Полный текст (3 926 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
قَالَ أَبُو بكر بن السمعانى وَمِمَّنْ تخرج على عَبْدَانِ فى الْفِقْه من المراوزة أَبُو بكر ابْن مُحَمَّد بن مَحْمُود المحمودى وَأَبُو الْعَبَّاس السيارى وَأَبُو إِسْحَاق الخالداباذى الْمَعْرُوف بالمروزى صَاحب الشَّرْح
وبإسناده عَن بعض الْمَشَايِخ اجْتمع فى عَبْدَانِ أَرْبَعَة أَنْوَاع من المناقب الْفِقْه والإسناد والورع وَالِاجْتِهَاد انْتهى
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا نعيم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الغفارى بمرو يَقُول سَمِعت عَبْدَانِ بن مُحَمَّد الْحفاظ يَقُول ولدت سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ لَيْلَة عَرَفَة فى ذى الْحجَّة
قَالَ أَبُو سعد بن السمعانى اسْم عَبْدَانِ عبيد الله وَإِن عَبْدَانِ لقب قَالَ وعبدان هُوَ الذى أظهر مَذْهَب الشافعى بمرو بعد أَحْمد بن سيار فَإِن أَحْمد بن سيار حمل كتب الشافعى إِلَى مرو وأعجب بهَا النَّاس فَنظر فى بَعْضهَا عَبْدَانِ وَأَرَادَ أَن ينسخها فَمنعهَا أَحْمد بن سيار عَنهُ فَبَاعَ ضَيْعَة لَهُ بجنوجرد وَخرج إِلَى مصر وَأدْركَ الرّبيع وَغَيره من أَصْحَاب الشافعى وَنسخ كتبه وَأدْركَ من الْمَشَايِخ وَالْفُقَهَاء مَا لم يدْرك غَيره وَحمل عَنْهُم ورحل إِلَى الشَّام وَالْعراق وَكتب عَن أهل مصر وَرجع إِلَى مرو وَكَانَ أَحْمد بن سيار فى الْأَحْيَاء فَدخل عَلَيْهِ مُسلما ومهنئا بالقدوم فَاعْتَذر أَحْمد بن سيار من منع الْكتب عَنهُ فَقَالَ عَبْدَانِ لَا تعتذر فَإِن لَك منَّة على فى ذَلِك وَذَلِكَ أَنَّك لَو دفعت إِلَى الْكتب كنت اقتصرت على ذَلِك وَمَا كنت أخرج إِلَى مصر وَلَا كنت أدْرك أَصْحَاب الشافعى ففرح بذلك أَحْمد بن سيار
قَالَ أَبُو نعيم توفى عَبْدَانِ لَيْلَة عَرَفَة أَيْضا فى ذى الْحجَّة سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
قلت صَحَّ كَذَا مولده لَيْلَة عَرَفَة ووفاته لَيْلَة عَرَفَة
стр. 632
٦٥ - عبد الله بن سعيد وَيُقَال عبد الله بن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد بن كلاب الْقطَّان
أحد أَئِمَّة الْمُتَكَلِّمين وكلاب مثل خطَّاف لفظا وَمعنى بِضَم الْكَاف وَتَشْديد اللَّام لقب بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لقُوته فى المناظرة يجتذب من يناظره كَمَا يجتذب الْكلاب الشئ
فَإِن قلت كَيفَ قيل ابْن كلاب وَهُوَ على هَذَا كلاب لَا ابْن كلاب قلت كَمَا يُقَال ابْن بجدة الشئ وَأَبُو عذرته وأنحاء ذَلِك
ذكره أَبُو عَاصِم العبادى فى طبقَة أَبى بكر الصيرفى وَلم يزدْ على أَنه من الْمُتَكَلِّمين
وَذكره ابْن النجار فى تَارِيخ بَغْدَاد ذكر من لَا يعرف حَاله فَقَالَ ذكره مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق النديم فى كتاب الفهرست وَقَالَ إِنَّه من أَئِمَّة الحشوية وَله مَعَ عباد بن سُلَيْمَان مناظرات وَكَانَ يَقُول إِن كَلَام الله هُوَ الله وَكَانَ عباد يَقُول إِنَّه نصرانى بِهَذَا القَوْل ثمَّ ذكر كلَاما قبيحا
ثمَّ ذكر ابْن النجار بِإِسْنَادِهِ حِكَايَة طَوِيلَة بَين ابْن كلاب وَالشَّيْخ الْجُنَيْد ﵀ زعم أَنَّهَا اتّفقت بَينهمَا شبه المناظرة وَرَأَيْت بِخَط شَيخنَا الذهبى على حَاشِيَة كتاب ابْن النجار بِإِزَاءِ هَذِه الْحِكَايَة مَا نَصه لَا يَصح فَإِن ابْن كلاب لَهُ ذكر فى زمَان أَحْمد بن حَنْبَل فَكيف يتم لَهُ هَذَا مَعَ الْجُنَيْد انْتهى وَالْأَمر كَمَا قَالَ
ووفاة ابْن كلاب فِيمَا يظْهر بعد الْأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ بِقَلِيل
وَلَيْسَ مَا ذكره ابْن النجار من شَأْنه وَلَا هُوَ من أهل هَذِه الصِّنَاعَة فَمَاله وَلها وَأما مُحَمَّد بن إِسْحَاق النديم فقد كَانَ فِيمَا أَحسب معتزليا وَله بعض الْمَسِيس بصناعة الْكَلَام وَعباد بن سُلَيْمَان من رُءُوس الاعتزال فَإِنَّمَا يذكر مَا يذكرهُ تشنيعا على ابْن
стр. 633
كلاب وَابْن كلاب على كل حَال من أهل السّنة وَلَا يَقُول هُوَ وَلَا غَيره مِمَّن لَهُ أدنى تَمْيِيز إِن كَلَام الله هُوَ الله إِنَّمَا ابْن كلاب مَعَ أهل السّنة فى أَن صِفَات الذَّات لَيست هى الذَّات وَلَا غَيرهَا ثمَّ زَاد هُوَ وَأَبُو الْعَبَّاس القلانسى على سَائِر أهل السّنة فذهبا إِلَى أَن كَلَامه تَعَالَى لَا يَتَّصِف بِالْأَمر والنهى وَالْخَبَر فى الْأَزَل لحدوث هَذِه الْأُمُور وَقدم الْكَلَام النفسى وَإِنَّمَا يَتَّصِف بذلك فِيمَا لَا يزَال فألزمهما أَئِمَّتنَا أَن يكون الْقدر الْمُشْتَرك مَوْجُودا بِغَيْر وَاحِد من خصوصياته
فَهَذِهِ هى مقَالَة ابْن كلاب الَّتِى ألزمهُ فِيهَا أَصْحَابنَا وجود الْجِنْس دون النَّوْع وَهُوَ غير مَعْقُول وهى الَّتِى لَعَلَّ عبادا قَالَ لَهُ فِيهَا مَا قَالَ مَعَ أَن مَا قَالَه عباد لَا يلْزمه وَإِنَّمَا عباد يَقُول ذَلِك كَمَا يَقُول سَائِر الْمُعْتَزلَة للصفاتية أعنى مثبتى الصِّفَات لقد كفرت النَّصَارَى بِثَلَاث وكفرتم بِسبع وَهُوَ تشنيع من سُفَهَاء الْمُعْتَزلَة على الصفاتية مَا كفرت الصفاتية وَلَا أشركت وَإِنَّمَا وحدت وأثبتت صِفَات قديم وَاحِد بِخِلَاف النَّصَارَى فَإِنَّهُم أثبتوا قدما فَأنى يستويان أَو يتقاربان
وَرَأَيْت الإِمَام ضِيَاء الدّين الْخَطِيب وَالِد الإِمَام فَخر الدّين الرازى قد ذكر عبد الله ابْن سعيد فى آخر كِتَابه غَايَة المرام فى علم الْكَلَام فَقَالَ وَمن متكلمى أهل السّنة فى أَيَّام الْمَأْمُون عبد الله بن سعيد التميمى الذى دمر الْمُعْتَزلَة فى مجْلِس الْمَأْمُون وَفَضَحَهُمْ ببيانه وَهُوَ أَخُو يحيى بن سعيد الْقطَّان وَارِث علم الحَدِيث وَصَاحب الْجرْح وَالتَّعْدِيل انْتهى
وكشفت عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان هَل لَهُ أَخ اسْمه عبد الله فَلم أتحقق إِلَى الْآن شَيْئا وَإِن تحققت شَيْئا ألحقته إِن شَاءَ الله
стр. 634
٦٦ - عُثْمَان بن سعيد بن بشار أَبُو الْقَاسِم الأنماطى الْأَحول
صَاحب المزنى وَالربيع
وَقد وهم العبادى فى كِتَابه فَزعم أَنه الحكم بن عَمْرو وَأَن لِأَصْحَابِنَا آخر يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن بشار وَلَيْسَ بأبى الْقَاسِم
قَالَ ابْن الصّلاح وَأَحْسبهُ مر بِهِ ذكر أَبى الْقَاسِم الحكم بن عَمْرو من رُوَاة الحَدِيث فَاعْتقد أَنه صاحبنا
قَالَ الْخَطِيب أَبُو الْقَاسِم الْأَحول الأنماطى كَانَ أحد الْفُقَهَاء على مَذْهَب الشافعى وَحدث عَن المزنى وَالربيع
روى عَنهُ أَبُو بكر الشافعى وروى أَن ابْن المنادى قَالَ كَانَ للنَّاس فِيهِ مَنْفَعَة
قلت هُوَ الذى اشتهرت بِهِ كتب الشافعى بِبَغْدَاد وَعَلِيهِ تفقه شيخ الْمَذْهَب أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج
قَالَ أَبُو عَاصِم الأنماطى لأهل بَغْدَاد كأبى بكر بن إِسْحَاق لأهل نيسابور فَإِنَّهُ أول من حمل إِلَيْهَا علم المزنى
قلت كَأَنَّهُ أَرَادَ مشابهته لأبى بكر بن إِسْحَاق فى هَذَا الْقدر وَإِلَّا فَابْن إِسْحَاق أجل قدرا وَأَرْفَع خطرا وأوسع علما فِيمَا يظْهر لنا نعم للأنماطى جلالة بِمن أَخذ عَنهُ فقد حمل عَنهُ الْعلم أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج وَأَبُو سعيد الإصطخرى وَأَبُو على ابْن خيران وَمَنْصُور التميمى وَأَبُو حَفْص بن الْوَكِيل البابشامى وَهَذِه الطَّبَقَة الْعليا وَلم يحصل لأبى بكر بن إِسْحَاق مثل هَؤُلَاءِ التلامذة
стр. 635
مَاتَ الأنماطى فى شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَحكى أَن أَبَا سعيد الإصطخرى سَأَلَ الأنماطى فَقَالَ لَهُ النَّص آكِد أم الِاجْتِهَاد
فَقَالَ النَّص
فَقَالَ أليسى قد نَص النبى ﷺ على الشّعير وَلم ينص على الْبر أَفَرَأَيْت لَو كَانَ قوته برا أَيجوزُ لَهُ إِخْرَاج الشّعير
فَقَالَ لَا يجوز ذَلِك
فَقَالَ قد قدمت الِاجْتِهَاد على النَّص
فَدخل ابْن سُرَيج فَأخْبرهُ بِمَا جرى فَقَالَ إِن النَّص يقدم على اجْتِهَاد مُحْتَمل فَأَما إِذا كَانَ مَا وَقع عَلَيْهِ النَّص تَنْبِيها على مَا هُوَ أَعلَى قدم عَلَيْهِ كالضرب مَعَ التأفيف كَذَلِك قصد النبى ﷺ بذلك إِلَى بَيَان مَا يلْزمهُم أَن يخرجُوا فى يَوْم الْفطر وَجعل ذَلِك قوتا فَإِذا اقتات الْإِنْسَان برا لم يجز لَهُ أَن يخرج شَعِيرًا بِخِلَاف الْعَكْس لِأَنَّهُ أَعلَى مِنْهُ
٦٧ - عُثْمَان بن سعيد بن خَالِد بن سعيد السجستانى الْحَافِظ أَبُو سعيد الدارمى
مُحدث هراة وَأحد الْأَعْلَام الثِّقَات وَمن ذكره العبادى فى الطَّبَقَات قَائِلا الإِمَام فى الحَدِيث وَالْفِقْه أَخذ الْأَدَب عَن ابْن الأعرابى وَالْفِقْه عَن البويطى والْحَدِيث عَن يحيى بن معِين
قلت كَانَ الدارمى وَاسع الرحلة طوف الأقاليم ولقى الْكِبَار
стр. 636
سمع أَبَا الْيَمَان الحمصى وَيحيى الوحاظى وحيوة بن شُرَيْح بحمص
وَسَعِيد بن أَبى مَرْيَم وَعبد الْغفار بن دَاوُد الحرانى ونعيم بن حَمَّاد وطبقتهم بِمصْر
وَسليمَان بن حَرْب ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل التبوذكى وخلقا بالعراق
وَهِشَام بن عمار وَطَائِفَة بِدِمَشْق
روى عَنهُ أَبُو عَمْرو أَحْمد بن مُحَمَّد بن الحيرى ومؤمل بن الْحسن الماسرجسى وَأحمد بن مُحَمَّد الأزهرى وَأَبُو النَّضر مُحَمَّد بن مُحَمَّد الطوسى الْفَقِيه وحامد الرفا وَأحمد بن مُحَمَّد بن عَبدُوس الطرائفى وَخلق
وَمن مشايخه فى الحَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل وعَلى بن المدينى وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَيحيى بن معِين وَشَيْخه فى الْفِقْه البويطى
قَالَ أَبُو الْفضل يَعْقُوب الهروى القراب مَا رَأينَا مثل عُثْمَان بن سعيد وَلَا رأى هُوَ مثل نَفسه
وَعَن عُثْمَان الدارمى من لم يجمع حَدِيث شُعْبَة وسُفْيَان وَمَالك وَحَمَّاد بن زيد وَابْن عُيَيْنَة فَهُوَ مُفلس فى الحَدِيث يَعْنِي أَنه مَا بلغ رُتْبَة الْحفاظ فى الْعلم
قَالَ شَيخنَا الذهبى وَلَا ريب أَن من حصل علم هَؤُلَاءِ وأحاط بمروياتهم فقد حصل على ثلثى السّنة أَو نَحْوهَا
توفى الدارمى ﵀ فى ذى الْحجَّة سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
قَالَ الذهبى وَوهم من قَالَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ
стр. 637
وللدارمى كتاب فى الرَّد على الْجَهْمِية وَكتاب فى الرَّد على بشر المريسى ومسند كَبِير وَهُوَ الذى قَامَ على مُحَمَّد بن كرام الذى تنْسب إِلَيْهِ الكرامية وطردوه عَن هراة
وَكَانَ من خبر ابْن كرام هَذَا وَهُوَ شيخ سجستانى مجسم أَنه سمع يَسِيرا من الحَدِيث وَنَشَأ بسجستان ثمَّ دخل خُرَاسَان وَأكْثر الِاخْتِلَاف إِلَى أَحْمد بن حَرْب الزَّاهِد ثمَّ جاور بِمَكَّة خمس سِنِين ثمَّ ورد نيسابور وَانْصَرف مِنْهَا إِلَى سجستان وَبَاعَ مَا كَانَ يملكهُ وَعَاد إِلَى نيسابور وباح بالتجسيم وَقَالَ إِن الْإِيمَان بالْقَوْل كَاف وَإِن لم يكن مَعَه معرفَة بِالْقَلْبِ وَكَانَ من إِظْهَار التنسك والتأله والتعبد والتقشف على جَانب عَظِيم فافترق النَّاس فِيهِ على قَوْلَيْنِ مِنْهُم المعتقد وَمِنْهُم المنتقد وعقدت لَهُ مجَالِس سُئِلَ فِيهَا عَمَّا يَقُوله فَكَانَ جَوَابه أَنه إلهام يلهمه الله ثمَّ إِن الْأَمِير مُحَمَّد بن طَاهِر بن عبيد الله بن طَاهِر حَبسه بنيسابور مُدَّة
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فَكَانَ يغْتَسل كل يَوْم جُمُعَة ويتأهب لِلْخُرُوجِ إِلَى الْجَامِع ثمَّ يَقُول للسجان أتأذن لى فى الْخُرُوج فَيَقُول لَا فَيَقُول اللَّهُمَّ إنى بذلت مجهودى وَالْمَنْع من غيرى ثمَّ إِنَّه أخرج من نيسابور فى سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ بعد أَن مكث بالسجن ثَمَان سِنِين وَتوفى بِبَيْت الْمُقَدّس سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَقيل توفى بزغر وَحمل إِلَى بَيت الْمُقَدّس
قَالَ الْحَاكِم لقد بلغنى أَنه كَانَ مَعَه جمَاعَة من الْفُقَرَاء وَكَانَ لِبَاسه مسك ضَأْن مدبوغ غير مخيط وعَلى رَأسه قلنسوة بَيْضَاء وَقد نصب لَهُ دكان من لبن وَكَانَ يطْرَح لَهُ قِطْعَة فرو فيجلس عَلَيْهَا فيعظ وَيذكر وَيحدث قَالَ وَقد أثنى عَلَيْهِ فِيمَا بلغنى ابْن خُزَيْمَة وَاجْتمعَ بِهِ غير مرّة وَكَذَلِكَ أَبُو سعيد عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن الْحَاكِم وهما إِمَامًا الْفَرِيقَيْنِ
قلت يعْنى الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة
стр. 638
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس السراج شهِدت أَبَا عبد الله البخارى وَدفع إِلَيْهِ كتاب من مُحَمَّد بن كرام سَأَلَهُ عَن أَحَادِيث مِنْهَا الزهرى عَن سَالم عَن أَبِيه رَفعه الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص فَكتب على ظهر كِتَابه من حدث بِهَذَا اسْتوْجبَ الضَّرْب الشَّديد وَالْحَبْس الطَّوِيل
قلت وَصَاحب سجستان هُوَ الذى نَفَاهُ وَلم يكن قصد الساعين عَلَيْهِ إِلَّا إِرَاقَة دَمه وَإِنَّمَا صَاحب سجستان هاب قَتله لما رأى عَلَيْهِ من مخايل الْعِبَادَة والتقشف وَلَقَد افْتتن بِهِ خلق كثير وَهُوَ عندنَا فى مَكَان الْمَشِيئَة لله أَن يغْفر لَهُ وَأَن يؤاخذه فَإِنَّهُ مُبْتَدع لَا محَالة
وَاعْلَم أَن كراما على مَا هُوَ الْمَشْهُور بتَشْديد الرَّاء ورأيتها كَذَلِك مضبوطة بِخَط شَيخنَا الذهبى وَكنت أسمع الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ يحْكى أَن الشَّيْخ صدر الدّين ابْن المرحل قَرَأَ مرّة بِحَضْرَة السُّلْطَان الْملك النَّاصِر جُزْءا وَفِيه ذكر مُحَمَّد بن كرام فَقَالَ كرام وخفف لَهُ الرَّاء فَرد عَلَيْهِ بعض الْحَاضِرين فَقَالَ لَا إِنَّمَا هُوَ بِالتَّخْفِيفِ فقد قَالَ الشَّاعِر
(الرأى رأى أَبى حنيفَة وَحده ... وَالدّين دين مُحَمَّد بن كرام)
قَالَ الْوَالِد فَظن الْحَاضِرُونَ أَن الشَّيْخ صدر الدّين وضع هَذَا الْبَيْت على البديهة وَأَنه لَا أصل لَهُ هَذَا مَا كَانَ يحكيه لنا الْوَالِد ثمَّ رَأَيْت أَنا بِخَط الشَّيْخ تقى الدّين ابْن الصّلاح فى مجاميعه أَن مُحَمَّد بن كرام بِالتَّخْفِيفِ وَأَن أَبَا الْفَتْح البستى أنْشد
(إِن الَّذين نجلهم لم يتقدوا ... بِمُحَمد بن كرام غير كرام)
(الرأى رأى أَبى حنيفَة وَحده ... وَالدّين دين مُحَمَّد بن كرام)
فَأريت ذَلِك للوالد فأعجبه وسر بِهِ سُرُورًا كثيرا ثمَّ رَأَيْت هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بعينهما منسوبين إِلَى قائلهما البستى فى كتاب اليمينى فى سيرة السُّلْطَان يَمِين الدولة مَحْمُود بن سبكتكين
стр. 639
وَمن غرائب أَبى سعيد الدارمى وفوائده
قَالَ أَبُو عَاصِم إِن أَبَا سعيد ذهب إِلَى أَن الثَّعْلَب حرَام أكله وروى فِيهِ خَبرا
قَالَ وروى عَن بُرَيْدَة بن سُفْيَان أَن أهل مَكَّة وَالْمَدينَة يسمون النَّبِيذ خمرًا وَهَكَذَا رَوَاهُ على بن عبد الله المدينى انْتهى
قلت قَوْله بِتَحْرِيم الثَّعْلَب // غَرِيب //
وَالْخَبَر الذى أَشَارَ إِلَيْهِ أوردهُ عُثْمَان بن سعيد الْمَذْكُور فى كتاب الْأَطْعِمَة من تأليفه وَلَفظه عَن عبد الرَّحْمَن السلمى قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا تَقول فى الذِّئْب قَالَ وَيَأْكُل ذَلِك أحد قلت يَا رَسُول الله مَا تَقول فى الثَّعْلَب قَالَ وَيَأْكُل ذَلِك أحد
قَالَ أَبُو سعيد وَهَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ بِذَاكَ القوى غير أَن الذِّئْب والثعلب دخلا فى نهى النبى ﷺ عَن كل ذى نَاب من السبَاع فلأجل ذَلِك لَا يجوز أكلهما
٦٨ - عَسْكَر بن الْحصين وَقيل عَسْكَر بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الشَّيْخ أَبُو تُرَاب النخشبى
بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْخَاء وَفتح الشين المعجمتين وفى آخرهَا الْبَاء الْمُوَحدَة نسية إِلَى نخشب بَلْدَة من بِلَاد مَا وَرَاء النَّهر عربت فَقيل لَهَا نسف
كَانَ شيخ عصره بِلَا مدافعة جمع بَين الْعلم وَالدّين زاهدا ورعا متقشفا متقللا متوكلا متبتلا
стр. 640
صحب حاتما الْأَصَم إِلَى أَن مَاتَ وَخرج إِلَى الشَّام وَكتب الْكثير من الحَدِيث وَنظر فى كتب الشافعى وتفقه على مذْهبه
وَحدث عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير ونعيم بن حَمَّاد وَأحمد بن نصر النيسابورى وَغَيرهم
روى عَنهُ أَحْمد بن الْجلاء وَأَبُو بكر بن أَبى عَاصِم وَعبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل وَآخَرُونَ
قَالَ الدقى فِيمَا رَوَاهُ الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ سَمِعت أَبَا عبد الله بن الْجلاء يَقُول لقِيت سِتّمائَة شيخ مَا رَأَيْت فيهم مثل أَرْبَعَة أَوَّلهمْ أَبُو تُرَاب
قَالَ ابْن الصّلاح وَالثَّلَاثَة الْآخرُونَ أَبوهُ يحيى الْجلاء وَأَبُو عبيد البسرى وَذُو النُّون المصرى رضى الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ
وروى الْخَطِيب أَن أَبَا تُرَاب قَالَ مَا تمنت على نفسى قطّ إِلَّا مرّة تمنت على خبْزًا وبيضا وَأَنا فى سفرة فعدلت من الطَّرِيق إِلَى قَرْيَة فَلَمَّا دخلت وثب إِلَى رجل فَتعلق بى وَقَالَ إِن هَذَا كَانَ مَعَ اللُّصُوص قَالَ فبطحونى فضربونى سبعين جلدَة فَوقف علينا رجل فَصَرَخَ هَذَا أَبُو تُرَاب فأقامونى وَاعْتَذَرُوا إِلَى وأدخلنى الرجل منزله وَقدم إِلَى خبْزًا وبيضا فَقلت كلهما بعد سبعين جلدَة
وروى بِسَنَدِهِ إِلَى أَبى عبد الله ابْن الْجلاء قَالَ قدم أَبُو تُرَاب مرّة مَكَّة فَقلت لَهُ يَا أستاذ أَيْن أكلت فَقَالَ جِئْت بفضولك أكلت أَكلَة بِالْبَصْرَةِ وأكلة بالنباج وأكلة عنْدكُمْ
стр. 641
وروى بِسَنَدِهِ أَيْضا إِلَى أَبى تُرَاب قَالَ وقفت خمْسا وَخمسين وَقْفَة فَلَمَّا كَانَ من قَابل رَأَيْت النَّاس بِعَرَفَات مَا رَأَيْت قطّ أَكثر مِنْهُم وَلَا أَكثر خشوعا وتضرعا فأعجبنى ذَلِك فَقلت اللَّهُمَّ من لم تتقبل حجَّته من هَذَا الْخلق فَاجْعَلْ ثَوَاب حجتى لَهُ وأفضنا من عَرَفَات وبتنا بِجمع فَرَأَيْت فى الْمَنَام هاتفا يَهْتِف بى تتسخى علينا وَأَنا أسخى الأسخياء وعزتى وجلالى مَا وقف هَذَا الْموقف أحد قطّ إِلَّا غفرت لَهُ فانتبهت فَرحا بِهَذِهِ الرُّؤْيَا فَرَأَيْت يحيى بن معَاذ الرازى وقصصت عَلَيْهِ الرُّؤْيَا فَقَالَ إِن صدقت رُؤْيَاك فَإنَّك تعيش أَرْبَعِينَ يَوْمًا
قَالَ الراوى فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد وَأَرْبَعين جَاءُوا إِلَى يحيى بن معَاذ الرازى فَقَالُوا إِن أَبَا تُرَاب مَاتَ فَغسله وكفنه
وَعَن يُوسُف بن الْحُسَيْن كنت مَعَ أَبى تُرَاب بِمَكَّة فَقَالَ أحتاج إِلَى كيس دَرَاهِم فَإِذا رجل قد صب فى حجره كيس دَرَاهِم فَجعل يفرقها على من حوله وَكَانَ فيهم فَقير يتَرَاءَى لَهُ أَن يُعْطِيهِ شَيْئا فَمَا أعطَاهُ شَيْئا فنفدت الدَّرَاهِم وَبقيت أَنا وَأَبُو تُرَاب وَالْفَقِير فَقَالَ لَهُ تراءيت لَك غير مرّة فَلم تعطنى شَيْئا فَقَالَ لَهُ أَنْت لَا تعرف الْمُعْطى
وَعَن يُوسُف بن الْحُسَيْن صَحِبت أَبَا تُرَاب النخشبى خمس سِنِين وَحَجَجْت مَعَه على غيرطريق الجادة وَرَأَيْت مِنْهُ فى السّفر عجائب يقصرلسانى عَن شرح جَمِيعهَا غير أَنا كُنَّا مارين فَنظر إِلَى يَوْمًا وَأَنا جَائِع وَقد تورمت رجلاى وَأَنا أمشى بِجهْد فَقَالَ لى مَالك لَعَلَّك جعت قلت نعم قَالَ ولعلك أَسَأْت الظَّن بِرَبِّك قلت نعم قَالَ ارْجع إِلَى رَبك قلت وَأَيْنَ هُوَ قَالَ حَيْثُ خلفته فَقلت هُوَ معى فَقَالَ إِن كنت صَادِقا فَمَا هَذَا الْهم الذى أرى عَلَيْك قَالَ فَرَأَيْت الورم قد سكن والجوع قد ذهب ونشطت حَتَّى كدت أسبقه قَالَ أَبُو تُرَاب اللَّهُمَّ إِن عَبدك قد أقرّ لَك بالآفة فأطعمه وَنحن بَين جبال لَيْسَ فِيهَا مَخْلُوق فَانْتَهَيْنَا إِلَى رابية فَإِذا كوز مَاء ورغيف
стр. 642
مَوْضُوع فَقَالَ لى أَبُو تُرَاب دُونك دُونك فَجَلَست وأكلت وَقلت لَهُ ليش مَا تَأْكُل أَنْت قَالَ يَأْكُل من اشتهاه
أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الخباز بقراءتى عَلَيْهِ أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن حَمَّاد العسقلانى وَإِبْرَاهِيم بن حمد بن كَامِل المقدسى سَمَاعا قَالَا أخبرنَا عبد الْعَزِيز بن منينا وَابْن سكينَة إجَازَة قَالَا أخبرنَا مُحَمَّد ابْن عبد الباقى الأنصارى القاضى أخبرنَا الْخَطِيب أَبُو بكر الْحَافِظ أخبرنى عبيد الله ابْن أَحْمد الصيرفى حَدثنَا أَبُو الْفضل الزهرى حَدَّثَنى أَبُو الطّيب أَحْمد بن جَعْفَر الْحذاء قَالَ سَمِعت أَبَا على الْحُسَيْن بن خيران الْفَقِيه قَالَ مر أَبُو تُرَاب النخشبى بمزين فَقَالَ لَهُ تحلق رأسى لله فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ فَجَلَسَ فَبينا هُوَ يحلق رَأسه مر بِهِ أَمِير من أهل بَلَده فَسَأَلَ حَاشِيَته فَقَالَ لَهُم أَلَيْسَ هَذَا أَبَا تُرَاب فَقَالُوا نعم فَقَالَ أيش مَعكُمْ من الدَّنَانِير فَقَالَ لَهُ رجل من خاصته معى خريطة فِيهَا ألف دِينَار فَقَالَ إِذا قَامَ فأعطه إِيَّاهَا وَاعْتذر إِلَيْهِ وَقل لَهُ لم يكن مَعنا غير هَذِه فجَاء الْغُلَام إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ إِن الْأَمِير يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَقَالَ لَك مَا حضر مَعنا غير هَذِه فَقَالَ لَهُ ادفعها إِلَى المزين فَقَالَ المزين أيش أعمل بهَا فَقَالَ خُذْهَا فَقَالَ وَالله وَلَو أَنَّهَا ألفا دِينَار مَا أَخَذتهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو تُرَاب مر إِلَيْهِ فَقل لَهُ إِن المزين مَا أَخذهَا فَخذهَا أَنْت فاصرفها فى مهماتك
قلت سقنا هَذِه الْحِكَايَة بالسند لما فِيهَا من جليل الْفَوَائِد فَمِنْهَا حَال هَذَا المزين وَعدم أَخذه الْعِوَض على عمل عمله لله تَعَالَى فَأرى الله أَبَا تُرَاب خلقا من خلقه مزينا بِهَذِهِ الصّفة
وَمِنْهَا رد أَبى تُرَاب هَذَا الذَّهَب على هَذَا الْوَجْه فَإِن أَبَا تُرَاب إِن كَانَ عرف أَن هَذَا المزين لَا يَأْخُذهَا فَلَعَلَّهُ دَفعهَا إِلَيْهِ ليردها فيراه غُلَام ذَلِك الْأَمِير وَيعرف ويحكى لأستاذه أَن مزين أَبى تُرَاب لَا يرضى أَن يَأْخُذ ألف دِينَار على هَذَا الْعَمَل الْيَسِير فَمَا الظَّن بأبى تُرَاب وإعراضه عَن الدُّنْيَا وَإِن كَانَ أَبُو تُرَاب لم يعرف حَال المزين وَذَلِكَ بعيد عندنَا فَيكون رد المزين لَهَا تعريفا من الله لأبى تُرَاب بِمِقْدَار هَذَا المزين وتربية أَيْضا
стр. 643
لهَذَا الْأَمِير وسلوكا لأحسن طَرِيق فى رد ذهبه عَلَيْهِ وَأَنه أحْوج من أَبى تُرَاب إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يبْذل مثله لمزين ومزين أَبى تُرَاب لَا يرضى بمثليه وَلَا بأمثاله
توفى أَبُو تُرَاب بالبادية قيل نهشته السبَاع وَقد قدمنَا أَن يحيى بن معَاذ تولى غسله فَلَعَلَّهُ اطلع على مَكَانَهُ
وَكَانَت وَفَاة أَبى تُرَاب سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ قَالَ أَبُو عمرَان الإصطخرى رَأَيْته فى الْبَادِيَة قَائِما مَيتا لَا يمسِكهُ شىء
وَمن الْفَوَائِد عَن أَبى تُرَاب رَحمَه الله تَعَالَى
سُئِلَ أَبُو تُرَاب عَن صفة الْعَارِف فَقَالَ الذى لَا يكدره شىء ويصفو بِهِ كل شىء
وَقَالَ أَبُو تُرَاب الْفَقِير قوته مَا وجد ولباسه مَا ستر ومسكنه حَيْثُ نزل
وَقَالَ إِن الله ينْطق الْعلمَاء فى كل زمَان بِمَا يشاكل أَعمال أهل ذَلِك الزَّمَان
وَقَالَ من شغل مَشْغُولًا بِاللَّه عَن الله أدْركهُ المقت من سَاعَته
وَقَالَ شَرط التَّوَكُّل طرح الْبدن فى الْعُبُودِيَّة وَتعلق الْقلب بالربوبية والطمأنينة إِلَى الْكِفَايَة فَإِن أعْطى شكر وَإِن منع صَبر وَلَيْسَ ينَال الرِّضَا من للدنيا فى قلبه مِقْدَار
وَقَالَ صَحِبت مائَة شيخ مَا نفعنى مثل شدّ رَأس الجراب يعْنى القناعة والتقلل من الدُّنْيَا
وَقَالَ إِذا رَأَيْت الصوفى سَافر بِلَا ركوة فَاعْلَم أَنه عزم على ترك الصَّلَاة
стр. 644
حِكَايَة تشْتَمل على تَحْقِيق التجلى
قَالَ القاضى نَاصِر الدّين بن الْمُنِير المالكى فى كِتَابه المقتفى وفى الْحِكَايَة الْمُدَوَّنَة فى كتب أهل الطَّرِيق أَن أَبَا تُرَاب النخشبى كَانَ لَهُ تلميذ وَكَانَ الشَّيْخ يرفق بِهِ ويتفرس فِيهِ الْخَيْر وَكَانَ أَبُو تُرَاب كثيرا مَا يذكر أَبَا يزِيد البسطامى فَقَالَ لَهُ الْفَتى يَوْمًا لقد أكثرت من ذكر أَبى يزِيد من يتجلى لَهُ الْحق فى كل يَوْم مَرَّات مَاذَا يصنع بأبى يزِيد فَقَالَ لَهُ أَبُو تُرَاب وَيحك يَا فَتى لَو رَأَيْت أَبَا يزِيد لرأيت مرأى عَظِيما فَلم يزل يشوقه إِلَى لِقَائِه حَتَّى عزم على ذَلِك فى صُحْبَة الشَّيْخ أَبى تُرَاب فارتحلا إِلَى أَبى يزِيد فَقيل لَهما إِنَّه فى الغيضة وَكَانَت لَهُ غيضة يأوى إِلَيْهَا مَعَ السبَاع فقصدا الغيضة وجلسا على ربوة على ممر أَبى يزِيد فَلَمَّا خرج أَبُو يزِيد من الغيضة قَالَ أَبُو تُرَاب للفتى هَذَا أَبُو يزِيد فعندما وَقع بصر الْفَتى على أَبى يزِيد خر مَيتا فَحدث أَبُو تُرَاب أَبَا يزِيد بِقِصَّتِهِ وَعجب من ثُبُوته لتجلى الْحق وَعدم تماسكه لرؤية أَبى يزِيد فَقَالَ أَبُو يزِيد لأبى تُرَاب كَانَ هَذَا الْفَتى صَادِقا وَكَانَ الْحق يتجلى لَهُ على قدر مَا عِنْده فَلَمَّا رآنى تجلى لَهُ الْحق على قدرى فَلم يطق
قَالَ الْفَقِيه نَاصِر الدّين واصطلاح أهل الطَّرِيق مَعْرُوف وَحَاصِله رُتْبَة من الْمعرفَة جلية وَحَالَة من الْيَقَظَة والحضرة سَرِيَّة سنية وَالْإِيمَان يزِيد وَينْقص على الصَّحِيح وَلَا تظنهم يعنون بالتجلى رُؤْيَة الْبَصَر الَّتِى قيل فِيهَا لمُوسَى ﵇ على خصوصيته لن ترانى والتى قيل فِيهَا على الْعُمُوم ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ فَإِذا فهمت أَن مُرَادهم الذى أثبتوه غير الْمَعْنى الذى حصل النَّاس مِنْهُ على النَّاس فى الدُّنْيَا ووعد بِهِ الْخَواص فى الْأُخْرَى فَلَا ضير بعد ذَلِك عَلَيْك وَلَا طَرِيق لسبق الظَّن إِلَيْك وَالله يتَوَلَّى السرائر
стр. 645
قلت وَكَلَام ابْن الْمُنِير هَذَا فى تَفْسِير التجلى يقرب من قَول شيخ الْإِسْلَام وسلطان الْعلمَاء أَبى مُحَمَّد بن عبد السَّلَام ﵀ فى كتاب الْقَوَاعِد إِن التجلى والمشاهدة عبارَة عَن الْعلم والعرفان
وَاعْلَم أَن الْقَوْم لَا يقتصرون فى تَفْسِير التجلى على الْعلم وَلَا يعنون بِهِ إِيَّاه ثمَّ لَا يفصحون بِمَا يعنون إفصاحا وَإِنَّمَا يلوحون تَلْوِيحًا ثمَّ يصرحون بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا يُوجب سوء الظَّن تَصْرِيحًا وَقد ذكر سيد الطَّائِفَة أَبُو الْقَاسِم القشيرى ﵀ فى الرسَالَة بَاب السّتْر والتجلى ثمَّ بَاب الْمُشَاهدَة وَلم يفصح بتفسير التجلى كَأَنَّهُ خشى على فهم من لَيْسَ من أهل الطَّرِيق وَعرف أَن السالك يفهمهُ فَلم يحْتَج إِلَى كشفه لَهُ
وَحَاصِل مَا يَقُوله متأخرو الْقَوْم أَن التجلى ضَرْبَان
ضرب للعوام وَهُوَ أَن يكْشف صُورَة كَمَا جَاءَ جِبْرِيل ﵇ فى صُورَة دحْيَة وكما فى الحَدِيث (رَأَيْت ربى فى صُورَة شَاب) قَالُوا وَهَذَا تجلى الصّفة ويضربون لذَلِك الْمرْآة مثلا فَيَقُولُونَ أَنْت تنظر وَجهك فى الْمرْآة وَلَيْسَت الْمرْآة محلا لوجهك وَلَا وَجهك حَالا فِيهَا وَإِنَّمَا هُنَاكَ مثالها تَعَالَى الله عَن أَن يكون لَهُ مِثَال وَإِنَّمَا يذكرُونَ هَذَا تَقْرِيبًا للأفهام
وَحَدِيث فى صُورَة شَاب أَمْرَد مَوْضُوع مَكْذُوب على رَسُول الله ﷺ
وَضرب للخواص وَهُوَ تجلى الذَّات نَفسهَا ويذكرون هُنَا لتقريب الْفَهم الشَّمْس قَالُوا فَإنَّك ترى ضوء النَّهَار فتحكم بِوُجُود الشَّمْس وحضورها برؤيتك الضَّوْء
قَالُوا وَهَذَا تقريب أَيْضا وَإِلَّا فنور البارى لَو سَطَعَ لأحرق الْوُجُود بأسره إِلَّا من ثبته الله
وَقد يعتضدون بِحَدِيث أَبى ذَر رضى الله عَنهُ سَأَلت النبى ﷺ هَل رَأَيْت رَبك قَالَ نور أَنى أرَاهُ وفى لفظ قَالَ رَأَيْت نورا
стр. 646
أخرجه مُسلم والترمذى وَلكنه حَدِيث مؤول بِاتِّفَاق الْمُسلمين
هَذَا حَاصِل كَلَام الْقَوْم وَأَنا معترف بالقصور عَن فهمه وضيق الْمحل عَن بسط الْعبارَة فِيهِ
وَقد جالست فى هَذِه الْمَسْأَلَة الشَّيْخ الإِمَام الصَّالح الْعَارِف قطب الدّين بركَة الْمُسلمين مُحَمَّد بن اسفهبدا الأردبيلى أعَاد الله من بركته وَقلت لَهُ أتقولون بِأَن الذى يرَاهُ الْعَارِف فى الدُّنْيَا هُوَ الذى وعده الله فى الْآخِرَة
قَالَ نعم
قلت فَبِمَ تتَمَيَّز رُؤْيَة يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ بالبصر فَإِن الرُّؤْيَة فى الدُّنْيَا فى هذَيْن الضربين إِنَّمَا هى بالبصيرة دون الْبَصَر
قلت فقد اخْتلف فى جَوَاز رُؤْيَة الله تَعَالَى فى الدُّنْيَا
قَالَ الْحق الْجَوَاز
قلت فَلَا فَارق حِينَئِذٍ وَتجوز الرُّؤْيَة بالبصر فى الدُّنْيَا
قَالَ الْفَارِق أَنه فى الْآخِرَة مَعْلُوم الْوُقُوع للْمُؤْمِنين كلهم وفى الدُّنْيَا لم يثبت وُقُوعه إِلَّا للنبى ﷺ وفى بعض ذوى المقامات الْعلية
هَكَذَا قَالَ
وَمِمَّا قلت لَهُ وَقد ضرب الْمرْآة مثلا قد يُقَال إِن هَذَا نوع من الْحُلُول والحلول كفر
قَالَ لَا فَإِن الْحُلُول مَعْنَاهُ أَن الذَّات تحل فى ذَات أُخْرَى والمرآة لَا تحل الصُّورَة فِيهَا
هَذَا كَلَامه
قلت لَهُ فَمَا الْمُشَاهدَة عَن التجلى
стр. 647
قَالَ الْمُشَاهدَة دوَام تجلى الذَّات والتجلى قد يكون مَعَه مُشَاهدَة وَهُوَ مَا إِذا دَامَ وَقد لَا يكون انْتهى
وَأَقُول إِذا تَبرأ الْقَوْم من تَفْسِير التجلى بِمَا لَا يُمكن وَلَا يجوز وصف الرب تَعَالَى بِهِ فَلَا لوم عَلَيْهِم بعد ذَلِك غير أَنهم مصرحون بِأَنَّهُ غير الْعلم والعرفان
حِكَايَة ثَانِيَة يبْحَث فِيهَا عَن الكرامات
قَالَ أَبُو على الروذبارى سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الرقى يَقُول كُنَّا مَعَ أَبى تُرَاب النخشبى فى طَرِيق مَكَّة فَعدل عَن الطَّرِيق إِلَى نَاحيَة فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه أَنا عطشان فَضرب بِرجلِهِ فَإِذا عين من مَاء زلال فَقَالَ الْفَتى أحب أَن أشربه فى قدح فَضرب بِيَدِهِ الأَرْض فَنَاوَلَهُ قدحا من زجاج أَبيض كأحسن مَا رَأَيْت فَشرب وسقانى وَمَا زَالَ الْقدح مَعنا إِلَى مَكَّة
فَقَالَ لى أَبُو تُرَاب يَوْمًا مَا يَقُول أَصْحَابك فى هَذِه الْأُمُور الَّتِى يكرم الله بهَا عباده فَقلت مَا رَأَيْت أحدا إِلَّا وَهُوَ مُؤمن بهَا فَقَالَ من لايؤمن بهَا فَلَقَد كفر إِنَّمَا سَأَلتك من طَرِيق الْأَحْوَال فَقلت مَا أعرف لَهُم قولا فِيهِ فَقَالَ بلَى قد زعم أَصْحَابك أَنَّهَا خدع من الْحق وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك إِنَّمَا الخدع فى حَال السّكُون إِلَيْهَا فَأَما من لم يقترح ذَلِك فَتلك مرتبَة الربانيين
قلت قد اشْتَمَل كَلَام أَبى تُرَاب هَذَا على فصلين مهمين
أَحدهمَا أَن الكرامات والمكاشفات لسيت خدعا إِلَّا لمن يقف عِنْدهَا ويجعلها شوقه ومقصوده وَلَا شكّ فى هَذَا وَقد بَالغ قوم فى تعظيمها بِحَيْثُ سلبوا بهَا الْمَوَاهِب وَبَالغ آخَرُونَ فى امتهانها بِحَيْثُ لم يعدوها شَيْئا وَالْحق مَا ذكره تُرَاب أَبُو أَيُّوب من أَن السّكُون إِلَيْهَا نقص فَمن الْوَاضِح الجلى الذى لَا يُنكره عَارِف أَن الْعَارِف لَا يقف عِنْدهَا وَإِنَّمَا مَطْلُوبه وَرَاءَهَا وهى تقع فى طَرِيقه وَلَيْسَ للْوَاقِع فِي الطَّرِيق من الطَّرِيق
стр. 648
صفة وَمن وقف عِنْدهَا سقط فى مهاوى الهلكات وَمن كَانَت هى مَطْلُوبه فَهُوَ مغرور وَيبعد وُصُوله إِلَيْهَا وَإِنَّمَا يصل إِلَيْهَا من لَا يَرَاهَا فَافْهَم مَا يلقى إِلَيْك
فَإِن قلت فلأى معنى يظهرها مظهروها وهى على مَا تزْعم أَشْيَاء لَا يلقون إِلَيْهَا بَالا
قلت ظُهُورهَا يَقع على أنحاء رُبمَا لم يكن بِاخْتِيَار صَاحبهَا وَهُوَ كثير بل صَار بعض الْأَئِمَّة كَمَا نقل إِمَام الْحَرَمَيْنِ فى الشَّامِل إِلَى أَن الكرامات لَا تكون أبدا إِلَّا على هَذَا الْوَجْه فعلى هَذَا الْوَجْه لَا سُؤال وَلَكِن هَذَا مَذْهَب ضَعِيف غير مرضى عِنْد المحصلين وَلَا سُؤال عَلَيْهِ وَرُبمَا كَانَ هُوَ الْمظهر بهَا وَإِنَّمَا يكون ذَلِك لفائدة دينية من تربية أَو بِشَارَة أَو نذارة أَو غير ذَلِك حَيْثُ يُؤذن فِيهِ وَلَا يجوز إظهارها حَيْثُ لَا فَائِدَة فَذَلِك عِنْد الْقَوْم غير جَائِز لَهُ
والفصل الثانى أَن الكرامات حق وَقَول أَبى تُرَاب من لَا يُؤمن بهَا فقد كفر بَالغ فى الْحَط من منكريها وَقد تؤول لَفْظَة الْكفْر فى كَلَامه وَتحمل على أَنه لم يعن الْكفْر الْمخْرج من الْملَّة وَلكنه كفر دون كفر
وإنى لأعجب أَشد الْعجب من منكرها وأخشى عَلَيْهِ مقت الله ويزداد تعجبى عِنْد نِسْبَة إنكارها إِلَى الْأُسْتَاذ أَبى إِسْحَاق الإسفراينى وَهُوَ من أساطين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على أَن نِسْبَة إنكارها إِلَيْهِ على الْإِطْلَاق كذب عَلَيْهِ والذى ذكره الرجل فى مصنفاته أَن الكرامات لَا تبلغ مبلغ خرق الْعَادة
قَالَ وكل مَا جَازَ تَقْدِيره معْجزَة لنبى لَا يجوز ظُهُور مثله كَرَامَة لولى
قَالَ وَإِنَّمَا بَالغ الكرامات إِجَابَة دَعْوَة أَو موافاة مَاء فى بادية فى غير موقع الْمِيَاه أَو مضاهى ذَلِك مِمَّا ينحط عَن خرق الْعَادة ثمَّ مَعَ هَذَا قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره من أَئِمَّتنَا هَذَا الْمَذْهَب مَتْرُوك
قلت وَلَيْسَ بَالغا فى البشاعة مبلغ مَذْهَب المنكرين للكرامات مُطلقًا بل هُوَ مَذْهَب مفصل بَين كَرَامَة وكرامة رأى أَن ذَلِك التَّفْصِيل هُوَ الْمُمَيز لَهَا من المعجزات
стр. 649
وَقد قَالَ الْأُسْتَاذ الْكَبِير أَبُو الْقَاسِم القشيرى فى الرسَالَة إِن كثيرا من المقدورات يعلم الْيَوْم قطعا أَنه لَا يجوز أَن يظْهر كَرَامَة للأولياء لضَرُورَة أَو شبه ضَرُورَة يعلم ذَلِك فَمِنْهَا حُصُول إِنْسَان لَا من أبوين وقلب جماد بَهِيمَة أَو حَيَوَانا وأمثال هَذَا يكثر انْتهى
وَهُوَ حق لَا ريب فِيهِ وَبِه يَتَّضِح أَن قَول من قَالَ مَا جَازَ أَن يكون معْجزَة لنبى جَازَ أَن يكون كَرَامَة لولى لَيْسَ على عُمُومه وَأَن قَول من قَالَ لَا فَارق بَين المعجزة والكرامة إِلَّا التحدى لَيْسَ على وَجهه ولعلنا نبحث عَن هَذَا فى آخر الْفَصْل وسبيلنا حَيْثُ انتهينا إِلَى هَذَا الْفَصْل أَن نستقصى شبه المنكرين للكرامات ونستأصل شأفتهم بتقرير الرَّد عَلَيْهِم ثمَّ نذْكر الْبَرَاهِين الدَّالَّة على الْإِثْبَات ونختمها بتتمات
شُبْهَة للقدرية فى منع الكرامات وَذكر فَسَادهَا
قَالُوا تَجْوِيز الْكَرَامَة يفضى إِلَى السفسطة لِأَنَّهُ يقتضى تَجْوِيز انقلاب الْجَبَل ذَهَبا إبريزا أَو الْبَحْر دَمًا عبيطا وانقلاب أَوَان يَتْرُكهَا الْإِنْسَان فى بَيته أَئِمَّة فضلاء مدققين
وَالْجَوَاب عَن هَذِه الشُّبْهَة من وُجُوه
أَحدهَا أَنا لَا نسلم بُلُوغ الْكَرَامَة إِلَى هَذَا الْمبلغ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَام القشيرى
والثانى وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَام أَئِمَّتنَا أَنا نجوز بُلُوغهَا هَذَا الْمبلغ وَلَكِن لَا يقتضى ذَلِك سفسطة لِأَن مَا ذكرْتُمْ بِعَيْنِه وَارِد عَلَيْكُم فى زمَان النُّبُوَّة فَإِنَّهُ يجوز ظُهُور المعجزة بذلك وَلَا يُؤدى إِلَى سفسطة
وَالثَّالِث أَن التجويزات الْعَقْلِيَّة لَا تقدح فى الْعُلُوم العادية وَجَوَاز تغيرها بِسَبَب الْكَرَامَة تَجْوِيز عقلى فَلَا يقْدَح فِيهَا
стр. 650
شُبْهَة ثَانِيَة لَهُم وتبيين الِانْفِصَال عَنْهَا
قَالُوا لَو جَازَت الْكَرَامَة لاشتبهت بالمعجزة فَلَا تبقى للمعجزة دلَالَة على ثُبُوت النُّبُوَّة
وَالْجَوَاب منع الِاشْتِبَاه وَهَذَا لِأَن المعجزة مقرونة بِدَعْوَى النُّبُوَّة وَلَا كَذَلِك الْكَرَامَة بل الْكَرَامَة مقرونة بالانقياد للنبى ﷺ وتصديقه وَالسير على طَرِيقه
وَقَوْلهمْ إِنَّمَا دلّت المعجزة على تَصْدِيق النبى من حَيْثُ انخراق الْعَادة فَكَذَلِك الْكَرَامَة كَلَام سَاقِط فَإِن مُجَرّد خرق الْعَادة لَيْسَ الْمُقْتَضى للنبوة وَلَو دلّ خرق الْعَادة على النُّبُوَّة بِمُجَرَّدِهِ لوَجَبَ أَن تدل أَشْرَاط السَّاعَة وَمَا سَيظْهر مِنْهَا على ثُبُوت نبوة إِذْ العوائد تنخرق بهَا وَمن أعظم الْبَدَائِع فطْرَة السَّمَوَات والنشأة الأولى ثمَّ لم تقتض بَدَائِع الْفطْرَة فى نشأة الْخلق ثُبُوت نبى فاستبان أَن مُجَرّد خرق الْعَادة لَا يدل إِذْ لَو دلّ لاطرد بل لابد مَعَه من التحدى فَلَا اشْتِبَاه للكرامة بالمعجزة وَأَيْضًا فالمعجزة يجب على صَاحبهَا الإشهار بِخِلَاف الْكَرَامَة فَإِن مبناها على الْإخْفَاء وَلَا تظهر إِلَّا على الندرة وَالْخُصُوص لَا على الْكَثْرَة والعموم وَأَيْضًا فالمعجزة تجوز أَن تقع بِجَمِيعِ خوارق الْعَادَات والكرامات تخْتَص بِبَعْضِهَا كَمَا بَيناهُ من كَلَام القشيرى وَهُوَ الصَّحِيح ولسنا نجوز ولدا إِلَّا من أبوين وَلَا نَحْو ذَلِك كَمَا سنستقصى القَوْل فِيهِ
شُبْهَة ثَالِثَة لَهُم وَوجه الِانْفِصَال عَنْهَا
قَالُوا لَو ظَهرت لولى كَرَامَة لجَاز الحكم لَهُ بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ أَنه يملك حَبَّة من الْحِنْطَة أَو فلسًا وَاحِدًا من الْفُلُوس من غير بَيِّنَة لظُهُور دَرَجَته عِنْد الله تَعَالَى الْمَانِعَة من كذبه لَا سِيمَا فى هَذَا النزر الْيَسِير لكنه بَاطِل لإِجْمَاع الْمُسلمين الْمُؤَيد بقول رَسُول رب الْعَالمين ﷺ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ الْبَيِّنَة على الْمُدعى وَالْيَمِين على من أنكر
стр. 651
وَالْجَوَاب أَن الْكَرَامَة لَا توجب عصمَة الولى وَلَا صدقه فى كل الْأُمُور وَقد سُئِلَ شيخ الطَّرِيقَة ومقتدى الْحَقِيقَة أَبُو الْقَاسِم الْجُنَيْد ﵀ أيزنى الولى فَقَالَ ﴿وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا﴾ وهب أَن الظَّن حَاصِل بصدقه فِيمَا ادَّعَاهُ إِلَّا أَن الشَّارِع جعل لثُبُوت الدَّعْوَى طَرِيقا مَخْصُوصًا ورابطا مَعْرُوفا لَا يجوز تعديه وَلَا الْعُدُول عَنهُ أَلا ترى أَن كثيرا من الظنون لَا يجوز الحكم بهَا لخروجها عَن الضوابط الشَّرْعِيَّة
شُبْهَة أُخْرَى لَهُم وكشف عوارها
قَالُوا لَو جَازَ ظُهُور خوارق الْعَادَات على أيدى الصَّالِحين لجَاز سرا كَمَا يجوز جَهرا وَلَو جَازَ سرا لما أمكننا أَن نستدل على نبوة الْأَنْبِيَاء بظهورها على أَيْديهم فَثَبت أَن ظُهُورهَا على الصَّالِحين سرا مُمْتَنع وَإِذا لم يجز ظُهُورهَا عَلَيْهِم سرا فَأولى أَن لَا تجوز جَهرا لِأَن كل من جوز ظُهُورهَا عَلَيْهِم لم يشْتَرط أَن تظهر عَلَانيَة بل من أصُول مُعظم جماعتكم أَن الْأَوْلِيَاء لَا يظهرون الكرامات وَلَا يدعونَ بهَا وَإِنَّمَا تظهر سرا وَرَاء ستور ويتخصص بالاطلاع عَلَيْهَا آحَاد النَّاس فَثَبت أَنَّهَا لَو جَازَت لجازت سرا إِذْ لَا قَائِل بِالْفَصْلِ وَلِأَنَّهُ أولى بِالْجَوَازِ من الْعَلَانِيَة لَكِن جَوَازهَا سرا يفضى إِلَى أَن لَا يسْتَدلّ بهَا على النُّبُوَّة لِأَنَّهُ يجوز ظُهُورهَا مُتَوَالِيَة على اسْتِمْرَار وَإِن كَانَ ذَلِك مخفيا مستترا وَتَكون مَوْجُودَة مستمرة بِحَيْثُ تلتحق بِحكم الْمُعْتَاد فَإِذا ظهر نبى وتحدى بمعجزة جَازَ أَن تكون هى بعض مَا اعتاده أَوْلِيَاء عصره من الكرامات وَلَا يتَحَقَّق فى هَذَا النبى خرق العوائد فَكيف السَّبِيل إِلَى تَصْدِيقه هَذَا حَاصِل شبهتهم هَذِه ثمَّ حرروا عَنْهَا عبارَة فَقَالُوا إِذا تكَرر مَا يخرق العوائد على الْأَوْلِيَاء أفْضى ذَلِك إِلَى التحاق خوارق الْعَادَات فى حُقُوقهم بالمعتادات وَصَارَت
стр. 652
عاداتهم خلاف الْعَادَات فَلَو ظهر نبى فى زمنهم كَانَت عوائدهم فى انخراق العوائد فى أَحْوَالهم تصدهم عَن تَصْحِيح النّظر فى المعجزة
ثمَّ أخرجُوا الشُّبْهَة على وَجه آخر فَقَالُوا لَو جَازَ إظهارها على صَالح لجَاز إظهارها على صَالح آخر إِكْرَاما لَهُ وَهَكَذَا إِلَى عدد كثير إِذْ لَيْسَ اخْتِصَاص عدد مِنْهُم بذلك أولى من عدد آخر وَحِينَئِذٍ يصير عَادَة فَلَا يبْقى ظُهُورهَا دَلِيلا على النُّبُوَّة ويطوى بِسَاط النُّبُوَّة رَأْسا
وَجَمِيع مَا ذَكرُوهُ فى هَذِه الشُّبْهَة تمويه لَا حَاصِل تَحْتَهُ وَقَعْقَعَة لَا طائل فِيهَا ولأئمتنا فى ردهَا وَجْهَان
فَمن أَئِمَّتنَا من منع توالى الكرامات واستمرارها حَتَّى تصير فى حكم العوائد وخلص بِهَذَا الْمَنْع عَن إلزامهم بل امْتنع بعض الْمُحَقِّقين من تصور توالى المعجزات على الرُّسُل المتعاقبين إِذْ كَانَ يُؤدى إِلَى أَن تصير المعجزات مُعْتَادَة فَهَذِهِ طَريقَة فى الرَّد على هَذِه الشُّبْهَة حاصلها أَنا إِنَّمَا نجوز ظُهُور الكرامات على وَجه لَا يصير عَادَة فاستبان أَنه خَاص بشبهتهم هَذِه وَأَنَّهَا لم تقدح فى أصل الكرامات وَإِنَّمَا تَضَمَّنت منع كرورها والتحاقها بالمعتاد
وَمن أَئِمَّتنَا وهم الْمُعظم من جوز توالى الكرامات على وَجه الاختفاء بِحَيْثُ لَا تظهر وَلَا تشيع وَلَا تلتحق بالمعتاد لِئَلَّا تخرج الْكَرَامَة عَن كَونهَا كَرَامَة عِنْد عَامَّة الْخلق ثمَّ قَالُوا الْكَرَامَة وَإِن توالت على الولى حَتَّى ألفها واعتادها فَلَا يُخرجهُ ذَلِك عَن طَرِيق الرشاد وَوجه السداد فى النّظر إِذا لاحت المعجزة إِن وَافقه التَّوْفِيق وَإِن تعداه التَّوْفِيق سلب الطَّرِيق وَلم يكن بولى على التَّحْقِيق والمعجزة تتَمَيَّز عَمَّن تَكَرَّرت عَلَيْهِ الْكَرَامَة بالإظهار والإشاعة والتحدى وَدَعوى النُّبُوَّة فَإِذا تميزت الْكَرَامَة عَن المعجزة لم ينسد بَاب الطَّرِيق إِلَى معرفَة النبى
стр. 653
وَمن تَمام الْكَلَام فى ذَلِك أَن أهل الْقبْلَة متفقون على أَن الكرامات لَا تظهر على الفسقة الفجرة وَإِنَّمَا تظهر على المتمسكين بِطَاعَة الله
وَبِهَذَا لَاحَ أَن الطَّرِيق إِلَى معرفَة الْأَنْبِيَاء لَا ينسد فَإِن الولى بِتَوْفِيق الله تَعَالَى ينقاد للنبى إِذا ظَهرت المعجزة على يَدَيْهِ وَيَقُول معاشر النَّاس هَذَا نبى الله فأطيعوه
وَيكون أول منقاد لَهُ وَمُؤمن بِهِ
والقاضى أَبُو بكر وَإِن شَبَّبَ بِمَنْع هَذَا الْإِجْمَاع وَقَالَ لَو جوز مجوز ظُهُور بعض خوارق الْعَادَات على بعض الفسقة استدراجا لَكَانَ مذهبا كَمَا أَنه لَا يبعد ظُهُورهَا على الرهبان المتبتلين وَأَصْحَاب الصوامع على كفرهم فَهَذَا كَمَا قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِيهِ نظر ولسنا نثبت لراهب كَرَامَة وَلَا كيد وَلَا كَرَامَة وَمحل اسْتِيفَاء القَوْل على ذَلِك لَا يحْتَملهُ هَذَا الْمَكَان
وَالْحَاصِل أَن مَا يظْهر على يَد الرهبان لَيْسَ من الكرامات وَأما توقف القاضى فى الفسقة والفجرة فَأَنا مَعَه لَكِن لَا على الْإِطْلَاق بل أفصل فَأَقُول لَو ذهب ذَاهِب إِلَى تَجْوِيز ظُهُور الْكَرَامَة على يَد الْفَاسِق إنقاذا لَهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ ثمَّ يَتُوب بعْدهَا وَيثبت لَا محَالة وينتقل إِلَى الْهدى بعد الضَّلَالَة لَكَانَ مذهبا وَيقرب مِنْهُ قصَّة أَصْحَاب الْكَهْف الَّتِى سنحكيها فقد كَانُوا عَبدة أصنام ثمَّ حصل لَهُم مَا حصل إرشادا وتبصرة ثمَّ مَا ذكره الْخُصُوم من حَدِيث اشْتِبَاه النبى بِغَيْرِهِ إِذا وَافَقت المعجزة الْكَرَامَة قد تبين الِانْفِصَال عَنهُ
وَأَنا أَقُول معَاذ الله أَن يتحدى نبى بكرامة تَكَرَّرت على يَد ولى بل لَا بُد أَن يأتى النبى بِمَا لَا يوقعه الله على يَد الولى وَإِن جَازَ وُقُوعه فَلَيْسَ كل جَائِز فى قضايا الْعُقُول وَاقعا وَلما كَانَت مرتبَة النبى أعلا وَأَرْفَع من مرتبَة الولى كَانَ الولى مَمْنُوعًا مِمَّا يأتى بِهِ النبى على وَجه الإعجاز والتحدى أدبا مَعَ النبى
ثمَّ أَقُول حَدِيث الِاشْتِبَاه والانسداد على بُطْلَانه إِنَّمَا يَقع الْبَحْث فِيهِ حَيْثُ لم تختم النُّبُوَّة
стр. 654
أما مَعَ مجئ خَاتم النَّبِيين الذى ثبتَتْ نبوته بأوضح الْبَرَاهِين وإخباره بِأَنَّهُ لَا نبى بعده فقد أمنا الِاشْتِبَاه فَلَو صَحَّ مَا ذكر من الِاشْتِبَاه والانسداد لَكَانَ فى حكم الْأَوْلِيَاء من الْأُمَم السالفة لَا فى حكم الْأَوْلِيَاء من هَذِه الْأمة لأمنهم من أَنه لَا نبى بعد نَبِيّهم ﷺ هَذَا لَو صَحَّ وَلنْ يَصح أبدا
شُبْهَة خَامِسَة لَهُم وَتَقْرِير بُطْلَانهَا
قَالُوا لَو كَانَ للكرامات أصل لَكَانَ أولى النَّاس بهَا أهل الصَّدْر الأول وهم صفوة الْإِسْلَام وقادة الْأَنَام والمفضلون على الخليقة بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ وَلم يُؤثر عَنْهُم أَمر مستقصى
وَهَذَا الذى ذَكرُوهُ تعلل بالأمانى وَهُوَ قَول مرذول مَرْدُود فَلَو حاول مستقص استقصاء كرامات الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم لأجهد نَفسه وَلم يصل إِلَى عشر الْعشْر وَلَا بَأْس هُنَا بِذكر يسير من كرامات الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم وَالْكَلَام على السِّرّ فى ظُهُورهَا وإظهارها على وَجه الِاخْتِصَار ليستفاد بكلامنا على مَا نورده من الْقَلِيل مَا يستعان بِهِ على مَا نغفله من الْكثير
فَنَقُول اعْلَم أَولا أَن كل كَرَامَة ظَهرت على يَد صحابى أَو ولى أَو تظهر إِلَى يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين فَإِنَّهَا معْجزَة للنبى ﷺ لِأَن صَاحبهَا إِنَّمَا نالها بالاقتداء بِهِ ﷺ وَهُوَ معترف لَهُ بِأَنَّهُ مقدم خَلِيقَة الله وصفوتهم وَسيد الْبشر الذى من بحره تستخرج الدُّرَر وَمن غيثه يسْتَنْزل الْمَطَر وَهَذَا الْمَعْنى يصلح أَن يكون سَببا إجماعيا عَاما فى الْإِظْهَار لَا سِيمَا فى عصر الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَإِن
стр. 655
الْكفَّار إِذا رَأَوْا مَا يظْهر على يديهم من الخوارق آمنُوا بِنَبِيِّهِمْ ﷺ وَعَلمُوا أَنهم على الْحق فَرُبمَا كَانَ هَذَا سَببا فى الْإِظْهَار إِذا علمت ذَلِك
فَمن الكرامات على يَد أَبى بكر الصّديق رضى الله عَنهُ
مَا صَحَّ من حَدِيث عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن أَبَا بكر الصّديق رضى الله عَنهُ كَانَ نحلهَا جاد عشْرين وسْقا فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ وَالله يَا بنية مَا من النَّاس أحد أحب إِلَى غنى بعدى مِنْك وَلَا أعز عَليّ فقرا بعدِي مِنْك وإنى كنت نحلتك جاد عشْرين وسْقا فَلَو كنت جددته وخزنته كَانَ لَك وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال وَارِث وَإِنَّمَا هما أَخَوَاك وَأُخْتَاك فَاقْتَسمُوهُ على كتاب الله
قَالَت عَائِشَة يَا أَبَت وَالله لَو كَانَ كَذَا وَكَذَا لتركته إِنَّمَا هى أَسمَاء فَمن الْأُخْرَى فَقَالَ أَبُو بكر ذُو بطن بنت أَرَاهَا جَارِيَة فَكَانَ ذَلِك
قلت فِيهِ كرامتان لأبى بكر
إِحْدَاهمَا إخْبَاره بِأَنَّهُ يَمُوت فى ذَلِك الْمَرَض حَيْثُ قَالَ وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال وَارِث
وَالثَّانيَِة إخْبَاره بمولود يُولد لَهُ وَهُوَ جَارِيَة
والسر فى إِظْهَار ذَلِك استطابة قلب عَائِشَة رضى الله عَنْهَا فى استرجاع مَا وهبه لَهَا وَلم تقبضه وإعلامها بِمِقْدَار مَا يَخُصهَا لتَكون على ثِقَة مِنْهُ فَأَخْبرهَا بِأَنَّهُ مَال وَارِث وَأَن مَعهَا أَخَوَيْنِ وأختين لهَذَا وَيدل على أَنه قصد استطابة قَلبهَا مَا مهده أَولا من أَنه لَا أحد أحب إِلَيْهِ غنى بعده مِنْهَا وَقَوله إِنَّمَا هما أَخَوَاك وَأُخْتَاك أى لَيْسَ ثمَّ غَرِيب وَلَا ذُو قرَابَة نائية وفى هَذَا من الترفق مَا لَيْسَ يخفى فرضى الله عَنهُ وأرضاه
стр. 656
وَمِنْهَا مَا فى البخارى من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أَبى بكر وَقَول النبى ﷺ فى أهل الصّفة مرّة (من كَانَ عِنْده طَعَام اثْنَيْنِ فليذهب بثالث وَمن كَانَ عِنْده طَعَام أَرْبَعَة فليذهب بخامس) الحَدِيث
وَفِيه أَن أَبَا بكر انْطلق بِثَلَاثَة وغادرهم فى بَيته وتعشى عِنْد النبى ﷺ ولبث حَتَّى صلى الْعشَاء مَعَ رَسُول الله ﷺ فجَاء بعد مَا مضى من اللَّيْل مَا شَاءَ الله فَقَالَت لَهُ امْرَأَته مَا حَبسك عَن أضيافك قَالَ أَو مَا عشيتهم قَالَت أَبَوا حَتَّى تجىء ثمَّ قَالَ كلوا فَقَالَ قَائِلهمْ وَايْم الله مَا كُنَّا نَأْخُذ من لقْمَة إِلَّا رَبًّا من أَسْفَلهَا أَكثر مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَت أَكثر مِمَّا كَانَت قبل فَنظر أَبُو بكر فَإِذا شىء أَو أَكثر فَقَالَ لامْرَأَته يَا أُخْت بنى فراس مَا هَذَا قَالَت لَا وقرة عينى لهى الْآن أَكثر مِمَّا كَانَت قبل بِثَلَاث مَرَّات فاكل مِنْهَا أَبُو بكر ... الحَدِيث
فَنَقُول السِّرّ فِيهِ وَالْعلم عِنْد الله إِن كَانَ أَبُو بكر قصد تَكْثِير الطَّعَام احْتِيَاجه إِلَى إشباع الأضياف الَّذين أمره النبى ﷺ بهم وَإِن لم يكن قصد ذَلِك بل كثره الله ببركته فهى كَرَامَة أظهرها الله على يَدَيْهِ من غير قصد مِنْهُ فَلَا يبْحَث عَنْهَا
وَمِنْهَا على يَد أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر الْفَارُوق رضى الله عَنهُ
الذى قَالَ فِيهِ النبى ﷺ (لقد كَانَ فِيمَن قبلكُمْ نَاس محدثون فَإِن يَك فى أمتى أحد فَإِنَّهُ عمر)
قصَّة سَارِيَة بن زنيم الخلجى
كَانَ عمر قد أَمر سَارِيَة على جَيش من جيوش الْمُسلمين وجهزه إِلَى بِلَاد فَارس فَاشْتَدَّ على عسكره الْحَال على بَاب نهاوند وَهُوَ يحاصرها وَكَثُرت جموع الْأَعْدَاء وَكَاد
стр. 657
الْمُسلمُونَ ينهزمون وَعمر رضى الله عَنهُ بِالْمَدِينَةِ فَصَعدَ الْمِنْبَر وخطب ثمَّ اسْتَغَاثَ فى أثْنَاء خطبَته بأعلا صَوته يَا سَارِيَة الْجَبَل يَا سَارِيَة الْجَبَل من استرعى الذِّئْب الْغنم فقد ظلم فَأَسْمع الله سَارِيَة وجيوشه أَجْمَعِينَ وهم على بَاب نهاوند صَوت عمر فلجأوا إِلَى الْجَبَل وَقَالُوا هَذَا صَوت أَمِير الْمُؤمنِينَ فنجوا وانتصروا
هَذَا ملخصها وَسمعت الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ يزِيد فِيهَا أَن عليا رضى الله عَنهُ كَانَ حَاضرا فَقيل لَهُ مَا هَذَا الذى يَقُوله أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَيْنَ سَارِيَة منا الْآن فَقَالَ كرم الله وَجهه دَعوه فَمَا دخل فى أَمر إِلَّا وَخرج مِنْهُ ثمَّ تبين الْحَال بِالآخِرَة
قلت عمر رضى الله عَنهُ لم يقْصد إِظْهَار هَذِه الْكَرَامَة وَإِنَّمَا كشف لَهُ وَرَأى الْقَوْم عيَانًا وَكَانَ كمن هُوَ بَين أظهرهم أَو طويت الأَرْض وَصَارَ بَين أظهرهم حَقِيقَة وَغَابَ عَن مَجْلِسه بِالْمَدِينَةِ واشتغلت حواسه بِمَا دهم الْمُسلمين بنهاوند فخاطب أَمِيرهمْ خطاب من هُوَ مَعَه إِذْ هُوَ حَقِيقَة أَو كمن هُوَ مَعَه
وَاعْلَم أَن مَا يجربه الله على لِسَان أوليائه من هَذِه الْأُمُور يحْتَمل أَن يعرفوا بهَا وَيحْتَمل أَن لَا يعرفوا بهَا وهى كَرَامَة على كلا الْحَالين
وَمِنْهَا قصَّة الزلزلة
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ ﵀ فى كتاب الشَّامِل إِن الأَرْض زلزلت فى زمن عمر رضى الله عَنهُ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَالْأَرْض ترجف وترتج ثمَّ ضربهَا بِالدرةِ وَقَالَ أقرى ألم أعدل عَلَيْك فاستقرت من وَقتهَا
قلت كَانَ عمر رضى الله عَنهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ على الْحَقِيقَة فى الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَخَلِيفَة الله فى أرضه وفى ساكنى أرضه فَهُوَ يُعَزّر الأَرْض ويؤدبها بِمَا يصدر مِنْهَا كَمَا يُعَزّر ساكنيها على خطيئاتهم
فَإِن قلت أيجب على الأَرْض تَعْزِير وهى غير مكلفة
قلت هَذَا الْآن جهل وقصور على ظواهر الْفِقْه اعْلَم أَن أَمر الله وقضاءه متصرف فى
стр. 658
جَمِيع مخلوقاته ثمَّ مِنْهُ ظَاهر وباطن فَالظَّاهِر مَا يبْحَث عَنهُ الْفُقَهَاء من أَحْكَام الْمُكَلّفين وَالْبَاطِن مَا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَقد يطلع عَلَيْهِ بعض أصفيائه وَمِنْهُم الْفَارُوق سقى الله عَهده فَإِذا ارتجت الأَرْض بَين يدى من اسْتَوَى عِنْده الظَّاهِر وَالْبَاطِن عزرها كَمَا إِذا زل الْمَرْء بَين يدى الْحَاكِم وَانْظُر خطابه لَهَا وَقَوله (ألم أعدل عَلَيْك) وَالْمعْنَى وَالله أعلم أَنَّهَا إِذا وَقع عَلَيْهَا جور الْوُلَاة جديرة بِأَن ترتج غير ملومة على التزلزل بِمَا على ظهرهَا وَأما إِذا لم يكن جور بل كَانَ الحكم بِالْقِسْطِ قَائِما فَفِيمَ الارتجاج وعَلى م القلق وَلم يَأْتِ الْوَقْت الْمَعْلُوم فَمَا لَهَا أَن ترتج إِلَّا فى وَقْتَيْنِ أَحدهمَا الْوَقْت الْمَعْلُوم الْمشَار إِلَيْهِ فى قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا﴾ فَإِن ذَلِك إِلَيْهَا وَذَلِكَ إِذا قَالَ الْإِنْسَان مَالهَا حدثت هى بأخبارها وَذكرت أَن الله أوحى لَهَا على مَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا وأخرجت الأَرْض أثقالها وَقَالَ الْإِنْسَان مَا لَهَا يَوْمئِذٍ تحدث أَخْبَارهَا بِأَن رَبك أوحى لَهَا﴾ والثانى وَقت وُقُوع الْجور عَلَيْهَا من الْوُلَاة فَإِنَّهَا تعذر إِذْ ذَاك فَإِن قلت من أَيْن لَك هَذَا
قلت من قَول عمر الذى أَشَرنَا إِلَيْهِ وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا ﴿تكَاد السَّمَاوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا أَن دعوا للرحمن ولدا﴾ لِأَنَّهُ دلّت على الأَرْض تكَاد تَنْشَق بِالْفُجُورِ الْوَاقِع عَلَيْهَا فلولا يمْسِكهَا الله لَكَانَ
وَاعْلَم أَن هَذَا الذى خضناه بَحر لَا سَاحل لَهُ والرأى أَن نمسك عنان الْكَلَام والموفق يُؤمن بِمَا نُرِيد والشقى يجهل وَلَا يجدى فِيهِ الْبَيَان وَلَا يُفِيد وَمِنْهُم شقى وَمِنْهُم سعيد
وَيقرب من قصَّة الزلزلة
стр. 659
قصَّة النّيل
وَذَلِكَ أَن النّيل كَانَ فى الْجَاهِلِيَّة لَا يجرى حَتَّى تلقى فِيهِ جَارِيَة عذراء فى كل عَام فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَجَاء وَقت جَرَيَان النّيل فَلم يجر أَتَى أهل مصر عَمْرو بن الْعَاصِ فأخبروه أَن لنيلهم سنة وَهُوَ أَنه لَا يجرى حَتَّى تلقى فِيهِ جَارِيَة بكر بَين أَبَوَيْهَا وَيجْعَل عَلَيْهَا من الحلى وَالثيَاب أفضل مَا يكون فَقَالَ لَهُم عَمْرو بن الْعَاصِ إِن هَذَا لَا يكون وَإِن الْإِسْلَام يهدم مَا قبله فأقاموا ثَلَاثَة أشهر لَا يجرى قَلِيلا وَلَا كثيرا حَتَّى هموا بالجلاء فَكتب عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى عمر بن الْخطاب بذلك فَكتب إِلَيْهِ عمر قد أصبت إِن الْإِسْلَام يهدم مَا قبله وَقد بعثت إِلَيْك بطاقة فَأَلْقِهَا فى النّيل فَفتح عَمْرو البطاقة قبل إلقائها فَإِذا فِيهَا من عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى نيل مصر أما بعد فَإِن كنت تجرى من قبلك فَلَا تجر وَإِن كَانَ الله الْوَاحِد القهار هُوَ الذى يجريك فنسأل الله الْوَاحِد القهار أَن يجريك فَألْقى عَمْرو البطاقة فى النّيل قبل يَوْم الصَّلِيب وَقد تهَيَّأ أهل مصر للجلاء وَالْخُرُوج مِنْهَا فَأَصْبحُوا وَقد أجراه الله سِتَّة عشر ذِرَاعا فى لَيْلَة
فَانْظُر إِلَى عمر كَيفَ يُخَاطب المَاء ويكاتبه ويكلم الأَرْض ويؤدبها وَإِذا قَالَ لَك الْمَغْرُور أَيْن أصل ذَلِك فى السّنة قل أَيهَا المتعثر فى أذيال الجهالات أيطالب الْفَارُوق بِأَصْل وَإِن شِئْت أصلا فهاك أصولا لَا أصلا وَاحِدًا أَلَيْسَ قد حن الْجذع إِلَى الْمُصْطَفى ﷺ حَتَّى ضمه إِلَيْهِ أَلَيْسَ شكى إِلَيْهِ الْبَعِير مَا بِهِ أَلَيْسَ فى قصَّة الظبية حجَّة وَالْأُصُول فى هَذَا النَّوْع لَا تَنْحَصِر وَسَنذكر مَالك أَن تضمه إِلَى هَذَا فى تَرْجَمَة الإِمَام فَخر الدّين فى مَسْأَلَة تَسْبِيح الجمادات حَيْثُ نرد عَلَيْهِ ثمَّ إِنْكَاره لذَلِك
وَمِنْهَا قصَّة النَّار الْخَارِجَة من الْجَبَل
كَانَت تخرج من كَهْف فى جبل فتحرق مَا أَصَابَت فَخرجت فى زمن عمر فَأمر أَبَا مُوسَى الأشعرى أَو تميما الدارى أَن يدخلهَا الْكَهْف فَجعل يحبسها بردائه حَتَّى أدخلها الْكَهْف فَلم تخرج بعد
قلت وَلَعَلَّه قصد بذلك منع أذاها
стр. 660
وَمِنْهَا أَنه عرض جَيْشًا يَبْعَثهُ إِلَى الشَّام فعرضت لَهُ طَائِفَة فَأَعْرض عَنْهُم ثمَّ عرضت عَلَيْهِ ثَانِيًا فَأَعْرض عَنْهُم ثمَّ عرضت ثَالِثا فَأَعْرض فَتبين بِالآخِرَة أَنه كَانَ فيهم قَاتل عُثْمَان وَقَاتل على
وَمِنْهَا على يَد عُثْمَان ذى النورين رضى الله عَنهُ
دخل إِلَيْهِ رجل كَانَ قد لقى امْرَأَة فى الطَّرِيق فتأملها فَقَالَ لَهُ عُثْمَان رضى الله عَنهُ يدْخل أحدكُم وفى عَيْنَيْهِ أثر الزِّنَا فَقَالَ الرجل أوحى بعد رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا وَلكنهَا فراسة
قلت إِنَّمَا أظهر عُثْمَان هَذَا تأديبا لهَذَا الرجل وزجرا لَهُ عَن سوء صَنِيعه
وَاعْلَم أَن الْمَرْء إِذا صفا قلبه صَار ينظر بِنور الله فَلَا يَقع بَصَره على كدر أَوْصَاف إِلَّا عرفه ثمَّ تخْتَلف المقامات فَمنهمْ من يعرف أَن هُنَاكَ كدرا وَلَا يدرى مَا أَصله وَمِنْهُم من يكون أعلا من هَذَا الْمقَام فيدرى أَصله كَمَا اتّفق لعُثْمَان رضى الله عَنهُ فَإِن تَأمل الرجل للْمَرْأَة أورثه كدرا فَأَبْصَرَهُ عُثْمَان وَفهم سَببه
وَهنا دقيقة وَهُوَ أَن كل مَعْصِيّة لَهَا كدر وتورث نُكْتَة سَوْدَاء فى الْقلب بِقَدرِهَا فَتكون رينا على مَا قَالَ تَعَالَى ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إِلَى أَن يستحكم وَالْعِيَاذ بِاللَّه فيظلم الْقلب وتغلق أَبْوَاب النُّور فيطبع عَلَيْهِ فَلَا يبْقى سَبِيل إِلَى تَوْبَته على مَا قَالَ تَعَالَى ﴿وطبع على قُلُوبهم فهم لَا يفقهُونَ﴾ وَقد أوضحنا هَذَا فى كتاب رفع الحوبة بِوَضْع التَّوْبَة فى بَاب أَن المطبوع لَا تَوْبَة لَهُ
إِذا عرفت هَذَا فالصغيرة من المعاصى تورث كدرا صَغِيرا بِقَدرِهَا قريب المحو بالاستغفار وَغَيره من المكفرات وَلَا يُدْرِكهُ إِلَّا ذُو بصر حاد كعثمان رضى الله عَنهُ حَيْثُ أدْرك هَذَا الكدر الْيَسِير فَإِن تَأمل الْمَرْأَة من أيسر الذُّنُوب وأدركه عُثْمَان وَعرف أَصله وَهَذَا
стр. 661
مقَام عَال يخضع لَهُ كثير من المقامات وَإِذا انْضَمَّ إِلَى الصَّغِيرَة صَغِيرَة أُخْرَى ازْدَادَ الكدر وَإِذا تكاثرت الذُّنُوب بِحَيْثُ وصلت وَالْعِيَاذ بِاللَّه إِلَى مَا وصفناه من ظلام الْقُلُوب صَار بِحَيْثُ يُشَاهِدهُ كل ذى بصر فَمن رأى متضمخا بالمعاصى قد أظلم قلبه وَلم يتفرس فِيهِ ذَلِك فَليعلم أَنه إِنَّمَا لم يبصره لما عِنْده أَيْضا من الْعَمى الْمَانِع للإبصار وَإِلَّا فَلَو كَانَ بَصيرًا لَأبْصر هَذَا الظلام الداجى فبقدر بَصَره يبصر فَافْهَم مَا نتحفك بِهِ
وَمِنْهَا على يَد على المرتضى أَمِير الْمُؤمنِينَ رضى الله عَنهُ
روى أَن عليا وولديه الْحسن وَالْحُسَيْن رضى الله عَنْهُم سمعُوا قَائِلا يَقُول فى جَوف اللَّيْل
(يَا من يُجيب دَعَا الْمُضْطَر فى الظُّلم ... يَا كاشف الضّر والبلوى مَعَ السقم)
(قد نَام وفدك حول الْبَيْت وانتبهوا ... وَعين جودك يَا قيوم لم تنم)
(هَب لى بجودك فضل الْعَفو عَن زللى ... يَا من إِلَيْهِ رَجَاء الْخلق فى الْحرم)
(إِن كَانَ عفوك لَا يرجوه ذُو خطأ ... فَمن يجود على العاصين بِالنعَم)
فَقَالَ على رضى الله عَنهُ لوَلَده اطلب لى هَذَا الْقَائِل فَأَتَاهُ فَقَالَ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأقبل يجر شقَّه حَتَّى وقف بَين يَدَيْهِ فَقَالَ قد سَمِعت خطابك فَمَا قصتك فَقَالَ إنى كنت رجلا مَشْغُولًا بالطرب والعصيان وَكَانَ والدى يعظنى وَيَقُول إِن لله سطوات ونقمات وَمَا هى من الظَّالِمين بِبَعِيد فَلَمَّا ألح فى الموعظة ضَربته فَحلف ليدعون على ويأتى مَكَّة مستغيثا إِلَى الله فَفعل ودعا فَلم يتم دعاؤه حَتَّى جف شقى الْأَيْمن فندمت على مَا كَانَ منى وداريته وأرضيته إِلَى أَن ضمن لى أَنه يَدْعُو لى حَيْثُ دَعَا على فَقدمت إِلَيْهِ نَاقَة فأركبته فنفرت النَّاقة ورمت بِهِ بَين صخرتين فَمَاتَ هُنَاكَ فَقَالَ لَهُ على رضى الله عَنهُ رضى الله عَنْك إِن كَانَ أَبوك رضى عَنْك فَقَالَ الله كَذَلِك فَقَامَ على كرم الله وَجهه وَصلى رَكْعَات ودعا بدعوات أسرها إِلَى الله ثمَّ قَالَ يَا مبارك
стр. 662
قُم فَقَامَ وَمَشى وَعَاد إِلَى الصِّحَّة كَمَا كَانَ ثمَّ قَالَ لَوْلَا أَنَّك حَلَفت أَن أَبَاك رضى عَنْك مَا دَعَوْت لَك
قلت أما الدُّعَاء فَلَا إِشْكَال فِيهِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِظْهَار كَرَامَة وَلَكنَّا نبحث فى هَذَا الْأَمر فى موضِعين أَحدهمَا فِيمَا نَحن بصدده من السِّرّ فى إِظْهَاره كرم الله وَجهه الْكَرَامَة فى قَوْله قُم
فَنَقُول لَعَلَّه لما دَعَا أذن لَهُ أَن يَقُول ذَلِك أَو رأى أَن قِيَامه مَوْقُوف بِإِذن الله تَعَالَى على هَذَا الْمقَال فَلم يكن من ذكره بُد
والثانى كَونه صلى رَكْعَات وَلم يقْتَصر على رَكْعَتَيْنِ
فَنَقُول ينبغى للداعى أَن يبْدَأ بِعَمَل صَالح يتنور بِهِ قلبه ليعقبه الدُّعَاء وَلذَلِك كَانَ الدُّعَاء عقيب المكتوبات أقرب إِلَى الإجابات وَمن أفضل الْأَعْمَال الصَّلَاة وَقد جَاءَ فى أَحَادِيث كَثِيرَة الْأَمر بتقديمها على الدُّعَاء عِنْد الْحَاجَات وَأَقل الصَّلَاة رَكْعَتَانِ فَإِن حصل نور بهَا وأشرقت علائم الْقبُول فَالْأولى الدُّعَاء عقيبها وَإِلَّا فَليصل الْمَرْء إِلَى أَن تلوح أَمَارَات الْقبُول فَيعرض إِذْ ذَاك عَن الصَّلَاة ويفتتح الدُّعَاء فَإِنَّهُ أقرب إِلَى الْإِجَابَة وللكلام فى هَذَا الْمقَام سبح طَوِيل لسنا لَهُ الْآن
وَمِنْهَا على يَد الْعَبَّاس عَم النبى ﷺ
فى استسقائه عَام الرَّمَادَة وَذَلِكَ أَن الأَرْض أجدبت فى زمَان عمر رضى الله عَنهُ وَكَانَت الرّيح تذرى تُرَابا كالرماد لشدَّة الجدب فَسمى عَام الرَّمَادَة لذَلِك وَقيل إِنَّمَا سمى بذلك لِكَثْرَة من هلك فِيهِ والرمد الْهَلَاك فَخرج عمر بِالْعَبَّاسِ بن عبد الْمطلب رضى الله عَنْهُمَا يستسقى فَأخذ بضبعيه وأشخصه قَائِما ثمَّ أشخص إِلَى السَّمَاء وَقَالَ اللَّهُمَّ
стр. 663
إِنَّا نتقرب إِلَيْك بعم نبيك وقفية آبَائِهِ وَكبر رِجَاله فَإنَّك تَقول وقولك الْحق ﴿وَأما الْجِدَار فَكَانَ لغلامين يتيمين فِي الْمَدِينَة وَكَانَ تَحْتَهُ كنز لَهما وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا﴾ فحفظتهما لصلاح أَبِيهِمَا فاحفظ اللَّهُمَّ نبيك فى عَمه فقد دلونا بِهِ إِلَيْك مستشفعين ومستغفرين ثمَّ أقبل على النَّاس فَقَالَ ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا﴾ إِلَى قَوْله ﴿أَنهَارًا﴾ وَالْعَبَّاس قد طَال عمر وَعَيناهُ تَنْضَحَانِ وسبابته تجول على صَدره وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ أَنْت الراعى لَا تهمل الضَّالة وَلَا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الصَّغِير ورق الْكَبِير وَارْتَفَعت الشكوى وَأَنت تعلم السِّرّ وأخفى اللَّهُمَّ فأغثهم بغياثك قبل أَن يقنطوا فيهلكوا فَإِنَّهُ لَا ييأس من روحك إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ اللَّهُمَّ فأغثهم بغياثك فقد تقرب إِلَى الْقَوْم لمكانى من نبيك ﵇ فَنَشَأَتْ طريرة من سَحَاب وَقَالَ النَّاس ترَوْنَ
стр. 664
ترَوْنَ ثمَّ تلامت واستتمت ومشت فِيهَا ريح ثمَّ هدت وَدرت فَمَا برح الْقَوْم حَتَّى اعتلقوا الْحذاء وقلصوا المآزر وخاضوا المَاء إِلَى الركب ولاذ النَّاس بِالْعَبَّاسِ يمسحون أردانه وَيَقُولُونَ هَنِيئًا لَك ساقى الْحَرَمَيْنِ فأمرع الله الْحباب وأخصب الْبِلَاد ورحم الْعباد
قلت فَهَذِهِ دَعْوَة مستجابة ببركة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَلم يكن فِيهَا قصد إِلَى إِظْهَار كَرَامَة بل استسقاء عِنْد احْتِيَاج الْخلق
وهى مثل مَا ظهر على يَد سعد بن أَبى وَقاص رضى الله عَنهُ
وَذَلِكَ أَنه كَانَ يَوْم الْقَادِسِيَّة متألما من دمل لم يسْتَطع الرّكُوب لأَجله فَجَلَسَ فى قصر يشرف على النَّاس فَقَالَ فى ذَلِك بعض الشُّعَرَاء مقَالا بلغه رضى الله عَنهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ اكْفِنَا لِسَانه وَيَده فخرس لِسَانه وشلت يَده وَكَانَ سعد رضى الله عَنهُ مجاب الدعْوَة لِأَن رَسُول الله ﷺ دَعَا لَهُ بذلك فَقَالَ (اللَّهُمَّ سدد سَهْمه وأجب دَعوته) فَكَانَ لَا يَدْعُو بشئ إِلَّا أجَاب الله دعاءه فِيهِ وَكَانَ الصَّحَابَة يعْرفُونَ ذَلِك مِنْهُ وَلما عَزله عمر رضى الله عَنهُ من الْكُوفَة بشكوى أَهلهَا وَكَانَ عمر رضى الله عَنهُ قد قَالَ لَا يشكو إِلَى أهل مَوضِع عاملهم إِلَّا عزلته وَذَلِكَ وَالله أعلم لمعنيين
أَحدهمَا لِأَنَّهُ رأى أَن الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم كلهم عدُول والاستبدال مُمكن والثانى أَنه لم يكن للأولين رَغْبَة فى الْولَايَة وَإِنَّمَا كَانُوا يفعلونها امتثالا لأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ وانقيادا لطاعة الله وَرَسُوله ﷺ ورجاء ثَوَاب الله فى إِقَامَة الْحق فَإِذا عزل أحدهم كَانَ الْعَزْل أحب إِلَيْهِ من الْولَايَة فَلَا يؤلم ذَلِك قلبه فَلذَلِك كَانَ عمر رضى الله عَنهُ وَالله أعلم يخْتَار عزل المشكو على الْإِطْلَاق بِمُجَرَّد الشكوى وَإِن كَانَ عِنْده
стр. 665
عدلا ورعا منزها عَمَّا قيل فِيهِ لِأَنَّهُ يجمع بعزله بَين إِدْخَال السرُور على قلبه بالإقالة وعَلى الشاكين بِقطع النزاع وَكَانَ مَعَ ذَلِك لَا يغْفل الْبَحْث عَن أَحْوَال الراعى والرعية حَتَّى يطلع على صدق الشاكى من غَيره فَلَمَّا عزل سَعْدا وَولى مَكَانَهُ عمار بن يَاسر رضى الله عَنْهُمَا بعث مَعَ سعد من يسْأَل عَنهُ أهل الْكُوفَة فَلم يدع مَسْجِدا حَتَّى سَأَلَ عَنهُ فيثنون خيرا حَتَّى دخل مَسْجِدا لبنى عبس فَقَامَ رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ أُسَامَة بن قَتَادَة ويكنى أَبَا سعدة فَقَالَ أما إِذْ نَشَدتنَا فَإِن سَعْدا كَانَ لَا يسير بالسرية وَلَا يقسم بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يعدل فى الْقَضِيَّة فَقَالَ سعد أما وَالله لأدعون بِثَلَاث اللَّهُمَّ إِن كَانَ عَبدك هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاء وَسُمْعَة فأطل عمره وأطل فقره وَعرضه للفتن قَالَ عبد الْملك بن عُمَيْر من رُوَاة الحَدِيث فَأَنا رَأَيْته قد سقط حاجباه على عَيْنَيْهِ من الْكبر وَإنَّهُ ليتعرض للجوارى فى الطَّرِيق يغمزهن وَكَانَ بعد إِذا سُئِلَ يَقُول شيخ كَبِير مفتون أصابتنى دَعْوَة سعد
وَأَرَادَ عمر رضى الله عَنهُ أَن يرد سَعْدا بعد ذَلِك إِلَى الْكُوفَة فَامْتنعَ
وَأَقْبل سعد يَوْمًا بِرَجُل يسب عليا وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر رضى الله عَنْهُم فَنَهَاهُ فَكَأَنَّمَا زَاده إغراء فَقَالَ لَهُ وَيلك مَا تُرِيدُ إِلَى أَقوام خير مِنْك لتنتهين أَو لأدعون عَلَيْك فَقَالَ هاه فَكَأَنَّمَا تخوفنى يعْنى نَبيا من الْأَنْبِيَاء فَدخل سعد دَارا فَتَوَضَّأ وَدخل مَسْجِدا فَقَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَ عَبدك هَذَا يسب أَقْوَامًا قد سبقت لَهُم مِنْك الْحسنى حَتَّى أسخطك بسبه إيَّاهُم فأرنى فِيهِ الْيَوْم آيَة تكون آيَة للْمُؤْمِنين فَخرجت بُخْتِيَّة من دَار قوم وَأَقْبَلت لَا يصد صدرها شئ حَتَّى انْتَهَت إِلَيْهِ وتفرق النَّاس فَجَعَلته بَين قَوَائِمهَا ووطئته حَتَّى طفئ
وَمِنْهَا على يَد ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا
حَيْثُ قَالَ للأسد الذى منع النَّاس الطَّرِيق تَنَح فبصبص بِذَنبِهِ وَذهب
стр. 666
وعَلى يَد الْعَلَاء بن الحضرمى رضى الله عَنهُ
وَقد بَعثه النبى ﷺ فى غزَاة بِجَيْش فحال بَينهم وَبَين الْموضع الْبَحْر فَدَعَا الله وَمَشوا على المَاء
وَمَا جَاءَ أَنه كَانَ بَين يدى
سلمَان وأبى الدَّرْدَاء
رضى الله عَنْهُمَا قَصْعَة فسبحت حَتَّى سمعا التَّسْبِيح
وَمَا اشْتهر أَن
عمرَان بن حُصَيْن
رضى الله عَنهُ كَانَ يسمع تَسْبِيح الْمَلَائِكَة حَتَّى اكتوى فانحبس ذَلِك عَنهُ ثمَّ أَعَادَهُ الله عَلَيْهِ
وَمَا اشْتهر من قصَّة
خَالِد بن الْوَلِيد رضى الله عَنهُ
وهى أَنه شرب السم وَلم يضرّهُ
فَإِن قلت مَا بَال الكرامات فى زمن الصَّحَابَة وَإِن كثرت فى نَفسهَا قَليلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يرْوى من الكرامات الكائنة بعدهمْ على يَد الْأَوْلِيَاء
فَالْجَوَاب أَولا مَا أجَاب بِهِ الإِمَام الْجَلِيل أَحْمد ابْن حَنْبَل رضى الله عَنهُ حَيْثُ سُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ أُولَئِكَ كَانَ إِيمَانهم قَوِيا فَمَا احتاجوا إِلَى زِيَادَة يقوى بهَا إِيمَانهم وَغَيرهم ضَعِيف الْإِيمَان فى عصره فاحتيج إِلَى تقويته بِإِظْهَار الْكَرَامَة
وَنَظِيره قَول الشَّيْخ السهروردى ﵀ حَيْثُ قَالَ وخرق الْعَادة إِنَّمَا يكاشف بِهِ لموْضِع ضعف يَقِين المكاشف رَحْمَة من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْعباد ثَوابًا معجلا
وَفَوق هَؤُلَاءِ قوم ارْتَفَعت الْحجب عَن قُلُوبهم فَمَا احتاجوا إِلَى ذَلِك
стр. 667
وَثَانِيا أَن يُقَال مَا يظْهر على يدهم رُبمَا اسْتغنى عَنهُ اكْتِفَاء بعظيم مقدارهم ورؤيتهم طلعة الْمُصْطَفى ﷺ ولزومهم طَرِيق الاسْتقَامَة الذى هُوَ أعظم الْكَرَامَة مَعَ مَا فتح على يديهم من الدُّنْيَا وَلَا اشرأبوا لَهَا وَلَا جنحوا نَحْوهَا وَلَا استزلت وَاحِدًا فرضى الله عَنْهُم كَانَت الدُّنْيَا فى أَيْديهم أَضْعَاف مَا هى فى أيدى أهل دُنْيَانَا وَكَانَ إعراضهم عَنْهَا أَشد إِعْرَاض وَهَذَا من أعظم الكرامات وَلم يكن شوقهم إِلَّا إعلاء كلمة الله تَعَالَى وَالدُّعَاء إِلَى جنابه جلّ وَعلا
فَإِن قلت هَب أَنكُمْ دفعتم شبه المنكرين للكرامات فَمَا دليلكم أَنْتُم على إِثْبَاتهَا فَإِن القَوْل فى الدّين نفيا وإثباتا مُحْتَاج إِلَى الدَّلِيل
قلت إِذا انْدفع مَا اسْتدلَّ بِهِ الْخُصُوم على الْمَنْع وَبَطلَت الاستحالة لم يبْق بعْدهَا إِلَّا الْجَوَاز إِذْ لَا وَاسِطَة بَين الْمَنْع والاستحالة ثمَّ فِيمَا ذَكرْنَاهُ من الْوَاقِعَات على يَد الصَّحَابَة مقنع لمن لَهُ أدنى بَصِيرَة ثمَّ إِن أَبيت إِلَّا دَلِيلا خَاصّا ليَكُون أقطع للشغب وأنفى للشبه
فَنَقُول الدَّلِيل على ثُبُوت الكرامات وُجُوه
أَحدهَا وَهُوَ أوحدها مَا شاع وذاع بِحَيْثُ لَا يُنكره إِلَّا جَاهِل معاند من أَنْوَاع الكرامات للْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ الجارى مجْرى شجاعة على وسخاء حَاتِم بل إِنْكَار الكرامات أعظم مباهتة فَإِنَّهُ أشهر وَأظْهر وَلَا يعاند فِيهِ إِلَّا من طمس قلبه وَالْعِيَاذ بِاللَّه
والثانى قصَّة مَرْيَم من جِهَة حبلها من غير ذكر وَحُصُول الرطب الطرى من الْجذع الْيَابِس وَحُصُول الرزق عِنْدهَا فى غَيره أَوَانه وَمن غير حُضُور أَسبَابه على مَا أخبر الله تَعَالَى بقوله ﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا قَالَ يَا مَرْيَم أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله﴾ وهى لم تكن نبية لَا عندنَا وَلَا عِنْد الْخُصُوم
أما عندنَا فلأدلة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة﴾ وَمِنْهَا الْإِجْمَاع على مَا نقل بَعضهم
стр. 668
وَأما عِنْد الْخصم فَلِأَنَّهُ يشْتَرط أَن يكون النبى ذكرا وَنحن لَا نخالفه فى ذَلِك بل نشترط الذُّكُورَة فى الْإِمَامَة وَالْقَضَاء فضلا عَن النُّبُوَّة هَكَذَا ذكر بعض أَئِمَّتنَا فَقَالَ القاضى لم يقم عندى من أَدِلَّة السّمع فى أَمر مَرْيَم وَجه قَاطع فى نفى نبوتها أَو إِثْبَاتهَا
فَإِن قلت لم لَا يجوز أَن تكون معْجزَة لزكريا أَو يكون إرهاصا لولدها عِيسَى ﵈
قلت لِأَن المعجزة تجب أَن تكون بمشهد من الرَّسُول وَالْقَوْم حَتَّى يُقيم الدّلَالَة عَلَيْهِم وَمَا حكيناه من كراماتها نَحْو قَول جِبْرِيل لَهَا ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ لم يكن بِحُضُور أحد بِدَلِيل قَوْله ﴿فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما﴾ وَأَيْضًا فالمعجزة تكون بالتماس الرَّسُول وزَكَرِيا مَا كَانَ يعلم بِحُصُول ذَلِك لقَوْله ﴿أَنى لَك هَذَا﴾
وَأَيْضًا فَهَذِهِ الخوارق إِنَّمَا ذكرت لتعظيم شَأْن مَرْيَم فَيمْتَنع وُقُوعهَا كَرَامَة لغَيْرهَا
وَلَا يجوز أَن تكون إرهاصا لعيسى ﵇ لِأَن الإرهاص أَن يخْتَص الرَّسُول قبل رسَالَته بالكرامات فَأَما مَا يحصل بِهِ كَرَامَة الْغَيْر لأجل أَنه سيجىء بعد ذَلِك فَذَلِك هُوَ الْكَرَامَة الَّتِى يدعيها وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ ذَلِك لجَاز فى كل معْجزَة ظَهرت على يَد مدعى الرسَالَة أَن تكون إرهاصا لنبى آخر يجىء بعد ذَلِك وتجويز هَذَا يُؤدى إِلَى سد بَاب الِاسْتِدْلَال بالمعجزة على النُّبُوَّة
وَقَرِيب من قصَّة مَرْيَم قصَّة أم مُوسَى ﵇ وَمَا كَانَ من إلهام الله تَعَالَى إِيَّاهَا حَتَّى طابت نَفسهَا بإلقاء وَلَدهَا فى اليم إِلَى غير ذَلِك مِمَّا خصت بِهِ أفترى ذَلِك سدى
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلم يصر أحد من أهل التواريخ ونقلة الأقاصيص إِلَى أَنَّهَا كَانَت نبية صَاحِبَة معْجزَة
стр. 669
وَالثَّالِث التَّمَسُّك بِقصَّة أَصْحَاب الْكَهْف فَإِن لبثهم ثَلَاث مائَة سِنِين وأزيد نياما أَحيَاء من غير آفَة مَعَ بَقَاء الْقُوَّة العادية بِلَا غذَاء وَلَا شراب من جملَة الخوارق وَلم يَكُونُوا أَنْبيَاء فَلم تكن معْجزَة فَتعين كَونهَا كَرَامَة
وَادّعى إِمَام الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاق الْمُسلمين على أَنهم لم يَكُونُوا أَنْبيَاء وَإِنَّمَا كَانُوا على دين ملك فى زمانهم يعبد الْأَوْثَان فَأَرَادَ الله أَن يهْدِيهم فشرح صُدُورهمْ لِلْإِسْلَامِ وَلم يكن ذَلِك عَن دَعْوَة دَاع دعاهم وَلَكنهُمْ لما وقفُوا تَفَكَّرُوا وتدبروا ونظروا فاستبان لَهُم ضلال صَاحبهمْ وَرَأَوا أَن يُؤمنُوا بفاطر السَّمَوَات وَالْأَرضين ومبدع الْخَلَائق أَجْمَعِينَ
وَلَا يُمكن أَن يَجْعَل ذَلِك معْجزَة لنبى آخر
أما أَولا فلأنهم أخفوه حَيْثُ قَالُوا ﴿وَلَا يشعرن بكم أحدا﴾ والمعجزة لَا يُمكن إِخْفَاؤُهَا
وَأما ثَانِيًا فَلِأَن المعجزة يجب الْعلم بهَا وبقاءهم هَذِه الْمدَّة لَا يُمكن علم الْخلق بِهِ لِأَن الْخلق لم يشاهدوه فَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بإخبارهم لَو صَحَّ أَنهم يعلمُونَ ذَلِك وإخبارهم بذلك إِنَّمَا يُفِيد إِذا ثَبت صدقهم بِدَلِيل آخر وَهُوَ غير حَاصِل وَأما إِثْبَات صدقهم بِهَذَا الْأَمر فدور مُمْتَنع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يثبت هَذَا الْأَمر إِذا ثَبت صدقهم فَلَو توقف صدقهم عَلَيْهِ لدار
وَأما ثَالِثا فَإِنَّهُ لَيْسَ لذَلِك النبى ذكر وَلَا دَلِيل يدل عَلَيْهِ فإثبات المعجزة لَهُ لَا فَائِدَة فِيهِ لِأَن فَائِدَة المعجزة التَّصْدِيق وتصديق وَاحِد غير معِين محَال
الرَّابِع التَّمَسُّك بقصص شَتَّى مثل قصَّة آصف بن برخيا مَعَ سُلَيْمَان ﵇ فى حمل عرش بلقيس إِلَيْهِ قبل أَن يرْتَد إِلَيْهِ طرفه على قَول أَكثر الْمُفَسّرين بِأَنَّهُ المُرَاد بالذى عِنْده علم من الْكتاب وَمَا قدمْنَاهُ عَن الصَّحَابَة وَمَا تَوَاتر عَمَّن بعدهمْ من الصَّالِحين وَخرج عَن حد الْحصْر وَلَو أَرَادَ الْمَرْء استيعابه لما كفته أوساق أحمال وَلَا أوقار جمال ومازال النَّاس فى الْأَعْصَار السَّابِقَة وهم بِحَمْد الله إِلَى الْآن فى الْأَزْمَان اللاحقة وَلَكنَّا نستدل بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ فقد كَانُوا من قبل مَا نبغ النابغون وَنَشَأ الزائغون يتفاوضون
стр. 670
فى كرامات الصَّالِحين وينقلون مَا جرى من ذَلِك لعباد بنى إِسْرَائِيل فَمن بعدهمْ وَكَانَت الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم من أَكثر النَّاس خوضا فى ذَلِك
الْخَامِس مَا أعطَاهُ الله تَعَالَى لعلماء هَذِه الْأمة وأوليائها من الْعُلُوم حَتَّى صنفوا كتبا كَثِيرَة لَا يُمكن غَيرهم نسخهَا فى مُدَّة عمر مصنفها مَعَ التَّوْفِيق لدقائق تخرج عَن حد الْحصْر واستنباطات تطرب ذوى النهى واستخراجات لمعان شَتَّى من الْكتاب وَالسّنة تطبق طبق الأَرْض وَتَحْقِيق للحق وَإِبْطَال للباطل وَمَا صَبَرُوا عَلَيْهِ من المجاهدات والرياضات وَالدَّعْوَى إِلَى الْحق وَالصَّبْر على أَنْوَاع الْأَذَى وعزوف أنفسهم عَن لذات الدُّنْيَا مَعَ نِهَايَة عُقُولهمْ وذكائهم وفطنتهم وَمَا حبب إِلَيْهِم من الدأب فى الْعُلُوم وكد النَّفس فى تَحْصِيلهَا بِحَيْثُ إِذا تَأمل المتأمل مَا أَعْطَاهُم الله مِنْهُ عرف أَنه أعظم من إِعْطَائِهِ بعض عبيده كسرة خبز فى أَرض مُنْقَطِعَة وشربة مَاء فى مفازة وَنَحْوهمَا مِمَّا يعد كَرَامَة
فَإِن قلت قد أَكثرْتُم القَوْل فى الكرامات وَمَا أفصحتم بالمختار عنْدكُمْ من الْأَقْوَال المنقولات
قلت هَذَا مقَام معضل خطر والاحتجار على مواهب الله لأوليائه عَظِيم عسر والاتساع فِي التجويز آيل إِلَى فتح بَاب على المعجزات مسدود
وَالَّذِي يتَرَجَّح عِنْدِي القَوْل بتجويز الكرامات على الْإِطْلَاق إِذا لم تخرق عَادَة وبتجويز بعض خوارق العوائد دون بعض فَلَا أمنع كثيرا من الخوارق وَأَمْنَع كثيرا ولي فِي ذَلِك قدوة وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي رَحمَه الله تَعَالَى
فَإِن قلت عرفني مَا تَمنعهُ ومالا تَمنعهُ ليتبين مذهبك
قلت أمنع ولدا من غير أبوين وقلب جماد بَهِيمَة وَنَحْو ذَلِك وسيتضح لَك ذَلِك عِنْد ذكر الْأَنْوَاع الَّتِي أبديها على الْأَثر إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما جُمْهُور أَئِمَّتنَا فعمموا التجويز وأطلقوا القَوْل إطلاقا وَأخذ بعض الْمُتَأَخِّرين يعدد
следующие страницы →