Полный текст (3 926 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وَاعْلَم أَن مَسْأَلَة إِسْلَام الرجل على أم وابنتها قد أفْصح الْقفال فِيهَا بتغليط ابْن الْحداد وَزعم أَنه عكس التَّفْرِيع فَإِنَّهُ قَالَ إِن قُلْنَا باستمرار نِكَاح الْبِنْت كَمَا هُوَ الصَّحِيح سقط نِكَاح الْأُم بِنَاء على أَصله أَنَّهَا فرقة وَردت بِالشَّرْعِ قهرية فَلَا تشطر وَإِن قُلْنَا يتَخَيَّر فالمفارقة مَنْسُوب إِلَيْهِ اخْتِيَار فراقها فَقَالَ الْقفال ومتابعوه بل الْأَمر بِالْعَكْسِ بل الْجَواب على عكس مَا ذكره إِن قُلْنَا بِصِحَّة أنكحتهم فقد أفسدنا نِكَاح الْأُم بِكُل حَال للْعقد على الْبِنْت وَحِينَئِذٍ ففسخ النِّكَاح إِنَّمَا وَقع بِإِسْلَامِهِ وإسلامها جَمِيعًا وَالْفَسْخ إِذا وَقع قبل الدُّخُول بِسَبَب يشْتَرك فِيهِ الزَّوْجَانِ يجب الْمهْر كَمَا لَو تخالعا فَلَا يسْقط الْمهْر بل يتشطر وَتجب الْمُتْعَة
وَأما على القَوْل الذى يَقُول يمسك أَيَّتهمَا شَاءَ فَإِذا أمسك إِحْدَاهمَا جعل الثَّانِيَة كَأَن لم ينْكِحهَا قطّ فَلَا مهر وَلَا مُتْعَة وَيجوز لِابْنِهِ أَن يتَزَوَّج بهَا وَيكون بِمَنْزِلَة من لم يعْقد عَلَيْهَا هَذَا حَاصِل مَا ذكره
وَقَالَ القاضى أَبُو الطّيب الطبرى منتصرا لِابْنِ الْحداد وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ على الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا جعل الِاخْتِيَار إِلَيْهِ والوصلة والفرقة إِلَى إِرَادَته فَمن اخْتَارَهَا من أَكثر من أَربع وَمن الْمَرْأَة وعمتها أَو خَالَتهَا فنكاحها صَحِيح وَمن فَارقهَا مِنْهُنَّ وَقُلْنَا إِنَّهَا بِمَنْزِلَة من لم يعْقد عَلَيْهَا فَإِنَّمَا يصير بِهَذِهِ الْمنزلَة بِاخْتِيَارِهِ وَقد كَانَ يُمكنهُ أَن يُقيم على نِكَاحهَا بِاخْتِيَارِهِ إِيَّاهَا فَأوجب عَلَيْهِ نصف الْمهْر بذلك وأجرى مجْرى الْمُطلق لهَذِهِ الْعلَّة وَيُفَارق الْمَنْكُوحَة نِكَاحا فَاسِدا فى الْإِسْلَام فَإِنَّهُ يجب أَن يفرق بَينهمَا وَلَا اخْتِيَار لَهُ فِيهَا فَبَان الْفرق بَينهمَا
هَذَا كَلَام القاضى أَبى الطّيب وَهُوَ مُحْتَمل جيد يحْتَمل أَن يُقَال عدم إِمْسَاكه الْوَاحِدَة مَعَ قدرته وَلَكِن الشَّارِع لَهُ من إِِمْسَاكهَا بِمَنْزِلَة طَلاقهَا وَيحْتَمل أَلا يُقَال بِهِ
стр. 772
وَمَا أَظن ابْن الرّفْعَة وقف على كَلَام القاضى أَبى الطّيب هَذَا فَإِنَّهُ ذكر نَحوه بحثا لنَفسِهِ وَلَو وقف عَلَيْهِ لاستظهر بِهِ فَإِن ابْن الرّفْعَة قَالَ فى بَاب نِكَاح المشركات فِيمَا إِذا أسلم على أُخْتَيْنِ وطلق كل وَاحِدَة ثَلَاثًا وَقد نقل عَن ابْن الْحداد التَّخْيِير بَينهمَا مَعَ كَونه يمِيل فى أنكحة الْكفَّار إِلَى الْوَقْف وَأَن مُقْتَضَاهُ أَلا يجب مهر وَقد حكى عَنهُ الرافعى إِيجَاب الْمهْر وَأَن قَول الْوَقْف يُنَاسِبه أَلا يجب مهر
قَالَ ابْن الرّفْعَة قد يكون مَأْخَذ ابْن الْحداد فى إِيجَاب الْمهْر للمندفعة وَإِن بَان فَسَاد النِّكَاح فِيهِ كَونه عينهَا للفراق مَعَ صلاحيتها للبقاء بِاخْتِيَارِهِ الْأُخْرَى مَعَ أَنه لَا تَرْجِيح وَمثل ذَلِك وَإِن كَانَ جَائِزا فيناط بِهِ الْإِيجَاب على رأى بعض الْأَصْحَاب فِيمَا إِذا أَفَاق الْمَجْنُون أَو طهرت الْحَائِض وَقد بقى من الْوَقْت مَا يَتَّسِع لَهَا أَو لِلظهْرِ فَقَط أَو بقى مِنْهُ مَا يدْرك بِهِ الْعَصْر وَهُوَ رَكْعَة فَإنَّا نلزمه الظّهْر وَالْعصر بِإِدْرَاك أَربع رَكْعَات على رأى صَاحب الإفصاح وبإدراك رَكْعَة فَقَط على رأى غَيره وَهُوَ الذى قيل إِنَّه الْمُصَحح فى الْمَذْهَب وكل ذَلِك مَعَ قَوْلنَا إِنَّه لَو أدْرك دون ذَلِك لَا يكون بِهِ مدْركا لوَاحِدَة من الصَّلَاتَيْنِ وَإِذا تَأَمَّلت ذَلِك وجدت إِلْزَامه للصلاتين بِمَا يلْزمه بِهِ إِحْدَاهمَا إِنَّمَا هُوَ لِأَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تقبل أَن توقع فى ذَلِك الْوَقْت على الْبَدَل لَا مَعَ الْمَعِيَّة فَكَذَا فِيمَا نَحن فِيهِ جَازَ أَن يتَعَلَّق الْإِيجَاب بالقبولية على الْبَدَل وَإِن لم يُمكن الْجمع وَيصِح هَذَا المأخذ إِن كَانَ يَقُول بِأَنَّهُ إِذا أسلم على أَكثر من أَربع وأسلمن مَعَه أَنه يجب للمندفعات بِاخْتِيَارِهِ لغيرهن الشّطْر فَإِن لم يقل بِهِ فَلَا تَمام وَالظَّاهِر أَنه يَقُول بِهِ انْتهى
وَمَا ذكره من أَنه قد يكون مَأْخَذ ابْن الْحداد قد عرفت أَن القاضى أَبَا الطّيب قَالَه وللبحث فِيهِ مجَال قد يُقَال تعْيين الْفِرَاق فِيمَن لَهُ أَن يعين فِيهَا الْبَقَاء بِمَنْزِلَة الطَّلَاق وَقد يُقَال بل إِذا جعل لَهُ ذَلِك فقد جعل لَهُ أَن يعين فِيهَا انْتِفَاء للزوجية بِالْكُلِّيَّةِ فَمن أَيْن الْمهْر فَلْيتَأَمَّل فى ذَلِك فإنى لم أشبعه بحثا
стр. 773
١١٥ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن مت أَبُو بكر الإشتيخنى ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
١١٦ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى الْفَقِيه أَبُو نصر ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 774
١١٧ - مُحَمَّد بن أَحْمد المروزى الإِمَام الْكَبِير أَبُو عبد الله الخضرى نِسْبَة إِلَى الْخضر رجل من جدوده
إِمَام مرو وشيخها وحبرها ومقدم الْأَصْحَاب بهَا وَهُوَ ختن أَبى على الشنوى حدث عَن القاضى أَبى عبد الله الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل المحاملى وَغَيره
وَعقد مجْلِس الْإِمْلَاء والتدريس
وتفقه عَلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم الْأُسْتَاذ أَبُو على الدقاق والفقيه حَكِيم بن مُحَمَّد الذيمونى
وَكَأَنَّهُ كَانَ صَاحب مَال وثروة يدل عَلَيْهِ مَا حكيناه عَن القاضى عَن الْقفال فى تَرْجَمَة أَبى زيد
وَكَانَ فِيمَا أَحسب من أَقْرَان الشَّيْخ أَبى زيد وَمَا أرى الْقفال إِلَّا من المتفقهة عَلَيْهِ وطالما قَالَ الْقفال سَأَلت أَبَا زيد وَسَأَلت الخضرى
وَقَالَ القاضى فى التعليقة فى مَسْأَلَة هَل يُقَلّد الْمُرَاهق فى الْقبْلَة قَالَ الْقفال سَأَلت أَبَا زيد عَن ذَلِك فَقَالَ نَص الشافعى على أَنه يجوز تَقْلِيد الْمُرَاهق ثمَّ سَأَلت أَبَا عبد الله الخضرى عَن ذَلِك فَقَالَ لَا يجوز نصا فَأَخْبَرته بقول أَبى زيد فَقَالَ أَنا لَا أَتَّهِمهُ فى ذَلِك وَيحْتَمل أَن الشافعى أَرَادَ بذلك النَّص إِذا دله على الْمِحْرَاب فَإِنَّهُ يجوز وبالنص الثانى أَن يُخبرهُ بِجِهَة الْقبْلَة أَو يَقُول رَأَيْت القطب من هَذَا الْجَانِب فَإِنَّهُ يَأْخُذ بقوله وَيصلى إِلَى تِلْكَ الْجِهَة وَلَيْسَ هَذَا بتقليد لَهُ لِأَنَّهُ لما أخبرهُ وَلَا يُخبرهُ إِلَّا
стр. 775
عَن تحر واجتهاد صَار هَذَا كالعالم أم عاميا فى مَسْأَلَة وَاحِدَة فَإِن أفتاه بِنَصّ من كتاب الله أَو سنة يجوز لَهُ أَن يُفْتى غَيره وَإِن أفتاه بِالِاجْتِهَادِ لَا يجوز بذلك الِاجْتِهَاد
قلت الصَّحِيح أَنه لَا يجوز تَقْلِيد الصبى وَهُوَ النَّص الذى حَكَاهُ الخضرى وَالْفرع مَشْهُور
وَفِيمَا نقل من خطّ الشَّيْخ أَبى مُحَمَّد الجوينى عَن شَيْخه الْقفال إِذا تزوج امْرَأَة على ظن أَنَّهَا حرَّة فَإِذا هى أمة فَالنِّكَاح صَحِيح وَولده مِنْهَا رَقِيق وَإِن كَانَ يَطَؤُهَا على توهم الْحُرِّيَّة إِذْ التَّوَهُّم حَدِيث النَّفس فَلَا يُغير حكما
قيل للشَّيْخ يعْنى الْقفال لَو أَن رجلا وطئ أمة بِالشُّبْهَةِ يتَوَهَّم أَنَّهَا امْرَأَته فَقَالَ كَانَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الخضرى يَقُول إِن كَانَت امْرَأَته حرَّة فولده من هَذِه الْأمة حر وَعَلِيهِ الْقيمَة وَإِن كَانَت امْرَأَته أمة فولده من الْمَوْطُوءَة بِالشُّبْهَةِ مَمْلُوك على حسب الْقَصْد وَالنِّيَّة
قَالَ الرويانى فى الْبَحْر فى كتاب النِّكَاح وَهَذَا حسن ذكره فى بَاب الزِّنَا لَا يحرم الْحَلَال
قلت وَقد أَشَارَ الْأَصْحَاب إِلَى هَذَا فى بَاب عتق أُمَّهَات الْأَوْلَاد فَقَالُوا إِذا استولد أمة الْغَيْر بِشُبْهَة ثمَّ ملكهَا فَينْظر إِن وَطئهَا على ظن أَنَّهَا زَوجته الْمَمْلُوكَة فَالْوَلَد رَقِيق وَلَا يثبت الِاسْتِيلَاء أَو أَنَّهَا زَوجته الْحرَّة أَو أمته فَالْوَلَد حر وفى ثُبُوت الِاسْتِيلَاد قَولَانِ
стр. 776
١١٨ - مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الإِمَام أَبُو بكر النيسابورى
نزيل مَكَّة أحد أَعْلَام هَذِه الْأمة وأحبارها
كَانَ إِمَامًا مُجْتَهدا حَافِظًا ورعا
سَمِعت الحَدِيث من مُحَمَّد بن مَيْمُون وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل الصَّائِغ وَمُحَمّد بن عبد الله بن عبد الحكم وَغَيرهم
روى عَنهُ أَبُو بكر ابْن الْمُقْرِئ وَمُحَمّد بن يحيى بن عمار الدمياطى شيخ الطلمنكى وَالْحسن بن على بن شعْبَان وَأَخُوهُ الْحُسَيْن وَآخَرُونَ
وَله التصانيف المفيدة السائرة كتاب الْأَوْسَط وَكتاب الإشراف فى اخْتِلَاف الْعلمَاء وَكتاب الْإِجْمَاع وَالتَّفْسِير وَكتاب السّنَن وَالْإِجْمَاع وَالِاخْتِلَاف
قَالَ شَيخنَا الذهبى كَانَ على نِهَايَة من معرفَة الحَدِيث وَالِاخْتِلَاف وَكَانَ مُجْتَهدا لَا يُقَلّد أحدا
قلت المحمدون الْأَرْبَعَة مُحَمَّد بن نصر وَمُحَمّد بن جرير وَابْن خُزَيْمَة وَابْن الْمُنْذر من أَصْحَابنَا وَقد بلغُوا دَرَجَة الِاجْتِهَاد الْمُطلق وَلم يخرجهم ذَلِك عَن كَونهم من أَصْحَاب الشافعى المخرجين على أُصُوله المتمذهبين بمذهبه لوفاق اجتهادهم اجْتِهَاده بل قد ادّعى من هُوَ بعد من أَصْحَابنَا الخلص كالشيخ أَبى على وَغَيره أَنهم وَافق رَأْيهمْ رأى الإِمَام الْأَعْظَم فتبعوه ونسبوا إِلَيْهِ لَا أَنهم مقلدون فَمَا ظَنك بهؤلاء الْأَرْبَعَة فَإِنَّهُم وَإِن خَرجُوا عَن رأى الإِمَام الْأَعْظَم فى كثير من الْمسَائِل فَلم يخرجُوا فى الْأَغْلَب
стр. 777
فاعرف ذَلِك وَاعْلَم أَنهم فى أحزاب الشَّافِعِيَّة معدودون وعَلى أُصُوله فى الْأَغْلَب مخرجون وبطريقه متهذبون وبمذهبه متمذهبون
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشيرازى توفى ابْن الْمُنْذر سنة تسع أَو عشر وثلاثمائة
قَالَ شَيخنَا الذهبى وَهَذَا لَيْسَ بشئ لِأَن مُحَمَّد بن يحيى بن عمار لقِيه سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة
وَمن الْمسَائِل والغرائب عَن ابْن الْمُنْذر
ذهب إِلَى أَن الْمُسَافِر يقصر الصَّلَاة فى مسيرَة يَوْم تَامّ كَمَا قَالَ الأوزاعى
وَاعْلَم أَن عِبَارَات الشافعى رضى الله عَنهُ فى حد السّفر مضطربة وَقَالَ الْأَصْحَاب على طبقاتهم الشَّيْخ أَبُو حَامِد والماوردى وَالْإِمَام وَغَيرهم المُرَاد بهَا شئ وَاحِد لَا يخْتَلف الْمَذْهَب فى ذَلِك وَأَن السّفر الطَّوِيل مرحلتان فَصَاعِدا وَمَا قَالَه ابْن الْمُنْذر خَارج عَن الْمَذْهَب
وَقيد كَون إِذن الْبكر فى النِّكَاح صماتها بِمَا إِذا علمت قبل أَن تستؤذن أَن إِذْنهَا صماتها وَهَذَا حسن
وَقَالَ إِن الزانى الْمُحصن يجلد ثمَّ يرْجم
وَأَنه لَا تجب الْكَفَّارَة فى قتل الْعمد
وَأَن الْخلْع لَا يَصح إِلَّا فى حَالَة الشقاق
وَنقل فى الإشراف عَن الشافعى أَنه قَالَ فِيمَن سَافر لمسافة الْقصر ثمَّ رَجَعَ إِلَى دَاره لحَاجَة قبل أَن ينتهى إِلَى مَسَافَة الْقصر إِن الأحب لَهُ أَن يتم وَإِن جَازَ الْقصر
وَهَذَا غَرِيب وَالْمَعْرُوف فى الْمَذْهَب إِطْلَاق القَوْل بِأَن الْقصر أفضل وَكَأن الشافعى
стр. 778
رضى الله عَنهُ اسْتثْنى هَذِه الصُّورَة لِلْخُرُوجِ من خلاف الْعلمَاء فقد قَالَ سُفْيَان الثورى وَغَيره فِيمَن رَجَعَ لحَاجَة عَلَيْهِ أَن يتم
قَالَ أَبُو بكر فى كتاب الإشراف مَا نَصه ذكر الإِمَام يخص نَفسه بِالدُّعَاءِ دون الْقَوْم ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول إِذا كبر فى الصَّلَاة قبل الْقِرَاءَة (اللَّهُمَّ باعد بينى وَبَين خطيئتى كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب اللَّهُمَّ نقنى من خطاياى كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس اللَّهُمَّ اغسلنى من خطاياى بالثلج وَالْمَاء وَالْبرد) قَالَ أَبُو بكر وَبِهَذَا نقُول
وَقد روينَا عَن مُجَاهِد وَطَاوُس أَنَّهُمَا قَالَا لَا ينبغى للْإِمَام أَن يخص نَفسه بشئ من الدَّعْوَات دون الْقَوْم وَكره ذَلِك النووى والأوزاعى وَقَالَ الشافعى لَا أحب ذَلِك انْتهى
وَإِنَّمَا نقلته بِحُرُوفِهِ لِأَن بعض النَّاس نقل عَنهُ أَنه نقل فى هَذَا الْفَصْل عَن الشافعى أَنه لَا يحب تَخْصِيص الإِمَام نَفسه بِالدُّعَاءِ بل يأتى بِصِيغَة الْجمع فى نَحْو اللَّهُمَّ باعد بينى وَبَين خطيئتى الحَدِيث وَهَذَا لَا يَقُوله أحد بل الْأَدْعِيَة المأثورة يُؤْتى بهَا كَمَا وَردت فَإِذا كَانَت صِيغَة إِفْرَاد لم يسْتَحبّ للْإِمَام أَن يأتى بِصِيغَة الْجمع وَلَا ينبغى لَهُ ذَلِك وَإِنَّمَا الْخَيْر كل الْخَيْر فى الْإِتْيَان بِلَفْظ رَسُول الله ﷺ
وَأما أَنه يسْتَحبّ للْإِمَام أَلا يخص نَفسه بِالدُّعَاءِ فَهُوَ أثر ذكره أَصْحَابنَا لَكِن مَعْنَاهُ فى غير الْأَدْعِيَة المأثورة وَذَلِكَ بِأَن يستفتح لنَفسِهِ دُعَاء فيفرد نَفسه بِالذكر وَأَبُو بكر إِنَّمَا صدر بِالْحَدِيثِ اسْتِشْهَادًا لما يَقُوله من جَوَاز التَّخْصِيص فَقَالَ قد خصص النبى ﷺ نَفسه بِهَذِهِ الْكَلِمَات الَّتِى ذكرهَا فى مَوضِع لَا تَأْمِين فِيهِ للمأمومين وَلَيْسَ مُرَاده أَن من ذكره يُخَالف رَسُول الله ﷺ فى ذَلِك معَاذ الله وَإِنَّمَا حَاصِل كَلَامه أَن التَّخْصِيص جَائِز فى غير الْمَأْثُور بِدَلِيل مَا وَقع فى الْمَأْثُور وَأَن كره التَّخْصِيص أَن يُجيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا خصص نَفسه حَيْثُ يسر بِالدُّعَاءِ وَلَا تَأْمِين للْقَوْم فِيهِ
стр. 779
نقل ابْن الْمُنْذر خلافًا بَين الْأمة فى جَوَاز إطْعَام فُقَرَاء أهل الذِّمَّة من الْأُضْحِية قَالَ رخص فِيهِ الْحسن وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو ثَوْر وَقَالَ مَالك غَيره أحب إِلَيْنَا وَكره مَالك أَيْضا إِعْطَاء النصرانى جلد الْأُضْحِية أَو شَيْئا من لَحمهَا وَكَرِهَهُ أَيْضا اللَّيْث فَإِن طبخ لَحمهَا فَلَا بَأْس بِأَكْل الذِّمِّيّ مَعَ الْمُسلمين مِنْهُ
هَذَا كَلَام ابْن الْمُنْذر وَنَقله عَنهُ النووى فى شرح الْمُهَذّب وَقَالَ لم أر لِأَصْحَابِنَا كلَاما فِيهِ
قَالَ وَمُقْتَضى الْمَذْهَب جَوَاز إطعامهم من أضْحِية التَّطَوُّع دون الْوَاجِبَة
قلت نقل ابْن الرّفْعَة فى الْكِفَايَة أَن الشافعى قَالَ لَا يطعم مِنْهَا يعْنى الْأُضْحِية أحدا على غير دين الْإِسْلَام وَأَنه ذكره فى البويطى
قَول الْمَرِيض لفُلَان قبلى حق فصدقوه
قَالَ ابْن الْمُنْذر فى كتاب السّنَن وَالْإِجْمَاع وَالِاخْتِلَاف وَهُوَ كتاب مَبْسُوط حافل فى أَوَاخِر بَاب الْإِقْرَار مِنْهُ مَا نَصه وَإِن قَالَ لفُلَان قبلى حق فصدقوه فَإِن صدقه الْوَرَثَة بِمَا قَالَ فَإِن النُّعْمَان قَالَ أصدق الطَّالِب بِمَا بَينه وَبَين الثُّلُث أستحسن ذَلِك فَإِن أقرّ بدين مُسَمّى مَعَ ذَلِك كَانَ الدّين الْمُسَمّى أولى بِمَالِه كُله وَلَو لم يقر بدين مُسَمّى وَأوصى بِوَصِيَّة كَانَت أولى بِالثُّلثِ من ذَلِك الْإِقْرَار أَيْضا فى قَوْله وَإِذا قَالَ الْمَرِيض فى مَرضه الذى مَاتَ فِيهِ لفُلَان على حق فصدقوه فِيمَا ادّعى فَادّعى مَالا يكون أَكثر من الثُّلُث فَإِنَّهُ لَا يصدق وَله أَن يحلف الْوَرَثَة على علمهمْ فَإِن نكلوا عَن الْيَمين قضيت لَهُ بذلك وَلَو حلفوا قضيت لَهُ بِالثُّلثِ هَذَا قَول أَبى حنيفَة وأبى يُوسُف وَمُحَمّد
قَالَ أَبُو بكر والذى نقُول بِهِ فى هَذَا أَن الْمُدعى يصدق فِيمَا ادّعى إِذا أقرّ الْمَرِيض بتصديقه وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا ادّعى عَلَيْهِ قَالَ وَقَالَ الْمَرِيض صدق يُؤْخَذ بِهِ فَكَذَلِك إِذا قَالَ صدقوه أَو هُوَ صَادِق فِيمَا ادّعى كَانَ هَذَا إِقْرَارا مِنْهُ قد عقده انْتهى لَفظه
стр. 780
قلت وَهُوَ فرع تعم بِهِ الْبلوى وَالنَّقْل فِيهِ عَزِيز يَقُول الْمَرْء فى مرض مَوته مهما ادّعى بِهِ فلَان فصدقوه أَو فَهُوَ صَادِق أَو لَهُ على شئ لَا أتحقق قدره فمهما عين فَهُوَ صَدُوق أَو يَقُول الْمَرْء كل من ادّعى على بعد موتى فَأَعْطوهُ مَا يَدعِيهِ وَلَا تطالبوه بِالْحجَّةِ والذى تحرر لى بعد النّظر فى هَذَا الْأَلْفَاظ أَنه تَارَة يعين الْمَرْء بشخصه كَمَا فى الصُّور الأول وَتارَة يعمم كَمَا فى الصُّورَة الْأَخِيرَة وَلَا يخفى أَن كَونه إِقْرَارا فى الصُّور الأول أولى من الْأَخِيرَة فَإِن عين فَتَارَة يَقُول مهما ادّعى بِهِ فَهُوَ صَادِق أَو فَهُوَ صَحِيح أَو حق وَتارَة يَقُول مهما ادّعى بِهِ فصدقوه وَتارَة يَقُول مهما ادّعى بِهِ فَأَعْطوهُ وَكَونه إِقْرَارا فى الأول أولى من الثَّانِيَة وفى الثَّانِيَة أولى من الثَّالِثَة والذى يظْهر فى الثَّالِثَة أَنه وَصِيَّة كَمَا فى الصُّورَة الْأَخِيرَة
وَقد صرح بالصورة الْأَخِيرَة صَاحب الْبَحْر فَقَالَ فى بَاب الْوَصَايَا مَا نَصه إِذا قَالَ كل من ادّعى على بعد موتى فَأَعْطوهُ مَا يَدعِيهِ وَلَا تطالبوه بِالْحجَّةِ فَادّعى اثْنَان بعد مَوته حقين مختلفى الْمِقْدَار وَلَا حجَّة لوَاحِد مِنْهُمَا كَانَ ذَلِك كَالْوَصِيَّةِ تعْتَبر من الثُّلُث وَإِذا ضَاقَ عَن الْوَفَاء قسم بَينهمَا على قدر حقيهما الذى يدعيانه كالوصايا سَوَاء انْتهى
وَأما إِذا قَالَ إِذا ادّعى فلَان أَو كل مَا يدعى بِهِ فَلَا يشك أَنه أولى بِالصِّحَّةِ من التَّعْمِيم فى قَوْله كل من ادّعى
ثمَّ قد يَقُول فَأَعْطوهُ وَقد يَقُول فصدقوه وَقد يَقُول فَهُوَ صَادِق فَإِن قَالَ فَأَعْطوهُ فَيظْهر أَنه وَصِيَّة وَإِن قَالَ فصدقوه فقد رَأَيْت قَول ابْن الْمُنْذر أَنه إِقْرَار وَظَاهر كَلَامه أَنه يصدق فى كل مَا يَدعِيهِ وَإِن زَاد على الثُّلُث وعَلى مَا يُعينهُ الْوَارِث حَتَّى لَو ادّعى جَمِيع المَال يصدق
وَهَذَا احْتِمَال رأى أَبى على الثقفى من أَصْحَابنَا نَقله عَنهُ القاضى أَبُو سعد فى
стр. 781
كتاب الإشراف وَتَبعهُ القاضى شُرَيْح فى أدب الْقَضَاء فَقَالَ مَا نَصه إِذا قَالَ مَا يَدعِيهِ فلَان فصدقوه قَالَ الثقفى يحْتَمل أَن يصدق فى الْجَمِيع وَقَالَ الزجاجى هُوَ إِقْرَار مَجْهُول يُعينهُ الْوَارِث قَالَ أَبُو عَاصِم العبادى هَذَا أشبه بِالْحَقِّ انْتهى
وَإِن قَالَ فَهُوَ صَادِق فقد رَأَيْت قَول ابْن الْمُنْذر أَيْضا وَلَا يشك أَنَّهَا أولى بِالْإِقْرَارِ من قَوْله فصدقوه
فَإِن قلت هَل للمسألة شبه بِمَا إِذا قَالَ إِن شهد على فلَان بِكَذَا أَو شَاهِدَانِ بِكَذَا فَإِنَّهُمَا صادقان فَإِن الْأَصْحَاب ذكرُوا فى بَاب الْإِقْرَار أَنه إِقْرَار وَإِن لم يشهدَا على أظهر الْقَوْلَيْنِ وَإِن قَالَ إِن شَهدا صدقهما فَلَيْسَ بِإِقْرَار قطعا
قلت هى مُفَارقَة لَهَا من جِهَة أَنه عين هُنَا الْمَشْهُود بِهِ كَمَا عين الشَّاهِد فَقَالَ إِن شهد بِكَذَا وَفِيمَا نَحن فِيهِ لم يعين الْمَشْهُود عَلَيْهِ بل عممه أَو جَهله فَمن ثمَّ لم يلْزم من جعله مقرا فى هَذِه جعله مقرا فى تِلْكَ وَمن ثمَّ يكون مقرا فى هَذِه فى الْحَال وَلَا يتَوَقَّف على شَهَادَة فلَان وفى مَسْأَلَتنَا لابد من الدَّعْوَى ليتَحَقَّق مَا قَالَه
وَقد وَقع فى المحاكمات رجل قَالَ جَمِيع مَا يدعى بِهِ فلَان فى تركتى حق أَو نَحْو ذَلِك وَأقر لمُعين بشئ فَادّعى فلَان بِجَمِيعِ مَا وجد وَمُقْتَضى التَّصْحِيح أَن يتحاصص هُوَ والمعين الْمقر لَهُ بِمعين كبينتين تزاحمتا وَلَكِن لم أجسر على الحكم بذلك وَوجدت النَّفس تميل إِلَى تَقْدِيم الْمعِين بِجَمِيعِ مَا عين لَهُ وَلم أقدم على الحكم بذلك أَيْضا
стр. 782
وَقَول أَبى حنيفَة الذى نَقله عَنهُ ابْن الْمُنْذر إِن الْمُسَمّى أولى يشْهد لذَلِك وَهُوَ نَظِير قَوْله إِن الْإِقْرَار بِالدّينِ فى الصِّحَّة يقدم على الْإِقْرَار بِهِ فى الْمَرَض وَهُوَ قَول عندنَا اتّفق الْأَصْحَاب على خِلَافه
١١٩ - مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مهْرَان بن عبد الله أَبُو الْعَبَّاس السراج الثقفى مَوْلَاهُم النيسابورى الْحَافِظ
مُحدث خُرَاسَان ومسندها
سمع قُتَيْبَة وَإِبْرَاهِيم بن يُوسُف البلخى وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبا كريب وَمُحَمّد ابْن بكار وَدَاوُد بن رشيد وخلقا سواهُم
روى عَنهُ البخارى وَمُسلم وَأَبُو حَاتِم الرازى وَأَبُو بكر بن أَبى الدُّنْيَا وهم من شُيُوخه وَأَبُو الْعَبَّاس بن عقدَة وَأَبُو حَاتِم بن حبَان وَأَبُو إِسْحَاق المزكى وَأَبُو حَامِد أَحْمد بن مُحَمَّد بن بَالَوَيْهِ وَالْحسن بن أَحْمد المخلدى وَأَبُو سهل الصعلوكى وَأَبُو بكر بن مهْرَان المقرى وخلائق آخِرهم أَبُو الْحُسَيْن الْخفاف
وَكَانَ شَيخا مُسْندًا صَالحا سعيدا كثير المَال وَهُوَ الذى قَرَأَ عَن النبى ﷺ (اثنتى عشرَة ألف ختمة وضحى عَنهُ اثنتى عشرَة ألف أضْحِية وَكَانَ يركب حِمَاره وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر)
وَفِيه يَقُول الْأُسْتَاذ أَبُو سهل الصعلوكى السراج كالسراج
وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل أَيْضا حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إِسْحَاق الأوحد فى فنه الْأَكْمَل فى وَزنه
стр. 783
وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن نجيد رَأَيْت السراج ركب حِمَاره وعباس المستملى بَين يَدَيْهِ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر يَقُول يَا عَبَّاس غير كَذَا اكسر كَذَا
وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّاء العنبرى سَمِعت أَبَا عَمْرو الْخفاف يَقُول للسراج لَو دخلت على الْأَمِير ونصحته
قَالَ فجَاء وَعِنْده أَبُو عَمْرو فَقَالَ هَذَا شَيخنَا وأكبرنا وَقد حضر لينْتَفع الْأَمِير بِكَلَامِهِ
فَقَالَ السراج أَيهَا الْأَمِير إِن الْإِقَامَة كَانَت فُرَادَى وهى كَذَا بالحرمين وَأما فى جامعنا فَصَارَت مثنى مثنى وَإِن الدّين خرج من الْحَرَمَيْنِ فَإِن رَأَيْت أَن تَأمر بِالْإِفْرَادِ
قَالَ فَخَجِلَ الْأَمِير وَأَبُو عَمْرو وَالْجَمَاعَة إِذْ كَانُوا قصدوه فى أَمر الْبَلَد فَلَمَّا خرج عاتبوه فَقَالَ استحييت من الله أَن أسأَل أَمر الدُّنْيَا وأدع أَمر الدّين
توفى السراج فى ربيع الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة وثلاثمائة وَله سبع وَتسْعُونَ سنة
١٢٠ - مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة بن الْمُغيرَة بن صَالح بن بكر إِمَام الْأَئِمَّة أَبُو بكر السلمى النيسابورى
الْمُجْتَهد الْمُطلق الْبَحْر العجاج والحبر الذى لَا يخاير فى الحجى وَلَا يناظر فى الْحجَّاج جمع أشتات الْعُلُوم وارتفع مِقْدَاره فتقاصرت عَنهُ طوالع النُّجُوم وَأقَام بِمَدِينَة نيسابور إمامها حَيْثُ الضراغم مزدحمة وفردها الذى رفع الْعلم بَين الْأَفْرَاد علمه والوفود تفد على ربعه لَا يتجنبه مِنْهُم إِلَّا الأشقى والفتاوى تحمل عَنهُ برا وبحرا وتشق الأَرْض شقا وعلومه تسير فتهدى فى كل سَوْدَاء مدلهمة وتمضى علما تأتم الهداة بِهِ وَكَيف لَا وَهُوَ إِمَام الْأَئِمَّة
стр. 784
(كالبحر يقذف للقريب جواهرا ... كرما وَيبْعَث للغريب سحائبا)
مولده فى صفر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
سمع من خلق مِنْهُم إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَمُحَمّد بن حميد الرازى وَلم يحدث عَنْهُمَا لكَونه سمع مِنْهُمَا فى الصغر وَلَكِن حدث عَن مَحْمُود بن غيلَان وَمُحَمّد بن أبان المستملى وَإِسْحَاق بن مُوسَى الخطمى وَعتبَة بن عبد الله اليحمدي وعَلى بن حجر وأبى قدامَة السرخسى وَأحمد بن منيع وَبشر بن معَاذ وَأبي كريب وَعبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَمُحَمّد بن أسلم الزَّاهِد والزعفرانى وَنصر ابْن على الجهضمى وعَلى بن خشرم وَغَيرهم
وَكَانَ سَمَاعه بنيسابور فى صغره وفى رحلته بالرى وبغداد وَالْبَصْرَة والكوفة وَالشَّام والجزيرة ومصر وواسط
روى عَنهُ خلق من الْكِبَار مِنْهُم البخارى وَمُسلم خَارج الصَّحِيح وَمُحَمّد ابْن عبد الله بن عبد الحكم شَيْخه وَأَبُو عَمْرو أَحْمد بن الْمُبَارك المستملى وَإِبْرَاهِيم بن أَبى طَالب وَهَؤُلَاء أكبر مِنْهُ وَيحيى بن مُحَمَّد بن صاعد وَأَبُو على النيسابورى وَإِسْحَاق بن سعد النسوى وَأَبُو عَمْرو بن حمدَان وَأَبُو حَامِد أَحْمد بن مُحَمَّد بن بَالَوَيْهِ وَأَبُو بكر أَحْمد بن مهْرَان الْمُقْرِئ وَمُحَمّد بن أَحْمد بن على بن نصير الْمعدل وحفيده مُحَمَّد بن الْفضل بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وخلائق
وَمن الْأَخْبَار عَن حَاله
قيل لِابْنِ خُزَيْمَة يَوْمًا من أَيْن أُوتيت الْعلم فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ) وإنى لما شربت مَاء زَمْزَم سَأَلت الله علما نَافِعًا
стр. 785
وَقيل لَهُ يَوْمًا لَو قطعت لنَفسك ثيابًا تتجمل بهَا فَقَالَ مَا أذكر نفسى قطّ ولى أَكثر من قميصين
قَالَ أَبُو أَحْمد الدارمى وَكَانَ لَهُ قَمِيص يلْبسهُ وقميص عِنْد الْخياط فَإِذا نزع الذى يلْبسهُ ووهبه غدوا إِلَى الْخياط وجاؤا بالقميص الآخر
وَقيل لَهُ يَوْمًا لَو حلقت شعرك فى الْحمام فَقَالَ لم يثبت عندى أَن رَسُول الله ﷺ دخل حَماما قطّ وَلَا حلق شعره إِنَّمَا تَأْخُذ شعرى جَارِيَة لى بالمقراض
وَقَالَ أَبُو أَحْمد الدارمى سَمِعت ابْن خُزَيْمَة يَقُول مَا حللت سراويلى على حرَام قطّ
وَقَالَ أَبُو بكر بن بَالَوَيْهِ سَمِعت ابْن خُزَيْمَة يَقُول كنت عِنْد الْأَمِير إِسْمَاعِيل بن أَحْمد فَحدث عَن أَبِيه بِحَدِيث وهم فى إِسْنَاده فرددته عَلَيْهِ فَلَمَّا خرجت من عِنْده قَالَ أَبُو ذَر القاضى قد كُنَّا نَعْرِف أَن هَذَا الحَدِيث خطأ مُنْذُ عشْرين سنة فَلم يقدر وَاحِد منا أَن يردهُ عَلَيْهِ فَقلت لَهُ لَا يحل لى أَن أسمع حَدِيثا لرَسُول الله ﷺ فِيهِ خطأ أَو تَحْرِيف فَلَا أرد
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا عَمْرو بن إِسْمَاعِيل يَقُول كنت فى مجْلِس ابْن خُزَيْمَة فاستمدنى مُدَّة فناولته بيسارى إِذْ كَانَت يمينى قد اسودت من الْكِتَابَة فَلم يَأْخُذ الْقَلَم وَأمْسك فَقَالَ لى بعض أَصْحَابه لَو ناولت الشَّيْخ بيمينك فَأخذت الْقَلَم بيمينى فناولته فَأخذ منى
وَقَالَ أَبُو أَحْمد الدارمى سَمِعت ابْن خُزَيْمَة يحْكى عَن على بن خشرم عَن إِسْحَاق أَنه قَالَ أحفظ سبعين ألف حَدِيث
стр. 786
قَالَ أَبُو أَحْمد الدارمى فَقلت لَهُ كم يحفظ الشَّيْخ فضربنى على رأسى وَقَالَ مَا أَكثر فضولك ثمَّ قَالَ يابنى مَا كتبت سُودًا فى بَيَاض إِلَّا وَأَنا أعرفهُ
مَاتَ ابْن خُزَيْمَة سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة
وفى مرثيته قَالَ بعض أهل الْعلم
(ياابن إِسْحَاق قد مضيت حميدا ... فسقى قبرك السَّحَاب الهتون)
(مَا توليت لَا بل الْعلم ولى ... مَا دفناك بل هُوَ المدفون)
وَمن أَرَادَ الْإِحَاطَة بترجمته فَعَلَيهِ بهَا فى تَارِيخ نيسابور للْحَاكِم أَبى عبد الله ﵀
وَمن ثَنَاء الْأَئِمَّة عَلَيْهِ
قَالَ الْقفال الشاشى سَمِعت أَبَا بكر الصيرفى يَقُول سَمِعت ابْن سُرَيج يَقُول ابْن خُزَيْمَة يخرج النكت من حَدِيث رَسُول الله ﷺ بالمنقاش
وَقَالَ الرّبيع بن سُلَيْمَان استفدنا من ابْن خُزَيْمَة أَكثر مِمَّا اسْتَفَادَ منا
وَقَالَ الْحَاكِم سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البكرى يَقُول سَمِعت ابْن خُزَيْمَة يَقُول حضرت مجْلِس المزنى يَوْمًا وَسَأَلَهُ سَائل من الْعِرَاقِيّين عَن شبه الْعمد فَقَالَ السَّائِل إِن الله وصف الْقَتْل فى كِتَابه صنفين عمدا وَخطأ فَلم قُلْتُمْ إِنَّه على ثَلَاثَة أَصْنَاف وزدتم شبه الْعمد فَذكر الحَدِيث فَقَالَ لَهُ أتحتج بعلى بن زيد بن جدعَان فَسكت المزنى
فَقلت لمناظره قد روى هَذَا الْخَبَر غير على بن زيد
стр. 787
فَقَالَ وَمن رَوَاهُ غير على
قلت أَيُّوب السختيانى وخَالِد الْحذاء
قَالَ لى فَمن عقبَة بن أَوْس
قلت عقبَة بن أَوْس رجل من أهل الْبَصْرَة قد رَوَاهُ عَنهُ أَيْضا مُحَمَّد بن سِيرِين مَعَ جلالته
فَقَالَ للمزنى أَنْت تناظر أَو هَذَا
فَقَالَ إِذا جَاءَ الحَدِيث فَهُوَ يناظر لِأَنَّهُ أعلم بِالْحَدِيثِ منى ثمَّ أَتكَلّم أَنا انْتهى قلت الشافعى رضى الله عَنهُ لم يقْتَصر على رِوَايَة الحَدِيث من طَرِيق ابْن جدعَان بل رَوَاهُ أَيْضا عَن عبد الْوَهَّاب الثقفى عَن خَالِد الْحذاء عَن الْقَاسِم بن ربيعَة عَن عقبَة ابْن أَوْس عَن رجل من أَصْحَاب النبى ﷺ فَذكر الحَدِيث
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ هشيم وَبشر بن الْمفضل وَيزِيد بن زُرَيْع عَن خَالِد الْحذاء
أخرجه النسائى من طريقهم إِلَّا أَن يزِيد قَالَ فِيهِ يَعْقُوب بن أَوْس وَيَعْقُوب وَعقبَة وَاحِد
ثمَّ حَدِيث الشافعى عَن على بن زيد أخرجه هَكَذَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن على بن زيد بن جدعَان عَن الْقَاسِم بن ربيعَة عَن عبد الله بن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن النبى ﷺ قَالَ (أَلا إِن فى قَتِيل عمد الْخَطَأ بِالسَّوْطِ والعصا مائَة من الْإِبِل مُغَلّظَة مِنْهَا أَرْبَعُونَ خلفة فى بطونها أَوْلَادهَا)
وَهَكَذَا // رَوَاهُ النسائى وَابْن مَاجَه من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة //
стр. 788
وَأخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق عبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد عَن على بن زيد كَذَلِك وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن على بن زيد عَن الْقَاسِم
قَالَ عبد الرَّزَّاق كَانَ مرّة يَقُول الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَمرَّة ابْن ربيعَة
وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن على بن زيد بن جدعَان عَن يَعْقُوب السدوسى عَن عبد الله بن عَمْرو بِهِ لم يذكر الْقَاسِم بن ربيعَة هَكَذَا ذكره ابْن أَبى حَاتِم فى كتاب الْعِلَل من طَرِيق يزِيد بن هَارُون وَأسد بن مُوسَى عَن حَمَّاد بن سَلمَة
وَذكره أَيْضا هُوَ والدارقطنى من طَرِيق مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد بن سَلمَة فَقَالَ فِيهِ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ
قَالَ ابْن أَبى حَاتِم قلت لأبى من يَعْقُوب السدوسى قَالَ هُوَ يَعْقُوب بن أَوْس وَيُقَال عقبَة بن أَوْس
وَأما حَدِيث أَيُّوب السختيانى فَأخْرجهُ النسائى وَابْن مَاجَه من طَرِيق شُعْبَة عَنهُ عَن الْقَاسِم بن ربيعَة الغطفانى عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ
وَأما حَدِيث خَالِد الْحذاء عَن الْقَاسِم بن ربيعَة عَن عقبَة بن أَوْس فقد عرفناك طَرِيق الشافعى فِيهِ والنسائى
стр. 789
وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو دَاوُد والنسائى وَابْن مَاجَه من طَرِيق حَمَّاد بن زيد
وَأَبُو دَاوُد أَيْضا من طَرِيق وهيب بن خَالِد كِلَاهُمَا عَن خَالِد الْحذاء عَن الْقَاسِم بن ربيعَة عَن عقبَة بن أَوْس عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ
وَرَوَاهُ النسائى أَيْضا من حَدِيث خَالِد عَن الْقَاسِم عَن عقبَة أَن رَسُول الله ﷺ فَذكره مُرْسلا
وَمن طَرِيق حميد الطَّوِيل عَن الْقَاسِم بن ربيعَة أَن رَسُول الله ﷺ فَذكره مُرْسلا أَيْضا
فَالْحَاصِل فى الحَدِيث الِاخْتِلَاف فى أَنه هَل هُوَ من مُسْند عبد الله بن عمر أَو ابْن عَمْرو وَذَلِكَ لَا يضر لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول وَلَا يبعد أَن يكون الحَدِيث عَنْهُمَا جَمِيعًا وَإِلَيْهِ ميل الْحَافِظ المنذرى وَأَن ابْن جدعَان مِمَّن سَمعه إِلَى غير ذَلِك مِمَّا رَأَيْت
وبسببه قضى ابْن عبد الْبر باضطراب الحَدِيث وَحكم بِأَن عقبَة بن أَوْس مَجْهُول وَلَعَلَّ عرق العصبية للمالكية لحقه وَإِلَّا فَلَيْسَ عقبَة بِمَجْهُول بل مَعْرُوف روى عَنهُ ابْن سِيرِين كَمَا ذكر ابْن خُزَيْمَة
стр. 790
وروى عَنهُ أَيْضا الْقَاسِم بن ربيعَة وَابْن جدعَان وَقَالَ فِيهِ أَحْمد بن عبد الله العجلى بصرى تابعى ثِقَة وَلم يتَكَلَّم فِيهِ أحد بِجرح
وَالقَاسِم بن ربيعَة مَشْهُور روى عَنهُ جمَاعَة ووثقة ابْن المدينى وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا وَكَانَ من الْعلمَاء الْمَذْكُورين للْقَضَاء
وَغلط ابْن جدعَان فى اسْم أَبِيه مرّة أَو مرَارًا لَا يضر والإرسال لَا ينافى الْإِسْنَاد
وَالْعَمَل على أَن الحَدِيث مُسْند صَحِيح لَا قَادِح فِيهِ وَله شَاهد أخرجه البيهقى من طَرِيق الْوَلِيد بن مُسلم عَن ابْن جريح عَن عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (وَشبه الْعمد مُغَلّظَة وَلَا يقتل صَاحبه وَذَلِكَ أَن ينزو الشَّيْطَان بَين الْقَبِيلَة فَيكون بَينهم رميا بِالْحِجَارَةِ فى عميا فى غير ضغينة وَلَا حمل سلَاح) وَهُوَ من رِوَايَة أَبى حَاتِم الرازى عَن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن إِسْمَاعِيل ابْن عبيد الله المخزومى وَقد ذكره ابْن حبَان فى كِتَابه الثِّقَات وباقى رُوَاته من شُيُوخ الصَّحِيحَيْنِ
стр. 791
والرميا بِكَسْر الرَّاء وَالْمِيم المشددتين وَتَشْديد الْيَاء أَيْضا وَكَذَلِكَ العميا على وزن الهجيرا والخصيصا وهى مصَادر للْمُبَالَغَة فى الرمى والعمى أى يعمى أَمر الْقَتِيل
عدنا إِلَى شَأْن إِمَام الْأَئِمَّة
قَالَ الْحَاكِم وَسمعت الْحُسَيْن بن الْحسن يَقُول سَمِعت عمى أَبَا زَكَرِيَّا يحيى بن مُحَمَّد بن يحيى التميمى يَقُول استلقينا الْأَمِير أَبَا إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل بن أَحْمد لما ورد نيسابور مَعَ ابْن خُزَيْمَة ومعنا أَبُو بكر بن إِسْحَاق وَقد تقدمنا أَبُو عَمْرو الْخفاف وَمَعَهُ جمَاعَة من مَشَايِخ الْبَلَد فيهم أَبُو بكر الجارودى فوصلنا إِلَيْهِ وَأَبُو عَمْرو عَن يَمِينه والجارودى عَن يسَاره والأمير يتَوَهَّم أَن الجارودى هُوَ ابْن خُزَيْمَة لِأَنَّهُ لم يكن قبل ذَلِك عرفهم بأعيانهم فَلَمَّا تقدمنا إِلَيْهِ سلم ابْن خُزَيْمَة عَلَيْهِ فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ الِالْتِفَات إِلَى مثله وَكَانَ أَبُو عَمْرو يسَاره وَهُوَ يحدثه إِذْ سَأَلَهُ عَن الْفرق بَين الفىء وَالْغنيمَة فَقَالَ لَهُ أَبُو عَمْرو هَذِه من مسَائِل شَيخنَا أَبى بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق
فَاسْتَيْقَظَ الْأَمِير مِمَّا كَانَ فِيهِ من الْغَفْلَة وَأمر الْحَاجِب أَن يقدمهُ إِلَيْهِ واستقبله وعانقه وَاعْتذر إِلَيْهِ من التَّقْصِير فى أول اللِّقَاء ثمَّ سَأَلَهُ ماالفرق بَين الفىء وَالْغنيمَة فَقَالَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ثمَّ جعل يَقُول حَدثنَا وَأخْبرنَا ثمَّ قَالَ قَالَ الله ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وَأخذ يَقُول حَدثنَا وَأخْبرنَا
стр. 792
قَالَ عمى وعددنا مائَة ونيفا وَسبعين حَدِيثا سردها من حفظه فى الفىء وَالْغنيمَة
وَقَالَ مُحَمَّد بن حبَان التميمى مَا رَأَيْت على وَجه الأَرْض من يحسن صناعَة السّنَن ويحفظ ألفاظها الصِّحَاح وزياداتها حَتَّى كَأَن السّنَن كلهَا بَين عَيْنَيْهِ إِلَّا مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَقَط
وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن سهل الطوسى سَمِعت الرّبيع بن سُلَيْمَان وَقَالَ لنا هَل تعرفُون ابْن خُزَيْمَة قُلْنَا نعم قَالَ استفدنا مِنْهُ أَكثر مِمَّا اسْتَفَادَ منا
وَقَالَ دعْلج سَمِعت أَبَا عبد الله البوشنجى يَقُول وَأَشَارَ إِلَى أَبى بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق كيس وَأَنا لَا أَقُول هَذَا لأبى ثَوْر نَقله الْحَاكِم فى تَرْجَمَة البوشنجى
وَقَالَ أَبُو على الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْحَافِظ لم أر مثل مُحَمَّد بن إِسْحَاق
قَالَ وَكَانَ ابْن خُزَيْمَة يحفظ الفقهيات من حَدِيثه كَمَا يحفظ القارىء السُّورَة
وَقَالَ الدارقطنى كَانَ ابْن خُزَيْمَة إِمَامًا ثبتا مَعْدُوم النظير
وَحكى أَبُو بشر الْقطَّان قَالَ رأى جَار لِابْنِ خُزَيْمَة من أهل الْعلم كَأَن لوحا عَلَيْهِ صُورَة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَابْن خُزَيْمَة يصقله فَقَالَ الْمعبر هَذَا رجل يحيى سنة رَسُول الله ﷺ
وَقَالَ الْحَاكِم فى عُلُوم الحَدِيث فَضَائِل ابْن خُزَيْمَة مَجْمُوعَة عندى فى أوراق كَثِيرَة ومصنفاته تزيد على مائَة وَأَرْبَعين كتابا سوى الْمسَائِل والمسائل المصنفة أَكثر من مائَة جُزْء وَله فقه حَدِيث بَرِيرَة فى ثَلَاثَة أَجزَاء
وَعَن عبد الرَّحْمَن بن أَبى حَاتِم وَسُئِلَ عَن ابْن خُزَيْمَة فَقَالَ وَيحكم هُوَ يسْأَل عَنَّا وَلَا نسْأَل عَنهُ هُوَ إِمَام يقْتَدى بِهِ
стр. 793
قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل كَانَ جدي أَبُو بكر لَا يدّخر شَيْئا جهده بل يُنْفِقهُ على أهل الْعلم وَلَا يعرف صنجة الْوَزْن وَلَا يُمَيّز بَين الْعشْرَة وَالْعِشْرين
وَقيل إِن ابْن خُزَيْمَة عمل دَعْوَة عَظِيمَة ببستان جمع فِيهَا الْفُقَرَاء والأغنياء وَنقل كل مَا فى الْبَلَد من الْأكل والشوا والحلوا
قَالَ الْحَاكِم وَكَانَ يَوْمًا مشهودا بِكَثْرَة الْخلق لَا يتهيأ مثله إِلَّا لسلطان كَبِير
وَمن الْمسَائِل والفوائد عَن إِمَام الْأَئِمَّة
ذهب إِلَى أَن رفع الْيَدَيْنِ ركن من أَرْكَان الصَّلَاة نَقله الْحَاكِم فى تَرْجَمَة مُحَمَّد ابْن على العلوى أبي جَعْفَر الزَّاهِد عَن أَبى على مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد بن نصروية المقرىء عَنهُ
وَقَالَ إِن الْجَمَاعَة شَرط فى صِحَة الصَّلَاة نَقله الإِمَام وَغَيره
وَإِن من صلى خلف الصَّفّ وَحده يُعِيد نَقله الدارمى فى الاستذكار وَغَيره
قَالَ أَبُو عَاصِم قَالَ ابْن خُزَيْمَة فى معنى قَوْله ﷺ (إِن الله خلق آدم على صورته) فِيهِ سَبَب وَهُوَ أَن النبى ﷺ رأى رجلا يضْرب وَجه رجل فَقَالَ (لَا تضرب على وَجهه فَإِن الله تَعَالَى خلق آدم على صورته) قلت دَعْوَى أَن الضَّمِير فى صورته عَائِد على رجل مَضْرُوب قَالَه غير ابْن خُزَيْمَة أَيْضا وَلكنه من ابْن خُزَيْمَة شَاهد // صَحِيح // لما لَا يرتاب فِيهِ من أَن الرجل
برىء عَمَّا ينْسبهُ إِلَيْهِ المشبهة وتفتريه عَلَيْهِ الملحدة وَبَرَاءَة الرجل مِنْهُم ظَاهِرَة فى كتبه وَكَلَامه وَلَكِن الْقَوْم يخبطون عشواء ويمارون سفها
وَمِمَّنْ ذكر من أَصْحَابنَا أَن الضَّمِير فى صورته عَائِد على رجل أَبُو على بن أَبى هُرَيْرَة فى تَعْلِيقه فى بَاب التَّعْزِير
стр. 794
١٢١ - مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق بن بَحر أَبُو عبد الله الفارسى البغدادى
مولده سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ
روى عَن أَبى زرْعَة الدمشقى وَعُثْمَان بن خرزاذ وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الدبرى وَبكر بن سهل الدمياطى وَغَيرهم
روى عَنهُ الدارقطنى فَأكْثر وَإِبْرَاهِيم بن خرشيد قَوْله وَأَبُو عمر بن مهدى مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة
١٢٢ - مُحَمَّد بن جرير بن يزِيد بن كثير بن غَالب الإِمَام الْجَلِيل الْمُجْتَهد الْمُطلق أَبُو جَعْفَر الطبرى
من أهل آمل طبرستان أحد أَئِمَّة الدُّنْيَا علما ودينا
ومولده سنة أَربع أَو خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
طوف الأقاليم فى طلب الْعلم
стр. 795
وَسمع من مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أَبى الشَّوَارِب وَإِسْحَاق بن أَبى إِسْرَائِيل وَإِسْمَاعِيل ابْن مُوسَى الفزارى وأبى كريب وهناد بن السرى والوليد بن شُجَاع وَأحمد بن منيع وَمُحَمّد بن حميد الرازى وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَخلق سواهُم
روى عَنهُ أَبُو شُعَيْب الحرانى وَهُوَ أكبر مِنْهُ سنا وسندا ومخلد الباقرحى والطبرانى وَعبد الْغفار الحضينى وَأَبُو عَمْرو بن حمدَان وَأحمد بن كَامِل وَطَائِفَة سواهُم
وَقَرَأَ الْقُرْآن على سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن الطلحى صَاحب خَلاد
وَمن تصانيفه كتاب التَّفْسِير وَكتاب التَّارِيخ وَكتاب الْقرَاءَات وَالْعدَد والتنزيل وَكتاب اخْتِلَاف الْعلمَاء وتاريخ الرِّجَال من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَكتاب أَحْكَام شرائع الْإِسْلَام أَلفه على مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَكتاب الْخَفِيف وَهُوَ مُخْتَصر فى الْفِقْه وَكتاب التبصير فى أصُول الدّين
وابتدأ تصنيف كتاب تَهْذِيب الْآثَار وَهُوَ من عجائب كتبه ابْتَدَأَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو بكر الصّديق رضى الله عَنهُ كَمَا صَحَّ عِنْده بِسَنَدِهِ وَتكلم على ل حَدِيث مِنْهُ بعلله وطرقه وَمَا فِيهِ من الْفِقْه وَالسّنَن وَاخْتِلَاف الْعلمَاء وحججهم وَمَا فِيهِ من الْمعَانى والغريب فتم مِنْهُ مُسْند الْعشْرَة وَأهل الْبَيْت وَالْموالى وَمن مُسْند ابْن عَبَّاس قِطْعَة كَثِيرَة وَمَات قبل تَمَامه
стр. 796
وابتدأ بِكِتَاب الْبَسِيط فَخرج مِنْهُ كتاب الطَّهَارَة فى نَحْو ألف وَخَمْسمِائة ورقة وَخرج مِنْهُ أَكثر كتاب الصَّلَاة وَخرج مِنْهُ آدَاب الْحُكَّام وَكتاب المحاضر والسجلات وَغير ذَلِك
قَالَ الْخَطِيب كَانَ ابْن جرير أحد الْأَئِمَّة يحكم بقوله وَيرجع إِلَى رَأْيه لمعرفته وفضله جمع من الْعُلُوم مَا لم يُشَارِكهُ فِيهِ أحد من أهل عصره فَكَانَ حَافِظًا لكتاب الله بَصيرًا بالمعانى فَقِيها فى أَحْكَام الْقُرْآن عَالما بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها عَارِفًا بأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْمُخَالفين فى الْأَحْكَام ومسائل الْحَلَال وَالْحرَام عَارِفًا بأيام النَّاس وأخبارهم وَله الْكتاب الْمَشْهُور فى تَارِيخ الْأُمَم والملوك وَكتاب فى التَّفْسِير لم يصنف أحد مثله وَكتاب سَمَّاهُ تَهْذِيب الْآثَار لم أر سواهُ فى مَعْنَاهُ إِلَّا أَنه لم يتمه وَله فى أصُول الْفِقْه وفروعه كتب كَثِيرَة
قَالَ وَسمعت على بن عبد الله عبد الْغفار اللغوى الْمَعْرُوف بالسمسمانى يحْكى أَن مُحَمَّد بن جرير مكث أَرْبَعِينَ سنة يكْتب فى كل يَوْم مِنْهَا أَرْبَعِينَ ورقة
стр. 797
قَالَ وبلغنى عَن الشَّيْخ أَبى حَامِد الإسفراينى أَنه قَالَ لَو سَافر رجل إِلَى الصين حَتَّى يحصل لَهُ كتاب تَفْسِير مُحَمَّد بن جرير لم يكن ذَلِك كثيرا أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ انْتهى
وَذكر أَبُو مُحَمَّد الفرغانى فى صلَة التَّارِيخ أَن قوما من تلامذة مُحَمَّد بن جرير حسبوا لأبى جَعْفَر مُنْذُ بلغ الْحلم إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ قسموا على تِلْكَ الْمدَّة أوراق مصنفاته فَصَارَ لكل يَوْم أَربع عشرَة ورقة
قلت وَهَذَا لَا ينافى كَلَام السمسمانى لِأَنَّهُ مُنْذُ بلغ لابد أَن يكون مَضَت لَهُ سنُون فى الطّلب لَا يصنف فِيهَا
وَذكر أَن أَبَا الْعَبَّاس ابْن سُرَيج كَانَ يَقُول مُحَمَّد بن جرير الطبرى فَقِيه الْعَالم
وَذكر أَن مُحَمَّد بن جرير قَالَ أظهرت فقه الشافعى وأفتيت بِهِ بِبَغْدَاد عشر سِنِين وتلقنه منى ابْن بشار الْأَحول أستاذ أَبى الْعَبَّاس بن سُرَيج
وروى أَن أَبَا جَعْفَر قَالَ لأَصْحَابه أتنشطون لتفسير الْقُرْآن قَالُوا كم يكون قدره فَقَالَ ثَلَاثُونَ ألف ورقة فَقَالُوا هَذَا مِمَّا تفنى الْأَعْمَار قبل تَمَامه
فَاخْتَصَرَهُ فى نَحْو ثَلَاثَة آلَاف ورقة
ثمَّ قَالَ هَل تنشطون لتاريخ الْعَالم من آدم إِلَى وقتنا هَذَا قَالُوا كم قدره فَذكر نَحوا مِمَّا ذكره فى التَّفْسِير فأجوبوه بِمثل ذَلِك فَقَالَ إِنَّا لله مَاتَت الهمم فَاخْتَصَرَهُ فى نَحْو مَا اختصر التَّفْسِير
стр. 798
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا بكر بن بَالَوَيْهِ يَقُول قَالَ لى ابْن خُزَيْمَة بلغنى أَنَّك كتبت التَّفْسِير عَن ابْن جرير قلت نعم إملاء قَالَ كُله قلت نعم قَالَ فى كم سنة قلت من سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ إِلَى سنة تسعين قَالَ فاستعاره منى ابْن خُزَيْمَة ثمَّ رده بعد سِنِين ثمَّ قَالَ نظرت فِيهِ من أَوله إِلَى آخِره وَمَا أعلم على أَدِيم الأَرْض أعلم من مُحَمَّد بن جرير وَلَقَد ظلمته الْحَنَابِلَة
وَقَالَ أَبُو على الطومارى كنت أحمل الْقنْدِيل فى شهر رَمَضَان بَين يدى أَبى بكر بن مُجَاهِد لصَلَاة التَّرَاوِيح فَخرج لَيْلَة من ليالى الْعشْر الْأَوَاخِر من دَاره واجتاز على مَسْجده فَلم يدْخلهُ وَأَنا مَعَه وَسَار حَتَّى انْتهى فَوقف على بَاب مَسْجِد مُحَمَّد بن جرير وَابْن جرير يقْرَأ سُورَة الرَّحْمَن فاستمع قِرَاءَته طَويلا ثمَّ انْصَرف فَقلت لَهُ يَا أستاذ تركت النَّاس ينتظرونك وَجئْت تستمع قِرَاءَة هَذَا فَقَالَ يَا أَبَا على دع هَذَا عَنْك مَا ظَنَنْت أَن الله خلق بشرا يحسن أَن يقْرَأ هَذِه الْقِرَاءَة
وَذكر أَن المكتفى الْخَلِيفَة قَالَ لِلْحسنِ بن الْعَبَّاس أُرِيد أَن أوقف وَقفا تَجْتَمِع أقاويل الْعلمَاء على صِحَّته وَيسلم من الْخلاف قَالَ فأحضر ابْن جرير فأملى عَلَيْهِم كتابا لذَلِك فأخرجت لَهُ جَائِزَة سنية فَأبى أَن يقبلهَا فَقيل لَهُ لابد من جَائِزَة أَو قَضَاء حَاجَة فَقَالَ نعم الْحَاجة أسأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يتَقَدَّم إِلَى الشَّرْط أَن يمنعوا السُّؤَال من دُخُول الْمَقْصُورَة يَوْم الْجُمُعَة فَتقدم بذلك وَعظم فى نُفُوسهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الفرغانى صَاحب ابْن جرير أرسل الْعَبَّاس بن الْحسن الْوَزير إِلَى ابْن جرير قد أَحْبَبْت أَن أنظر فى الْفِقْه وَسَأَلَهُ أَن يعْمل لَهُ مُخْتَصرا فَعمل لَهُ كتاب الْخَفِيف وأنفذه فَوجه إِلَيْهِ ألف دِينَار فَلم يقبلهَا فَقيل لَهُ تصدق بهَا فَلم يفعل
وَقَالَ حسينك بن على النيسابورى أول مَا سألنى ابْن خُزَيْمَة قَالَ كتبت عَن
стр. 799
مُحَمَّد بن جرير قلت لَا قَالَ وَلم قلت لِأَنَّهُ كَانَ لَا يظْهر وَكَانَت الْحَنَابِلَة تمنع من الدُّخُول عَلَيْهِ فَقَالَ بئس مَا فعلت ليتك لم تكْتب عَن كل من كتبت عَنْهُم وَسمعت مِنْهُ
قلت لم يكن عدم ظُهُوره ناشئا من أَنه منع وَلَا كَانَت للحنابلة شَوْكَة تقتضى ذَلِك وَكَانَ مِقْدَار ابْن جرير أرفع من أَن يقدروا على مَنعه وَإِنَّمَا ابْن جرير نَفسه كَانَ قد جمع نَفسه عَن مثل الأراذل المتعرضين إِلَى عرضه فَلم يكن يَأْذَن فى الِاجْتِمَاع بِهِ إِلَّا لمن يختاره وَيعرف أَنه على السّنة وَكَانَ الْوَارِد من الْبِلَاد مثل حسينك وَغَيره لَا يدرى حَقِيقَة حَاله فَرُبمَا أصغى إِلَى كَلَام من يتَكَلَّم فِيهِ لجهله بأَمْره فَامْتنعَ عَن الِاجْتِمَاع بِهِ
وَمِمَّا يدلك على أَنه لم يمْنَع قَول ابْن خُزَيْمَة لحسينك ليتك سَمِعت مِنْهُ فَإِن فِيهِ دلَالَة أَن سَمَاعه مِنْهُ كَانَ مُمكنا وَلَو كَانَ مَمْنُوعًا لم يقل لَهُ ذَلِك وَهَذَا أوضح من أَن ننبه عَلَيْهِ وَأمر الْحَنَابِلَة فى ذَلِك الْعَصْر كَانَ أقل من ذَلِك
قَالَ الفرغانى كَانَ مُحَمَّد بن جرير مِمَّن لَا تَأْخُذهُ فى الله لومة لائم مَعَ عَظِيم مَا يلْحقهُ من الْأَذَى والشناعات من جَاهِل وحاسد وملحد فَأَما أهل الْعلم وَالدّين فَغير منكرين علمه وزهده فى الدُّنْيَا ورفضه لَهَا وقناعته بِمَا كَانَ يرد عَلَيْهِ من حِصَّة خلفهَا لَهُ أَبوهُ بطبرستان يسيرَة وَلما تقلد الخاقانى الوزارة وَجه إِلَيْهِ بِمَال كثير فَأبى أَن يقبله فَعرض عَلَيْهِ الْقَضَاء فَامْتنعَ فَعَاتَبَهُ أَصْحَابه وَقَالُوا لَهُ لَك فى هَذَا ثَوَاب وتحيى سنة قد درست وطمعوا فى أَن يقبل ولَايَة الْمَظَالِم فانتهرهم وَقَالَ قد كنت أَظن أَنى لَو رغبت فى ذَلِك لنهيتمونى عَنهُ
وَقَالَ الفرغانى رَحل ابْن جرير من مَدِينَة آمل لما ترعرع وسمح لَهُ أَبوهُ بِالسَّفرِ وَكَانَ طول حَيَاته ينفذ إِلَيْهِ بالشئ بعد الشئ إِلَى الْبلدَانِ فَسَمعته يَقُول أَبْطَأت عَنى نَفَقَة والدى واضطررت إِلَى أَن فتقت كمى الْقَمِيص فبعتهما
стр. 800
وَقَالَ ابْن كَامِل توفى عَشِيَّة الْأَحَد ليومين بقيا من شَوَّال سنة عشر وثلاثمائة وَدفن فى دَاره برحبة يَعْقُوب وَلم يُغير شَيْبه وَكَانَ السوَاد فى رَأسه ولحيته كثيرا وَكَانَ أسمر إِلَى الأدمة أعين نحيف الْجِسْم مديد الْقَامَة فصيحا وَاجْتمعَ عَلَيْهِ من لَا يُحْصِيه إِلَى الله تَعَالَى وَصلى على قَبره عدَّة شهور لَيْلًا وَنَهَارًا ورثاه خلق كثير من أهل الدّين وَالْأَدب
من ذَلِك قَول أَبى سعيد بن الأعرابى
(حدث مفظع وخطب جليل ... دق عَن مثله اصطبار الصبور)
(قَامَ ناعى الْعُلُوم أجمع لما ... قَامَ ناعى مُحَمَّد بن جرير)
وَقَول ابْن دُرَيْد
(إِن الْمنية لم تتْلف بِهِ رجلا ... بل أتلفت علما للدّين مَنْصُوبًا)
(كَانَ الزَّمَان بِهِ تصفو مشاربه ... والآن أصبح بالتكدير مقطوبا)
(كلا وأيامه الغر الَّتِى جعلت ... للْعلم نورا وللتقوى محاريبا)
عَجِيبَة تَتَضَمَّن مَسْأَلَة
إِذا ادّعى المقضى عَلَيْهِ أَن القاضى حكم عَلَيْهِ بِشَهَادَة فاسقين قَالَ ابْن الرّفْعَة فى الْمطلب فى بَاب الشَّهَادَة على الشَّهَادَة يجب على شَاهد الْفَرْع تَسْمِيَة شُهُود الأَصْل خلافًا لمُحَمد بن جرير الطبرى الذى أفهم كَلَام صَاحب الإشراف عِنْد الْكَلَام فى دَعْوَى المقضى عَلَيْهِ أَن القاضى قضى عَلَيْهِ بِشَهَادَة فاسقين أَنه من أَصْحَابنَا انْتهى
وَهَذَا كَلَام عَجِيب يُوهم أَن ابْن جرير هَذَا غير ابْن جرير الإِمَام الْمَشْهُور صَاحب التَّرْجَمَة فَإِن فى هَذَا اللَّفْظ تجهيلا عَظِيما للمسمى بِهَذَا الِاسْم وَابْن جرير إِمَام شهير
стр. 801
لَا يخفى حَاله على ابْن الرّفْعَة وَلَا من دونه وَإِنَّمَا قصد ابْن الرّفْعَة بِهَذَا الْكَلَام الْإِشَارَة إِلَى أَنه وَإِن كَانَ مُجْتَهدا مُطلقًا مَعْدُود من أَصْحَابنَا بِشَهَادَة صَاحب الإشراف فليلتحق قَوْله بِهَذَا بِالْمذهبِ ويعد وَجها فِيهِ وَهَذَا أَيْضا غير لَائِق بعلو قدر ابْن الرّفْعَة فَابْن جرير مَعْدُود من أَصْحَابنَا لَا يمترى أحد فى ذَلِك وَلَو عد عَاد ذكر ابْن الرّفْعَة لَهُ ولأقواله من أَصْحَابنَا لأكْثر الْمَعْدُود فَلَا طائل تَحت كَلَامه هَذَا بل هُوَ كَلَام موهم كَانَ السُّكُوت عَنهُ أجمل بقائله وَمَا حمله عَلَيْهِ إِلَّا كَثْرَة استحضاره لما بعد وَمَا قرب وَحَيْثُ ذكره فى المظنة فَاسْتَحْضرهُ من غير المظنة وَلَو أَنه قَالَ الذى اقْتضى كَلَام صَاحب الإشراف مُوَافقَة غَيره من أَصْحَابنَا لَهُ على مقَالَته فى عدم سَماع الدَّعْوَى على القاضى بِأَنَّهُ حكم بِشَهَادَة فاسقين لَكَانَ أحسن فَإِن مُوَافقَة غير ابْن جرير من أَصْحَابنَا لَهُ تؤكد عد قَوْله من الْمَذْهَب بِخِلَاف مَا إِذا لم يُوجد لَهُ مُوَافق فَإِن النّظر إِذْ ذَاك قد يتَوَقَّف فِي إِلْحَاق أَقْوَاله بِالْمذهبِ لِأَن المحمدين الْأَرْبَعَة ابْن جرير وَابْن خُزَيْمَة وَابْن نصر وَابْن الْمُنْذر وَإِن كَانُوا من أَصْحَابنَا فَرُبمَا ذَهَبُوا باجتهادهم الْمُطلق إِلَى مَذَاهِب خَارِجَة عَن الْمَذْهَب فَلَا نعد تِلْكَ الْمذَاهب من مَذْهَبنَا بل سَبِيلهَا سَبِيل من خَالف إِمَامه فى شئ من الْمُتَأَخِّرين أَو الْمُتَقَدِّمين
وَإِنَّمَا قلت إِن صَاحب الإشراف ذكر مُوَافقَة غير ابْن جرير لَهُ على عدم الدَّعْوَى بِأَنَّهُ حكم بِشَهَادَة فاسقين لِأَن عبارَة الإشراف
فصل
إِذا ادّعى المقضى عَلَيْهِ أَن القاضى قضى عَلَيْهِ بِشَهَادَة فاسقين
قَالَ مُحَمَّد بن جرير وَغَيره من أَصْحَابنَا لَا ينبغى أَن يفوق سهم هَذِه الدَّعْوَى نَحْو القاضى لِأَن فِيهِ تشنيعا عَلَيْهِ وَهُوَ مستغن عَن هَذَا التشنيع عَلَيْهِ بِأَن يُقيم الْبَيِّنَة على فسق الشُّهُود وَيُفَارق إِذا ادّعى على القاضى أَنه أَخذ مِنْهُ الرِّشْوَة وفسرها وهى مَال
стр. 802
مبذول ليصير الْحق بَاطِلا وَالْبَاطِل حَقًا لِأَنَّهُ أَمر خفى لَا يُمكنهُ إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ دون الادعاء على القاضى فَلَمَّا لم يكن مستغنيا عَن الادعاء عَلَيْهِ جَازَ لَهُ الادعاء ليصون القاضى مَاء وَجهه فَيرد المَال عَلَيْهِ
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا دَعْوَى الطعْن على الشُّهُود مسموعة على القَاضِي لِأَنَّهُ رُبمَا يتَعَذَّر عَلَيْهِ إِقَامَة الْبَيِّنَة على فسق الشُّهُود انْتهى
وَحكى بعده الْوَجْهَيْنِ الْمَشْهُورين فى تَحْلِيفه إِذا أنكر
فَإِن قلت الْوَجْهَانِ فى الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِشَهَادَة فاسقين مشهوران
قلت كلا إِنَّمَا الْمَشْهُور الْوَجْهَانِ فى إِحْضَاره إِذا ادّعى عَلَيْهِ هَكَذَا أما أصل الدَّعْوَى فَقَالَ الرافعى إِنَّهُم متفقون على سماعهَا على الْجُمْلَة وَأنكر على الغزالى جعله الْوَجْهَيْنِ فى أصل الدَّعْوَى وَكَلَام ابْن جرير هَذَا صَرِيح فى أَن الدَّعْوَى لَا تسمع فَفِيهِ تأييد عَظِيم للغزالى لَا سِيمَا مَعَ اعتضاده بموافقة بعض الْأَصْحَاب بل غالبهم كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ القاضى أَبُو سعد فَإِن فى قَوْله قَالَ ابْن جرير وَغَيره من أَصْحَابنَا مَعَ قَوْله فى مُقَابِله وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا مَا يعْطى أَن الجادة على قَول ابْن جرير على خلاف دَعْوَى الرافعى الِاتِّفَاق نعم مَحل ذَلِك فصل الدَّعْوَى على القاضى الْمَعْزُول من كتاب الْأَقْضِيَة لَا بَاب الشَّهَادَة على الشَّهَادَة وَقَول ابْن جرير لَا يشْتَرط تَسْمِيَة شُهُود الأَصْل هُوَ الْمُخْتَص بِبَاب الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فَكَانَ طَرِيق ابْن الرّفْعَة إِن لم يجد لَهُ من خلص الْأَصْحَاب مُتَابعًا أَن يَقُول وَلَا متابع لَهُ لكنه من أَصْحَابنَا
стр. 803
١٢٣ - مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أَحْمد بن عِيسَى أَبُو عبد الله ابْن بنت عبد الله ابْن أَبى القاضى
من عُلَمَاء خوارزم من بَيت الْعلم والزهد
قَالَ صَاحب الكافى كَانَ رجلا حَلِيمًا وقورا فَاضلا رَحل فى طلب الْعلم إِلَى الْعرَاق
وتفقه على أَبى الْعَبَّاس ابْن سُرَيج فِيمَا أَظن
وَسمع الحَدِيث بهَا من مُحَمَّد بن جرير الطبرى
تكلم يَوْمًا فى مَسْأَلَة مَعَ سعيد بن أَبى القاضى فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله لم يَأن لَك بعد قَالَ فَدخلت الْمنزل فأقمت فِيهِ سِتَّة أشهر حَتَّى استظهرت كتاب المزنى ثمَّ تَكَلَّمت فَقَالَ لى سعيد إيها الْآن
توفى فى ربيع الآخر سنة ثَمَان عشرَة وثلاثمائة
وَمن الْفَوَائِد عَنهُ
قيل لَهُ الرجل السعيد فى دُنْيَاهُ يتَمَنَّى الْوَلَد وَلَا يتمناه فى الْجنَّة فَقَالَ تمنى النَّاس أَوْلَادًا فى الدُّنْيَا لحبهم فِيهَا حَتَّى إِذا انقرضوا يبْقى لَهُم نعيمهم بِبَقَاء الْوَلَد وَقد أمنُوا الانقراض فى الْجنَّة
стр. 804
وَوَقع سُؤال فى زَمَانه عَن بيع التُّرَاب على الأَرْض المسبلة فَأفْتى عَامَّة الْفُقَهَاء بِالْمَنْعِ وَرفعت الْفتيا إِلَيْهِ فَقَالَ مَا زَاد فِيهَا بعد الْوَقْف يجوز بَيْعه فَانْتَهوا لذَلِك ووافقوه
ذكر ذَلِك صَاحب الكافى فِي تَارِيخ خوارزم
١٢٤ - مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن خازم الخازمى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة والزاى الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر
من أهل جرجان تفقه على أَبى الْعَبَّاس ابْن سُرَيج وروى عَنهُ وَعَن أَبى بكر عبد الله ابْن أَبى بكر ابْن خَيْثَمَة
روى عَنهُ على بن أَحْمد بن مُوسَى الجرجانى وَغَيره
ويحكى أَن أَبَا الْعَبَّاس ابْن سُرَيج قَالَ مَا عبر جسر النهروان أفقه من أَبى جَعْفَر ابْن خازم
وَقد اختصر الذهبى فى تَرْجَمته جدا
توفى سنة أَربع وَعشْرين وثلاثمائة
стр. 805
١٢٥ - مُحَمَّد بن حبَان بن أَحْمد بن حبَان بن معَاذ بن معبد أَبُو حَاتِم بن حبَان البستى التميمى
الْحَافِظ الْجَلِيل الإِمَام
صَاحب التصانيف الْأَنْوَاع والتقاسيم وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل والثقات وَغير ذَلِك
سمع الْحُسَيْن بن إِدْرِيس الهروى وَأَبا خَليفَة والنسائى وَعمْرَان بن مُوسَى وَأَبا يعلى وَالْحسن بن سُفْيَان وَابْن خُزَيْمَة والسراج وخلائق لَا يُحصونَ كَثْرَة بخراسان وَالْعراق والحجاز وَالشَّام ومصر والجزيرة وَغَيرهَا من الأقاليم
قَالَ فى كِتَابه التقاسيم والأنواع لَعَلَّنَا كتبنَا عَن ألف شيخ مَا بَين الشاش والإسكندرية
روى عَنهُ الْحَاكِم وَمَنْصُور بن عبد الله الخالدى وَأَبُو معَاذ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن رزق السختيانى وَأَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد بن هَارُون الزوزنى وَمُحَمّد بن أَحْمد بن مَنْصُور النوقانى وَغَيرهم
قَالَ أَبُو سعد الإدريسى كَانَ على قَضَاء سَمَرْقَنْد زَمَانا وَكَانَ من فُقَهَاء الدّين
стр. 806
وحفاظ الْآثَار عَالما بالطب والنجوم وفنون الْعلم ألف الْمسند الصَّحِيح والتاريخ والضعفاء وَفقه النَّاس بسمرقند
وَقَالَ الْحَاكِم كَانَ من أوعية الْعلم فى الْفِقْه واللغة والْحَدِيث والوعظ وَمن عقلاء الرِّجَال
ثمَّ ذكر أَنه قدم نيسابور مرَّتَيْنِ ثمَّ ولى قَضَاء نسا ثمَّ قدم نيسابور ثَالِثَة وَبنى فِيهَا خانكاه وقرئت عَلَيْهِ جملَة من مصنفاته ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه سَمَرْقَنْد وَكَانَت الرحلة إِلَيْهِ لسَمَاع مصنفاته
وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ ثِقَة نبيلا فهما
وَقَالَ ابْن السمعانى كَانَ أَبُو حَاتِم إِمَام عصره رَحل فِيمَا بَين الشاش والإسكندرية
توفى لَيْلَة الْجُمُعَة لثمان بَقينَ من شَوَّال سنة أَربع وَخمسين وثلاثمائة ﵀
ذكر مَا رمى بِهِ أَبُو حَاتِم وتبيين الْحَال فِيهِ
قدمنَا فى الطَّبَقَة الثَّانِيَة فى تَرْجَمَة أَحْمد بن صَالح المصرى أَن مِمَّا ينبغى أَن ينظر فِيهِ ويتفقد وَقت الْجرْح وَالتَّعْدِيل حَال العقائد فَإِنَّهُ بَاب مُهِمّ وَقع بِسَبَبِهِ كَلَام بعض الْأَئِمَّة فى بعض لمُخَالفَة العقيدة إِذا تذكرت ذَلِك فَاعْلَم أَن أَبَا إِسْمَاعِيل عبد الله بن مُحَمَّد الهروى الذى تسميه المجسمة شيخ الْإِسْلَام قَالَ سَأَلت يحيى بن عمار عَن ابْن حبَان قلت رَأَيْته قَالَ وَكَيف لم أره وَنحن أخرجناه من سجستان كَانَ لَهُ علم كثير وَلم يكن لَهُ كَبِير دين قدم علينا فَأنْكر الْحَد لله فأخرجناه من سجستان انْتهى
قلت انْظُر مَا أَجْهَل هَذَا الْجَارِح وليت شعرى من الْمَجْرُوح مُثبت الْحَد لله أَو نافيه
стр. 807
وَقد رَأَيْت لِلْحَافِظِ صَلَاح الدّين خَلِيل بن كيكلدى العلائى ﵀ على هَذَا كلَاما جيدا أَحْبَبْت نَقله بعبارته قَالَ ﵀ وَمن خطه نقلت يَا لله الْعجب من أَحَق بِالْإِخْرَاجِ والتبديع وَقلة الدّين
وَهَذِه نخب وفوائد عَن الإِمَام أَبى حَاتِم
ذكر فى صَحِيحه حَدِيث أنس فى الْوِصَال وَقَوله ﷺ (إنى لست كأحدكم إنى أطْعم وأسقى)
ثمَّ قَالَ فى هَذَا الْخَبَر دَلِيل على أَن الْأَخْبَار الَّتِى فِيهَا ذكر وضع النبى ﷺ الْحجر على بَطْنه كلهَا أباطيل وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا الحجز لَا الْحجر والحجز هُوَ طرف الْإِزَار إِذْ الله كَانَ يطعم رَسُوله ﷺ ويسقيه إِذا وَاصل فَكيف يتْركهُ جائعا مَعَ عدم الْوِصَال حَتَّى احْتَاجَ إِلَى شدّ الْحجر على بَطْنه وَمَا يغنى الْحجر عَن الْجُوع
قلت فى هَذَا نظر وَقد أخرج ابْن حبَان قبل هَذَا بأوراق يسيرَة حَدِيث ابْن عَبَّاس خرج أَبُو بكر بالهاجرة ... الحَدِيث وَفِيه قَول النبى ﷺ (والذى نفسى بِيَدِهِ مَا أخرجنى إِلَّا الْجُوع)
وفى الْجُوع أَحَادِيث كَثِيرَة والجوع لَا يقتضى نقصا بل فِيهِ رفْعَة لدرجاته الْعليا ﷺ
وَالْجمع بَين ذَلِك وَقَضِيَّة الْوِصَال أَنه ﷺ كَانَت لَهُ أَحْوَال بِحَسب مَا يختاره الله تَعَالَى لَهُ ويرتضيه فَتَارَة الْجُوع وَتارَة التقوية على الصَّوْم وكل حَال بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فى وَقتهَا أكمل وَأولى هَكَذَا كَانَ خطر لى والذى أَنا عَلَيْهِ الْآن أَنى لَا أدرى من حَاله ﷺ فى الْجُوع شَيْئا والذى أعتقده أَنه كَانَ جوعا اختياريا لَا اضطراريا وَأَنه ﷺ كَانَ يقدر على طرده عَن نَفسه إِمَّا بِأَن تَنْصَرِف عَنهُ شَهْوَة الطَّعَام وَالشرَاب مَعَ بَقَاء الْقُوَّة بِإِذن الله وَإِمَّا بتغذية الله الْمُغنيَة لَهُ عَن الطَّعَام وَالشرَاب وَإِمَّا بتناول الْغذَاء فقد كَانَ النبى ﷺ قَادِرًا على ذَلِك
стр. 808
وسماعى مَرَّات كثيرات من الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ وَهُوَ معتقدى أَنه ﷺ لم يكن فَقِيرا قطّ وَلَا كَانَت حَالَته حَالَة الْفُقَرَاء بل كَانَ أغْنى النَّاس بِاللَّه وَكَانَ الله تَعَالَى قد كَفاهُ أَمر دُنْيَاهُ فى نَفسه وَعِيَاله ومعاشه
وأحفظ أَن الشَّيْخ الإِمَام ﵀ أَقَامَ من مَجْلِسه من قَالَ كَانَ النبى ﷺ فَقِيرا قيَاما صعبا وَكَاد يَسْطُو بِهِ وَمَا نجاه مِنْهُ إِلَّا أَنه استتابه واستسلمه
وَكَانَ ﵀ يَقُول فى قَوْله ﷺ (اللَّهُمَّ أحينى مِسْكينا) إِن المُرَاد بِهِ استكانة الْقلب لَا المسكنة الَّتِى هى أَن يجد مَا لَا يَقع موقعا من كِفَايَته وَذكر ذَلِك فى بَاب الْوَصِيَّة من شرح الْمِنْهَاج وسمعته مِنْهُ كَذَا كَذَا مَرَّات لَا أحصى لَهَا عددا
وَكَانَ ﵀ يشدد النكير على من يعْتَقد ذَلِك وَالْحق مَعَه رضى الله عَنهُ فَإِن من جَاءَت إِلَيْهِ مَفَاتِيح خَزَائِن الأَرْض وَكَانَ قَادِرًا على تنَاول مَا فِيهَا كل لَحْظَة كَيفَ يُوصف بِالْعدمِ وَنحن لَو وجدنَا من مَعَه مَال جزيل فى صندوق من جَوَانِب بَيته لَو سمناه بسمة الْغناء المفرط مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ قد يسرق أَو تغتاله غوائل الزَّمَان فَيُصْبِح فَقِيرا فَكيف لَا يُسمى من خَزَائِن الأَرْض بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أقرب من الصندوق إِلَى صَاحب الْبَيْت وهى فى يَده بِحَيْثُ لَا تَتَغَيَّر بل هُوَ آمن عَلَيْهَا بِخِلَاف صَاحب الصندوق فَمَا كَانَ ﷺ فَقِيرا من المَال قطّ وَلَا مِسْكينا نعم كَانَ أعظم النَّاس جوارا إِلَى ربه وخضوعا لَهُ وأشدهم فى أظهار الافتقار إِلَيْهِ والتمسكن بَين يَدَيْهِ
ذكر أَبُو حَاتِم حَدِيث قَوَائِم الْمِنْبَر رواتب فى الْجنَّة وَبَوَّبَ عَلَيْهِ برجاء نوال الْجنان بِالطَّاعَةِ عِنْد مِنْبَر الْمُصْطَفى ﷺ
وَحَدِيث مَا بَين بيتى ومنبرى رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَبَوَّبَ عَلَيْهِ رَجَاء نوال الْمَرْء بِالطَّاعَةِ رَوْضَة من رياض الْجنَّة إِذا أَتَى بهَا بَين الْقَبْر والمنبر
стр. 809
ثمَّ قَالَ حَاصله أَن الْخطاب فى هذَيْن الْخَبَرَيْنِ من بَاب إِطْلَاق الْمُسَبّب على السَّبَب وَالْمعْنَى أَن الْمُسلم يُرْجَى لَهُ الْجنَّة بتقربه عِنْد هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ
قَالَ وَهُوَ كَحَدِيث منبرى على حوضى لرجاء الْمَرْء نوال الشّرْب من الْحَوْض بِطَاعَتِهِ فى ذَلِك الْموضع وكحديث عَائِد الْمَرِيض فى مخرفة الْجنَّة وَحَدِيث الْجنَّة تَحت ظلال السيوف ونظائره كَثِيرَة
أَشَارَ أَبُو حَاتِم إِلَى أَن حج الْمَرْء بامرأته لتقضى فَرِيضَة حَجهَا إِذا لم يكن لَهَا محرم غَيره أفضل من جِهَاد التَّطَوُّع وَذكر حَدِيث اكتتبت فى غزَاة كَذَا وَخرجت امرأتى حَاجَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (اذْهَبْ فحج بامرأتك)
وَأَشَارَ إِلَى أَنه يسْتَحبّ للملبى عِنْد التَّلْبِيَة إِدْخَال الأصبعين فى الْأُذُنَيْنِ لحَدِيث كَأَنَّمَا أنظر إِلَى مُوسَى وَاضِعا أصبعيه فى أُذُنَيْهِ لَهُ جوَار إِلَى الله بِالتَّلْبِيَةِ
١٢٦ - مُحَمَّد بن حسان بن مُحَمَّد بن أَحْمد أَبُو مَنْصُور الْفَقِيه القرشى ابْن الْأُسْتَاذ أَبى الْوَلِيد النيسابورى
قَالَ الْحَاكِم كَانَ من أفقه أَصْحَاب أَبِيه الْأُسْتَاذ أَبى الْوَلِيد وَكَانَ يَصُوم صَوْم دَاوُد قَرِيبا من ثَلَاثِينَ سنة وَسمع الحَدِيث الْكثير وصنف كتابا فى الرَّد على كتاب الرياضة
سمع أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَأَبا الْعَبَّاس الماسرجسى والمؤمل بن الْحسن وَغَيرهم
وَاسْتشْهدَ وَذَاكَ أَنه كَانَ منصرفا من عيد الْأَضْحَى فرفسته دَابَّة فَوَقع فى بِئْر
стр. 810
وَحمل إِلَى منزله وغشى عَلَيْهِ ثمَّ توفى غَدَاة يَوْم الْأَحَد آخر أَيَّام التَّشْرِيق من سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَدفن بِجنب أَبِيه
كتب عَنهُ الْحَاكِم فى التَّارِيخ
١٢٧ - مُحَمَّد بن الْحسن بن إِبْرَاهِيم الشَّيْخ الإِمَام أَبُو عبد الله الختن الفارسى ثمَّ الإستراباذى
أحد أَئِمَّة الْأَصْحَاب وَعرف بالختن لِأَنَّهُ كَانَ ختن الإِمَام أَبى بكر الإسماعيلى
مولده سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة
قَالَ الْحَاكِم أحد أَئِمَّة الشافعيين فى عصره وَكَانَ مقدما فى الْأَدَب ومعانى الْقُرْآن والقراءات وَمن الْعلمَاء المبرزين فى النّظر والجدل
سمع أَبَا نعيم عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عدى وأقرانه فى بَلَده وَورد نيسابور سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَأَقَامَ عندنَا إِلَى آخر سنة تسع
وَسمع أَكثر كتب مَشَايِخنَا ثمَّ دخل أَصْبَهَان فَسمع مُسْند أبي دَاوُد من عبد الله بن جَعْفَر وَسمع من سَائِر الْمَشَايِخ بهَا
وَدخل الْعرَاق بعد الْأَرْبَعين وَأكْثر
وَكَانَ كثير السماع والرحلة
قدم نيسابور سنة تسع وَسِتِّينَ وأقم مُدَّة وانتفع النَّاس بِعُلُومِهِ وَحدث وَحضر مجْلِس الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبى سهل قلت وَأكْثر الرِّوَايَة عَن الْأَصَم وَعبد الله بن فَارس وأبى بكر الشافعى وأبى الْقَاسِم الطبرانى ودعلج وَغَيرهم
وَله شرح مَشْهُور على تَلْخِيص ابْن الْقَاص
следующие страницы →