Полный текст (3 926 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس المستغفرى كَانَ من أورع الْحُكَّام وأفضلهم وأنزههم
قَالَ وَكَانَ القاضى نسف
قَالَ وَكَانَ قد درس الْفِقْه على أَبى بكر أَحْمد بن الْحسن الفارسى وَكَانَ من جملَة فُقَهَاء الشافعى وَكَانَ قَلِيل الحَدِيث
قَالَ وَسمعت الْحَاكِم أَبَا عبد الله بن أَبى شُجَاع الأسبانيكثى يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن على بن زَكَرِيَّاء الْفَقِيه الْمُفْتى بالشاش وَكَانَ من أَصْحَاب أَبى بكر الفارسى يَقُول لم يكن أحد من أَصْحَاب أَبى بكر الفارسى أَخذ مِنْهُ فقهه وَكَلَامه وتدقيقه كَمَا أَخذ أَبُو بكر الأسبانيكثى وَلَو أَن إنْسَانا سَمعه يتَكَلَّم من وَرَاء جِدَار مَا شكّ أَنه أَبُو بكر الفارسى
مَاتَ سنة خمس أَو سِتّ وَسبعين وثلاثمائة بالسغد
١٣٩ - مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن هَارُون بن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم ابْن بشر الحنفى نسبا من بنى حنيفَة العجلى الإِمَام الْأُسْتَاذ الْكَبِير أَبُو سهل الصعلوكى
شيخ عصره وقدوة أهل زَمَانه وَإِمَام وقته فى الْفِقْه والنحو وَالتَّفْسِير واللغة وَالشعر وَالْعرُوض وَالْكَلَام والتصوف وَغير ذَلِك من أَصْنَاف الْعُلُوم
أجمع أهل عصره على أَنه بَحر الْعلم الذى لَا ينزف وَإِن كثرت الدلا وجبل المعارف الَّتِى لَا تمر بهَا الْخُصُوم إِلَّا كَمَا يمر الهوا
стр. 842
ولد سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
وَأول سَمَاعه سنة خمس وثلاثمائة
سمع ابْن خُزَيْمَة وَعنهُ حمل الحَدِيث وَأَبا الْعَبَّاس السراج وَأَبا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الماسرجسى وَأَبا قُرَيْش مُحَمَّد بن جُمُعَة وَأحمد بن عمر المحمداباذى وَأَبا مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم وَإِبْرَاهِيم بن عبد الصَّمد وَأَبا بكر ابْن الأنبارى والمحاملى وَغَيرهم
وتفقه على أَبى إِسْحَاق المروزى وَطلب الْعلم وتبحر فِيهِ قبل خُرُوجه إِلَى الْعرَاق بسنين
قَالَ الْحَاكِم لِأَنَّهُ نَاظر فى مجْلِس أَبى الْفضل البلعمى الْوَزير سنة سبع عشرَة وثلاثمائة وَتقدم فى الْمجْلس إِذْ ذَاك ثمَّ خرج إِلَى الْعرَاق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَهُوَ إِذْ ذَاك أوحد بَين أَصْحَابه ثمَّ دخل الْبَصْرَة ودرس بهَا سِنِين فَلَمَّا نعى إِلَيْهِ عَمه أَبُو الطّيب وَعلم أَن أهل أَصْبَهَان لَا يخلون عَنهُ فى انْصِرَافه خرج مختفيا مِنْهُم فورد نيسابور فى رَجَب سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَهُوَ على الرُّجُوع إِلَى الْأَهْل وَالْولد والمستقر من أَصْبَهَان فَلَمَّا ورد جلس لمأتم عَمه ثَلَاثَة أَيَّام فَكَانَ الشَّيْخ أَبُو بكر بن إِسْحَاق يحضر كل يَوْم فيقعد مَعَه هَذَا على قلَّة حركته وَكَذَلِكَ كل رَئِيس ومرؤوس وقاض ومفت من الْفَرِيقَيْنِ فَلَمَّا انْقَضتْ الْأَيَّام عقدوا لَهُ الْمجْلس غَدَاة كل يَوْم للتدريس وَالْإِلْقَاء ومجلس النّظر عَشِيَّة الْأَرْبَعَاء واستقرت بِهِ الدَّار وَلم يبْق فى الْبَلَد مُوَافق وَلَا مُخَالف إِلَّا وَهُوَ مقرّ لَهُ بِالْفَضْلِ والتقدم وحضره الْمَشَايِخ مرّة بعد أُخْرَى يسألونه أَن ينْقل من خَلفهم وَرَاءه بأصبهان
стр. 843
فَأجَاب إِلَى ذَلِك ودرس وَأفْتى وَرَأس أَصْحَابه بنيسابور اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ يسْأَل عَن التحديث فَيمْتَنع أَشد الِامْتِنَاع إِلَى غرَّة رَجَب سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة سُئِلَ فَأجَاب للإملاء وَقعد للتحديث عَشِيَّة يَوْم الْجُمُعَة
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق عَشِيَّة يَوْم الْجُمُعَة
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق الإِمَام غير مرّة وَهُوَ يعوذ الْأُسْتَاذ أَبَا سهل وينفث على دُعَائِهِ وَيَقُول بَارك الله فِيك لَا أصابتك الْعين هَذَا فى مجَالِس النّظر عَشِيَّة السبت للْكَلَام وَعَشِيَّة الثُّلَاثَاء للفقه
قَالَ وَسمعت أَبَا على الإسفراينى يَقُول سَمِعت أَبَا إِسْحَاق المروزى يَقُول ذهبت الْفَائِدَة من مَجْلِسنَا بعد خُرُوج أَبى سهل النيسابورى
قَالَ وَسمعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن على الْقفال الْفَقِيه ببخارى يَقُول قلت للفقيه أَبى سهل بنيسابور حِين أَرَادَ مناظرتى هَذَا ستر قد أسبله الله على فَلَا تسبق إِلَى كشفه
قَالَ وَسمعت أَبَا مَنْصُور الْفَقِيه يَقُول سُئِلَ أَبُو الْوَلِيد عَن أَبى بكر الْقفال وأبى سهل أَيهمَا أرجح فَقَالَ وَمن يقدر أَن يكون مثل أَبى سهل وَعَن أَبى بكر الصيرفى خرج أَبُو سهل إِلَى خُرَاسَان وَلم ير أهل خُرَاسَان مثله
وَعَن الصاحب أَبى الْقَاسِم بن عباد لَا يرى مثله وَلَا رأى هُوَ مثل نَفسه
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشيرازى أَبُو سهل الصعلوكى صَاحب أَبى إِسْحَاق المروزى كَانَ فَقِيها أديبا شَاعِرًا متكلما مُفَسرًا صوفيا كَاتبا وَعنهُ أَخذ فُقَهَاء نيسابور وَابْنه أَبُو الطّيب
وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم القشيرى سَمِعت أَبَا عبد الرَّحْمَن السلمى يَقُول وهب الْأُسْتَاذ أَبُو سهل جبته من إِنْسَان فى الشتَاء وَكَانَ يلبس جُبَّة النِّسَاء حِين يخرج إِلَى التدريس إِذْ لم تكن لَهُ جُبَّة أُخْرَى فَقدم الْوَفْد المعروفون من فَارس فيهم فى كل نوع إِمَام من الْفُقَهَاء والمتكلمين والنحويين فَأرْسل إِلَيْهِ صَاحب الْجَيْش وَهُوَ أَبُو الْحسن
стр. 844
وَأمره أَن يركب للاستقبال فَلبس دراعة فَوق تِلْكَ الْجُبَّة الَّتِى للنِّسَاء وَركب فَقَالَ صَاحب الْجَيْش إِنَّه يستخف بى إِمَام الْبَلَد يركب فى جُبَّة النسوان ثمَّ إِنَّه ناظرهم أَجْمَعِينَ وَظهر كَلَامه على كَلَام جَمِيعهم فى كل فن
وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت أَبَا بكر بن إشكاب يَقُول رَأَيْت الْأُسْتَاذ أَبَا سهل فى الْمَنَام على هَيْئَة حَسَنَة لَا تُوصَف فَقلت يَا أستاذ بِمَ نلْت هَذَا فَقَالَ بِحسن ظنى بربى
وَحكى أَن أَبَا نصر الْوَاعِظ وَكَانَ حنفيا فى زمَان الْأُسْتَاذ أَبى سهل انْتقل إِلَى مَذْهَب الشافعى فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت النبى ﷺ فى الْمَنَام مَعَ أَصْحَابه قَاصِدا لعيادة الْأُسْتَاذ أَبى سهل وَكَانَ مَرِيضا قَالَ فتبعته وَدخلت عَلَيْهِ مَعَه وَقَعَدت بَين يدى النبى ﷺ متفكرا فَقلت إِن هَذَا إِمَام أَصْحَاب الحَدِيث وَإِن مَاتَ أخْشَى أَن يَقع الْخلَل فيهم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لى (لَا تفكر فى ذَلِك إِن الله لَا يضيع عِصَابَة أَنا سَيِّدهَا)
قلت صحب الْأُسْتَاذ أَبُو سهل من أَئِمَّة التصوف المرتعش والشبلى وَأَبا على الثقفى وَغَيرهم
وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ مَا مرت بى جُمُعَة وَأَنا بِبَغْدَاد إِلَّا ولى على الشبلى وَقْفَة أَو سُؤال
وَأَنه قَالَ دخل الشبلى على أَبى إِسْحَاق المروزى فرآنى عِنْده فَقَالَ ذَا الْمَجْنُون من أَصْحَابك لَا بل من أَصْحَابنَا
وَقَالَ السلمى سَمِعت أَبَا سهل يَقُول مَا عقدت على شئ قطّ وَمَا كَانَ لى قفل وَلَا مِفْتَاح وَلَا صررت على فضَّة وَلَا ذهب قطّ
стр. 845
قَالَ الْحَاكِم توفى الْأُسْتَاذ أَبُو سهل يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشر ذى الْقعدَة سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَصلى عَلَيْهِ ابْنه أَبُو الطّيب وَدفن فى الْمجْلس الذى كَانَ يدرس فِيهِ
وَمن الرِّوَايَة عَنهُ
أخبرنَا أَحْمد بن على الجزرى بقراءتى وَفَاطِمَة بنت إِبْرَاهِيم بن أَبى عمر قِرَاءَة عَلَيْهِمَا وَأَنا أسمع قَالَا أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن خَلِيل حضورا أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن ابْن على بن الْمُسلم أخبرنَا أَبُو الْحسن على بن الْحسن بن الْحُسَيْن الموازينى أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْفضل أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى الفراتى سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السلمى يَقُول قلت يَوْمًا للأستاذ أَبى سهل فى كَلَام يجرى بَيْننَا فَقَالَ لى أما علمت أَن من قَالَ لأستاذه لم لَا يفلح أبدا
وَبِه قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن يَقُول قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل لى يَوْمًا عقوق الْوَالِدين يمحوها الاسْتِغْفَار وعقوق الأستاذين لَا يمحوها شئ
أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا إِن لم أكن قرأته عَلَيْهِ أخبرنَا أَبُو الْفضل أَحْمد ابْن هبة الله بن تَاج الْأُمَنَاء أخبرنَا مُحَمَّد بن يُوسُف الْحَافِظ أَن زَيْنَب بنت أَبى الْقَاسِم الشعرى أخْبرته
ح قَالَ شَيخنَا وَأخْبرنَا أَبُو الْفضل أَنَّهَا كتبت إِلَيْهِ تخبره أَن إِسْمَاعِيل بن أَبى الْقَاسِم أخْبرهَا أخبرنَا عمر بن أَحْمد بن مَنْصُور قَالَ أنشدنا أَبُو سهل مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الحنفى إملاء أنشدنا أَبُو بكر الأنبارى أنشدنا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى
(لقد هَتَفت فى جنح ليل حمامة ... إِلَى إلفها شوقا وإنى لنائم)
(كذبت وَبَيت الله لَو كنت عَاشِقًا ... لما سبقتنى بالبكاء الحمائم)
وَبِه قَالَ أنشدنا الإِمَام أَبُو سهل لنَفسِهِ
(أَنَام على سَهْو وتبكى الحمائم ... وَلَيْسَ لَهَا جرم وَمنى الجرائم)
(كذبت وَبَيت الله لَو كنت عَاقِلا ... لما سبقتنى بالبكاء الحمائم)
стр. 846
وَمن الْفَوَائِد والمسائل عَن الْأُسْتَاذ أَبى سهل
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا سهل وَدفع إِلَيْهِ مَسْأَلَة فقرأها علينا وهى
(تمنيت شهر الصَّوْم لَا لعبادة ... وَلَكِن رَجَاء أَن أرى لَيْلَة الْقدر)
(فأدعو إِلَه النَّاس دَعْوَة عاشق ... عَسى أَن يرِيح العاشقين من الهجر)
فَكتب أَبُو سهل فى الْحَال
(تمنيت مَا لَو نلته فسد الْهوى ... وَحل بِهِ للحين قاصمة الظّهْر)
(فَمَا فى الْهوى طيب وَلَا لَذَّة سوى ... معاناة مَا فِيهِ يقاسى من الهجر)
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم القشيرى سَمِعت أَبَا بكر بن فورك يَقُول سُئِلَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل عَن جَوَاز رُؤْيَة الله تَعَالَى من طَرِيق الْعقل فَقَالَ الدَّلِيل عَلَيْهِ شوق الْمُؤمنِينَ إِلَى لِقَائِه والشوق إِرَادَة مفرطة والإرادة لَا تعلق بالمحال فَقَالَ السَّائِل وَمن الذى يشتاق إِلَى لِقَائِه فَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل يشتاق إِلَيْهِ كل حر مُؤمن فَأَما من كَانَ مثلك فَلَا يشتاق
روى الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْأُسْتَاذ أَبى سهل بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبى نواس قَالَ مضيت يَوْمًا إِلَى أَزْهَر السمان فَوجدت بِبَابِهِ جمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث فَجَلَست مَعَهم أنْتَظر خُرُوجه فَمَكثَ غير بعيد وَخرج ووقف بَين بابى دَاره ثمَّ قَالَ لأَصْحَاب الحَدِيث حَوَائِجكُمْ فَجعلُوا يذكرونها لَهُ ويحدثهم بِمَا يسألونه ثمَّ أقبل على وَقَالَ حَاجَتك يَا حسن فَقلت
(وَلَقَد كُنْتُم رويتم ... عَن سعيد عَن قَتَادَة)
(عَن سعيد بن الْمسيب ... أَن سعد بن عبَادَة)
(قَالَ من مَاتَ محبا ... فَلهُ أجر الشهاده)
стр. 847
قَالَ نعم يَا خليع حَدثنَا سعيد بن أَبى عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن سعد ابْن عبَادَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من مَاتَ محبا فى الله فَلهُ أجر الشَّهَادَة)
١٤٠ - مُحَمَّد بن شُعَيْب بن إِبْرَاهِيم بن شُعَيْب النيسابورى
الْفِقْه العجلى أَبُو الْحسن البيهقى
أحد الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين بالفصاحة والبراعة وَالْفِقْه والإمامة
قَالَ الْحَاكِم فِيهِ مفتى الشافعيين ومناظرهم ومدرسهم فى عصره وَأحد الْمَذْكُورين فى أقطار الأَرْض بالفصاحة والبراعة
كَانَ اختلافه بنيسابور إِلَى أَبى بكر بن خُزَيْمَة وأقرانه
ثمَّ خرج إِلَى أَبى الْعَبَّاس بن سُرَيج وَلَزِمَه إِلَى أَن تقدم فى الْعلم
سمع بخراسان أَبَا عبد الله البوشنجى وَأَبا بكر الجارودى وَدَاوُد بن الْحُسَيْن وأقرانهم
وبالعراق ابْن جرير وَغَيره
روى عَنهُ الْأُسْتَاذ أَبُو الْوَلِيد وَغَيره
سَمِعت أَبَا سهل مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْفَقِيه يَقُول حضرت مجْلِس الْوَزير أَبى الْفضل البلعمى فَلَمَّا فرغ من الْمجْلس دَعَا بأبى الْحسن البيهقى فخيره بَين قَضَاء الرى والشاش فَامْتنعَ إِلَيْهِ أَشد الِامْتِنَاع وتضرع إِلَيْهِ فِي الاستعفاء وَكَانَ آخر كلمة تكلم بهَا أَن قَالَ لَهُ الْوَزير استشر واستخر واقترح وَلَا تخَالف
توفى سنة أَربع وَعشْرين وثلاثمائة
стр. 848
١٤١ - مُحَمَّد بن صَالح بن هَانِئ أَبُو جَعْفَر الْوراق النيسابورى
سمع الْكثير بنيسابور وَلم يسمع بغَيْرهَا
وَكَانَ صبورا على الْفقر لَا يَأْكُل إِلَّا من كسب يَده
سمع السرى ابْن خُزَيْمَة وَغَيره
روى عَنهُ أَبُو بكر بن إِسْحَاق وَأَبُو على الْحَافِظ وَغَيرهمَا
مَاتَ فى سلخ ربيع الأول سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة وَصلى عَلَيْهِ أَبُو عبد الله بن الأخرم الْحَافِظ وَلما دفن وقف على قَبره وترحم عَلَيْهِ وَأثْنى عَلَيْهِ وَحكى أَنه صَاحبه من سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى حِينَئِذٍ فَمَا رَآهُ أَتَى شَيْئا لَا يرضاه الله وَلَا سمع مِنْهُ شَيْئا يسْأَل عَنهُ
١٤٢ - مُحَمَّد بن طَالب بن على أَبُو الْحُسَيْن النسفى
الْفَقِيه إِمَام الشَّافِعِيَّة بِتِلْكَ الديار
قَالَ جَعْفَر المستغفرى كَانَ فَقِيها عَارِفًا باخْتلَاف الْعلمَاء نقى الحَدِيث صَحِيحه مَا كتب إِلَّا عَن الثِّقَات
سمع على بن عبد الْعَزِيز بِمَكَّة ومُوسَى بن هَارُون وَطَائِفَة
توفى فى رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة بنسف
стр. 849
١٤٣ - مُحَمَّد بن طَاهِر بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الْوَزير أَبُو نصر الوزيرى
الأديب الْمُذكر الْمُفَسّر
كَانَ كثير الْعُلُوم فصيحا بَالغا فى الذّكر والوعظ
سمع عبد الله بن مُحَمَّد بن الشرقى وَأَبا حَامِد بن بِلَال وَأَبا على الثَّقَفِيّ وأقرانهم
توفى فى شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة
وَكَانَ أَولا حنفى الْمَذْهَب ثمَّ انْتقل إِلَى مَذْهَبنَا
١٤٤ - مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عصم بن بِلَال بن عصم أَبُو عبد الله بن أَبى ذهل الضبى الهروى العصمى بِضَم الْعين
رَئِيس هراة
مولده سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
وَسمع مُحَمَّد بن معَاذ المالينى وَأَبا نصر مُحَمَّد بن عبد الله القيسى وحاتم بن مَحْبُوب وَأَبا عَمْرو الحيرى ومؤمل بن الْحسن الماسرجسى وَيحيى بن صاعد وَعبد الرَّحْمَن بن أَبى حَاتِم وَغَيرهم
стр. 850
روى عَنهُ الدارقطنى وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله وَأَبُو يَعْقُوب القراب وَأَبُو بكر البرقانى وَأَبُو الْفَتْح بن أَبى الفوارس وَغَيرهم
قَالَ الْخَطِيب كَانَ ثِقَة نبيلا من ذوى الأقدار الْعَالِيَة
وَقَالَ سَمِعت البرقانى يَقُول كَانَ ملك هراة تَحت أَمر ابْن أَبى ذهل لقدره وأبوته
وَقَالَ الْحَاكِم لقد صحبته سفرا وحضرا فَمَا رَأَيْت أحسن وضُوءًا مِنْهُ وَلَا أحسن صَلَاة وَلَا رَأَيْت فى مَشَايِخنَا أحسن تضرعا وابتهالا فى دعواته مِنْهُ لقد كنت أرَاهُ يرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء فيمدهما مدا كَأَنَّهُ يَأْخُذ شَيْئا من أَعلَى مُصَلَّاهُ وَكَانَ يضْرب لَهُ دَنَانِير وزن الدِّينَار مِنْهَا مِثْقَال وَنصف أَو أَكثر فَيتَصَدَّق بهَا وَيَقُول إنى لأفرح إِذا ناولت فَقِيرا كاغدا فيتوهم أَنه فضَّة فَإِذا فَتحه وَرَأى صفرته فَرح ثمَّ إِذا وَزنه فَزَاد على المثقال فَرح أَيْضا وَكَانَت لَهُ غلَّة كَثِيرَة لَا يدْخل دَاره إِلَّا دون عشرهَا والباقى يفرقه على المستورين وَسَائِر الْمُسْتَحقّين حَتَّى إِن جمَاعَة من أهل الْعلم لم يكن لَهُم قوت إِلَّا من غَلَّته
قَالَ الْحَاكِم وَلَقَد سَأَلت عَن أعشار غلات أَبى عبد الله كم تبلغ فَقيل رُبمَا زَادَت على ألف حمل
وحدثنى أَبُو أَحْمد الْكَاتِب أَن النُّسْخَة الَّتِى كَانَت عِنْده بأسماء من يقوتهم أَبُو عبد الله بهراة تزيد على خَمْسَة آلَاف بَيت
وَقَالَ أَبُو النَّصْر عبد الرَّحْمَن الفامى إِن أَبَا عبد الله صنف صَحِيحا على صَحِيح البخارى وَإنَّهُ تفقه بِبَغْدَاد وَإنَّهُ لم يجْتَمع لرئيس بهراة مَا اجْتمع لَهُ من آلَات السِّيَادَة
стр. 851
وَحكى أَن أَبَا جَعْفَر العتبى وَزِير السُّلْطَان ألزم أَبَا عبد الله عَن أَمر السُّلْطَان أَن يتقلد ديوَان الرسائل فَامْتنعَ فَقَالَ لَهُ هَذَا قَضَاء الْقُضَاة بكور خُرَاسَان وَلَا تخرج عَن حد الْعلم وَلَو عرفت الْيَوْم فى مَشَايِخ خُرَاسَان من يدانيك فى شمائلك لأعفيتك فَبكى أَبُو عبد الله وَقَالَ لَهُ إِن أعفانى السُّلْطَان عَن هَذَا الْعَمَل فبفضله على وعَلى أصحابى بهراة وَإِن أكرهنى عَلَيْهِ لبست مرقعة وَخرجت على وجهى حَتَّى لَا يعلم بمكانى أحد فأعفى
وَعَن أَبى عبد الله مَا مست يدى دِينَارا وَلَا درهما مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة هَذَا مَعَ كَثْرَة أَمْوَاله وصدقاته
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا عبد الله بن أَبى ذهل يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الشبلى وَسُئِلَ عَن الرجل يسمع الشئ وَلَا يفهم مَعْنَاهُ فيتواجد عَلَيْهِ لم هَذَا فَأَنْشَأَ الشبلى يَقُول
(رب وَرْقَاء هتوف بالضحى ... ذَات شجو صدحت فى فنن)
(ذكرت إلفا ودهرا سالفا ... فَبَكَتْ حزنا فهاجت حزنى)
(فبكائى رُبمَا أرقها ... وبكاها رُبمَا أرقنى)
(وَلَقَد تَشْكُو فَمَا أفهمها ... وَلَقَد أَشْكُو فَمَا تفهمنى)
(غير أَنى بالجوى أعرفهَا ... وهى أَيْضا بالجوى تعرفنى)
اسْتشْهد ابْن أَبى ذهل فى رستاق خواف من نيسابور بعد مَا خرج من الْحمام لطخ ثَوْبه وَألبسهُ فَمَاتَ لتسْع بَقينَ من صفر سنة ثَمَان وَسبعين وثلاثمائة
стр. 852
١٤٥ - مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد أَبُو عبد الله الصفار الأصبهانى الْمُحدث الرجل الصَّالح
سمع بِبَلَدِهِ أَحْمد بن عِصَام وَأسيد بن عَاصِم وَأحمد بن رستم وَعبيد الغزال
وبفارس أَحْمد بن مهْرَان بن خَالِد
وببغداد أَحْمد بن عبيد الله النرسى وَمُحَمّد بن الْفرج الْأَزْرَق وَأَبا بكر بن أَبى الدُّنْيَا
وبمكة على بن عبد الْعَزِيز وَجَمَاعَة
وَسمع الْمسند من عبد الله بن أَحْمد وَكتب مصنفات إِسْمَاعِيل القاضى ورحل إِلَى الْحسن بن سُفْيَان وَحصل الْمسند ومصنفات ابْن أَبى شيبَة
روى عَنهُ أَبُو على الْحَافِظ وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم الجرجانى وَمُحَمّد بن مُوسَى الصيرفى وَأَبُو الْحُسَيْن الحجاجى وَأَبُو عبد الله ابْن مندة وَآخَرُونَ
قَالَ الْحَاكِم هُوَ مُحدث عصره كَانَ مجاب الدعْوَة لم يرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء كَمَا بلغنَا نيفا وَأَرْبَعين سنة وصنف فى الزهديات وَورد نيسابور قبل الثلاثمائة فسكنها
стр. 853
قَالَ الْحَاكِم وَكَانَ وراقه أَبُو الْعَبَّاس المصرى خانه واختزل عُيُون كتبه وَأكْثر من خَمْسمِائَة جُزْء من أُصُوله فَكَانَ أَبُو عبد الله يجامله جاهدا فى استرجاعها مِنْهُ فَلم ينجع فِيهِ شئ وَكَانَ كَبِير الْمحل فى الصَّنْعَة فَذهب علمه بِدُعَاء الشَّيْخ عَلَيْهِ
توفى فى ذى الْقعدَة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَله ثَمَان وَتسْعُونَ سنة
١٤٦ - مُحَمَّد بن عبد الله بن حمدون أَبُو سعيد النيسابورى الزَّاهِد الْعَالم أحد الصَّالِحين
سمع من أَبى بكر مُحَمَّد بن حمدون وَمَا أدرى هَل هُوَ عَمه أَو لَا وَمن أَبى حَامِد بن الشرقى وأبى نعيم بن عدى وَغَيرهم
روى عَنهُ أَحْمد بن مَنْصُور المغربى وَأَبُو عُثْمَان سعيد البحيرى وَغَيرهمَا
وَحدث سِنِين وانتفع بِهِ الْخلق علما ودينا
توفى بنيسابور فى ذى الْحجَّة سنة تسعين وثلاثمائة
١٤٧ - مُحَمَّد بن عبد الله بن حمشاد الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الحمشادى
الإِمَام علما ودينا ذُو الدعْوَة المجابة
مولده سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة
стр. 854
وتفقه بخراسان على أَبى الْوَلِيد النيسابورى وبالعراق على ابْن أَبى هُرَيْرَة
وَسمع أَبَا حَامِد بن بِلَال وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل الصفار وَأَبا سعيد ابْن الأعرابى وَآخَرين
وَدخل الْحجاز واليمن وَأدْركَ الْأَسَانِيد الْعَالِيَة
وَقَرَأَ علم الْكَلَام على أَبى سهل الخليطى
قَالَ فِيهِ الْحَاكِم الأديب الزَّاهِد من الْعلمَاء الزهاد الْمُجْتَهدين
قَالَ وَكَانَ من الْمُجْتَهدين فى الْعِبَادَة الزاهدين فى الدُّنْيَا تجنب السلاطين وأولياءهم إِلَى أَن خرج من دَار الدُّنْيَا وَهُوَ ملازم لمسجده ومدرسته قد اقْتصر على أوقاف لسلفه عَلَيْهِ قوت يَوْم بِيَوْم
تخرج بِهِ جمَاعَة من الْعلمَاء الواعظين وَظهر لَهُ من مصنفاته أَكثر من ثَلَاثمِائَة كتاب مُصَنف
قَالَ وَقد ظهر لنا فى غير شئ أَنه كَانَ مجاب الدعْوَة
مرض أَبُو مَنْصُور الْفَقِيه يَوْم الْأَرْبَعَاء سادس عشر رَجَب وَاشْتَدَّ بِهِ المرضى يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع من ابْتِدَاء مَرضه فبكرت إِلَيْهِ وَقد ثقل لِسَانه وَكَانَ يُشِير بِأُصْبُعِهِ بِالدُّعَاءِ ثمَّ قَالَ لى بِجهْد جهيد تذكر قصَّة مُحَمَّد بن وَاسع مَعَ قُتَيْبَة بن مُسلم فَقلت تفِيد
فَقَالَ إِن قُتَيْبَة كَانَ يجرى على مُحَمَّد بن وَاسع تِلْكَ الأرزاق وَهُوَ شيخ هرم ضَعِيف فعوتب
стр. 855
على ذَلِك فَقَالَ أُصْبُعه فى الدُّعَاء أبلغ فى النَّصْر من رماحكم هَذِه
ثمَّ عدت إِلَيْهِ يَوْم الثُّلَاثَاء فَقَالَ لى بعد جهد جهيد أَيهَا الْحَاكِم غير مُودع فإنى راحل فَكَانَ يقاسى لما احْتضرَ من الْجهد مَا يقاسيه وَأَنا أَقُول لِأَصْحَابِنَا إِنَّه يُؤْخَذ لَيْلَة الْجُمُعَة فتوفى ﵀ وَقت الصُّبْح من يَوْم الْجُمُعَة الرَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وغسله أَبُو سعيد الزَّاهِد
قلت أَبُو سعيد هُوَ الْمُتَقَدّم مُحَمَّد بن عبد الله بن حمدون
١٤٨ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن بشر
أَبُو عبد الله المزنى الهروى
أَخُو الشَّيْخ أَبى مُحَمَّد المزنى الإِمَام
سمع أَحْمد بن نجدة وعَلى بن مُحَمَّد بن عِيسَى الحكانى
حدث بالعراق ونيسابور وهراة
مَاتَ بنيسابور فى جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلاثمائة وَقد قَارب الثَّمَانِينَ
стр. 856
١٤٩ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن بَصِير بن ورقة البخارى
الشَّيْخ الإِمَام الْجَلِيل أَبُو بكر الأودنى وأودن قَرْيَة من قرى بُخَارى مَضْمُومَة الْهمزَة فِيمَا قَالَ ابْن السمعانى مَفْتُوحَة فِيمَا قَالَ ابْن مَاكُولَا وَمن تبعه
سمع ببخارى أَبَا الْفضل يَعْقُوب بن يُوسُف العاصمى وأقرانه فَمن مشايخه الْهَيْثَم ابْن كُلَيْب الشاشى وَعبد الْمُؤمن بن خلف النسفى وَمُحَمّد بن صابر البخارى
روى عَنهُ أَبُو عبد الله الْحَاكِم حديثين وروى عَنهُ أَيْضا أَبُو عبد الله الحليمى وَمُحَمّد ابْن أَحْمد بن غُنْجَار وجعفر المستغفرى
قَالَ فِيهِ الْحَاكِم إِمَام الشافعيين بِمَا وَرَاء النَّهر فى عصره بِلَا مدافعة قدم نيسابور سنة خمس وَسِتِّينَ وَحج ثمَّ انْصَرف فَأَقَامَ عندنَا مُدَّة فى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَكَانَ من أزهد الْفُقَهَاء وأورعهم وَأَكْثَرهم اجْتِهَادًا فى الْعِبَادَة وأبكاهم على تَقْصِيره وأشدهم تواضعا وإخباتا وإنابة
وَقَالَ الإِمَام فى النِّهَايَة كَانَ الأودنى من دأبه أَن يضن بالفقه على من لَا يسْتَحقّهُ وَلَا يبديه وَإِن كَانَ يظْهر أثر الِانْقِطَاع عَلَيْهِ فى المناظرة
стр. 857
وَحكى أَنه كَانَ يذهب إِلَى الْوَجْه الصَّحِيح وَهُوَ أَنه لَا يجوز للعاصى بِسَفَرِهِ أَن يتَنَاوَل الْميتَة عِنْد الِاضْطِرَار لما فِيهِ من التَّخْفِيف على العاصى وَهُوَ مُتَمَكن من دفع الْهَلَاك عَن نَفسه بِأَن يَتُوب ثمَّ يَأْكُل
قَالَ الإِمَام فَلَمَّا ألزم الأودنى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَأخذ الملزم يَقُول هَذَا سعى فى إهلاك نفس معصومة مصونة فَكَانَ الأودنى يَقُول لمن بِالْقربِ مِنْهُ ت ب ك ل يُرِيد تب كل مَعْنَاهُ أَنه الساعى فى دم نَفسه باستمراره على عصيانه فَإِن أَرَادَ الْميتَة فليتب ثمَّ يَأْكُل
توفى الأودنى ببخارى سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
١٥٠ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَبُو بكر الصبغى
الإِمَام الْفَقِيه الْمُحدث
سمع بخراسان من أَبى عَمْرو الحيرى والمؤمل بن الْحسن ومكى بن عَبْدَانِ وَغَيرهم
وبالرى من ابْن أَبى حَاتِم وَأكْثر عَنهُ
وببغداد من ابْن مخلد والمحاملى وَغَيرهمَا
وَأكْثر بنيسابور عَن أَبى حَامِد بن الشرقى
روى عَنهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فى التَّارِيخ أَرْبَعَة أَحَادِيث وحكاية قدمناها فى تَرْجَمَة ابْن الشافعى
وَقَالَ كَانَ من أَعْيَان فُقَهَاء الشافعيين كثير السماع والْحَدِيث كَانَ حانوته مجمع الْحفاظ والمحدثين فى مربعة الكرمانيين على بَاب خَان مكى وَكُنَّا نَقْرَأ على أَبى عبد الله بن يَعْقُوب على بَاب حانوته
стр. 858
قلت كَلَام الْحَاكِم دَال على أَن الشَّيْخ كَانَ يَبِيع الصَّبْغ بِنَفسِهِ أَو يعمله بِنَفسِهِ فى الْحَانُوت على عَادَة الْعلمَاء الْمُتَقَدِّمين الَّذين كَانُوا يتسببون فى المعاش
توفى فى ذى الْحجَّة سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَهُوَ ابْن نَيف وَخمسين سنة
وفى الرافعى فى الْقصاص فى مَسْأَلَة الْمُبَادرَة حكى عَن الماسرجسى أَنه قَالَ سَمِعت أَبَا بكر الصبغى يَقُول كررتها على نفسى ألف مرّة حَتَّى تحققتها
وفى بعض النّسخ مَوضِع الصبغى الصيرفى وَلَعَلَّ الصبغى أشبه وَهُوَ فِيمَا أَحسب هَذَا لَا الإِمَام أَبُو بكر بن إِسْحَاق
١٥١ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء بن الْحسن الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر الجوزقى النيسابورى الشيبانى
وجوزق الَّتِى ينْسب إِلَيْهَا قَرْيَة من قرى نيسابور وبهراة جوزق أُخْرَى ينْسب إِلَيْهَا أَبُو الْفضل إِسْحَاق الهروى الْحَافِظ كِلَاهُمَا بِفَتْح الْجِيم ثمَّ الْوَاو الساكنة ثمَّ الزاى الْمَفْتُوحَة ثمَّ الْقَاف
كَانَ أَبُو بكر أحد أَئِمَّة الْمُسلمين علما ودينا وَكَانَ مُحدث نيسابور وَابْن أُخْت محدثها أَبى إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المزكى
روى عَن أَبى الْعَبَّاس السراج وأبى الْعَبَّاس الْأَصَم وأبى نعيم بن عدى الجرجانى وأبى الْعَبَّاس الدغولى رَحل إِلَيْهِ مَعَ خَاله إِلَى سرخس ومكى بن عَبْدَانِ وأبى حَامِد بن الشرقى وأخيه عبد الله بن الشرقى وأبى سعيد بن الأعرابى وأبى على الصفار وَغَيرهم بنيسابور وسرخس وهمذان والرى وَمَكَّة وبغداد وَغَيرهَا
стр. 859
روى عَنهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله والكنجروذى وَسَعِيد بن مُحَمَّد البحيرى وَمُحَمّد بن على الخشاب وَسَعِيد بن أَبى سعيد الْعيار وَأحمد بن مَنْصُور بن خلف المغربى وَآخَرُونَ
وصنف المنسد الصَّحِيح على كتاب مُسلم وَكتاب الْمُتَّفق وَله كتاب آخر فى الْمُتَّفق أبسط من هَذَا الْمَشْهُور فى نَحْو ثَلَاثمِائَة جُزْء يرويهِ أَبُو عُثْمَان الصابونى وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ أنفقت فى الحَدِيث مائَة ألف دِرْهَم مَا كسبت بِهِ درهما
توفى فى شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة
١٥٢ - مُحَمَّد بن عبد الله بن أَبى القاضى أَبُو سعيد
قَالَ أَبُو سعيد الكرابيسى كَانَ من أجمل النَّاس وَأَحْسَنهمْ لَهُ البسطة والمكانة وَالْقَبُول عِنْد الْجَمِيع وَكَانَ إِذا خرج إِلَى الْمَسْجِد للقص على النَّاس فَرَآهُ النَّاس لم يتمالكوا عَن الْبكاء
وَقَالَ صَاحب الكافى كَانَ من مشاهير عُلَمَاء منصورة وفضلاتهم وأتقيائهم من أَصْحَاب الحَدِيث
قَالَ الكرابيسى تفقه بخوارزم على أَبِيه وَسمع مِنْهُ الحَدِيث ثمَّ خرج إِلَى الْعرَاق فَسمع سَعْدَان بن يزِيد وَمُحَمّد بن عبيد الله بن المنادى وَعبد الله بن حَمَّاد وَحَمَّاد ابْن المؤمل وَجَمَاعَة
وَتوفى وَلَده سعيد بن مُحَمَّد وَالِد أَبى أَحْمد فى حَيَاته وَكَانَ فَاضلا قد صنف كتاب
стр. 860
الْإِرْشَاد وَغَيره أعنى سعيد بن مُحَمَّد فأصيب وَالِده بمصيبتين فى وَلدين هُوَ أَحدهمَا وَالْآخر أَخُوهُ اسْمه أَبُو القاضى قتلته القرامطة فَصَبر والدهما أَبُو سعيد واحتسب
توفى القاضى أَبُو سعيد سنة ثَلَاث عشرَة وثلاثمائة
١٥٣ - مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو بكر الصيرفى
الإِمَام الْجَلِيل الأصولى أحد أَصْحَاب الْوُجُوه المسفرة عَن فَضله والمقالات الدَّالَّة على جلالة قدره وَكَانَ يُقَال إِنَّه أعلم خلق الله تَعَالَى بالأصول بعد الشافعى
تفقه على ابْن سُرَيج
وَسمع الحَدِيث من أَحْمد بن مَنْصُور الرمادى
روى عَنهُ على بن مُحَمَّد الحلبى
وَمن تصانيفه شرح الرسَالَة وَكتاب فى الْإِجْمَاع وَكتاب فى الشُّرُوط
توفى سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة
وَهَذِه مناظرة بَينه وَبَين الشَّيْخ أَبى الْحسن الأشعرى
حكى الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الجوينى فى شرح الرسَالَة أَن الشَّيْخ أَبَا بكر الصيرفى اجْتمع بالشيخ أَبى الْحسن فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحسن أَنْت تَقول بِوُجُوب شكر الْمُنعم بِنَاء على مَا ذكرت من أَنه يحْتَمل إِرَادَة الشُّكْر فَإِذا لم يشْكر عاقبه عَلَيْهِ وقولك هَذَا مَعَ اعْتِقَاد أَن الله خلق كفر الْكَافِر وأراده متناقض فإمَّا أَن تَقول أفعالنا مخلوقة لنا أَو تَقول شكر الْمُنعم لَا يجب أبدا لمجرده
стр. 861
قَالَ وَلم قَالَ مذهبك أَن الله يُرِيد كفر الْكَافِر وإرادته كفره لَا توجب الْكفْر فَهَب أَنه تَعَالَى أَرَادَ منا الشُّكْر فإرادته لَا توجب الشُّكْر كَمَا لَا توجب الْكفْر فإمَّا أَن تنفى إِرَادَة الله تَعَالَى الْكفْر وتمشى على مَذْهَب الْمُعْتَزلَة ويمشى لَك أصلك وَإِمَّا أَن تتْرك هَذَا الْمَذْهَب
فَقَالَ الصيرفى ترك القَوْل بِوُجُوب الشُّكْر أَهْون فاعتقده
ثمَّ كَانَ يكْتب على حواشى كتبه حَيْثُ يصير وجوب شكر الْمُنعم بِمُجَرَّدِهِ مهما قُلْنَا بِوُجُوبِهِ قُلْنَاهُ مَعَ قرينَة الشَّرْع والسمع بِهِ
قلت وفى المناظرة دلَالَة على مَا قَالَ القاضى أَبُو بكر فى كتاب التَّقْرِيب والأستاذ أَبُو إِسْحَاق فى التعليقة من أَن طوائف من الْفُقَهَاء ذهبت إِلَى مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة فى بعض الْمسَائِل غافلين عَن تشعبها عَن أصولهم الْفَاسِدَة كَمَا سنحكيه إِن شَاءَ الله فى تَرْجَمَة الْقفال الْكَبِير فى هَذِه الطَّبَقَة
وَأَقُول جَوَاب الصيرفى أَن يَقُول إِيجَاب الشُّكْر لاحْتِمَال أَنه يُقَال أوجبه لَا أَنه يُقَال أَرَادَهُ وَمثل هَذَا لَا يجِئ فى الْكفْر فَإنَّا على يَقِين بِأَنَّهُ يُقَال مَا أوجبه بل حرمه وَإِن أَرَادَهُ وَلَيْسَ يلْزم من إِرَادَته إِيَّاه إِيجَابه لَهُ فَلَيْسَ فى إِيجَاب شكر الْمُنعم مناقضة لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ تَعَالَى مُرِيد الكائنات بأسرها خَيرهَا وشرها
وَمن الرِّوَايَة عَن أَبى بكر الصيرفى
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
стр. 862
١٥٤ - مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْفضل البلعمى
بِفَتْح الْبَاء المنقوطة بِوَاحِدَة وَسُكُون اللَّام وَفتح الْعين الْمُهْملَة وفى آخرهَا الْمِيم وَزِير إِسْمَاعِيل بن أَحْمد صَاحب خُرَاسَان استولى جده رَجَاء على بلعم وهى بلد من بِلَاد الرّوم حِين دَخلهَا مسلمة بن عبد الْملك وَأقَام فِيهَا وَكثر نَسْله بهَا فنسبوا إِلَيْهَا وَكَانَ الْوَزير أَبُو الْفضل من أَصْحَاب مُحَمَّد بن نصر المروزى
قَالَ الْحَاكِم كَانَ كثير السماع من مَشَايِخ عصره بمرو وبخارى ونيسابور وسمرقند وسرخس وَكَانَ قد سمع أَكثر الْكتب من مُحَمَّد بن نصر
قَالَ وَسمعت أَبَا الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد الْفَقِيه غير مرّة يَقُول كَانَ الشَّيْخ أَبُو الْفضل البلعمى ينتحل مَذْهَب الحَدِيث
قَالَ ابْن الصّلاح إِذا أطْلقُوا هَذَا هُنَاكَ انْصَرف إِلَى مَذْهَب الشافعى
ولأبى الْفضل مصنفات كتاب تلقيح البلاغة وَكتاب المقالات
قَالَ ابْن مَاكُولَا توفى فى صفر سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة
стр. 863
١٥٥ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يحيى المزكى أَبُو الْحسن النيسابورى
سمع أَبَا الْعَبَّاس الْأَصَم وأقرانه وَحدث
توفى فى شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلاثمائة
١٥٦ - مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن أَبى هَاشم أَبُو عمر اللغوى الْمَعْرُوف بِغُلَام ثَعْلَب
ولد سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
سمع الحَدِيث من مُوسَى بن سهل الوشاء وَمُحَمّد بن يُونُس الكديمى وَأحمد بن عبيد الله النرسى وَإِبْرَاهِيم بن الْهَيْثَم البلدى وَأحمد بن سعيد الْجمال وَبشر بن مُوسَى الأسدى وَجَمَاعَة
روى عَنهُ أَبُو عبد الله الْحَاكِم وَأَبُو الْحسن بن رزقويه وَأَبُو الْحُسَيْن بن بَشرَان وَأحمد ابْن عبد الله المحاملى وَأَبُو على بن شَاذان وَهُوَ آخر من حدث عَنهُ
стр. 864
روى الْخَطِيب أَن ابْن الْمَرْزُبَان قَالَ كَانَ ابْن ماسى من دَار كَعْب ينفذ إِلَى غُلَام ثَعْلَب وقتا بعد وَقت كِفَايَته لما ينْفق على نَفسه فَقطع عَنهُ ذَلِك مُدَّة لعذرثم أنفذ إِلَيْهِ جملَة مَا كَانَ فى رسمه وَكتب إِلَيْهِ رقْعَة يعْتَذر من تَأْخِير ذَلِك فَرده وَأمر من بَين يَدَيْهِ أَن يكْتب على ظهر رقعته أكرمتنا فملكتنا ثمَّ أَعرَضت عَنَّا فأرحتنا
قَالَ الْخَطِيب سَمِعت غير وَاحِد يحْكى أَن الْأَشْرَاف وَالْكتاب وَأهل الْأَدَب كَانُوا يحْضرُون عِنْد أَبى عمر الزَّاهِد ليسمعوا مِنْهُ كتب ثَعْلَب وَغَيرهَا
قَالَ وَكَانَ جَمِيع شُيُوخنَا يوثقونه فِي الحَدِيث
وَقَالَ أَبُو على التنوخى من الروَاة الَّذين لم ير قطّ أحفظ مِنْهُم أَبُو عمر غُلَام ثَعْلَب أمْلى من حفظه ثَلَاثِينَ ألف ورقة فِيمَا بلغنى حَتَّى اتَّهَمُوهُ لسعة حفظه فَكَانَ يسْأَل عَن الشئ الذى يظنّ السَّائِل أَنه قد وَضعه فَيُجِيبهُ عَنهُ ثمَّ يسْأَله غَيره عَنهُ بعد سنة فيجيب بذلك الْجَواب
وَقَالَ عبد الْوَاحِد بن على بن برهَان لم يتَكَلَّم فى اللُّغَة أحد أحسن من كَلَام أَبى عمر الزَّاهِد
قَالَ وَله كتاب غَرِيب الحَدِيث صنفه على مُسْند أَحْمد
وَنقل أَن صناعَة أَبى عمر كَانَت التطريز وَكَانَ اشْتِغَاله بِالْعلمِ قد مَنعه من التكسب فَلم يزل مضيقا عَلَيْهِ
وَله من التصانيف غَرِيب الحَدِيث وَكتاب الياقوتة وفائت الفصيح والعشرات والشورى وَتَفْسِير أَسمَاء الشُّعَرَاء وَكتاب الْقَبَائِل وَكتاب النَّوَادِر وَكتاب يَوْم وَلَيْلَة وَغير ذَلِك
стр. 865
وَفِيه يَقُول أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد اليشكرى
(أَبُو عمر أوفى من الْعلم مرتقى ... يزل مساميه ويردى مطاوله)
(فَلَو أننى أَقْسَمت مَا كنت كَاذِبًا ... بِأَن لم ير الراؤون بحرا يعادله)
(إِذا قلت شارفنا أَوَاخِر علمه ... تفجر حَتَّى قلت هَذَا أَوَائِله)
واتفقت لَهُ غَرِيبَة مَعَ القاضى أَبى عمر وَكَانَ أَبُو عمر غُلَام ثَعْلَب مؤدب ولد القاضى أَبى عمر فأملى ثَلَاثِينَ مَسْأَلَة بشواهدها وأدلتها من كَلَام الْعَرَب وَاسْتشْهدَ فى تضاعيفها ببيتين غريبين جدا فعرضهما القاضى أَبُو عمر على ابْن دُرَيْد وَابْن الأنبارى وَابْن مقسم فَلم يعرفوهما وَلَا عرفُوا غَالب مَا ذكر من الأبيات وَقَالَ ابْن دُرَيْد هَذَا مِمَّا وَضعه أَبُو عمر من عِنْده
فَلَمَّا جَاءَ أَبُو عمر ذكر لَهُ القاضى مَا قَالَ ابْن دُرَيْد فَطلب من القاضى أَن يحضر لَهُ مَا فى دَاره من دواوين الْعَرَب فَلم يزل يَأْتِيهِ بِشَاهِد لما ذكره بعد شَاهد حَتَّى خرج من الثَّلَاثِينَ مَسْأَلَة ثمَّ قَالَ وَأما البيتان فَإِن ثعلبا أنشدناهما وَأَنت حَاضر فكتبتهما فى دفترك فَطلب القاضى دفتره فَإِذا هما فِيهِ
فَلَمَّا بلغ ذَلِك ابْن دُرَيْد كف لِسَانه عَن أَبى عمر الزَّاهِد حَتَّى مَاتَ
توفى فى ثَالِث عشر ذى الْقعدَة سنة خمس وَأَرْبَعين وثلاثمائة بِبَغْدَاد
стр. 866
١٥٧ - مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْأَحَد الإِمَام الْجَلِيل الْقدْوَة الْأُسْتَاذ أَبُو على الثقفى
الْجَامِع بَين الْعلم وَالتَّقوى والمتمسك من حبال الشَّرِيعَة بِالسَّبَبِ الْأَقْوَى والسالك للطريقة الَّتِى لَا عوج فِيهَا والحاوى للصفات الَّتِى لَيْسَ سوى المصطفين الأخيار تصطفيها
قَالَ فِيهِ الْحَاكِم الإِمَام المقتدى بِهِ فى الْفِقْه وَالْكَلَام والوعظ والورع وَالْعقل وَالدّين
قَالَ وَطلب الْعلم على كبر السن فَإِن ابتداءه كَانَ التصوف والزهد والورع
وَقَالَ غَيره كَانَ إِمَامًا فى أَكثر عُلُوم الشَّرْع مقدما فى كل فن عطل أَكثر علومه واشتغل بِعلم الصُّوفِيَّة وَتكلم عَلَيْهِم أحسن كَلَام وَبِه ظهر التصوف بنيسابور
سمع بنيسابور من مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب وأقرانه
وبالرى من مُوسَى بن نصر وأقرانه
وببغداد من أَحْمد بن حَيَّان بن ملاعب وَمُحَمّد بن الجهم السمرى وأقرانهما
روى عَنهُ أَبُو بكر بن إِسْحَاق وَغَيره من الْأَئِمَّة
وتفقه على مُحَمَّد بن نصر المروزى
ولقى فى التصوف أَبَا جَعْفَر وحمدون الْقصار
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الصفار يَقُول سَمِعت أَبَا بكر ابْن إِسْحَاق
стр. 867
يَقُول سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الشيروانى يَقُول مَا ولد فى الْإِسْلَام بعد رَسُول الله ﷺ وَالصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم أَعقل من أَبى على الثقفى
وَحكى أَن أَبى بكر الشبلى بعث رجلا من أهل الْعلم قَاصِدا إِلَى نيسابور وَأمره أَن يعلق مجلسى أَبى على الثقفى بِالْغَدَاةِ والعشى لسنة كَامِلَة ويحملها إِلَى حَضرته فَحَضَرَ الرجل وَكَانَ يحضر الْمجْلس بِحَيْثُ لَا يعلم بِهِ فى غمار النَّاس ويعلق كَلَامه فى المجلسين إِلَى أَن تمت السّنة فَانْصَرف إِلَى بَغْدَاد وَعرض على الشبلى تِلْكَ الْمجَالِس وَقد أفرد مِنْهَا مجَالِس الغدوات من مجَالِس العشى فتأملها الشبلى فَقَالَ كَلَام هَذَا الرجل بالغدوات فى علم الْحَقَائِق معجز وَكَلَامه بالعشيات ردى فَاسد بعيد عَن تِلْكَ الْعُلُوم وَذَلِكَ أَنه كَانَ يَخْلُو ليله بسره فيصفو كَلَامه بالغدوات فَقَالَ لَهُ الشبلى هَل رَأَيْت بداره شَيْئا من الْفرش والأوانى الَّتِى يتجمل بهَا أهل الدُّنْيَا فَقَالَ أما الْفرش فَنعم وَكنت أرى طستا دمشقيا فى زَاوِيَة من زَوَايَا الْبَيْت فصاح الشبلى ثمَّ قَالَ فَهَذَا الذى يُغير عَلَيْهِ أَحْوَاله
وروى بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن خُزَيْمَة أَنه استفتى فى مسَائِل فَدَعَا بِدَوَاةٍ ثمَّ قَالَ لأبى على الثقفى أجب فَأخذ أَبُو على الْقَلَم وَجعل يكْتب الْأَجْوِبَة ويضعها بَين يدى ابْن خُزَيْمَة وَهُوَ ينظر فِيهَا ويتأمل مَسْأَلَة مَسْأَلَة فَلَمَّا فرغ مِنْهَا قَالَ لَهُ يَا أَبَا على مَا يحل لأحد منا بخراسان أَن يُفْتى وَأَنت حى
وروى عَن أَبى الْعَبَّاس ابْن سُرَيج أَنه قَالَ مَا جَاءَنَا من خُرَاسَان أفقه مِنْهُ
وَعَن أَبى عُثْمَان الحيرى إِنَّه لينفعنى فى نفسى إِذا نظرت إِلَى خشوع هَذَا الْفَتى يعْنى أَبَا على الثقفى ﵀
قَالَ الْحَاكِم توفى أَبُو على الثقفى لَيْلَة الْجُمُعَة وَدفن يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة وَهُوَ ابْن تسع وَثَمَانِينَ سنة
стр. 868
قَالَ وَشهِدت الصَّلَاة عَلَيْهِ وَدَفنه وَلَا أذكر أَنى رَأَيْت بنيسابور بعده مثل ذَلِك الْجمع
قَالَ وسمعته يَقُول فى دُعَائِهِ إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب الْوَهَّاب الْوَهَّاب وَلست أحفظ عَنهُ غَيرهَا
قلت وَمن ذكائه حفظ هَذَا الْقدر فقد كَانَ عمره يَوْم وَفَاة الثقفى سبع سِنِين وَقد أَطَالَ الْحَاكِم فى تَرْجَمَة الْأُسْتَاذ أَبى على وأجاد فِيهَا
وَمن كَلِمَات أَبى على ﵀
يَا من بَاعَ كل شئ بِلَا شئ وَاشْترى لَا شئ بِكُل شئ
وَقَالَ أُفٍّ من أشغال الدُّنْيَا إِذا هى أَقبلت وأف من حسراتها إِذا هى أَدْبَرت والعاقل من لَا يركن إِلَى شئ إِذا أقبل كَانَ شغلا وَإِذا أدبر كَانَ حسرة
وَقَالَ أَرْبَعَة أَشْيَاء لابد للعاقل من حفظهن الْأَمَانَة والصدق وَالْأَخ الصَّالح والسريرة
وَقَالَ لَو أَن رجلا جمع الْعُلُوم كلهَا وَصَحب طوائف النَّاس لَا يبلغ مبلغ الرِّجَال إِلَّا بالرياضة من شيخ أَو إِمَام أَو مؤدب نَاصح وَمن لم يَأْخُذ أدبه من آمُر لَهُ وناه يرِيه عُيُوب أَعماله ورعونات نَفسه لَا يجوز الِاقْتِدَاء بِهِ فى تَصْحِيح الْمُعَامَلَات
وَقَالَ لَيْسَ شئ أولى بِأَن تمسكه من نَفسك وَلَا شئ أولى بِأَن تغلبه من هَوَاك
وَقَالَ من غَلبه هَوَاهُ توارى عَنهُ عقله
وَقَالَ الْغَفْلَة وسعت على الْخلق الطَّرِيق فى مَعَايشهمْ وأفعالهم والورع واليقظة ضيقا عَلَيْهِم ذَلِك
стр. 869
وَقَالَ من صحب الأكابر على غير طَرِيق الْحُرْمَة حرم فوائدهم وبركات نظرهم وَلَا يظْهر عَلَيْهِ من أنوارهم شئ
قَالَ بَعضهم حضرت مجْلِس أَبى على فَتكلم فى الْمحبَّة وأحوال المحبين وَأنْشد فى خلال تِلْكَ الْأَحْوَال
(إِلَى كم يكون الصد فى كل سَاعَة ... وَكم لَا تملين القطيعة والهجرا)
(رويدك إِن الدَّهْر فِيهِ كِفَايَة ... لتفريق ذَات الْبَين فارتقبى الدهرا)
وَمن الْمسَائِل عَنهُ ﵀
قَالَ أَبُو عَاصِم إِن لأبى على كتابا أجَاب فِيهِ عَن الْجَامِع الصَّغِير لمُحَمد بن الْحسن
وَقَالَ وَفِيه ذكر أَنه إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِن شِئْت فَقَالَت شِئْت إِن كَانَ كَذَا أَو إِن شَاءَ فلَان
قَالَ أَبُو حنيفَة إِن كَانَ لشَيْء مضى وَقع وَإِن كَانَ بشئ مُسْتَقْبل لم يَقع وَبَطل خِيَارهَا
قَالَ الثقفى فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحدهمَا أَنه يَقع فى الْحَال إِذا وجد فى الْمجْلس والثانى أَنه يَقع فى الْحَالين إِذا وجد فى الْمجْلس أَو بعده
وَقَالَ أَبُو على الزجاجى لَا يَقع بِحَال
قلت الاحتمالان غَرِيبَانِ وَمَا ذكره الزجاجى هُوَ الْمَذْهَب ووراءه وَجه فى الرافعى عَن الحناطى أَنه يَصح تَعْلِيق الْمَشِيئَة وَيَقَع الطَّلَاق إِذا قَالَ الْمُعَلق
стр. 870
بمشيئته شِئْت وَلَكِن لم يتَعَرَّض الْقَائِل لهَذَا الْوَجْه إِلَى أَنه هَل يكون هَذَا دَائِما أَو يخْتَص بِالْمَجْلِسِ وَفقه أَبى حنيفَة دَقِيق
وَنَظِير الْمَسْأَلَة لَو قَالَت الزَّوْجَة طلقنى بِأَلف دِرْهَم فَقَالَ أَنْت طَالِق على الْألف إِن شِئْت
قَالَ الْأَصْحَاب فى بَاب الْخلْع لَيْسَ بِجَوَاب لما فِيهِ من التَّعْلِيق بِالْمَشِيئَةِ بل هُوَ كَلَام يتَوَقَّف على مَشِيئَة مستأنفة
قَالَ القاضى الْحُسَيْن فى أول بَاب صفة الصَّلَاة من تعليقته بعد مَا حكى قَول أَبى حنيفَة أَنه لَو نوى فى بَيته أَنه يخرج يصلى فى الْمَسْجِد صَحَّ وَإِن عزبت نِيَّته بعده مَا نَصه سَأَلت أَبَا على الثقفى عَن هَذَا فَقَالَ عندنَا أَنه يجوز ذَلِك إِذا لم يخْطر بِبَالِهِ شئ آخر إِلَى أَن يدْخل فى الصَّلَاة فَلَو كَانَ الْأَمر كَمَا ذكره لم يبْق بَيْننَا وَبَينه فِيهِ خلاف
قلت أَبُو على الثقفى هَذَا رجل حنفى رَآهُ القاضى حُسَيْن أما أَبُو على صاحبنا صَاحب هَذِه التَّرْجَمَة فَلم يُدْرِكهُ أَشْيَاخ القاضى فضلا عَنهُ نبهت عَلَيْهِ لِئَلَّا يَقع فِيهِ الْغَلَط
١٥٨ - مُحَمَّد بن عُثْمَان بن إِبْرَاهِيم بن زرْعَة الثقفى مَوْلَاهُم أَبُو زرْعَة
قاضى دمشق كَانَت دَاره بنواحى بَاب الْبَرِيد
وَولى قَضَاء مصر سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلم يل بعده قَضَاء مصر وَلَا قَضَاء الشَّام إِلَّا شافعى الْمَذْهَب غير ابْن خديم قاضى الشَّام فَإِنَّهُ كَانَ أوزاعى الْمَذْهَب ثمَّ لم يزل الْأَمر للشَّافِعِيَّة مصرا وشاما إِلَى أَن ضم الْملك الظَّاهِر بيبرس فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة الْقُضَاة الثَّلَاثَة إِلَى الشَّافِعِيَّة
стр. 871
روى عَنهُ الْحسن الحصائرى وَغَيره
وَكَانَ رجلا رَئِيسا يُقَال إِنَّه الذى أَدخل مَذْهَب الشافعى إِلَى دمشق وَإنَّهُ كَانَ يهب لمن يحفظ مُخْتَصر المزنى مائَة دِينَار وَكَانَ قد قَامَ مَعَ أَحْمد بن طولون فى خلع أَبى أَحْمد الْمُوفق ووقف عِنْد الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة وَقَالَ أَيهَا النَّاس أشهدكم أَنى خلعت أَبَا أَحْمد كم يخلع الْخَاتم من الْأصْبع فالعنوه
فعل ذَلِك أَبُو زرْعَة بِأَمْر أَحْمد بن طولون وَكَانَت قد جرت وقْعَة بَين ابْن الْمُوفق وَبَين خمارويه بن أَحْمد بن طولون تسمى وقْعَة الطواحين انتصر فِيهَا أَحْمد بن الْمُوفق وَرجع إِلَى دمشق وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة بنواحى الرملة فَقَالَ ابْن الْمُوفق لكَاتبه أَحْمد بن مُحَمَّد الواسطى انْظُر من كَانَ يبغضنا فَأخذ يزِيد بن عبد الصَّمد وَأَبُو زرْعَة الدمشقى والقاضى أَبُو زرْعَة مقيدين فاستحضرهم يَوْمًا فى طَرِيقه إِلَى بَغْدَاد فَقَالَ أَيّكُم الْقَائِل قد نزعت أَبَا أَحْمد فربت ألسنتهم ويئسوا من الْحَيَاة
قَالَ أَبُو زرْعَة الدمشقى أما أَنا فأبلست وَأما يزِيد فخرس وَكَانَ تمتاما وَكَانَ أَبُو زرْعَة مُحَمَّد بن عُثْمَان أحدثنا سنا فَقَالَ أصلح الله الْأَمِير
فَقَالَ الواسطى قف حَتَّى يتَكَلَّم أكبر مِنْك
فَقُلْنَا أصلحك الله هُوَ يتَكَلَّم عَنَّا
فَقَالَ تكلم
فَقَالَ وَالله مَا فِينَا هاشمى صَرِيح وَلَا قرشى صَحِيح وَلَا عربى فصيح وَلَكنَّا قوم ملكنا يعْنى قهرنا ثمَّ روى أَحَادِيث فى السّمع وَالطَّاعَة وَأَحَادِيث فى الْعَفو وَالْإِحْسَان وَكَانَ هُوَ الْمُتَكَلّم بِالْكَلِمَةِ الَّتِى يُطَالب بهَا وَقَالَ إنى أشهدك إيها الْأَمِير أَن نسائى طَوَالِق وعبيدى أَحْرَار ومالى حرَام إِن كَانَ فى هَؤُلَاءِ الْقَوْم أحد قَالَ هَذِه الْكَلِمَة ووراءنا حرم وعيال وَقد تسامع النَّاس بهلاكنا وَقد قدرت وَإِنَّمَا الْعَفو بعد الْقُدْرَة
فَقَالَ للواسطى أطلقهُم أطلقهُم لَا كثر الله أمثالهم
стр. 872
قلت وَهَذَا من حسن تصرفه فَإِنَّهُ هُوَ الْقَائِل لَا هم فصدقت يَمِينه
قَالَ ابْن زولاق ولى أَبُو زرْعَة مصر سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ يذهب إِلَى قَول الشافعى ويوالى عَلَيْهِ وَكَانَ عفيفا شَدِيد التَّوَقُّف فى إِنْفَاذ الْأَحْكَام وَله مَال كثير وضياع كبار بِالشَّام
قَالَ وَكَانَ يرقى من وجع الضرس وَيدْفَع إِلَى صَاحب الوجع حشيشة تُوضَع عَلَيْهِ فيسكن وَكَانَ يزن عَن الْغُرَمَاء الضعفى وَرُبمَا أَرَادَ الْقَوْم النزهة فَيَأْخُذ الْوَاحِد بيد الآخر ويحضره إِلَيْهِ يُطَالِبهُ فَيقر لَهُ ويبكى فيرحمه القاضى ويزن عَنهُ
قَالَ ابْن الْحداد الْفَقِيه ﵀ سَمِعت مَنْصُور بن إِسْمَاعِيل يَقُول كنت عِنْد أَبى زرْعَة القاضى فَذكر الْخُلَفَاء فَقلت لَهُ أَيهَا القاضى يجوز أَن يكون السَّفِيه وَكيلا
قَالَ لَا
قلت فولى امْرَأَة
قَالَ لَا
قلت فأمينا
قَالَ لَا
قلت فشاهدا قَالَ لَا
قلت فَيكون خَليفَة
قَالَ يَا أَبَا الْحسن هَذِه من مسَائِل الْخَوَارِج
توفى أَبُو زرْعَة القاضى بِدِمَشْق سنة اثْنَتَيْنِ وثلاثمائة
стр. 873
١٥٩ - مُحَمَّد بن على بن أَحْمد أَبُو الْعَبَّاس الأديب الكرجى بِالْجِيم
نزيل نيسابور
أحد الأدباء الْعلمَاء الزهاد
تفقه عِنْد أَبى عبد الله الزبيرى بِالْبَصْرَةِ
ولقى أَبَا مُحَمَّد القتبى وَأخذ عَنهُ
وَكَانَ عَالما بالفرائض أحد المؤذنين بنيسابور مقدما فى التَّأْدِيب
وَمِمَّنْ تأدب عَلَيْهِ أَبُو عبد الله الْحَافِظ وَذكره فى تَارِيخه وَحكى عَنهُ أورادا نهارية جليلة من صَلَاة وَقِرَاءَة قد كَانَ يعانيها مَعَ شغل التَّأْدِيب وَذكر أَنه اخْتلف إِلَيْهِ أَربع سِنِين فَلَمَّا رَآهُ أفطر إِلَّا فى يومى الْعِيد وَأَيَّام التَّشْرِيق
وَسمع من أَبى خَليفَة وعبدان الأهوازى وأقرانهما
روى عَنهُ الْحَاكِم وَسمع مِنْهُ مُخْتَصر الزبيرى
توفى فى ذى الْحجَّة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وثلاثمائة
стр. 874
١٦٠ - مُحَمَّد بن على بن إِسْمَاعِيل الْقفال الْكَبِير الشاشى
الإِمَام الْجَلِيل أحد أَئِمَّة الدَّهْر ذُو الباع الْوَاسِع فى الْعُلُوم وَالْيَد الباسطة وَالْجَلالَة التَّامَّة وَالْعَظَمَة الوافرة
كَانَ إِمَامًا فى التَّفْسِير إِمَامًا فى الحَدِيث إِمَامًا فى الْكَلَام إِمَامًا فى الْأُصُول إِمَامًا فى الْفُرُوع إِمَامًا فى الزّهْد والورع إِمَامًا فى اللُّغَة وَالشعر ذَاكِرًا للعلوم محققا لما يُورِدهُ حسن التَّصَرُّف فِيمَا عِنْده فَردا من أَفْرَاد الزَّمَان
قَالَ فِيهِ أَبُو عَاصِم العبادى هُوَ أفْصح الْأَصْحَاب قَلما وأثبتهم فى دقائق الْعُلُوم قدما وأسرعهم بَيَانا وأثبتهم جنَانًا وَأَعْلَاهُمْ إِسْنَادًا وأرفعهم عمادا
وَقَالَ الحليمى كَانَ شَيخنَا الْقفال أعلم من لَقيته من عُلَمَاء عصره
وَقَالَ فى كِتَابه شعب الْإِيمَان فى الشعبة السَّادِسَة وَالْعِشْرين فى الْجِهَاد إمامنا الذى هُوَ أَعلَى من لَقينَا من عُلَمَاء عصرنا صَاحب الْأُصُول والجدل وحافظ الْفُرُوع والعلل وناصر الدّين بِالسَّيْفِ والقلم والموفى بِالْفَضْلِ فى الْعلم على كل علم أَبُو بكر مُحَمَّد بن على الشاشى
وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله هُوَ الْفَقِيه الأديب إِمَام عصره بِمَا وَرَاء النَّهر للشافعيين وأعلمهم بالأصول وَأَكْثَرهم رحْلَة فى طلب الحَدِيث
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشيرازى كَانَ إِمَامًا وَله مصنفات كَثِيرَة لَيْسَ لأحد مثلهَا وَهُوَ أول من صنف الجدل الْحسن من الْفُقَهَاء وَله كتاب فى أصُول الْفِقْه وَله شرح الرسَالَة وَعنهُ انْتَشَر فقه الشافعى بِمَا وَرَاء النَّهر
وَقَالَ ابْن الصّلاح الْقفال الْكَبِير علم من أَعْلَام الْمَذْهَب رفيع وَمجمع عُلُوم هُوَ بهَا عليم وَلها جموع
стр. 875
قلت سمع الْقفال من ابْن خُزَيْمَة وَابْن جرير وَعبد الله المدائنى وَمُحَمّد بن مُحَمَّد الباغندى وأبى الْقَاسِم البغوى وَأبي عرُوبَة الحرانى وطبقتهم
روى عَنهُ أَبُو عبد الله الْحَاكِم وَقَالَ ورد نيسابور مرّة على ابْن خُزَيْمَة ثمَّ ثَانِيًا عِنْد مُنْصَرفه من الْعرَاق ثمَّ وردهَا على كبر السن وكتبنا عَنهُ غير مرّة ثمَّ اجْتَمَعنَا ببخارى غير مرّة فَكتبت عَنهُ وَكتب عَنى بِخَط يَده
وروى أَيْضا عَنهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى وَأَبُو عبد الله الحليمى وَابْن مندة وَأَبُو نصر عمر بن قَتَادَة وَغَيرهم
وَذكر الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق أَنه درس على ابْن سُرَيج
قَالَ ابْن الصّلاح وَالْأَظْهَر عندنَا أَنه لم يُدْرِكهُ
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر بلغنى أَنه كَانَ مائلا عَن الِاعْتِدَال قَائِلا بالاعتزال فى أول مرّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَذْهَب الأشعرى
قلت وَهَذِه فَائِدَة جليلة انفرجت بهَا كربَة عَظِيمَة وحسيكة فى الصَّدْر جسيمة وَذَلِكَ أَن مَذَاهِب تحكى عَن هَذَا الإِمَام فى الْأُصُول لَا تصح إِلَّا على قَوَاعِد الْمُعْتَزلَة وطالما وَقع الْبَحْث فى ذَلِك حَتَّى توهم أَنه معتزلى واستند المتوهم إِلَى مَا نقل أَن أَبَا الْحسن الصفار قَالَ سَمِعت أَبَا سهل الصعلوكى وَسُئِلَ عَن تَفْسِير الإِمَام أَبى بكر الْقفال فَقَالَ قدسه من وَجه ودنسه من وَجه أى دنسه من جِهَة نصْرَة مَذْهَب الاعتزال
стр. 876
قلت وَقد انكشفت الْكُرْبَة بِمَا حَكَاهُ ابْن عَسَاكِر وَتبين لنا بهَا أَن مَا كَانَ من هَذَا الْقَبِيل كَقَوْلِه يجب الْعَمَل بِالْقِيَاسِ عقلا وبخبر الْوَاحِد عقلا وأنحاء ذَلِك فالذى نرَاهُ أَنه لما ذهب إِلَيْهِ كَانَ على ذَلِك الْمَذْهَب فَلَمَّا رَجَعَ لابد أَن يكون قد رَجَعَ عَنهُ فاضبط هَذَا
وَقد كنت أغتبط بِكَلَام رَأَيْته للقاضى أَبى بكر فى التَّقْرِيب والإرشاد وللأستاذ أَبى إِسْحَاق الإسفراينى فى تَعْلِيقه فى أصُول الْفِقْه فى مَسْأَلَة شكر الْمُنعم وَهُوَ أَنَّهُمَا لما حكيا القَوْل بِالْوُجُوب عقلا عَن بعض فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة من الأشعرية قَالَا اعْلَم أَن هَذِه الطَّائِفَة من أَصْحَابنَا ابْن سُرَيج وَغَيره كَانُوا قد برعوا فى الْفِقْه وَلم يكن لَهُم قدم راسخ فى الْكَلَام وطالعوا على الْكبر كتب الْمُعْتَزلَة فاستحسنوا عباراتهم وَقَوْلهمْ يجب شكر الْمُنعم عقلا فَذَهَبُوا إِلَى ذَلِك غير عَالمين بِمَا تُؤَدّى إِلَيْهِ هَذِه الْمقَالة من قَبِيح الْمَذْهَب
وَكنت أسمع الشَّيْخ الإِمَام ﵀ يحْكى مَا أقوله عَن الْأُسْتَاذ أَبى إِسْحَاق مغتبطا بِهِ فَأَقُول لَهُ يَا سيدى قد قَالَه أَيْضا القاضى أَبُو بكر وَلَكِن ذَلِك إِنَّمَا يُقَال فى حق ابْن سُرَيج وأبى على بن خيران والإصطخرى وَغَيرهم من الْفُقَهَاء الذاهبين إِلَى ذَلِك الَّذين لَيْسَ لَهُم فى الْكَلَام قدم راسخ أما مثل الْقفال الْكَبِير الذى كَانَ أستاذا فى علم الْكَلَام وَقَالَ فِيهِ الْحَاكِم إِنَّه أعلم الشافعيين بِمَا وَرَاء النَّهر بالأصول فَكيف يحسن الِاعْتِذَار عَنهُ بِهَذَا
فَلَمَّا وقفت على مَا حَكَاهُ ابْن عَسَاكِر انشرحت نفسى لَهُ وأوقع الله فِيهَا أَن هَذِه الْأُمُور أَشْيَاء كَانَ يذهب إِلَيْهَا عِنْد ذَهَابه إِلَى مَذْهَب الْقَوْم وَلَا لوم عَلَيْهِ فى ذَلِك بعد الرُّجُوع
وفى شرح الرسَالَة للشَّيْخ أَبى مُحَمَّد الجوينى أَن أَصْحَابنَا اعتذروا عَن الْقفال نَفسه حَيْثُ أوجب شكر الْمُنعم بِأَنَّهُ لم يكن مَنْدُوبًا فى الْكَلَام وأصوله
قلت وَهَذَا عندى غير مَقْبُول لما ذكرت
وَقد ذكر الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بعد ذَلِك فى هَذَا الْكتاب أَن الْقفال أَخذ علم الْكَلَام عَن الأشعرى وَأَن الأشعرى كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ الْفِقْه كَمَا كَانَ هُوَ يقْرَأ عَلَيْهِ الْكَلَام وَهَذِه
стр. 877
الْحِكَايَة كَمَا تدل على مَعْرفَته بِعلم الْكَلَام وَذَلِكَ لَا شكّ فِيهِ كَذَلِك تدل على أَنه أشعرى وَكَأَنَّهُ لما رَجَعَ عَن الاعتزال وَأخذ فى تلقى علم الْكَلَام عَن الْأَشْعَرِيّ فَقَرَأَ عَلَيْهِ على كبر السن لعلى رُتْبَة الأشعرى ورسوخ قدمه فى الْكَلَام وَقِرَاءَة الأشعرى الْفِقْه عَلَيْهِ تدل على علو مرتبته أعنى مرتبَة الْقفال وَقت قِرَاءَته على الأشعرى وَأَنه كَانَ بِحَيْثُ يحمل عَنهُ الْعلم
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق مَاتَ الْقفال سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة
قَالَ ابْن الصّلاح وَهُوَ وهم قطعا
قلت أرخ الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَفَاته فى آخر سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة بالشاش وَهُوَ الصَّوَاب
ومولده فِيمَا ذكره ابْن السمعانى سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فَيكون عمره حِين توفى ابْن سُرَيج سبع سِنِين وَيكون قد جَاوز الْعشْرين يَوْم موت الأشعرى بسنوات على الْخلاف فى وَفَاة الأشعرى
وَمن الرِّوَايَة عَنهُ
حَدَّثَنى الْحَافِظ أَبُو سعيد خَلِيل بن كيكلدى العلائى من لَفظه بالقدس الشريف أخبرنَا الْقَاسِم بن المظفر عَن مَحْمُود بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُقدر أخبرنَا أَبُو عَمْرو عبد الْوَهَّاب أخبرنَا أَبى الْحَافِظ مُحَمَّد بن إِسْحَاق حَدثنَا مُحَمَّد بن على الشاشى حَدثنَا ابْن أَبى دَاوُد حَدثنَا إِسْحَاق عَن شَاذان حَدثنَا سعيد عَن الْحسن بن عمَارَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن سعيد بن الْمسيب عَن أنس بن مَالك رضى الله عَنهُ قَالَ سَمِعت النبى ﷺ يَقُول وَأَنا رَدِيف أَبى طَلْحَة (لبيْك بِحجَّة وَعمرَة مَعًا)
стр. 878
وَمن نظم الْقفال وَقد اختصر شَيخنَا الذهبى وَأكْثر من تَرْجَمَة على قَوْله فِيمَا رَوَاهُ البيهقى عَن عمر بن قَتَادَة أَنه قَالَ أنشدنا أَبُو بكر الْقفال لنَفسِهِ
(أوسع رحلى على من نزل ... وزادى مُبَاح على من أكل)
(نقدم حَاضر مَا عندنَا ... وَإِن لم يكن غير بقل وخل)
(فَأَما الْكَرِيم فيرضى بِهِ ... وَأما الْبَخِيل فَمن لم أبل)
ووقفت لَهُ أَنا على قصيدة طنانة وَكلمَة بديعة شَأْنهَا عَجِيب وَأَنا موردها إِن شَاءَ الله
أخبرنَا يُونُس بن إِبْرَاهِيم بن عبد القوى الدبابيسى إجَازَة قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحسن على بن أَبى عبد الله بن المقير كِتَابَة عَن الْحَافِظ أَبى الْفضل ابْن نَاصِر قَالَ كتب إِلَى أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَبى نصر بن عبد الله الحميدى أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن إِبْرَاهِيم بن مَنْصُور الشاشى قدم علينا بَغْدَاد وَنحن بهَا قِرَاءَة عَلَيْهِ أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد بن بويه الزراد قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا حَاضر أسمع ببنج ده مروالروذ فى مدرسة مرست قَالَ سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام أَبَا عبد الله الْحُسَيْن بن الْحسن الحليمى يَقُول أخبرنى عبد الْملك بن مُحَمَّد الشَّاعِر أَنه كَانَ فِيمَن غزا الرّوم من أهل خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر عَام النفير وَفِيهِمْ يَوْمئِذٍ أَبُو بكر مُحَمَّد بن على ابْن إِسْمَاعِيل الْقفال إِمَام الْمُسلمين فوردت من نقفور عَظِيم الرّوم على الْمُسلمين قصيدة ساءتهم وَشقت عَلَيْهِم لما كَانَ اللعين أجْرى إِلَيْهِم فِيهَا من التثريب والتعيير
стр. 879
وضروب الْوَعيد والتهديد وَكَانَ فى ذَلِك الْجمع غير وَاحِد من الأدباء والفصحاء وَالشعرَاء من كور خُرَاسَان وبلاد الشَّام وَمَدَائِن الْعرَاق فَلم يكمل لجوابها من بَينهم إِلَّا الشَّيْخ أَبُو بكر الْقفال وَأخْبر عبد الْملك هَذَا أَنه أسر بعد وُصُول جَوَاب الشَّيْخ إِلَيْهِم فَلَمَّا بلغ قسطنطينية اجْتمع أَحْبَارهم عَلَيْهِ يسألونه عَن الشَّيْخ من هُوَ وَمن أى بلد هُوَ ويتعجبون من قصيدته وَيَقُولُونَ مَا علمنَا أَن فى الْإِسْلَام رجلا مثله وَأَن الْوَارِدَة من نقفور عَلَيْهِ لعائن الله تَعَالَى كَانَت باسم الْفضل الإِمَام الْمُطِيع الله أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵀ وهى
(من الْملك الطُّهْر المسيحى رِسَالَة ... إِلَى قَائِم بِالْملكِ من آل هَاشم)
(أما سَمِعت أذناك مَا أَنا صانع ... بلَى فعداك الْعَجز عَن فعل حَازِم)
(فَإِن تَكُ عَمَّا قد تقلدت نَائِما ... فإنى عَمَّا همنى غير نَائِم)
(ثغوركم لم يبْق فِيهَا لوهنكم ... وضعفكم إِلَّا رسوم المعالم)
(فتحنا ثغور الأرمنية كلهَا ... بفتيان صدق كالليوث الضراغم)
(وَنحن جلبنا الْخَيل تعلك لجمها ... ويلعب مِنْهَا بَعْضهَا بالشكائم)
(إِلَى كل ثغر بالجزيرة آهل ... إِلَى جند قنسرينكم والعواصم)
(وملطى مَعَ سميساط من بعد كركر ... وفى الْبَحْر أَصْنَاف الْفتُوح القواصم)
стр. 880
(وبالحدث الْبَيْضَاء جالت عساكرى ... وكيسوم بعد الجعفرى المعالم)
(ومرعش أذللنا أعزة أَهلهَا ... فَصَارَت لنا من بَين عبد وخادم)
(وسل بسروج إِذْ خرجنَا بجمعه ... تميد بِهِ تعلو على كل قَائِم)
(وَأهل الرها لاذوا بِنَا وتحزموا ... بمنديل مولى جلّ عَن وصف آدم)
(وصبح رَأس الْعين منا بطارق ... ببيض عدوناها بِضَرْب الجماجم)
(ودارا وميافارقين وأردنا ... صبحناهم بِالْخَيْلِ مثل الضراغم)
(وملنا على طرسوس مَيْلَة غابن ... أذقناهم فِيهَا بحز الحلاقم)
(وإأقريطش مَالَتْ إِلَيْهَا مراكبى ... على ظهر بَحر مُزْبِد متلاطم)
(فحزناهم أسرا وسيقت نِسَاؤُهُم ... ذَوَات الشُّعُور المسبلات الفواحم)
следующие страницы →