Полный текст (3 926 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وعَلى يَد الْعَلَاء بن الحضرمى رضى الله عَنهُ
وَقد بَعثه النبى ﷺ فى غزَاة بِجَيْش فحال بَينهم وَبَين الْموضع الْبَحْر فَدَعَا الله وَمَشوا على المَاء
وَمَا جَاءَ أَنه كَانَ بَين يدى
سلمَان وأبى الدَّرْدَاء
رضى الله عَنْهُمَا قَصْعَة فسبحت حَتَّى سمعا التَّسْبِيح
وَمَا اشْتهر أَن
عمرَان بن حُصَيْن
رضى الله عَنهُ كَانَ يسمع تَسْبِيح الْمَلَائِكَة حَتَّى اكتوى فانحبس ذَلِك عَنهُ ثمَّ أَعَادَهُ الله عَلَيْهِ
وَمَا اشْتهر من قصَّة
خَالِد بن الْوَلِيد رضى الله عَنهُ
وهى أَنه شرب السم وَلم يضرّهُ
فَإِن قلت مَا بَال الكرامات فى زمن الصَّحَابَة وَإِن كثرت فى نَفسهَا قَليلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يرْوى من الكرامات الكائنة بعدهمْ على يَد الْأَوْلِيَاء
فَالْجَوَاب أَولا مَا أجَاب بِهِ الإِمَام الْجَلِيل أَحْمد ابْن حَنْبَل رضى الله عَنهُ حَيْثُ سُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ أُولَئِكَ كَانَ إِيمَانهم قَوِيا فَمَا احتاجوا إِلَى زِيَادَة يقوى بهَا إِيمَانهم وَغَيرهم ضَعِيف الْإِيمَان فى عصره فاحتيج إِلَى تقويته بِإِظْهَار الْكَرَامَة
وَنَظِيره قَول الشَّيْخ السهروردى ﵀ حَيْثُ قَالَ وخرق الْعَادة إِنَّمَا يكاشف بِهِ لموْضِع ضعف يَقِين المكاشف رَحْمَة من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْعباد ثَوابًا معجلا
وَفَوق هَؤُلَاءِ قوم ارْتَفَعت الْحجب عَن قُلُوبهم فَمَا احتاجوا إِلَى ذَلِك
стр. 667
وَثَانِيا أَن يُقَال مَا يظْهر على يدهم رُبمَا اسْتغنى عَنهُ اكْتِفَاء بعظيم مقدارهم ورؤيتهم طلعة الْمُصْطَفى ﷺ ولزومهم طَرِيق الاسْتقَامَة الذى هُوَ أعظم الْكَرَامَة مَعَ مَا فتح على يديهم من الدُّنْيَا وَلَا اشرأبوا لَهَا وَلَا جنحوا نَحْوهَا وَلَا استزلت وَاحِدًا فرضى الله عَنْهُم كَانَت الدُّنْيَا فى أَيْديهم أَضْعَاف مَا هى فى أيدى أهل دُنْيَانَا وَكَانَ إعراضهم عَنْهَا أَشد إِعْرَاض وَهَذَا من أعظم الكرامات وَلم يكن شوقهم إِلَّا إعلاء كلمة الله تَعَالَى وَالدُّعَاء إِلَى جنابه جلّ وَعلا
فَإِن قلت هَب أَنكُمْ دفعتم شبه المنكرين للكرامات فَمَا دليلكم أَنْتُم على إِثْبَاتهَا فَإِن القَوْل فى الدّين نفيا وإثباتا مُحْتَاج إِلَى الدَّلِيل
قلت إِذا انْدفع مَا اسْتدلَّ بِهِ الْخُصُوم على الْمَنْع وَبَطلَت الاستحالة لم يبْق بعْدهَا إِلَّا الْجَوَاز إِذْ لَا وَاسِطَة بَين الْمَنْع والاستحالة ثمَّ فِيمَا ذَكرْنَاهُ من الْوَاقِعَات على يَد الصَّحَابَة مقنع لمن لَهُ أدنى بَصِيرَة ثمَّ إِن أَبيت إِلَّا دَلِيلا خَاصّا ليَكُون أقطع للشغب وأنفى للشبه
فَنَقُول الدَّلِيل على ثُبُوت الكرامات وُجُوه
أَحدهَا وَهُوَ أوحدها مَا شاع وذاع بِحَيْثُ لَا يُنكره إِلَّا جَاهِل معاند من أَنْوَاع الكرامات للْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ الجارى مجْرى شجاعة على وسخاء حَاتِم بل إِنْكَار الكرامات أعظم مباهتة فَإِنَّهُ أشهر وَأظْهر وَلَا يعاند فِيهِ إِلَّا من طمس قلبه وَالْعِيَاذ بِاللَّه
والثانى قصَّة مَرْيَم من جِهَة حبلها من غير ذكر وَحُصُول الرطب الطرى من الْجذع الْيَابِس وَحُصُول الرزق عِنْدهَا فى غَيره أَوَانه وَمن غير حُضُور أَسبَابه على مَا أخبر الله تَعَالَى بقوله ﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا قَالَ يَا مَرْيَم أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله﴾ وهى لم تكن نبية لَا عندنَا وَلَا عِنْد الْخُصُوم
أما عندنَا فلأدلة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة﴾ وَمِنْهَا الْإِجْمَاع على مَا نقل بَعضهم
стр. 668
وَأما عِنْد الْخصم فَلِأَنَّهُ يشْتَرط أَن يكون النبى ذكرا وَنحن لَا نخالفه فى ذَلِك بل نشترط الذُّكُورَة فى الْإِمَامَة وَالْقَضَاء فضلا عَن النُّبُوَّة هَكَذَا ذكر بعض أَئِمَّتنَا فَقَالَ القاضى لم يقم عندى من أَدِلَّة السّمع فى أَمر مَرْيَم وَجه قَاطع فى نفى نبوتها أَو إِثْبَاتهَا
فَإِن قلت لم لَا يجوز أَن تكون معْجزَة لزكريا أَو يكون إرهاصا لولدها عِيسَى ﵈
قلت لِأَن المعجزة تجب أَن تكون بمشهد من الرَّسُول وَالْقَوْم حَتَّى يُقيم الدّلَالَة عَلَيْهِم وَمَا حكيناه من كراماتها نَحْو قَول جِبْرِيل لَهَا ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ لم يكن بِحُضُور أحد بِدَلِيل قَوْله ﴿فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما﴾ وَأَيْضًا فالمعجزة تكون بالتماس الرَّسُول وزَكَرِيا مَا كَانَ يعلم بِحُصُول ذَلِك لقَوْله ﴿أَنى لَك هَذَا﴾
وَأَيْضًا فَهَذِهِ الخوارق إِنَّمَا ذكرت لتعظيم شَأْن مَرْيَم فَيمْتَنع وُقُوعهَا كَرَامَة لغَيْرهَا
وَلَا يجوز أَن تكون إرهاصا لعيسى ﵇ لِأَن الإرهاص أَن يخْتَص الرَّسُول قبل رسَالَته بالكرامات فَأَما مَا يحصل بِهِ كَرَامَة الْغَيْر لأجل أَنه سيجىء بعد ذَلِك فَذَلِك هُوَ الْكَرَامَة الَّتِى يدعيها وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ ذَلِك لجَاز فى كل معْجزَة ظَهرت على يَد مدعى الرسَالَة أَن تكون إرهاصا لنبى آخر يجىء بعد ذَلِك وتجويز هَذَا يُؤدى إِلَى سد بَاب الِاسْتِدْلَال بالمعجزة على النُّبُوَّة
وَقَرِيب من قصَّة مَرْيَم قصَّة أم مُوسَى ﵇ وَمَا كَانَ من إلهام الله تَعَالَى إِيَّاهَا حَتَّى طابت نَفسهَا بإلقاء وَلَدهَا فى اليم إِلَى غير ذَلِك مِمَّا خصت بِهِ أفترى ذَلِك سدى
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلم يصر أحد من أهل التواريخ ونقلة الأقاصيص إِلَى أَنَّهَا كَانَت نبية صَاحِبَة معْجزَة
стр. 669
وَالثَّالِث التَّمَسُّك بِقصَّة أَصْحَاب الْكَهْف فَإِن لبثهم ثَلَاث مائَة سِنِين وأزيد نياما أَحيَاء من غير آفَة مَعَ بَقَاء الْقُوَّة العادية بِلَا غذَاء وَلَا شراب من جملَة الخوارق وَلم يَكُونُوا أَنْبيَاء فَلم تكن معْجزَة فَتعين كَونهَا كَرَامَة
وَادّعى إِمَام الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاق الْمُسلمين على أَنهم لم يَكُونُوا أَنْبيَاء وَإِنَّمَا كَانُوا على دين ملك فى زمانهم يعبد الْأَوْثَان فَأَرَادَ الله أَن يهْدِيهم فشرح صُدُورهمْ لِلْإِسْلَامِ وَلم يكن ذَلِك عَن دَعْوَة دَاع دعاهم وَلَكنهُمْ لما وقفُوا تَفَكَّرُوا وتدبروا ونظروا فاستبان لَهُم ضلال صَاحبهمْ وَرَأَوا أَن يُؤمنُوا بفاطر السَّمَوَات وَالْأَرضين ومبدع الْخَلَائق أَجْمَعِينَ
وَلَا يُمكن أَن يَجْعَل ذَلِك معْجزَة لنبى آخر
أما أَولا فلأنهم أخفوه حَيْثُ قَالُوا ﴿وَلَا يشعرن بكم أحدا﴾ والمعجزة لَا يُمكن إِخْفَاؤُهَا
وَأما ثَانِيًا فَلِأَن المعجزة يجب الْعلم بهَا وبقاءهم هَذِه الْمدَّة لَا يُمكن علم الْخلق بِهِ لِأَن الْخلق لم يشاهدوه فَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بإخبارهم لَو صَحَّ أَنهم يعلمُونَ ذَلِك وإخبارهم بذلك إِنَّمَا يُفِيد إِذا ثَبت صدقهم بِدَلِيل آخر وَهُوَ غير حَاصِل وَأما إِثْبَات صدقهم بِهَذَا الْأَمر فدور مُمْتَنع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يثبت هَذَا الْأَمر إِذا ثَبت صدقهم فَلَو توقف صدقهم عَلَيْهِ لدار
وَأما ثَالِثا فَإِنَّهُ لَيْسَ لذَلِك النبى ذكر وَلَا دَلِيل يدل عَلَيْهِ فإثبات المعجزة لَهُ لَا فَائِدَة فِيهِ لِأَن فَائِدَة المعجزة التَّصْدِيق وتصديق وَاحِد غير معِين محَال
الرَّابِع التَّمَسُّك بقصص شَتَّى مثل قصَّة آصف بن برخيا مَعَ سُلَيْمَان ﵇ فى حمل عرش بلقيس إِلَيْهِ قبل أَن يرْتَد إِلَيْهِ طرفه على قَول أَكثر الْمُفَسّرين بِأَنَّهُ المُرَاد بالذى عِنْده علم من الْكتاب وَمَا قدمْنَاهُ عَن الصَّحَابَة وَمَا تَوَاتر عَمَّن بعدهمْ من الصَّالِحين وَخرج عَن حد الْحصْر وَلَو أَرَادَ الْمَرْء استيعابه لما كفته أوساق أحمال وَلَا أوقار جمال ومازال النَّاس فى الْأَعْصَار السَّابِقَة وهم بِحَمْد الله إِلَى الْآن فى الْأَزْمَان اللاحقة وَلَكنَّا نستدل بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ فقد كَانُوا من قبل مَا نبغ النابغون وَنَشَأ الزائغون يتفاوضون
стр. 670
فى كرامات الصَّالِحين وينقلون مَا جرى من ذَلِك لعباد بنى إِسْرَائِيل فَمن بعدهمْ وَكَانَت الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم من أَكثر النَّاس خوضا فى ذَلِك
الْخَامِس مَا أعطَاهُ الله تَعَالَى لعلماء هَذِه الْأمة وأوليائها من الْعُلُوم حَتَّى صنفوا كتبا كَثِيرَة لَا يُمكن غَيرهم نسخهَا فى مُدَّة عمر مصنفها مَعَ التَّوْفِيق لدقائق تخرج عَن حد الْحصْر واستنباطات تطرب ذوى النهى واستخراجات لمعان شَتَّى من الْكتاب وَالسّنة تطبق طبق الأَرْض وَتَحْقِيق للحق وَإِبْطَال للباطل وَمَا صَبَرُوا عَلَيْهِ من المجاهدات والرياضات وَالدَّعْوَى إِلَى الْحق وَالصَّبْر على أَنْوَاع الْأَذَى وعزوف أنفسهم عَن لذات الدُّنْيَا مَعَ نِهَايَة عُقُولهمْ وذكائهم وفطنتهم وَمَا حبب إِلَيْهِم من الدأب فى الْعُلُوم وكد النَّفس فى تَحْصِيلهَا بِحَيْثُ إِذا تَأمل المتأمل مَا أَعْطَاهُم الله مِنْهُ عرف أَنه أعظم من إِعْطَائِهِ بعض عبيده كسرة خبز فى أَرض مُنْقَطِعَة وشربة مَاء فى مفازة وَنَحْوهمَا مِمَّا يعد كَرَامَة
فَإِن قلت قد أَكثرْتُم القَوْل فى الكرامات وَمَا أفصحتم بالمختار عنْدكُمْ من الْأَقْوَال المنقولات
قلت هَذَا مقَام معضل خطر والاحتجار على مواهب الله لأوليائه عَظِيم عسر والاتساع فِي التجويز آيل إِلَى فتح بَاب على المعجزات مسدود
وَالَّذِي يتَرَجَّح عِنْدِي القَوْل بتجويز الكرامات على الْإِطْلَاق إِذا لم تخرق عَادَة وبتجويز بعض خوارق العوائد دون بعض فَلَا أمنع كثيرا من الخوارق وَأَمْنَع كثيرا ولي فِي ذَلِك قدوة وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي رَحمَه الله تَعَالَى
فَإِن قلت عرفني مَا تَمنعهُ ومالا تَمنعهُ ليتبين مذهبك
قلت أمنع ولدا من غير أبوين وقلب جماد بَهِيمَة وَنَحْو ذَلِك وسيتضح لَك ذَلِك عِنْد ذكر الْأَنْوَاع الَّتِي أبديها على الْأَثر إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما جُمْهُور أَئِمَّتنَا فعمموا التجويز وأطلقوا القَوْل إطلاقا وَأخذ بعض الْمُتَأَخِّرين يعدد
стр. 671
أَنْوَاع الْوَاقِعَات من الكرامات فَجَعلهَا عشرَة وَهِي أَكثر من ذَلِك وَأَنا أذكر مَا عِنْدِي فِيهَا
النَّوْع الأول إحْيَاء الْمَوْتَى وَاسْتشْهدَ لذَلِك بِقصَّة أبي عبيد البسري فقد صَحَّ أَنه غزا وَمَعَهُ دَابَّة فَمَاتَتْ فَسَأَلَ الله أَن يُحْيِيهَا حَتَّى يرجع إِلَى بسر فَقَامَتْ الدَّابَّة تنفض أذنيها فَلَمَّا فرغ من الْغَزْوَة وَوصل إِلَى بسر أَمر خادمه أَن يَأْخُذ السرج عَن الدَّابَّة فَلَمَّا أَخذه سَقَطت ميتَة
والحكايات فى هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وَمن أواخرها أَن مفرجا الدمامينى وَكَانَ من أَوْلِيَاء الله من أهل الصَّعِيد ذكر أَنه أحضرت عِنْده فراخ مشوية فَقَالَ لَهَا طيرى فطارت أَحيَاء بِإِذن الله تَعَالَى
وَأَن الشَّيْخ الأهدل كَانَت لَهُ هرة ضربهَا خادمه فَمَاتَتْ فَرمى بهَا فى خرابة فَسَأَلَ عَنْهَا الشَّيْخ بعد لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث فَقَالَ الْخَادِم لَا أدرى فَقَالَ الشَّيْخ أما تدرى ثمَّ ناداها فَجَاءَت إِلَيْهِ تجرى
وحكاية الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلانى رضى الله عَنهُ وَوَضعه يَده على عِظَام دجَاجَة كَانَ قد أكلهَا وَقَوله لَهَا قومى بِإِذن الله الذى يحيى الْعِظَام وهى رَمِيم فَقَامَتْ دجَاجَة سوية حِكَايَة مَشْهُورَة
وَذكروا أَن الشَّيْخ أَبَا يُوسُف الدهمانى مَاتَ لَهُ صَاحب فجزع عَلَيْهِ أَهله فَلَمَّا رأى الشَّيْخ شدَّة جزعهم جَاءَ إِلَى الْمَيِّت وَقَالَ لَهُ قُم بِإِذن الله فَقَامَ وعاش بعد ذَلِك زَمنا طَويلا
وحكاية زين الدّين الفارقى الشافعى مدرس الشامية شهيرة وَقد سَمعتهَا من لفظ وَلَده ولى الله الشَّيْخ فتح الدّين يحيى فَحكى لنا مَا سنحكيه فى تَرْجَمَة وَالِده مِمَّا حَاصله أَنه وَقع فى دَاره طِفْل صَغِير من سطح فَمَاتَ فدعى الله فأحياه
стр. 672
وَلَا سَبِيل إِلَى استقصاء مَا يحْكى من هَذَا النَّوْع لكثرته وَأَنا أومن بِهِ غير أَنى أَقُول
لم يثبت عندى أَن وليا حيى لَهُ ميت مَاتَ من أزمان كَثِيرَة بَعْدَمَا صَار عظما رميما ثمَّ عَاشَ بعد مَا حيى لَهُ زَمَانا كثيرا هَذَا الْقدر لم يبلغنَا وَلَا أعتقده وَقع لأحد من الْأَوْلِيَاء وَلَا شكّ فى وُقُوع مثله للأنبياء ﵈ مثل هَذَا يكون معْجزَة وَلَا تنتهى إِلَيْهِ الْكَرَامَة فَيجوز أَن يجىء نبى قبل اختتام النُّبُوَّة بإحياء أُمَم انْقَضتْ قبله بدهور ثمَّ إِذا عاشوا استمروا فى قيد الْحَيَاة أزمانا وَلَا أعتقد الْآن أَن وليا يحيى لنا الشافعى وَأَبا حنيفَة حَيَاة يبقيان مَعهَا زَمَانا طَويلا كَمَا عمرا قبل الْوَفَاة بل وَلَا زَمَانا قَصِيرا يخالطان فِيهِ الْأَحْيَاء كَمَا خالطاهما قبل الْوَفَاة
النَّوْع الثانى كَلَام الْمَوْتَى وَهُوَ أَكثر من النَّوْع قبله وروى مثله عَن أَبى سعيد الخراز رضى الله عَنهُ ثمَّ عَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر رضى الله عَنهُ وَعَن جمَاعَة من آخِرهم بعض مَشَايِخ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ وَلست أُسَمِّيهِ
النَّوْع الثَّالِث انفلاق الْبَحْر وجفافه والمشى على المَاء وكل ذَلِك كثير وَقد اتّفق مثله لشيخ الْإِسْلَام وَسيد الْمُتَأَخِّرين تقى الدّين بن دَقِيق العَبْد
الرَّابِع انقلاب الْأَعْيَان كَمَا حكى أَن الشَّيْخ عِيسَى الهتار الْيُمْنَى أرسل إِلَيْهِ شخص مستهزئا بِهِ إناءين ممتلئين خمرًا فصب أَحدهمَا فى الآخر وَقَالَ بِسم الله كلوا فَأَكَلُوا فَإِذا هُوَ سمن لم ير مثل لَونه وريحه وَقد أَكْثرُوا فى ذكر نَظِير هَذِه الْحِكَايَة
الْخَامِس انزواء الأَرْض لَهُم بِحَيْثُ حكوا أَن بعض الْأَوْلِيَاء كَانَ فى جَامع طرسوس فاشتاق إِلَى زِيَارَة الْحرم فَأدْخل رَأسه فى جبته ثمَّ أخرجه وَهُوَ فى الْحرم
وَالْقدر الْمُشْتَرك من الحكايات فى هَذَا النَّوْع بَالغ مبلغ التَّوَاتُر وَلَا يُنكره إِلَّا مباهت
السَّادِس كَلَام الجمادات والحيوانات وَلَا شكّ فِيهِ وفى كثرته وَمِنْه مَا حكى أَن إِبْرَاهِيم بن أدهم جلس فى طَرِيق بَيت الْمُقَدّس تَحت شَجَرَة رمان فَقَالَت لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاق أكرمنى بِأَن تَأْكُل منى شَيْئا قَالَت ذَلِك ثَلَاثًا وَكَانَت شَجَرَة قَصِيرَة
стр. 673
ورمانها حامضا فَأكل مِنْهَا رمانة فطالت وحلا رمانها وحملت فى الْعَام مرَّتَيْنِ وَسميت رمانة العابدين
وَقَالَ الشبلى عقدت أَنى لَا آكل إِلَّا من حَلَال فَكنت أدور فى البرارى فَرَأَيْت شَجَرَة تين فمددت يدى لآكل مِنْهَا فنادتنى الشَّجَرَة احفظ عَلَيْك عقدك وَلَا تَأْكُل منى فإنى ليهودى فكففت يدى
السَّابِع إِبْرَاء العليل كَمَا روى عَن السرى فى حِكَايَة الرجل الذى لقِيه بِبَعْض الْجبَال يبرىء الزمنى والعميان والمرضى
وكما حكى عَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر أَنه قَالَ لصبى مقْعد مفلوج أعمى مجذوم قُم بِإِذن الله فَقَامَ لَا عاهة بِهِ
االثامن طَاعَة الْحَيَوَانَات لَهُم كَمَا فى حِكَايَة الْأسد مَعَ أَبى سعيد بن أَبى الْخَيْر الميهنى وَقَبله إِبْرَاهِيم الْخَواص بل وَطَاعَة الجمادات كَمَا فى حِكَايَة سُلْطَان الْعلمَاء شيخ الْإِسْلَام عز الدّين بن عبد السَّلَام وَقَوله فى وَاقعَة الفرنج يَا ريح خُذِيهِمْ فَأَخَذتهم
التَّاسِع طى الزَّمَان
الْعَاشِر نشر الزَّمَان وفى تَقْرِير هذَيْن الْقسمَيْنِ عسر على الأفهام وتسليمه لأَهله أولى بذى الْإِيمَان والحكايات فيهمَا كَثِيرَة
الحادى عشر استجابة الدُّعَاء وَهُوَ كثير جدا وشاهدناه من جمَاعَة
الثانى عشر إمْسَاك اللِّسَان عَن الْكَلَام وانطلاقه
الثَّالِث عشر جذب بعض الْقُلُوب فى مجْلِس كَانَت فِيهِ فى غَايَة النفرة
الرَّابِع عشر الْإِخْبَار بِبَعْض المغيبات والكشف وَهُوَ دَرَجَات تخرج عَن حد الْحصْر
стр. 674
الْخَامِس عشر الصَّبْر على عدم الطَّعَام وَالشرَاب الْمدَّة الطَّوِيلَة
السَّادِس عشر مقَام التصريف فقد حكى عَن جمَاعَة مِنْهُ الشئ الْكثير
وَذكر أَن بَعضهم كَانَ يَبِيع الْمَطَر وَكَانَ من الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الشاطر يَبِيع الأشغال بِالدَّرَاهِمِ وَكَثُرت الحكايات عَنهُ فى هَذَا الْبَاب بِحَيْثُ لم يبْق للذهن مساع فى إنكارها
السَّابِع عشر الْقُدْرَة على تنَاول الْكثير من الْغذَاء
الثَّامِن عشر الْحِفْظ عَن أكل الْحَرَام كَمَا حكى عَن الْحَارِث المحاسبى أَنه كَانَ يرْتَفع إِلَى أَنفه زفورة من المأكل الْحَرَام فَلَا يَأْكُلهُ وَقيل كَانَ يَتَحَرَّك لَهُ عرق وَحكى نَظِيره عَن الشَّيْخ أَبى الْعَبَّاس المرسى وَقيل إِن بعض النَّاس امتحنه وأحضر لَهُ مأكلا حَرَامًا فبمجرد مَا وَضعه بَين يَدَيْهِ قَالَ إِن كَانَ المحاسبى يَتَحَرَّك مِنْهُ عرق فَأَنا يَتَحَرَّك منى عِنْد حُضُور الْحَرَام سَبْعُونَ عرقا ونهض من سَاعَته وَانْصَرف
التَّاسِع عشر رُؤْيَة الْمَكَان الْبعيد من وَرَاء الْحجب كَمَا قيل إِن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق الشيرازى كَانَ يُشَاهد الْكَعْبَة وَهُوَ بِبَغْدَاد
الْعشْرُونَ الهيبة الَّتِى لبَعْضهِم بِحَيْثُ مَاتَ من شَاهده بِمُجَرَّد رُؤْيَته كصاحب أَبى يزِيد البسطامى الذى قدمنَا حكايته أَو بِحَيْثُ أفحم بَين يَدَيْهِ أَو اعْترف بِمَا لَعَلَّه كتمه عَنهُ أَو غير ذَلِك وَهُوَ كثير
الحادى وَالْعشْرُونَ كِفَايَة الله إيَّاهُم شَرّ من يُرِيد بهم سوءا وانقلابه خيرا كَمَا اتّفق للشافعى رضى الله عَنهُ مَعَ هَارُون الرشيد ﵀
الثَّانِي وَالْعشْرُونَ التطور بأطوار مُخْتَلفَة وَهَذَا الذى تسميه الصُّوفِيَّة بعالم الْمثل ويثبتون عَالما متوسطا بَين عالمى الْأَجْسَام والأرواح سموهُ عَالم الْمِثَال وَقَالُوا هُوَ ألطف
стр. 675
من عَالم الْأَجْسَام وأكثف من عَالم الْأَرْوَاح وبنوا عَلَيْهِ تجسد الْأَرْوَاح وظهورها فى صور مُخْتَلفَة من عَالم الْمِثَال واستأنسوا لَهُ بقوله تَعَالَى ﴿فتمثل لَهَا بشرا سويا﴾ وَمِنْه مَا حكى عَن قضيب البان الموصلى وَكَانَ من الأبدال أَنه اتهمه بعض من لم يره يصلى بترك الصَّلَاة وشدد النكير عَلَيْهِ فتمثل لَهُ على الْفَوْر فى صور مُخْتَلفَة وَقَالَ فى أى هَذِه الصُّور رأيتنى مَا أصلى وَلَهُم من هَذَا النَّوْع حكايات كَثِيرَة
وَمِمَّا // اتّفق // لبَعض الْمُتَأَخِّرين أَنه وجد فَقِيرا شَيخا كَبِيرا يتَوَضَّأ بِالْقَاهِرَةِ فى الْمدرسَة الشرفية من غير تَرْتِيب فَقَالَ لَهُ يَا شيخ تتوضأ بِلَا تَرْتِيب فَقَالَ لَهُ مَا تَوَضَّأت إِلَّا مُرَتبا وَلَكِن أَنْت مَا تبصر لَو أَبْصرت لأبصرت هَكَذَا وَأخذ بِيَدِهِ وَأرَاهُ الْكَعْبَة ثمَّ مر بِهِ إِلَى مَكَّة فَوجدَ نَفسه فى مَكَّة وَأقَام بهَا سِنِين فى حِكَايَة يطول شرحها
الثَّالِث وَالْعشْرُونَ إطلاع الله إيَّاهُم على ذخائر الأَرْض كَمَا قدمْنَاهُ فى حِكَايَة أَبى تُرَاب لما ضرب بِرجلِهِ الأَرْض فَإِذا عين مَاء زلال
وَعَن بَعضهم أَنه عَطش أَيْضا فى طَرِيق الْحَج فَلم يجد مَاء عِنْد أحد فَوجدَ فَقِيرا قد ركز عكازه فى مَوضِع وَالْمَاء يَنْبع من تَحت عكازه فَمَلَأ قربته وَدلّ الحجيج عَلَيْهِ فَجَاءُوا فملأوا أوانيهم من ذَلِك المَاء
الرَّابِع وَالْعشْرُونَ مَا سهل لكثير من الْعلمَاء من التصانيف فى الزَّمن الْيَسِير بِحَيْثُ وزع زمَان تصنيفهم على زمَان اشتغالهم بِالْعلمِ إِلَى أَن مَاتُوا فَوجدَ لَا يفى بِهِ نسخا فضلا عَن التصنيف وَهَذَا قسم من نشر الزَّمَان الذى قدمْنَاهُ فقد اتّفق النقلَة على أَن عمر الشافعى ﵀ لَا يفى بِعشر مَا أبرزه من التصانيف مَعَ مَا يثبت عَنهُ من تِلَاوَة الْقُرْآن كل يَوْم ختمة بالتدبر وفى رَمَضَان كل يَوْم ختمتين كَذَلِك واشتغاله بالدرس
стр. 676
والفتاوى وَالذكر والفكر والأمراض الَّتِى كَانَت تعتوره بِحَيْثُ لم يخل رضى الله عَنهُ من عِلّة أَو علتين أَو أَكثر وَرُبمَا اجْتمع فِيهِ ثَلَاثُونَ مَرضا
وَكَذَلِكَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبُو المعالى الجوينى ﵀ حسب عمره وَمَا صنفه مَعَ مَا كَانَ يلقيه على الطّلبَة وَيذكر بِهِ فى مجَالِس التَّذْكِير فَوجدَ لَا يفى بِهِ
وَقَرَأَ بَعضهم ثمانى ختمات فى الْيَوْم الْوَاحِد وأمثال هَذَا كثير
وَهَذَا الإِمَام الربانى الشَّيْخ محيى الدّين النووى ﵀ وزع عمره على تصانيفه فَوجدَ أَنه لَو كَانَ ينسخها فَقَط لما كفاها ذَلِك الْعُمر فضلا عَن كَونه يصنفها فضلا عَمَّا كَانَ يضمه إِلَيْهَا من أَنْوَاع الْعِبَادَات وَغَيرهَا
وَهَذَا الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ إِذا حسب مَا كتبه من التصانيف مَعَ مَا كَانَ يواظبه من الْعِبَادَات ويمليه من الْفَوَائِد ويذكره فى الدُّرُوس من الْعُلُوم ويكتبه على الْفَتَاوَى ويتلوه من الْقُرْآن ويشتغل بِهِ من المحاكمات عرف أَن عمره قطعا لَا يفى بِثلث ذَلِك فسبحان من يُبَارك لَهُم ويطوى لَهُم وينشر
الْخَامِس وَالْعشْرُونَ عدم تَأْثِير السمومات وأنواع الْمُتْلفَات فيهم كَمَا اتّفق ذَلِك للشَّيْخ الذى قَالَ لَهُ بعض الْمُلُوك إِمَّا أَن تظهر لى آيَة وَإِلَّا قتلت الْفُقَرَاء وَكَانَ بِقُرْبِهِ بعر جمال فَقَالَ انْظُر فَإِذا هى ذهب وَعِنْده كوز لَيْسَ فِيهِ مَاء فَأَخذه وَرمى بِهِ فى الْهَوَاء فَأَخذه ورده ممتلئا مَاء وَهُوَ منكس لم يخرج مِنْهُ قَطْرَة فَقَالَ الْملك هَذَا سحر وأوقد نَارا عَظِيمَة ثمَّ أَمرهم بِالسَّمَاعِ فَلَمَّا دَار فيهم الوجد دخل الشَّيْخ والفقراء فى النَّار ثمَّ خرج فخطف ابْنا صَغِيرا للْملك فَدخل بِهِ وَغَابَ سَاعَة بِحَيْثُ كَاد الْملك يَحْتَرِق على وَلَده ثمَّ خرج بِهِ وفى إِحْدَى يدى الصبى تفاحة وفى الْأُخْرَى رمانة فَقَالَ لَهُ أَبوهُ أَيْن كنت قَالَ فى بُسْتَان فَقَالَ جلساء الْملك هَذَا صَنْعَة لَا حَقِيقَة لَهُ فَقَالَ لَهُ الْملك إِن شربت هَذَا الْقدح من السم صدقتك فشربه وتمزقت ثِيَابه عَلَيْهِ ثمَّ ألقوا عَلَيْهِ غَيرهَا فتمزقت ثمَّ هَكَذَا
стр. 677
مرَارًا إِلَى أَن ثبتَتْ عَلَيْهِ الثِّيَاب وَانْقطع عَنهُ عرق كَانَ أَصَابَهُ وَلم يُؤثر فِيهِ السم ضَرَرا
وأظن أَنْوَاع كراماتهم تربو على الْمِائَة وَفِيمَا أوردته دلَالَة على مَا أهملته ومقنع وبلاغ لمن زَالَت عَنهُ غفلته وَمَا من نوع من هَذِه الْأَنْوَاع إِلَّا وَقد كثرت فِيهِ الأقاصيص وَالرِّوَايَات وشاعت فِيهِ الْأَخْبَار والحكايات وماذا بعد الْحق إِلَّا الضلال وَلَا بعد بَيَان الْهدى إِلَّا الْمحَال وَلَيْسَ للموفق غير التَّسْلِيم وسؤال ربه أَن يلْحقهُ بهؤلاء الصَّالِحين فَإِنَّهُم على صِرَاط مُسْتَقِيم وَلَو حاولنا حصر مَا جراياتهم لضيقنا الأنفاس وضيعنا القرطاس
٦٩ - الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن قَاسم بن مُحَمَّد بن سيار مولى الْوَلِيد بن عبد الْملك أَبُو مُحَمَّد الأندلسى القرطبى
أحد أَعْلَام الْأمة
أَخذ الْفِقْه عَن المزنى وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَمُحَمّد بن عبد الله بن عبد الحكم وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشافعى وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الحزامى والْحَارث بن مِسْكين وروى عَنْهُم
روى عَنهُ أَحْمد بن خَالِد الْجبَاب وَمُحَمّد بن عمر بن لبَابَة وَابْنه مُحَمَّد بن قَاسم وَسَعِيد بن عُثْمَان الأعناقى وَغَيرهم
стр. 678
وصنف كتاب الْإِيضَاح فى الرَّد على المقلدين مَعَ ميله إِلَى مَذْهَب الشافعى
قَالَ أَحْمد بن خَالِد مَا رَأَيْت مثل قَاسم فى الْفِقْه مِمَّن دخل الأندلس من أهل الرحل وَله مُصَنف جليل فى خبر الْوَاحِد
توفى سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة سبع وَسبعين
٧٠ - مُوسَى بن إِسْحَاق بن مُوسَى الأنصارى القاضى أَبُو بكر الخطمى
نِسْبَة إِلَى بطن من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ خطمة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة ثمَّ طاء مُهْملَة سَاكِنة ثمَّ مِيم بن جشم بِضَم الْجِيم ثمَّ شين مُعْجمَة مَفْتُوحَة ثمَّ مِيم
ولد سنة عشر وَمِائَتَيْنِ
وَكَانَ قَاضِيا مهيبا فصيحا مصمما قيل لم ير مُتَبَسِّمًا قطّ وَهُوَ الذى قَالَت لَهُ امْرَأَة أَيهَا القاضى لَا يحل لَك أَن تحكم بَين النَّاس لِأَن النبى ﷺ قَالَ (لَا يقْضى القاضى بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان وَأَنت عمرك غَضْبَان فَتَبَسَّمَ وَسَيَرِدُ نَظِير الْحِكَايَة فى تَرْجَمَة القاضى أَبى بكر الشامى فى الطَّبَقَة الرَّابِعَة
سمع أَبَاهُ
٧١ - بِضَم الْكَاف وَفتح النُّون وَإِسْكَان آخر الْحُرُوف آخِره زاى مُعْجمَة
كَانَ خَادِمًا للمنتصر بِاللَّه بن المتَوَكل
стр. 679
لما مَاتَ مَوْلَاهُ خرج إِلَى مصر
وَسمع من حَرْمَلَة وَالربيع بن سُلَيْمَان والزعفرانى
وروى عَنهُ أَبُو الْقَاسِم الطبرانى وَغَيره
وَكَانَ يقرئ الْفِقْه بِجَامِع دمشق على مَذْهَب الشافعى بعد أَن أَقَامَ بِمصْر مُدَّة يذب عَن مذْهبه ويناظر المالكيين حَتَّى سعوا بِهِ إِلَى أَحْمد بن طولون وَقَالُوا إِنَّه جاسوس قدم من بَغْدَاد فحبسه فَلم يزل فى الْحَبْس إِلَى مضى سبع سِنِين وَمَات ابْن طولون فَأخْرج وَمضى إِلَى الأسكندرية وَأقَام بهَا سبع سِنِين يُعِيد كل صَلَاة صلاهَا فى الْحَبْس لِأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا فى مَكَان قذر ثمَّ ورد الشَّام
٧٢ - نوح بن مَنْصُور بن مرداس أَبُو مُسلم السلمى
سمع الْحسن بن عَرَفَة وَالْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح الزعفرانى وَغَيرهمَا
ورحل إِلَى مصر وَكتب بهَا عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَالربيع بن سُلَيْمَان ثمَّ استوطن بِالآخِرَة شيراز إِلَى حِين وَفَاته
وروى عَنهُ أَبُو الْقَاسِم الطبرانى وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن حَيَّان الملقب أَبَا الشَّيْخ وَغَيرهمَا
وَكتب كتب الشافعى عَن يُونُس وَالربيع بِمصْر وَمَات بشيراز سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
стр. 680
٧٣ - أَبُو الْفضل البتانى
وبتان بِضَم الْبَاء المنقوطة بِوَاحِدَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق المخففة وفى آخرهَا النُّون من قرى طريثيث من نواحى نيسابور
قَالَ ابْن مَاكُولَا أحد الزهاد والفضلاء من أَصْحَاب الشافعى يحدث عَن على ابْن إِبْرَاهِيم البتانى من أَصْحَاب عبد الله بن الْمُبَارك
روى عَنهُ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن البتانى
قلت وَتبع ابْن السمعانى ابْن مَاكُولَا فَلم يزدْ فى تَرْجَمَة الرجل على مَا ذكره ثمَّ تبعهما شَيخنَا الذهبى فَذكره فى كتاب المشتبه مُخْتَصرا وَالرجل فى هَذِه الطَّبَقَة آخر الطَّبَقَة الثَّانِيَة
стр. 681
الطَّبَقَة الثَّالِثَة
٧٤ - أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن الْعَبَّاس أَبُو بكر الإسماعيلى
إِمَام أهل جرجان والمرجوع إِلَيْهِ فى الْفِقْه والْحَدِيث وَصَاحب التصانيف ولد سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ
وَسمع من الزَّاهِد مُحَمَّد بن عُثْمَان المقابرى الجرجانى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَسمع قبل ذَلِك
وَسمع إِبْرَاهِيم بن زُهَيْر الحلوانى وَحَمْزَة بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْكَاتِب وَأحمد بن مُحَمَّد ابْن مَسْرُوق وَمُحَمّد بن يحيى بن سُلَيْمَان المروزى وَيحيى بن مُحَمَّد الحنائى وَعبد الله ابْن نَاجِية والفريابى ويوسف بن يَعْقُوب القاضى وَمُحَمّد بن عبد الله الحضرمى وَإِبْرَاهِيم بن عبد الله المخرمى وَمُحَمّد بن عُثْمَان بن أَبى شيبَة وَمُحَمّد بن الْحسن بن سَمَّاعَة وَأَبا خَليفَة المجمحى وبهلول بن إِسْحَاق التنوخى وعبدان وَأَبا يعلى وخلقا سواهُم بِبَغْدَاد والكوفة وَالْبَصْرَة والأنبار والأهواز والموصل
روى عَنهُ الْحَاكِم وَأَبُو بكر البرقانى وَحَمْزَة السهمى وَأَبُو حَازِم العبدوى وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن إِدْرِيس الجرجرائى الْحَافِظ وَخلق سواهُم
قَالَ حَمْزَة سمعته يَقُول لما ورد نعى مُحَمَّد بن أَيُّوب الرازى دخلت الدَّار وبكيت وصرخت ومزقت على نفسى الْقَمِيص وَوضعت التُّرَاب على رأسى فاجمتع على أهلى وَمن فى منزلى وَقَالُوا مَا أَصَابَك قلت نعى مُحَمَّد بن أَيُّوب الرازى منعتمونى الارتحال إِلَيْهِ فَسَلُوا قلبى وأذنوا لى فى الْخُرُوج عِنْد ذَلِك وأصحبونى خالى إِلَى نسا إِلَى الْحسن بن سُفْيَان فَكَانَ ذَلِك أول رحلتى فى الحَدِيث وَرجعت
стр. 682
قَالَ شَيخنَا الذهبى كَانَ ذَلِك سنة أَربع وَتِسْعين فَإِن فِيهَا توفى مُحَمَّد بن أَيُّوب
قَالَ ثمَّ خرجت إِلَى بَغْدَاد سنة سِتّ وَتِسْعين وصحبنى بعض أقربائى
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق جمع يعْنى الإسماعيلى بَين الْفِقْه والْحَدِيث ورياسة الدّين وَالدُّنْيَا
وَقَالَ الدارقطنى كنت عزمت غير مرّة أَن أرحل إِلَى أَبى بكر الإسماعيلى فَلم أرزق
وَقَالَ الْحسن بن على الْحَافِظ كَانَ الْوَاجِب للإسماعيلى أَن يصنف لنَفسِهِ سننا ويختار على حسب اجْتِهَاده فَإِنَّهُ كَانَ يقدر عَلَيْهِ لِكَثْرَة مَا كَانَ كتب ولغزارة علمه وفهمه وجلالته وَمَا كَانَ ينبغى أَن يتبع كتاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فَإِنَّهُ كَانَ أجل من أَن يتبع غَيره أَو كَمَا قَالَ
وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم كَانَ أَبُو بكر وَاحِد عصره وَشَيخ الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء وأجلهم فى الرياسة والمروءة والسخاء وَلَا خلاف بَين عقلاء الْفَرِيقَيْنِ من أهل الْعلم فِيهِ
وَقَالَ غَيره لَهُ التصانيف الْكَثِيرَة مِنْهَا الْمُسْتَخْرج على الصَّحِيح والمعجم وَله مُسْند كَبِير فى نَحْو مائَة مُجَلد
قَالَ حَمْزَة توفى فى غرَّة صفر سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة
قَول الراوى من السّنة كَذَا
ذكر النووى فى خطْبَة شرح الْمُهَذّب أَن الصَّحِيح الْمَشْهُور أَن قَول الصحابى من السّنة كَذَا فى حكم الْمَرْفُوع وَأَنه مَذْهَب الجماهير وَأَن أَبَا بكر الإسماعيلى قَالَ لَهُ حكم الْمَوْقُوف على الصحابى
قلت الْأَكْثَر كَمَا قَالَ النووى على أَنه حجَّة وَقد أغرب المازرى فى شرح ...
стр. 683
٧٥ - أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن نومردا أَبُو بكر
من أهل جرجان وَكَانَ أحد أصدقاء أَبى بكر الإسماعيلى
ذكره حَمْزَة بن يُوسُف السهمى فى تَارِيخ جرجان وَقَالَ تفقه على ابْن سُرَيج
قَالَ وَسمعت أَبى يُوسُف بن إِبْرَاهِيم يَقُول إِنَّه مَاتَ فَجْأَة سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة وَكَانَ قد خرج من الْحمام فَوَقع عَلَيْهِ حَائِط فَمَاتَ
٧٦ - أَحْمد بن إِسْحَاق بن أَيُّوب بن يزِيد بن عبد الرَّحْمَن بن نوح النيسابورى الإِمَام الْجَلِيل أَبُو بكر بن إِسْحَاق الصبغى
أحد الْأَئِمَّة الجامعين بَين الْفِقْه والْحَدِيث
رأى يحيى الذهلى وَأَبا حَاتِم الرازى
وَسمع الْفضل بن مُحَمَّد الشعرانى وَإِسْمَاعِيل بن قُتَيْبَة وَيَعْقُوب بن يُوسُف القزوينى وَمُحَمّد بن أَيُّوب
وببغداد الْحَارِث بن أَبى أُسَامَة وَإِسْمَاعِيل القاضى
وبالبصرة هِشَام بن على
وبمكة على بن عبد الْعَزِيز
وَاخْتلف إِلَى مُحَمَّد بن نصر وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا
стр. 684
روى عَنهُ أَبُو على الْحَافِظ وَأَبُو بكر الإسماعيلى وَأَبُو أَحْمد الْحَاكِم وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم الجرجانى وَخلق
ولد سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ
وَكَانَ قد اشْتغل فى صباه بِعلم الفروسية فَلم يسمع إِلَى سنة ثَمَانِينَ
قَالَ الْحَاكِم أَقَامَ يعْنى بنيسابور سبعا وَخمسين سنة لم يُؤْخَذ عَلَيْهِ فى فَتَاوِيهِ مَسْأَلَة وهم فِيهَا
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن حمدون يَقُول صَحِبت أَبَا بكر بن إِسْحَاق سِنِين فَمَا رَأَيْته قطّ ترك قيام اللَّيْل فى سفر وَلَا حضر
قَالَ وسمعته يعْنى الصبغى يَقُول وَهُوَ يُخَاطب فَقِيها فَقَالَ حدثونا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب فَقَالَ دَعْنَا من حَدثنَا إِلَى مَتى حَدثنَا وَأخْبرنَا فَقَالَ مَا هَذَا لست أَشمّ من كلامك رَائِحَة الْإِيمَان وَلَا يحل لَك أَن تدخل دارى ثمَّ هجره حَتَّى مَاتَ
قَالَ وسمعته غير مرّة إِذا أنْشد بَيْتا يُفْسِدهُ ويغيره يقْصد ذَلِك وَكَانَ يضْرب الْمثل بعقله ورأيه ورأيته غير مرّة إِذا أذن الْمُؤَذّن يَدْعُو بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة ثمَّ يبكى وَرُبمَا كَانَ يضْرب بِرَأْسِهِ الْحَائِط حَتَّى خشيت يَوْمًا أَن تدمى رَأسه وَمَا رَأَيْت فِي مَشَايِخنَا أحسن صَلَاة مِنْهُ وَكَانَ لَا يدع أحدا يغتاب فى مَجْلِسه قَالَ وَله الْكتب المطولة
قَالَ وسمعته يَقُول رَأَيْت فى منامى كأنى فى دَار وَأَنا أَظن أَن أَبَا بكر الصّديق رضى الله عَنهُ فِيهَا فَدخلت وفى الدَّار بُسْتَان أردْت دُخُوله فاستقبلنى أَبُو بكر الصّديق رضى الله عَنهُ فعانقنى وَقبل وَجْهي ودعا لى وَهَذَا عِنْد ابتدائى فى تصنيف كتاب الْفَضَائِل
قَالَ وسمعته يَقُول لما فرغت من تصنيف كتاب الْفَضَائِل رَأَيْت فى الْمَنَام كأنى خَارج من منزل شخص ذكره واستقبلنى النبى ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان أَو على رضى الله عَنْهُم أَحدهمَا فإنى شَككت وَلم أَشك فى أَنهم كَانُوا
стр. 685
أَرْبَعَة فتقدمت فَسلمت على رَسُول الله ﷺ فَرد على السَّلَام ثمَّ تقدم إِلَى أَبُو بكر رضى الله عَنهُ فَقبل بَين عينى وَقَالَ جَزَاك الله عَن نبيه خيرا وعنا خيرا
قَالَ أَبُو بكر فأخرجت خاتمى هَذَا من أصبعى وَجَعَلته فى أصْبع رَسُول الله ﷺ ثمَّ نَزَعته فَجَعَلته فى أصْبع أَبى بكر ثمَّ إِلَى آخر الْأَرْبَعَة ثمَّ قلت يَا رَسُول الله قد عظمت بركَة هَذَا الْخَاتم إِذْ دخل أصابعكم ثمَّ انْتَبَهت
قَالَ الْحَاكِم وَقد كَانَ الشَّيْخ أوصى أَن يدْفن ذَلِك الْخَاتم مَعَه
قلت وَهَذَا مِنْهُ فِيهِ اسْتِحْسَان لما يفعل من دفن الْمَرْء مَعَه مَا يتبرك بِهِ أَو دَفنه فِيمَا يتبرك بِهِ وسيأتى إِن شَاءَ الله تَعَالَى نَظِير هَذِه فى تَرْجَمَة عبد الرَّحْمَن بن أَبى حَاتِم ضمن حِكَايَة عَنهُ وَيشْهد لَهُ قَول ...
وَذكر الْحَاكِم أَن أَبَا على بن أَبى هُرَيْرَة كتب إِلَى نيسابور ليكتب لَهُ فَضَائِل الْأَرْبَعَة وَكتاب الْأَحْكَام اللَّذَان للصبغى
قَالَ فَكتب وَحمل إِلَى مَدِينَة السَّلَام فَأكْثر الثَّنَاء عَلَيْهِ
قَالَ الْحَاكِم ومصنفاته يعْنى الصبغى فى الْفِقْه من أدل الدَّلِيل على علمه ومصنفاته فى الْكَلَام لم يسْبقهُ إِلَى مثلهَا أحد من مَشَايِخ أهل الحَدِيث
توفى الصبغى فى شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلاثمائة
وَمن الْفَوَائِد عَنهُ
كَانَ يرى أَن الْمَأْمُوم إِذا لم يقْرَأ الْفَاتِحَة وَأدْركَ الإِمَام وَهُوَ رَاكِع لَا يكون مدْركا للركعة وَهُوَ اخْتِيَار ابْن خُزَيْمَة وَابْن أَبى هُرَيْرَة وأبى ﵀
وَيذْهب إِلَى أَن تُرَاب الولوغ يجوز أَن يكون نجسا وَهُوَ وَجه غَرِيب حَكَاهُ الرافعى
стр. 686
قَالَ العبادى وَذكر أَنه ركب يَوْمًا فَأصَاب ذِرَاعَيْهِ طين من وَحل كلب فَأمر جَارِيَته بِغسْلِهِ وتعفيره فَقَالَت الْجَارِيَة أما فى الطين تُرَاب فَقَالَ أَحْسَنت أَنْت أفقه منى
قَالَ الْحَاكِم سمعته وَسُئِلَ عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن رجلَيْنِ صليا مَعَ النبى ﷺ فَقَالَ لَهما (أعيدا وضوءكما) قَالَا لم يَا رَسُول الله قَالَ (اغْتَبْتُمَا فلَانا) قَالَ يجوز أَن يكون أَمرهمَا بِالْوضُوءِ ليَكُون كَفَّارَة لمعصيتهما وتطهيرا لذنوبهما لِأَن النبى ﷺ أخبر أَن الْوضُوء يحط الْخَطَايَا
قَالَ وسمعته وَسُئِلَ عَن قَوْله ﷺ (من غسل مَيتا فليغتسل وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ قَالَ إِن صَحَّ هَذَا الْخَبَر فَمَعْنَاه أَن يتَوَضَّأ قبل حمله شَفَقَة أَن تفوته الصَّلَاة بعد الْحمل كَمَا قَالَ ﷺ (من رَاح إِلَى الْجُمُعَة فليغتسل) أى قبل الرواح
٧٧ - أَحْمد بن بشر بن عَامر العامرى
وَعكس الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فَقَالَ بن عَامر بن بشر
هُوَ القاضى أَبُو حَامِد المروروذى أحد رفعاء الْمَذْهَب وعظمائه
ذكره أَبُو حَفْص عمر بن على المطوعى فى كِتَابه الْمُسَمّى بِالْمذهبِ فى ذكر شُيُوخ الْمَذْهَب فَقَالَ صدر من صُدُور الْفِقْه كَبِير وبحر من بحار الْعلم غزير وَهُوَ من أَصْحَاب أَبى إِسْحَاق وَمن أَعْيَان تلامذته أَبُو إِسْحَاق المهرانى وَأَبُو الْفَيَّاض البصرى وَكتابه الموسوم بالجامع أمدح لَهُ من كل لِسَان نَاطِق لإحاطته بالأصول وَالْفُرُوع
стр. 687
وإتيانه على النُّصُوص وَالْوُجُوه فَهُوَ لِأَصْحَابِنَا عُمْدَة من الْعمد ومرجع فى المشكلات وَالْعقد انْتهى
وَعَن القاضى أَبى حَامِد أَخذ فُقَهَاء الْبَصْرَة وَشرح مُخْتَصر المزنى وصنف فى الْأُصُول
وَمن أخصائه وتلامذته أَبُو حَيَّان التوحيدى وفى كِتَابه البصائر أعنى أَبَا حَيَّان يَقُول كَانَ القاضى أَبُو حَامِد شَدِيد الازورار عَن الْكَلَام وَالْفِقْه فى أَهله قَالَ وَإِنَّمَا أولع بِذكر مَا يَقُوله هَذَا الرجل لِأَنَّهُ أنبل من رَأَيْته فى عمرى وَكَانَ بحرا يتدفق حفظا للسير وقياما بالأخبار واستنباطا للمعانى وثباتا على الجدل وصبرا فى الْخِصَام
وَقَالَ فى مَكَان آخر كَانَ أَبُو حَامِد كثير الْعلم غزير الْحِفْظ قيمًا بالسير وَكَانَ يزْعم أَن السّير بَحر الْفتيا وخزانة الْقَضَاء وعَلى قدر اطلَاع الْفَقِيه عَلَيْهَا يكون استنباطه
وَقَالَ فى مَكَان آخر كَانَ أَبُو حَامِد إِذا رأى تراجع الْمُتَكَلِّمين فى مسائلهم وثباتهم على مذاهبهم بعد طول جدلهم ينشد
(ومهمه دَلِيله مطوح ... يدأب فِيهِ الْقَوْم حَتَّى يطلحوا)
(ثمَّ يظلون كَأَن لم يبرحوا ... كَأَنَّمَا أَمْسوا بِحَيْثُ أَصْبحُوا)
وَمَات القاضى أَبُو حَامِد سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة
فَوَائِد ومسائل عَن القاضى أَبى حَامِد
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
стр. 688
٧٨ - أَحْمد بن الْحُسَيْن بن أَحْمد أَبُو نصر الْفَقِيه
مَاتَ لَيْلَة الْجُمُعَة ثانى عشر جُمَادَى الأولى سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
ذكره ابْن باطيش
٧٩ - أَحْمد بن حَمْزَة بن على الْحسن السلمى
٨٠ - أَحْمد بن الْخضر بن أَحْمد الأنمارى
بِفَتْح الْألف وَسُكُون النُّون وَفتح الْمِيم وفى آخرهَا الرَّاء نِسْبَة إِلَى بَلْدَة يُقَال لَهَا أَنْمَار
هُوَ أَبُو الْحسن إِمَام كَبِير من أهل نيسابور
سمع أَبَا عبد الله البوشنجي وَغَيره
روى عَنهُ الْأُسْتَاذ أَبُو الْوَلِيد وَأَبُو على الْحَافِظ وَغَيرهمَا
توفى سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة
٨١ - أَحْمد بن شُعَيْب بن على بن سِنَان بن بَحر الإِمَام الْجَلِيل أَبُو عبد الرَّحْمَن النسائى
أحد أَئِمَّة الدُّنْيَا فِي الحَدِيث وَالْمَشْهُور اسْمه وَكتابه
ولد سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ
стр. 689
وَسمع قُتَيْبَة بن سعيد وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَهِشَام بن عمار وَعِيسَى بن حَمَّاد وَالْحُسَيْن بن مَنْصُور السلمى النيسابورى وَعَمْرو بن زُرَارَة وَمُحَمّد بن النَّضر المروزى وسُويد بن نصر وَأَبا كريب وَمُحَمّد بن رَافع وعَلى بن حجر وَأَبا بريد الجرمى وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى وخلقا سواهُم بخراسان وَالْعراق وَالشَّام ومصر والحجاز والجزيرة
روى عَنهُ أَبُو بشر الدولابى وَأَبُو على الْحُسَيْن النيسابورى وَحَمْزَة بن مُحَمَّد الكنانى وَأَبُو بكر أَحْمد بن السّني وَمُحَمّد بن عبد الله بن حيوية وَأَبُو الْقَاسِم الطبرانى وَخلق سواهُم
رَحل إِلَى قُتَيْبَة وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة وَقَالَ أَقمت عِنْده سنة وشهرين
وَسكن مصر وَكَانَ يسكن بزقاق الْقَنَادِيل وَكَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَكَانَ كثير الْجِمَاع وَله أَربع زَوْجَات يقسم لَهُنَّ وَلَا يَخْلُو مَعَ ذَلِك عَن السرارى
وَدخل دمشق فَسئلَ عَن مُعَاوِيَة رضى الله عَنهُ ففضل عَلَيْهِ عليا كرم الله وَجهه فَأخْرج من الْمَسْجِد وَحمل إِلَى الرملة
وَأنكر عَلَيْهِ بَعضهم تصنيفه كتاب الخصائص لعلى رضى الله عَنهُ وَقيل لَهُ كَيفَ تركت تصنيف فَضَائِل الشَّيْخَيْنِ فَقَالَ دخلت إِلَى دمشق والمنحرف بهَا عَن على كثير فصنفت كتاب الخصائص رَجَاء أَن يهْدِيهم الله ثمَّ صنف بعد ذَلِك فَضَائِل الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم
قَالَ أَبُو على النيسابورى حَافظ خُرَاسَان فى زَمَانه حَدثنَا الإِمَام فى الحَدِيث بِلَا مدافعة أَبُو عبد الرَّحْمَن النسائى
وَقَالَ مَنْصُور الْفَقِيه وَأَبُو جَعْفَر الطحاوى رحمهمَا الله النسائى إِمَام من أَئِمَّة الْمُسلمين
وَقَالَ الدارقطنى أَبُو عبد الرَّحْمَن مقدم على كل من يذكر بِهَذَا الْعلم من أهل عصره
стр. 690
وَقَالَ ابْن طَاهِر المقدسى سَأَلت سعد بن على الزنجانى عَن رجل فوثقه فَقلت قد ضعفه النسائى فَقَالَ يَا بنى إِن لأبى عبد الرَّحْمَن شرطا فى الرِّجَال أَشد من شَرط البخارى وَمُسلم
وَقَالَ مُحَمَّد بن المظفر الْحَافِظ سَمِعت مَشَايِخنَا بِمصْر يصفونَ اجْتِهَاد النسائى فى الْعِبَادَة بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَأَنه خرج إِلَى الْفِدَاء مَعَ أَمِير مصر فوصف من شهامته وإقامته السّنَن المأثورة فى فدَاء الْمُسلمين واحترازه عَن مجَالِس السُّلْطَان الذى خرج مَعَه والانبساط فى المأكل وَأَنه لم يزل ذَلِك دأبه إِلَى أَن اسْتشْهد بِدِمَشْق من جِهَة الْخَوَارِج
وَقَالَ الدارقطنى كَانَ ابْن الْحداد أَبُو بكر كثير الحَدِيث وَلم يحدث عَن غير النسائى وَقَالَ رضيت بِهِ حجَّة فِيمَا بينى وَبَين الله
قلت سَمِعت شَيخنَا أَبَا عبد الله الذهبى الْحَافِظ وَسَأَلته أَيهمَا أحفظ مُسلم بن الْحجَّاج صَاحب الصَّحِيح أَو النسائى فَقَالَ النسائى ثمَّ ذكرت ذَلِك للشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد تغمده الله برحمته فَوَافَقَ عَلَيْهِ
وَقد اخْتلفُوا فى مَكَان موت النسائى فَالصَّحِيح أَنه أخرج من دمشق لما ذكر فَضَائِل على قيل مَا زَالُوا يدافعون فى خصيتية حَتَّى أخرج من الْمَسْجِد ثمَّ حمل إِلَى الرملة فتوفى بهَا
قَالَ أَبُو سعيد بن يُونُس توفى بفلسطين يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث عشرَة خلت من صفر سنة ثَلَاث وثلاثمائة
وَقيل حمل إِلَى مَكَّة فَدفن بهَا بَين الصَّفَا والمروة
стр. 691
٨٢ - أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أَبُو الْحُسَيْن الطرائفى مَاتَ لَيْلَة الْجُمُعَة من شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَكَانَ ابْن ثَمَان وَسبعين سنة كَذَا أورد هَذِه التَّرْجَمَة ابْن باطيش
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو سعد فى كتاب الْأَنْسَاب أَبُو النَّصْر أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن الطرائفى الْفَقِيه من أهل نيسابور سمع الحَدِيث ثمَّ تفقه على كبر السن رأى أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إِسْحَاق الثقفى ثمَّ سمع الحَدِيث بعده من مثل أَبى على مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب وطبقته
وَتوفى فى شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة انْتهى كَلَام أَبى سعد وَلَعَلَّهُمَا وَاحِد وَالصَّوَاب مَعَ أَبى سعد
٨٣ - أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن بشر بن مُغفل بن حسان ابْن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُغفل الشَّيْخ الْجَلِيل أَبُو مُحَمَّد المزنى المغفلى الهروى الملقب بالباز الْأَبْيَض
قَالَ الْحَاكِم كَانَ إِمَام أهل الْعلم وَالْوُجُوه وأولياء السُّلْطَان بخراسان فى عصره بِلَا مدافعة سمع بهراة ونيسابور ومروالروذ وجرجان ونسا وبغداد وَالْبَصْرَة وَمَكَّة ومصر والأهواز
وَحج بِالنَّاسِ وخطب بِمَكَّة
стр. 692
وَقَالَ أَبُو النَّصْر عبد الرَّحْمَن بن عبد الْجَبَّار الفامى فِي تَارِيخ هراة كَانَ إِمَام عصره بِلَا مدافعة فى أَنْوَاع الْعُلُوم مَعَ رُتْبَة الوزارة وعلو الْقدر عِنْد السُّلْطَان
وَقَالَ أَبُو سعد بن السمعانى إِنَّه الذى يُقَال لَهُ الشَّيْخ الْجَلِيل ببخارى
قلت سمع على بن مُحَمَّد الجكانى وَأحمد بن نجدة بن الْعُرْيَان وَإِبْرَاهِيم بن أَبى طَالب وَعمْرَان بن مُوسَى بن مجاشع وَالْحسن بن سُفْيَان ويوسف القاضى وَأَبا خَليفَة ومطينا وعبدان وخلقا
روى عَنهُ أَبُو الْعَبَّاس بن عقدَة وَهُوَ من شُيُوخه وَأَبُو بكر الصبغى والقفال الشاشى ومشايخ عصره بخراسان
وَمن الروَاة عَنهُ الْحَاكِم وَأَبُو عبد الله الحازمى
وَذكر الْحَاكِم من عَظمَة الشَّيْخ الْجَلِيل أَبى مُحَمَّد المزنى أَنه كَانَ فَوق الوزراء وَأَنَّهُمْ كَانُوا يصدرون عَن رَأْيه
وَقَالَ أَبُو كَامِل البصرى سَمِعت عبد الصَّمد بن نصر العاصمى يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الأودنى يَقُول احْتَاجَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن على الْقفال الشاشى إِلَى سَماع حَدِيث وَاحِد من حَدِيث المزنى فَأَرَادَ أَن يقْرَأ عَلَيْهِ فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ إِلَى يَوْم الْمجْلس يَا أَبَا بكر فَقَالَ الْقفال أيد الله الشَّيْخ الْجَلِيل إنى مَعَ الْقَافِلَة وهى تخرج الْيَوْم فَإِن أذن لى بِالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ قَالَ قد قلت إِلَى يَوْم الْمجْلس فَلم يقدر لَهُ وَلم يقرئه وَلم يَدعه يسمع مِنْهُ ذَلِك الحَدِيث الذى فِيهِ حَاجَة الْقفال
стр. 693
وَمن شعر الشَّيْخ الْجَلِيل
(نزلنَا مكرهين بهَا فَلَمَّا ... ألفناها خرجنَا مكرهينا)
(وَمَا حب الديار بِنَا وَلَكِن ... أَمر الْعَيْش فرقة من هوينا)
قيل كَانَ الشَّيْخ الْجَلِيل قَتِيل حب الوطن أمْلى مَجْلِسا فى هَذَا الْمَعْنى وَمرض عقبه وَتوفى بعد جُمُعَة فى سَابِع عشر شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَخمسين وثلاثمائة
قَالَ الْحَاكِم وَرَأَيْت الْوَزير أَبَا على البلعمى وَقد حمل فى تابوته وأحضر إِلَى بَاب السُّلْطَان يعْنى ببخارى للصَّلَاة عَلَيْهِ ثمَّ حمل تابوته إِلَى هراة فَدفن بهَا فَسمِعت ابْنه بشرا يَقُول آخر كلمة تكلم بهَا أَن قبض على لحيته وَرفع يَده الْيُمْنَى إِلَى السَّمَاء وَقَالَ ارْحَمْ شيبَة شيخ جَاءَك بتوفيقك على الْفطْرَة
قَالَ الْحَاكِم وَسمعت أَبَا الْفضل السليمانى وَكَانَ صَالحا يَقُول رَأَيْت أَبَا مُحَمَّد المزنى فى الْمَنَام بعد وَفَاته بليلتين وَهُوَ يتبختر فى مشيته وَيَقُول بِصَوْت عَال ﴿وَمَا عِنْد الله خير وَأبقى﴾
٨٤ - أَحْمد بن على بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْفرج بن لال أَبُو بكر الهمذانى
ولد سنة سبع أَو ثَمَان وثلاثمائة
روى عَن أَبِيه وَالقَاسِم بن أَبى صَالح وَإِسْمَاعِيل الصفار وَعبد الباقى بن قَانِع وأبى سعيد بن الأعرابى وَخلق
روى عَنهُ جَعْفَر بن مُحَمَّد الأبهرى وَحميد بن الْمَأْمُون وَأَبُو مَسْعُود أَحْمد بن مُحَمَّد
стр. 694
البجلى وَخلق كثير من أهل همذان وَمن الواردين
وَكَانَ إِمَامًا ثِقَة عَالما
قَالَ شيرويه كَانَ ثِقَة أوحد زَمَانه مفتى الْبَلَد يعْنى همذان يحسن هَذَا الشَّأْن يعْنى الحَدِيث وَله مصنفات فى عُلُوم الحَدِيث غير أَنه كَانَ مَشْهُورا بالفقه وَرَأَيْت لَهُ كتاب السّنَن ومعجم الصَّحَابَة مَا رَأَيْت شَيْئا أحسن مِنْهُ
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق حكى لى سبطه أَبُو سعد أَنه أَخذ الْفِقْه عَن أَبى إِسْحَاق وأبى على بن أَبى هُرَيْرَة وَكَانَ ورعا متعبدا أَخذ عَنهُ الْفِقْه فُقَهَاء همذان
قلت اضْطربَ فى وَفَاته فَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَقيل سادس عشر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَتِسْعين وَقيل سنة تسع وَتِسْعين وَقيل وَكَانَ يَقُول اللَّهُمَّ لَا تحينى إِلَى سنة أَرْبَعمِائَة فَمَاتَ قبلهَا
قيل وَالدُّعَاء عِنْد قَبره مستجاب
стр. 695
٨٥ - أَحْمد بن على بن طَاهِر الجوبقى بِفَتْح الْجِيم ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ بَاء مَفْتُوحَة ثمَّ قَاف نِسْبَة إِلَى الجوبق مَوضِع بنسف أَبُو نصر الأديب الشَّاعِر من أهل نسف
رَحل إِلَى الْعرَاق بعد سنة عشْرين وثلاثمائة واستكثر من شُيُوخ الْعرَاق وخراسان
ودرس الْفِقْه على أَبى إِسْحَاق المروزى وعلق عَنهُ شرح مُخْتَصر المزنى
ثمَّ رَجَعَ إِلَى نسف وَأقَام بهَا سنتَيْن ثمَّ أعَاد الرحلة ثمَّ خرج حَاجا فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَحج وَمَات بالبادية منصرفا من الْحَج سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة
٨٦ - أَحْمد بن عمر بن سُرَيج القاضى أَبُو الْعَبَّاس البغدادى
الباز الْأَشْهب والأسد الضارى على خصوم الْمَذْهَب شيخ الْمَذْهَب وحامل لوائه والبدر الْمشرق فى سمائه والغيث المغدق بروائه لَيْسَ من الْأَصْحَاب إِلَّا من هُوَ حائم على معينه هائم من جَوْهَر بحره بثمينه انْتَهَت إِلَيْهِ الرحلة فَضربت الْإِبِل نَحوه آباطها وعلقت بِهِ العزائم مناطها وأتته أَفْوَاج الطّلبَة لَا تعرف إِلَّا نمارق البيد بساطها
تفقه على أَبى الْقَاسِم الأنماطى
وَسمع الْحسن بن مُحَمَّد الزعفرانى وعباس بن مُحَمَّد الدورى وَأَبا دَاوُد السجستانى وعَلى بن إشكاب وَغَيرهم
стр. 696
روى عَنهُ أَبُو الْقَاسِم الطبرانى الْحَافِظ وَأَبُو الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد الْفَقِيه وَأَبُو أَحْمد الغطريفى وَغَيرهم
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق كَانَ يُقَال لَهُ الباز الْأَشْهب وَولى الْقَضَاء بشيراز
قَالَ وَكَانَ يفضل على جَمِيع أَصْحَاب الشافعى رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِم حَتَّى على المزنى
قلت أَحسب أَن ولَايَته الْقَضَاء كَانَت فى مبادى شَأْنه وَأما بِالآخِرَة فقد سمر على بَابه ليلى قَضَاء الْقُضَاة فَامْتنعَ كَمَا سنحكى ذَلِك فى فصل الْفَوَائِد عَنهُ
وَمن كَلَام الشَّيْخ أَبى حَامِد الإسفراينى نَحن نجرى مَعَ أَبى الْعَبَّاس فى ظواهر الْفِقْه دون دقائقه
وَقَالَ أَبُو عَاصِم العبادى ابْن سُرَيج شيخ الْأَصْحَاب وَمَالك الْمعَانى وَصَاحب الْأُصُول وَالْفُرُوع والحساب
وَقَالَ أَبُو حَفْص المطوعى ابْن سُرَيج سيد طبقته بإطباق الْفُقَهَاء وأجمعهم للمحاسن باجتماع الْعلمَاء ثمَّ هُوَ الصَّدْر الْكَبِير والشافعى الصَّغِير وَالْإِمَام الْمُطلق والسباق الذى لَا يلْحق وَأول من فتح بَاب النّظر وَعلم النَّاس طَرِيق الجدل
وَقَالَ الإِمَام الضياء الْخَطِيب وَالِد الإِمَام فَخر الدّين فى كِتَابه غَايَة المرام إِن أَبَا الْعَبَّاس كَانَ أبرع أَصْحَاب الشافعى فى علم الْكَلَام كَمَا هُوَ أبرعهم فى الْفِقْه
وَقَالَ أَبُو على بن خيران سَمِعت ابْن سُرَيج يَقُول رَأَيْت كَأَنَّمَا مُطِرْنَا كبريتا أَحْمَر فملأت أكمامى وحجرى فَعبر لى أَن أرزق علما عَزِيزًا كعزة الكبريت الْأَحْمَر
стр. 697
وَعَن ابْن سُرَيج يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بالشافعى وَقد تعلق بالمزنى يَقُول رب هَذَا قد أفسد علومى فَأَقُول أَنا مهلا بأبى إِبْرَاهِيم فإنى لم أزل فى إصْلَاح مَا أفْسدهُ
وروى الْخَطِيب أَن أَبَا الْعَبَّاس قَالَ فى علته الَّتِى مَاتَ فِيهَا أريت البارحة فى الْمَنَام كَأَن قَائِلا يَقُول لى هَذَا رَبك تَعَالَى يخاطبك قَالَ فَسمِعت الْخطاب ب ﴿مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين﴾ فَقلت بِالْإِيمَان والتصديق قَالَ فَقيل ب ﴿مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين﴾ قَالَ فَوَقع فى قلبى أَنه يُرَاد منى زِيَادَة فى الْجَواب فَقلت بِالْإِيمَان والتصديق غير أَنا أصبْنَا من هَذِه الذُّنُوب فَقَالَ أما إنى سَأَغْفِرُ لَك
وفى رِوَايَة رَوَاهَا التنوخى عَن بعض أَصْحَاب ابْن سُرَيج قَالَ لنا ابْن سُرَيج يَوْمًا أَحسب أَن الْمنية قد قربت فَقُلْنَا وَكَيف قَالَ رَأَيْت البارحة كَأَن الْقِيَامَة قَامَت وَالنَّاس قد حشروا وَكَأن مناديا يُنَادى بِمَ أجبتم الْمُرْسلين فَقلت بِالْإِيمَان والتصديق فَقَالَ مَا سئلتم عَن الْأَقْوَال بل سئلتم عَن الْأَعْمَال فَقلت أما الْكَبَائِر فقد اجتنبناها وَأما الصَّغَائِر فعولنا فِيهَا على عَفْو الله وَرَحمته فَقُلْنَا لَهُ مَا فى هَذَا مَا يقتضى سرعَة الْمَوْت فَقَالَ أما سَمِعْتُمْ قَوْله ﴿اقْترب للنَّاس حسابهم﴾ قَالَ فَمَاتَ بعد ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا
وَمِمَّنْ سمع هَذَا الْمَنَام من ابْن سُرَيج أَبُو بكر الفارسى صَاحب عُيُون الْمسَائِل وَرَوَاهُ عَنهُ
ولأبى الْعَبَّاس مصنفات كَثِيرَة يُقَال إِنَّهَا بلغت أَرْبَعمِائَة مُصَنف وَلم نقف إِلَّا على الْيَسِير مِنْهَا وقفت لَهُ على كتاب فى الرَّد على ابْن دَاوُد فى الْقيَاس وَآخر فى الرَّد عَلَيْهِ فى مسَائِل اعْترض بهَا الشافعى وَهُوَ حافل نَفِيس وَأما كتاب الْخِصَال الْمَنْسُوب إِلَيْهِ فقليل الجدوى وعندى أَنه لِابْنِهِ أَبى حَفْص عمر بن أَبى الْعَبَّاس
وَقد نَاظر أَبُو الْعَبَّاس الإِمَام دَاوُد الظاهرى وَأما ابْنه مُحَمَّد بن دَاوُد فلأبى الْعَبَّاس
стр. 698
مَعَه المناظرات الْمَشْهُورَة والمجالس المروية وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس يستظهر عَلَيْهِ
وَحكى أَن ابْن دَاوُد قَالَ لَهُ يَوْمًا أبلعنى ريقى فَقَالَ أبلعتك دجلة
وَأَنه قَالَ لَهُ يَوْمًا أمهلنى سَاعَة فَقَالَ أمهلتك من السَّاعَة إِلَى قيام السَّاعَة
وَمَات مُحَمَّد بن دَاوُد قبله فيحكى أَن أَبَا الْعَبَّاس نحى مخادة ومساوره وَجلسَ للتعزية عِنْد مَوته وَقَالَ مَا آسى إِلَّا على تُرَاب أكل لِسَان مُحَمَّد بن دَاوُد
قلت كَذَا لفظ الْحِكَايَة وَلَعَلَّه من المقلوب وَالْمعْنَى إِلَّا على لِسَان مُحَمَّد بن دَاوُد كَيفَ أكله التُّرَاب وَقد جوزت النُّحَاة رفع الْمَفْعُول بِهِ وَنصب الْفَاعِل عِنْد أَمن اللّبْس وأنشدوا عَلَيْهِ
(مثل القنافذ هداجون قد بلغت ... نَجْرَان أَو بلغت سوآتهم هجر)
رفع الْمَفْعُول وَهُوَ هجر لِأَنَّهَا المبلوغة وَنصب الْفَاعِل وَهُوَ السوآت لِأَنَّهَا الْبَالِغَة لأمن اللّبْس
وَمن هَذَا قَول الشَّاعِر أَيْضا
(إِن سِرَاجًا لكريم مفخره ... تحلى بِهِ الْعين إِذا مَا تجهره)
أى تحلى الْعين بِهِ
стр. 699
قَالُوا وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا إِن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ وَقَول الْعَرَب خرق الثَّوْب المسمار
وَيحْتَمل أَن تكون على فى الْحِكَايَة حرف تَعْلِيل وَالْمعْنَى بِسَبَب تُرَاب أكل لِسَان ابْن دَاوُد على حد قَول الشَّاعِر
(علام تَقول الرمْح أثقل عاتقى ... إِذا أَنا لم أطعن إِذا الْخَيل كرت)
وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ أى لهدايته إيَّاكُمْ
قَالَ بَعضهم اجْتمع ابْن سُرَيج وَمُحَمّد بن دَاوُد فاحتج ابْن دَاوُد على أَن أم الْوَلَد تبَاع قَالَ أجمعنا أَنَّهَا كَانَت أمة تبَاع فَمن ادّعى أَن هَذَا الحكم يَزُول بولادتها فَعَلَيهِ الدَّلِيل
فَقَالَ لَهُ ابْن سُرَيج وأجمعنا على أَنَّهَا لما كَانَت حَامِلا لَا تبَاع فَمن ادّعى أَنَّهَا تبَاع إِذا انْفَصل الْحمل فَعَلَيهِ الدَّلِيل فبهت أَبُو بكر
قَالَ أَبُو الْوَلِيد النيسابورى الْفَقِيه سَمِعت ابْن سُرَيج يَقُول قل مَا رَأَيْت من المتفقهة من اشْتغل بالْكلَام فأفلح يفوتهُ الْفِقْه وَلَا يصل إِلَى معرفَة الْكَلَام
وَقدمنَا فى خطْبَة هَذَا الْكتاب الْحِكَايَة الْمَشْهُورَة عَن ابْن سُرَيج وَأَن شَيخنَا قَامَ فى مَجْلِسه وَقَالَ أبشر أَيهَا القاضى. . الْحِكَايَة وفيهَا أَن ذَلِك كَانَ سنة ثَلَاث وثلاثمائة
وَاعْلَم أَن وَفَاة ابْن سُرَيج كَانَت سنة سِتّ وثلاثمائة بِإِجْمَاع وَهُوَ عَالم ذَلِك الْقرن فِيمَا قَالَه جمَاعَة وَقد تقدم فى الْخطْبَة اسْتِيعَاب القَوْل فى ذَلِك
стр. 700
وَكَانَ شَيخنَا الذهبى يَقُول الذى أعتقده فى حَدِيث يبْعَث الله من يجدد أَن من للْجمع لَا للمفرد
وَيَقُول مثلا على رَأس الثلاثمائة ابْن سُرَيج فى الْفِقْه والأشعرى فى أصُول الدّين والنسائى فى الحَدِيث وعَلى الستمائة مثلا الْحَافِظ عبد الْغنى فى الحَدِيث وَالْإِمَام فَخر الدّين فى الْكَلَام وَنَحْو هَذَا
قَالَ الْخَطِيب بلغ سنّ ابْن سُرَيج فِيمَا بلغنى سبعا وَخمسين سنة وَسِتَّة أشهر
أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أخبرنَا الْمُسلم بن مُحَمَّد ابْن عَلان القيسى إجَازَة أخبرنَا زيد بن الْحسن أَبُو الْيمن الكندى أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز أخبرنَا الْخَطِيب أَبُو بكر الْحَافِظ أخبرنَا على بن المحسن التنوخى أخبرنَا أَبى حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن البخترى القاضى الداوودى حَدَّثَنى أَبُو الْحسن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُغلس الداوودى قَالَ كَانَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن دَاوُد وَأَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج إِذا حضرا مجْلِس القاضى أَبى عمر يعْنى مُحَمَّد بن يُوسُف لم يجر بَين اثْنَيْنِ فِيمَا يتفاوضانه أحسن مِمَّا يجرى بَينهمَا وَكَانَ ابْن سُرَيج كثيرا مَا يتَقَدَّم أَبَا بكر فى الْحُضُور فى الْمجْلس فتقدمه أَبُو بكر يَوْمًا فَسَأَلَهُ حدث من الشافعيين عَن الْعود الْمُوجب لِلْكَفَّارَةِ فى الظِّهَار مَا هُوَ فَقَالَ إِنَّه إِعَادَة القَوْل ثَانِيًا وَهُوَ مذْهبه وَمذهب دَاوُد فطالبه بِالدَّلِيلِ فشرع فِيهِ وَدخل ابْن سُرَيج فاستشرحهم مَا جرى فشرحوه فَقَالَ ابْن سُرَيج لِابْنِ دَاوُد أَولا يَا أَبَا بكر أعزّك الله هَذَا قَول من من الْمُسلمين تقدمكم فِيهِ فاستشاط أَبُو بكر من ذَلِك وَقَالَ أتقدر أَن من اعتقدت أَن قَوْلهم إِجْمَاع فى هَذِه الْمَسْأَلَة إِجْمَاع عندى أحسن أَحْوَالهم أَن أعدهم خلافًا وهيهات أَن يَكُونُوا كَذَلِك فَغَضب ابْن سُرَيج وَقَالَ أَنْت يَا أَبَا بكر بِكِتَاب الزهرة
стр. 701
أمهر مِنْك فى هَذِه الطَّرِيقَة فَقَالَ أَبُو بكر وبكتاب الزهرة تعيرنى وَالله مَا تحسن تستتم قِرَاءَته قِرَاءَة من يفهم وَإنَّهُ لمن أحد المناقب إِذْ كنت أَقُول فِيهِ
(أكرر فى روض المحاسن مقلتى ... وَأَمْنَع نفسى أَن تنَال محرما)
(وينطق سرى عَن مترجم خاطرى ... فلولا اختلاسى رده لتكلما)
(رَأَيْت الْهوى دَعْوَى من النَّاس كلهم ... فَمَا إِن أرى حبا صَحِيحا مُسلما)
فَقَالَ لَهُ ابْن سُرَيج أَو على تَفْخَر بِهَذَا القَوْل وَأَنا الذى أَقُول
(ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمْنَعهُ لذيذ سناته)
(ضنا بِحسن حَدِيثه وعتابه ... وأكرر اللحظات فى وجناته)
(حَتَّى إِذا مَا الصُّبْح لَاحَ عموده ... ولى بِخَاتم ربه وبراته)
فَقَالَ ابْن دَاوُد لأبى عمر أيد الله القاضى قد أقرّ بالمبيت على الْحَال الَّتِى ذكرهَا وَادّعى الْبَرَاءَة مِمَّا يُوجِبهُ فَعَلَيهِ إِقَامَة الْبَيِّنَة
فَقَالَ ابْن سُرَيج من مذهبى أَن الْمقر إِذا أقرّ إِقْرَارا وناطه بِصفة كَانَ إِقْرَاره موكولا إِلَى صفته
فَقَالَ ابْن دَاوُد للشافعى فى هَذِه الْمَسْأَلَة قَولَانِ
فَقَالَ ابْن سُرَيج فَهَذَا القَوْل الذى قلته اختيارى السَّاعَة
أخبرنَا جدى القاضى أَبُو مُحَمَّد عبد الكافى بن على بن تَمام السبكى تغمده الله برحمته بِقِرَاءَة أَبى رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَأَنا حَاضر أسمع أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحِيم بن يُوسُف ابْن خطيب المزة سَمَاعا عَلَيْهِ أخبرنَا عمر بن طبرزد حضورا فى الْخَامِسَة أخبرنَا أَبُو الْمَوَاهِب أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن مُلُوك الْوراق والقاضى أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الباقى بن مُحَمَّد الأنصارى قَالَا أخبرنَا القاضى الْجَلِيل أَبُو الطّيب طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر الطبرى الشافعى حَدثنَا أَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن أَحْمد بن الغطريف الغطريفى بجرجان سنة إِحْدَى
стр. 702
وَسبعين وثلاثمائة حَدثنَا الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عمر بن سُرَيج حَدثنَا أَبُو يحيى الضَّرِير مُحَمَّد بن سعيد الْعَطَّار حَدثنَا عُبَيْدَة بن حميد حَدثنَا الْأَعْمَش عَن حبيب بن أَبى ثَابت عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا عَن على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ قَالَ كنت رجلا مذاء وَكنت أَكثر الِاغْتِسَال فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ (يَكْفِيك مِنْهُ الْوضُوء)
ذكر نخب وفوائد عَن أَبى الْعَبَّاس رضى الله عَنهُ
قَالَ شَيخنَا أَبُو حَيَّان ﵀ فى الارتشاف ركب أَبُو الْعَبَّاس ابْن سُرَيج مَا دخلت عَلَيْهِ لَو تركيبا غير عربى فَقَالَ
(وَلَو كلما كلب عوى ملت نَحوه ... أجاوبه إِن الْكلاب كثير)
(وَلَكِن مبالاتى بِمن صَاح أَو عوى ... قَلِيل فإنى بالكلاب بَصِير)
انْتهى
وَلم يبين وَجه خُرُوج أَبى الْعَبَّاس عَن اللِّسَان فى هَذَا فَإِن أَرَادَ تسليطه حرف لَو على الْجُمْلَة الإسمية فَهُوَ مَذْهَب كثير من النُّحَاة مِنْهُم الشَّيْخ جمال الدّين بن مَالك جوزوا أَن يَليهَا اسْم وَيكون مَعْمُول فعل مُضْمر مُفَسّر بِظَاهِر بعد الِاسْم
قَالَ فى التسهيل وَإِن وَليهَا اسْم فَهُوَ مَعْمُول فعل مُضْمر مُفَسّر بِظَاهِر بعد الِاسْم وَرُبمَا وَليهَا اسمان مرفوعان انْتهى
وَمِثَال مَا إِذا وَليهَا اسْم مَا روى فى الْمثل مثل قَوْلهم لَو ذَات سوار لطمتنى وَقَول عمر رضى الله عَنهُ لَو غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة وَقَالَ الشَّاعِر
(أخلاى لَو غير الْحمام أَصَابَكُم ... عتبت وَلَكِن مَا على الدَّهْر معتب)
стр. 703
وَقَالَ آخر
(لَو غَيْركُمْ علق الزبير بحبله ... أدنى الْجوَار إِلَى بنى الْعَوام)
وَقَالَ آخر
(فَلَو غير أخوالى أَرَادوا نقيصتى ... جعلت لَهُم فَوق العرانين ميسما)
فالأسماء الَّتِى وليت لَو فى هَذَا كُله معمولة لفعل مُضْمر يفسره مَا بعده كَأَنَّهُ قَالَ وَلَو لطمتنى ذَات سوار لطمتنى وَكَذَا نقُول فى قَول ابْن سُرَيج وَلَو كلما كلب الْمَعْنى وَلَو كَانَ كلما كلب عوى وَيدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَو أَنْتُم تَمْلِكُونَ خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي إِذا لأمسكتم خشيَة الْإِنْفَاق﴾
وَلَا يلْزم من رد أَبى حَيَّان لهَذَا الْمَذْهَب ودعواه أَنه غير مَذْهَب الْبَصرِيين أَن يكون مردودا فى نَفسه
وَإِن أَرَادَ حذف الْجَواب إِذْ التَّقْدِير وَلَو كَانَ كلما عوى كلب ملت نَحوه كى أجاوبه لسئمت أَو تعبت أَو نَحْو ذَلِك لِأَن الْكلاب كثير فقد نَص هُوَ وَغَيره على جَوَاز حذف جَوَاب لَو لدلَالَة الْمَعْنى عَلَيْهِ وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على النَّار﴾ وشواهده كَثِيرَة
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا الْوَلِيد النيسابورى يَقُول سَأَلت ابْن سُرَيج مَا معنى قَول رَسُول الله ﷺ (قل هُوَ الله أحد تعدل ثلث الْقُرْآن فَقَالَ إِن الْقُرْآن أنزل ثلثا مِنْهُ أَحْكَام وَثلثا مِنْهُ وعد ووعيد وَثلثا أَسمَاء وصفات وَقد جمع فِي ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ الْأَسْمَاء وَالصِّفَات
стр. 704
قَالَ القاضى أَبُو على البندنيجى فى الذَّخِيرَة حكى عَن أَبى الْعَبَّاس ابْن سُرَيج أَنه كَانَ يُوصل المَاء إِلَى أُذُنَيْهِ تسع مَرَّات يغسلهما ثَلَاثًا مَعَ الْوَجْه وَيمْسَح عَلَيْهِمَا ثَلَاثًا مَعَ الرَّأْس ويفردهما بِالْمَسْحِ ثَلَاثًا
قلت وَقد اسْتحْسنَ النووى فى الرَّوْضَة صنع ابْن سُرَيج هَذَا وَغلط من غلطه فِيهِ
وَنَظِيره مَا حَكَاهُ القاضى الْحُسَيْن فى تَعْلِيقه فى بَاب صَلَاة الْمُسَافِر عَنهُ ضمن فرع حسن
قَالَ القاضى ﵀ بعد تعديد مسَائِل يسْتَحبّ فِيهَا الْخُرُوج من الْخلاف مَا نَصه فى الفصد والحجامة يسْتَحبّ لَهُ أَن يتَوَضَّأ إِذا صَار وضوءه خلقا بِأَن أدّى بِهِ فرضا أَو نَافِلَة فَأَما إِذا لم يؤد بِهِ شَيْئا فَلَا يسْتَحبّ لِأَن تَجْدِيد الْوضُوء مَكْرُوه قبل أَن يُؤدى بِالْأولِ صَلَاة مَا لِأَنَّهُ يُؤدى إِلَى الزِّيَادَة على الْأَرْبَع
ويحكى عَن ابْن سُرَيج أَنه كَانَ بعد مَا افتصد مس ذكره ثمَّ تَوَضَّأ وَهَذَا لَيْسَ بقوى لِأَنَّهُ لَا فرق عندنَا بَين مَا لَو أحدث أَو مس ذكره انْتهى
وَمَا ذكره من عدم اسْتِحْبَاب التَّجْدِيد إِذا لم يؤد بِهِ صَلَاة لِأَن الغسلة تصير رَابِعَة حكم ظَاهر وتعليل حسن
وَنَظِيره قَول الشَّيْخ أَبى مُحَمَّد فى الفروق مَا نَصه إِذا تَوَضَّأ فَغسل وَجهه مرّة وَيَديه مرّة وَمسح رَأسه مرّة وَغسل رجلَيْهِ مرّة ثمَّ عَاد فَغسل وَجهه ثَانِيَة وَيَديه ثَانِيَة إِلَى آخرهَا ثمَّ فعل ذَلِك مرّة ثَالِثَة لم تجز انْتهى
وسنعيد للفرع ذكرا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فى تَرْجَمَة الشَّيْخ أَبى مُحَمَّد
قَالَ أَبُو حَفْص المطوعى كَانَ على بن عِيسَى الْوَزير منحرفا عَن أَبى الْعَبَّاس لفضل ترفعه وتقاعده عَن زيارته منصبا بالميل إِلَى أَبى عمر المالكى القاضى لمواظبته على خدمته وَلذَلِك كَانَ مَا قَلّدهُ من الْقَضَاء وَكَانَت فى أَبى عمر نخوة على أكفائه من فُقَهَاء بَغْدَاد لعلو مرتبته فَحمل ذَلِك جمَاعَة من الْفُقَهَاء على تتبع فَتَاوِيهِ حَتَّى ظفروا لَهُ بفتوى
стр. 705
خَالف فِيهَا الْجَمَاعَة وخرق الْإِجْمَاع وانهى ذَلِك إِلَى الْخَلِيفَة والوزير فعقدوا مَجْلِسا لذَلِك وَكَانَ خُذ أَبى عمر فِيهِ الأضرع وفيمن حضر أَبُو الْعَبَّاس ابْن سُرَيج فَلم يزدْ على السُّكُوت فَقَالَ لَهُ الْوَزير فى ذَلِك فَقَالَ مَا أكاد أَقُول فيهم وَقد ادعوا عَلَيْهِ خرق بِالْإِجْمَاع وأعياه الِانْفِصَال عَمَّا اعْترضُوا بِهِ عَلَيْهِ ثمَّ إِن مَا أفتى بِهِ قَول عدَّة من الْعلمَاء وأعجب مَا فى الْبَاب انه قَول صَاحبه مَالك وَهُوَ مسطور فى كِتَابه الفلانى فَأمر الْوَزير بإحضار ذَلِك الْكتاب فَكَانَ الْأَمر على مَا قَالَه فأعجب بِهِ غَايَة الْإِعْجَاب وتعجب من حفظه لخلاف مذْهبه وغفلة أَبى عمر عَن مَذْهَب صَاحبه وَصَارَ هَذَا من أوكد أَسبَاب الصداقة بَينه وَبَين الْوَزير وَمَا زَالَت عناية الْوَزير بِهِ حَتَّى رشحه للْقَضَاء فَامْتنعَ أَشد الِامْتِنَاع فَقَالَ إِن امتثلت مَا مثلته لَك وَإِلَّا أجبرتك عَلَيْهِ قَالَ افْعَل مَا بدا لَك فَأمر الْوَزير حَتَّى سمر عَلَيْهِ بَابه وعاتبه النَّاس على ذَلِك فَقَالَ أردْت أَن يتسامع النَّاس أَن رجلا من أَصْحَاب الشافعى عومل على تقلد الْقَضَاء بِهَذِهِ الْمُعَامَلَة وَهُوَ مصر على إبائه زهدا فى الدُّنْيَا
قلت كَانَ هَذَا فى آخر حَال ابْن سُرَيج وَكَانَ المسؤول عَلَيْهِ قَضَاء بَغْدَاد وَأما فى أول أمره فقد قدمنَا عَن الشَّيْخ أَبى إِسْحَاق أَنه ولى الْقَضَاء بِمَدِينَة شيراز
وَمن شعر أَبى الْعَبَّاس ابْن سُرَيج فى مُخْتَصر المزنى
(لصيق فؤادى مُنْذُ عشْرين حجَّة ... وصيقل ذهنى والمفرج عَن همى)
(عَزِيز على مثلى إِعَارَة مثله ... لما فِيهِ من علم لطيف وَمن نظم)
(جموع لأصناف الْعُلُوم بأسرها ... فأخلق بِهِ أَن لَا يُفَارِقهُ كمى)
قَالَ القاضى أَبُو عَاصِم استدرك أَبُو الْعَبَّاس على مُحَمَّد بن الْحسن مَسْأَلَة
следующие страницы →