← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وحفاظ الْآثَار عَالما بالطب والنجوم وفنون الْعلم ألف الْمسند الصَّحِيح والتاريخ والضعفاء وَفقه النَّاس بسمرقند وَقَالَ الْحَاكِم كَانَ من أوعية الْعلم فى الْفِقْه واللغة والْحَدِيث والوعظ وَمن عقلاء الرِّجَال ثمَّ ذكر أَنه قدم نيسابور مرَّتَيْنِ ثمَّ ولى قَضَاء نسا ثمَّ قدم نيسابور ثَالِثَة وَبنى فِيهَا خانكاه وقرئت عَلَيْهِ جملَة من مصنفاته ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه سَمَرْقَنْد وَكَانَت الرحلة إِلَيْهِ لسَمَاع مصنفاته وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ ثِقَة نبيلا فهما وَقَالَ ابْن السمعانى كَانَ أَبُو حَاتِم إِمَام عصره رَحل فِيمَا بَين الشاش والإسكندرية توفى لَيْلَة الْجُمُعَة لثمان بَقينَ من شَوَّال سنة أَربع وَخمسين وثلاثمائة ﵀ ذكر مَا رمى بِهِ أَبُو حَاتِم وتبيين الْحَال فِيهِ قدمنَا فى الطَّبَقَة الثَّانِيَة فى تَرْجَمَة أَحْمد بن صَالح المصرى أَن مِمَّا ينبغى أَن ينظر فِيهِ ويتفقد وَقت الْجرْح وَالتَّعْدِيل حَال العقائد فَإِنَّهُ بَاب مُهِمّ وَقع بِسَبَبِهِ كَلَام بعض الْأَئِمَّة فى بعض لمُخَالفَة العقيدة إِذا تذكرت ذَلِك فَاعْلَم أَن أَبَا إِسْمَاعِيل عبد الله بن مُحَمَّد الهروى الذى تسميه المجسمة شيخ الْإِسْلَام قَالَ سَأَلت يحيى بن عمار عَن ابْن حبَان قلت رَأَيْته قَالَ وَكَيف لم أره وَنحن أخرجناه من سجستان كَانَ لَهُ علم كثير وَلم يكن لَهُ كَبِير دين قدم علينا فَأنْكر الْحَد لله فأخرجناه من سجستان انْتهى قلت انْظُر مَا أَجْهَل هَذَا الْجَارِح وليت شعرى من الْمَجْرُوح مُثبت الْحَد لله أَو نافيه

стр. 807

وَقد رَأَيْت لِلْحَافِظِ صَلَاح الدّين خَلِيل بن كيكلدى العلائى ﵀ على هَذَا كلَاما جيدا أَحْبَبْت نَقله بعبارته قَالَ ﵀ وَمن خطه نقلت يَا لله الْعجب من أَحَق بِالْإِخْرَاجِ والتبديع وَقلة الدّين وَهَذِه نخب وفوائد عَن الإِمَام أَبى حَاتِم ذكر فى صَحِيحه حَدِيث أنس فى الْوِصَال وَقَوله ﷺ (إنى لست كأحدكم إنى أطْعم وأسقى) ثمَّ قَالَ فى هَذَا الْخَبَر دَلِيل على أَن الْأَخْبَار الَّتِى فِيهَا ذكر وضع النبى ﷺ الْحجر على بَطْنه كلهَا أباطيل وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا الحجز لَا الْحجر والحجز هُوَ طرف الْإِزَار إِذْ الله كَانَ يطعم رَسُوله ﷺ ويسقيه إِذا وَاصل فَكيف يتْركهُ جائعا مَعَ عدم الْوِصَال حَتَّى احْتَاجَ إِلَى شدّ الْحجر على بَطْنه وَمَا يغنى الْحجر عَن الْجُوع قلت فى هَذَا نظر وَقد أخرج ابْن حبَان قبل هَذَا بأوراق يسيرَة حَدِيث ابْن عَبَّاس خرج أَبُو بكر بالهاجرة ... الحَدِيث وَفِيه قَول النبى ﷺ (والذى نفسى بِيَدِهِ مَا أخرجنى إِلَّا الْجُوع) وفى الْجُوع أَحَادِيث كَثِيرَة والجوع لَا يقتضى نقصا بل فِيهِ رفْعَة لدرجاته الْعليا ﷺ وَالْجمع بَين ذَلِك وَقَضِيَّة الْوِصَال أَنه ﷺ كَانَت لَهُ أَحْوَال بِحَسب مَا يختاره الله تَعَالَى لَهُ ويرتضيه فَتَارَة الْجُوع وَتارَة التقوية على الصَّوْم وكل حَال بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فى وَقتهَا أكمل وَأولى هَكَذَا كَانَ خطر لى والذى أَنا عَلَيْهِ الْآن أَنى لَا أدرى من حَاله ﷺ فى الْجُوع شَيْئا والذى أعتقده أَنه كَانَ جوعا اختياريا لَا اضطراريا وَأَنه ﷺ كَانَ يقدر على طرده عَن نَفسه إِمَّا بِأَن تَنْصَرِف عَنهُ شَهْوَة الطَّعَام وَالشرَاب مَعَ بَقَاء الْقُوَّة بِإِذن الله وَإِمَّا بتغذية الله الْمُغنيَة لَهُ عَن الطَّعَام وَالشرَاب وَإِمَّا بتناول الْغذَاء فقد كَانَ النبى ﷺ قَادِرًا على ذَلِك

стр. 808

وسماعى مَرَّات كثيرات من الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ وَهُوَ معتقدى أَنه ﷺ لم يكن فَقِيرا قطّ وَلَا كَانَت حَالَته حَالَة الْفُقَرَاء بل كَانَ أغْنى النَّاس بِاللَّه وَكَانَ الله تَعَالَى قد كَفاهُ أَمر دُنْيَاهُ فى نَفسه وَعِيَاله ومعاشه وأحفظ أَن الشَّيْخ الإِمَام ﵀ أَقَامَ من مَجْلِسه من قَالَ كَانَ النبى ﷺ فَقِيرا قيَاما صعبا وَكَاد يَسْطُو بِهِ وَمَا نجاه مِنْهُ إِلَّا أَنه استتابه واستسلمه وَكَانَ ﵀ يَقُول فى قَوْله ﷺ (اللَّهُمَّ أحينى مِسْكينا) إِن المُرَاد بِهِ استكانة الْقلب لَا المسكنة الَّتِى هى أَن يجد مَا لَا يَقع موقعا من كِفَايَته وَذكر ذَلِك فى بَاب الْوَصِيَّة من شرح الْمِنْهَاج وسمعته مِنْهُ كَذَا كَذَا مَرَّات لَا أحصى لَهَا عددا وَكَانَ ﵀ يشدد النكير على من يعْتَقد ذَلِك وَالْحق مَعَه رضى الله عَنهُ فَإِن من جَاءَت إِلَيْهِ مَفَاتِيح خَزَائِن الأَرْض وَكَانَ قَادِرًا على تنَاول مَا فِيهَا كل لَحْظَة كَيفَ يُوصف بِالْعدمِ وَنحن لَو وجدنَا من مَعَه مَال جزيل فى صندوق من جَوَانِب بَيته لَو سمناه بسمة الْغناء المفرط مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ قد يسرق أَو تغتاله غوائل الزَّمَان فَيُصْبِح فَقِيرا فَكيف لَا يُسمى من خَزَائِن الأَرْض بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أقرب من الصندوق إِلَى صَاحب الْبَيْت وهى فى يَده بِحَيْثُ لَا تَتَغَيَّر بل هُوَ آمن عَلَيْهَا بِخِلَاف صَاحب الصندوق فَمَا كَانَ ﷺ فَقِيرا من المَال قطّ وَلَا مِسْكينا نعم كَانَ أعظم النَّاس جوارا إِلَى ربه وخضوعا لَهُ وأشدهم فى أظهار الافتقار إِلَيْهِ والتمسكن بَين يَدَيْهِ ذكر أَبُو حَاتِم حَدِيث قَوَائِم الْمِنْبَر رواتب فى الْجنَّة وَبَوَّبَ عَلَيْهِ برجاء نوال الْجنان بِالطَّاعَةِ عِنْد مِنْبَر الْمُصْطَفى ﷺ وَحَدِيث مَا بَين بيتى ومنبرى رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَبَوَّبَ عَلَيْهِ رَجَاء نوال الْمَرْء بِالطَّاعَةِ رَوْضَة من رياض الْجنَّة إِذا أَتَى بهَا بَين الْقَبْر والمنبر

стр. 809

ثمَّ قَالَ حَاصله أَن الْخطاب فى هذَيْن الْخَبَرَيْنِ من بَاب إِطْلَاق الْمُسَبّب على السَّبَب وَالْمعْنَى أَن الْمُسلم يُرْجَى لَهُ الْجنَّة بتقربه عِنْد هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ قَالَ وَهُوَ كَحَدِيث منبرى على حوضى لرجاء الْمَرْء نوال الشّرْب من الْحَوْض بِطَاعَتِهِ فى ذَلِك الْموضع وكحديث عَائِد الْمَرِيض فى مخرفة الْجنَّة وَحَدِيث الْجنَّة تَحت ظلال السيوف ونظائره كَثِيرَة أَشَارَ أَبُو حَاتِم إِلَى أَن حج الْمَرْء بامرأته لتقضى فَرِيضَة حَجهَا إِذا لم يكن لَهَا محرم غَيره أفضل من جِهَاد التَّطَوُّع وَذكر حَدِيث اكتتبت فى غزَاة كَذَا وَخرجت امرأتى حَاجَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (اذْهَبْ فحج بامرأتك) وَأَشَارَ إِلَى أَنه يسْتَحبّ للملبى عِنْد التَّلْبِيَة إِدْخَال الأصبعين فى الْأُذُنَيْنِ لحَدِيث كَأَنَّمَا أنظر إِلَى مُوسَى وَاضِعا أصبعيه فى أُذُنَيْهِ لَهُ جوَار إِلَى الله بِالتَّلْبِيَةِ ١٢٦ - مُحَمَّد بن حسان بن مُحَمَّد بن أَحْمد أَبُو مَنْصُور الْفَقِيه القرشى ابْن الْأُسْتَاذ أَبى الْوَلِيد النيسابورى قَالَ الْحَاكِم كَانَ من أفقه أَصْحَاب أَبِيه الْأُسْتَاذ أَبى الْوَلِيد وَكَانَ يَصُوم صَوْم دَاوُد قَرِيبا من ثَلَاثِينَ سنة وَسمع الحَدِيث الْكثير وصنف كتابا فى الرَّد على كتاب الرياضة سمع أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَأَبا الْعَبَّاس الماسرجسى والمؤمل بن الْحسن وَغَيرهم وَاسْتشْهدَ وَذَاكَ أَنه كَانَ منصرفا من عيد الْأَضْحَى فرفسته دَابَّة فَوَقع فى بِئْر

стр. 810

وَحمل إِلَى منزله وغشى عَلَيْهِ ثمَّ توفى غَدَاة يَوْم الْأَحَد آخر أَيَّام التَّشْرِيق من سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَدفن بِجنب أَبِيه كتب عَنهُ الْحَاكِم فى التَّارِيخ ١٢٧ - مُحَمَّد بن الْحسن بن إِبْرَاهِيم الشَّيْخ الإِمَام أَبُو عبد الله الختن الفارسى ثمَّ الإستراباذى أحد أَئِمَّة الْأَصْحَاب وَعرف بالختن لِأَنَّهُ كَانَ ختن الإِمَام أَبى بكر الإسماعيلى مولده سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة قَالَ الْحَاكِم أحد أَئِمَّة الشافعيين فى عصره وَكَانَ مقدما فى الْأَدَب ومعانى الْقُرْآن والقراءات وَمن الْعلمَاء المبرزين فى النّظر والجدل سمع أَبَا نعيم عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عدى وأقرانه فى بَلَده وَورد نيسابور سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَأَقَامَ عندنَا إِلَى آخر سنة تسع وَسمع أَكثر كتب مَشَايِخنَا ثمَّ دخل أَصْبَهَان فَسمع مُسْند أبي دَاوُد من عبد الله بن جَعْفَر وَسمع من سَائِر الْمَشَايِخ بهَا وَدخل الْعرَاق بعد الْأَرْبَعين وَأكْثر وَكَانَ كثير السماع والرحلة قدم نيسابور سنة تسع وَسِتِّينَ وأقم مُدَّة وانتفع النَّاس بِعُلُومِهِ وَحدث وَحضر مجْلِس الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبى سهل قلت وَأكْثر الرِّوَايَة عَن الْأَصَم وَعبد الله بن فَارس وأبى بكر الشافعى وأبى الْقَاسِم الطبرانى ودعلج وَغَيرهم وَله شرح مَشْهُور على تَلْخِيص ابْن الْقَاص

стр. 811

وَذكر الْحَاكِم أَنه جرت بَينه وَبَين الْأُسْتَاذ أَبى سهل مناظرة فَأَغْلَظ لَهُ الْأُسْتَاذ القَوْل فَخرج أَبُو عبد الله مستوحشا فَكتب إِلَيْهِ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل (أعيذ الْفَقِيه الْحر من سطوة السخط ... مصونا عَن الأنظار يجلبها الْغَلَط) (تضايق حَتَّى لَا يسوغ لَفْظَة ... وَيَعْتِبُ من لفظ يفور على اللَّغط) (أحاكمه فِيهِ إِلَيْهِ محكما ... وأسأله عفوا لنادرة السقط) (وَمهما غَدا وَجه الصَّوَاب حفاظه ... فَإِن سداد الرأى يلْزمه النمط) (ونشرى لمطوى خلاف إمامنا ... وطيى لمنشوروفاء بِمَا شَرط) (شددت على باغى الْفساد وَلم أدع ... عَلَيْهِ من الْحبّ الْيَسِير لمن لقط) (على رمد جَاءَ القريض مرمدا ... ورائقه بِالْبرِّ قد يحمل السفط) قَالَ الْحَاكِم فأنشدنى أَبُو عبد الله جَوَابه عَنْهَا (جفَاء جرى جَهرا لَدَى النَّاس وانبسط ... وَعذر أَتَى سرا فأكد مَا فرط) (مَتى طَالب الشَّيْخ الْفَقِيه بِحقِّهِ ... وضيع حَقًا لى عَلَيْهِ فقد قسط) (سبيلى إِذا ضايقته فى الْعُلُوم أَن ... يضايقنى فِيهَا وَلَا يركب الشطط) (وعدت أناديه الَّتِى خصنى بهَا ... فَلَا حاسب أحصى وَلَا كَاتب ضبط) (فَمن أجلهَا فى دَاره إِذْ حضرتها ... سَطَا واعتدى فى القَوْل وَالْفِعْل واحتلط) (فأى ملام يلْحق الْحر بعْدهَا ... إِذا هُوَ من جِيرَانه أبدا قنط) (هجرت اقتراض الشّعْر لما انْقَضى الصِّبَا ... وَلما رَأَيْت الشيب فى عارضى وَخط) (ولولاه لَا نثالت قواف محلهَا ... صُدُور ذوى الْآدَاب لَا فارغ السفط)

стр. 812

وَقَالَ حَمْزَة الجرجانى كَانَ أَبُو عبد الله الختن من الْفُقَهَاء الْمَذْكُورين فى عصره درس سِنِين كَثِيرَة وَتخرج بِهِ عدَّة من الْفُقَهَاء وَكَانَ لَهُ ورع وَله أَرْبَعَة أَوْلَاد أَبُو بشر الْفضل وَأَبُو النَّضر عبيد الله وَأَبُو عَمْرو عبد الرَّحْمَن وَأَبُو الْحسن عبد الْوَاسِع وَكَانَ لَهُ إملاء من سنة سبع وَسبعين إِلَى أَن توفى بجرجان يَوْم عيد الْأَضْحَى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَهُوَ ابْن خمس وَسبعين سنة وَمن الْفَوَائِد عَنهُ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٢٨ - مُحَمَّد بن الْحسن بن دُرَيْد بن عتاهية الإِمَام أَبُو بكر الأزدى البصرى نزيل بَغْدَاد مولده سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وتنقل فى جزائر الْبَحْر وَفَارِس فى طلب اللُّغَة وَالْأَدب وَكَانَ أَبوهُ من رُؤَسَاء زَمَانه وَأما هُوَ فَكَانَ رَأْسا فى الْعَرَبيَّة وأشعار الْعَرَب

стр. 813

حدث عَن أَبى حَاتِم السجستانى وأبى الْفضل الْعَبَّاس الرياشى وَابْن أخى الأصمعى وَغَيرهم روى عَنهُ أَبُو سعيد السيرافى وَأَبُو بكر بن شَاذان وَأَبُو الْفرج صَاحب الأغانى وَأَبُو الْعَبَّاس إِسْمَاعِيل بن ميكال وَغَيرهم قَالَ أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق مَا رَأَيْت أحفظ من ابْن دُرَيْد وَمَا رَأَيْته قرئَ عَلَيْهِ ديوَان قطّ إِلَّا وَهُوَ يسابق إِلَى رِوَايَته لحفظه لَهُ وَعَن أَبى بكر الأسدى قَالَ كَانَ يُقَال ابْن دُرَيْد أعلم الشُّعَرَاء وأشعر الْعلمَاء وَلابْن دُرَيْد قصيدة طنانة مدح بهَا الشافعى رضى الله عَنهُ أَولهَا (بملتفتيه للمشيب مطالع ... ذوائد عَن ورد التصابى روادع) (تصرفنه طوع الْعَنَان وَرُبمَا ... دَعَاهُ الصِّبَا فاقتاده وَهُوَ طائع) (وَمن لم يزعه لبه وحياؤه ... فَلَيْسَ لَهُ من شيب فوديه وازع) وَمِنْهَا (لرَأى ابْن إِدْرِيس ابْن عَم مُحَمَّد ... ضِيَاء إِذا مَا أظلم الْخطب صادع) (إِذا المعضلات المشكلات تشابهت ... سما مِنْهُ نور فى دجاهن سَاطِع) (أَبى الله إِلَّا رَفعه وعلوه ... وَلَيْسَ لما يعليه ذُو الْعَرْش وَاضع) وَمِنْهَا (سَلام على قبر تضمن جِسْمه ... وجادت عَلَيْهِ المدجنات الهوامع) (لقد غيبت أَكْفَانه شخص ماجد ... جليل إِذا الْتفت عَلَيْهِ المجامع) وَأما قصيدته الدريدية فقد سَارَتْ بهَا الركْبَان مدح بهَا عبد الله بن مُحَمَّد بن ميكال وَابْنه أَبَا الْعَبَّاس إِسْمَاعِيل وأخاه قَالَ الْحَاكِم فى تَرْجَمَة أَبى الْعَبَّاس إِسْمَاعِيل سَمِعت أَبَا مَنْصُور الْفَقِيه يَقُول كنت بِالْيمن سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَبينا أَنا ذَات يَوْم أَسِير بِمَدِينَة عدن إِذْ رَأَيْت مؤدبا يعلم

стр. 814

مُسْتَأْجرًا لَهُ مَقْصُورَة ابْن دُرَيْد وَقد بلغ ذكر الميكالية فَقَالَ لى يَا خراسانى أَبُو الْعَبَّاس هَذَا لَهُ عنْدكُمْ عقب فَقلت هُوَ بِنَفسِهِ حى فتعجب من هَذَا أَشد الْعجب وَقَالَ أَنا أعلم هَذِه القصيدة مُنْذُ كَذَا سنة الإقواء فى الشّعْر قَالَ أَبُو سعيد السيرافى حضرت مجْلِس أَبى بكر بن دُرَيْد وَلم يكن يعرفنى قبل ذَلِك فَجَلَست فَأَنْشد أحد الْحَاضِرين بَيْتَيْنِ يعزيان لآدَم ﵇ (تَغَيَّرت الْبِلَاد وَمن عَلَيْهَا ... فوجة الأَرْض مغبر قَبِيح) (تغير كل ذى حسن وَطيب ... وَقل بشاشة الْوَجْه الْمليح) فَقَالَ ابْن دُرَيْد هَذَا الشّعْر قد قيل قَدِيما وَجَاء فِيهِ الإقواء قَالَ فَقلت إِن لَهُ وَجها يُخرجهُ عَن الإقواء نصب بشاشة وَحذف التَّنْوِين مِنْهَا لالتقاء الساكنين فَيكون بِهَذَا التَّقْدِير نكرَة منتصبة على التَّمْيِيز ثمَّ رفع الْوَجْه بِإِسْنَاد قل إِلَيْهِ فَيصير اللَّفْظ وَقل بشاشة الْوَجْه الْمليح قَالَ فرفعنى حَتَّى أقعدنى بجانبه قلت وَحَاصِله إِنْكَار الْجَرّ وَدَعوى نصب بشاشة على التَّمْيِيز وَأَن التَّنْوِين حذف مِنْهُ للضَّرُورَة وَأَن الْوَجْه مَرْفُوع بالفاعلية والمليح على الصّفة وَهَذَا جيد لَكِن فِيهِ دعاوى كَثِيرَة وَإِذا كَانَ الإقواء وَاقعا فى كَلَامهم وَالرِّوَايَة بِالْجَرِّ فَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّكْلِيف وَقد جَاءَ فى كَلَامهم (لَا مرْحَبًا بغد وَلَا أَهلا بِهِ ... إِذْ كَانَ ترحال الْأَحِبَّة فى غَد)

стр. 815

(زعم البوارح أَن رحلتنا غَدا ... وبذاك خبرنَا الْغُرَاب الْأسود) وَقَالَ عبد الله بن مُسلم بن جُنْدُب الهذلى من شعراء الإسلاميين (تَعَالَوْا أعينونى على اللَّيْل إِنَّه ... على كل عين لَا تنام طَوِيل) (وَلَا تخذلونى فى الْبكاء فإننى ... لكم عِنْد طول الْجهد غير خذول) ثمَّ قَالَ فِيهَا (فويلى وعولى فَرجوا بعض كربتى ... وَإِلَّا فإنى ميت بِقَلِيل) (فَإِن كَانَ هَذَا الشوق لابد لَازِما ... وَلَيْسَ لكم فِيهِ الْغَدَاة حويل) قَوْله حويل أى مَا أحتال فِيهِ وَقَالَ آخر (أحب أَبَا مَرْوَان من أجل تمره ... وَأعلم أَن الْيمن بِالْمَرْءِ أوفق) (وَوَاللَّه لَوْلَا تمره مَا حببته ... وَلَو كَانَ أدنى من سعيد ومشرق) وَأنْشد الْأَصْحَاب مِنْهُم ابْن الصّباغ فى الشَّامِل وَقد ذكرُوا مَا شاع عَن عبد الله ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا من تَجْوِيز نِكَاح الْمُتْعَة أَن شَاعِرًا فى عصره قَالَ (قَالَت وَقد طفت سبعا حول كعبتها ... يَا صَاح هَل لَك فى فَتْوَى ابْن عَبَّاس) (تَقول هَل لَك فى بَيْضَاء بهكنة ... تكون مثواك حَتَّى يصدر النَّاس)

стр. 816

غير أَنى رَأَيْت أَبَا الْعَلَاء المعرى فى رسَالَته الَّتِى سَمَّاهَا رِسَالَة الغفران قد أنكر على ابْن دُرَيْد إنشاد هَذَا الشّعْر على وَجه الإقواء وَذكر أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة (وغودر فى الثرى الْوَجْه الْمليح ... ) قَالَ أَبُو الْعَلَاء وَالْوَجْه الذى قَالَه أَبُو سعيد فى تَخْرِيجه شَرّ من الإقواء عشر مَرَّات وَأطَال فى هَذَا وَحكى أَبُو مُحَمَّد بن جَعْفَر البلخى فى كِتَابه أَن أَبَا مُحَمَّد يحيى بن الْمُبَارك اليزيدى النحوى سَأَلَ الكسائى عَن قَول الشَّاعِر (مَا رَأينَا خربا نقر عَنهُ الْبيض صقر ... ) (لَا يكون العير مهْرا ... لَا يكون الْمهْر مهر) فَقَالَ الكسائى يجب أَن يكون الْمهْر مَنْصُوبًا على أَنه خبر كَانَ وفى الْبَيْت على هَذَا التَّقْدِير إقواء وَقَالَ اليزيدى بل الشّعْر صَوَاب لِأَن الْكَلَام قد تمّ عِنْد قَوْله لَا يكون الثَّانِيَة وهى مُؤَكدَة للأولى ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ الْمهْر مهر ثمَّ ضرب بقلنسوته الأَرْض وَقَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد وَكَانَ بِحَضْرَة الْخَلِيفَة فَقَالَ يحيى البرمكى أتكتنى بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله إِن خطأ الكسائى مَعَ حسن أدبه لأحسن من صوابك مَعَ سوء أدبك فَقَالَ اليزيدى إِن حلاوة الظفر أذهبت عَنى التحفظ وَمِمَّا ينْسب لِابْنِ دُرَيْد من الشّعْر (فَنعم فَتى الجلى ومستنبط الندى ... وملجأ مكروب ومفزع لاهث) (غياث بن عَمْرو بن الحليت بن جَابر بن ... زيد بن مَنْصُور بن حَارِث)

стр. 817

١٢٩ - مُحَمَّد بن الْحسن بن سُلَيْمَان أَبُو جَعْفَر الزوزنى البحاث أحد الْفُقَهَاء المبرزين قُضَاة الْمُسلمين تولى الْقَضَاء بنواحى خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَسَماهُ الْحَاكِم فى تَارِيخ نيسابور مُحَمَّد بن على بن عبد الله وَالصَّوَاب مَا أوردناه وَلم يزدْ شَيخنَا الذهبى على أَن قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن أَبُو جَعْفَر الْفَقِيه الشافعى لَهُ تَرْجَمَة طَوِيلَة عِنْد ابْن الصّلاح انْتهى وَهَذَا القاضى كَانَ من أساطين الْعلم وَكَانَ من أَقْرَان الأودنى وَكَانَ يكون بَينهمَا من المنافرة فى المناظرة مَا يكون بَين الأقران وَذكر أَن مصنفاته فى التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وأنواع الْأَدَب تربو على الْمِائَة وَقدم أَبُو جَعْفَر البحاث على الصاحب بن عباد فارتضى تصرفه فى الْعلم وتفننه فى أَنْوَاع الْفضل وَعرض عَلَيْهِ الْقَضَاء على شَرط انتحال مذْهبه يعْنى الاعتزال فَامْتنعَ وَقَالَ لَا أبيع الدّين بالدنيا فتمثل لَهُ الصاحب بقول الْقَائِل (فَلَا تجعلنى للْقَضَاء فريسة ... فَإِن قُضَاة الْعَالمين لصوص) (مجَالِسهمْ فِينَا مجَالِس شرطة ... وأيديهم دون الشصوص شصوص) فَأَجَازَهُ البحاث بديهة بقوله (سوى عصبَة مِنْهُم تخص بعفة ... وَللَّه فى حكم الْعُمُوم خُصُوص) (خصوصهم زَان الْبِلَاد وَإِنَّمَا ... يزين خَوَاتِيم الْمُلُوك فصوص)

стр. 818

والقاضى أَبُو جَعْفَر هَذَا هُوَ جد القاضى أَبى جَعْفَر مُحَمَّد بن إِسْحَاق البحاثى الأديب شيخ الباخرزى صَاحب دمية الْقصر وَكِلَاهُمَا أديب وَكَانَ القاضى أَبُو جَعْفَر الْكَبِير صَاحب هَذِه التَّرْجَمَة مَعَ علو مرتبته فى الْعلم يحب منصب الْقَضَاء وَمن شعره قصيدة قَالَهَا فى الشَّيْخ العميد أَبى على مُحَمَّد بن عِيسَى يخْطب قَضَاء مَدِينَة فرغانة ويصف الرّبيع (اكتست الأَرْض وهى عُرْيَانَة ... من نشر نور الرّبيع ألوانه) (واتزرت بالنبات وانتشرت ... حِين سَقَاهَا السَّحَاب ألبانه) (فالروض يختال فى ملابسه ... مرتديا ورده وَرَيْحَانَة) (تضاحكت بعد طول عبستها ... ضحك عَجُوز تعود بهتانه) (كم سَائل لح فى مسائلتى ... عَن حالتى قلت وهى وسنانه) (قلب كسير فَمن يجْبرهُ ... قَالَ نرى من يحب جِيرَانه) (سوى الْوَزير الذى يلوذ بِهِ ... يخْدم برد الْغَدَاة إيوانه) (قلت مَتى قَالَ قد أَتَى فَدَنَا ... مفتتح الْعَام كَانَ إبانه) (فَقلت مَاذَا الذى تؤمله ... فَقَالَ أبشر قَضَاء فرغانه) وَمن شعره قَالَ الباخرزى وَهُوَ أبلغ مَا سَمِعت مِنْهُ (إِن الخزائن للملوك ذخائر ... وَلَك الْمَوَدَّة فى الْقُلُوب ذخائر) (أَنْت الزَّمَان فَإِن رضيت فخصبه ... وَإِذا غضِبت فجدبة المتعاسر) (فَإِذا رضيت فَكل شئ نَافِع ... وَإِذا غضِبت فَكل شئ ضائر)

стр. 819

وشعره كثير وَكَذَلِكَ شعر حفيده أَبى جَعْفَر قَالَ الْحَاكِم توفى ببخارى سنة سبعين وثلاثمائة أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الدمشقى قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع عَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن المهتار عَن الْعَلامَة أَبى عَمْرو ابْن الصّلاح قَالَ أنبئت عَن أَبى سعد ابْن السمعانى قلت وَأذن لى أَبُو عبد الله الْحَافِظ فى طَائِفَة عَن أَبى الْفضل بن عَسَاكِر عَن أَبى المظفر السمعانى عَن أَبِيه ... ١٣٠ - مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن زِيَاد بن هَارُون بن جَعْفَر بن سَنَد أَبُو بكر النقاش الموصلى ثمَّ البغدادى الإِمَام فى الْقرَاءَات وَالتَّفْسِير وَكثير من الْعُلُوم ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وعنى بالقراءات من صغره فَقَرَأَ على جمَاعَة وَطَاف فى الْأَمْصَار وجال فى الْبِلَاد وَحدث عَن أَبى مُسلم الكجى وَإِسْحَاق بن سِنِين الختلى وَمُحَمّد بن على الصَّائِغ وَالْحسن بن سُفْيَان وَغَيرهم

стр. 820

روى عَنهُ ابْن مُجَاهِد وَهُوَ من شُيُوخه وجعفر الخلدى وَابْن شاهين وَأَبُو أَحْمد الفرضى وَأَبُو على ابْن شَاذان وَغَيرهم وَمن تصانيفه كتاب شِفَاء الصُّدُور فى التَّفْسِير وَفِيه مَوْضُوعَات كَثِيرَة وثقة أَبُو عَمْرو الدانى وَقَبله وزكاه وَضَعفه قوم مَعَ الِاتِّفَاق على جلالته فى الْعلم ولنذكر أَحَادِيث مِمَّا كَانَت سَبَب الْكَلَام فِيهِ فَمِنْهَا أَنه قَالَ حَدثنَا أَبُو غَالب ابْن بنت مُعَاوِيَة بن عَمْرو واسْمه على بن أَحْمد حَدثنَا جدى مُعَاوِيَة عَن زَائِدَة عَن لَيْث عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن الله لَا يقبل دُعَاء حبيب على حَبِيبه) قَالَ الدارقطنى أنْكرت هَذَا على النقاش وَقلت لَهُ إِن أَبَا غَالب لَيْسَ بِابْن بنت مُعَاوِيَة وَإِنَّمَا أَخُوهُ لِأَبِيهِ مُحَمَّد هُوَ ابْن بنت مُعَاوِيَة وَمُعَاوِيَة وزائدة ثقتان وَهَذَا حَدِيث مَوْضُوع فَرجع عَنهُ قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب لَا أعرف وجة قَول الدارقطنى فى أَبى غَالب أَنه لَيْسَ بِابْن بنت مُعَاوِيَة لِأَن أَبَا غَالب يذكر أَن مُعَاوِيَة جده وَقد رَوَاهُ أَبُو على الكوكبى عَن أَبى غَالب عَن جده مُعَاوِيَة بن عَمْرو فَذكره قلت فَلَيْسَ فِيهِ مَا يقتضى جرحا فى أَبى بكر النقاش وَللَّه الْحَمد وَمِنْهَا قَالَ النقاش حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد المدينى حَدثنَا إِدْرِيس بن عِيسَى الْقطَّان عَن شيخ لَهُ ثِقَة عَن الثورى عَن قَابُوس بن أَبى ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس

стр. 821

١٣١ - مُحَمَّد بن الْحسن الطبرى أَبُو جَعْفَر الْفَقِيه قَالَ حَمْزَة السهمى إِنَّه كَانَ فَقِيها يُفْتى على مَذْهَب الشافعى وَإنَّهُ توفى سنة ثَلَاث وَعشْرين وثلاثمائة ١٣٢ - مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم بن عَاصِم بن عبد الله الآبرى أَبُو الْحُسَيْن السجستانى مُصَنف كتاب مَنَاقِب الشافعى وآبر من قرى سجستان وَكتابه هَذَا المناقب من أحسن مَا صنف فى هَذَا النَّوْع وَأَكْثَره أبوابا فَإِنَّهُ رتبه على خَمْسَة وَسبعين بَابا فَلَا أَكثر أبوابا مِنْهُ إِلَّا كتاب القراب فَإِن أَبْوَاب تنيف على الْمِائَة وللآبرى فى طلب الحَدِيث رحْلَة وَاسِعَة سمع أَبَا الْعَبَّاس السراج وَابْن خُزَيْمَة وَأَبا عروية الحرانى وزكرياء بن أَحْمد البلخى ومكحولا الْبَيْرُوتِي وَآخَرين روى عَنهُ على بن بشرى وَيحيى بن عمار السجستانيان وَغَيرهمَا وَمن عَجِيب مَا رَأَيْت فى كِتَابه مَنَاقِب الشافعى أَنه عد بشرا المريسى فى أَصْحَاب

стр. 822

الشافعى وَلَيْسَ بشر من أَصْحَاب الشافعى بل من أعدائه لِأَنَّهُ لم يتبعهُ على رَأْيه بل خَالف وعاند وَقد قَالَ هُوَ أعنى الآبرى فى هَذَا الْكتاب إِنَّه من أهل الْإِلْحَاد وروى فِي كِتَابه أَن ابْن عَبَّاس ﵄ سُئِلَ عَن سَبَب تَسْمِيَة قُرَيْش قُريْشًا فَقَالَ قُرَيْش حوت فى الْبَحْر يغلب الْحيتَان ويقهرهم وَهُوَ أكبر دَوَاب الْبَحْر ويصطاد الْحيتَان وَسَائِر دَوَاب الْبَحْر فيأكلها فَلذَلِك سميت قُرَيْش قُريْشًا لِأَنَّهَا أغلب النَّاس وأشجعهم قلت وَيُقَال إِن فى الْبَحْر شَيْئا يُقَال لَهُ القرش يفترس الآدمى وَقد تَكَلَّمت على حل أكله فى كتابى التوشيح فَلَعَلَّ اسْمه قُرَيْش وَهُوَ هَذَا وَإِنَّمَا غَلطت الْعَامَّة فَقَالَت لَهُ القرش وفى هَذِه المناقب أَيْضا أَن حَرْمَلَة قَالَ سَمِعت الشافعى رضى الله عَنهُ يَقُول من زعم من أهل الْعَدَالَة أَنه يرى الْجِنّ أبطلنا شَهَادَته لقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم﴾ إِلَّا أَن يكون الزاعم نَبيا توفى الآبرى فى شهر رَجَب سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة ١٣٣ - مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن دَاوُد بن على بن الْحُسَيْن بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم ابْن الْحسن بن زيد بن الْحسن بن على بن أَبى طَالب السَّيِّد أَبُو الْحسن بن أَبى عبد الله الْحسنى النَّقِيب جد النُّقَبَاء بنيسابور رضى الله عَنهُ وَعَن أسلافه كَذَا سَاق نسبه الْحَاكِم وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ شيخ الشّرف فى عصره ذُو الهمة الْعَالِيَة وَالْعِبَادَة الظَّاهِرَة والسجايا الطاهرة

стр. 823

قَالَ وَكَانَ يسْأَل التحديث فيأبى ثمَّ أجَاب آخرا وَعقد لَهُ الْحَاكِم مجْلِس الْإِمْلَاء وانتقى عَلَيْهِ ألف حَدِيث فَحدث قَالَ وَكَانَ يعد فى مجالسه ألف محبرة توفى ﵀ فَجْأَة ١٣٤ - مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عبد الله أَبُو بكر الأجرى الْفَقِيه الْمُحدث صَاحب المصنفات مِنْهَا الْأَرْبَعُونَ فى الحَدِيث وَقعت لنا بِإِسْنَاد عَال سمع أَبَا مُسلم الكجى وَأَبا شُعَيْب الحرانى وجعفر بن مُحَمَّد الفريابى وَأحمد بن يحيى الحلوانى وَغَيرهم روى عَنهُ أَبُو الْحسن الحمامى وَأَبُو الْحُسَيْن بن بَشرَان والحافظ أَبُو نعيم الأصبهانى وَغَيرهم وَكَانَ مُقيما بِمَكَّة شرفها الله وَبهَا توفى بالمحرم سنة سِتِّينَ وثلاثمائة قَالَ ابْن خلكان أخبرنى بعض أهل الْعلم أَنه لما دخل مَكَّة أَعْجَبته فَقَالَ اللَّهُمَّ ارزقنى الْإِقَامَة بهَا سنة فَسمع هاتفا يَقُول بل ثَلَاثِينَ سنة فَعَاشَ بعد ذَلِك ثَلَاثِينَ سنة ١٣٥ - مُحَمَّد بن خَفِيف بن إسفكشاد الشيرازى الشَّيْخ أَبُو عبد الله بن خَفِيف شيخ الْمَشَايِخ وَذُو الْقدَم الراسخ فى الْعلم وَالدّين كَانَ سيدا جَلِيلًا وإماما حفيلا

стр. 824

يستمطر الْغَيْث بدعائه ويؤوب الْمصر بِكَلَامِهِ من أعلم الْمَشَايِخ بعلوم الظَّاهِر وَمِمَّنْ اتَّفقُوا على عَظِيم تمسكه بِالْكتاب وَالسّنة وَكَانَت لَهُ أسفار وبدايات وأحوال عاليات ورياضات لقى من النساك شُيُوخًا وَمن السلاك طوائف رسخ قدمهم فى الطَّرِيق رسوخا وَصَحب من أَرْبَاب الْأَحْوَال أحبارا وأخيارا وَشرب من منهل الطَّرِيق كاسات كبارًا وسافر مشرقا ومغربا وصابر النَّفس حَتَّى انقادت لَهُ فَأصْبح مبْنى الثَّنَاء عَلَيْهَا معربا صَبر على الطَّاعَة لَا يعصيه فِيهِ قلبه واستمرار على المراقبة شهيده عَلَيْهِ ربه وجنب لَا يدرى الْقَرار وَنَفس لَا تعرف المأوى إِلَّا الْبَيْدَاء وَلَا الْمسكن إِلَّا القفار كَانَ ابْن خَفِيف من أَوْلَاد الْأُمَرَاء فتزهد حَتَّى قَالَ كنت أذهب وَأجْمع الْخرق من الْمَزَابِل وأغسله وَأصْلح مِنْهُ مَا ألبسهُ حدث عَن حَمَّاد بن مدرك والنعمان بن أَحْمد الواسطى وَمُحَمّد بن جَعْفَر التمار وَالْحُسَيْن المحاملى وَجَمَاعَة وَصَحب رويما والجريرى وطاهر المقدسى وَأَبا الْعَبَّاس بن عَطاء ولقى الْحُسَيْن بن مَنْصُور وروى عَنهُ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن جَعْفَر الخزاعى وَالْحُسَيْن بن حَفْص الأندلسى وَمُحَمّد بن عبد الله بن باكويه والقاضى أَبُو بكر بن الباقلانى شيخ الأشعرية وَطَائِفَة رَحل ابْن خَفِيف إِلَى الشَّيْخ أَبى الْحسن الأشعرى وَأخذ عَنهُ وَهُوَ من أَعْيَان تلامذته

стр. 825

قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم كَانَ شيخ الْوَقْت حَالا وعلما قَالَ وَهُوَ الْخَفِيف الظريف لَهُ الْفُصُول فى الْأُصُول والتحقق والتثبت فى الْوُصُول وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس النسوي بلغ مَا لم يبلغهُ أحد من الْخلق فى الْعلم والجاه عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَصَارَ أوحد زَمَانه مَقْصُودا من الْآفَاق مُفِيدا فى كل نوع من الْعُلُوم مُبَارَكًا على من يَقْصِدهُ رَفِيقًا بمريديه يبلغ كَلَامه مُرَاده وصنف من الْكتب مَا لم يصنفه أحد وَعمر حَتَّى عَم نَفعه وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ كنت فى ابتدائي بقيت أَرْبَعِينَ شهرا أفطر كل لَيْلَة بكف باقلا فمضيت يَوْمًا وافتصدت فَخرج من عرقى شَبيه مَاء اللَّحْم وغشى على فتحير الفصاد وَقَالَ مَا رَأَيْت جسدا بِلَا دم إِلَّا هَذَا وروى عَنهُ أَنه قَالَ مَا سَمِعت شَيْئا من سنَن النبى ﷺ إِلَّا استعملته حَتَّى الصَّلَاة على أَطْرَاف الْأَصَابِع وَأَنه ضعف فى آخر عمره عَن الْقيام فى النَّوَافِل فَجعل بدل كل رَكْعَة من أوراده رَكْعَتَيْنِ قَاعِدا للْخَبَر (صَلَاة الْقَاعِد على النّصْف من صَلَاة الْقَائِم) وَقَالَ مرّة مَا وَجَبت على زَكَاة الْفطر أَرْبَعِينَ سنة مَعَ مالى من الْقبُول الْعَظِيم بَين الْخَاص وَالْعَام وَعنهُ رُبمَا كنت أَقرَأ فى ابْتِدَاء عمرى الْقُرْآن كُله فى رَكْعَة وَاحِدَة وَرُبمَا كنت أصلى من الْغَدَاة إِلَى الْعَصْر ألف رَكْعَة وَعنهُ وَسُئِلَ عَن فَقير يجوع ثَلَاثَة أَيَّام فَيخرج وَيسْأل بعد ذَلِك مِقْدَار كِفَايَته أيش يُقَال لَهُ فَقَالَ يُقَال لَهُ مكد ثمَّ قَالَ كلوا واسكتوا فَلَو دخل فَقير فى هَذَا الْبَاب لفضحكم وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يخرج إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة يفرق كل مَا عِنْده من ذهب وَفِضة وَغير ذَلِك

стр. 826

وَيخرج فى كل سنة جَمِيع مَا عِنْده وَيخرج من الثِّيَاب حَتَّى لَا يبْقى عِنْده مَا يخرج بِهِ إِلَى النَّاس وَقَالَ بعض أَصْحَابه أمرنى ابْن خَفِيف أَن أقدم كل لَيْلَة إِلَيْهِ عشر حبات زبيب لإفطاره قَالَ فَأَشْفَقت عَلَيْهِ لَيْلَة فجعلتها خمس عشرَة حَبَّة فَنظر إِلَى وَقَالَ من أَمرك بِهَذَا وَأكل مِنْهَا عشر حبات وَترك الباقى وَقَالَ ابْن خَفِيف سَمِعت أَبَا بكر الكتانى يَقُول سرت أَنا وَأَبُو الْعَبَّاس ابْن المهتدى وَأَبُو سعيد الخراز فى بعض السنين وضللنا عَن الطَّرِيق والتقينا بحيرة فَبينا نَحن كَذَلِك إِذا بشاب قد أقبل وفى يَده محبرة وعَلى عُنُقه مخلاة فِيهَا كتب فَقُلْنَا لَهُ يَا فَتى كَيفَ الطَّرِيق فَقَالَ لنا الطَّرِيق طَرِيقَانِ فَمَا أَنْتُم عَلَيْهِ فطريق الْعَامَّة وَمَا أَنا عَلَيْهِ فطريق الْخَاصَّة وَوضع رجله فى الْبَحْر وعبره وَحكى عَن ابْن خَفِيف قَالَ دخلت بَغْدَاد قَاصِدا لِلْحَجِّ وفى رأسى نخوة الصُّوفِيَّة وَلم آكل أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلم أَدخل على الْجُنَيْد وَخرجت وَلم أشْرب وَكنت على طهارتى فَرَأَيْت ظَبْيًا فى الْبَريَّة على رَأس بِئْر وَهُوَ يشرب وَكنت عطشان فَلَمَّا دَنَوْت من الْبِئْر ولى الظبى وَإِذا المَاء فى أَسْفَل الْبِئْر فمشيت وَقلت يَا سيدى مالى عنْدك مَحل هَذَا الظبى فَسمِعت من خلفى يَقُول جربناك فَلم تصبر ارْجع فَخذ المَاء إِن الظبى جَاءَ بِلَا ركوة وَلَا حَبل وَأَنت جِئْت مَعَ الركوة وَالْحَبل فَرَجَعت فَإِذا الْبِئْر ملآن فملأت ركوتى وَكنت أشْرب مِنْهَا وأتطهر إِلَى الْمَدِينَة وَلم ينْفد المَاء فَلَمَّا رجعت من الْحَج دخلت الْجَامِع فَلَمَّا وَقع بصر الْجُنَيْد على قَالَ لَو صبرت لنبع المَاء من تَحت قدمك لَو صبرت سَاعَة قلت قَوْله نخوة الصُّوفِيَّة يعْنى شدَّة المجاهدة والذى يَقع لى فى هَذِه الْحِكَايَة أَنَّهَا منبهة

стр. 827

لَهُ من الله على الْأَخْذ فى طَرِيق التَّوَكُّل وَطرح الْأَسْبَاب وَهَذَا يَقع كثيرا لأرباب العنايات من الله تَعَالَى فى أثْنَاء المجاهدات يقيض الله تَعَالَى لَهُم منبها من صَوت يسمع أَو إِشَارَة تحس أَو أنحاء ذَلِك يدلهم على مُرَاد الله تَعَالَى مِنْهُم أَو غير ذَلِك عناية بهم فقيض الله تَعَالَى هَذَا الظبى منبها لَهُ ثمَّ أكده بِكَلَام الْجُنَيْد لَهُ آخرا عِنْد عوده من الْحَج وَكَذَلِكَ أَقُول فى الْحِكَايَة قبلهَا إِن ذَاك الشَّاب قد يكون قدره الله تَعَالَى ذَلِك الْوَقْت اعتناء بِابْن خَفِيف ورفيقيه لِئَلَّا تعظم أنفسهم عَلَيْهِ فَأحب الله تَعَالَى أَن يعرفهُمْ أَن فى عباده شَابًّا وصل إِلَى مَا لم يصلوا إِلَيْهِ وَهُوَ رَآهُمْ على طَرِيق الْعَامَّة وَهَذَا من الْعِنَايَة بهم وَكَذَا أَقُول فى الْحِكَايَة الَّتِى قدمتها فى تَرْجَمَة الْجُنَيْد فى شَأْنه مَعَ تِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِى أنشدته (لَوْلَا التقى لم ترنى ... أَهجر طيب الوسن) وَحكى أَن أَبَا عبد الله بن خَفِيف نَاظر بعض البراهمة فَقَالَ لَهُ البرهمى إِن كَانَ دينك حَقًا فتعال أَصْبِر أَنا وَأَنت عَن الطَّعَام أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَأَجَابَهُ ابْن خَفِيف فعجز البرهمى عَن إِكْمَال الْمدَّة الْمَذْكُورَة وأكملها ابْن خَفِيف وَهُوَ طيب مسرور وَأَن برهميا آخر ناظره ثمَّ دَعَاهُ إِلَى الْمكْث مَعَه تَحت المَاء مُدَّة فَمَاتَ البرهمى قبل انْتِهَاء الْمدَّة وصبر الشَّيْخ إِلَى أَن انْتَهَت وَخرج سالما لم يظْهر عَلَيْهِ تغير وَعَن ابْن خَفِيف خرجت من مصر أُرِيد الرملة للقاء أَبى على الروذبارى فَقَالَ لى عِيسَى بن يُوسُف المصرى المغربى الزَّاهِد إِن شَابًّا وكهلا قد اجْتمعَا على حَال المراقبة فَلَو نظرت إِلَيْهِمَا لَعَلَّك تستفيد مِنْهُمَا فَدخلت إِلَى صور وَأَنا جَائِع عطشان وفى وسطى خرقَة وَلَيْسَ على كتفى شئ فَدخلت الْمَسْجِد فَإِذا اثْنَان مُسْتَقْبلا الْقبْلَة

стр. 828

عَلَيْهِمَا فَمَا أجابانى فَسلمت ثَانِيًا وثالثا فَلم أسمع الْجَواب فَقلت ناشدتكما الله إِلَّا رددتما على السَّلَام فَرفع الشَّاب رَأسه من مرقعته فَنظر إِلَى ورد السَّلَام وَقَالَ لى يَا ابْن خَفِيف الدُّنْيَا قَلِيل وَمَا بقى من الْقَلِيل إِلَّا الْقَلِيل فَخذ من الْقَلِيل الْكثير يَا ابْن خَفِيف مَا أقل شغلك حَتَّى تفرغت إِلَى لقائنا فَأخذ كليتى فَنظر إِلَى وطأطأ رَأسه فى الْمَكَان فَبَقيت عِنْده حَتَّى صلينَا الظّهْر وَالْعصر فَذهب جوعى وعطشى ونصبى فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعَصْر قلت لَهُ عظنى فَقَالَ يَا ابْن خَفِيف نَحن أَصْحَاب المصائب لَيْسَ لنا لِسَان لعظة فَبَقيت عِنْدهمَا ثَلَاثَة أَيَّام لَا آكل وَلَا أشْرب وَلَا أَنَام وَلَا رأيتهما أكلا وَلَا شربا وَلَا نَامَا فَلَمَّا كَانَ فى الْيَوْم الثَّالِث قلت فى سرى أحلفهما أَن يعظانى لعلى أنتفع بعظتهما فَرفع الشَّاب رَأسه فَقَالَ لى يَا ابْن خَفِيف عَلَيْك بِصُحْبَة من تذكرك الله تَعَالَى رُؤْيَته وَتَقَع هيبته على قَلْبك فيعظك بِلِسَان قَوْله وَالسَّلَام قُم عَنَّا وَعَن ابْن خَفِيف قدم علينا بعض أَصْحَابنَا فاعتل بعلة الْبَطن فَكنت أخدمه وآخذ مِنْهُ الطست طول اللَّيْل فغفوت مرّة فَقَالَ لى نمت لعنك الله فَقيل لَهُ كَيفَ وجدت نَفسك عِنْد قَوْله لعنك الله قَالَ كَقَوْلِه رَحِمك الله وَعَن ابْن خَفِيف أَنه كَانَ بِهِ وجع الخاصرة فَكَانَ إِذا أَخذه أقعده عَن الْحَرَكَة فَكَانَ إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة يحمل على الظّهْر إِلَى الْمَسْجِد فَقيل لَهُ لَو خففت عَن نَفسك قَالَ إِذا سَمِعْتُمْ حى على الصَّلَاة وَلم ترونى فى الصَّفّ فاطلبونى فى الْمَقَابِر وَعَن ابْن خَفِيف تهت فى الْبَادِيَة فَمَا رجعت حَتَّى سقط لى ثَمَانِيَة أَسْنَان وانتثر شعرى ثمَّ وَقعت إِلَى فيد وأقمت بهَا حَتَّى تماثلت وصححت ثمَّ زرت الْقُدس فَنمت إِلَى جَانب دكان صباغ وَبَات معى فى الْمَسْجِد رجل بِهِ قيام فَكَانَ يدْخل وَيخرج إِلَى الصَّباح

стр. 829

فَلَمَّا أَصْبَحْنَا صَاح النَّاس وَقَالَ نقب دكان الصّباغ وسرقت فجرونى وضربونى وَقَالُوا تكلم فاعتقدت التَّسْلِيم فَكَانُوا يغتاظون من سكوتى فحملونى إِلَى دكان الصّباغ وَكَانَ أثر رجل اللص فى الرماد فَقَالُوا ضع رجلك فِيهِ فَوضعت فَكَانَ على قدر رجلى فَزَادَهُم غيظا وَجَاء الْأَمِير وَنصب الْقدر وفيهَا الزَّيْت يغلى وأحضرت السكين وَمن يقطع الْيَد فَرَجَعت إِلَى نفسى فَإِذا هى سَاكِنة فَقلت إِن أَرَادوا قطع يدى سَأَلتهمْ أَن يعفوا يمينى لأكتب بهَا فبقى الْأَمِير يهددنى ويصول فَنَظَرت إِلَيْهِ فعرفته وَكَانَ مَمْلُوكا لوالدى فكلمنى بِالْعَرَبِيَّةِ وكلمته بِالْفَارِسِيَّةِ فَنظر إِلَى وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن وَكنت أكنى بهَا فى صباى فَضَحكت فعرفنى فَأخذ يلطم رَأسه وَوَجهه واشتغل النَّاس بِهِ وَإِذا بضجة عَظِيمَة وَأَن اللص قد مسك ثمَّ أَخذ الْأَمِير يُبَالغ فى الِاعْتِذَار وجهدنى أَن أقبل شَيْئا فأبيت وهربت توفى ابْن خَفِيف لَيْلَة ثَالِث رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة وازدحم الْخلق على جنَازَته وَكَانَ أمرا عَظِيما وَصلى عَلَيْهِ نَحوا من مائَة مرّة وَقيل إِنَّه عَاشَ مائَة سنة وَأَرْبع سِنِين وَقيل مائَة إِلَّا خمس سِنِين وَلَعَلَّه الْأَصَح وَمن كَلِمَاته والفوائد والمحاسن عَنهُ قَالَ التَّقْوَى مجانبة مَا يبعدك من الله وَقَالَ التَّوَكُّل الِاكْتِفَاء بضمانه وَإِسْقَاط التُّهْمَة عَن قَضَائِهِ وَقَالَ لَيْسَ شئ أضرّ بالمريد من مُسَامَحَة النَّفس فى ركُوب الرُّخص وَقبُول التأويلات

стр. 830

وَقَالَ الْيَقِين تحقق الْأَسْرَار بِأَحْكَام المغيبات وَقَالَ الْمُشَاهدَة اطلَاع الْقلب بصفاء الْيَقِين إِلَى مَا أخبر الْحق عَن الْغَيْب وَقَالَ السكر غليان الْقلب عِنْد معارضات ذكر المحبوب وَقَالَ الزّهْد الْبرم بالدنيا وَوُجُود الرَّاحَة فى الْخُرُوج مِنْهَا وَقَالَ الْقرب طى المسافات بلطيف المداناة وَقَالَ مرّة أُخْرَى وَسُئِلَ عَن الْقرب قربك مِنْهُ بملازمة الموافقات وقربه مِنْك بدوام التَّوْفِيق وَقَالَ الوصلة من اتَّصل بمحبوبه عَن كل شئ وَغَابَ عَن كل شئ سواهُ وَقَالَ الدنف من احْتَرَقَ فى الأشجان وَمنع من بَث الشكوى وَقَالَ الانبساط الاحتشام عِنْد السُّؤَال وَدخل عَلَيْهِ فَقير فَشكى إِلَيْهِ أَن بِهِ وَسْوَسَة فَقَالَ عهدى بالصوفية يسخرون من الشَّيْطَان فَالْآن الشَّيْطَان يسخر بهم وَقيل لَهُ مَتى يَصح للْعَبد الْعُبُودِيَّة فَقَالَ إِذا طرح كُله على مَوْلَاهُ وصبر مَعَه على بلواه وَسُئِلَ عَن إقبال الْحق على العَبْد فَقَالَ علامته إدبار الدُّنْيَا عَن العَبْد وَسُئِلَ عَن الذّكر فَقَالَ الْمَذْكُور وَاحِد وَالذكر مُخْتَلف وَمحل قُلُوب الذَّاكِرِينَ مُتَفَاوِتَة وأصل الذّكر إِجَابَة الْحق من حَيْثُ اللوازم لقَوْله ﷺ (من أطَاع الله فقد ذكر الله وَإِن قلت صلَاته وصيامه وتلاوته) ثمَّ يَنْقَسِم الذّكر قسمَيْنِ ظَاهرا وَبَاطنا فَالظَّاهِر التهليل والتحميد والتمجيد وتلاوة الْقُرْآن وَالْبَاطِن تَنْبِيه الْقُلُوب على

стр. 831

شَرَائِط التيقظ على معرفَة الله وأسمائه وَصِفَاته وأفعاله وَنشر إحسانه وإمضاء تَدْبيره ونفاذ تَقْدِيره على جَمِيع خلقه ثمَّ يَقع تَرْتِيب الأذكارعلى مقادير الذَّاكِرِينَ فَيكون ذكر الْخَائِفِينَ على مِقْدَار قوارع الْوَعيد وَذكر الراجين على مَا استبان لَهُم من موعده وَذكر المخبتين على قدر تصفح النعماء وَذكر المراقبين على قدر الْعلم باطلاع الله تَعَالَى إِلَيْهِم وَذكر المتوكلين على مَا انْكَشَفَ لَهُم من كِفَايَة الكافى لَهُم وَذَلِكَ مِمَّا يطول ذكره وَيكثر شَرحه فَذكر الله تَعَالَى مُنْفَرد وَهُوَ ذكر الْمَذْكُور بانفراد أحديته عَن كل مَذْكُور سواهُ لقَوْله ﷺ عَن ربه (من ذكرنى فى نَفسه ذكرته فى نفسى) وَالْأَصْل إِفْرَاد النُّطْق بألوهيته لقَوْله ﷺ (أفضل الذّكر لاإله إِلَّا الله) وَعَن ابْن خَفِيف الْغنى الشاكر هُوَ الْفَقِير الصابر وَعنهُ التصوف تصفية الْقلب عَن مُوَافقَة البشرية ومفارقة الطبيعة وإخماد صِفَات البشرية ومجانبه الدَّعَاوَى النفسانية ومنازلة الصِّفَات الروحانية والتعلق بعلوم الْحَقِيقَة وَاسْتِعْمَال مَا هُوَ أولى على السرمدية والنصح لجَمِيع الْأمة وَالْوَفَاء لله تَعَالَى على الْحَقِيقَة وَاتِّبَاع الرَّسُول ﷺ فى جَمِيع الشَّرِيعَة قَالَ أَبُو نصر عبد الله بن على الطوسي السراج فى كتاب اللمع لَهُ فى التصوف عَن الشبلى أَنه سُئِلَ عَن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ قد علمت مَوضِع مَكْرهمْ فَمَا مَوضِع مكر الله فَقَالَ تَركهم على ماهم فِيهِ وَلَو شَاءَ أَن يُغير لغير قَالَ فَشهد الشبلى فى السَّائِل أَنه لم يغنه جَوَابه فَقَالَ أما سَمِعت بفلانة الطبرانية فى ذَلِك الْجَانِب تغنى وَتقول (ويقبح من سواك الْفِعْل عندى ... وتفعله فَيحسن مِنْك ذاكا)

стр. 832

قَالَ السراج وَصَاحب الْمَسْأَلَة وَالسُّؤَال أَبُو عبد الله ابْن خَفِيف وَعَن ابْن خَفِيف سَأَلنَا يَوْمًا القاضى أَبُو الْعَبَّاس ابْن سُرَيج بشيراز وَكُنَّا نحضر مَجْلِسه لدرس الْفِقْه فَقَالَ لنا محبَّة الله فرض أَو غير فرض قُلْنَا فرض قَالَ وَمَا الدّلَالَة على ذَلِك فَمَا فِينَا من أَتَى بشئ فَقبل فرجعنا إِلَيْهِ وسألناه الدَّلِيل فَقَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم﴾ إِلَى قَوْله ﴿أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ قَالَ فتوعدهم الله على تَفْضِيل محبتهم لغيره على محبته ومحبة رَسُوله والوعيد لَا يَقع إِلَّا على فرض قلت وَمثل هَذَا الدَّلِيل فى الدّلَالَة على محبَّة النبى ﷺ قَوْله (لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من نَفسه وَأَهله وَمَاله وَولده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا قَالَ حَدثنَا أَبُو المعالى الأبرقوهى أخبرنَا عمر بن كرم بِبَغْدَاد أخبرنَا أَبُو الْوَقْت السجزى حَدثنَا عبد الْوَهَّاب بن أَحْمد الثقفى أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن باكويه أخبرنَا مُحَمَّد بن خَفِيف الضبى إملاء قَالَ قرئَ على حَمَّاد بن مدرك وَأَنا أسمع أخبرنَا عَمْرو بن مَرْزُوق حَدثنَا شُعْبَة عَن أَبى عمرَان الجونى عَن عبد الله بن الصَّامِت عَن أَبى ذَر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا صنعت قدرا فَأكْثر مرقها وَانْظُر أهل بَيت من جيرانك فأصبهم بِمَعْرُوف)

стр. 833

وَهَذَا فصل عَن ابْن خَفِيف يتَضَمَّن رحلته إِلَى الشَّيْخ أَبى الْحسن الأشعرى ﵀ رضى عَنهُ) قَالَ الإِمَام الْجَلِيل ضِيَاء الدّين الرازى أَبُو الإِمَام فَخر الدّين رحمهمَا الله فى آخر كِتَابه غَايَة المرام فى علم الْكَلَام حكى عَن الشَّيْخ أَبى عبد الله بن خَفِيف شيخ الشيرازيين وإمامهم فى وقته ﵀ أَنه قَالَ دعانى أرب وَحب أدب ولوع ألب وشوق غلب وَطلب ياله من طلب أَن أحرك نَحْو الْبَصْرَة ركابى فى عنفوان شبابى لِكَثْرَة مَا بلغنى على لِسَان البدوى والحضرى من فَضَائِل شَيخنَا أَبى الْحسن الأشعرى لأستسعد بلقاء ذَلِك الوحيد وأستفيد مِمَّا فتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ من ينابيع التَّوْحِيد إِذْ حَاز فى ذَلِك الْفَنّ قصب السباق وَكَانَ مِمَّن يشار إِلَيْهِ بالأصابع فى الْآفَاق وفَاق الْفُضَلَاء من أَبنَاء زَمَانه واشتاق الْعلمَاء إِلَى اسْتِمَاع بَيَانه وَكنت يَوْمئِذٍ لفرط اللهج بِالْعلمِ واقتباسه والطمع فى تقمص لِبَاسه أختلف إِلَى كل من جلّ وَقل وأستسقى الوابل والطل وأتعلل بعسى وَلَعَلَّ فَأخذت إِلَيْهِ أهبة السّير وخفقت إِلَيْهِ خفوق الطير حَتَّى حللت ربوعها وارتبعت ربيعها فَوَجَدتهَا على مَا تصفها الألسن وتلذ الْأَعْين لَطِيفَة الْمَكَان طريفة للسكان ترغب الْغَرِيب فى الاستيطان وتنسيه هوى الأوطان فألقيت بهَا الجران وألفيت أَهلهَا الْجِيرَان فَلَمَّا أنخت بمعناها وتنسيه هوى الأوطان فألقيت بهَا الجران وألفيت أَهلهَا الْجِيرَان فَلَمَّا أنخت بمغناها الخصيب فَأَصَبْت من مرعاها بِنَصِيب كنت أرود فى مسارح لمحاتى ومسابح غدواتى وروحاتى أحدا يشفى أوامى ويرشدنى إِلَى مرامى حَتَّى أدتنى خَاتِمَة المطاف وهدتنى فَاتِحَة الألطاف إِلَى شيخ بهى منظره شهى مخبره تعلوه حمرَة متحبب إِلَى زمرة فلمحته ببصرى وأمعنت فِيهِ نظرى فرحت بِهِ فرحة الحبيب

стр. 834

بالحبيب والعليل بالطبيب لما وجدت مِنْهُ ريح المحبوب كَمَا وجد من قَمِيص يُوسُف يَعْقُوب على مَا قَالَ ﷺ (الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف) فناجانى فكرى بالإقدام إِلَيْهِ وتقاضانى قلبى بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ فاهتززت لذَلِك اهتزاز المحبين إِذا التقيا بعد الْبَين وحييته تَحِيَّة مُحْتَرز عَن القدرى واستخبرته عَن مغنى أَبى الْحسن الأشعرى فَرد على السَّلَام بأوفر الْأَقْسَام وأجزل السِّهَام وأجابنى بِلِسَان ذلق وَوجه طلق كَهَيئَةِ الْمُفِيد مَا الذى مِنْهُ تُرِيدُ فَقلت قد بلغنى ذكرَاهُ تقت أَن أَلْقَاهُ لأحيا بمحياه وَأطيب برياه وأستسعد بلقياه وأستفيد نفائس أنفاسه جداه وجدواه واحر قلباه وواشدة شوقاه عَسى الله أَن يجمعنى وإياه فَلَمَّا رأى الشَّيْخ أَن شغف الْحبّ زادى فى سفرى وعتادى فى حضرى وَملك خلدى واستنفد جلدى وَأَن الشوق قد بلغ المدى واللوع قد جَاوز الحدا قَالَ ابتكر إِلَى مَوضِع قدمى هَاتين غَدا فبذلت القياد وَفَارَقت على الميعاد وَبت أساهر النُّجُوم وأساور الوجوم وَمَا برح الْحبّ سمير ذكرى ونديم فكرى يستعر استعارا ويلتهب بَين ضلوعى نَارا إِلَى أَن نضى اللَّيْل جلبابه وسلب الصُّبْح خضابه فَلَمَّا رَأَيْت اللَّيْلَة قد شابت ذوائبها وذابت شوائبها وذر قرن الغزالة وَثَبت وثبة الغزالة وبرزت أنْشد للشَّيْخ البهى وأتوسم الْوُجُوه بِالنّظرِ الجلى فَأَلْفَيْته فى الْمقَام الْمَوْعُود متنكرا وَاقِفًا لى منتظرا فدلفت إِلَيْهِ لأقضى حق السَّلَام عَلَيْهِ فَلَمَّا رآنى سبقنى بِالسَّلَامِ

стр. 835

وحفى للأقدام فَقضيت الذمام وقرنت رد جَوَابه بالاستلام وَقلت حييت بالإكرام وحييت بَين كرام ثمَّ استصحبنى وَسَار فتبعته مُتَابعَة الْعَامَّة أولى الْأَبْصَار حَتَّى انْتهى إِلَى الْمَقْصد وَدخل دَار بعض وُجُوه الْبَلَد وفيهَا قد حضر جمَاعَة للنَّظَر فَلَمَّا رَآهُ الْقيام تسارعوا إِلَى الْقيام واستقبلوه إِلَى الْبَاب وتلقوه بالترحاب وبالغوا بِالسَّلَامِ وَمَا يَلِيق بِهِ من الْإِكْرَام ثمَّ عظموه وَإِلَى الصَّدْر قدموه وَأَحَاطُوا بِهِ إحاطة الهالة بالقمر والأكمام بالثمر ثمَّ أَخذ الْخِصَام يتجاذبون فى المناظرة أَطْرَاف الْكَلَام وَكنت أنظر من بعيد مُتكئا على حد سعيد حَتَّى التقى الْجمع بِالْجمعِ وقرع النبع بالنبع فَبَيْنَمَا هم يرْمونَ فى عمايتهم ويخبطون فى غوايتهم إِذْ دخل الشَّيْخ دُخُول من فَازَ بنهزة الطَّالِب وفرحة الْغَالِب بِلِسَان يفتق الشُّعُور ويفلق الصخور وألفاظ كغمزات الألحاظ والكرى بعد الاستيقاظ أرق من أَدِيم الْهَوَاء وأعذب من زلال المَاء وَمَعَان كَأَنَّهَا فك عان وَبَيَان كعتاب الكعاب وَوصل الأحباب فى أَيَّام تفِيد الصم بَيَانا وتعيد الشيب شبانا تهدى إِلَى الرّوح روح الْوِصَال وتهب على النُّفُوس هبوب الشمَال وَكَانَ إِذا أنشا وشى وَإِذا عبر حبر وَإِذا أوجز أعجز وَإِذا أسهب أذهب فَلم يدع مشكلة إِلَّا أزالها وَلَا معضلة إِلَّا أزاحها وَلَا فَسَادًا إِلَّا أصلحه وَلَا عنادا إِلَّا زحزحه حَتَّى تبين الحى من اللى والرشد من الغى ورفل الْحق فى أذياله واعتدل باعتداله وَأَقْبل عَلَيْهِ الْخَاصَّة والعامة بإقباله فَلَمَّا فرغ من إنْشَاء دلَالَته بعد جولانه فى هيجاء البلاغة عَن بسالته حَار الْحَاضِرُونَ فى جَوَابه وتعجبوا من فصل خطابه وَعَاد الْخُصُوم كَأَنَّهُمْ فرَاش النَّار وخشاش الْأَبْصَار وأوباش الْأَمْصَار عَلَيْهِم الدبرة

стр. 836

وعَلى وُجُوههم الغبرة قلت لبَعض الْحَاضِرين من المناظرين من هَذَا الذى آثر اختلاب الْقُلُوب ونظم على هَذَا الأسلوب الذى لم ينسج على منواله وَلم تسمح قريحة بمثاله أجابنى وَقَالَ هُوَ الباز الْأَشْهب والمبارز الأشنب وَالْبَحْر الطامى والطود السامى والغيث الهامى وَاللَّيْث الحامى نَاصِر الْحق وناصح الْخلق قامع الْبِدْعَة ولسان الْحِكْمَة وَإِمَام الْأمة وقوام الْملَّة ذُو الرأى الوضى والرواء المرضى ذُو الْقلب الذكى وَالنّسب الزكى السرى ابْن السرى والنجد الجرى والسند العبقرى أَبُو الْحسن الأشعرى فسرحت طرفى فى ميسمه وأمعنت النّظر فى توسمه مُتَعَجِّبا من تلهب جذوته وتألق جلوته دَعَوْت لَهُ بامتداد الْأَجَل وارتداد الوجل فَبينا أَنا فِيهِ إِذْ شمر للانثناء بعد حِيَازَة الثَّنَاء وشحذ للتحفز غرار عزمته وَخرج يقتاد الْقُلُوب بأزمته فتبعته مقتفيا كخدمه ومنتهجا مواطئ قدمه فَالْتَفت إِلَى وَقَالَ يَا فَتى كَيفَ وجدت أَبَا الْحسن حِين أفتى فهرولت لالتزام قده واستلام يَده وَقلت (ومسحل مثل حد السَّيْف منصلت ... تزل عَن غربه الْأَلْبَاب والفكر) (طعنت بِالْحجَّةِ الغراء جيلهم ... ورمح غَيْرك مِنْهُ العى والحصر) لَا قَامَ ضدك وَلَا قعد جدك ولافض فوك وَلَا لحقك من يقفوك فوالذى سمك السَّمَاء وَعلم آدم الْأَسْمَاء لقد أبديت الْيَد الْبَيْضَاء وسكنت الضوضاء وكشفت الغماء ولحنت الدهماء وَقطعت الأحشاء وقمعت الْبدع والأهواء بِلِسَان عضب

стр. 837

وَبَيَان عذب آنس من الرَّوْض الممطور والموشى المنشور وأصفى من در الأمطار وذر الْبحار وجررت ذيل الفخار على هَامة الشعرى وقدما قيل إِن من الْبَيَان لسحرا بيد أَنه قد بقى لى سُؤال لما عرانى من الْإِشْكَال فَقَالَ اذكر سؤالك وَلَا تعرض عَمَّا بدا لَك فَقلت رَأَيْت الْأَمر لم يجر على النظام لِأَنَّك مَا افتتحت فى الْكَلَام ودأب المناظر أَلا يسْأَل غَيْرك وَمثلك حَاضر قَالَ أجل لكنى فى الِابْتِدَاء لَا أذكر الدَّلِيل وَلَا أشتغل بِالتَّعْلِيلِ إِذْ فِيهِ تسبب إِلَى الجاء الْخصم فى ذكر شبهه بطرِيق الِاعْتِرَاض وَمَا أَنا بالتسبب إِلَى الْمعْصِيَة رَاض فأمهله حَتَّى يذكر ضلالته ويفرد شبهته ومقالته فَحِينَئِذٍ نَص على الْجَواب فأرجو بذلك من الله الثَّوَاب قَالَ الراوى فَلَمَّا رَأَيْت مخبره بعد أَن سَمِعت خَبره تيقنت أَنه قد جَاوز الْخَبَر الْخَبَر وَأَن مقَالَته تبر وَمَا دونه صفر قد بلغ من الدّيانَة أَعلَى النِّهَايَة وأوفى من الْأَمَانَة على كل غَايَة وَأَنه هُوَ الذى أَوْمَأ إِلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة بحيازة هَذِه الْمِنَّة فى نصر الْحق ونصح الْخلق وإعلاء الدّين والذب عَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين فشاذ لى من الِاعْتِدَاد بأوفر الْأَعْدَاد وأودع بَيَاض الوداد سَواد الْفُؤَاد فتعلقت بأهدابه لخصائص آدابه ونافست فى مصافاته لنفائس صِفَاته وَلَبِثت مَعَه بُرْهَة أستفيد مِنْهُ فى كل يَوْم نزهة وأدرأ عَن نفسى للمعتزلة شُبْهَة ثمَّ ألفيت مَعَ علو دَرَجَته وتفاقم مرتبته كَانَ يقوم بتثقيف أوده من كسب يَده من اتِّخَاذ تِجَارَة للعقاقير معيشة والاكتفاء بهَا عيشة اتقاء الشُّبُهَات وإبقاء على الشَّهَوَات رضَا بالكفاف وإيثارا للعفاف

стр. 838

١٣٦ - مُحَمَّد دَاوُد بن سُلَيْمَان بن سيار أَبُو بكر بن بَيَان مَاتَ لثلاث بَقينَ من جمادة الْآخِرَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ١٣٧ - مُحَمَّد بن سعيد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن أَبى القاضى الإِمَام الْكَبِير أَبُو أَحْمد من تلامذة أَبى إِسْحَاق المروزى وأبى بكر الصيرفى وطبقتهما وَبَيت أَبى القاضى بخوارزم بَيت شهير وَهُوَ صَاحب كتاب الحاوى وَكتاب الْعمد القديمين فى الْفِقْه وَمِنْه أَخذ الماوردى والفورانى الاسمين قَالَ صَاحب الكافى أَبُو أَحْمد إِمَام كَبِير أحد مفاخر خوارزم والمشار إِلَيْهِ فى زَمَانه بالتقدم على أقرانه لم يكن أحد من آل القاضى فى عَهده أفضل وَلَا أفقه وَلَا أكْرم مِنْهُ قَالَ وَآل أَبى القاضى أعز بَيت وأشرفه بخوارزم وَأجْمع لخصال الْخَيْر وَأَطْنَبَ فى وصف الْبَيْت بِعِبَارَة طَوِيلَة ثمَّ قَالَ وَأَبُو أَحْمد سيدهم أَو مَا هَذَا مَعْنَاهُ ثمَّ ذكر أَن بَعضهم كَانَ يَقُول يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ﵇ الْكَرِيم بن الْكَرِيم بن الْكَرِيم بن الْكَرِيم وَمُحَمّد بن سعيد بن مُحَمَّد بن عبد الله الْعَالم بن الْعَالم بن الْعَالم بن الْعَالم كلهم عُلَمَاء أتقياء

стр. 839

ذكر صَاحب الكافى هَذَا الْمَعْنى لَكِن بِعِبَارَة لم أستحسن حكايتها ثمَّ قَالَ خرج إِلَى الْعرَاق فتفقه على أَبى إِسْحَاق المروزى والصيرفى وطبقتهما ثمَّ رَجَعَ إِلَى خوارز وَأَقْبل على التدريس والتذكير والتصنيف فى أَنْوَاع الْعُلُوم وَأَطْنَبَ فى وَصفه بِالْعلمِ وَالدّين إِلَى أَن قَالَ وَكَانَ عَارِفًا بمذاهب عُلَمَاء السّلف وَالْخلف أصولا وفروعا رَقِيق الْقلب بكاء منكبا فى التَّذْكِير صنف فى الْأُصُول كتاب الْهِدَايَة وَهُوَ كتاب حسن نَافِع كَانَ عُلَمَاء خوارزم يتداولونه وينتفعون بِهِ وصنف فى الْفُرُوع كتاب الحاوى بناه على الْجَامِع الْكَبِير لأبى إِبْرَاهِيم المزنى وَكتاب الرَّد على الْمُخَالفين وكتبا أخر كَثِيرَة قَالَ أَبُو سعيد الكرابيسى وَكَانَت لَهُ صدقَات يتَصَدَّق بهَا فى السِّرّ حَدَّثَنى بعض أَصْحَابنَا أَنه كَانَ يُعْطِيهِ مَالا وَيَقُول اذْهَبْ إِلَى الوادى وقف على شطه حِين كَانَ يجمد ففرقه على الضُّعَفَاء الَّذِي يحملون الْحَطب على عواتقهم ويسعون فى نَفَقَة عِيَالهمْ قَالَ ثمَّ خرج إِلَى الْحَج سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلاثمائة فجاور بِمَكَّة حَتَّى قضى الصَّلَوَات الَّتِى صلاهَا بخوارزم فى الْخفاف وَالْفراء الَّتِى اخْتلف الْعلمَاء فى الصَّلَاة مَعَهُمَا ثمَّ انْصَرف إِلَى بَغْدَاد فَمَال الْخلق إِلَيْهِ واجتمعوا عَلَيْهِ وصنف بهَا كتاب الْعمد وسألوه الْمقَام بهَا فَأبى إِلَّا الرُّجُوع إِلَى وَطنه فَرجع إِلَى خوارزم وَاسْتقر بهَا إِلَى أَن مَاتَ يَوْم الْجُمُعَة وَدفن يَوْم السبت سنة نَيف وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَأكْثر النَّاس فِيهِ المراثى قَالَ صَاحب الكافى وَلَا أرى لَهُ رِوَايَة فى الحَدِيث فَلَعَلَّهُ كَانَ فَقِيها صرفا وَلَو كَانَت لَهُ أَحَادِيث لَكَانَ لَهُ ذكر فى تَارِيخ بَغْدَاد وتاريخ سَمَرْقَنْد وَلَا ذكر لَهُ فيهمَا وَفِيه لما مَاتَ يَقُول أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن قطن (ليبك دَمًا من كَانَ للدّين باكيا ... فَإِن إِمَام النَّاس أصبح ثاويا) (فَقدنَا بفقدان الْفَقِيه مُحَمَّد ... مَكَارِم غادرن الْعُيُون هواميا)

стр. 840

وَمِنْهَا (تشبه آبَاء كراما كَأَنَّهُمْ ... مصابيح تجلو المظلمات الدواجيا) (سعيدا وَعبد الله وَالشَّيْخ ذَا النهى ... مُحَمَّدًا الْبر الْعَفِيف المواليا) (دعائم هَذَا الدّين عاشوا أعزه ... وماتوا كراما لم يحوزوا المساويا) وهى طَوِيلَة أَتَى صَاحب الكافى على عامتها قَالَ وَخلف ولدا اسْمه أَبُو بكر عبد الله كَانَ رشيدا فَاضلا بلغ دَرَجَة أسلافه فى الْعلم والورع وَمن الْفَوَائِد عَنهُ قَالَ حضرت مجْلِس أَبى إِسْحَاق المروزى فَسَمعته يَقُول قَالَ لنا القاضى أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج بأى شئ يتَخَرَّج الْمَرْء فى التَّعَلُّم فأعيا أَصْحَابنَا الْجَواب فَقلت أَنا بتفكره فى الْفَائِدَة الَّتِى تجرى فى الْمجْلس فَقَالَ أصبت بِهَذَا يتَخَرَّج المتعلم قَالَ أَبُو سعيد الكرابيسى سُئِلَ عَن بيع التُّرَاب من الأَرْض قدر ذِرَاع من الأَرْض عمقا فى عرض وَطول مَعْلُوم لضرب اللَّبن فَقَالَ لَا يجوز لِأَن الأَرْض يخْتَلف ترابها ١٣٨ - مُحَمَّد بن سُفْيَان الأسبانيكثى وأسبانيكث بِضَم الْألف وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر النُّون وَسُكُون آخر الْحُرُوف وَفتح الْكَاف وفى آخرهَا الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسَيَعُودُ إِن شَاءَ الله ذكر هَذِه النِّسْبَة فى تَرْجَمَة سعيد بن حَاتِم وَهَذَا كنيته أَبُو بكر ولى الْقَضَاء

стр. 841

قَالَ أَبُو الْعَبَّاس المستغفرى كَانَ من أورع الْحُكَّام وأفضلهم وأنزههم قَالَ وَكَانَ القاضى نسف قَالَ وَكَانَ قد درس الْفِقْه على أَبى بكر أَحْمد بن الْحسن الفارسى وَكَانَ من جملَة فُقَهَاء الشافعى وَكَانَ قَلِيل الحَدِيث قَالَ وَسمعت الْحَاكِم أَبَا عبد الله بن أَبى شُجَاع الأسبانيكثى يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن على بن زَكَرِيَّاء الْفَقِيه الْمُفْتى بالشاش وَكَانَ من أَصْحَاب أَبى بكر الفارسى يَقُول لم يكن أحد من أَصْحَاب أَبى بكر الفارسى أَخذ مِنْهُ فقهه وَكَلَامه وتدقيقه كَمَا أَخذ أَبُو بكر الأسبانيكثى وَلَو أَن إنْسَانا سَمعه يتَكَلَّم من وَرَاء جِدَار مَا شكّ أَنه أَبُو بكر الفارسى مَاتَ سنة خمس أَو سِتّ وَسبعين وثلاثمائة بالسغد ١٣٩ - مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن هَارُون بن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم ابْن بشر الحنفى نسبا من بنى حنيفَة العجلى الإِمَام الْأُسْتَاذ الْكَبِير أَبُو سهل الصعلوكى شيخ عصره وقدوة أهل زَمَانه وَإِمَام وقته فى الْفِقْه والنحو وَالتَّفْسِير واللغة وَالشعر وَالْعرُوض وَالْكَلَام والتصوف وَغير ذَلِك من أَصْنَاف الْعُلُوم أجمع أهل عصره على أَنه بَحر الْعلم الذى لَا ينزف وَإِن كثرت الدلا وجبل المعارف الَّتِى لَا تمر بهَا الْخُصُوم إِلَّا كَمَا يمر الهوا

стр. 842

ولد سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَأول سَمَاعه سنة خمس وثلاثمائة سمع ابْن خُزَيْمَة وَعنهُ حمل الحَدِيث وَأَبا الْعَبَّاس السراج وَأَبا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الماسرجسى وَأَبا قُرَيْش مُحَمَّد بن جُمُعَة وَأحمد بن عمر المحمداباذى وَأَبا مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم وَإِبْرَاهِيم بن عبد الصَّمد وَأَبا بكر ابْن الأنبارى والمحاملى وَغَيرهم وتفقه على أَبى إِسْحَاق المروزى وَطلب الْعلم وتبحر فِيهِ قبل خُرُوجه إِلَى الْعرَاق بسنين قَالَ الْحَاكِم لِأَنَّهُ نَاظر فى مجْلِس أَبى الْفضل البلعمى الْوَزير سنة سبع عشرَة وثلاثمائة وَتقدم فى الْمجْلس إِذْ ذَاك ثمَّ خرج إِلَى الْعرَاق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَهُوَ إِذْ ذَاك أوحد بَين أَصْحَابه ثمَّ دخل الْبَصْرَة ودرس بهَا سِنِين فَلَمَّا نعى إِلَيْهِ عَمه أَبُو الطّيب وَعلم أَن أهل أَصْبَهَان لَا يخلون عَنهُ فى انْصِرَافه خرج مختفيا مِنْهُم فورد نيسابور فى رَجَب سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَهُوَ على الرُّجُوع إِلَى الْأَهْل وَالْولد والمستقر من أَصْبَهَان فَلَمَّا ورد جلس لمأتم عَمه ثَلَاثَة أَيَّام فَكَانَ الشَّيْخ أَبُو بكر بن إِسْحَاق يحضر كل يَوْم فيقعد مَعَه هَذَا على قلَّة حركته وَكَذَلِكَ كل رَئِيس ومرؤوس وقاض ومفت من الْفَرِيقَيْنِ فَلَمَّا انْقَضتْ الْأَيَّام عقدوا لَهُ الْمجْلس غَدَاة كل يَوْم للتدريس وَالْإِلْقَاء ومجلس النّظر عَشِيَّة الْأَرْبَعَاء واستقرت بِهِ الدَّار وَلم يبْق فى الْبَلَد مُوَافق وَلَا مُخَالف إِلَّا وَهُوَ مقرّ لَهُ بِالْفَضْلِ والتقدم وحضره الْمَشَايِخ مرّة بعد أُخْرَى يسألونه أَن ينْقل من خَلفهم وَرَاءه بأصبهان

стр. 843

فَأجَاب إِلَى ذَلِك ودرس وَأفْتى وَرَأس أَصْحَابه بنيسابور اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ يسْأَل عَن التحديث فَيمْتَنع أَشد الِامْتِنَاع إِلَى غرَّة رَجَب سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة سُئِلَ فَأجَاب للإملاء وَقعد للتحديث عَشِيَّة يَوْم الْجُمُعَة قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق عَشِيَّة يَوْم الْجُمُعَة قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق الإِمَام غير مرّة وَهُوَ يعوذ الْأُسْتَاذ أَبَا سهل وينفث على دُعَائِهِ وَيَقُول بَارك الله فِيك لَا أصابتك الْعين هَذَا فى مجَالِس النّظر عَشِيَّة السبت للْكَلَام وَعَشِيَّة الثُّلَاثَاء للفقه قَالَ وَسمعت أَبَا على الإسفراينى يَقُول سَمِعت أَبَا إِسْحَاق المروزى يَقُول ذهبت الْفَائِدَة من مَجْلِسنَا بعد خُرُوج أَبى سهل النيسابورى قَالَ وَسمعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن على الْقفال الْفَقِيه ببخارى يَقُول قلت للفقيه أَبى سهل بنيسابور حِين أَرَادَ مناظرتى هَذَا ستر قد أسبله الله على فَلَا تسبق إِلَى كشفه قَالَ وَسمعت أَبَا مَنْصُور الْفَقِيه يَقُول سُئِلَ أَبُو الْوَلِيد عَن أَبى بكر الْقفال وأبى سهل أَيهمَا أرجح فَقَالَ وَمن يقدر أَن يكون مثل أَبى سهل وَعَن أَبى بكر الصيرفى خرج أَبُو سهل إِلَى خُرَاسَان وَلم ير أهل خُرَاسَان مثله وَعَن الصاحب أَبى الْقَاسِم بن عباد لَا يرى مثله وَلَا رأى هُوَ مثل نَفسه وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشيرازى أَبُو سهل الصعلوكى صَاحب أَبى إِسْحَاق المروزى كَانَ فَقِيها أديبا شَاعِرًا متكلما مُفَسرًا صوفيا كَاتبا وَعنهُ أَخذ فُقَهَاء نيسابور وَابْنه أَبُو الطّيب وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم القشيرى سَمِعت أَبَا عبد الرَّحْمَن السلمى يَقُول وهب الْأُسْتَاذ أَبُو سهل جبته من إِنْسَان فى الشتَاء وَكَانَ يلبس جُبَّة النِّسَاء حِين يخرج إِلَى التدريس إِذْ لم تكن لَهُ جُبَّة أُخْرَى فَقدم الْوَفْد المعروفون من فَارس فيهم فى كل نوع إِمَام من الْفُقَهَاء والمتكلمين والنحويين فَأرْسل إِلَيْهِ صَاحب الْجَيْش وَهُوَ أَبُو الْحسن

стр. 844

وَأمره أَن يركب للاستقبال فَلبس دراعة فَوق تِلْكَ الْجُبَّة الَّتِى للنِّسَاء وَركب فَقَالَ صَاحب الْجَيْش إِنَّه يستخف بى إِمَام الْبَلَد يركب فى جُبَّة النسوان ثمَّ إِنَّه ناظرهم أَجْمَعِينَ وَظهر كَلَامه على كَلَام جَمِيعهم فى كل فن وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت أَبَا بكر بن إشكاب يَقُول رَأَيْت الْأُسْتَاذ أَبَا سهل فى الْمَنَام على هَيْئَة حَسَنَة لَا تُوصَف فَقلت يَا أستاذ بِمَ نلْت هَذَا فَقَالَ بِحسن ظنى بربى وَحكى أَن أَبَا نصر الْوَاعِظ وَكَانَ حنفيا فى زمَان الْأُسْتَاذ أَبى سهل انْتقل إِلَى مَذْهَب الشافعى فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت النبى ﷺ فى الْمَنَام مَعَ أَصْحَابه قَاصِدا لعيادة الْأُسْتَاذ أَبى سهل وَكَانَ مَرِيضا قَالَ فتبعته وَدخلت عَلَيْهِ مَعَه وَقَعَدت بَين يدى النبى ﷺ متفكرا فَقلت إِن هَذَا إِمَام أَصْحَاب الحَدِيث وَإِن مَاتَ أخْشَى أَن يَقع الْخلَل فيهم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لى (لَا تفكر فى ذَلِك إِن الله لَا يضيع عِصَابَة أَنا سَيِّدهَا) قلت صحب الْأُسْتَاذ أَبُو سهل من أَئِمَّة التصوف المرتعش والشبلى وَأَبا على الثقفى وَغَيرهم وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ مَا مرت بى جُمُعَة وَأَنا بِبَغْدَاد إِلَّا ولى على الشبلى وَقْفَة أَو سُؤال وَأَنه قَالَ دخل الشبلى على أَبى إِسْحَاق المروزى فرآنى عِنْده فَقَالَ ذَا الْمَجْنُون من أَصْحَابك لَا بل من أَصْحَابنَا وَقَالَ السلمى سَمِعت أَبَا سهل يَقُول مَا عقدت على شئ قطّ وَمَا كَانَ لى قفل وَلَا مِفْتَاح وَلَا صررت على فضَّة وَلَا ذهب قطّ

стр. 845

قَالَ الْحَاكِم توفى الْأُسْتَاذ أَبُو سهل يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشر ذى الْقعدَة سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَصلى عَلَيْهِ ابْنه أَبُو الطّيب وَدفن فى الْمجْلس الذى كَانَ يدرس فِيهِ وَمن الرِّوَايَة عَنهُ أخبرنَا أَحْمد بن على الجزرى بقراءتى وَفَاطِمَة بنت إِبْرَاهِيم بن أَبى عمر قِرَاءَة عَلَيْهِمَا وَأَنا أسمع قَالَا أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن خَلِيل حضورا أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن ابْن على بن الْمُسلم أخبرنَا أَبُو الْحسن على بن الْحسن بن الْحُسَيْن الموازينى أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْفضل أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى الفراتى سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السلمى يَقُول قلت يَوْمًا للأستاذ أَبى سهل فى كَلَام يجرى بَيْننَا فَقَالَ لى أما علمت أَن من قَالَ لأستاذه لم لَا يفلح أبدا وَبِه قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن يَقُول قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل لى يَوْمًا عقوق الْوَالِدين يمحوها الاسْتِغْفَار وعقوق الأستاذين لَا يمحوها شئ أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا إِن لم أكن قرأته عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو الْفضل أَحْمد ابْن هبة الله بن تَاج الْأُمَنَاء أخبرنَا مُحَمَّد بن يُوسُف الْحَافِظ أَن زَيْنَب بنت أَبى الْقَاسِم الشعرى أخْبرته ح قَالَ شَيخنَا وَأخْبرنَا أَبُو الْفضل أَنَّهَا كتبت إِلَيْهِ تخبره أَن إِسْمَاعِيل بن أَبى الْقَاسِم أخْبرهَا أخبرنَا عمر بن أَحْمد بن مَنْصُور قَالَ أنشدنا أَبُو سهل مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الحنفى إملاء أنشدنا أَبُو بكر الأنبارى أنشدنا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى (لقد هَتَفت فى جنح ليل حمامة ... إِلَى إلفها شوقا وإنى لنائم) (كذبت وَبَيت الله لَو كنت عَاشِقًا ... لما سبقتنى بالبكاء الحمائم) وَبِه قَالَ أنشدنا الإِمَام أَبُو سهل لنَفسِهِ (أَنَام على سَهْو وتبكى الحمائم ... وَلَيْسَ لَهَا جرم وَمنى الجرائم) (كذبت وَبَيت الله لَو كنت عَاقِلا ... لما سبقتنى بالبكاء الحمائم)
следующие страницы →