَا فاشتغل بِمَا يَعْنِيك ودع مَالا يَعْنِيك وَلَا يزَال طَالب الْعلم عندى نبيلا حَتَّى يَخُوض فِيمَا جرى بَين السّلف الماضين وَيقْضى لبَعْضهِم على بعض فإياك ثمَّ إياك أَن تصغى إِلَى مَا اتّفق بَين أَبى حنيفَة وسُفْيَان الثورى أَو بَين مَالك وَابْن أَبى ذِئْب أَو بَين أَحْمد بن صَالح والنسائى أَو بَين أَحْمد ابْن حَنْبَل والْحَارث المحاسبى وهلم جرا إِلَى زمَان الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام وَالشَّيْخ تقى الدّين بن الصّلاح فَإنَّك إِن اشتغلت بذلك خشيت عَلَيْك الْهَلَاك فالقوم أَئِمَّة أَعْلَام ولأقوالهم محامل رُبمَا لم يفهم بَعْضهَا فَلَيْسَ لنا إِلَّا الترضى عَنْهُم وَالسُّكُوت عَمَّا جرى بَينهم كَمَا يفعل فِيمَا جرى بَين الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم
إِذا عرفت ذَلِك فَاعْلَم أَن الإِمَام أَحْمد رضى الله عَنهُ كَانَ شَدِيد النكير على من يتَكَلَّم فى علم الْكَلَام خوفًا أَن يجر ذَلِك إِلَى مَا لَا ينبغى وَلَا شكّ أَن السُّكُوت عَنهُ مَا لم تدع إِلَيْهِ الْحَاجة أولى وَالْكَلَام فِيهِ عِنْد فقد الْحَاجة بِدعَة وَكَانَ الْحَارِث قد تكلم فى شئ من مسَائِل الْكَلَام
قَالَ أَبُو الْقَاسِم النصراباذى بلغنى أَن أَحْمد ابْن حَنْبَل هجره بِهَذَا السَّبَب
стр. 612
قلت وَالظَّن بِالْحَارِثِ أَنه إِنَّمَا تكلم حِين دعت الْحَاجة وَلكُل مقصد وَالله يرحمهما
وَذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله أَن أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق الصبغى أخبرهُ قَالَ سَمِعت إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق السراج يَقُول قَالَ لى أَحْمد بن حَنْبَل بلغنى أَن الْحَارِث هَذَا يكثر الْكَوْن عنْدك فَلَو أحضرته مَنْزِلك وأجلستنى من حَيْثُ لَا يرانى فَأَسْمع كَلَامه فقصدت الْحَارِث وَسَأَلته أَن يحضرنا تِلْكَ اللَّيْلَة وَأَن يحضر أَصْحَابه فَقَالَ فيهم كَثْرَة فَلَا تزدهم على الْكسْب وَالتَّمْر فَأتيت أَبَا عبد الله فأعلمته فَحَضَرَ إِلَى غرفَة واجتهد فى ورده وَحضر الْحَارِث وَأَصْحَابه فَأَكَلُوا ثمَّ صلوا الْعَتَمَة وَلم يصلوا بعْدهَا وقعدوا بَين يدى الْحَارِث لَا ينطقون إِلَى قريب نصف اللَّيْل ثمَّ ابْتَدَأَ رجل مِنْهُم فَسَأَلَ عَن مَسْأَلَة فَأخذ الْحَارِث فى الْكَلَام وَأَصْحَابه يَسْتَمِعُون كَأَن على رؤوسهم الطير فَمنهمْ من يبكى وَمِنْهُم من يحن وَمِنْهُم من يزعق وَهُوَ فى كَلَامه فَصَعدت الغرفة لأتعرف حَال أَبى عبد الله فَوَجَدته قد بَكَى حَتَّى غشى عَلَيْهِ فَانْصَرَفت إِلَيْهِم وَلم تزل تِلْكَ حَالهم حَتَّى أَصْبحُوا وذهبوا فَصَعدت إِلَى أَبى عبد الله فَقَالَ مَا أعلم أَنى رَأَيْت مثل هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَلَا سَمِعت فى علم الْحَقَائِق مثل كَلَام هَذَا الرجل وَمَعَ هَذَا فَلَا أرى لَك صحبتهم ثمَّ قَامَ وَخرج وفى رِوَايَة أُخْرَى أَن أَحْمد قَالَ لَا أنكر من هَذَا شَيْئا
قلت تَأمل هَذِه الْحِكَايَة بِعَين البصيرة وَاعْلَم أَن أَحْمد بن حَنْبَل إِنَّمَا لم ير لهَذَا الرجل صحبتهم لقصوره عَن مقامهم فَإِنَّهُم فى مقَام ضيق لَا يسلكه كل أحد فيخاف على سالكه وَإِلَّا فَأَحْمَد قد بَكَى وشكر الْحَارِث هَذَا الشُّكْر وَلكُل رأى واجتهاد حشرنا الله مَعَهم أَجْمَعِينَ فى زمرة سيد الْمُرْسلين ﷺ وعَلى آله وَأَصْحَابه وَسلم
стр. 613
ذكر شىء من الرِّوَايَة عَن الْحَارِث
أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المظفر النابلسى بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا أقضى الْقُضَاة جمال الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نجم الدّين مُحَمَّد بن سَالم بن يُوسُف بن صاعد بن السّلم النابلسى قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا الشَّيْخ تقى الدّين أَبُو على الْحسن بن أَحْمد بن يُوسُف الأوقى سَمَاعا أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد السلفى سَمَاعا عَلَيْهِ
ح وَكتب إِلَى أَحْمد بن على الجزرى وَفَاطِمَة بنت إِبْرَاهِيم وَغَيرهمَا عَن مُحَمَّد بن عبد الهادى عَن السلفى أخبرنى الشَّيْخ أَبُو بكر أَحْمد بن على بن الْحُسَيْن فِيمَا قَرَأت عَلَيْهِ من أصل سَمَاعه بِمَدِينَة السَّلَام فى ذى الْقعدَة سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة أخبرنَا والدى أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن الطريشيثى الصوفى حَدثنَا أَبُو سعد أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله المالينى لفظا أخبرنَا أَبُو الْحسن على بن أَحْمد الشمشاطى حَدثنَا أَحْمد بن الْقَاسِم بن نصر أخبرنَا الْحَارِث بن أَسد المحاسبى الْعَنزي أخبرنَا يزِيد بن هَارُون عَن شُعْبَة عَن الْقَاسِم بن أَبى بزَّة عَن عَطاء الكيخارانى أَو الخراسانى عَن أم الدَّرْدَاء عَن أَبى الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أثقل مَا يوضع فى ميزَان العَبْد يَوْم الْقِيَامَة حسن الْخلق)
أخبرنَا الشَّيْخ الْمسند تَاج الدّين عبد الرَّحِيم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن أَبى الْيُسْر قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا جدى أَبُو مُحَمَّد إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا عبد اللَّطِيف بن إِسْمَاعِيل بن أَبى سعد النيسابورى
стр. 614
ح وَأخْبرنَا أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن عمر بن الحموى قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا ابْن البخارى أخبرنَا ابْن طبرزد
ح وَأخْبرنَا الْوَالِد تغمده الله برحمته قِرَاءَة عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الدمياطى الْحَافِظ أخبرنَا يُوسُف بن خَلِيل الْحَافِظ أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم الأزجى أخبرنَا أَبُو طَالب اليوسفى قَالَ النيسابورى وَابْن طبرزد أخبرنَا القاضى أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الباقى الأنصارى قَالَ سَمِعت وَقَالَ اليوسفى قَالَ النيسابورى أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن على الجوهرى سَمِعت أَبَا عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبيد العسكرى يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَسْرُوق يَقُول سَمِعت حارثا المحاسبى يَقُول ثَلَاثَة أَشْيَاء عزيزة أَو مَعْدُومَة حسن الْوَجْه مَعَ الصيانة وَحسن الْخلق مَعَ الدّيانَة وَحسن الإخاء مَعَ الْأَمَانَة
أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس بن المظفر بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا ابْن السّلم أخبرنَا الأوقى أخبرنَا السلفى أخبرنى الشَّيْخ أَبُو بكر أَحْمد بن على بن الْحُسَيْن بن زَكَرِيَّا الصوفى فِيمَا قَرَأت عَلَيْهِ أخبرنَا والدى أَبُو الْحسن على بن الْحُسَيْن الطريثيثى الصوفى حَدثنَا أَبُو سعد أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن حَفْص بن خَلِيل الهروى المالينى لفظا أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل ابْن بنت أَبى حَفْص النسائى أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد الملطى أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَبى شيخ قَالَ قَالَ لى أَحْمد بن الْحسن الأنصارى سَأَلت الْحَارِث المحاسبى عَن الْعقل فَقَالَ هُوَ نور الغريزة مَعَ التجارب يزِيد ويقوى بِالْعلمِ والحلم
قلت هَذَا الذى قَالَه الْحَارِث فى الْعقل قريب مِمَّا نقل عَنهُ أَنه غريزة يَتَأَتَّى بهَا دَرك الْعُلُوم وسنتكلم عَن ذَلِك
стр. 615
وَمن كَلِمَات الْحَارِث والفوائد عَنهُ
أصل الطَّاعَة الْوَرع وأصل الْوَرع التَّقْوَى وأصل التَّقْوَى محاسبة النَّفس وأصل محاسبة النَّفس الْخَوْف والرجاء وأصل الْخَوْف والرجاء معرفَة الْوَعْد والوعيد وأصل معرفَة الْوَعْد والوعيد دَاء عَظِيم الْجَزَاء وأصل ذَلِك الفكرة وَالْعبْرَة وأصدق بَيت قالته الْعَرَب قَول حسان بن ثَابت الأنصارى رضى الله عَنهُ
(وَمَا حملت من نَاقَة فَوق كورها ... أعز وأوفى ذمَّة من مُحَمَّد)
قلت وَهَذَا حق وَنَظِير هَذَا الْبَيْت فى الصدْق قَول حسان أَيْضا
(وَمَا فقد الماضون مثل مُحَمَّد ... وَلَا مثله حَتَّى الْقِيَامَة يفقد)
وَقَوله ﷺ أصدق كلمة قَالَهَا لبيد
(أَلا كل شىء مَا خلا الله بَاطِل ... )
ذَاك أصدق كَلِمَات لبيد نَفسه فَلَا ينافى هَذَا
وَقَالَ الْحَارِث الْعلم يُورث المخافة والزهد يُورث الرَّاحَة والمعرفة تورث الْإِنَابَة وَخيَار هَذِه الْأمة الَّذين لَا تشغلهم آخرتهم عَن دنياهم وَلَا دنياهم عَن آخرتهم وَمن حسنت مُعَامَلَته فى ظَاهره مَعَ جهد بَاطِنه وَرثهُ الله الْهِدَايَة إِلَيْهِ لقَوْله ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾
وَقَالَ حسن الْخلق احْتِمَال الْأَذَى وَقلة الْغَضَب وَبسط الرَّحْمَة وَطيب الْكَلَام وَلكُل شىء جَوْهَر وجوهر الْإِنْسَان الْعقل وجوهر الْعقل الصَّبْر وَالْعَمَل بحركات الْقُلُوب فى مطالعات الغيوب أشرف من الْعَمَل بحركات الْجَوَارِح
стр. 616
وَقَالَ إِذا أَنْت لم تسمع نِدَاء الله فَكيف تجيب دَعَاهُ وَمن اسْتغنى بشىء دون الله جهل قدر الله والظالم نادم وَإِن مدحه النَّاس والمظلوم سَالم وَإِن ذمه النَّاس والقانع غنى وَإِن جَاع والحريص فَقير وَإِن ملك وَمن لم يشْكر الله تَعَالَى على النِّعْمَة فقد استدعى زَوَالهَا
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فى الْبُرْهَان عِنْد الْكَلَام فى تَعْرِيف الْعقل وَمَا حوم عَلَيْهِ أحد من عُلَمَائِنَا غير الْحَارِث المحاسبى فَإِنَّهُ قَالَ الْعقل غريزة يَتَأَتَّى بهَا دَرك الْعُلُوم وَلَيْسَت مِنْهَا انْتهى
وَقد ارتضى الإِمَام كَلَام الْحَارِث هَذَا كَمَا ترى وَقَالَ عَقِيبه إِنَّه صفة إِذا ثبتَتْ يَتَأَتَّى بهَا التَّوَصُّل إِلَى الْعُلُوم النظرية ومقدماتها من الضروريات الَّتِى هى من مُسْتَند النظريات انْتهى
وَهُوَ مِنْهُ بِنَاء على أَن الْعقل لَيْسَ بِعلم والمعزو إِلَى الشَّيْخ أَبى الْحسن الأشعرى أَنه الْعلم
وَقَالَ القاضى أَبُو بكر إِنَّه بعض الْعُلُوم الضرورية
وَالْإِمَام حكى فى الشَّامِل مقَالَة الْحَارِث هَذِه الَّتِى استحسنها هُنَا وَقَالَ إِنَّا لَا نرضاها ونتهم فِيهَا النقلَة عَنهُ
ثمَّ قَالَ وَلَو صَحَّ النَّقْل عَنهُ فَمَعْنَاه أَن الْعقل لَيْسَ بِمَعْرِِفَة الله تَعَالَى وَهُوَ إِذا أطلق الْمعرفَة أَرَادَ بهَا معرفَة الله فَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْعقل بِنَفسِهِ بِمَعْرِِفَة الله تَعَالَى وَلكنه غريزة وعنى بالغريزة أَنه عَالم لأمر جبل الله عَلَيْهِ الْعَاقِل ويتوصل بِهِ إِلَى معرفَة الله انْتهى كَلَامه فى الشَّامِل
وَالْمَنْقُول عَن الْحَارِث ثَابت عَنهُ وَقد نَص عَلَيْهِ فى كتاب الرِّعَايَة وَكَأن إِمَام الْحَرَمَيْنِ نظر كَلَام الْحَارِث بعد ذَلِك ثمَّ لَا حت لَهُ صِحَّته بَعْدَمَا كَانَ لَا يرضاه
وَاعْلَم أَنه لَيْسَ فى ارتضاء مَذْهَب الْحَارِث واعتقاده مَا ينْتَقد وَلَا يلْزمه قَول بالطبائع وَلَا شىء من مقالات الفلاسفة كَمَا ظَنّه بعض شرَّاح كتاب الْبُرْهَان وَقد قَررنَا هَذَا
стр. 617
فى غير هَذَا الْموضع وَقَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ إِنَّه أَرَادَ معرفَة الله مَمْنُوع فقد قدمنَا عَن الْحَارِث بِالْإِسْنَادِ قَوْله إِنَّه نور الغريزة يقوى وَيزِيد بالتقوى نعم الْحَارِث لَا يُرِيد بِكَوْنِهِ نورا مَا تدعيه الفلاسفة
٦٢ - دَاوُد بن على بن خلف أَبُو سُلَيْمَان البغدادى الأصبهانى
إِمَام أهل الظَّاهِر
ولد سنة مِائَتَيْنِ وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ
وَكَانَ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين وهداتهم وَله فى فَضَائِل الشافعى ﵀ مصنفات
سمع سُلَيْمَان بن حَرْب والقعنبى وَعَمْرو بن مَرْزُوق وَمُحَمّد بن كثير العبدى ومسددا وَأَبا ثَوْر الْفَقِيه وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه رَحل إِلَيْهِ إِلَى نيسابور فَسمع مِنْهُ الْمسند وَالتَّفْسِير وجالس الْأَئِمَّة وصنف الْكتب
قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب كَانَ إِمَامًا ورعا ناسكا زاهد وفى كتبه حَدِيث كثير لَكِن الرِّوَايَة عَنهُ عزيزة جدا روى عَنهُ ابْنه مُحَمَّد وزَكَرِيا الساجى ويوسف بن يَعْقُوب الداودى الْفَقِيه وعباس بن أَحْمد الْمُذكر وَغَيرهم
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الشيرازى ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَأخذ الْعلم عَن إِسْحَاق
стр. 618
وأبى ثَوْر وَكَانَ زاهدا متقللا وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب كَانَ دَاوُد عقله أَكثر من علمه
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَقيل كَانَ فى مَجْلِسه أَرْبَعمِائَة صَاحب طيلسان أَخْضَر وَكَانَ من المتعصبين للشافعى صنف كتابين فى فضائله وَالثنَاء عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْعلم بِبَغْدَاد وَأَصله من أصفهان ومولده بِالْكُوفَةِ ومنشأه بِبَغْدَاد وقبره بهَا
وَقَالَ أَبُو عَمْرو أَحْمد بن الْمُبَارك المستملى رَأَيْت دَاوُد بن على يرد على إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَمَا رَأَيْت أحدا قبله وَلَا بعده يرد عَلَيْهِ هَيْبَة لَهُ
وَقَالَ عمر بن مُحَمَّد بن بجير سَمِعت دَاوُد بن على يَقُول دخلت على إِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه وَهُوَ يحتجم فَجَلَست فَرَأَيْت كتاب الشافعى فَأخذت أنظرفصاح أيش تنظر فَقلت ﴿معَاذ الله أَن نَأْخُذ إِلَّا من وجدنَا متاعنا عِنْده﴾ فَجعل يضْحك ويتبسم
وَقَالَ سعيد البردعى كُنَّا عِنْد أَبى زرْعَة فَاخْتلف رجلَانِ فى أَمر دَاوُد والمزنى وَالرجلَانِ فضلك الرازى وَابْن خرَاش فَقَالَ ابْن خرَاش دَاوُد كَافِر وَقَالَ فضلك المزنى جَاهِل فَأقبل عَلَيْهِمَا أَبُو زرْعَة فوبخهما وَقَالَ مَا وَاحِد مِنْكُمَا لَهُ بِصَاحِب ثمَّ قَالَ نرى دَاوُد هَذَا لَو اقْتصر على مَا يقْتَصر عَلَيْهِ أهل الْعلم لظَنَنْت أَنه يكمد أهل الْبدع بِمَا عِنْده من الْبَيَان والأدلة وَلكنه تعدى لقد لقد قدم علينا من نيسابور فَكتب إِلَى مُحَمَّد بن رَافع
стр. 619
وَمُحَمّد بن يحيى وَعمر بن زُرَارَة وحسين بن مَنْصُور ومشيخة نيسابور بِمَا أحدث هُنَاكَ فكتمت ذَلِك لما خفت من عواقبه وَلم أَبَد لَهُ شَيْئا فَقدم بَغْدَاد وَكَانَ بَينه وَبَين صَالح بن أَحْمد حسن فَكلم صَالحا أَن يتلطف لَهُ فى الاسْتِئْذَان على أَبِيه فَأتى وَقَالَ سألنى رجل أَن يَأْتِيك قَالَ مَا اسْمه قَالَ دَاوُد قَالَ ابْن من قَالَ هُوَ من أهل أَصْبَهَان وَكَانَ صَالح يروغ عَن تَعْرِيفه فَمَا زَالَ أَبوهُ يفحص حَتَّى فطن بِهِ فَقَالَ هَذَا قد كتب إِلَى مُحَمَّد بن يحيى فى أمره أَنه زعم أَن الْقُرْآن مُحدث فَلَا يقربنى قَالَ إِنَّه ينتفى من هَذَا وينكره قَالَ مُحَمَّد بن يحيى أصدق مِنْهُ لَا تَأذن لَهُ
قَالَ الْخلال أخبرنَا الْحُسَيْن بن عبد الله قَالَ سَأَلت المروزى عَن قصَّة دَاوُد الأصبهانى وَمَا أنكر عَلَيْهِ أَبُو عبد الله فَقَالَ كَانَ دَاوُد خرج إِلَى خُرَاسَان إِلَى ابْن رَاهَوَيْه فَتكلم بِكَلَام شهد عَلَيْهِ أَبُو نصر بن عبد الْمجِيد وَآخر شَهدا عَلَيْهِ أَنه قَالَ إِن الْقُرْآن مُحدث فَقَالَ لى أَبُو عبد الله بن دَاوُد بن على لَا فرج الله عَنهُ
قلت هَذَا من غلْمَان أَبى ثَوْر قَالَ جاءنى كتاب مُحَمَّد بن يحيى النيسابورى أَن دَاوُد الأصبهانى قَالَ ببلدنا إِن الْقُرْآن مُحدث
قَالَ المروزى حَدَّثَنى مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم النيسابورى أَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه لما سمع كَلَام دَاوُد فى بَيته وثب عَلَيْهِ إِسْحَاق فَضَربهُ وَأنكر عَلَيْهِ
قَالَ الْخلال سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَدَقَة سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن صبيح سَمِعت دَاوُد الأصبهانى يَقُول الْقُرْآن مُحدث ولفظى بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق
أخبرنَا سعيد بن أَبى مُسلم سَمِعت مُحَمَّد بن عَبدة يَقُول دخلت إِلَى دَاوُد فَغَضب على أَحْمد بن حَنْبَل فَدخلت عَلَيْهِ فَلم يكلمنى فَقَالَ لَهُ رجل يَا أَبَا عبد الله إِنَّه رد عَلَيْهِ مَسْأَلَة قَالَ وَمَا هى
قَالَ قَالَ الْخُنْثَى إِذا مَاتَ من يغسلهُ فَقَالَ دَاوُد يغسلهُ الخدم فَقَالَ مُحَمَّد بن عَبدة
стр. 620
الخدم رجال وَلَكِن ييمم فَتَبَسَّمَ أَحْمد وَقَالَ أصَاب أصَاب مَا أَجود مَا أَجَابَهُ
قلت لَيْسَ فى جَوَاب دَاوُد فى مَسْأَلَة الْخُنْثَى مَا هُوَ بَالغ فى النكرَة وفى مَذْهَبنَا وَجه أَنه ييمم وَآخر أَنه يشترى من تركته جَارِيَة لتغسله وَالصَّحِيح أَنه يغسلهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا للضَّرُورَة واستصحابا لحكم الصغر
فَقَوْل دَاوُد يغسلهُ الخدم لَيْسَ بِبَعِيد فى الْقيَاس أَن يذهب إِلَيْهِ ذَاهِب وَلَا وَاصل إِلَى أَن يَجْعَل مِمَّا يضْحك مِنْهُ
وَقد كَانَ دَاوُد مَوْصُوفا بِالدّينِ المتين قَالَ القاضى المحاملى رَأَيْت دَاوُد بن على يصلى فَمَا رَأَيْت مُسلما يُشبههُ فى حسن تواضعه
قَالَ ابْن كَامِل توفى دَاوُد فى رَمَضَان سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ
ذكر شئ من الرِّوَايَة عَنهُ
أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا أَنبأَنَا ابْن سَلامَة عَن اللبان عَن الشرويى أخبرنَا عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد أَبُو نصر الشيرازى قِرَاءَة عَلَيْهِ أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن حمكويه الْمُفَسّر الرويانى بآمل أخبرنَا والدى أخبرنَا أَبُو تُرَاب على بن عبد الله بن الْقَاسِم البصرى بالدينور حَدثنَا دَاوُد بن على بن خلف البغدادى الْمَعْرُوف بالأصبهانى حَدثنَا أَبُو خَيْثَمَة حَدثنَا بشر بن السرى حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن ابْن أَبى ليلى عَن صُهَيْب عَن النبى ﷺ قَالَ (إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة نَادَى مُنَاد يَا أهل الْجنَّة الْجنَّة نَادَى مُنَاد يَا أهل الْجنَّة إِن لكم عِنْد الله موعدا يُرِيد أَن ينجزكموه فَيَقُولُونَ ألم تثقل موازيننا) الحَدِيث
قلت كَذَا أورد شَيخنَا الذهبى بعض الحَدِيث على عَادَته فى كثير من الْأَوْقَات وَأَنا لَا أحب ذَلِك
стр. 621
وعندى أَنه لَا يجوز رِوَايَته بِكَمَالِهِ وَإِنَّمَا يرْوى مِنْهُ مَا صرح بِهِ فَلهَذَا اتبعته واقتصرت على الْقدر الذى ذكره مِنْهُ وَلَو قَالَ لى عَلْقَمَة حَدَّثَنى عمر بن الْخطاب بِحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لما قلت إِلَّا قَالَ لى عَلْقَمَة حَدَّثَنى عمر بِحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلم أقل قَالَ لى عَلْقَمَة حَدَّثَنى عمر أَن النبى ﷺ قَالَ (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ) وَلَو قلت ذَلِك لَكُنْت كَاذِبًا على عَلْقَمَة فَإِنَّهُ لم يقل لى ذَلِك بل لَو قلت إِن عَلْقَمَة حَدَّثَنى بِحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَالْحَالة هَذِه لكذبت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لم يحدثنى بِهِ فَافْهَم وَاحْترز وراقب قَوْله ﷺ (من كذب على مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار)
فَإِن قلت قد نقل الْخَطِيب أَن أَبَا بكر الإسماعيلى سُئِلَ عَمَّن قَرَأَ إِسْنَاد الحَدِيث على الشَّيْخ ثمَّ قَالَ وَذكر الحَدِيث هَل يجوز أَن يحدث بِجَمِيعِهِ فَقَالَ أَرْجُو أَن يجوز وَذكر قَرِيبا مِنْهُ عَن أَبى على الزجاجى الطبرى
قلت أفتى الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق فى الْمسَائِل الحديثية الَّتِى سَأَلَهُ عَنْهَا الْحَافِظ أَبُو سعد بن عَلَيْك بِأَن هَذَا لَا يجوز وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَح عندى
وَمن حَدِيث دَاوُد
مَا رَوَاهُ أَبُو بكر مُحَمَّد ابْنه عَنهُ قَالَ حَدَّثَنى سُوَيْد بن سعيد قَالَ حَدَّثَنى على ابْن مسْهر عَن أَبى يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من عشق فعف فكتم فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد)
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله أَنا أتعجب من هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ لم يحدث بِهِ عَن سُوَيْد ابْن سعيد ثِقَة وَدَاوُد وَابْنه ثقتان
стр. 622
وَمن حَدِيث دَاوُد أَيْضا من آذَى ذِمِّيا فَأَنا خَصمه وَمن كنت خَصمه خصمته يَوْم الْقِيَامَة
رَوَاهُ الْخَطِيب فى تَرْجَمَة دَاوُد وَالْحمل فِيهِ على الراوى عَنهُ الْعَبَّاس بن أَحْمد بن الْمُذكر
ذكر اخْتِلَاف الْعلمَاء فى أَن دَاوُد وَأَصْحَابه هَل يعْتد بخلافهم فى الْفُرُوع
الذى تحصل لى فِيهِ من كَلَام الْعلمَاء ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا اعْتِبَاره مُطلقًا وَهُوَ مَا ذكر الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور البغدادى أَنه الصَّحِيح من مَذْهَبنَا وَقَالَ ابْن الصّلاح إِنَّه الذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْأَمر آخرا
والثانى عدم اعْتِبَاره مُطلقًا وَهُوَ رأى الْأُسْتَاذ أَبى إِسْحَاق الإسفراينى وَنَقله عَن الْجُمْهُور حَيْثُ قَالَ قَالَ الْجُمْهُور إِنَّهُم يعْنى نفاة الْقيَاس لَا يبلغون رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَلَا يجوز تقليدهم الْقَضَاء وَإِن ابْن أَبى هُرَيْرَة وَغَيره من الشافعيين لَا يعتدون بخلافهم فى الْفُرُوع
وَهَذَا هُوَ اخْتِيَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَعَزاهُ إِلَى أهل التَّحْقِيق فَقَالَ والمحققون من عُلَمَاء الشَّرِيعَة لَا يُقِيمُونَ لأهل الظَّاهِر وزنا وَقَالَ فى كتاب أدب الْقَضَاء من النِّهَايَة كل مَسْلَك يخْتَص بِهِ أَصْحَاب الظَّاهِر عَن القياسيين فَالْحكم بحسنه مَنْصُوص
قَالَ وبحق قَالَ حبر الْأُصُول القاضى أَبُو بكر إنى لَا أعدهم من عُلَمَاء الْأمة وَلَا أبالى بخلافهم وَلَا وفاقهم
وَقَالَ فى بَاب قطع الْيَد وَالرجل فى السّرقَة كررنا فى مَوَاضِع فى الْأُصُول وَالْفُرُوع أَن أَصْحَاب الظَّاهِر لَيْسُوا من عُلَمَاء الشَّرِيعَة وَإِنَّمَا هم نقلة إِن ظَهرت الثِّقَة
انْتهى
стр. 623
وَالثَّالِث أَن قَوْلهم مُعْتَبر إِلَّا فِيمَا خَالف الْقيَاس الجلى
قلت وَهُوَ رأى الشَّيْخ أَبى عَمْرو بن الصّلاح
وسماعى من الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ أَن الذى صَحَّ عِنْده عَن دَاوُد أَنه لَا يُنكر الْقيَاس الجلى وَإِن نقل إِنْكَاره عَنهُ ناقلون قَالَ وَإِنَّمَا يُنكر الخفى فَقَط
قَالَ ومنكر الْقيَاس مُطلقًا جليه وخفيه طَائِفَة من أَصْحَابه زعيمهم ابْن حزم
قلت ووقفت لداود ﵀ على رِسَالَة أرسلها إِلَى أَبى الْوَلِيد مُوسَى بن أَبى الْجَارُود طَوِيلَة دلّت على عَظِيم مَعْرفَته بالجدل وَكَثْرَة صناعته فى المناظرة وقصدى من ذكرهَا الْآن أَن مضمونها الرَّد على أَبى إِسْمَاعِيل المزنى ﵀ فى رده على دَاوُد إِنْكَار الْقيَاس وشنع فِيهِ على المزنى كثيرا وَلم أجد فى هَذَا الْكتاب لَفْظَة تدل على أَنه يَقُول بشئ من الْقيَاس بل ظَاهر كَلَامه إِنْكَاره جملَة وَإِن لم يُصَرح بذلك وَهَذِه الرسَالَة الَّتِى عندى أصل صَحِيح قديم أعتقده كتب فى حُدُود سنة ثَلَاثمِائَة أَو قبلهَا بِكَثِير ثمَّ وقفت لداود ﵀ على أوراق يسيرَة سَمَّاهَا الْأُصُول نقلت مِنْهَا مَا نَصه
وَالْحكم بِالْقِيَاسِ لَا يجب وَالْقَوْل بالاستحسان لَا يجوز انْتهى
ثمَّ قَالَ وَلَا يجوز أَن يحرم النبى ﷺ فَيحرم محرم غير مَا حرم لِأَنَّهُ يُشبههُ إِلَّا أَن يوقفنا النبى ﷺ على عِلّة من أجلهَا وَقع التَّحْرِيم مثل أَن يَقُول حرمت الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ لِأَنَّهَا مكيلة واغسل هَذَا الثَّوْب لِأَن فِيهِ دَمًا أَو اقْتُل هَذَا إِنَّه أسود يعلم بِهَذَا أَن الذى أوجب الحكم من أَجله هُوَ مَا وقف عَلَيْهِ وَمَا لم يكن ذَلِك فالبعيد وَاقع بِظَاهِر التَّوْقِيف وَمَا جَاوز ذَلِك فمسكوت عَنهُ دَاخل فى بَاب مَا عفى عَنهُ انْتهى
فَكَأَنَّهُ لَا يُسمى مَنْصُوص الْعلَّة قِيَاسا وَهَذَا يُؤَيّد مَنْقُول الشَّيْخ الإِمَام وَهُوَ قريب من نقل الآمدى
فالذى أرَاهُ الِاعْتِبَار بِخِلَاف دَاوُد ووفاقه نعم للظاهرية مسَائِل لَا يعْتد بِخِلَافِهِ فِيهَا لَا من حَيْثُ إِن دَاوُد غير أهل للنَّظَر بل لخرقه فِيهَا إِجْمَاعًا تقدمه وعذره أَنه لم يبلغهُ
стр. 624
أَو دَلِيلا وَاضحا جدا وَذَلِكَ كَقَوْلِه فى التغوط فى المَاء الراكد وَقَوله لَا رَبًّا إِلَّا فى السِّتَّة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا وَغير ذَلِك من مسَائِل وجهت سِهَام الملام إِلَيْهِم وأفاضت سَبِيل الإزراء عَلَيْهِم
وَوَقع فى كَلَام القاضى الْحُسَيْن شئ موهم نَقله عَنهُ ابْن الرّفْعَة فى الْكِفَايَة بِعِبَارَة تزيد إيهاما ففهمه الطّلبَة عَن ابْن الرّفْعَة فهما يزِيد على مَدْلُوله فَصَارَ غَلطا على غلط وَذَلِكَ أَن ابْن الرّفْعَة ذكر فى الْكِفَايَة فى بَاب صَلَاة الْمُسَافِر بَعْدَمَا حكى أَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ ذكر أَن الْمُحَقِّقين لَا تقيم لمَذْهَب أهل الظَّاهِر وزنا مَا نَصه وَفِيه نظر فَإِن القاضى الْحُسَيْن نقل عَن الشافعى أَنه قَالَ فى الْكِتَابَة وإنى لَا أمتنع عَن كِتَابَة عبد جمع الْقُوَّة وَالْأَمَانَة وَإِنَّمَا استحبه لِلْخُرُوجِ من الْخلاف فَإِن دَاوُد أوجب كِتَابَة من جمع الْقُوَّة على الْكسْب وَالْأَمَانَة من العبيد وَدَاوُد من أهل الظَّاهِر وَقد أَقَامَ الشافعى لخلافه وزنا وَاسْتحبَّ كِتَابَة من ذكره لأجل خِلَافه انْتهى
ففهم الطّلبَة مِنْهُ أَن هَذِه الْجُمْلَة كلهَا من نَص الشافعى من قَوْله قَالَ فى الْكِتَابَة إِلَى قَوْله من العبيد وقرءوا إِنَّمَا أستحب لِلْخُرُوجِ بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْحَاء فعل مضارع للمتكلم وَلَيْسَت هَذِه الْعبارَة فى النَّص وَلَا يُمكن ذَلِك فَإِن دَاوُد بعد الشافعى
وَرَأَيْت بِخَط الشَّيْخ الْوَالِد ﵀ على حَاشِيَة الْكِفَايَة عِنْد قَوْله وَالْأَمَانَة قبيل قَوْله وَإِنَّمَا اسْتحبَّ مَا نَصه هُنَا انْتهى كَلَام الشافعى وَإِنَّمَا استحبه القاضى الْحُسَيْن وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء فى اسْتحبَّ وَلَا يحسن أَن يُرَاد بِالْخِلَافِ خلاف دَاوُد فَإِن دَاوُد بعد الشافعى وَلَعَلَّ مُرَاد القاضى الْخلاف الذى دَاوُد مُوَافق لَهُ فَلَا يلْزم أَن يكون الشافعى أَقَامَ لخلاف دَاوُد وَحده وزنا انْتهى كَلَام الْوَالِد
وَأَقُول من قَوْله قَالَ فى الْكِتَابَة إِلَى وَالْأَمَانَة هُوَ النَّص كَمَا نبه عَلَيْهِ
стр. 625
الشَّيْخ الإِمَام وَمن قَوْله وَإِنَّمَا اسْتحبَّ إِلَى قَوْله من العبيد هُوَ كَلَام القَاضِي حُسَيْن وَهُوَ بِفَتْح حاء اسْتحبَّ كَمَا نبه عَلَيْهِ الْوَالِد وَلَا شكّ أَنه توهم أَن الشافعى رَاعى خلاف دَاوُد فَأجَاب الشَّيْخ الإِمَام عَنهُ بِأَنَّهُ رَاعى الْخلاف الذى دَاوُد مُوَافق لَهُ لَا أَنه نظر فى خُصُوص ذَلِك لعدم إِمْكَان ذَلِك فَإِن دَاوُد مُتَأَخّر عَنهُ وَمن قَوْله وَدَاوُد إِلَى قَوْله لأجل خِلَافه هُوَ كَلَام ابْن الرّفْعَة ذكره كَمَا نرى ردا على الإِمَام فى نَقله أَن الْمُحَقِّقين لَا يُقِيمُونَ لَهُ وزنا فنقضى عَلَيْهِ بِأَن إِمَام الْمُحَقِّقين وَهُوَ الشافعى أَقَامَ لداود وزنا حَيْثُ اعْتبر خِلَافه وَأثبت لأَجله حكما شَرْعِيًّا وَهُوَ اسْتِحْبَاب الْكِتَابَة وَهُوَ أَشد إيهاما إِذْ يكَاد يُصَرح بِأَن الشافعى نظر خلاف دَاوُد بِخُصُوصِهِ
وَلابْن الرّفْعَة عذر وَعَن كَلَامه جَوَاب كِلَاهُمَا نبه عَلَيْهِ الشَّيْخ الإِمَام فى هَذِه الْحَاشِيَة
أما عذره فَإِن مُرَاده الْخلاف الذى دَاوُد مُوَافق لَهُ فَصحت نسبته لداود بِهَذَا الِاعْتِبَار
وَأما جَوَابه فَإِنَّهُ لَا يكون قد اعْتبر مَذْهَب دَاوُد لخصوصه بل إِنَّمَا اعْتبر مذهبا دَاوُد مُوَافق لَهُ وَالله أعلم
وعَلى هَذَا الْحمل قَول ابْن الرّفْعَة فى الْمطلب فى الْمُصراة قَالَ دَاوُد بِإِثْبَات الْخِيَار فى الْإِبِل وَالْغنم لأجل الْخَبَر وَلم يُثبتهُ فى الْبَقر لعدم وُرُود النَّص فِيهَا ومخالفته هى الَّتِى أحوجت الشافعى إِلَى آخر مَا ذكره فَالْمُرَاد بِهِ مُخَالفَة الْمَذْهَب الذى ذهب إِلَيْهِ دَاوُد
وَنَظِيره قَول الإِمَام فى النِّهَايَة فى كتاب اخْتِلَاف الْحُكَّام والشهادات لَا يجب الْإِشْهَاد إِلَّا على عقد النِّكَاح وفى الرّجْعَة قَولَانِ وَأوجب دَاوُد الْإِشْهَاد وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ الشافعى بِأَن قَالَ الله تَعَالَى أثبت الْإِشْهَاد إِلَى آخر مَا ذكره وَقد يُوهم أَن الشافعى
стр. 626
احْتج على دَاوُد نَفسه وَلَيْسَ كَذَلِك بل مَعْنَاهُ أَنه احْتج على الْمَذْهَب الذى ذهب إِلَيْهِ دَاوُد وَإِلَّا فإمام الْحَرَمَيْنِ لَا يخفى عَلَيْهِ تَأَخّر دَاوُد عَن عصر الشافعى وَقد قَالَ فى النِّهَايَة فى الظِّهَار فى بَاب مَا يُجزئ من الْعُيُون فى الرّقاب بعد مَا حكى أَن دَاوُد قَالَ يُجزئ كل رَقَبَة وَقد قَالَ الشافعى لم أعلم أَن أحدا مِمَّن مضى من أهل الْعلم وَلَا ذكر لى وَلَا بقى أحد إِلَّا يقسم الْعُيُوب يعْنى إِلَى مجزئ وَغير مجزئ قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا دَاوُد نَشأ بعده وعندى أَنه لَو عاصره لما عده من الْعلمَاء انْتهى
وَمن مسَائِل دَاوُد الَّتِى خرجها على أصولنا
قَالَ أَبُو عَاصِم العبادى من اخْتِيَار أَبى سُلَيْمَان أَنه إِذا قَالَ رجل لامرأتين إِذا ولدتما ولدا فعبدى حر يجب أَن تَلد كل وَاحِدَة مِنْهُمَا ولدا وَهُوَ اخْتِيَار بعض أَصْحَابنَا وَاخْتِيَار المزنى أَيَّتهمَا ولدت عتق وَاخْتِيَار غَيره أَنه محَال
قلت قَول المزنى غَرِيب
قَالَ أَبُو عَاصِم وَمن اخْتِيَاره أَن الْجُمُعَة تصلى فى مَسَاجِد العشائر كَقَوْل أَبى ثَوْر
٦٣ - سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث بن إِسْحَاق بن بشير بن شَدَّاد بن عَمْرو بن عمرَان الإِمَام الْجَلِيل أَبُو دَاوُد السجستانى الأزدى صَاحب السّنَن
من سجستان الإقليم الْمَعْرُوف المتاخم لبلاد الْهِنْد وَوهم ابْن خلكان فَقَالَ سجستان قَرْيَة من قرى الْبَصْرَة
стр. 627
ولد سنة ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ
سمع من سَعْدَوَيْه وَعَاصِم بن على والقعنبى وَسليمَان بن حَرْب وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم وَعبد الله بن رَجَاء وأبى الْوَلِيد وأبى سَلمَة التبوذكى وَالْحسن بن الرّبيع البورانى وَأحمد بن يُونُس اليربوعى وَصَفوَان بن صَالح وَهِشَام بن عمار وقتيبة بن سعيد وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وأبى جَعْفَر النفيلى وَأحمد بن أَبى شُعَيْب وَيزِيد بن عبد ربه وَخلق بالحجاز وَالْعراق وخراسان وَالشَّام ومصر والثغور
روى عَنهُ الترمذى والنسائى وَابْنه أَبُو بكر بن أَبى دَاوُد وَأَبُو على اللؤلؤى وَأَبُو بكر بن داسة وَأَبُو سعيد بن الأعرابى وعَلى بن الْحسن بن العَبْد وَأَبُو أُسَامَة مُحَمَّد بن عبد الْملك الرواس وَأَبُو سَالم مُحَمَّد بن سعيد الجلودى وَأَبُو عَمْرو أَحْمد بن على وَهَؤُلَاء السَّبْعَة رووا عَنهُ سنَنه وَلابْن الأعرابى فِيهِ فَوت
وَأَبُو عوَانَة الإسفراينى الْحَافِظ وَأَبُو بكر الْخلال وَأَبُو بشر الدولابى وَمُحَمّد بن مخلد وعبدان الأهوازى وزَكَرِيا الساجى وَإِسْمَاعِيل الصفار وَمُحَمّد بن يحيى الصولى وَأَبُو بكر النجاد وَخلق
وَكتب عَنهُ الإِمَام أَحْمد حَدِيث العتيرة وَأحمد شَيْخه وَيُقَال إِنَّه عرض عَلَيْهِ كتاب السّنَن فَاسْتَحْسَنَهُ
стр. 628
قَالَ أَبُو بكر الصغانى أَلين لأبى دَاوُد الحَدِيث كَمَا أَلين لداود ﵇ الْحَدِيد وَكَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيم الحربى
وَقَالَ مُوسَى بن هَارُون الْحَافِظ خلق أَبُو دَاوُد فى الدُّنْيَا للْحَدِيث وفى الْآخِرَة للجنة مَا رَأَيْت أفضل مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو بكر بن داسة سَمِعت أَبَا دَاوُد يَقُول كتبت عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسمِائَة ألف حَدِيث انتخبت مِنْهَا مَا ضمنته كتاب السّنَن جمعت فِيهِ أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حَدِيث ذكرت الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ ويقاربه وَمَا كَانَ فِيهِ وَهن شَدِيد بَينته
قَالَ شَيخنَا الذهبى رَحمَه الله تَعَالَى وَقد وفى بذلك فَإِنَّهُ بَين الضعْف الظَّاهِر وَسكت عَن الضعْف الْمُحْتَمل فَمَا سكت عَنهُ لَا يكون حسنا عِنْده ولابد بل قد يكون مِمَّا فِيهِ ضعف انْتهى
وَقَالَ زَكَرِيَّا الساجى كتاب الله أصل الْإِسْلَام وَكتاب أَبى دَاوُد عهد الْإِسْلَام
وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن ياسين الهروى فى تَارِيخ هراة أَبُو دَاوُد السجستانى كَانَ أحد حفاظ الْإِسْلَام لحَدِيث رَسُول الله ﷺ وَعلله وَسَنَده فى أعلا دَرَجَة النّسك والعفاف وَالصَّلَاح والورع من فرسَان الحَدِيث
وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله أَبُو دَاوُد إِمَام أهل الحَدِيث فى عصره بِلَا مدافعة
وَقَالَ أَبُو بكر الْخلال أَبُو دَاوُد الإِمَام الْمُقدم فى زَمَانه لم يسْبق إِلَى مَعْرفَته بتخريج الْعُلُوم وبصره بمواضعه رجل ورع مقدم
وَقَالَ الخطابى حَدَّثَنى عبد الله بن مُحَمَّد المسكى حَدَّثَنى أَبُو بكر بن جَابر خَادِم أَبى
стр. 629
دَاوُد قَالَ كنت مَعَ أَبى دَاوُد بِبَغْدَاد فَصليت الْمغرب فجَاء الْأَمِير أَبُو أَحْمد الْمُوفق فَدخل فَأقبل عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَقَالَ مَا جَاءَ بالأمير فى مثل هَذَا الْوَقْت فَقَالَ خلال ثَلَاث قَالَ وَمَا هى قَالَ تنْتَقل إِلَى الْبَصْرَة فتتخذها وطنا لترحل إِلَيْك طلبة الْعلم فتعمر بك فَإِنَّهَا قد خربَتْ وَانْقطع عَنْهَا النَّاس لما جرى عَلَيْهَا من محنة الزنج قَالَ هَذِه وَاحِدَة قَالَ وتروى لأولادى السّنَن فَقَالَ نعم هَات الثَّالِثَة قَالَ وَتفرد لَهُم مَجْلِسا فَإِن أَوْلَاد الْخُلَفَاء لَا يَقْعُدُونَ مَعَ الْعَامَّة قَالَ أما هَذِه فَلَا سَبِيل إِلَيْهَا لِأَن النَّاس فى الْعلم سَوَاء
قَالَ ابْن جَابر فَكَانُوا يحْضرُون ويقعدون وَبينهمْ وَبَين الْعَامَّة ستر
قَالَ شَيخنَا الذهبى ﵀ تفقه أَبُو دَاوُد بِأَحْمَد بن حنل ولازمه مُدَّة قَالَ وَكَانَ يشبه بِهِ كَمَا كَانَ أَحْمد يشبه بشيخه وَكِيع وَكَانَ وَكِيع يشبه بشيخه سُفْيَان وَكَانَ سُفْيَان يشبه بشيخه مَنْصُور وَكَانَ مَنْصُور يشبه بشيخه إِبْرَاهِيم وَكَانَ إِبْرَاهِيم يشبه بشيخه عَلْقَمَة وَكَانَ عَلْقَمَة يشبه بشيخه عبد الله بن مَسْعُود رضى الله عَنهُ
قَالَ شَيخنَا الذهبى وروى أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة أَنه كَانَ يشبه عبد الله بن مَسْعُود بالنبى ﷺ فى هَدْيه ودله
قلت أما أَنا فَمن ابْن مَسْعُود أسكت وَلَا أَسْتَطِيع أَن أشبه أحدا برَسُول الله ﷺ فى شئ من الْأَشْيَاء وَلَا أستحسنه وَلَا أجوزه وَغَايَة مَا تسمح بِهِ نفسى أَن أَقُول وَكَانَ عبد الله يقْتَدى برَسُول الله ﷺ فِيمَا تنتهى إِلَيْهِ قدرته وموهبته من الله لَا فى كل مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَإِن ذَلِك لَيْسَ لِابْنِ مَسْعُود وَلَا للصديق وَلَا لمن اتَّخذهُ الله خَلِيلًا حشرنا الله فى زمرتهم
توفى أَبُو دَاوُد فى سادس عشر شَوَّال سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ
стр. 630
٦٤ - عَبْدَانِ بن مُحَمَّد بن عِيسَى الإِمَام الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد المروزى الزَّاهِد الجنوجردى
وجنوجرد بِضَم الْجِيم وَالنُّون ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ جِيم مَكْسُورَة ثمَّ رَاء سَاكِنة ثمَّ دَال مُهْملَة قَرْيَة من قرى مرو
كَانَ إِمَام أَصْحَاب الحَدِيث فى عصره بمرو وَهُوَ الذى أظهر بهَا مَذْهَب الشافعى وَعَلِيهِ تفقه أَبُو إِسْحَاق المروزى
سمع قُتَيْبَة بن سعيد وعَلى بن حجر وَأَبا كريب وَبُنْدَار وَجُوَيْرِية وَالربيع المرادى وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود الجحدرى وَعبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء وَعبد الله بن مُنِير وَطَائِفَة بخراسان وَالْعراق والحجاز
روى عَنهُ عمر بن علك وَأَبُو الْعَبَّاس الدغولى وَأَبُو حَامِد بن الشرقى وَأَبُو الْقَاسِم الطبرانى وَآخَرُونَ
رَحل إِلَى مصر وتفقه على أَصْحَاب الشافعى وبرع فى الْمَذْهَب وَكَانَ يضْرب الْمثل باسمه فى الْحِفْظ والزهد وَكَانَ مُقيما بمرو وَإِلَيْهِ مرجع الْفَتْوَى بهَا بعد أَحْمد بن سيار
صنف الْمُوَطَّأ وَغير ذَلِك
قَالَ فِيهِ أَبُو بكر بن السَّمْعَانِيّ وَالِد الْحَافِظ أبي سعد إِنَّه الإِمَام الزَّاهِد الْحَافِظ إِمَام أَصْحَاب الحَدِيث فى عصره بمرو وَهُوَ أول من حمل مُخْتَصر المزنى إِلَى مرو وَقَرَأَ علم الشافعى على المزنى وَالربيع وَكَانَ فَقِيها حَافِظًا للْحَدِيث
وَبِسَنَد أبي بكر بن السمعانى أَنه لما خرج إِلَى الْحَج وَبلغ نيسابور أَخذ مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ينفذ إِلَيْهِ برقاع الْفَتَاوَى وَيَقُول أَنا لَا أفتى ببلدة أستاذى فِيهَا
стр. 631
قَالَ أَبُو بكر بن السمعانى وَمِمَّنْ تخرج على عَبْدَانِ فى الْفِقْه من المراوزة أَبُو بكر ابْن مُحَمَّد بن مَحْمُود المحمودى وَأَبُو الْعَبَّاس السيارى وَأَبُو إِسْحَاق الخالداباذى الْمَعْرُوف بالمروزى صَاحب الشَّرْح
وبإسناده عَن بعض الْمَشَايِخ اجْتمع فى عَبْدَانِ أَرْبَعَة أَنْوَاع من المناقب الْفِقْه والإسناد والورع وَالِاجْتِهَاد انْتهى
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا نعيم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الغفارى بمرو يَقُول سَمِعت عَبْدَانِ بن مُحَمَّد الْحفاظ يَقُول ولدت سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ لَيْلَة عَرَفَة فى ذى الْحجَّة
قَالَ أَبُو سعد بن السمعانى اسْم عَبْدَانِ عبيد الله وَإِن عَبْدَانِ لقب قَالَ وعبدان هُوَ الذى أظهر مَذْهَب الشافعى بمرو بعد أَحْمد بن سيار فَإِن أَحْمد بن سيار حمل كتب الشافعى إِلَى مرو وأعجب بهَا النَّاس فَنظر فى بَعْضهَا عَبْدَانِ وَأَرَادَ أَن ينسخها فَمنعهَا أَحْمد بن سيار عَنهُ فَبَاعَ ضَيْعَة لَهُ بجنوجرد وَخرج إِلَى مصر وَأدْركَ الرّبيع وَغَيره من أَصْحَاب الشافعى وَنسخ كتبه وَأدْركَ من الْمَشَايِخ وَالْفُقَهَاء مَا لم يدْرك غَيره وَحمل عَنْهُم ورحل إِلَى الشَّام وَالْعراق وَكتب عَن أهل مصر وَرجع إِلَى مرو وَكَانَ أَحْمد بن سيار فى الْأَحْيَاء فَدخل عَلَيْهِ مُسلما ومهنئا بالقدوم فَاعْتَذر أَحْمد بن سيار من منع الْكتب عَنهُ فَقَالَ عَبْدَانِ لَا تعتذر فَإِن لَك منَّة على فى ذَلِك وَذَلِكَ أَنَّك لَو دفعت إِلَى الْكتب كنت اقتصرت على ذَلِك وَمَا كنت أخرج إِلَى مصر وَلَا كنت أدْرك أَصْحَاب الشافعى ففرح بذلك أَحْمد بن سيار
قَالَ أَبُو نعيم توفى عَبْدَانِ لَيْلَة عَرَفَة أَيْضا فى ذى الْحجَّة سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
قلت صَحَّ كَذَا مولده لَيْلَة عَرَفَة ووفاته لَيْلَة عَرَفَة
стр. 632
٦٥ - عبد الله بن سعيد وَيُقَال عبد الله بن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد بن كلاب الْقطَّان
أحد أَئِمَّة الْمُتَكَلِّمين وكلاب مثل خطَّاف لفظا وَمعنى بِضَم الْكَاف وَتَشْديد اللَّام لقب بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لقُوته فى المناظرة يجتذب من يناظره كَمَا يجتذب الْكلاب الشئ
فَإِن قلت كَيفَ قيل ابْن كلاب وَهُوَ على هَذَا كلاب لَا ابْن كلاب قلت كَمَا يُقَال ابْن بجدة الشئ وَأَبُو عذرته وأنحاء ذَلِك
ذكره أَبُو عَاصِم العبادى فى طبقَة أَبى بكر الصيرفى وَلم يزدْ على أَنه من الْمُتَكَلِّمين
وَذكره ابْن النجار فى تَارِيخ بَغْدَاد ذكر من لَا يعرف حَاله فَقَالَ ذكره مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق النديم فى كتاب الفهرست وَقَالَ إِنَّه من أَئِمَّة الحشوية وَله مَعَ عباد بن سُلَيْمَان مناظرات وَكَانَ يَقُول إِن كَلَام الله هُوَ الله وَكَانَ عباد يَقُول إِنَّه نصرانى بِهَذَا القَوْل ثمَّ ذكر كلَاما قبيحا
ثمَّ ذكر ابْن النجار بِإِسْنَادِهِ حِكَايَة طَوِيلَة بَين ابْن كلاب وَالشَّيْخ الْجُنَيْد ﵀ زعم أَنَّهَا اتّفقت بَينهمَا شبه المناظرة وَرَأَيْت بِخَط شَيخنَا الذهبى على حَاشِيَة كتاب ابْن النجار بِإِزَاءِ هَذِه الْحِكَايَة مَا نَصه لَا يَصح فَإِن ابْن كلاب لَهُ ذكر فى زمَان أَحْمد بن حَنْبَل فَكيف يتم لَهُ هَذَا مَعَ الْجُنَيْد انْتهى وَالْأَمر كَمَا قَالَ
ووفاة ابْن كلاب فِيمَا يظْهر بعد الْأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ بِقَلِيل
وَلَيْسَ مَا ذكره ابْن النجار من شَأْنه وَلَا هُوَ من أهل هَذِه الصِّنَاعَة فَمَاله وَلها وَأما مُحَمَّد بن إِسْحَاق النديم فقد كَانَ فِيمَا أَحسب معتزليا وَله بعض الْمَسِيس بصناعة الْكَلَام وَعباد بن سُلَيْمَان من رُءُوس الاعتزال فَإِنَّمَا يذكر مَا يذكرهُ تشنيعا على ابْن
стр. 633
كلاب وَابْن كلاب على كل حَال من أهل السّنة وَلَا يَقُول هُوَ وَلَا غَيره مِمَّن لَهُ أدنى تَمْيِيز إِن كَلَام الله هُوَ الله إِنَّمَا ابْن كلاب مَعَ أهل السّنة فى أَن صِفَات الذَّات لَيست هى الذَّات وَلَا غَيرهَا ثمَّ زَاد هُوَ وَأَبُو الْعَبَّاس القلانسى على سَائِر أهل السّنة فذهبا إِلَى أَن كَلَامه تَعَالَى لَا يَتَّصِف بِالْأَمر والنهى وَالْخَبَر فى الْأَزَل لحدوث هَذِه الْأُمُور وَقدم الْكَلَام النفسى وَإِنَّمَا يَتَّصِف بذلك فِيمَا لَا يزَال فألزمهما أَئِمَّتنَا أَن يكون الْقدر الْمُشْتَرك مَوْجُودا بِغَيْر وَاحِد من خصوصياته
فَهَذِهِ هى مقَالَة ابْن كلاب الَّتِى ألزمهُ فِيهَا أَصْحَابنَا وجود الْجِنْس دون النَّوْع وَهُوَ غير مَعْقُول وهى الَّتِى لَعَلَّ عبادا قَالَ لَهُ فِيهَا مَا قَالَ مَعَ أَن مَا قَالَه عباد لَا يلْزمه وَإِنَّمَا عباد يَقُول ذَلِك كَمَا يَقُول سَائِر الْمُعْتَزلَة للصفاتية أعنى مثبتى الصِّفَات لقد كفرت النَّصَارَى بِثَلَاث وكفرتم بِسبع وَهُوَ تشنيع من سُفَهَاء الْمُعْتَزلَة على الصفاتية مَا كفرت الصفاتية وَلَا أشركت وَإِنَّمَا وحدت وأثبتت صِفَات قديم وَاحِد بِخِلَاف النَّصَارَى فَإِنَّهُم أثبتوا قدما فَأنى يستويان أَو يتقاربان
وَرَأَيْت الإِمَام ضِيَاء الدّين الْخَطِيب وَالِد الإِمَام فَخر الدّين الرازى قد ذكر عبد الله ابْن سعيد فى آخر كِتَابه غَايَة المرام فى علم الْكَلَام فَقَالَ وَمن متكلمى أهل السّنة فى أَيَّام الْمَأْمُون عبد الله بن سعيد التميمى الذى دمر الْمُعْتَزلَة فى مجْلِس الْمَأْمُون وَفَضَحَهُمْ ببيانه وَهُوَ أَخُو يحيى بن سعيد الْقطَّان وَارِث علم الحَدِيث وَصَاحب الْجرْح وَالتَّعْدِيل انْتهى
وكشفت عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان هَل لَهُ أَخ اسْمه عبد الله فَلم أتحقق إِلَى الْآن شَيْئا وَإِن تحققت شَيْئا ألحقته إِن شَاءَ الله
стр. 634
٦٦ - عُثْمَان بن سعيد بن بشار أَبُو الْقَاسِم الأنماطى الْأَحول
صَاحب المزنى وَالربيع
وَقد وهم العبادى فى كِتَابه فَزعم أَنه الحكم بن عَمْرو وَأَن لِأَصْحَابِنَا آخر يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن بشار وَلَيْسَ بأبى الْقَاسِم
قَالَ ابْن الصّلاح وَأَحْسبهُ مر بِهِ ذكر أَبى الْقَاسِم الحكم بن عَمْرو من رُوَاة الحَدِيث فَاعْتقد أَنه صاحبنا
قَالَ الْخَطِيب أَبُو الْقَاسِم الْأَحول الأنماطى كَانَ أحد الْفُقَهَاء على مَذْهَب الشافعى وَحدث عَن المزنى وَالربيع
روى عَنهُ أَبُو بكر الشافعى وروى أَن ابْن المنادى قَالَ كَانَ للنَّاس فِيهِ مَنْفَعَة
قلت هُوَ الذى اشتهرت بِهِ كتب الشافعى بِبَغْدَاد وَعَلِيهِ تفقه شيخ الْمَذْهَب أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج
قَالَ أَبُو عَاصِم الأنماطى لأهل بَغْدَاد كأبى بكر بن إِسْحَاق لأهل نيسابور فَإِنَّهُ أول من حمل إِلَيْهَا علم المزنى
قلت كَأَنَّهُ أَرَادَ مشابهته لأبى بكر بن إِسْحَاق فى هَذَا الْقدر وَإِلَّا فَابْن إِسْحَاق أجل قدرا وَأَرْفَع خطرا وأوسع علما فِيمَا يظْهر لنا نعم للأنماطى جلالة بِمن أَخذ عَنهُ فقد حمل عَنهُ الْعلم أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج وَأَبُو سعيد الإصطخرى وَأَبُو على ابْن خيران وَمَنْصُور التميمى وَأَبُو حَفْص بن الْوَكِيل البابشامى وَهَذِه الطَّبَقَة الْعليا وَلم يحصل لأبى بكر بن إِسْحَاق مثل هَؤُلَاءِ التلامذة
стр. 635
مَاتَ الأنماطى فى شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَحكى أَن أَبَا سعيد الإصطخرى سَأَلَ الأنماطى فَقَالَ لَهُ النَّص آكِد أم الِاجْتِهَاد
فَقَالَ النَّص
فَقَالَ أليسى قد نَص النبى ﷺ على الشّعير وَلم ينص على الْبر أَفَرَأَيْت لَو كَانَ قوته برا أَيجوزُ لَهُ إِخْرَاج الشّعير
فَقَالَ لَا يجوز ذَلِك
فَقَالَ قد قدمت الِاجْتِهَاد على النَّص
فَدخل ابْن سُرَيج فَأخْبرهُ بِمَا جرى فَقَالَ إِن النَّص يقدم على اجْتِهَاد مُحْتَمل فَأَما إِذا كَانَ مَا وَقع عَلَيْهِ النَّص تَنْبِيها على مَا هُوَ أَعلَى قدم عَلَيْهِ كالضرب مَعَ التأفيف كَذَلِك قصد النبى ﷺ بذلك إِلَى بَيَان مَا يلْزمهُم أَن يخرجُوا فى يَوْم الْفطر وَجعل ذَلِك قوتا فَإِذا اقتات الْإِنْسَان برا لم يجز لَهُ أَن يخرج شَعِيرًا بِخِلَاف الْعَكْس لِأَنَّهُ أَعلَى مِنْهُ
٦٧ - عُثْمَان بن سعيد بن خَالِد بن سعيد السجستانى الْحَافِظ أَبُو سعيد الدارمى
مُحدث هراة وَأحد الْأَعْلَام الثِّقَات وَمن ذكره العبادى فى الطَّبَقَات قَائِلا الإِمَام فى الحَدِيث وَالْفِقْه أَخذ الْأَدَب عَن ابْن الأعرابى وَالْفِقْه عَن البويطى والْحَدِيث عَن يحيى بن معِين
قلت كَانَ الدارمى وَاسع الرحلة طوف الأقاليم ولقى الْكِبَار
следующие страницы →