← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

بزان أَو نَحوه وَقد لَا يكون زَانيا وَلَا عفيفا أَلا ترى أَن من وطئ محرما مَمْلُوكَة لَهُ لَيْسَ بعفيف على الْمَذْهَب وَمن ثمَّ لَا يحد قَاذفه وَمَا هُوَ بزان للشُّبْهَة وَبِهَذَا يتَوَجَّه كَلَام ابْن الْقَاص فَإِنَّهُ يَقُول إِنَّمَا يثبت الْحَد بِوُجُود الْعِفَّة لَا بِانْتِفَاء الزِّنَا فليحلف على الْعِفَّة وَالْخلاف بَين ابْن الْقَاص وأبى زيد حَكَاهُ شُرَيْح فى أدب الْقَضَاء وَغَيره وَمن الْعجب أَن الْقفال ذكر فى أَوَائِل أدب الْقَضَاء من شرح التَّلْخِيص كَلَام أَبى زيد مُقْتَصرا عَلَيْهِ وَلم يذكر كَلَام ابْن الْقَاص فرع هَل يكفى فى الشَّهَادَة على الشَّهَادَة مُطلق الاسترعاء أَو لابد من استرعاء الشَّاهِد بِخُصُوصِهِ هَذِه الْمَسْأَلَة من مخرجات أَبى الْعَبَّاس بن الْقَاص ذكر فى كتاب أدب الْقَضَاء فى بَاب ذكر الشَّهَادَة على الشَّهَادَة أَن الشافعى وَأَبا حنيفَة اخْتلفَا فِيهَا فَقَالَ الشافعى يجوز لَهما أَن يشهدَا على شَهَادَة من سمعاه يسترعى شَاهدا وَإِن لم يسترعهما قَالَ قلته تخريجا وَبِهَذَا جزم الرافعى فَقَالَ وَإِذا حصل الاسترعاء لم يخْتَص التَّحَمُّل بِمن استرعاه بل لزيد التَّحَمُّل وَالْأَدَاء باسترعاء عَمْرو خلافًا لأبى حنيفَة وَلم يزدْ على هَذَا الْقدر مَعَ أَن الْمَسْأَلَة كَبِيرَة خلافية وَقد بسطها الإِمَام فى النِّهَايَة فَجزم بِمَا جزم بِهِ الرافعى وَبَين وَجهه فَقَالَ ثمَّ أجمع أَصْحَابنَا على أَن الاسترعاء فى عينه لَيْسَ شرطا بل إِذا جرى لفظ الشَّهَادَة من شَاهد الأَصْل على وَجه لَا يحْتَمل إِلَّا الشَّهَادَة فَيصير السَّامع فرعا لَهُ وَإِن لم يصدر من جِهَته أمرا وَأذن فى تحمل الشَّهَادَة إِلَى أَن قَالَ وَلَو أشهد شَاهد الأَصْل زيدا على

стр. 737

شَهَادَته وَكَانَ عَمْرو بالحضرة فلعمرو أَن يتَحَمَّل الشَّهَادَة كَمَا لزيد المسترعى فَإِنَّهُ لما استرعى زيدا فقد تبين تَجْرِيد الْقَصْد فى الشَّهَادَة وَهُوَ الْمَطْلُوب فيتحملها عَنهُ وَإِن لم يتَعَلَّق الاسترعاء بِهِ فَإِن الشَّهَادَة على الشَّهَادَة لَيست استنابة من شَاهد الأَصْل وَلَا توكيلا وَإِنَّمَا الْغَرَض مِنْهُ حُصُول الشَّهَادَة فى حَقّهَا مَقْصُودَة مُجَرّدَة مرفاة عَن احْتِمَال الْكَلَام الذى قد يجريه الْإِنْسَان من غير ثَبت انْتهى وَأَقُول اقْتصر صَاحب الْبَيَان على عزو ذَلِك إِلَى ابْن الْقَاص والمسعودى وَلَكِن جزم بِهِ أَيْضا القاضى أَبُو سعد فى الإشراف وَكَلَام طوائف من أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيّين وَغَيرهم كَالصَّرِيحِ فى اشْتِرَاط استرعاء الشَّاهِد بِخُصُوصِهِ وعَلى ذَلِك تدل عبارَة صَاحب التَّنْبِيه وَصرح القاضى شُرَيْح فى أدب الْقَضَاء بِالْخِلَافِ فِيهِ المحمدون من أهل هَذِه الطَّبَقَة ١٠٧ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن يُوسُف أَبُو الْحسن الْكَاتِب من أجل فقهائنا قَالَ ابْن باطيش ولد سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ بالحسنية ١٠٨ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْأَزْهَر بن طَلْحَة الهروى أَبُو مَنْصُور الأزهرى الهروى اللغوى صَاحب تَهْذِيب اللُّغَة ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ

стр. 738

وَسمع بهراة من الْحُسَيْن بن إِدْرِيس وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن السامى وَطَائِفَة ثمَّ رَحل إِلَى بَغْدَاد فَسمع أَبَا الْقَاسِم البغوى وَأَبا بكر بن دَاوُد وَإِبْرَاهِيم بن عَرَفَة نفطويه وَابْن السراج وَأَبا الْفضل المنذرى وَعبد الله بن عُرْوَة وَغَيرهم روى عَنهُ أَبُو يَعْقُوب القراب وَأَبُو ذَر عبد بن أَحْمد وَأَبُو عُثْمَان سعيد القرشى وَالْحُسَيْن الباشانى وعَلى بن أَحْمد بن خمرويه وَغَيرهم وَكَانَ إِمَامًا فى اللُّغَة بَصيرًا بالفقه عَارِفًا بِالْمذهبِ عالى الْإِسْنَاد ثخين الْوَرع كثير الْعِبَادَة والمراقبة شَدِيد الِانْتِصَار لألفاظ الشافعى متحريا فى دينه أدْرك ابْن دُرَيْد وَامْتنع أَن يَأْخُذ عَنهُ اللُّغَة وَقد حمل اللُّغَة عَن الأزهرى جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عبيد الهروى صَاحب الغريبين وَمن مصنفات الأزهرى التَّهْذِيب عشرَة مجلدات وَكتاب التَّقْرِيب فى التَّفْسِير وَكتاب تَفْسِير أَلْفَاظ المزنى وَكتاب علل الْقرَاءَات وَكتاب الرّوح وَمَا ورد فِيهَا من الْكتاب وَالسّنة وَكتاب تَفْسِير الْأَسْمَاء الْحسنى وَتَفْسِير إصْلَاح الْمنطق وَتَفْسِير السَّبع الطول وَتَفْسِير ديوَان أَبى تَمام وَأسر مرّة أسرته القرامطة فَحكى عَن نَفسه أَنه وَقع فى أسر عرب نشأوا فى الْبَادِيَة يتتبعون مساقط الْغَيْث أَيَّام النجع ويرجعون إِلَى أعداد الْمِيَاه فى محاضرهم زمن القيظ ويتكلمون بطبائعهم البدوية وَلَا يكَاد يُوجد فى منطقهم لحن أَو خطأ فَاحش

стр. 739

قَالَ فَبَقيت فى أسرهم دهرا طَويلا واستفدت مِنْهُم ألفاظا جمة ثمَّ توفى فى شهر ربيع الآخر سنة سبعين وثلاثمائة

стр. 740

وَمن الرِّوَايَة والفوائد عَن أَبى مَنْصُور وَأخْبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا أخبرنَا أَبُو على الْخلال أخبرنَا عبد الله بن عمر

стр. 741

ح وَكتب إِلَى أَحْمد بن أَبى طَالب عَن ابْن عمر أخبرنَا عبد الأول بن عِيسَى

стр. 742

أخبرنَا أَبُو إِسْمَاعِيل عبد الله بن مُحَمَّد أخبرنَا على بن أَحْمد بن خميرويه حَدثنَا مُحَمَّد ابْن أَحْمد بن الْأَزْهَر إملاء حَدثنَا عبيد الله بن عُرْوَة حَدثنَا مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن الحكم عَن على بن الْحُسَيْن عَن مَرْوَان بن الحكم قَالَ شهِدت عُثْمَان وعليا فَنهى عُثْمَان عَن الْمُتْعَة وَأَن يجمع بَينهمَا فَلَمَّا رأى ذَلِك على أهل بهما فَقَالَ لبيْك بِحجَّة وَعمرَة فَقَالَ عُثْمَان ترانى أنهى النَّاس وَأَنت تَفْعَلهُ فَقَالَ لم أكن لأدع سنة رَسُول الله ﷺ لقَوْل أحد من النَّاس قَالَ شَيخنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ // إِسْنَاده صَحِيح // قَالَ وَهُوَ شئ غَرِيب إِذْ فِيهِ رِوَايَة على بن الْحُسَيْن عَن مَرْوَان وَفِيه تصويب مَرْوَان اجْتِهَاد على رضى الله عَنهُ على اجْتِهَاد عُثْمَان رضى الله عَنهُ مَعَ كَون مَرْوَان عثمانيا قيل وجد على أصل كتاب التَّهْذِيب بِخَط الأزهرى (وَإِن عناء أَن تعلم جَاهِلا ... ويحسب جهلا أَنه مِنْك أعلم) (مَتى يبلغ الْبُنيان يَوْمًا تَمَامه ... إِذا كنت تبنيه وَآخر يهدم) (فَكيف بِنَاء خَلفه ألف هَادِم ... وَألف وَألف ثمَّ ألف وَأعظم)

стр. 743

١٠٩ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدَان بن على بن عبد الله بن سِنَان أَبُو عَمْرو ابْن الزَّاهِد أَبى جَعْفَر الحيرى النيسابورى الزَّاهِد الْمُقْرِئ الْفَقِيه الْمُحدث النحوى أدْرك أَبَا عُثْمَان الحيرى وَسمع مِنْهُ سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ سمع أَبَا بكر مُحَمَّد بن زَنْجوَيْه بن الْهَيْثَم وَأَبا عَمْرو أَحْمد بن نصر وجعفر بن أَحْمد الْحَافِظ ورحل فَسمع من الْحسن بن سُفْيَان سنة تسع وَتِسْعين مُسْنده ومسند شَيْخه أَبى بكر بن أَبى شيبَة وَسمع من أَبى يعلى الموصلى مُسْنده وَمن عَبْدَانِ الأهوازى وزكرياء الساجى وَمُحَمّد بن جرير الطبرى وأبى الْعَبَّاس بن السراج وَابْن خُزَيْمَة وَخلق روى عَنهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَأَبُو نعيم الْحَافِظ وَأَبُو سعيد مُحَمَّد بن على النقاش وَأَبُو الْعَلَاء صاعد بن مُحَمَّد الهروى وَأَبُو حَفْص بن مسرور وَعبد الغافر بن مُحَمَّد الفارسى وَأَبُو سعد الكنجروذى وَأَبُو عُثْمَان سعيد بن مُحَمَّد البحيرى وَأَبُو سعد وَآخَرُونَ وَكَانَ الْمَسْجِد فرَاشه نيفا وَثَلَاثِينَ سنة ثمَّ لما عمى وَضعف نقل إِلَى بعض أَقَاربه بِالْحيرَةِ من نيسابور وَصَحب الزهاد

стр. 744

قَالَ الْحَاكِم ولد لَهُ بنت وَهُوَ ابْن تسعين سنة وَتوفى وَزَوجته حُبْلَى فبلغنى أَنَّهَا قَالَت لَهُ عِنْد وَفَاته قد قربت ولادتى فَقَالَ سلميه إِلَى الله فقد جَاءُوا ببراءتى من السَّمَاء وَتشهد وَمَات فى الْوَقْت ﵀ توفى فى الثَّامِن وَالْعِشْرين من ذى الْقعدَة سنة سِتّ وَسبعين وثلاثمائة وَصلى عَلَيْهِ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم الْحَافِظ وَقع لنا حَدِيثه بعلو ١١٠ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن الرّبيع بن سُلَيْمَان بن أَبى مَرْيَم أَبُو رَجَاء الأسوانى أحد فقهائنا ذكره أَبُو سعيد بن يُونُس وَقَالَ كتب عَن على بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ فَقِيها على مَذْهَب الشافعى أديبا فصيح اللِّسَان وَله نظم وَمن نظمة قصيدة ذكر فِيهَا أَخْبَار الْعَالم وقصص الْأَنْبِيَاء ﵈ وَكتاب مُخْتَصر المزنى والطب والفلسفة وَغير ذَلِك سُئِلَ قبل مَوته كم بلغت قصيدتك قَالَ ثَلَاثِينَ ألفا وَمِائَة ألف بَيت وبقى على أَشْيَاء تحْتَاج إِلَى زِيَادَة توفى فى ذى الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة قلت وقفت لَهُ على كتاب جمل الْأُصُول الدَّالَّة على الْفُرُوع فى الْفِقْه فى مجلدين لطيفين وقف دَار الحَدِيث الأشرفية بِدِمَشْق ويعنى بالأصول نُصُوص الشافعى فِيمَا أَحسب ذكر أَنه اخْتَصَرَهُ من كتب الشَّافِعِي وَقد أَجَاد فِيهِ تَلْخِيص النُّصُوص وَرُبمَا اعْترض أَو نظر كَقَوْلِه فى بَاب الْوَصِيَّة مِنْهُ وَإِن أوصى لَهُ بجمل أَو بعير لم يُعْط نَاقَة وَفِيه نظر انْتهى

стр. 745

فَإِن أَرَادَ التنظير بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَعِير فقد قَالَه الْأَصْحَاب واستشكلوا النَّص على أَن الْبَعِير لَا يتَنَاوَل النَّاقة وصححوا أَنه يتَنَاوَلهُ وَإِن أَرَادَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجمل أَيْضا كَمَا هُوَ ظَاهر إِطْلَاقه فَغَرِيب فالمعروف عِنْد الْأَصْحَاب مَا هُوَ الْمَنْصُوص من أَن الْجمل لَا يتَنَاوَل النَّاقة وَبِالْعَكْسِ وَقَالَ فى هَذَا الْبَاب أَيْضا وَإِن أوصى بِثُلثِهِ للغازى فى سَبِيل الله أَو للْمَسَاكِين فهم الَّذين من الْبَلَد الَّذِي فِيهِ مَاله انْتهى وَهَذَا وَجه وَالصَّحِيح جَوَاز النَّقْل وَالصرْف إِلَى من فى بلد أُخْرَى وَقد نبهنا قَوْله الْبَلَد الذى فِيهِ مَاله على أَنه لَو كَانَ فى بلد وَمَاله فى آخر كَانَت الْعبْرَة عِنْد من لَا يرى النَّقْل بِبَلَد مَاله لَا بَلَده وهى مَسْأَلَة ١١١ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الفاشانى من قَرْيَة فاشان إِحْدَى قرى مرو بفاء مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ثمَّ شين مُعْجمَة ثمَّ ألف ثمَّ نون هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْجَلِيل شيخ الْإِسْلَام أَبُو زيد المروزى الْمُنْقَطع القرين فَلَيْسَ من يساجله والمنقطع القرين يتْركهُ مصفرا أنامله والمنقطع إِلَى رب الْعَالمين فَلَا يعامر سواهُ وَلَا يعامله فَرد الْأمة فى عصره وَوَاحِد الزَّمَان بِاتِّفَاق أهل مصره وَغير مصره أَبُو زيد فى الْعلم وَعَمْرو وَبكر وخَالِد وَشَيخ كل صادر من المريدين ووارد أحد الْأَفْرَاد علما وورعا وَوَاحِد الْآحَاد إفرادا وجمعا مولده سنة إِحْدَى وثلاثمائة حدث عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الفربرى وَعمر بن علك المروزى وَمُحَمّد بن عبد الله السعدى وأبى الْعَبَّاس الدغولى وَأحمد بن مُحَمَّد المنكدرى وَغَيرهم

стр. 746

روى عَنهُ الْهَيْثَم بن أَحْمد الصّباغ وَعبد الْوَاحِد بن مشماس وَعبد الْوَهَّاب الميدانى وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى وَغَيرهم من النيسابوريين وَأَبُو الْحسن الدارقطنى كَذَا قَالَ الذهبى مَعَ تقدمه وَلم يتَقَدَّم لَا مولدا وَلَا وَفَاة نعم هُوَ أَكثر الروَاة عَنهُ وَأَبُو بكر البرقانى وَمُحَمّد بن أَحْمد المحاملى وَغَيرهم من البغداديين والفقيه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن إِبْرَاهِيم الْأصيلِيّ وَآخَرُونَ وَكَانَ مِمَّن أجمع النَّاس على زهده وورعه وَكَثْرَة علمه وجلالته فى الْعلم وَالدّين قَالَ الْحَاكِم كَانَ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين وَمن أحفظ النَّاس لمَذْهَب الشافعى وَأَحْسَنهمْ نظرا وأزهدهم فى الدُّنْيَا سَمِعت أَبَا بكر الْبَزَّار يَقُول عادلت الْفَقِيه أَبَا زيد من نيسابور إِلَى مَكَّة فَمَا أعلم أَن الْمَلَائِكَة كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين حَافِظًا لمَذْهَب الشافعى حسن النّظر مَشْهُورا بالزهد والورع وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق كَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب حسن النّظر مَشْهُورا بالزهد وَحدث بالجامع الصَّحِيح للبخارى قَالَ الْحَاكِم وهى من أجل الرِّوَايَات لجلالة أَبى زيد وَقَالَ الْخَطِيب أَبُو زيد أجل من روى ذَلِك الْكتاب قلت وَعَجِبت من إغفال الْحَاكِم سَماع صَحِيح البخارى مِنْهُ إِن كَانَ أغفله ثمَّ عجبت من إغفال النَّاس أَخذه عَن الْحَاكِم إِن كَانَ لم يغفله وَقد جاور أَبُو زيد بِمَكَّة على علو السن مُدَّة حَتَّى كَاد يعرفهُ ركن الْحطيم ويألفه مقَام إِبْرَاهِيم ويشكر سَعْيه الصَّفَا وَيذكر محامده إخْوَان الصَّفَا ينشر الْعلم ويشيعه

стр. 747

ويطوى اللَّيْل وَلَا يضيعه حَتَّى تضوع مِنْهُ مسكا بطن نعْمَان وترفع بحلوله قدرا مَا هُنَالك من الْأَركان قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْفَقِيه يَقُول سَمِعت أَبَا زيد المروزى يَقُول لما عزمت على الرُّجُوع إِلَى خُرَاسَان من مَكَّة تقسم قلبى بذلك وَكنت أَقُول مَتى يمكننى هَذَا والمسافة بعيدَة وَالْمَشَقَّة لَا أحتملها وَقد طعنت فى السن فَرَأَيْت فى الْمَنَام كَأَن رَسُول الله ﷺ قَاعد فى صحن الْمَسْجِد الْحَرَام وَعَن يَمِينه شَاب فَقلت يَا رَسُول الله قد عزمت على الرُّجُوع إِلَى خُرَاسَان والمسافة بعيدَة فَالْتَفت رَسُول الله ﷺ إِلَى الشَّاب وَقَالَ (يَا روح الله آصحبه إِلَى وَطنه) وَقَالَ أَبُو زيد فَأريت أَنه جِبْرِيل ﵇ فَانْصَرَفت إِلَى مرو وَلم أحس بشئ من مشقة السّفر هَذَا أَو نَحوه فإنى لم أراجع الْمَكْتُوب عندى من لفظ أَبى الْحسن انْتهى كَلَام الْحَاكِم وَفِيه كَمَا أرى أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد وَحَكَاهُ كَذَلِك عَن الْحَاكِم الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فى كتاب تَبْيِين كذب المفترى وَابْن الصّلاح فى الطَّبَقَات وَأَبُو الْحسن تقدم فى الأحمدين وَتَقَدَّمت عَنهُ هَذِه الْحِكَايَة وَتقدم قَول الْحَاكِم أخبرنى الثِّقَة أَنه أَحْمد بن مُحَمَّد فَلَا تتوهمن أَنه اثْنَان وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِد فى اسْمه اخْتِلَاف وَذكر الْحَاكِم تَرْجَمته فى موضِعين فليضبط ذَلِك

стр. 748

وَمِمَّا يذكر من ورع الشَّيْخ أَبى زيد قَالَ القاضى الْحُسَيْن فى التعليقة قَالَ الشَّيْخ الْقفال سَأَلت الشَّيْخ أَبَا زيد لم جوز الشافعى صَلَاة النَّفْل فى السّفر رَاكِبًا وماشيا غير مُسْتَقْبل فَقَالَ إِن للنَّاس أورادا كَثِيرَة وَرُبمَا يحْتَاج الْمَرْء إِلَى الْخُرُوج إِلَى السّفر فى معاشه ومكاسبه فَلَو قُلْنَا إِنَّه لَا تجوز لَهُ النَّافِلَة فى السّفر لَأَدَّى ذَلِك إِلَى أَن يشْتَغل بالأوراد وَيَنْقَطِع عَن معايشه وَقَالَ أَيْضا سَأَلت أَبَا عبد الله الخضرى عَن هَذَا فَقَالَ رُبمَا كَانَ للْإنْسَان أوراد كَثِيرَة وَخرج إِلَى السّفر فى بعض حَوَائِجه لأمر معاشه فَلَو قُلْنَا لَا تجوز لَهُ النَّافِلَة فى السّفر لَأَدَّى ذَلِك إِلَى تَركه الأوراد واشتغاله بمعاشه قَالَ الْقفال انْظُرُوا إِلَى فضل مَا بَينهمَا فَإِن أَبَا زيد كَانَ رجلا زاهدا فَقدم أَمر الدّين على الدُّنْيَا فى الْجَواب وَكَانَ الخضرى مَشْغُولًا بالدنيا وَصلَاته كَصَلَاة الْفُقَهَاء فَقدم أَمر الدُّنْيَا قلت ثمَّ مَا كَانَ ورع الشَّيْخ أَبى زيد بِحَيْثُ يُخرجهُ إِلَى الْحَد الذى ينتهى إِلَيْهِ أهل الوسوسة من عوام المتورعين الَّذين إِذا أعْطوا يَسِيرا من الدّيانَة مَعَ الْجَهْل تنطعوا فى الجزئيات يدل على ذَلِك أَن أَصْحَابنَا يَقُولُونَ فِيمَا إِذا تنجس الْخُف بخرزه بِشعر الْخِنْزِير ثمَّ غسل سبعا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ أَنه يطهر ظَاهره دون بَاطِنه وَهُوَ مَوضِع الدروز وَقَالَ الرافعى فى أَوَاخِر بَاب الْأَطْعِمَة وَيُقَال إِن الشَّيْخ أَبَا زيد كَانَ يصلى مَعَ الْخُف النَّوَافِل دون الْفَرَائِض فَرَاجعه الْقفال فِيهِ فَقَالَ إِن الْأَمر إِذا ضَاقَ اتَّسع

стр. 749

قَالَ الرافعى أَشَارَ بِهِ إِلَى كَثْرَة النَّوَافِل قَالَ النووى بل الظَّاهِر أَنه أَشَارَ إِلَى أَن هَذَا الْقدر مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى ويتعذر أَو يشق الِاحْتِرَاز مِنْهُ فعفى عَنهُ مُطلقًا وَإِنَّمَا كَانَ لَا يصلى فِيهِ الْفَرِيضَة احْتِيَاطًا لَهَا وَإِلَّا فَمُقْتَضى قَوْله الْعَفو فيهمَا وَلَا فرق بَين الْفَرْض وَالنَّفْل فى اجْتِنَاب النَّجَاسَة وَيدل على صِحَة مَا تأولته أَن الْقفال قَالَ سَأَلت أَبَا زيد عَن جَوَاز الصَّلَاة فى الْخُف يخرز بِشعر الْخِنْزِير فَقَالَ الْأَمر إِذا ضَاقَ اتَّسع قَالَ الْقفال مُرَاده أَن بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى الخرز بِهِ فللضرورة جَوَّزنَا ذَلِك قلت لم يَتَّضِح لى مُخَالفَة كَلَام النووى للرافعى بل قَول الرافعى إِن أَبَا زيد أَشَارَ بِهِ إِلَى كَثْرَة النَّوَافِل مَعْنَاهُ مَا ذكره النووى من أَن كثرتها اقْتَضَت أَلا يحْتَاط لَهَا كَمَا يحْتَاط للفريضة من أجل الْمَشَقَّة وَذكر ابْن الرّفْعَة فى بَاب مسح الْخُف أَن أَبَا زيد فى كَلَامه هَذَا مُتبع للشافعى قَالَ فَإِن الخطابى حَكَاهُ عَنهُ عِنْد الْكَلَام فى الذُّبَاب يَقع فى المَاء الْقَلِيل أَن مبْنى الشَّرِيعَة على أَن الْأَمر إِذا ضَاقَ اتَّسع قَالَ ابْن الرّفْعَة على أَنه يُمكن أَن يُعلل ذَلِك بِأَن الدَّاخِل من مَوَاضِع الخرز قد انسد بالخيط فَصَارَ فى حكم الْبُطُون والنجاسة فى الْبَاطِن لَا تمنع الصِّحَّة بِدَلِيل أَن ظَاهر نَص الشافعى صِحَة الصَّلَاة فى جلد الْميتَة المدبوغ وَإِن قُلْنَا الدّباغ لَا يطهر بَاطِنه وَنَصه على أَنه لَو سقى سَيْفه شَيْئا نجسا طهر بإفاضة المَاء على ظَاهره ولأجله وَالله أعلم قَالَ بعض أَصْحَابنَا إِذا حمل قَارُورَة فِيهَا نَجَاسَة بعد تصميم رَأسهَا فى صلَاته تصح انْتهى قلت وَحَاصِله محاولة أَنه مَعْفُو عَنهُ وَأَنه صَار بَاطِنا لَا يعْطى حكم النَّجَاسَة وَقد يُقَال لَو كَانَ كَذَلِك لصلى فِيهِ الْفَرْض وَالنَّفْل جَمِيعًا وَيُجَاب بِأَن القَوْل بِأَنَّهُ لَا تمْتَنع الصِّحَّة لَيْسَ قَطْعِيا بل هُوَ مظنون فاحتيط فِيهِ للْفَرض مَا لم يحتط للنفل

стр. 750

توفى الشَّيْخ أَبُو زيد بمرو فى يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشر رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة ذكر نخب وفوائد ومسائل عَن الشَّيْخ أَبى زيد نقل الشَّيْخ أَبُو على قبيل كتاب الصَّلَاة من شرح الْفُرُوع أَن بعض أَصْحَابنَا قَالَ إِن الطّواف وَإِن كَانَ نفلا يلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهِ ثمَّ ذكر مَا حَاصله أَن الشَّيْخ أَبَا زيد مُوَافق على ذَلِك وَهَذَا غَرِيب ذكر إِمَام الْحَرَمَيْنِ فى آخر النِّهَايَة فى الْفُرُوع المنثورة أَن الحليمى كتب إِلَى الشَّيْخ أَبى زيد يستفتيه فِيمَن اشْترى جَارِيَة فَأَتَت بِولد فَادّعى أَنَّهَا وَلدته بعد الشِّرَاء وَقَالَ البَائِع بل قبله فَأَجَابَهُ أَبُو زيد بِأَن القَوْل قَول البَائِع لِأَن الأَصْل ثُبُوت ملكه فى الْحمل وَالْأَصْل عدم البيع فى وَقت الْولادَة قَالَ الإِمَام هَكَذَا حَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو على وَلم يزدْ عَلَيْهِ قَالَ وَكَذَا حَكَاهُ الإِمَام وَلم يزدْ عَلَيْهِ وَلم أر من تكلم عَلَيْهِ وَفِيه نظر وَصُورَة الْمَسْأَلَة أَن يكون الْحمل مَوْجُودا عِنْد البَائِع ثمَّ يُوجد الْوَلَد عِنْد الْمُشْتَرى ويشك أَكَانَت وِلَادَته قبل البيع أَو بعده والذى ينبغى أَن يُقَال إِنَّه إِن كَانَ فى يَد الْمُشْتَرى فَهُوَ لَهُ وَلَا يرفع يَده بِمُجَرَّد وجود الْحمل فى يَد البَائِع وَيشْهد لهَذَا قَول الْأَصْحَاب فى بَاب الْكِتَابَة فِيمَن زوج أمته من عَبده ثمَّ كَاتب العَبْد ثمَّ بَاعَ مِنْهُ زَوجته وَأَتَتْ بِولد فَقَالَ السَّيِّد ولدت قبل الْكِتَابَة فَهُوَ لى وَقَالَ الْمكَاتب بل بعد الْكِتَابَة وَالشِّرَاء وَقد يُكَاتب على أَن الْمكَاتب يصدق بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ يدعى ملك الْوَلَد وَيَده مقرة عَلَيْهِ وَالْيَد تدل على الْملك

стр. 751

فَائِدَة أُخْرَى نقل صَاحب الْبَيَان فى بَاب سترالعورة فى فَاقِد الستْرَة إِذا صلى عُريَانا أَن الشَّيْخ أَبَا زيد قَالَ إِن كَانَ فى الْحَضَر ففى الْإِعَادَة قَولَانِ وَإِن كَانَ فى السّفر لم تلْزمهُ الْإِعَادَة قولا وَاحِدًا وَقَالَ سَائِر أَصْحَابنَا لَا تلْزمهُ الْإِعَادَة قولا وَاحِدًا فى سفر وَلَا فى حضر لِأَن العرى عذر عَام وَرُبمَا اتَّصل ودام وَقد يعْدم ذَلِك فى الْحَضَر كَمَا يعدمه فى السّفر فَلَو ألزمناه الْإِعَادَة لشق ذَلِك هَذَا كَلَام الْبَيَان وَالْقَوْل بالتفرقة فى لُزُوم الْإِعَادَة بَين الْحَضَر وَالسّفر شهير حَكَاهُ أَيْضا ابْن يُونُس فى شرح التَّنْبِيه وَلم يذكرهُ الرافعى وَإِنَّمَا أطلق فى آخر بَاب التَّيَمُّم حِكَايَة وَجْهَيْن أظهرهمَا عدم لُزُوم الْإِعَادَة وَالْمَسْأَلَة عِنْده تبعا للْإِمَام والغزالى فى بَاب التَّيَمُّم فى فصل الْقَضَاء وَعند صَاحب الْمُهَذّب وَأَتْبَاعه فى ستر الْعَوْرَة وَلَعَلَّه أنسب ثمَّ اخْتِلَاف الِاصْطِلَاح فى وَضعهَا رُبمَا طرق بعض التَّقْصِير فى شرحها لمن يقْتَصر نظره على أحد المكانين ١١٢ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْحُسَيْن الملطى الْفَقِيه الْمُقْرِئ حدث عَن عدى بن عبد الباقى وخيثمة بن سُلَيْمَان وَأحمد بن مَسْعُود الْوزان وَجَمَاعَة روى عَنهُ إِسْمَاعِيل بن رَجَاء وَعمر بن أَحْمد الواسطى وَغَيرهمَا وَأخذ الْقِرَاءَة عرضا عَن أَبى بكر بن مُجَاهِد وأبى بكر بن الأنبارى وَجَمَاعَة وَله قصيدة فى نعت الْقِرَاءَة أَولهَا (أَقُول لأهل الْكتب وَالْفضل وَالْحجر ... مقَال مُرِيد للثَّواب وللأجر)

стр. 752

مَاتَ سنة سبع وَسبعين وثلاثمائة أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا أخبرنَا عبد الْحَافِظ بن بدارن أخبرنَا أَحْمد ابْن طَاوُوس أخبرنَا حَمْزَة بن أَحْمد السلمى أخبرنَا نصر بن إِبْرَاهِيم الْفَقِيه أخبرنَا عمر بن أَحْمد الْخَطِيب أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن الملطى حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس الإِمَام بحلب حَدثنَا سهل بن صَالح الأنطاكى حَدثنَا عَبدة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ لهِنْد (خذى من مَاله مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ) وَكَانَت قَالَت لَهُ يَا رَسُول الله إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح وَإنَّهُ لَا يعطينى مَا يكفينى ويكفى بنى فآخذ من مَاله وَهُوَ لَا يعلم فَهَل على مِنْهُ شئ ١١٣ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن على بن شاهويه ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 753

١١٤ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الإِمَام الْجَلِيل أَبُو بكر بن الْحداد المصرى صَاحب الْفُرُوع وساحب ذيل الْفضل الذى هُوَ على الرؤوس مَحْمُول وعَلى الْعُيُون مَوْضُوع ذُو الفكرة المستقيمة والفطرة السليمة فكره فى محتجبات الْمعَانى سَارِيَة وفى سَمَاء المعالى سامية وقريحه عَجِيبَة الْحَال مَا أَدْرَاك مَاهِيَّة نَار حامية إِمَام لَا يدْرك مَحَله وجواد لَا يجاريه إِلَّا ظله سَارَتْ مولداته فى المغارب والمشارق وطرق فكره الأسماع وَمَا أَدْرَاك مَا الطارق وناطق قَالَ فَكَانَ لَهُ من القَوْل بسيطه ووجيزه ومصرى صَحَّ على نقد الأذهان إبريزه ووضح حليه فعوذ من شَرّ الوسواس الخناس واصطفت الْأَئِمَّة مَعَه فَقَالَ لِسَان الْحق مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ (يقف التَّوَهُّم عَنهُ حِدة ذهنه ... فَقضى على غيب الْأُمُور تَيَقنا) (أمضى إِرَادَته فَسَوف لَهُ قد ... واستقرب الْأَقْصَى فتم لَهُ هُنَا) ولد يَوْم موت المزنى وَأخذ الْفِقْه عَن أَبى سعيد مُحَمَّد بن عقيل الفريابى وَبشر بن نصر غُلَام عرق وَمَنْصُور بن إِسْمَاعِيل الضَّرِير وجالس أَبَا إِسْحَاق المروزى لما ورد مصر وَدخل بَغْدَاد سنة عشر وثلاثمائة فَاجْتمع بجرير وَأخذ عَنهُ وَاجْتمعَ أَيْضا بالصيرفى وبالإصطخرى وَلم يتهيأ لَهُ الِاجْتِمَاع بأبى الْعَبَّاس ابْن سُرَيج فَكَانَ يتأسف وَيَقُول وددت أَنى رَأَيْت ابْن سُرَيج وأنى أحم فى كل لَيْلَة إِلَى أَن أَمُوت

стр. 754

وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن مُحَمَّد بن ولاد وَسمع الحَدِيث من جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن عقيل الفريابى الْفَقِيه وَأَبُو يزِيد القراطيسى وَعمر بن مِقْلَاص والنسائى وَغَيرهم وَلكنه لم يحدث عَن غير النسائى قَالَ الدارقطنى كَانَ ابْن الْحداد كثير الحَدِيث وَلم يحدث عَن غير أَبى عبد الرَّحْمَن النسائى وَقَالَ جعلته حجَّة فِيمَا بينى وَبَين الله تَعَالَى وَكَانَ كثير التَّعَبُّد يخْتم كل يَوْم وَلَيْلَة ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَيخْتم يَوْم الْجُمُعَة ختمة أُخْرَى فى رَكْعَتَيْنِ فى الْجَامِع قبل الصَّلَاة سوى الَّتِى يختمها كل يَوْم وَكَانَ عَارِفًا بِالْحَدِيثِ والأسماء والكنى والنحو واللغة وَاخْتِلَاف الْفُقَهَاء وَأَيَّام النَّاس وسير الْجَاهِلِيَّة حَافظ لشئ كثير من الشّعْر وَكَانَ حسن الثِّيَاب رفيعها حسن المركوب وَولى الْقَضَاء بِمصْر نِيَابَة لِابْنِ هروان الرملى وَلغيره أَيْضا وَكَانَ نَسِيج وَحده فى حفظ الْقُرْآن إِمَام عصره فى الْفِقْه بحرا وَاسِعًا فى اللُّغَة تجمل بِهِ وجوده يجلس فى خلْوَة للشغل بِالْعلمِ فيغشى حلقته الجم الْغَفِير الَّذين يفوتون الْحصْر وَله كلمة نَافِذَة عِنْد الْمُلُوك وجاه رفيع وَأما غوصه على الْمعَانى الدقيقة وَحسن استخراجه للفروع المولدة فقد أجمع النَّاس على أَنه فَرد فى ذَلِك وَلم يلْحقهُ أحد فِيهِ وَله كتاب الباهر فى الْفِقْه قيل إِنَّه فى مائَة جُزْء وَكتاب أدب الْقَضَاء فى أَرْبَعِينَ جُزْءا وَكتاب جَامع الْفِقْه وَكتاب الْفُرُوع المولدات الْمُخْتَصر الْمَشْهُور الذى شَرحه عُظَمَاء الْأَصْحَاب مِنْهُم الْقفال وَالشَّيْخ أَبُو على السنجى والقاضى أَبُو الطّيب الطبرى والقاضى الْحُسَيْن المروزى وَغَيرهم قَالَ الرافعى فى كتاب الْعدَد من الشَّرْح وَنقل القاضى الرويانى فى جمع الْجَوَامِع أَن الإِمَام أَبَا بكر بن الْحداد كَانَ فقيد الخصية الْيُمْنَى وَكَانَ لَا ينزل وَكَانَت لحيته طَوِيلَة

стр. 755

وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى سَمِعت الدارقطنى يَقُول سَمِعت أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد الْمعدل النسوى الْمعدل بِمصْر يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن الْحداد وَذكره بِالْفَضْلِ وَالدّين وَالِاجْتِهَاد يَقُول أحدث نفسى بِمَا رَوَاهُ الرّبيع عَن الشافعى أَنه كَانَ يخْتم فى رَمَضَان سِتِّينَ ختمة سوى مَا كَانَ يقْرَأ فى الصَّلَاة فَأكْثر مَا قدرت عَلَيْهِ تسعا وَخمسين ختمة وأتيت فى غير رَمَضَان بِثَلَاثِينَ ختمة قلت وفى ابْن الْحداد يَقُول بَعضهم (الشافعى تفقها والأصمعى ... م تفننا والتابعون تزهدا) وَقَالَ ابْن زولاق فى شَوَّال سنة أَربع وَعشْرين وثلاثمائة سلم مُحَمَّد بن طغج الإخشيد قَضَاء مصر إِلَى أَبى بكر بن الْحداد وَكَانَ أَيْضا ينظر فى الْمَظَالِم ويوقع فِيهَا فَنظر فى الحكم خلَافَة عَن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن أبي زرْعَة مُحَمَّد بن عُثْمَان الدمشقى وَهُوَ لَا ينظر وَكَانَ يجلس فى الْجَامِع وفى دَاره وَرُبمَا جلس فى دَار ابْن أَبى زرْعَة وَوَقع فى الْأَحْكَام وَكَاتب خلفاء النواحي وَكَانَ فَقِيها متعبدا يحسن علوما كَثِيرَة مِنْهَا علم الْقُرْآن وَقَول الشافعى وَعلم الحَدِيث والأسماء والكنى وسير الْجَاهِلِيَّة وَالشعر وَالنّسب ويحفظ شعرًا كثيرا ويجيد الشّعْر وَيخْتم كل يَوْم وَلَيْلَة فى صَلَاة ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَيخْتم يَوْم الْجُمُعَة ختمة أُخْرَى فى رَكْعَتَيْنِ فى الْجَامِع قبل صَلَاة الْجُمُعَة سوى الَّتِى يختمها كل يَوْم حسن الثِّيَاب رفيعها حسن المركوب فصيحا غير مطعون عَلَيْهِ فى لفظ وَلَا فضل ثِقَة فى الْيَد والفرج وَاللِّسَان مجموعا على صيانته وطهارته كَانَ من محَاسِن مصر حاذقا بِعلم الْقَضَاء أَخذ ذَلِك عَن أَبى عبيد القاضى إِلَى أَن قَالَ وكل من وقف على مَا ذَكرْنَاهُ يَقُول صدقت

стр. 756

ثمَّ قَالَ وَكَانَ من محبته للْحَدِيث لَا يدع المذاكرة وَكَانَ يَنْقَطِع إِلَيْهِ أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد ابْن سعد الباوردى الْحَافِظ فَأكْثر عَنهُ من مصنفاته فذاكره يَوْمًا بِأَحَادِيث فاستحسنها أَبُو بكر وَقَالَ اُكْتُبْهَا لى فكتبها لَهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا مَنْصُور اجْلِسْ فى الصّفة فَفعل فَقَامَ أَبُو بكر وَجلسَ بَين يَدَيْهِ وسمعها مِنْهُ وَقَالَ هَكَذَا يُؤْخَذ الْعلم فَاسْتحْسن النَّاس ذَلِك مِنْهُ وَكَانَت أَلْفَاظه تتبع وَأَحْكَامه تجمع ورميت لَهُ رقْعَة فِيهَا (قولا لحدادنا الْفَقِيه ... والعالم الماهر الْوَجِيه) (وليت حكما بِغَيْر عقد ... وَغير عهد نظرت فِيهِ) (ثمَّ أبحت الْفروج لما ... وَقعت فِيهَا على البديه) فى أَبْيَات يعْنى أَن مَادَّة ولَايَته من الإخشيد لَا من الْخَلِيفَة وَقد أجَاب عَن هَذِه الأبيات جمَاعَة ثمَّ قَالَ وَلم يزل ابْن الْحداد يخلف ابْن أَبى زرْعَة فى الْقَضَاء إِلَى آخر أَيَّامه وَكَانَ ابْن أَبى زرْعَة يتأدب مَعَه ويعظمه وَلَا يُخَالِفهُ فى شىء قلت وماأحسن قَول ابْن الرّفْعَة فى الْمطلب فى حق ابْن الْحداد بعد مَا نَصره فى فَرعه الْمَشْهُور بِأَنَّهُ وهم فِيهِ وَهُوَ مَا إِذا أوصى بِعَبْد لِرجلَيْنِ يعْتق على أَحدهمَا الْقَصْد دفع نِسْبَة هَذَا الإِمَام الْجَلِيل عَن الْغَلَط إِلَى أَن قَالَ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الإِمَام فى حق الحليمى إِمَام غواص لَا يدْرك كنه علمه الغواصون والبلدية عِلّة جَامِعَة للنصرة فَإِنَّهُ مصرى انْتهى وَلَيْسَ هُوَ كَقَوْل الرافعى فى كتاب الطَّلَاق إِن ابْن الْحداد فَوق مَا قَالَ إِلَّا أَن الْعجب أَخذ بِرجلِهِ فزل

стр. 757

حج ابْن الْحداد وَمرض فَلَمَّا وصل إِلَى الْجب توفى عِنْد الْبِئْر والجميزة يَوْم الثُّلَاثَاء لأَرْبَع بَقينَ من الْمحرم سنة خمس وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَقيل سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَهُوَ يَوْم دُخُول الْحَاج إِلَى مصر وعاش تسعا وَسبعين سنة وشهورا ثَمَانِينَ سنة إِلَّا قَلِيلا وَصلى عَلَيْهِ يَوْم الْأَرْبَعَاء وَدفن بسفح المقطم عِنْد قبر والدته وَحضر أَبُو الْقَاسِم الإخشيد وَأَبُو الْمسك كافور والأعيان جنَازَته وَمن الْفَوَائِد وَالْملح والمسائل عَن أَبى بكر كَادَت الْمُلَاعنَة بَين زَوْجَيْنِ تقع فى زَمَانه وَذَلِكَ أَنه تقدم إِلَيْهِ رجل أنماطى فَجحد بِنْتا من مولاة لَهُ كَانَ قد أعْتقهَا وَتَزَوجهَا فشرع أَبُو بكر فى اللّعان وتهيا لَهُ وعزم على المضى إِلَى الْجَامِع الْعَتِيق بِمصْر بعد الْعَصْر وَأَن يجلس على الْمِنْبَر وَيُقِيم الرجل وَالْمَرْأَة وَعين وَاحِدًا من جُلَسَائِهِ لِأَن يضْرب على فَم الرجل بعد فَرَاغه من الشَّهَادَة الرَّابِعَة ويخوفه من قَول الْخَامِسَة وَيَقُول إِنَّهَا مُوجبَة وَعين امْرَأَة تضرب على فَم الْمَرْأَة أَيْضا عِنْد فراغها من الشَّهَادَة الرَّابِعَة وَتقول لَهَا مثل مَا قيل للرجل وتبادر النَّاس وازدحموا على الِاجْتِمَاع وَحَضَرت الشُّهُود فحسده أَبُو الذّكر المالكى الذى كَانَ حَاكما بِمصْر قبله على شرف هَذَا الْمجْلس وترفق بِالرجلِ حَتَّى اعْترف بالبنت وَسَأَلَ الزَّوْجَة إعفاءه من الْحَد فَمَا علم أَبُو بكر بِفِعْلِهِ وَأَبُو بكر من أذكى الْخلق قريحة أَمر بِأَن تحمل الْبِنْت على كتف أَبِيهَا وَأَن يُطَاف بِهِ فى الْبَلَد وينادى عَلَيْهِ هَذَا الَّذِي جحد ابْنَته فَاعْرِفُوهُ وَهَذَا التَّعْزِير على هَذَا الْوَجْه من ذكائه وَقد عمله فى مُقَابلَة مَا عمل عَلَيْهِ فى المكيدة

стр. 758

ولأبى بكر فى هَذَا أُسْوَة بمعلمه الْقَضَاء وَهُوَ أَبُو عبيد بن حربوية فَإِنَّهُ كَانَ يرى أَن الطِّفْل إِذا أسلمت أمه دون أَبِيه لَا يتبعهَا فِي الْإِسْلَام وَإِنَّمَا يتبع الْأَب وَهُوَ رأى شَيْخه أَبى ثَوْر فَأسْلمت امْرَأَة ذِمِّيَّة وَلها ولد طِفْل وَلم يسلم الْأَب وَمَات فَدس على أَبى عبيد من يسْأَله الحكم بِبَقَاء كفر الطِّفْل تبعا لِأَبِيهِ فتفطن إِلَى أَنه إِن فعل ذَلِك قَامَت عَلَيْهِ الغوغاء ونصحه أَبُو بكر ابْن الْحداد نَفسه وَقَالَ لَهُ لَا تعْمل بِهَذَا وَإِيَّاك وَالْخُرُوج فِيهِ عَن مَذْهَب الشافعى فَإنَّك إِن فعلت ذَلِك نالك الْأَذَى من الْخَاصَّة والعامة وَعلم أَنه إِن لم يفعل خرج عَن معتقده فَلَمَّا جلس أَبُو عبيد فى الْجَامِع اجْتمع الْخلق بِهَذَا السَّبَب الْمبيت عَلَيْهِ بلَيْل وَقَامَ رجل على سَبِيل الاحتساب وَقَالَ أيد الله القاضى هَذِه الْمَرْأَة أسلمت وَلها هَذَا الطِّفْل فَيكون مُسلما أَو على دين أَبِيه فَقَالَ أَيْن أَبوهُ وَقد كَانَ علم أَنه مَاتَ فَقَالُوا مَاتَ فَقَالَ شَاهِدين يَشْهَدَانِ أَنه مَاتَ نَصْرَانِيّا وَإِلَّا فالطفل مُسلم فَكثر الدُّعَاء لَهُ والضجيج من الْعَامَّة وَستر علمه بفهمه ذكر أَبُو عَاصِم العبادى أَن ابْن الْحداد ذكر فى فروعه أَن الذمى إِذا زنا وَهُوَ مُحصن ثمَّ نقض الْعَهْد وَلحق بدار الْحَرْب ثمَّ اسْترق أَنه يرْجم قلت وَلم أجد هَذَا فى شىء من نسخ الْفُرُوع الَّتِى وقفت عَلَيْهَا بل وجدته فى شرحها للشَّيْخ أَبى على السنجى وَعبارَته ينبغى أَن يرْجم والواقف عَلَيْهِ لَا يكَاد يشك فى أَنه من كَلَام أَبى على لَا من كَلَام ابْن الْحداد قَالَ ابْن الْحداد فى فروعه وَلَو أَن وَصِيّا على يَتِيم ولى الحكم فَشهد عَدْلَانِ بِمَال لأبى الطِّفْل على رجل وَهُوَ مُنكر لم يكن لَهُ أَن يحكم حَتَّى يصير إِلَى الإِمَام أَو الْأَمِير فيدعى على الْمَشْهُود عَلَيْهِ هَذَا لَفظه وَعلله شارحوه بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون خصما ومدعيا للصبى وَهُوَ الْحَاكِم

стр. 759

وَمن كَانَ خصما فى حُكُومَة لم يجز أَن يكون حَاكما فِيهَا كَمَا لَا يجوز أَن يحكم على غَيره لنَفسِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو شهد للصبى الذى هُوَ قيمه بِمَال لم يقبل وَمن لايجوز شَهَادَته لشخص لم يجز حكمه لَهُ قَالَ الْقفال فى شرح الْفُرُوع وَاخْتلف أَصْحَابنَا فى هَذِه الْمَسْأَلَة فَمنهمْ من وَافقه وَمِنْهُم من خَالفه لِأَن القاضى يلى أَمر الْأَيْتَام كلهم وَإِن يكن وَصِيّا من قبل فَلَا تُهْمَة هَذَا ملخص كَلَامه فى شَرحه والرافعى صحّح أَن لَهُ الحكم وَعَزاهُ إِلَى الْقفال وَتبع فِي ذَلِك الشَّيْخ أَبَا على فَإِنَّهُ ذكر فى شرح الْفُرُوع أَنه سَمعه من الْقفال وَاعْلَم أَن مَا صَححهُ الرافعى غير بَين وَلَا جُمْهُور أَئِمَّتنَا عَلَيْهِ بل الْبَين الذى يظْهر تَرْجِيحه قَول ابْن الْحداد وَقد ذكر ابْن الرّفْعَة فى الْمطلب أَنه الصَّوَاب قَالَ وَالْفرق بَينه وَبَين غَيره من الْأَيْتَام أَن ولَايَة القاضى إِذا لم يكن وَصِيّا تَنْقَطِع عَن المَال الذى حكم بِهِ بِانْقِطَاع ولَايَته وَلَا كَذَلِك الوصى إِذا تولى الْقَضَاء فَإِن مَا حكم فِيهِ للْيَتِيم الَّذِي تَحت وَصيته يبْقى ولَايَته بعد الْعَزْل فَقَوِيت التُّهْمَة فى حَقه وضعفت فى حق غَيره قلت وَهَذَا فرق صَحِيح وَلَا شكّ أَن الْحَاكِم الوصى يتَصَرَّف للْيَتِيم الذى هُوَ قيمه ويجتمع فى تصرفه وصفان بَينهمَا عُمُوم وخصوص كَونه حَاكما وَكَونه وَصِيّا وَحِينَئِذٍ فينبغى أَن يكون التَّصَرُّف بِكَوْنِهِ وَصِيّا وَهُوَ وصف لَا يحكم بِهِ فَلَا سَبِيل إِلَى حكمه إِذْ لَو حكم لَكَانَ بِكَوْنِهِ حَاكما وَلَو حكم بِكَوْنِهِ حَاكما لاحتاج إِلَى مُدع وَلَا مدعى إِلَّا الوصى وَهُوَ هُوَ فَلَو كَانَ حَاكما لم يكن حَاكما وَهُوَ خلف آيل إِلَى دور وَهَذَا سر دَقِيق أوضحته فى كتاب الْأَشْبَاه والنظائر فى قَاعِدَة منع التَّعْلِيل بعلتين وبقى فى هَذَا الْفَرْع تَنْبِيه على عقدَة فى الْفَرْع لم أر من تكلم عَلَيْهَا لَا مِمَّن شرح الْفُرُوع وَلَا من غَيرهم وَذَلِكَ أَن ابْن الْحداد فرض الْفَرْع فى وصّى ولى الْقَضَاء

стр. 760

فَشهد عِنْده شَاهِدَانِ فاقتضت عِبَارَته تَقْيِيد الْمَسْأَلَة بطرآن ولَايَة الْقَضَاء على كَونه وَصِيّا بِأَن يشْهد عِنْده شَاهِدَانِ وَتَبعهُ على التَّقْدِير من تقدم وَتَأَخر آخِرهم الرافعى والنووى وَابْن الرّفْعَة فَأَما الْقَيْد الأول وَهُوَ طرآن الْقَضَاء على الْوِصَايَة فقد يُقَال إِنَّه لَا فرق بَينه وَبَين عَكسه وَهَذَا هُوَ مُنْتَهى فهم أَكثر من بحث مَعَه فى الْمَسْأَلَة والذى ظهر لى أَن القاضى إِذا أسندت إِلَيْهِ وَصِيَّة فَإِن كَانَ مسندها أَبَا أَو جدا فَالْأَمْر كَذَلِك فَإِنَّهُ لم يكن عَلَيْهِ ولَايَة وَإِنَّمَا يَتَجَدَّد بعدهمَا فيقارن تجددهما بِالْوَصِيَّةِ تجددهما بفقدهما أَو نَحوه لكَونه حَاكما فَينْظر هُنَا فى أَنه هَل يتَصَرَّف بالوصفين عِنْد من تعلل بعلتين أَو إِنَّمَا يتَصَرَّف بالوصفين عِنْد من تعلل بعلتين أَو إِنَّمَا يتَصَرَّف بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الذى ينصره فى الْأُصُول وَإِن كَانَ مسندها وَصِيّا جعل لَهُ الْإِسْنَاد فَيحْتَمل أَن يكون كَذَلِك وَيحْتَمل أَن لَا يَتَجَدَّد لَهُ بذلك شئ لِأَن ولَايَته من قبل هَذَا الْإِسْنَاد فَإِن لَهُ مَعَ الأوصياء ولَايَة وَهَذَا الإحتمال هُوَ الذى يتَرَجَّح عندى لَكِن يظْهر على سِيَاقه أَن لَا يَصح قبُوله لهَذَا الْإِسْنَاد مَا دَامَ قَاضِيا وَلم أجسر على الحكم بِهِ فَإِن تمّ ظهر بِهِ السِّرّ فى تَقْيِيد ابْن الْحداد وَأما الْقَيْد الثانى وَهُوَ قَوْله فَشهد عِنْده شَاهِدَانِ فقد يُقَال أَيْضا لَا فَائِدَة لَهُ بل لَا فرق بَين أَن يشْهد عِنْده شَاهِدَانِ أَو يحكم هُوَ بِعِلْمِهِ وَقد يُقَال لَا يحكم هُنَا بِعِلْمِهِ جزما لشدَّة التُّهْمَة وَمَا أظنهم يسمحون بذلك وَلَا يستثنونه من الْقَضَاء بِالْعلمِ بل من يجوز لَهُ الحكم فِيمَا يظْهر لَا يفرق بَين أَن يقْضى بِالْعلمِ أَو بِالْبَيِّنَةِ كَسَائِر الْأَيْتَام وَسَائِر الْأَقْضِيَة نعم عبارَة ابْن الْحداد يشْهد عِنْده شَاهِدَانِ وَقد اختصرها الرافعى فَقَالَ هَل لَهُ

стр. 761

أَن يسمع الْبَيِّنَة وَيحكم وَلَو اقْتصر على قَوْله هَل لَهُ أَن يحكم لأفاد أَنه هَل يسمع الْبَيِّنَة لِأَن من جوز سَماع الْبَيِّنَة جوز الحكم وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى أَن قَول ابْن الْحداد فَشهد عِنْده شَاهِدَانِ لَيْسَ على ظَاهره إِذْ لَا يَقُول أحد إنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عِنْده على وَجه التأدية ثمَّ لَا يحكم وَإِنَّمَا المُرَاد بِشَهَادَتِهِمَا عِنْده اختيارهما إِيَّاه فَقَوْل الرافعى هَل لَهُ أَن يسمع الْبَيِّنَة من هَذَا الْوَجْه خير من قَول ابْن الْحداد فَشهد عِنْده شَاهِدَانِ لإنهائها أَنه يسمع الْبَيِّنَة وَلَا يحكم لَكِن قَول ابْن الْحداد شَاهِدَانِ خير من إِطْلَاق الرافعى الْبَيِّنَة لِأَنَّهَا قد توهم أَن للشَّاهِد وَالْيَمِين هُنَا مدخلًا وَلَا يُمكن لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَكَانَ الْحَالِف هُوَ وَلَا سَبِيل إِلَى أَنه يحلف وَيحكم لِأَن الْحَالِف غير الْحَاكِم وَلِأَن الولى لَا يحلف وللرافعى أَن يَقُول إِنَّمَا عنيت بِالْبَيِّنَةِ الْكَامِلَة وهى شَاهِدَانِ وَأما قَول ابْن الْحداد حَتَّى يصير إِلَى الإِمَام أَو الْأَمِير فقد يُقَال من الذى يعنيه بالأمير فَإِن الْأَمِير قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ أُمَرَاء الْعَسْكَر الَّذين لَا حكم لَهُم وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فى مَسْأَلَة ابْن الْقطَّان وَابْن كج فِيمَا إِذا دعى الشَّاهِد إِلَى أَمِير أَو وَزِير هَل لَهُ تأدية الشَّهَادَة عِنْده أَولا لِأَن تأدية الشَّهَادَة إِنَّمَا هُوَ للحكام فأطلقا الْأَمِير على من لَيْسَ بحاكم وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْحَاكِم كَقَوْلِنَا أَمِير الْبَلَد وَالْأَظْهَر أَنه أَرَادَ الثانى فَإِن الأول لَا حكم لَهُ وَالْمرَاد أَمِير من قبل الإِمَام الْأَعْظَم جعل لَهُ الحكم وَكَذَلِكَ عبر الشَّيْخ أَبُو على عَن هَذَا الْغَرَض بقوله ينبغى للْحَاكِم أَن يأتى إِلَى الإِمَام الْأَعْظَم أَو الْأَمِير الذى ولاه الْقَضَاء أَو إِلَى حَاكم آخر انْتهى وَهَذَا على مصطلح بِلَادهمْ فى أَن أُمَرَاء الْبَلَد يولون الْقُضَاة وَقصد فى هَذَا التَّوَقُّف فى أَنه هَل يدعى هَذَا الْحَاكِم الذى هُوَ وصّى عِنْد خَلِيفَته على الحكم أَولا لكَونه خَليفَة

стр. 762

وَفِيه خلاف صرح بِهِ الشَّيْخ أَبُو على وَغَيره فى هَذِه الصُّورَة وَصرح بِهِ الرافعى وَغَيره فِيمَا إِذا امْتنع حكم الْحَاكِم لنَفسِهِ أَولا يُعَارضهُ هَل لَهُ أَن يتحاكم إِلَى خَلِيفَته فرع ادّعى فِيهِ تنَاقض ابْن الْحداد وَأَنا جَامع أَطْرَافه لتبددها فى كَلَام الرافعى ﵀ وَمُلَخَّص القَوْل فِيهِ بِحَسب مَا اجْتمع لى إِذا وَقعت الْفرْقَة قبل الدُّخُول بَين الزَّوْجَيْنِ لَا بِسَبَب من وَاحِد مِنْهُمَا فَهَل تجْعَل كَأَنَّهَا وَاقعَة بِسَبَب الزَّوْجَة فَيسْقط الْمهْر بِالْكُلِّيَّةِ أَو كَأَنَّهَا وَاقعَة بِسَبَب من جِهَة الزَّوْج فيشطره هَذَا أصل يَقع خلافيا بَين ابْن الْحداد والقفال رحمهمَا الله ابْن الْحداد يَقُول بِالْأولِ أبدا والقفال يَقُول بالثانى وَلَعَلَّه الرَّاجِح عِنْد الرافعى تأصيلا وتفريعا أما تَفْرِيعا فَلَمَّا ستراه عِنْد ذكر الصُّور وَأما تأصيلا فلإطلاقه فى بَاب تشطير الصَدَاق أَن مَوْضِعه كل فرقة لَا بِسَبَب من الْمَرْأَة لَكِن يشبه أَن يكون مُرَاده هُنَا بِالْعَام الْخَاص أى بِكُل سَبَب من جِهَة الزَّوْج بِدَلِيل أَنه قابله بقوله فَأَما إِذا كَانَ الْفِرَاق مِنْهَا أَو بِسَبَب فِيهَا وَيكون قد سكت عَمَّا إِذا لم يكن من وَاحِد مِنْهُمَا وَفِيه صور مِنْهَا إِذا تزوج جَارِيَة مورثة كجارية أَبِيه أَو أَخِيه أَو عَمه أَو غَيرهم فَمَاتَ السَّيِّد وَزوجهَا وَارِث إِمَّا كل التَّرِكَة أَو بَعْضهَا انْفَسَخ النِّكَاح لِأَن النِّكَاح وَالْملك لَا يَجْتَمِعَانِ وَأما الْمهْر إِذا كَانَ الْمَوْت قبل الدُّخُول فَقَالَ ابْن الْحداد يسْقط وَهَذَا بِنَاء على أَصله لِأَن الْفَسْخ لم يكن من قبل الزَّوْج وَإِنَّمَا دخلت فى ملكه بِالْمِيرَاثِ أحب أَو كره قَالَ الشَّيْخ أَبُو على واشهدا على قَول الْمَرْأَة مشترى الزَّوْج من سَيّده قبل الدُّخُول

стр. 763

سقط لِأَنَّهُ لم يكن للزَّوْج فِيهِ صنع وَلذَلِك لَو وجدت بِالزَّوْجِ عَيْبا قبل الدُّخُول واختارت الْفَسْخ سقط الْمهْر كَذَلِك مثله فى مَسْأَلَتنَا وَقَالَ الْقفال وَمن شرح الْفُرُوع لَهُ نقلت هَذِه الطَّرِيقَة يسلكها صَاحب الْكتاب يعْنى ابْن الْحداد فى مسَائِل كَثِيرَة فَتَقول الْفُرُوع إِذا انْفَسَخ النِّكَاح وَلم يكن الزَّوْج لانفساخه متسببا فَلَا مهر عَلَيْهِ وَهَذَا عندى غلط بل الْوَاجِب أَن يُقَال إِذا انْفَسَخ النِّكَاح وَلم تكن الْمَرْأَة سَببا فى الْفَسْخ فلهَا الْمهْر انْتهى وَاسْتدلَّ بِمَا سَنذكرُهُ وَهَذِه مقَالَة الْقفال المروزى صرح بهَا كَمَا ترَاهُ فى هَذِه الْمَسْأَلَة وفى نظائرها ونقلها عَنهُ فى هَذِه الْمَسْأَلَة القاضى أَبُو الطّيب الطبرى فى شرح الْفُرُوع كَمَا سنحكى كَلَامه وَمَعَ ذَلِك لم ينقلها عَنهُ تِلْمِيذه الشَّيْخ أَبُو على فى هَذِه الصُّورَة بل قَالَ وَرَأَيْت بعض أَصْحَابنَا يَقُول لَا يسْقط كل الْمهْر فَمن الْعجب أَنه يخفى عَنهُ مَذْهَب شَيْخه مَعَ نَقله عَنهُ نَظِيره فى نَظَائِر الْمَسْأَلَة فَلَقَد قضيت من هَذَا الْعجب وَكَاد يُوجب لى توقفا فى الْعزو إِلَى الْقفال ولكنى رَأَيْته قد أفْصح بِهِ فى شرح الْفُرُوع إفصاحا وَنَقله القاضى أَبُو الطّيب عَنهُ صَرِيحًا وَنقل الشَّيْخ أَبُو على عَنهُ كَمَا سترى فى نَظَائِره مثله فَاسْتَتَمَّ لى قَضَاء الْعجب ثمَّ الْأَرْجَح من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ عِنْد الرافعى قَول الْقفال كَمَا ذكره فى كتاب النِّكَاح فى بَاب نِكَاح الْأمة وَالْعَبْد قبل فصل الدّور الحكمى وَهُوَ أَيْضا لم يفصح بِذكر الْقفال وَلَكِن حكى الْوَجْهَيْنِ وَعزا الأول لِابْنِ الْحداد وَرجح الثانى وعَلى هَذَا الرَّاجِح يكون النّصْف تَرِكَة تقضى مِنْهُ الدُّيُون وتنفذ الْوَصَايَا فَإِن لم يكن سقط إِن كَانَ النِّكَاح جَائِزا لِأَنَّهُ لَا يثبت لَهُ على نَفسه وَإِلَّا سقط نصِيبه وَللْآخر نصِيبه وَسَنذكر تَوْجِيه هَذَا الْوَجْه من كَلَام الْقفال ونتكلم عَلَيْهِ

стр. 764

وَمِنْهَا إِذا تزوج ذمى ذِمِّيَّة صَغِيرَة من أَبِيهَا ثمَّ أسلم أحد أَبَوَيْهَا قبل الدُّخُول وتبعته فى الْإِسْلَام فانفسخ النِّكَاح قَالَ ابْن الْحداد يسْقط الْمهْر لِأَن سَبَب فَسَاد النِّكَاح لم يُوجد من الزَّوْج وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو على قَالَ بعض أَصْحَابنَا لَهَا نصف الْمهْر لِأَن الْفَسْخ وَإِن لم يكن من الزَّوْج فَلَيْسَ مِنْهَا أَيْضا وَإِذا لم يكن لَهَا صنع فى الْفِرَاق لم يسْقط كل الْمهْر قلت وَقَائِل ذَلِك هُوَ شَيْخه الْقفال فَمن الْعجب كَونه لم يُصَرح باسمه وَكَذَلِكَ حكى الإِمَام الْمقَالة عَن بعض الْأَصْحَاب قبيل بَاب الصَدَاق وَلم يُصَرح باسم الْقفال أَيْضا فَمن أعجب الْعجب تَصْرِيح الْقفال بمقالة فى كَلَامه أطنب فِيهَا فى شرح الْفُرُوع ثمَّ لَا يحكيها عَنهُ الحاكون للقليل وَالْكثير فى كَلَامه الحريصون على الْبعيد والقريب من أنفاسه العارفون بغالب حركاته فى الْفِقْه وسكناته وَهَذِه عِبَارَته فى شرح الْفُرُوع إِذا تزوج نصرانى صَغِيرَة ابْنة كتابيين فَأسلم أحد الْأَبَوَيْنِ انْفَسَخ نِكَاحهَا لِأَنَّهَا غير مَدْخُول بهَا وَحكم لَهَا بِالْإِسْلَامِ لإسلام أحد الْأَبَوَيْنِ ثمَّ قَالَ صَاحب الْكتاب لَا مهر لَهَا على الزَّوْج لِأَن الزَّوْج لم يكن سَببا فى الْفَسْخ وَهَذَا غلط وَهُوَ لَا يزَال يسْلك هَذِه الطَّرِيقَة بل يجب أَن يُقَال إِذا لم يحصل الْفَسْخ من جِهَة الْمَرْأَة فلهَا الْمهْر سَوَاء جَاءَ الْفَسْخ من جِهَة الزَّوْج أَو من جِهَة غَيره انْتهى ثمَّ ذكر دَلِيله على ذَلِك وسنذكره وَلم يحك القاضى أَبُو الطّيب فى شرح الْفُرُوع عَن الْقفال هُنَا شَيْئا وَإِنَّمَا عزا هَذِه الْمقَالة إِلَى بعض أَصْحَابنَا كَمَا فعل الشَّيْخ أَبُو على وَالْإِمَام رحمهمَا الله تَعَالَى والقاضى أَبُو الطّيب فى أوسع الْعذر فَإِنَّهُ أكبر من أَن يحْكى مقالات الْقفال وحكايته فى مَسْأَلَة الْمِيرَاث عَنهُ مِمَّا يستغرب وَإِنَّمَا الْعجب إغفال الشَّيْخ أَبى على وَالْإِمَام ذكر الْقفال الذى قَالَه فى كِتَابه وَحَكَاهُ عَنهُ قاضى الْعرَاق فيالله الْعجب عراقى يحْكى مقَالَة خراسانى لَا يحكيها أَصْحَابه عَنهُ مَعَ ثُبُوتهَا عَلَيْهِ وَهَذَا عندى من عقد المنقولات

стр. 765

وَهَذِه الْمَسْأَلَة لم يُصَرح بهَا الرافعى فى كِتَابه وَإِنَّمَا جرم فى بَاب الْمُتْعَة فى ذِمِّيَّة صَغِيرَة تَحت ذمى أسلم أحد أَبَوَيْهَا فانفسخ النِّكَاح أَنه لَا مُتْعَة كَمَا لَو أسلمت بِنَفسِهَا وَهَذَا يُوَافق مَا رَجحه فى مَسْأَلَة الْمِيرَاث وَيسْتَمر على منوال وَاحِد فى وفَاق الْقفال وَمِنْهَا إِذا أسلم على أم وبنتها وَلم يدْخل بِوَاحِدَة مِنْهُمَا تعيّنت الْبِنْت واندفعت الْأُم على الصَّحِيح بِنَاء على صِحَة أنكحتهم وفى قَول يتَخَيَّر ثمَّ قَالَ ابْن الْحداد إِن خيرناه فللمفارقة نصف الْمهْر لِأَنَّهُ دفع نِكَاحهَا بإمساك الْأُخْرَى وَإِن قُلْنَا تتَعَيَّن الْبِنْت فَلَا مهر للْأُم لاندفاع نِكَاحهَا بِغَيْر اخْتِيَاره وَقَالَ الْقفال فى شرح الْفُرُوع مَا نَصه وَقد قَالَ الشَّيْخ أَبُو زيد وَالشَّيْخ أَبُو عبد الله الخضري وأصحابنا هَذَا خطأ على أصل الشَّافِعِي وَيَنْبَغِي أَن يكون الْجَواب على عكس مَا قَالَه فى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا عندى فَإِذا قُلْنَا لَهُ الْخِيَار فَاخْتَارَ احداهما فَلَا مهر للثَّانِيَة وَإِن قُلْنَا لَا خِيَار ويمسك الْبِنْت وَيُفَارق الْأُم فلهَا الْمهْر وَالْحَال فى تَقْرِير هَذَا وَنَقله عَنهُ تِلْمِيذه الشَّيْخ أَبُو على فِي شرح الْفُرُوع سَمَاعا فَقَالَ وَسمعت شيخى رضى الله عَنهُ يَقُول الْجَواب على عكس مَا ذكره صَاحب الْكتاب واندفع فى ذكر كَلَام الْقفال وَلم يذكر أَبَا زيد وَلَا الخضرى فَعرفت من ذَلِك أَنه لم ينظر شرح شَيْخه على الْفُرُوع وَإِنَّمَا كَانُوا يتكلون على حفظهم وَمَا يسمعونه من أَفْوَاه مشايخهم رضى الله عَنْهُم وَكَأن الرافعى اقْتصر على النّظر فى شرح الشَّيْخ أَبى على فَإِنَّهُ نقل الْمَسْأَلَة عَن الْقفال وَغَيره وَأَشَارَ بقوله وَغَيره إِلَى تَرْجِيحه وَلَو وقف على شرح الْقفال لأفصح

стр. 766

بِذكر أَبى زيد والخضرى وَقد نازعهم القاضى أَبُو الطّيب الطبرى وَرجح قَول ابْن الْحداد وَأطَال وأطاب والنزاع فى هَذَا الْفَرْع عَائِد إِلَى الأَصْل الْمُتَقَدّم وَرُبمَا زَاد أَن المنازع يدعى أَن إِسْلَامه سَبَب لاندفاع نِكَاح الْأُم فالفرقة من جِهَته ولعلنا نتكلم على ذَلِك فِيمَا بعد وَمِنْهَا ردتهما مَعًا لم يذكر الرافعى هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَّا اسْتِطْرَادًا فى بَاب نِكَاح المشركات أَشَارَ إِلَى الْوَجْهَيْنِ فِيهَا وفيهَا ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا إِضَافَة الْفرْقَة إِلَى الزَّوْج فيتشطر والثانى إِضَافَة الْفرْقَة إِلَيْهَا لِأَنَّهَا أَتَت بِالْجِنَايَةِ الَّتِى لَو انْفَرَدت سقط حَقّهَا فَإِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ جِنَايَة الْغَيْر لَا يُؤثر فى ذَلِك كَمَا لَو قَالَ اقْطَعْ يدى فَقطع وهما مشهوران قَالَ الرويانى وَالْأول أظهر وَالثَّالِث حَكَاهُ الماوردى وَتَبعهُ الرويانى لَهَا ربع الْمهْر لاشْتِرَاكهمَا فى الْفَسْخ فَسقط من النّصْف نصفه لِأَنَّهُ فى مُقَابلَة ردة الزَّوْجَة وبقى نصفه لِأَنَّهُ فى مُقَابلَة ردة الزَّوْج وَالْمَسْأَلَة شهيرة ذكرهَا الْأَصْحَاب فى بَاب ارتداد الزَّوْجَيْنِ وَهُوَ بَاب عقدَة الشافعى رضى الله عَنهُ فى كتاب النِّكَاح قبل بَاب طَلَاق الْمُشرك وَبعد نِكَاح المشركات والرافعى تبعا للغزالى لم يذكر هَذَا الْبَاب بِالْكُلِّيَّةِ فَمن ثمَّ لم يستوعب مسَائِله وَذكر الرَّافِعِيّ أَيْضا ارتدادهما مَعًا فى الْمُتْعَة وَصحح أَنه لَا مُتْعَة وَاعْلَم أَن الْوَجْهَيْنِ جاريان فى التشطير مشهوران فِيهِ وَإِن لم يذكرهما الرافعى إِلَّا اسْتِطْرَادًا وَقَالَ ابْن الرّفْعَة فِي بَاب نِكَاح المشركات إِذا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا قبل الدُّخُول ففى تشطير الْمهْر إِحَالَة على ردته أَو سُقُوط كُله إِحَالَة على ردتها وَجْهَان مشهوران وَرُبمَا يعزى الثانى مِنْهُمَا لِابْنِ الْحداد

стр. 767

قلت وَهُوَ جَار على أَصله وَإِذا تَأَمَّلت مَا ذكرته علمت أَن الْفرْقَة قد تكون من جِهَته وَقد تكون من جِهَتهَا وَقد تكون من جهتهما وَقد تكون لَا من جِهَة وَاحِد مِنْهُمَا أَرْبَعَة أَحْوَال لم يذكر الرافعى فى بَاب التشطير إِلَّا الْأَوَّلين فَقَط فَإِن قلت قد قَالَ فى بَاب التشطير مَوضِع التشطير كل فرقة تحصل لَا بِسَبَب من الْمَرْأَة وَهَذَا يَشْمَل مَا إِذا كَانَت لَا بِسَبَب مِنْهُمَا ثمَّ مثل لَهُ بِمَا إِذا أرضعت أم الزَّوْجَة الزَّوْج وَهُوَ صَغِير إِلَى آخر مَا ذكره قلت مَسْأَلَة الرَّضَاع سنتكلم عَلَيْهَا وقولى لَا بِسَبَب من الْمَرْأَة إِنَّمَا نعنى بِهِ إِذا كَانَت من جِهَة الزَّوْج بِدَلِيل قَوْله بعده أما إِذا كَانَ الْفِرَاق مِنْهَا أَو بِسَبَب فِيهَا وَبِالْجُمْلَةِ لَا تَصْرِيح من الرافعى فى بَاب التشطير بِهَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إِنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِمَا فى بَاب الْمُتْعَة وفى بَاب نِكَاح العَبْد وَالْأمة وَلَو جمع شَمل النَّظَائِر فى فصل وَاحِد كَانَ أولى بل لم يُصَرح بمسألتين عظيمتين بَين الْأَصْحَاب ردتهما مَعًا هَل تشطر وَإِن كَانَ ذكر أَنَّهَا هَل تسْقط الْمُتْعَة وَإِسْلَام أَبى الزَّوْجَة الصَّغِيرَة إِذا انْفَسَخ نِكَاحهَا هَل يشطر وَإِن كَانَ ذكر أَنه هَل يمتع إِذا عرفت هَذَا كُله فقد تبين لَك أَن ابْن الْحداد يَجْعَل الْفرْقَة لَا من وَاحِد مِنْهُمَا مسقطة مُلْحقَة بِمَا إِذا كَانَت من جِهَتهَا والقفال يُخَالِفهُ ويجعلها مشطرة مُلْحقَة بِمَا إِذا كَانَت مِنْهُ ثمَّ يَقُول ابْن الْحداد وَمن صور الْقَاعِدَة أَن يَرث الزَّوْج بعض زَوجته وَهَذَا تَصْوِير لَا يُخَالف فِيهِ وَإِن أسلم على أم وبنتها وَإِن سلم فتتبعه الزَّوْجَة وَهَذَانِ يُنَازع فيهمَا تصويرا كَمَا يُنَازع فيهمَا حكما فَيُقَال لم يكن إِسْلَامه على أم وبنتها وَإِن

стр. 768

قُلْنَا يديم نِكَاح الْبِنْت وتندفع الْأُم فهى فرقة كائنة من جِهَته لِأَنَّهُ رُبمَا صَار بِإِسْلَامِهِ وإسلامه تبعا لِأَنَّهَا فرقة كائنة من جِهَتهَا وَنحن نلخص القَوْل فى المقامين أما الْمقَام الأول وَهُوَ دَعْوَى ابْن الْحداد أَن الْفرْقَة لَا من وَاحِد مِنْهُمَا مُلْحقَة بالواقعة مِنْهَا فَيسْقط فَلم يحْتَج عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ من أَن الْفَسْخ لم يكن من قبله بل هُوَ قهرى أحب أَو كره وللقفال أَن يَقُول لَهُ لم قلت إِنَّه إِذا لم يكن من قبله لَا يلْحق بِمَا يكون من قبله فَلَيْسَ قَوْلك لَا يشطر لكَونه لَيْسَ من قبله مَا يبعد من قَوْلنَا يشطر لكَونه لَيْسَ من قبلهَا بل التشطير معتضد بِالْأَصْلِ فَإِن الأَصْل بعد تَسْمِيَة الصَدَاق وُجُوبه فَلَا يسْقط إِلَّا النّصْف للفرقة قبل الدُّخُول وَيبقى النّصْف الآخر بِالْأَصْلِ مَا لم يتَحَقَّق زَوَاله بتحقق كَونه من جِهَتهَا وَاسْتشْهدَ الْقفال لعدم سُقُوط النّصْف بِمَسْأَلَة الرَّضَاع وَغَيرهَا فَقَالَ فى شرح الْفُرُوع مُشِيرا إِلَى قَول ابْن الْحداد هَذَا عندى غلط بل الْوَاجِب أَن يُقَال إِذا انْفَسَخ النِّكَاح وَلم تكن الْمَرْأَة سَببا فى الْفَسْخ فلهَا الْمهْر أَلا ترى أَن الرجل إِذا تزوج امْرَأَة وَتزَوج أَبوهُ أمهَا فغلط الابْن فوطئ امْرَأَة الْأَب وهى أم امْرَأَة الابْن انْفَسَخ نِكَاح امْرَأَة الابْن بِوَطْء أمهَا بِشُبْهَة وَوَجَب لَهَا الْمهْر لِأَنَّهَا لم تكن سَببا للْفَسْخ وَكَذَلِكَ لَو أَن رجلا كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ أحداهما كَبِيرَة وَالْأُخْرَى صَغِيرَة فأرضعت الْكَبِيرَة الصَّغِيرَة انْفَسَخ نِكَاح الصَّغِيرَة وَوَجَب لَهَا على الزَّوْج نصف الْمهْر وَلَيْسَ الزَّوْج هَا هُنَا سَببا للْفَسْخ إِلَّا أَن الْفَسْخ لما لم يكن بِسَبَب من الْمَرْأَة وَجب لَهَا الْمهْر فَكَذَلِك فى مَسْأَلَة الْكتاب إِذا تزوج جَارِيَة أَبِيه فَمَاتَ أَبوهُ وملكها انْفَسَخ النِّكَاح وَعَلِيهِ الْمهْر لِأَن الْمَرْأَة لم تكن سَببا للْفَسْخ إِلَّا أَن مَسْأَلَة الرَّضَاع تبَاين هَذِه

стр. 769

الْمَسْأَلَة من وَجه وَهُوَ أَن فى هَذِه الْمَسْأَلَة إِذا غرم الْمهْر فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع على الْكَبِيرَة بِمَا غرم وَالْفرق بَينهمَا أَن موت الْإِنْسَان لَا يكون بِاخْتِيَارِهِ وَلَا ينتمى إِلَى جِنَايَة فَلذَلِك لَا يغرم الْمهْر وَأما الْكَبِيرَة إِذا أرضعت الصَّغِيرَة فَإِنَّهَا تنتمى إِلَى جِنَايَة فَلذَلِك يغرم الْمهْر حَتَّى إِنَّهَا لَو أرضعت من غير أَن تنْسب فى الْإِرْضَاع إِلَى جِنَايَة سقط عَنْهَا الْغرم أَيْضا مثل أَن ترى الصَّغِيرَة ملقاة فى مَوضِع لَو لم ترضعها خيف عَلَيْهَا التّلف وَلم يكن بقربها من يتعهدها فأرضعتها انْفَسَخ النِّكَاح وَلَا غرم عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا تنْسب إِلَى جِنَايَة فى إرضاعها إِيَّاهَا فَصَارَ ذَلِك كَمَا لَو دبت الصَّغِيرَة إِلَى ثدى الْكَبِيرَة فارتضعت وهى نَائِمَة انْفَسَخ النِّكَاح وَلَا غرم عَلَيْهَا وعَلى الزَّوْج الْمهْر وَإِنَّمَا لم يجب الْمهْر فى هَذِه الْمَسْأَلَة لوُجُود فعل من الْكَبِيرَة وَسبب من الصَّغِيرَة فَيجب الْمهْر إِذا مَاتَ الْأَب فَملك جَارِيَته الْمَنْكُوحَة إِذا لم يحصل مِنْهَا سَبَب فى الْفَسْخ انْتهى كَلَام الْقفال ثمَّ أعَاد نظره بعد وَرَقَات فى مَسْأَلَة مَا إِذا أسلم أَبُو الصَّغِيرَة وَعزا مَا ذكره من أَنه لَا يجب الْغرم على كَبِيرَة أرضعت صَغِيرَة وَقت الضَّرُورَة إِلَى أَصْحَابنَا فَقَالَ قَالَ أَصْحَابنَا وَذكر الْمَسْأَلَة وهى مَسْأَلَة حَسَنَة غَرِيبَة لَا أعتقدها مسلمة وَقد عرفت مَا ذكره وَحَاصِله الاستشهاد على مَا ادَّعَاهُ بِمَسْأَلَة الرَّضَاع وَقَالَ القاضى أَبُو الطّيب الطبرى هَذَا الذى قَالَ أَبُو بكر الْقفال وَاضح وَمن قَالَ بقول صَاحب الْكتاب فَإِنَّهُ يَقُول إِذا كَانَ الْفَسْخ بِالشَّرْعِ سقط حَقّهَا أَلا ترى إِذا تزَوجهَا وَكَانَ النِّكَاح فَاسِدا بِالشَّرْعِ وَجب أَن يفرق بَينهمَا وَلَا حق لَهَا إِذا كَانَ قبل الدُّخُول بهَا لِأَن التَّحْرِيم وَالْفَسْخ بِالشَّرْعِ فَكَذَلِك هَا هُنَا فَإِن قيل إِذا كَانَ النِّكَاح فَاسِدا فَإِن الْمهْر لم يجب قيل لَهُ إِنَّمَا لم يجب لِأَن التَّحْرِيم وَالْفَسْخ بِالشَّرْعِ وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود هَا هُنَا وَيُخَالف هَذَا مَا ذكره من وَطْء الْأَب وإرضاع الْكَبِيرَة لِأَن ذَلِك لَيْسَ من جِهَة

стр. 770

الشَّرْع وَإِنَّمَا هُوَ بِفعل آدمى يتَعَلَّق بِهِ الضَّمَان وَلِهَذَا نقُول إِن الزَّوْج يرجع على الْأَب بِنصْف الْمهْر وَكَذَلِكَ يرجع على الْمُرضعَة فَسقط مَا قَالَه انْتهى كَلَام القاضى أَبى الطّيب ثمَّ أعَاد مثله فِيمَا بعد وَأَقُول لَا حَاجَة إِلَى استشهاده بِالنِّكَاحِ الْفَاسِد وَفِيمَا ذكره من الْفرق كِفَايَة فلابن الْحداد أَن يَقُول إِنَّمَا أَقُول بالسقوط فى مُوجب شطر يقر قراره على الزَّوْج أما مَاله مرد وَمَا الزَّوْج فِيهِ إِلَّا طَرِيق فَلَا أمْنَعهُ وَهَذَا فرق وَاضح وَيكون عِنْده هَكَذَا الْفرْقَة الْوَارِدَة لأمر مِنْهُمَا إِذا آلت إِلَى تغريم الزَّوْج شطرا لَا يرفع بِهِ لَا يُوجب عَلَيْهِ شَيْئا بِخِلَاف مَا إِذا لم يكن إِلَّا طَرِيقا فَحسب فَهَذَا ملخص الْكَلَام على أصل الْقَاعِدَة وهى مصورة تصويرا وَاضحا فى مَسْأَلَة الْمِيرَاث أما إِسْلَام الْأَب فتتبعه الزَّوْجَة أَو إِسْلَام الْكَافِر على أم وبنتها فَمن قَالَ كل فرقة لَا ترد من جِهَة الْمَرْأَة تشطر سَوَاء أوردت من جِهَة الزَّوْج أم لم تنْسب إِلَى وَاحِد مِنْهُمَا وَهُوَ الْقفال وَقَبله أَبُو زيد والخضرى وَبعده الرافعى فِيمَا يظْهر وَمن تبعه فَيَقُول بالتشطير لَا محَالة وَأما من قَالَ بقول ابْن الْحداد إِن كل فرقة لَا ترد من جِهَة الرجل تسْقط سَوَاء أوردت من جِهَة الْمَرْأَة أم لم تنْسب لوَاحِد مِنْهُمَا فقد نقُول فى هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ إِنَّهَا فرقة لَا من جِهَة وَاحِد مِنْهُمَا وَيحكم بالسقوط وَبِذَلِك صرح ابْن الْحداد وَقد نقف وندعى أَنَّهَا فرقة من جِهَتهَا فَمن ثمَّ يُقَال لِابْنِ الْحداد اذْهَبْ إِنَّا نسلم مَا تدعيه من الأَصْل لَكِن لَا نسلم أَن الْفرْقَة فى هَاتين الصُّورَتَيْنِ لَا من وَاحِد مِنْهُمَا بل هى مِنْهَا

стр. 771

وَاعْلَم أَن مَسْأَلَة إِسْلَام الرجل على أم وابنتها قد أفْصح الْقفال فِيهَا بتغليط ابْن الْحداد وَزعم أَنه عكس التَّفْرِيع فَإِنَّهُ قَالَ إِن قُلْنَا باستمرار نِكَاح الْبِنْت كَمَا هُوَ الصَّحِيح سقط نِكَاح الْأُم بِنَاء على أَصله أَنَّهَا فرقة وَردت بِالشَّرْعِ قهرية فَلَا تشطر وَإِن قُلْنَا يتَخَيَّر فالمفارقة مَنْسُوب إِلَيْهِ اخْتِيَار فراقها فَقَالَ الْقفال ومتابعوه بل الْأَمر بِالْعَكْسِ بل الْجَواب على عكس مَا ذكره إِن قُلْنَا بِصِحَّة أنكحتهم فقد أفسدنا نِكَاح الْأُم بِكُل حَال للْعقد على الْبِنْت وَحِينَئِذٍ ففسخ النِّكَاح إِنَّمَا وَقع بِإِسْلَامِهِ وإسلامها جَمِيعًا وَالْفَسْخ إِذا وَقع قبل الدُّخُول بِسَبَب يشْتَرك فِيهِ الزَّوْجَانِ يجب الْمهْر كَمَا لَو تخالعا فَلَا يسْقط الْمهْر بل يتشطر وَتجب الْمُتْعَة وَأما على القَوْل الذى يَقُول يمسك أَيَّتهمَا شَاءَ فَإِذا أمسك إِحْدَاهمَا جعل الثَّانِيَة كَأَن لم ينْكِحهَا قطّ فَلَا مهر وَلَا مُتْعَة وَيجوز لِابْنِهِ أَن يتَزَوَّج بهَا وَيكون بِمَنْزِلَة من لم يعْقد عَلَيْهَا هَذَا حَاصِل مَا ذكره وَقَالَ القاضى أَبُو الطّيب الطبرى منتصرا لِابْنِ الْحداد وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ على الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا جعل الِاخْتِيَار إِلَيْهِ والوصلة والفرقة إِلَى إِرَادَته فَمن اخْتَارَهَا من أَكثر من أَربع وَمن الْمَرْأَة وعمتها أَو خَالَتهَا فنكاحها صَحِيح وَمن فَارقهَا مِنْهُنَّ وَقُلْنَا إِنَّهَا بِمَنْزِلَة من لم يعْقد عَلَيْهَا فَإِنَّمَا يصير بِهَذِهِ الْمنزلَة بِاخْتِيَارِهِ وَقد كَانَ يُمكنهُ أَن يُقيم على نِكَاحهَا بِاخْتِيَارِهِ إِيَّاهَا فَأوجب عَلَيْهِ نصف الْمهْر بذلك وأجرى مجْرى الْمُطلق لهَذِهِ الْعلَّة وَيُفَارق الْمَنْكُوحَة نِكَاحا فَاسِدا فى الْإِسْلَام فَإِنَّهُ يجب أَن يفرق بَينهمَا وَلَا اخْتِيَار لَهُ فِيهَا فَبَان الْفرق بَينهمَا هَذَا كَلَام القاضى أَبى الطّيب وَهُوَ مُحْتَمل جيد يحْتَمل أَن يُقَال عدم إِمْسَاكه الْوَاحِدَة مَعَ قدرته وَلَكِن الشَّارِع لَهُ من إِِمْسَاكهَا بِمَنْزِلَة طَلاقهَا وَيحْتَمل أَلا يُقَال بِهِ

стр. 772

وَمَا أَظن ابْن الرّفْعَة وقف على كَلَام القاضى أَبى الطّيب هَذَا فَإِنَّهُ ذكر نَحوه بحثا لنَفسِهِ وَلَو وقف عَلَيْهِ لاستظهر بِهِ فَإِن ابْن الرّفْعَة قَالَ فى بَاب نِكَاح المشركات فِيمَا إِذا أسلم على أُخْتَيْنِ وطلق كل وَاحِدَة ثَلَاثًا وَقد نقل عَن ابْن الْحداد التَّخْيِير بَينهمَا مَعَ كَونه يمِيل فى أنكحة الْكفَّار إِلَى الْوَقْف وَأَن مُقْتَضَاهُ أَلا يجب مهر وَقد حكى عَنهُ الرافعى إِيجَاب الْمهْر وَأَن قَول الْوَقْف يُنَاسِبه أَلا يجب مهر قَالَ ابْن الرّفْعَة قد يكون مَأْخَذ ابْن الْحداد فى إِيجَاب الْمهْر للمندفعة وَإِن بَان فَسَاد النِّكَاح فِيهِ كَونه عينهَا للفراق مَعَ صلاحيتها للبقاء بِاخْتِيَارِهِ الْأُخْرَى مَعَ أَنه لَا تَرْجِيح وَمثل ذَلِك وَإِن كَانَ جَائِزا فيناط بِهِ الْإِيجَاب على رأى بعض الْأَصْحَاب فِيمَا إِذا أَفَاق الْمَجْنُون أَو طهرت الْحَائِض وَقد بقى من الْوَقْت مَا يَتَّسِع لَهَا أَو لِلظهْرِ فَقَط أَو بقى مِنْهُ مَا يدْرك بِهِ الْعَصْر وَهُوَ رَكْعَة فَإنَّا نلزمه الظّهْر وَالْعصر بِإِدْرَاك أَربع رَكْعَات على رأى صَاحب الإفصاح وبإدراك رَكْعَة فَقَط على رأى غَيره وَهُوَ الذى قيل إِنَّه الْمُصَحح فى الْمَذْهَب وكل ذَلِك مَعَ قَوْلنَا إِنَّه لَو أدْرك دون ذَلِك لَا يكون بِهِ مدْركا لوَاحِدَة من الصَّلَاتَيْنِ وَإِذا تَأَمَّلت ذَلِك وجدت إِلْزَامه للصلاتين بِمَا يلْزمه بِهِ إِحْدَاهمَا إِنَّمَا هُوَ لِأَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تقبل أَن توقع فى ذَلِك الْوَقْت على الْبَدَل لَا مَعَ الْمَعِيَّة فَكَذَا فِيمَا نَحن فِيهِ جَازَ أَن يتَعَلَّق الْإِيجَاب بالقبولية على الْبَدَل وَإِن لم يُمكن الْجمع وَيصِح هَذَا المأخذ إِن كَانَ يَقُول بِأَنَّهُ إِذا أسلم على أَكثر من أَربع وأسلمن مَعَه أَنه يجب للمندفعات بِاخْتِيَارِهِ لغيرهن الشّطْر فَإِن لم يقل بِهِ فَلَا تَمام وَالظَّاهِر أَنه يَقُول بِهِ انْتهى وَمَا ذكره من أَنه قد يكون مَأْخَذ ابْن الْحداد قد عرفت أَن القاضى أَبَا الطّيب قَالَه وللبحث فِيهِ مجَال قد يُقَال تعْيين الْفِرَاق فِيمَن لَهُ أَن يعين فِيهَا الْبَقَاء بِمَنْزِلَة الطَّلَاق وَقد يُقَال بل إِذا جعل لَهُ ذَلِك فقد جعل لَهُ أَن يعين فِيهَا انْتِفَاء للزوجية بِالْكُلِّيَّةِ فَمن أَيْن الْمهْر فَلْيتَأَمَّل فى ذَلِك فإنى لم أشبعه بحثا

стр. 773

١١٥ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن مت أَبُو بكر الإشتيخنى ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١١٦ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى الْفَقِيه أَبُو نصر ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 774

١١٧ - مُحَمَّد بن أَحْمد المروزى الإِمَام الْكَبِير أَبُو عبد الله الخضرى نِسْبَة إِلَى الْخضر رجل من جدوده إِمَام مرو وشيخها وحبرها ومقدم الْأَصْحَاب بهَا وَهُوَ ختن أَبى على الشنوى حدث عَن القاضى أَبى عبد الله الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل المحاملى وَغَيره وَعقد مجْلِس الْإِمْلَاء والتدريس وتفقه عَلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم الْأُسْتَاذ أَبُو على الدقاق والفقيه حَكِيم بن مُحَمَّد الذيمونى وَكَأَنَّهُ كَانَ صَاحب مَال وثروة يدل عَلَيْهِ مَا حكيناه عَن القاضى عَن الْقفال فى تَرْجَمَة أَبى زيد وَكَانَ فِيمَا أَحسب من أَقْرَان الشَّيْخ أَبى زيد وَمَا أرى الْقفال إِلَّا من المتفقهة عَلَيْهِ وطالما قَالَ الْقفال سَأَلت أَبَا زيد وَسَأَلت الخضرى وَقَالَ القاضى فى التعليقة فى مَسْأَلَة هَل يُقَلّد الْمُرَاهق فى الْقبْلَة قَالَ الْقفال سَأَلت أَبَا زيد عَن ذَلِك فَقَالَ نَص الشافعى على أَنه يجوز تَقْلِيد الْمُرَاهق ثمَّ سَأَلت أَبَا عبد الله الخضرى عَن ذَلِك فَقَالَ لَا يجوز نصا فَأَخْبَرته بقول أَبى زيد فَقَالَ أَنا لَا أَتَّهِمهُ فى ذَلِك وَيحْتَمل أَن الشافعى أَرَادَ بذلك النَّص إِذا دله على الْمِحْرَاب فَإِنَّهُ يجوز وبالنص الثانى أَن يُخبرهُ بِجِهَة الْقبْلَة أَو يَقُول رَأَيْت القطب من هَذَا الْجَانِب فَإِنَّهُ يَأْخُذ بقوله وَيصلى إِلَى تِلْكَ الْجِهَة وَلَيْسَ هَذَا بتقليد لَهُ لِأَنَّهُ لما أخبرهُ وَلَا يُخبرهُ إِلَّا

стр. 775

عَن تحر واجتهاد صَار هَذَا كالعالم أم عاميا فى مَسْأَلَة وَاحِدَة فَإِن أفتاه بِنَصّ من كتاب الله أَو سنة يجوز لَهُ أَن يُفْتى غَيره وَإِن أفتاه بِالِاجْتِهَادِ لَا يجوز بذلك الِاجْتِهَاد قلت الصَّحِيح أَنه لَا يجوز تَقْلِيد الصبى وَهُوَ النَّص الذى حَكَاهُ الخضرى وَالْفرع مَشْهُور وَفِيمَا نقل من خطّ الشَّيْخ أَبى مُحَمَّد الجوينى عَن شَيْخه الْقفال إِذا تزوج امْرَأَة على ظن أَنَّهَا حرَّة فَإِذا هى أمة فَالنِّكَاح صَحِيح وَولده مِنْهَا رَقِيق وَإِن كَانَ يَطَؤُهَا على توهم الْحُرِّيَّة إِذْ التَّوَهُّم حَدِيث النَّفس فَلَا يُغير حكما قيل للشَّيْخ يعْنى الْقفال لَو أَن رجلا وطئ أمة بِالشُّبْهَةِ يتَوَهَّم أَنَّهَا امْرَأَته فَقَالَ كَانَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الخضرى يَقُول إِن كَانَت امْرَأَته حرَّة فولده من هَذِه الْأمة حر وَعَلِيهِ الْقيمَة وَإِن كَانَت امْرَأَته أمة فولده من الْمَوْطُوءَة بِالشُّبْهَةِ مَمْلُوك على حسب الْقَصْد وَالنِّيَّة قَالَ الرويانى فى الْبَحْر فى كتاب النِّكَاح وَهَذَا حسن ذكره فى بَاب الزِّنَا لَا يحرم الْحَلَال قلت وَقد أَشَارَ الْأَصْحَاب إِلَى هَذَا فى بَاب عتق أُمَّهَات الْأَوْلَاد فَقَالُوا إِذا استولد أمة الْغَيْر بِشُبْهَة ثمَّ ملكهَا فَينْظر إِن وَطئهَا على ظن أَنَّهَا زَوجته الْمَمْلُوكَة فَالْوَلَد رَقِيق وَلَا يثبت الِاسْتِيلَاء أَو أَنَّهَا زَوجته الْحرَّة أَو أمته فَالْوَلَد حر وفى ثُبُوت الِاسْتِيلَاد قَولَانِ
следующие страницы →