← Тараджим

Тараджим · id 6739

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 926 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قَالَ الزيادى وعَلى هَذَا أدْركْت الْقُضَاة من غير نَكِير من الْعلمَاء وَعَلِيهِ تفقهت وفقهت النَّاس ولولاه مَا جَازَت شَهَادَة أَب وَابْن لأجنبى قلت وَعَلِيهِ الْعَمَل إِلَى الْيَوْم يشْهد الشَّاهِدَانِ عِنْد حَاكم فَيحكم بِشَهَادَتِهِمَا ويشهدهما على حكمه فيؤديان شَهَادَتهمَا على حكمه عِنْد آخر فَينفذ حكمه بِشَهَادَتِهِمَا وَقد اقْتصر القاضى أَبُو سعد فى كتاب الإشراف على قَول العبادى وَالشَّيْخ أَبى طَاهِر وَمن كِتَابه أَخذ شُرَيْح مَا نَقله عَنْهُمَا وَزَاد شُرَيْح فَقَالَ ولأصحابنا وَجه فى الحكم بِشَهَادَة أَب وَابْن أَنه لَا يجوز قَالَ شُرَيْح وَإِذا وصل كتاب الحكم وَشهد الشَّاهِدَانِ على الْكتاب فقد قيل يلْزم الْحَاكِم الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَن ينفذ حكمه وَيَقُول قبلت حكمه وكتابته وأوجبت على الْمَحْكُوم مَا أوجبه الْحَاكِم فى الْكتاب وعَلى هَذَا لَو شهد شَاهِدَانِ عَدْلَانِ فَهَل يحْتَاج أَولا أَن يَقُول قبلت شَهَادَة هَؤُلَاءِ الشُّهُود بِمَا شهدُوا بِهِ ثمَّ يَقُول وحكمت بِكَذَا على فلَان بِجَمِيعِ مَا أوجبته شَهَادَة الشُّهُود أم يَكْفِيهِ إِن ثبتَتْ عِنْده عَدَالَة الشُّهُود ثمَّ يَقُول حكمت بِكَذَا وَلَا يذكر قبل الحكم أَنه قبل شَهَادَة الشُّهُود وَجْهَان

стр. 912

وعَلى هَذَا لَو كتب الْحَاكِم إِلَى حَاكم بِأَنَّهُ شهد عندى عَدْلَانِ لرجل سَمَّاهُ على فلَان وَلم يذكر فى الْكتاب أَنه ثَبت عِنْده بِشَهَادَتِهِمَا وَلم يقل قبلت شَهَادَتهمَا وَإِنَّمَا نقل الشَّهَادَة فَقَط فَهَل يجوز للمكتوب إِلَيْهِ أَن يحكم فِيهِ وَجْهَان هَذَا كُله كَلَام شُرَيْح فى كِتَابه فى أدب الْقَضَاء وَلم أَجِدهُ بجملته فى غَيره وَفِيه غرائب وفوائد وسيأتى إِن شَاءَ الله فى تَرْجَمَة شُرَيْح قَول الإصطخرى فِيمَن اسْتَأْجر رجلا أَن يحمل لَهُ كتابا إِلَى آخر ويأتى بجوابه فأوصل الْكتاب وَلم يكْتب الْمَكْتُوب إِلَيْهِ الْجَواب أَن للحامل الْأُجْرَة بكمالها لِأَنَّهُ لَا يلْزمه أَكثر مِمَّا عمل والامتناع من غَيره قَالَ وَكَذَا لَو مَاتَ الرجل فأوصل الْكتاب إِلَى نَائِبه من وَارِث أَو وصّى أجابوه أم لم يُجِيبُوهُ إِلَى آخر كَلَامه قلت وهى مَسْأَلَة مليحة غير أَن عندنَا وَقْفَة فى كتاب مراسلة يحملهُ أَمِين مُتَبَرّع مُسْتَأْجر فَلَا يجد الْمَكْتُوب إِلَيْهِ إِمَّا لمَوْته أَو لغير ذَلِك فَهَل لَهُ أَن يوصله إِلَى وَارثه أَو وَصِيّه أَو الْحَاكِم أَو أَهله وَنَحْو ذَلِك لقيامهم مقَامه أَو لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَن الْعَادة قد تقضى بِأَن الْكَاتِب لَا يُعجبهُ وقُوف غير الْمَكْتُوب عَلَيْهِ على مَا كتب وَكَذَلِكَ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ والذى يَقع لى فى هَذَا أَنه إِن غلب على ظَنّه أَن فى الْكتاب مَا يكره الْكَاتِب أَو الْمَكْتُوب إِلَيْهِ وقُوف غَيرهمَا عَلَيْهِ لم يجز لَهُ أَن يَدْفَعهُ إِلَى من ذَكرْنَاهُ وَدفعه حِينَئِذٍ خِيَانَة تسْقط أجرته بكمالها لَو كَانَ مُسْتَأْجرًا والبلوى تعم بِمثل هَذَا الْفَرْع فليتنبه لَهُ فَلَقَد حضر شخص بِكِتَاب إِلَى آخر وجده غَائِبا فأوصله إِلَى من ظَنّه يقوم مقَامه لكَونه صاحبا لَهُ فأورث ذَلِك الْكتاب فتْنَة خربَتْ بَيت الْكَاتِب والمكتوب إِلَيْهِ فَلَا ينبغى أَن يُوصل كتاب مراسلة إِلَى من يجوز الْعقل كَرَاهِيَة الْكَاتِب أَو الْمَكْتُوب إِلَيْهِ وقُوف غَيرهمَا عَلَيْهِ بل ينبغى أَن يكون تَحْرِيم ذَلِك مغلظا

стр. 913

وَلَقَد كتب عَم والدى القاضى صدر الدّين يحيى وَهُوَ على قَضَاء بلبيس كتابا إِلَى قاضى الْقُضَاة تقى الدّين ابْن بنت الْأَعَز عِنْدَمَا عزل وَولى قاضى الْقُضَاة بدر الدّين ابْن جمَاعَة يسْأَل عَن خاطره وَفَاء بِحقِّهِ عَلَيْهِ فَاشْتَبَهَ الْأَمر على الرَّسُول وأوصل الْكتاب إِلَى ابْن جمَاعَة فَكَانَ ذَلِك سَبَب عزل عَم الْوَالِد فى فتْنَة طَوِيلَة لم يكن منشؤها غير اتِّصَال الْكتاب إِلَى من ظن أَنه لَهُ وَكتب آخر كتابا إِلَى قاضى الْقُضَاة جلال الدّين فجَاء الرَّسُول فصادفه عزل من مصر وسافر إِلَى الشَّام فأوصل الْكتاب إِلَى قاضى الْقُضَاة إِذْ ذَاك عز الدّين بن جمَاعَة ﵀ فَأوجب عزل الْكَاتِب وسقوطه من عين قاضى الْقُضَاة عز الدّين ونقصان حَظه مِنْهُ إِلَى أَن مَاتَا جَمِيعًا رحمهمَا الله فَلَا ينبغى أَن يكون الرَّسُول إِلَّا حكيما ثمَّ يوصى مَعَ كَونه حكيما وَالْوَاو فى قَوْلهم أرسل حكيما وَلَا توصه للْحَال فَافْهَم مَا نشِير إِلَيْهِ مَسْأَلَة صفة تَوْبَة الْقَاذِف حمل أَبُو سعيد الإصطخرى على ظَاهر نَص الشافعى رضى الله عَنهُ حَيْثُ قَالَ فى تَوْبَة الْقَاذِف وَالتَّوْبَة إكذابه نَفسه فَفعل فِيهِ نَظِير مَا فعله الظَّاهِرِيَّة فى قَوْله تَعَالَى فى الْمظَاهر ﴿ثمَّ يعودون لما قَالُوا﴾ فَقَالُوا الْعود بِاللِّسَانِ كَذَلِك قَالَ الإصطخرى إِن كَلَام الشافعى على ظَاهره وَإنَّهُ لَا تصح تَوْبَة الْقَاذِف حَتَّى يَقُول وإنى كَاذِب فى قذفى لَهُ بِالزِّنَا نَقله الْأَصْحَاب على طبقاتهم مِنْهُم صَاحب الحاوى فى كتاب الشَّهَادَات وَذكر

стр. 914

أَن أَبَا إِسْحَاق المروزى وَابْن أَبى هُرَيْرَة خالفاه وَقَالا إكذاب نَفسه أَن يَقُول قذفى لَهُ بِالزِّنَا كَانَ بَاطِلا وَلَا يَقُول كنت كَاذِبًا فى قذفى لجَوَاز أَن يكون صَادِقا فَيصير عَاصِيا بكذبه كَمَا كَانَ عَاصِيا بقذفه وَقد عبر الرافعى ﵀ عَن هَذَا فى كتاب الشَّهَادَات فى كَلَامه على التَّوْبَة بِأَن قَالَ لابد من التَّوْبَة عَن الْقَذْف بالْقَوْل قَالَ الشافعى فى الْمُخْتَصر وَالتَّوْبَة إكذابه نَفسه فَأخذ الإصطخرى بِظَاهِرِهِ وَشرط أَن يَقُول كذبت فِيمَا قَذَفته وَلَا أَعُود إِلَى مثله وَقَالَ الْجُمْهُور لَا يُكَلف أَن يَقُول كذبت فَرُبمَا كَانَ صَادِقا فَكيف نأمره بِالْكَذِبِ وَلَكِن يَقُول الْقَذْف بَاطِل وإنى نادم على مَا فعلت وَلَا أَعُود إِلَيْهِ أَو يَقُول مَا كنت محقا فى قذفى وَقد تبت مِنْهُ وَمَا أشبه ذَلِك هَذَا كَلَام الرافعى وَفِيه كلامان أَحدهمَا أَنه نقل عَن الإصطخرى أَن يشْتَرط أَن يَقُول وَلَا أَعُود إِلَى مثله وَهَذَا لَا يعرف عَنهُ وَلَا هُوَ بمتفق عَلَيْهِ إِنَّمَا الذى قَالَه الإصطخرى اشْتِرَاط قَوْله كذبت وَخَالفهُ الْجُمْهُور ثمَّ هَل يحْتَاج أَن يَقُول فى التَّوْبَة وَلَا أَعُود إِلَى مثله فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا يحْتَاج لِأَن الْعَزْم على ترك مثله يغنى عَنهُ والثانى لابد أَن يَقُول لَا أَعُود إِلَى مثله لِأَن القَوْل فى هَذِه التَّوْبَة مُعْتَبر والعزم لَيْسَ بقول هَكَذَا حكى أَصْحَابنَا مِنْهُم صَاحب الحاوى وَغَيره وَلَعَلَّ الْوَجْهَيْنِ مفرعان على اشْتِرَاط مَا يَقُوله الإصطخرى أَو مطلقان فَيشْتَرط أَن يَقُول وَلَا أَعُود إِلَى مثله وَإِن لم يشْتَرط أَن يَقُول كذبت كل هَذَا مُحْتَمل وَبِالْجُمْلَةِ لَيست مَسْأَلَة الإصطخرى مَسْأَلَة لَا أَعُود إِلَى مثله بل تِلْكَ مَسْأَلَة مُسْتَقلَّة إِمَّا من تفاريع قَوْله وَإِمَّا مُطلقَة وَلَعَلَّه الْأَظْهر والثانى لَوْلَا شَيْء وَاحِد لَكَانَ مَا ذكره الإصطخرى عِنْدِي راجحا أما وَجه رجحانه فَلِأَنَّهُ ظَاهر النَّص ورده بِأَنَّهُ قد يكون صَادِقا فَكيف يَأْمُرهُ بِالْكَذِبِ

стр. 915

جَوَابه أَنه وَلَو كَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ إِلَّا أَن الشَّرْع كذبه فَهُوَ كَاذِب عِنْد الله سَوَاء طابق مَا فى نفس الْأَمر أم لَا سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام غير مرّة يَقُول فى قَوْله تَعَالَى ﴿فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ هَذَا كذب شرعى لَا يُطلق فِيهِ عدم مُطَابقَة مَا فى نفس الْأَمر لَكِن صدنى عَن الْأَخْذ بِظَاهِر النَّص أَن الشافعى رضى الله عَنهُ ذكر فى أَثْنَائِهِ مَا يعرف بِهِ أَنه لَيْسَ مُرَاده لفظ الْكَذِب لِأَنَّهُ رضى الله عَنهُ قَالَ فى الْمُخْتَصر وَالتَّوْبَة إكذابه نَفسه لِأَنَّهُ أذْنب بِأَن نطق بِالْقَذْفِ وَالتَّوْبَة مِنْهُ أَن يَقُول الْقَذْف بَاطِل انْتهى قَالَ الرويانى وفى نُسْخَة أُخْرَى وَالتَّوْبَة أكذابه نَفسه بِأَنَّهُ بِأَن نطق بِالْقَذْفِ قَالَ وهما متقاربان فى الْمَعْنى قلت الْمَعْنى على النُّسْخَة الأولى إكذابه نَفسه فَقَط وعَلى الثَّانِيَة إكذابه نَفسه بِأَن نطقت بِالْقَذْفِ فَفِيهَا تأييد لقَوْل أَبى إِسْحَاق كَمَا ستعرفه فَإِنَّهُ يَقُول الْكَذِب فى أَنه قذف لَا فى أَن الْمَقْذُوف زنا وفى هَذِه النُّسْخَة دلَالَة على تَأْوِيل لإِمَام الْحَرَمَيْنِ سنحكيه عَنهُ فلولا قَوْله التَّوْبَة مِنْهُ أَن يَقُول الْقَذْف بَاطِل لرجحت رأى الإصطخرى لَكِن هَذَا اللَّفْظ يقتضى الِاكْتِفَاء بِهَذِهِ الصِّيغَة وَمن ثمَّ أَقُول مَا وَقع فى الرافعى وَالْمُحَرر والمنهاج من أَنه يشْتَرط أَن يَقُول قذفى بَاطِل وَأَنا نادم عَلَيْهِ وَلَا أَعُود إِلَيْهِ انْتهى لست أقبل مِنْهُ إِلَّا قَوْله قذفى بَاطِل أما مَا زَاد عَلَيْهِ فزيادات لَيست فى النَّص وَلَا يدل لَهَا دَلِيل نعم لابد من النَّدَم وعزم أَلا يعود بِكُل تَوْبَة أما التَّلَفُّظ بهما فَمن أَيْن لَا دَلِيل يدل عَلَيْهِ وَلَا نَص يرشد إِلَيْهِ

стр. 916

وَقد يَقع فى الذِّهْن أَنه لم يقْصد بهما حقيقتهما بل الْمَقْصُود لفظ يدل على إبِْطَال الْقَذْف وَيجْبر مَا كَانَ من فحشه من غير اخْتِصَاص بِهَذِهِ الصِّيَغ وَلذَلِك قَالَ الرافعى وَمَا أشبه ذَلِك فَلَا يكون ذكر هَذِه الْأَلْفَاظ لتعينها فى نَفسهَا وَلَا للتعبد بصيغها بل الْمَقْصُود لفظ يقوم مقَام لفظ حصل الْأَذَى بِهِ فَكَمَا أَذَى وَقذف بِلِسَانِهِ كَذَلِك يجْبر مَا كَانَ مِنْهُ بِلِسَانِهِ لينوب قَول عَن قَول ثمَّ ضرب الشافعى لذَلِك مثلا قَوْله الْقَذْف بَاطِل وَهُوَ صَحِيح أما إنى نادم فَلفظ غير معِين وَقل من ذكره وَأما لَا أَعُود فَفِيهِ مَا عرفت من الْوَجْهَيْنِ وَهَذَا مَا حضرنى الْآن من كَلَام الْأَصْحَاب قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد شيخ الْعِرَاقِيّين فى تَعْلِيقه مَا نَصه وَإِن كَانَ قذفا فإمَّا أَن يكون قَاذِفا من طَرِيق السب والشتم أَو كَانَ قَاذِفا من طَرِيق الشَّهَادَة فَإِن كَانَ قَاذِفا من طَرِيق السب والشتم فَإِن الشافعى قَالَ تَوْبَته إكذابه نَفسه وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِيهِ فَقَالَ أَبُو سعيد الإصطخرى يَقُول كذبت فِيمَا قلت أَو أبطلت فِيمَا أخْبرت قَالَ لِأَنَّهُ إِذا أكذب نَفسه فِيمَا قَذفهَا بِهِ فقد تَابَ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق وَعَامة أَصْحَابنَا يَقُول فى تَوْبَته الْقَذْف بَاطِل حرَام وَلَا أَعُود إِلَى مثله أبدا لِأَنَّهُ قد استباح هَذَا القَوْل لما قَذفهَا وتوبته أَن يأتى بضد الاستباحة وَهُوَ التَّحْرِيم والإبطال بِأَن يَقُول كذبت فِيمَا قلت لجَوَاز أَن يكون صَادِقا فى الْقَذْف بَاطِنا فَإِذا قَالَ كذبت وَهُوَ كَانَ صَادِقا فِيهِ فقد عصى فَإِن قيل مَا الْفرق بَين الْقَاذِف وَالْمُرْتَدّ حَتَّى قُلْتُمْ الْقَاذِف يُطَالب بِأَن يَقُول الْقَذْف بَاطِل حرَام وَالْمُرْتَدّ لَا يُطَالب بِأَن يَقُول الْكفْر بَاطِل حرَام

стр. 917

فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه لَا فرق بَينهمَا فى الْمَعْنى وَذَلِكَ أَن الْقَاذِف مَرْدُود الشَّهَادَة لاستباحة الْقَذْف وَلَا يكون من أهل الشَّهَادَة إِلَّا بإتيانه بضده وضده أَن يحرم الْقَذْف وَالْمُرْتَدّ مَرْدُود الشَّهَادَة لكفره وَلَا يعود إِلَى حَال الشَّهَادَة إِلَّا أَن يأتى بضد الْكفْر وضده أَن يأتى بِلَفْظَة الْإِيمَان انْتهى وَفِيه فَوَائِد مِنْهَا أَن أَبَا سعيد لَا يعين لفظ الْكَذِب بل يَقُول كذبت أَو أبطلت فِيمَا أخْبرت وهى فَائِدَة لم أجد التَّصْرِيح بهَا فى كَلَام الشَّيْخ أَبى حَامِد وَمِنْهَا أَن الْكَلَام مَخْصُوص بِقَذْف السب والإيذاء وَهُوَ الصَّوَاب وسنتكلم عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْحسن الجورى فى كتاب المرشد وَاخْتلف أَصْحَابنَا فى تَوْبَة الْقَاذِف فَقَالَ بَعضهم هى قَوْله الْقَذْف بَاطِل وَلَا يَقُول إنى كَاذِب لِأَنَّهُ إِذا قَالَ هَذَا فَهُوَ فَاسق بِهِ السَّاعَة لكذبه وَقَالَ بَعضهم لَا فصل بَين قَوْله الْقَذْف بَاطِل وَبَين قَوْله كذبت وَقد قَالَ الشافعى التَّوْبَة إكذابه نَفسه انْتهى وَفِيه دلَالَة على أَن أَبَا سعيد إِن كَانَ هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله وَقَالَ بَعضهم لَا يعين لفظ الْكَذِب بل يُخَيّر بَينه وَبَين الْقَذْف بَاطِل وَغَيره يعين لفظ الْقَذْف بَاطِل وَلَا يُخَيّر لفظ الْكَذِب وَيخرج من هَذَا إِن خرج على ظَاهره ثَلَاثَة أوجه تعْيين لفظ الْكَذِب وَتَعْيِين عَدمه وتفريع كل مِنْهُمَا وَقَالَ القاضى أَبُو الطّيب فى تعليقته فى كَلَامه على قَول الشافعى وَالتَّوْبَة إكذابه نَفسه مَا نَصه ثمَّ ذكر بعد ذَلِك أَن التَّوْبَة قَوْله الْقَذْف بَاطِل وَاخْتلف

стр. 918

أَصْحَابنَا فِيهَا فَقَالَ أَبُو سعيد الإصطخرى تَوْبَته أَن يكذب نَفسه فَيَقُول كذبت فى هَذَا الْقَذْف لِأَن الشافعى قَالَ إكذابه نَفسه وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق التَّوْبَة أَن يَقُول الْقَذْف بَاطِل فِي جَمِيع الْأَحْوَال كَانَ صَادِقا فِيهِ أَو كَاذِبًا لِأَنَّهُ لَا يجوز لأحد أَن يقذف أحدا وَإِن كَانَ صَادِقا فى قذفه إِيَّاه لِأَن الله نهى عَن ذَلِك على الْإِطْلَاق وَهُوَ الصَّحِيح وأبى أَصْحَابنَا مَا قَالَه أَبُو سعيد وَقَالُوا هَذَا يُؤدى إِلَى أَن يكلفه الْكَذِب لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ صَادِقا فى الْقَذْف فَإِذا كلفناه أَن يَقُول كذبت فى الْقَذْف كَانَ كَاذِبًا لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ صَادِقا فى قذفه وَإِذا قَالَ الْقَذْف بَاطِل لم يكذب لِأَنَّهُ بَاطِل سَوَاء كَانَ صَادِقا فِيهِ أم كَاذِبًا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يقذف أحدا بِحَال انْتهى وَقَالَ القاضى الْحُسَيْن تَوْبَة الْقَاذِف أَن يَقُول الْقَذْف بَاطِل أَو مَا كَانَ ينبغى لى أَن أقذف أَو لم أكن محقا فِيمَا قلت وَلَا يُكَلف أَن يَقُول كذبت فِيمَا قلت لاحْتِمَال أَن الْمَقْذُوف قد زنا وَأَنه صدق فِيمَا نسبه إِلَيْهِ غير أَن الْمُسلم مَأْمُور بِحِفْظ السّتْر على أَخِيه الْمُسلم فَلهَذَا صَار مؤاخذا بِالْقَذْفِ وَمعنى قَول الشافعى التَّوْبَة إكذابه نَفسه أى يكذب نَفسه فِيمَا أخبر وَيَقُول مَا كنت محقا فى ذَلِك الْخَبَر لِأَنَّهُ يتخيل للسامع من قَوْله أَنه صَادِق فَيقطع ذَلِك التَّوَهُّم بِالتَّوْبَةِ فَلهَذَا سَمَّاهُ إكذابا وَقَالَ الإصطخرى تَوْبَته أَن يَقُول كذبت فِيمَا قلت لظَاهِر لفظ الشافعى إكذابه نَفسه وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق يَقُول قذفى حرَام بَاطِل وَقَالَ الْقفال الْقَذْف بَاطِل مَا كَانَ ينبغى لى أَن أقذفه انْتهى

стр. 919

فَانْظُر كَيفَ ختم كَلَامه بقوله وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق وَقَالَ الْقفال وَذكر صيغتين عِنْده أَن فى كل مِنْهُمَا كِفَايَة وَلذَلِك خير فى أول كَلَامه بَين كل مِنْهُمَا وَزَاد أَو لم أكن محقا فَدلَّ أَن المُرَاد أحد هَذِه الْأَلْفَاظ أَو مَا يشبهها وَأَنه لَيْسَ الْمَقْصُود وَاحِدًا بِعَيْنِه وَلَا أَظن أَصْحَابنَا يَخْتَلِفُونَ فى ذَلِك وَلَا يعينون لفظ إنى نادم كَمَا أوهته عبارَة الرافعى وَمن يتبعهُ وَلَيْسَ مَوضِع اخْتلَافهمْ إِلَّا شَيْئَانِ أَحدهمَا لفظ الْكَذِب قَالَه أَبُو سعيد وَلَا يصدنى عَنهُ إِلَّا قَول الشافعى وَالتَّوْبَة قَوْله الْقَذْف بَاطِل والثانى لفظ لَا أَعُود لتصريح الماوردى فِيهِ بحكاية الْوَجْهَيْنِ أما لفظ إنى نادم فَلَا أعرفهُ وَلَا وَجه لَهُ وَقَالَ الماوردى ﵀ أما الْقَذْف بِالزِّنَا فَلَا يكون بعد النَّدَم والعزم إِلَّا بالْقَوْل لِأَنَّهُ مَعْصِيّة بالْقَوْل كالردة فَيعْتَبر فى صِحَة تَوْبَته ثَلَاثَة شُرُوط أَحدهَا النَّدَم على قذفه والثانى الْعَزْم على ترك مثله وَالثَّالِث إكذاب نَفسه على مَا قَالَه الشافعى فَاخْتلف أَصْحَابنَا فى تَأْوِيله على وَجْهَيْن أَحدهمَا وَهُوَ قَول أَبى سعيد الإصطخرى أَنه مَحْمُول على ظَاهره وَهُوَ أَن يَقُول وإنى كَاذِب فى قذفى لَهُ بِالزِّنَا وَقد روى عمر أَن النبى ﷺ قَالَ (تَوْبَة الْقَاذِف إكذابه نَفسه) وَالْوَجْه الثانى هُوَ قَول أَبى إِسْحَاق المروزى وأبى على بن أَبى هُرَيْرَة أَن إكذاب نَفسه أَن يَقُول قذفى لَهُ بِالزِّنَا كَانَ بَاطِلا وَلَا يَقُول كنت كَاذِبًا فى قذفى لجَوَاز أَن يكون صَادِقا فَيصير عَاصِيا بكذبه كَمَا كَانَ عَاصِيا بقذفه

стр. 920

وَهل يحْتَاج أَن يَقُول فى التَّوْبَة وَلَا أَعُود إِلَى مثله أَولا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ لِأَن الْعَزْم على ترك مثله يغنى عَنهُ وَالْوَجْه الثانى لابد أَن يَقُول لَا أَعُود إِلَى مثله لِأَن القَوْل فى هَذِه التَّوْبَة مُعْتَبر والعزم لَيْسَ بقول انْتهى وَهُوَ كالنص على أَن لفظ النَّدَم لَا يشْتَرط إِنَّمَا الْمُشْتَرط مَعْنَاهُ وَقَالَ الفورانى فى الْعمد اخْتلف أَصْحَابنَا فى التَّوْبَة مِنْهُم من قَالَ هُوَ أَن يكذب نَفسه فَيَقُول كذبت فِيمَا قلت وَمِنْهُم من قَالَ وَهُوَ الْأَصَح هَذَا لَا يكون تَوْبَة لاحتما صدقه فى الْقَذْف لَكِن التَّوْبَة أَن يَقُول الْقَذْف بَاطِل أى قذف النَّاس بَاطِل وَمَا كَانَ لى أَن أقذف ووَقد رجعت عَمَّا قلت وتبت عَنهُ فَلَا أَعُود إِلَيْهِ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فى الْمُهَذّب قبل بَاب عدد الشُّهُود فى التَّوْبَة من الْمعْصِيَة مَا نَصه وَإِن كَانَ قذفا فقد قَالَ الشافعى رضى الله عَنهُ التَّوْبَة مِنْهُ إكذابه نَفسه وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِيهِ فَقَالَ أَبُو سعيد الإصطخرى هُوَ أَن يَقُول كذبت فِيمَا قلت وَلَا أَعُود إِلَى مثله وَوَجهه مَا روى عَن عمر رضى الله عَنهُ أَن النبى ﷺ قَالَ (تَوْبَة الْقَاذِف إكذابه نَفسه) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق أَبُو على ابْن أَبى هُرَيْرَة هُوَ أَن يَقُول قذفى لَهُ كَانَ بَاطِلا وَلَا يَقُول إنى كنت كَاذِبًا لجَوَاز أَن يكون صَادِقا فَيصير بكذبه عَاصِيا كَمَا كَانَ بقذفه عَاصِيا انْتهى وَفِيه مُوَافقَة الرافعى على نَقله عَن أَبى سعيد أَنه يَقُول وَلَا أَعُود إِلَى مثله لكنه قصر هَذِه اللَّفْظَة على مقَالَة أَبى سعيد وَلم يذكرهَا على مقَالَة أَبى إِسْحَاق وأبى على

стр. 921

وَقَالَ ابْن الصّباغ الْمَذْهَب مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق وَهُوَ أَن يَقُول الْقَذْف بَاطِل حرَام وَلَا أَعُود إِلَى مَا قلت وَقَالَ الإصطخرى يَقُول كذبت فِيمَا قلت انْتهى وَهُوَ فى لَفظه وَلَا أَعُود إِلَى مَا قلت عكس الْمُهَذّب فَإِنَّهُ جعلهَا على قَول أَبى إِسْحَاق فَإِذا أجمع الْمُهَذّب والشامل كَانَ فيهمَا تأييد لنقل الرافعى فَكَأَنَّهُ أَخذ من مجموعها أَنه لابد أَن يَقُول وَلَا أَعُود لِأَن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق نقلهَا على قَول أَبى سعيد وَابْن الصّباغ نقلهَا على قَول أَبى إِسْحَاق فَكَانَت على الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا وعَلى ذَلِك جرى صَاحب التَّهْذِيب كَمَا ستراه فَاتبعهُ الرافعى وَقَالَ الإِمَام رضى الله عَنهُ فى النِّهَايَة قَالَ الشافعى رضى الله عَنهُ تَوْبَة الْقَاذِف بإكذابه نَفسه وَهَذَا لفظ فى ظَاهره إِشْكَال وفى بَيَان الْمَذْهَب يحصل الْغَرَض فالذى ذهب إِلَيْهِ جَمَاهِير الْأَصْحَاب أَن الْقَاذِف لَا يُكَلف أَن يكذب نَفسه إِذْ رُبمَا يكون صَادِقا فى نسبته الْمَقْذُوف إِلَى الزِّنَا فَلَو كلفناه أَن يكذب نَفسه لَكَانَ ذَلِك تكليفا منا إِيَّاه أَن يكذب وَهَذَا محَال فَالْوَجْه أَن يَقُول أَسَأْت فِيمَا قلت وَمَا كنت محقا وَقد تبت عَن الرُّجُوع إِلَى مثله أبدا وَلَا يُصَرح بتكذيب نَفسه إِلَّا أَن يعلم أَنه كَانَ كَاذِبًا وَهَذَا يبعد علمه وَهَؤُلَاء حملُوا قَول الشافعى على مَا سنصفه فَقَالُوا الْقَاذِف فى الْغَالِب يصف وَيرى من نَفسه أَنه قَالَ حَقًا وَأظْهر مَاله إِظْهَاره فَيرجع مَا ذكره الشافعى من الإكذاب إِلَى هَذَا فَيَقُول قد كنت قلت لى أَن أَقُول مَا قلته وَقد كذبت وأبطلت فِيمَا قدمت وَقَالَ الإصطخرى لابد أَن يكذب نَفسه وَإِن كَانَ صَادِقا فَإِنَّهُ عز من قَائِل قَالَ ﴿فَإذْ لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ فَهَذَا لقب أثْبته الشَّرْع فيكذب الْقَاذِف على هَذَا التَّأْوِيل نَفسه فَإِن الشَّرْع سَمَّاهُ كَاذِبًا

стр. 922

وَهَذَا بعيد لَا أصل لَهُ وَهَذِه الْآيَة مَعَ آى أخر وَردت فى قصَّة الْإِفْك وتبرئة عَائِشَة رضى الله عَنْهَا وَكَانَت مبرأة عَمَّا قَذفهَا بِهِ المُنَافِقُونَ انْتهى وَلَا مزِيد على حسنه فَللَّه دره من خطيب مصقع مناضل عَن الشَّرِيعَة بِقَلْبِه وَلسَانه وَمن هُنَا وَالله أعلم أَخذ الشَّيْخ الإِمَام ﵀ مَا كَانَ يَقُوله لنا من أَن الْقَاذِف كَاذِب عِنْد الله لقد لقبه الشَّرْع ووسمه بسيمة الْكَذِب وَإِن كَانَ الْأَمر على مَا وصف من اقتراف الْمَقْذُوف مَعْصِيّة الزِّنَا وفى كَلَام الإِمَام مَا يُؤْخَذ مِنْهُ تَفْصِيل بَين أَن يعلم من نَفسه الصدْق أَولا وسيكون لى عَلَيْهِ كَلَام يدل على ميل منى إِلَيْهِ وَقَالَ الغزالى ﵀ فى الْوَسِيط أما الْقَاذِف فتوبته فى إكذابه نَفسه كَذَلِك قَالَ الشافعى وَهُوَ مُشكل لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ صَادِقا وَالْمعْنَى بِهِ تَكْذِيبه نَفسه فى قَوْله أَنا محق فى الْإِظْهَار والمجاهرة دون الْحجَّة فيكفى أَن يَقُول تبت وَلَا أَعُود انْتهى وَقد لخصه من كَلَام الإِمَام وَلقَائِل أَن يَقُول إِذا كَانَ الْمَعْنى بإكذابه نَفسه كذبه فى قَوْله أَنا محق فى الْإِظْهَار والمجاهرة فَلَا مَانع من أَن يَقُول كذبت وَلَا عَابَ فِيهِ أَيْضا وَلم يكلفه يكذب فَلم لَا يَقُول ذَلِك ويجرى على ظَاهر النَّص وَقَالَ صَاحب التَّهْذِيب قَالَ الشافعى رضى الله عَنهُ التَّوْبَة إكذابه نَفسه فَاخْتلف أَصْحَابنَا فِيهِ فَقَالَ الإصطخرى يَقُول كذبت فِيمَا قلت وَلَا أَعُود إِلَى مثله وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق لَا يَقُول كذبت لِأَنَّهُ رُبمَا يكون صَادِقا بل يَقُول الْقَذْف بَاطِل نَدِمت على مَا قلت رجعت عَنهُ فَلَا أَعُود إِلَيْهِ انْتهى وَمِنْه أَخذ الرافعى لفظ النَّدَم وَأَن لَا أَعُود مقولة على الْوَجْهَيْنِ وَجه أَبى سعيد وَوجه أَبى إِسْحَاق

стр. 923

وَقَالَ صَاحب الْبَحْر قَالَ أَبُو إِسْحَاق لَيْسَ معنى قَول الشافعى أَن يَقُول كذبت فِيمَا قلت بل مَعْنَاهُ أَن يكذب نَفسه فى اسْتِبَاحَة الْقَذْف فَيَقُول الْقَذْف بَاطِل وإنى لَا أَعُود إِلَيْهِ وَأَنا نادم عَلَيْهِ أَو يَقُول قذفى لَهُ بِالزِّنَا كَانَ كَاذِبًا وَلَا يَقُول كنت كَاذِبًا لجَوَاز أَن يكون صَادِقا وَبِه قَالَ ابْن أَبى هُرَيْرَة فَإِن قيل فقد تقبل تَوْبَة الْمُرْتَد وَإِن لم يقل الْكفْر بَاطِل فَلم شرطتم هَا هُنَا أَن يَقُول الْقَذْف بَاطِل قُلْنَا لَا يقبل وَاحِد مِنْهُمَا حَتَّى يأتى بِمَا يضاد الأول والتوحيد يضاد الْكفْر فَاكْتفى بِهِ وَلَيْسَ مَا يضاد الْقَذْف إِلَّا أَن يَقُول الْقَذْف بَاطِل فَافْتَرقَا وَقَالَ الإصطخرى وَبِه قَالَ أَحْمد رضى الله عَنهُ تَوْبَة الْقَاذِف أَن يَقُول كذبت فِيمَا قلت وإننى كَاذِب فى قذفى لَهُ بِالزِّنَا وَهَذَا ظَاهر قَول الشافعى رضى الله عَنهُ وَالتَّوْبَة إكذابه نَفسه وَقد روى عَن عمر رضى الله عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ تَوْبَة الْقَاذِف إكذابه نَفسه قَالَ أَصْحَابنَا مَا قَالَه أَبُو إِسْحَاق أصح وَهُوَ الْمَذْهَب انْتهى وَقَالَ القاضى مجلى فى الذَّخَائِر وَإِن كَانَت الْمعْصِيَة قذفا فقد قَالَ الشافعى التَّوْبَة مِنْهَا إكذابه نَفسه وَاخْتلف أَصْحَابنَا فى ذَلِك فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق وَأَبُو على ابْن أَبى هُرَيْرَة وَهُوَ ظَاهر الْمَذْهَب هُوَ أَن يَقُول الْقَذْف بَاطِل حرَام وَلَا أَعُود إِلَى مَا قلت وَقَالَ أَبُو سعيد الإصطخرى هُوَ أَن يَقُول كذبت فِيمَا قلت وَلَا أَعُود إِلَى مثله وَتعلق بِظَاهِر كَلَام الشافعى ﵀ وَبِه قَالَ أَحْمد لما روى عَن عمر رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ تَوْبَة الْقَاذِف إكذابه نَفسه

стр. 924

قَالَ الْأَولونَ وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون صَادِقا فى الْقَذْف فَيصير بكذبه عَاصِيا كَمَا كَانَ بقذفه عَاصِيا وَقَالَ بَعضهم هُوَ أَن يَقُول مَا كنت محقا فى الْقَذْف وَلَا أَعُود إِلَيْهِ وَكَلَام الشافعى ﵀ مَحْمُول على تَكْذِيب نَفسه فى قَوْله أَنا محق فى إِظْهَاره والمجاهرة بِغَيْر حجَّة انْتهى وَقَوله الْقَذْف بَاطِل حرَام ذكره لفظ حرَام مَعَ بَاطِل تبع فِيهِ من قدمنَا ذكره إِيَّاهَا وهى لَفْظَة مَحْمُولَة على التَّوَسُّع فى الْعبارَة وَإِلَّا فَكل قذف خرج مخرج الشتم فَهُوَ حرَام وَإِن خرج مخرج الشَّهَادَة وَلم يتم الْعدَد وَقد كَانَ يحسبه تمّ فَلَيْسَ بِحرَام فَمَا للفظة موقع فَإِن قلت مَا الذى اسْتَقر عَلَيْهِ رَأْيكُمْ فى صِيغَة تَوْبَة الْقَاذِف أيترجح عنْدك قَول أَبى سعيد أم قَول الْجُمْهُور قلت إِن كَانَ الْقَاذِف يعلم أَنه كَاذِب فالأرجح عندى قَول أَبى سعيد لِأَن مدَار التَّوْبَة على نَحْو مَا مضى مَا أمكن وتدارك مَا يُمكن تَدَارُكه وَلَا يتدارك ثلبه عرض أَخِيه ونيله مِنْهُ إِلَّا بذلك فَهُوَ نَظِير وَفَاء الدّين ورد الظلامة وَلَا يغنى عَن لفظ الْكَذِب لفظ ممجمج لَيْسَ بِصَرِيح فى مَعْنَاهُ بل من نَالَ من أَخِيه قذفا وَهُوَ يعلم أَنه برِئ فتوبته بِأَن يبين للنَّاس أَنه برِئ وَلَا يبين ذَلِك إِلَّا بتسجيله على نَفسه بِصَرِيح الْكَذِب والبهت وَإِن علم أَنه صَادِق أَو شكّ فَالْمَسْأَلَة مُحْتَملَة يحْتَمل أَن يَكْفِيهِ قذفى بَاطِل كَمَا قَالَه الْجُمْهُور وَيدل لَهُ نَص الشافعى دلَالَة وَاضِحَة على رِوَايَة من روى فى لفظ النَّص بِأَنَّهُ أذْنب بِأَن نطق بِالْقَذْفِ إِلَى آخِره فَكَأَن الشافعى ﵀ فسر إكذابه نَفسه بِهَذَا وَيحْتَمل أَن يشْتَرط لفظ الْكَذِب ليجبر مَا كَانَ مِنْهُ وَمَا ذَكرُوهُ من أَنه قد يكون صَادِقا قد قدمنَا جَوَابه وَهُوَ أَن الصدْق هُنَا لَيْسَ مُطَابقَة مَا فى نفس الْأَمر بل كل قَاذف

стр. 925

إِذا لم يتم الْعدَد فَهُوَ كَاذِب لقب لقبه الرب عز من قَائِل بِهِ ووسمه سمة لَا تزايله إِلَّا بِمَا ذَكرْنَاهُ وَهَذَا فِيمَن أخرج قذفه مخرج الشتم والسب أما من أخرجه مخرج الشَّهَادَة وَلم يتم الْعدَد وَقُلْنَا بِوُجُوب الْحَد عَلَيْهِ فَلَا يظْهر لى أَن يَقُول ذَلِك وَلَا أَن الإصطخرى يُوجب عَلَيْهِ هَذَا القَوْل وَإِنَّمَا يُوجب أَبُو سعيد لفظ التَّكْذِيب على من أخرجه مخرج السب والإيذاء هَذَا مَا يدل عَلَيْهِ نقل الماوردى فى الحاوى صَرِيحًا وَغَيره تَلْوِيحًا وَإِن كَانَ كَلَام الرافعى وَمن تبعه مُطلقًا فَصَارَت الصُّور عندى ثَلَاثًا قَاذف يعلم كذبه فالراجح قَول أَبى سعيد وقاذف لَا يعلم كذبه وَلكنه أخرج قذفه مخرج الشتم والإيذاء فَفِيهِ تردد نظر وقاذف يظنّ أَو يعلم صدق نَفسه وَمَا أخرج قذفه إِلَّا مخرج الشَّهَادَة غير أَنه حد لنُقْصَان الْعدَد فالراجح فِيهِ قَول الْجُمْهُور بل لَا أعتقد فِيهِ خلافًا وَلَا أحفظ عَن الإصطخرى فِيهِ مُخَالفَة بل صَرِيح كَلَام الماوردى يدل على أَنه لَا يُخَالف فِيهِ بل لَو قَالَ هَذَا وَالْحَالة هَذِه كذبت لم تقبل شَهَادَته فى الْحَال أما إِذا قَالَ الْقَذْف بَاطِل فَإِن شَهَادَته تقبل فى الْحَال إِذا كَانَ عدلا لقَوْل عمر رضى الله عَنهُ لأبى بكرَة تب أقبل شهادتك فَكيف نلجئه أَن يَقُول كذبت وهى لَفْظَة توجب الحكم برد شَهَادَته فِيمَا يسْتَأْنف فَإِن قلت من أَيْن لَك أَنه إِذا قَالَ كذبت ترد شَهَادَته فِيمَا يسْتَأْنف وَإِن كَانَ قذفه إِنَّمَا كَانَ على وَجه الشَّهَادَة والذى قَالَه الرافعى وَمن تبعه فى الْعدْل يقذف على صُورَة الشَّهَادَة ثمَّ يَتُوب أَنه لَا يشْتَرط الِاسْتِبْرَاء على الْمَذْهَب وَإِن كَانَ قذف سبّ إو إِيذَاء

стр. 926

اشْترط على الْمَذْهَب وَلم يفضلوا فى قذف الشَّهَادَة بَين أَن تكون التَّوْبَة مِنْهُ بِلَفْظ كذبت أَو غَيره قلت هُوَ مُطلق يُقيد بِمَا إِذا لم يكن بِلَفْظ كذبت إِذْ هُوَ حِين يَقُول كذبت معترف بِفِسْقِهِ وإقدامه على شَهَادَة الزُّور فى هَذَا الْأَمر الخطير إِلَّا أَن يعْنى ب كذبت أَنى ملقب من الشَّارِع بلقب الْكَذِب كَمَا قدمْنَاهُ فَإِن هُوَ عَنى ذَلِك فَلَا كَلَام وَإِلَّا فقد اعْترف بِشَهَادَة الزُّور فَهَذَا هُوَ الذى يظْهر ثمَّ هُوَ المسطور بل لم يَجعله الإِمَام مَحل خلاف إِذْ قَالَ فى النِّهَايَة وَالْوَجْه عندنَا أَن يَقُول إِذا صرح بتكذيب نَفسه فَهَذَا يخرج عَن التفاصيل وترديد الْأَقْوَال وَيقطع فِيهِ بالاستبراء وَقَالَ صَاحب الْبَحْر فى الْقَاذِف إِذا كَانَ عدلا لَكِن لم يتم الْعدَد إِن أَصْحَابنَا قَالُوا إِن هَذَا إِذا قَالَ الْقَذْف بَاطِل وَأَنا لَا أَعُود قبلت شَهَادَته فى الْحَال إِلَى أَن قَالَ والذى قَالَ لاستبراء حَاله أَرَادَ إِذا لم يطلّ الزَّمَان أَو أَرَادَ إِن أكذب نَفسه فى الْقَذْف إِلَى أَن قَالَ وَإِن لم يكذب نَفسه وَأظْهر الندامة على قَوْله وَكَانَ عدلا من قبل لَا يحْتَاج إِلَى زمن الِاسْتِبْرَاء انْتهى مُلَخصا وَإِذا تَأَمَّلت مَا سطرته لَك فى هَذِه الْجُمْلَة حصلت مِنْهُ على فَوَائِد إِحْدَاهَا أَن لفظ كذبت لَا يشْتَرط عِنْد أَبى سعيد إِلَّا فى قذف السب والإيذاء دون الْمخْرج مخرج الشَّهَادَة على مَا دلّ عَلَيْهِ كَلَام كثير من النقلَة وَكَلَام الماوردى كَالصَّرِيحِ فِيهِ فَلْينْظر الحاوى وَلَيْسَ فى الرافعى شئ من ذَلِك بل قَالَ بعد مَا ذكر خلاف الإصطخرى وَالْجُمْهُور وَلَا فرق فى ذَلِك بَين الْقَذْف على سَبِيل السب والإيذاء وَبَين الْقَذْف على صُورَة الشَّهَادَة إِذا لم يتم عدد الشُّهُود إِن قُلْنَا بِوُجُوب الْحَد على من شهد فَإِن لم يُوجب فَلَا حَاجَة بِالشَّاهِدِ إِلَى التَّوْبَة انْتهى

стр. 927

وَهَذَا صَرِيح فِيمَا إِذا لم يتم الْعدَد بِأَنَّهُ على القَوْل بِوُجُوب الْحَد يطرقه خلاف أَبى سعيد فَيُوجب عَلَيْهِ أَن يَقُول كذبت وَهَذَا بعيد بل لَا أَشك فى بُطْلَانه فَإِن الْمُصَرّح بِهِ عَن أَبى سعيد خلاف ذَلِك وَقد قدمنَا كَلَام صَاحب الْبَحْر ثمَّ صرح بعد ذَلِك فَقَالَ فِيمَا إِذا نقص الْعدَد إِن قُلْنَا يحدون يحكم بفسقهم وَتجب التَّوْبَة فَيَقُول قذفى بَاطِل وَلَا يحْتَاج إِلَى النَّدَم وَترك الْعَزْم فِي الْمُسْتَقْبل لِأَنَّهَا شَهَادَة فى حق الله وَلَا يعْتَبر أَن يَقُول إنى كَاذِب وَلَا أَن يَقُول وَلَا أَعُود إِلَى مثله لِأَنَّهُ لم تمّ عدد الشُّهُود لزمَه أَن يشْهد انْتهى وَهُوَ صَحِيح لَا شكّ فِيهِ الثانى أَن لفظ حرَام فى قَوْله قذفى بَاطِل لم يَقع إِلَّا فى عبارَة الشَّيْخ أَبى حَامِد والقفال وَمن تبعهما وَمَا أظنها على سَبِيل التَّعْيِين فَلَا يغتر بهَا بل يكفى قذفى بَاطِل الثَّالِثَة أَن لفظ إنى نادم وَقع فى كَلَام من رَأَيْته وَمَا أرَاهُ على سَبِيل التَّعْيِين وَإِن كَانَت عبارَة الْمُحَرر والمنهاج تغر وتوهم أَن ذَلِك يتَعَيَّن وَالرَّابِعَة أَن لفظ وَلَا أَعُود وَقع مستطردا فى كَلَام الرافعى يكَاد يكون غير مَقْصُود وهى مَسْأَلَة ذَات وَجْهَيْن صرح بحكايتهما الماوردى فى الحاوى والرويانى فى الْبَحْر ١٦٧ - الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد الطبرى أَبُو الْحُسَيْن الجلابى قدم بَغْدَاد وَكَانَ يحضر مجْلِس الداركى ثمَّ درس فى حَيَاته وَكَانَت لَهُ معرفَة بِالْحَدِيثِ

стр. 928

حدث عَن أَبى على الْحسن بن أَحْمد الْفَقِيه وأبى الْحسن بن أَبى عمرَان الجرجانى قَالَ ابْن النجار وروى عَنهُ عَامر بن مُحَمَّد البسطامى فى مُعْجم شُيُوخه فى الكنى وَلم يسمه قَالَ ابْن النجار وَقد رَأَيْت لَهُ كتابا سَمَّاهُ الْمدْخل فى الجدل وَرَأَيْت عَلَيْهِ خطه وَقد سمى نَفسه الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد وَذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فى الطَّبَقَات بكنيته وَلم يزدْ على أَن قَالَ تفقه فى بَلَده وَحضر مجْلِس الداركى ثمَّ درس فى حَيَاته وَمَات قبل الداركى بسبعة عشر يَوْمًا وَكَانَ فَقِيها فَاضلا عَارِفًا بِالْحَدِيثِ وَكَانَت وَفَاة الداركى فى الثَّالِث عشر من شَوَّال سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة فَتكون وَفَاة الجلابى فى سادس عشرى رَمَضَان وَقَالَ أَبُو عَاصِم أَبُو الْحُسَيْن بن أَحْمد الجلابى كَانَ فَقِيها جدلا ورعا وَمن الرِّوَايَة عَنهُ وَمن الغرائب عَنهُ حكى القاضى أَبُو الطّيب فى التعليقة أَن الشَّيْخ أَبَا حَامِد كَانَ يحْكى أَن الجلابى سُئِلَ عَن الْبَالِغين من أهل الْحَرْب إِذا أسرهم الإِمَام فَقَالَ صَارُوا أرقاء بِنَفس الْأسر كالنساء وَالصبيان قَالَ وَهَذَا غلط قَالَ القاضى أَبُو الطّيب وَأَنا رَأَيْت الجلابى وَكنت صَبيا قَالَ ابْن الرّفْعَة وَلَا شكّ أَن هَذَا غلط إِن لم يثبت للْإِمَام تَخْيِير فيهم نعم إِن

стр. 929

قَالَ بِثُبُوت الْخِيَار فيهم بعد ذَلِك بَين الْبَقَاء على الرّقّ والمن وَالْفِدَاء وَالْقَتْل فَلَا بعد فِيهِ ١٦٨ - الْحسن بن أَحْمد الْمَعْرُوف بالحداد البصرى القاضى أَبُو مُحَمَّد وَهُوَ الْمَذْكُور فى كتاب الْأَقْضِيَة من شرح الرافعى قَالَ فِيهِ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق أحد فُقَهَاء أَصْحَابنَا لَا أعلم على من درس وَلَا وَقت وَفَاته قَالَ وَرَأَيْت لَهُ كتابا فى أدب الْقَضَاء دلّ على فضل كَبِير قلت وقفت على الْكتاب الْمَذْكُور وَقد حدث فِيهِ عَن من لحق أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَعَن من لحق ابْن سُرَيج ووقفت لَهُ أَيْضا على كتاب فى الشَّهَادَات وَفِيهِمَا فَوَائِد ١٦٩ - الْحسن بن حبيب بن عبد الله الْملك الدمشقى الْفَقِيه أَبُو على الحصائرى إِمَام مَسْجِد بَاب الْجَابِيَة بِدِمَشْق ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ

стр. 930

وَحدث بِكِتَاب الإِمَام الشافعى عَن أَصْحَابه سمع الرّبيع بن سُلَيْمَان وبكار بن قُتَيْبَة القاضى وَالْعَبَّاس بن الْوَلِيد البيروتى وَصَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد بن عبد الله بن عبد الحكم وَأَبا أُميَّة الطرسوسى وخلقا روى عَنهُ عبد الْمُنعم بن غلبون وَابْن جَمِيع وَابْن المقرى وَأَبُو حَفْص ابْن شاهين وَتَمام الرازى وَأَبُو بكر بن أَبى الْحَدِيد وَآخَرُونَ قَالَ عبد الْعَزِيز الكتانى هُوَ ثِقَة نبيل حَافظ لمَذْهَب الشافعى مَاتَ فى ذى الْقعدَة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ١٧٠ - الْحسن بن الْحُسَيْن الإِمَام الْجَلِيل القاضى أَبُو على بن أَبى هُرَيْرَة أحد عُظَمَاء الْأَصْحَاب ورفعائهم الْمَشْهُور اسْمه الطَّائِر فى الْآفَاق ذكره قَالَ فِيهِ الْخَطِيب وَقد ذكره فى تَارِيخ بَغْدَاد الْفَقِيه القاضى كَانَ أحد شُيُوخ الشافعيين وَله مسَائِل فى الْفُرُوع مَحْفُوظَة وأقواله فِيهَا مسطورة قلت شرح الْمُخْتَصر ووقفت على الشَّرْح الْمَذْكُور وتفقه على ابْن سُرَيج وأبى إِسْحَاق المروزى قَالَ أَبُو سعيد الكرابيسى الْحَافِظ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن أَبى جَعْفَر ناقله إِلَى القاضى الخوارزمى يَقُول تغيب أَبُو الْحسن الأوزاعى عَن القاضى أَبى على

стр. 931

ابْن أَبى هُرَيْرَة فى بَغْدَاد أَيَّامًا ثمَّ حَضَره فَقَالَ يَا أَبَا الْحسن أَيْن كنت عَنَّا فَقَالَ كنت أَيهَا القاضى شبه العليل فَقَالَ لَهُ أَبُو على وهبك الله شبة الْعَافِيَة قَالَ الرافعى إِن ابْن أَبى هُرَيْرَة زعيم عَظِيم للفقهاء وَسَنذكر فى أَيْن قَالَ هَذَا وَمَات فى شهر رَجَب سنة خمس وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَمن الغرائب والفوائد عَنهُ قَالَ فِيمَن طلق وَاحِدَة من نِسَائِهِ لَا بِعَينهَا أَو بِعَينهَا ثمَّ نَسِيَهَا طَلَاقا رَجْعِيًا إِن لَهُ وَطْء الْجَمِيع وَاخْتلف النَّقْل عَنهُ فى أَن الْوَطْء تعْيين أَو لَيْسَ بِتَعْيِين فَيخرج من كَونه لَيْسَ تعيينا أَنه يطَأ كلا مِنْهُمَا وَلَا يكون وَطْء وَاحِدَة مَانِعا من وَطْء الْأُخْرَى وَلَا يُمكنهُ أَن يَقُول الطَّلَاق وَاقع من حِين اللَّفْظ لِأَن من أوقعه من حِين اللَّفْظ جعل الْوَطْء تعيينا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرافعى وَحكى الْخلاف فى ذَلِك بَين أَبى إِسْحَاق وَابْن أَبى هُرَيْرَة فَكَأَن هَذَا اللَّفْظ عِنْد ابْن أَبى هُرَيْرَة لَا يُبَاشر بِهِ الْمحل وَهَذَا قد يتَّجه فى الطَّلَاق الْمُبْهم أما فِيمَن طلق مُعينَة ثمَّ نَسِيَهَا فَلَا اتجاه لَهُ وَهُوَ آيل إِلَى وَطْء الْمُحرمَة قطعا ومنزلة هَذَا الْمَذْهَب فى الْبعد منزلَة مُقَابِله الذى حَكَاهُ الحناطى فِيمَن علق الطَّلَاق بالشهر وَذَلِكَ أَن الشاك فى الباقى من الشَّهْر لَا يَقع عَلَيْهِ الطَّلَاق لِأَنَّهُ لَا يَقع إِلَّا بِالْيَقِينِ وَحكى الحناطى وَجْهَيْن فى حل الْوَطْء فى حَال الشَّك وَجه التَّحْرِيم أَنه شَاك فى استباحتها فَأشبه مَا إِذا اشتبهت زَوجته بأجنبية قَالَ ابْن الرّفْعَة وَهَذَا التَّعْلِيل يقتضى تَحْرِيمهَا عَلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه فِيمَا إِذا شكّ هَل طلق أَو لَا وَلم نر من قَالَ بِهِ

стр. 932

إِذا كَانَ رَأس الشاج أَصْغَر استوعبناه وضممنا إِلَيْهِ أرش مَا بقى وَقَالَ ابْن أبي هُرَيْرَة تخريجا فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ الماوردى بل نضم إِلَيْهِ أرش الْمُوَضّحَة كَامِلا قَالَ فى الحاوى فى النهى عَن تلقى الركْبَان وَكَذَلِكَ المدلس قَالَ الشافعى قد عصى الله تَعَالَى وَالْبيع لَازم وَالثمن حَلَال يُرِيد أَن التَّدْلِيس حرَام وَالثمن حَلَال وَقد كَانَ أَبُو على بن أَبى هُرَيْرَة يَقُول إِن ثمن التَّدْلِيس حرَام لَا ثمن الْمَبِيع أَلا ترى أَن الْمَبِيع إِذا فَاتَ رَجَعَ على البَائِع بِأَرْش عيب التَّدْلِيس فَدلَّ على أَنه أَخذ مِنْهُ بِغَيْر اسْتِحْقَاق انْتهى وَمَا حَكَاهُ عَن ابْن أَبى هُرَيْرَة غَرِيب وَمَعْنَاهُ أَن الزِّيَادَة بِسَبَب التَّدْلِيس مُحرمَة لَا جملَة الثّمن وَاعْلَم أَن صَاحب الْبَحْر لم ينْقل فِيهِ هَذَا مَعَ كَثْرَة اسْتِقْصَائِهِ لكَلَام الحاوى رَأَيْت فى تَعْلِيق ابْن أَبى هُرَيْرَة على الْمُخْتَصر فى الْحُدُود بعد ذكر الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا مَا نَصه أَلا ترى أَن ابْن مَسْعُود قد أنكر المعوذتين وَإِنَّمَا أنكر رسمهما لِأَنَّهُ محَال أَن يظنّ بِابْن مَسْعُود أَن يُنكر أَصلهمَا انْتهى قلت وَقد عقد القاضى أَبُو بكر فى كِتَابه الِانْتِصَار لِلْقُرْآنِ وَهُوَ الْكتاب الْعَظِيم الذى لَا ينبغى لعالم أَن يَخْلُو عَن تَحْصِيله بَابا كَبِيرا بَين فِيهِ خطأ النَّاقِل لهَذِهِ الْمقَالة عَن عبد الله بن مَسْعُود وَأَن الدَّلِيل الْقَاطِع قَائِم على كذبه على عبد الله وَبَرَاءَة عبد الله مِنْهُمَا قَالَ ابْن أَبى هُرَيْرَة الْبَحْث مَعَ الْفَاسِق لَا يجوز وَفرق الماوردى فجوزه فى الْمَعْقُول دون الْمَنْقُول قلت وَكِلَاهُمَا مُسْتَدْرك وَالصَّوَاب الْبَحْث مَعَه وَأما قبُول نَقله فَأمر آخر لِابْنِ أَبى هُرَيْرَة وَجه أَن بيع عقار الْيَتِيم للغبطة لَا يجوز وَإِنَّمَا يجوز للضَّرُورَة فَقَط رَأَيْته فى تَعْلِيقه وحكيته عَنهُ فى التوشيح بِلَفْظ فَلْينْظر

стр. 933

فصل ابْن أَبى هُرَيْرَة فى تَقْدِيم الْعشَاء وتأخيرها فَقَالَ كَمَا نَقله صَاحب الحاوى إِن علم من نَفسه أَنه إِذا آخرهَا لَا يغلبه نوم وَلَا كسل فَالْأَفْضَل التَّأْخِير وَإِلَّا فالتقديم وَقَالَ الشاشى هَذَا التَّفْصِيل مُتَّجه للمنفرد دون الْجَمَاعَة لاخْتِلَاف أَحْوَالهم قَالَ الْوَالِد ﵀ وَمَا ذكره ابْن أَبى هُرَيْرَة فى الْحَقِيقَة اخْتِيَار للتأخير لِأَن من خشى أَن النّوم يغلبه لَا يُمكن أَن يُقَال التَّأْخِير لَهُ أفضل قَالَ ابْن أَبى هُرَيْرَة إِذا أكره الْمصلى على الْحَدث بِأَن عصر بَطْنه حَتَّى خرج بِغَيْر اخْتِيَاره لم تبطل صلَاته كَذَا نَقله عَنهُ الْوَالِد ﵀ فى شرح الْمِنْهَاج وَهُوَ غَرِيب قَالَ الْوَالِد كَأَنَّهُ تَفْرِيع على القَوْل بِأَن سبق الْحَدث لَا يبطل الصَّلَاة قلت أَو أَنه على الْجَدِيد وَهُوَ وَجه صَعب شبه الْوَجْه الذَّاهِب إِلَى أَن من مس ذكره نَاسِيا لَا ينْتَقض وضوؤه وَقد حَكَاهُ الرافعى عَن حِكَايَة الحناطى نقل الماوردى فى الحاوى أَن ابْن أَبى هُرَيْرَة قَالَ إِنَّه يُبَاح وَلَا يكره عقد الْيَمين على مُبَاح اعْتِبَارا بالمحلوف عَلَيْهِ وَهَذَا مُخَالف لنَصّ الشافعى حَيْثُ قَالَ وأكره الْأَيْمَان على كل حَال إِلَّا فِيمَا كَانَ طَاعَة وَوجه ابْن أَبى هُرَيْرَة غَرِيب لم يحكه الرافعى إِنَّمَا حكى الرافعى الْأَوْجه فى الْحَالِف على مُبَاح هَل يسْتَحبّ لَهُ الْحِنْث أَو عَدمه أَو يتَخَيَّر أما نفس عقد الْيَمين فَظَاهر كَلَامه الْجَزْم بِأَنَّهُ مَكْرُوه كَمَا هُوَ ظَاهر النَّص حكى الدبيلى فى كتاب أدب الْقَضَاء أَن ابْن أَبى هُرَيْرَة قَالَ فِيمَا إِذا أسلم فى دَرَاهِم أَو دَنَانِير وَلم يصفها إِنَّه يجوز وَيحمل على نقد الْبَلَد وَأَن أَبَا إِسْحَاق قَالَ لَا يجوز لِأَن السّلم يحْتَاط فِيهِ وَأَن ابْن سُرَيج قَالَ إِن كَانَ حَالا جَازَ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ قد يتَغَيَّر النَّقْد

стр. 934

قلت أما مَا حَكَاهُ عَن ابْن سُرَيج فَغَرِيب حسن وَأما الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ فقد أَشَارَ إِلَيْهِمَا الإِمَام فى النِّهَايَة فى أَوَائِل بَاب كتاب القاضى إِلَى القاضى مَسْأَلَة إِيقَاع الْقرعَة على العَبْد الْمُبْهم حَتَّى يعْتق أنكر على الشَّيْخ ابْن أَبى هُرَيْرَة قَوْله فِيمَا إِذا قَالَ الزَّوْج إِن كَانَ الطَّائِر غرابا فعبدى حر وَإِلَّا فزوجتى طَالِق وَمَات قبل الْبَيَان وَقُلْنَا لَا يعين الْوَارِث بل نقرع فَإِن خرجت على الْمَرْأَة لم تطلق وَالأَصَح لَا يرق العَبْد وعَلى هَذَا ففى وَجه أَن الْقرعَة تُعَاد إِلَى أَن تخرج عَلَيْهِ قَالَ الرافعى قَالَ الإِمَام وعندى يجب أَن يخرج الْقَائِل بِهِ عَن أحزاب الْفُقَهَاء وَمن قَالَ بِهِ فليقطع بِعِتْق العَبْد وليترك تَضْييع الزَّمَان فى إِخْرَاج الْقرعَة وَهَذَا قوى قويم لَكِن الحناطى حكى الْوَجْه عَن ابْن أَبى هُرَيْرَة وَهُوَ زعيم عَظِيم للفقهاء لَا يَتَأَتَّى إِخْرَاجه من أحزابهم انْتهى قلت أما كَونه زعيما عَظِيما فَلَا شكّ فِيهِ وَلَعَلَّ من أجل ذَلِك لم يبح الإِمَام باسمه بل ذكر الْوَجْه مُجَردا غير معزو إِلَى قَائِل وَكَأَنَّهُ جعل الآفة فِيهِ النقلَة عَن أَبى على وَعبارَة الإِمَام فى النِّهَايَة وفى بعض التصانيف أَن الْقرعَة تُعَاد مرّة أُخْرَى عَن بعض أَصْحَابنَا وعندى أَن صَاحب هَذِه الْمقَالة يجب أَن يخرج من أحزاب الْفُقَهَاء فَإِن الْقرعَة إِذا كَانَت تُعَاد ثَانِيَة فقد تُعَاد ثَالِثَة ثمَّ لَا يزَال الْأَمر كَذَلِك حَتَّى تقع على الْأمة فَإِن الْقرعَة ستخرج عَلَيْهَا وَحقّ صَاحب هَذَا الْمَذْهَب أَن يقطع بِعِتْق الْأمة وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ انْتهى وَلَا شكّ أَن الإِمَام لَا يُطلق هَذِه الْعبارَة فى حق ابْن أَبى هُرَيْرَة بل إِمَّا أَلا يكون

стр. 935

بلغه أَن هَذَا القَوْل قَوْله أَو لَا يكون صدق النقلَة عَنهُ وَيُؤَيّد هَذَا أَنى رَأَيْت أخى الشَّيْخ أَبَا حَامِد أَحْمد أَطَالَ الله بَقَاءَهُ ذكر فى تَكْمِلَة شرح الْمِنْهَاج لفظ ابْن أَبى هُرَيْرَة فى الْمَسْأَلَة من تعليقته الَّتِى علقها عَنهُ الطبرى وَلَيْسَ فِيهِ أَنه قَالَ إِن الْقرعَة تُعَاد بل عِبَارَته فى الْقرعَة وَإِن خرجت على امْرَأَته لم تطلق وَلم يعْتق العَبْد والورع أَلا يَأْخُذ وَارثه وَيجوز لَهُ أَن يتَصَرَّف فى العَبْد انْتهى وفى قَوْله وَيجوز لَهُ أَن يتَصَرَّف فى العَبْد مَا يُؤذن بِخِلَاف مَا نَقله الحناطى ثمَّ أَقُول بِتَقْدِير ثُبُوت مَنْقُول الحناطى لَيست هَذِه الْمقَالة بَالِغَة فى النكارة إِلَى هَذَا الْحَد وَلَا يلْزمه أَن يعين العَبْد لِلْعِتْقِ ابْتِدَاء من غير قرعَة لِأَنَّهُ قد يكون من مذْهبه أَن الْقرعَة تحدث أَن الْعتْق فى الْحَال وَلَا يكون منكبة عَنهُ فقد وجدته حكى فى تعليقته فى بَاب الْقرعَة أَوَاخِر كتاب الْعتْق هَذَا الْمَذْهَب عَن مَالك ﵀ لكنه رد على مَالك فى ذَلِك وَبِتَقْدِير أَلا يكون مذْهبه فَلَا يلْزمه ذَلِك أَيْضا لِأَن لَهُ أَن يَقُول لَو أَعتَقته بِلَا قرعَة لأعتقته بِلَا سَبَب بِخِلَاف مَا إِذا أَعتَقته بِقرْعَة وَإِن كنت متسببا فى خُرُوجهَا عَلَيْهِ فَإنَّا عهدنا الْقرعَة مَنْصُوبَة سَببا فى مثل ذَلِك ولأجله قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ هُنَا لِأَنَّهَا لَو قرعت الْمَرْأَة لم تطلق فَمَا جعلت إِلَّا رَجَاء الْوُقُوع على العَبْد فَيعتق فَدلَّ أَن الْمَقْصُود بهَا محاولة الْعتْق وَهُوَ شَيْء يتشوف الشَّارِع إِلَيْهِ فَلَا يبعد إِعَادَتهَا حَتَّى تخرج عَلَيْهِ وَيعتق وَيكون عتقه مُسْندًا إِلَى الْقرعَة على الْجُمْلَة وَإِن كَانَ الْمَقْصُود بهَا التحيل عَلَيْهِ

стр. 936

وَقد يسْتَأْنس بِهَذَا على الْجُمْلَة بِمَا اتّفق فى أَمر عبد الله وَالِد سيدنَا رَسُول الله ﷺ وَقد خرج الْقدح عَلَيْهِ فزادوا الْإِبِل عشرا عشرا كلما وَقعت عَلَيْهِ الْقرعَة زادوا وعادوا الْقرعَة حَتَّى انْتَهوا إِلَى الْمِائَة وَوَقعت الْقرعَة على الْإِبِل فَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا توصلا إِلَى نجاة عبد الله وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْمُفَسِّرُونَ فى قصَّة يُونُس ﵊ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ لما توعده قومه الْعَذَاب انْطلق مغاضبا حَتَّى انْتهى إِلَى قوم فى سفينة فعرفوه فَحَمَلُوهُ فَلَمَّا ركب السَّفِينَة وقفت فَقَالَ مَا لسفينتكم فَقَالُوا لَا ندرى فَقَالَ لكنى أدرى فِيهَا عبد آبق من ربه وَإِنَّهَا وَالله لَا تسير حَتَّى تلقوهُ قَالُوا أما أَنْت يَا نبى الله لَا نلقيك قَالَ فاقترعوا فَمن قرع فاقترعوا فقرع يُونُس فَأَبَوا أَن يمكنوه من الْوُقُوع فعادوا إِلَى الْقرعَة حَتَّى قرع ثَلَاث مَرَّات فَهَذَا وَمَا قبله وَإِن كَانَا قبل شرعنا إِلَّا أَنه مِمَّا يسْتَأْنس بِهِ على الْجُمْلَة لمحاولة من تقرعه الْقرعَة قَول على لعمر رضى الله عَنْهُمَا فى قصَّة الْمُغيرَة فى أَبى بكرَة أَرَاك إِن جلدته رجمت صَاحبك روى أَن عمر رضى الله عَنهُ قَالَ فى قصَّة الْمُغيرَة لأبى بكره تب أقبل شهادتك فَقَالَ وَالله لَا أَتُوب وَالله زنا فهم عمر بجلده ثَانِيًا فَقَالَ لَهُ على أَرَاك إِن جلدته رجمت صَاحبك فَتَركه وَلم يُخَالِفهُ فى هَذِه الْقِصَّة أحد من الصَّحَابَة وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا فى معنى هَذَا الْكَلَام بعد الِاعْتِرَاف بإشكاله على وَجْهَيْن رأيتهما فى تَعْلِيق ابْن أبي هُرَيْرَة احْتِمَالَيْنِ وَهَذَا كَلَامه فى التعليقة وَكَانَ معنى قَوْله إِن جلدته فارجم صَاحبك أى أَنَّك

стр. 937

إِن استحللت جلده من غير اسْتِحْقَاقه إِيَّاه فارجم صَاحبك كَمَا يُقَال من بَاعَ الْخمر فليشقص الْخَنَازِير وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ إِن كنت أَقمت هَذَا شَاهدا آخر فارجم صَاحبك لتَمام الشَّهَادَة فَإِذا كنت لَا تَجْعَلهُ شَاهدا رَابِعا حَتَّى ترْجم بِهِ صَاحبك فَلَا تَجْعَلهُ قَاذِفا رَابِعا حَتَّى تحده لِأَنَّهُ قد حددتموه انْتهى وَصرح ابْن الرّفْعَة فى الْمطلب بنقلهما خلافًا بَين الْأَصْحَاب وَذكر أَن الأول قَول الشَّيْخ أبي حَامِد وَأَن الثَّانِي أصح قَالَ ابْن الرّفْعَة وَقد قيل أَن الْمُغيرَة كَانَ تزوج بِتِلْكَ الْمَرْأَة فى السِّرّ وَكَانَ عمر لَا يُبِيح نِكَاح السِّرّ وَيُوجب الْحَد على فَاعله وَكَانَ يَقُول للْمُغِيرَة هَذِه امْرَأَتك فينكر فَظَنهُ من شهد عَلَيْهِ زَانيا لأَنهم يعْرفُونَ مِنْهُ أَنه ينكرها قَالَ وَهَذَا طَرِيق يحسن الظَّن بالصحابة قَالَ وَحِينَئِذٍ لَا يكون الشُّهُود كذبُوا وَلَا الْمُغيرَة زنا وَالْحَمْد لله ١٧١ - الْحسن بن سُفْيَان بن عَامر بن عبد الْعَزِيز بن النُّعْمَان الشيبانى الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس النسوى مُصَنف الْمسند تفقه على أَبى ثَوْر وحرملة وَهُوَ الْقَائِل سَمِعت حَرْمَلَة يَقُول سَمِعت الشافعى يَقُول فى رجل فى فَم امْرَأَته

стр. 938

تَمْرَة فَقَالَ لَهَا إِن أكلت هَذِه التمرة فَأَنت طَالِق وَإِن طرحتها فَأَنت طَالِق فَأكلت نصفهَا وطرحت نصفهَا لم تطلق سمع الْحسن بن سُفْيَان من أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الحنظلى وقتيبة وَعبد الرَّحْمَن بن سَلام الجمحى وشيبان بن فروخ وأبى بكر بن أَبى شيبَة وأبى ثَوْر وَسَهل بن عُثْمَان العسكرى وَمُحَمّد بن أَبى بكر المقدمى وَسعد بن يزِيد الْفراء وَيزِيد بن صَالح وَغَيرهم روى عَنهُ ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو بكر الإسماعيلى وَابْن حبَان وَأَبُو على الْحَافِظ وَيحيى ابْن مَنْصُور القاضى وَأَبُو عَمْرو بن حمدَان وحفيده إِسْحَاق بن سعيد النسوى وَخلق سواهُم قَالَ الْحَاكِم كَانَ مُحدث خُرَاسَان فى عصره مقدما فى الثبت وَالْكَثْرَة والفهم وَالْفِقْه وَالْأَدب وَقَالَ ابْن حبَان كَانَ مِمَّن رَحل وصنف وَحدث على تيقظ مَعَ صِحَة الدّيانَة والصلابة فى السّنة وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد النيسابورى الْفَقِيه كَانَ الْحسن أديبا فَقِيها أَخذ الْأَدَب عَن أَصْحَاب النَّضر بن شُمَيْل وَالْفِقْه عَن أَبى ثَوْر وَقَالَ الْحَاكِم سَمِعت مُحَمَّد بن دَاوُد بن سُلَيْمَان يَقُول كُنَّا عِنْد الْحسن بن سُفْيَان فَدخل ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو عَمْرو الحيرى وَأَبُو بكر بن على الرازى فى جمَاعَة وهم متوجهون

стр. 939

إِلَى فراوة فَقَالَ أَبُو بكر بن على قد كتبت هَذَا الطَّبَق من حَدِيثك قَالَ هَات فَأخذ يقْرَأ فَلَمَّا قَرَأَ أَحَادِيثه أَدخل إِسْنَادًا فى إِسْنَاد فَرده الْحسن ثمَّ بعد سَاعَة فعل ذَلِك فَرده الْحسن فَلَمَّا كَانَ فى الثَّالِثَة قَالَ لَهُ الْحسن مَا هَذَا قد احتملتك مرَّتَيْنِ وَهَذِه الثَّالِثَة وَأَنا ابْن تسعين سنة فَاتق الله فى الْمَشَايِخ فَرُبمَا اتّفق فِيك دَعْوَة فَقَالَ لَهُ ابْن خُزَيْمَة مَه لَا تؤذ الشَّيْخ قَالَ إِنَّمَا أردْت أَن تعلم أَن أَبَا الْعَبَّاس يعرف حَدِيثه توفى الْحسن بن سُفْيَان بقرية بالوز وَكَانَ مُقيما بهَا وهى على ثَلَاثَة فراسخ من نسا فى شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وثلاثمائة الْحسن بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس أَبُو على الزجاجى الإِمَام الْكَبِير أحد الْأَئِمَّة تلميذ ابْن الْقَاص والراوى عَنهُ جُزْء حَدِيث أَبى عمر وَشَيخ القاضى أَبى الطّيب أرَاهُ من أهل هَذِه الطَّبَقَة وسأذكره فى الرَّابِعَة ١٧٢ - الْحسن بن مُحَمَّد أَبُو على الطبسى قَالَ فِيهِ الْحَاكِم الْفَقِيه الأديب الزَّاهِد من أجل مَشَايِخنَا وفقهائنا بخراسان قَالَ وَكَانَ خَليفَة أَبى على بن أَبى هُرَيْرَة فى حَيَاته وَبعد وَفَاته

стр. 940

كتب بخراسان والعراقين وَسمع سنَن أَبى دَاوُد من ابْن داسة قَالَ الْحَاكِم وسمعته يَقُول لما مَاتَ ابْن أَبى هُرَيْرَة وسئلت أَن أخلفه بعد وَفَاته رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فى النّوم يَقُول يَا أَبَا على بلغنى أَنَّك خلفت أَبَا على ابْن أَبى هُرَيْرَة فأحسنت خِلَافَته فجزاك الله عَنى خيرا وَذكره العبادى فى الطَّبَقَات وَحكى عَن الْأُسْتَاذ أَبى طَاهِر أَنه قَالَ اجْتمع رأيى وَرَأى أَبى على على أَن كل كَلَام لَا يُوجد نظمه فى غير كتاب الله فَإِن الْجنب لَا يقرأه وَإِن وجد فى غير كتاب الله فَإِن قصد كتاب الله لم يجز وَإِن قصد غَيره جَازَ قلت والمتأخرون من الْأَصْحَاب لم يذكرُوا هَذَا التَّفْصِيل بل أطْلقُوا أَنه إِذا قَرَأَ شَيْئا لَا على قصد الْقُرْآن أَنه يجوز وَلَا بَأْس بِهَذَا التَّفْصِيل فَإِن مَا لَا يُوجد نظمه إِلَّا فى كتاب الله يبعد أَن يقْصد بِهِ قارئه غير كتاب الله قَالَ العبادى نقلا عَن أَبى على وَالْجنب لَا يَقُول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم بل يَقُول بِسم الله الْعَظِيم وَبِحَمْدِهِ الْحَمد لله على الْإِسْلَام وَنعمته قَالَ كَذَا روى فى الْخَبَر قلت وَهَذَا من آثَار ذَلِك التَّفْصِيل كَأَنَّهُ يَقُول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لَا يُوجد نظمها إِلَّا فى كتاب الله وَهَذَا بعيد أعنى تَحْرِيم قَول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم على الْجنب إِذا لم يقْصد بهَا الْقُرْآن فَإِنَّهَا قد اشْتهر كَونهَا تذكر وَلَا يقْصد بهَا الْقُرْآن غير أَنَّهَا مِمَّا لَا يُوجد نظمه إِلَّا فى كتاب الله

стр. 941

قَالَ الْحَاكِم توفى الْفَقِيه الأوحد فى عصره أَبُو على بطبسين وَحَضَرت معزاه وَتوفى فى شعْبَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة ١٧٣ - أَبُو الْحسن المحاملى الْكَبِير من أَقْرَان أَبى سعيد الإصطخرى وأبى على بن أَبى هُرَيْرَة قَالَ العبادى لَيْسَ هُوَ جد المحاملى الْأَخير بل غَيره قَالَ وَهُوَ الْقَائِل بِأَن من وجد الزَّاد وَالرَّاحِلَة بخراسان يَوْم عَرَفَة وَمَات يقْضى عَنهُ الْحَج قلت وَهَذَا غَرِيب وَقد أهمل الغزالى ذكر إِمْكَان السّير فى شَرَائِط وجوب الْحَج فاعترضه الرافعى وَنَصره ابْن الصّلاح بِأَن إِمْكَان السّير لَيْسَ ركنا لوُجُوب الْحَج بل لاستقراره فِي الذِّمَّة وَصوب النووى قَول الرافعى مستدلا بقوله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَالْحق مَعَه وَالْكل متفقون على عدم ثُبُوته فى الذِّمَّة إِذا لم يتَمَكَّن من السّير فمقالة المحاملى غَرِيبَة ووقفت فى بعض التصانيف الْقَدِيمَة لبَعض من لم أتحقق اسْمه على مَا نَصه سَمِعت ابْن أَبى هُرَيْرَة يَقُول حضرت مجْلِس المحاملى وَقد حَضَره شيخ من أهل أَصْبَهَان نبيل الْهَيْئَة قدم الْمَوْسِم حَاجا فَأَقْبَلت عَلَيْهِ وَسَأَلته عَن مَسْأَلَة فى الطَّهَارَة فضجر

стр. 942

وَقَالَ مثلى يسْأَل عَن مسَائِل الطَّهَارَة فَقلت لَا وَالله إِن سَأَلتك إِلَّا عَن الِاسْتِنْجَاء نَفسه فألقيت عَلَيْهِ هَذِه الْمَسْأَلَة فبقى متحيرا قلت وَأَشَارَ إِلَى كَيْفيَّة الِاسْتِنْجَاء إِذا أمسك ذكره بيساره وَذكر الْأَصْحَاب هَذَا المحاملى أَيْضا فى مَسْأَلَة موت الْأَجِير على الْحَج بعد الْأَخْذ فى السّير وَقبل الْإِحْرَام فَإِن الْمَذْهَب الْمَنْصُوص أَنه لَا يسْتَحق شَيْئا وَالْمَنْقُول فى الرافعى عَن الصيرفى والإصطخرى أَنه يسْتَحق شَيْئا من الْأُجْرَة لِأَنَّهُمَا أفتيا سنة حصر القرامطة الحجيج بِالْكُوفَةِ بِأَن الأجراء يسْتَحقُّونَ بِقدر مَا عمِلُوا وَرَأَيْت فى الْبَحْر للرويانى مَا نَصه حكى الماسرجسى عَن ابْن أَبى هُرَيْرَة أَنه قَالَ لما وَقع من القرامطة مَا وَقع اجْتمعت أَنا والمحاملى والإصطخرى واتفقنا على أَن نفتى بِأَن كل من كَانَ حَاجا عَن الْغَيْر لَا يسْتَحق الْأُجْرَة إِلَّا أَنه يرْضخ لَهُ بشىء هَكَذَا حَكَاهُ القاضى الطبرى وَذكر الشَّيْخ أَبُو حَاتِم أَنهم أفتوا بِأَن لَهُم الْأُجْرَة بِقدر مَا قطع من الْمسَافَة هَذَا كَلَام الْبَحْر وَذكره أَيْضا فِيمَا إِذا اخْتلف الْقَابِض والدافع فى الْألف المدفوعة هَل كَانَت قرضا أَو إبضاعا وَأَن المحاملى الْكَبِير ذهب إِلَى أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ نَقله أَبُو سعد الهروى فى الإشراف وَغَيره

стр. 943

١٧٤ - الْحُسَيْن بن أَحْمد بن حمدَان بن خالوية أَبُو عبد الله الهمذانى إِمَام فى اللُّغَة والعربية وَغَيرهمَا من الْعُلُوم الأدبية قدم بَغْدَاد فَأخذ عَن أَبى بكر بن الأنبارى وأبى بكر بن مُجَاهِد وَقَرَأَ عَلَيْهِ وأبى عمر غُلَام ثَعْلَب ونفطويه وأبى سعيد السيرافى وَقيل إِنَّه أدْرك ابْن دُرَيْد وَأخذ عَنهُ ثمَّ قدم الشَّام وَصَحب سيف الدولة ابْن حمدَان وأدب بعض أَوْلَاده ونفق سوقه بحلب واشتهر ذكره وقصده الطلاب أَخذ عَنهُ عبد الْمُنعم بن غلبون وَالْحسن بن سُلَيْمَان وَغَيرهمَا

стр. 944

وصنف فى اللُّغَة كتاب لَيْسَ وَكتاب شرح الْمَمْدُود والمقصور وَكتاب أَسمَاء الْأسد بلغ فِيهِ إِلَى خَمْسمِائَة اسْم وَكتاب البديع فى الْقُرْآن وَكتاب الْجمل فى النَّحْو وَكتاب الِاشْتِقَاق وَغير ذَلِك وَكتاب غَرِيب الْقُرْآن وَله مَعَ أَبى الطّيب المتنبى مناظرات عديدة وَقد روى مُخْتَصر المزنى عَن أَبى بكر النَّيْسَابُورِي توفى سنة سبعين وثلاثمائة وَمن الْفَوَائِد عَنهُ قَالَ ابْن الصّلاح حكى فى كِتَابه إِعْرَاب ثَلَاثِينَ سُورَة مَذْهَب الشافعى فى الْبَسْمَلَة وَكَونهَا آيَة من أول كل سُورَة قَالَ وَالَّذِي صَحَّ عندى وَإِلَيْهِ أذهب مَذْهَب الشافعى قَالَ وأتى بلطيفة غَرِيبَة فَقَالَ حَدَّثَنى أَبُو سعيد الْحَافِظ وَلَعَلَّه ابْن رُمَيْح النسوى أَحْمد بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر النيسابورى قَالَ سَمِعت الشافعى يَقُول أول الْحَمد ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ وَأول الْبَقَرَة ﴿الم﴾ وَهَذَا الْوَجْه حسن وَهُوَ أَن الْبَسْمَلَة لما ثبتَتْ أَولا فى سُورَة الْفَاتِحَة فهى من السُّور إِعَادَة لَهَا وتكرير فَلَا تكون من تِلْكَ السُّور ضَرُورَة فَلَا يُقَال هى آيَة من أول كل سُورَة بل هى آيَة فى أول كل سُورَة ١٧٥ - الْحُسَيْن بن أَحْمد بن الْحسن بن مُوسَى القاضى أَبُو على البيهقى أوردهُ شَيخنَا الذهبى كَأَنَّهُ تبع للْحَاكِم فِيمَن اسْمه الْحسن كَانَ فَقِيها أديبا قَاضِيا بنسا سمع من ابْن خُزَيْمَة وَابْن صاعد وطبقتهما

стр. 945

روى عَن الْحَاكِم وَغَيره مَاتَ ببيهق سنة تسع وَخمسين وثلاثمائة ١٧٦ - الْحُسَيْن بن الْحسن بن أَيُّوب أَبُو عبد الله الطوسى الأديب كَانَ من كبار الْمُحدثين وثقاتهم رَحل إِلَى أَبى حَاتِم فَأَقَامَ عِنْده مُدَّة وَجَاء بِمَكَّة فَسمع مُسْند أَبى يحيى بن أَبى مَسَرَّة مِنْهُ وَكتب أَبى عبيد من على بن عبد الْعَزِيز روى عَنهُ أَبُو على الْحَافِظ النيسابورى وَأَبُو إِسْحَاق المزكى وَأَبُو الْحُسَيْن الحجاجى وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم وَأَبُو على الرُّوذَبَارِي وَآخَرُونَ مَاتَ بنوقان يَوْم الْأَضْحَى سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة ١٧٧ - الْحُسَيْن بن صَالح بن خيران الشَّيْخ أَبُو على أحد أَرْكَان الْمَذْهَب كَانَ إِمَامًا زاهدا ورعا تقيا نقيا متقشفا من كبار الْأَئِمَّة بِبَغْدَاد

стр. 946

قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق عرض عَلَيْهِ الْقَضَاء فَلم يتقلده وَكَانَ بعض وزراء المقتدر وكل بداره وخوطب الْوَزير فى ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا قصدنا ليقال فى زَمَاننَا من وكل بداره ليتقلد الْقَضَاء فَلم يفعل وَقَالَ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبيد العسكرى شاهدت الموكلين بِبَابِهِ وَختم الْبَاب بضعَة عشر يَوْمًا فَقَالَ لى أَبى يابنى انْظُر حَتَّى تحدث إِن عِشْت أَن إنْسَانا فعل بِهِ هَذَا ليلى فَامْتنعَ وَقَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الكشفلى أَمر على بن عِيسَى وَزِير المقتدر بِاللَّه صَاحب الْبَلَد أَن يطْلب الشَّيْخ أَبَا على بن خيران حَتَّى يعرض عَلَيْهِ قَضَاء الْقُضَاة فاستتر فَوكل بِبَاب دَاره رِجَاله بضعَة عشر يَوْمًا حَتَّى احْتَاجَ إِلَى المَاء فَلم يقدر عَلَيْهِ إِلَّا من عِنْد الْجِيرَان فَبلغ الْوَزير ذَلِك فَأمر بِإِزَالَة التَّوْكِيل عَنهُ وَقَالَ فى مَجْلِسه وَالنَّاس حُضُور ماأردنا بالشيخ أَبى على إِلَّا خيرا أردنَا أَن نعلم أَن فى مملكتنا رجلا يعرض عَلَيْهِ قَضَاء الْقُضَاة شرقا وغربا وَهُوَ لَا يقبل قَالَ القاضى أَبُو الطّيب ابْن خيران كَانَ يعيب على ابْن سُرَيج فى ولَايَته الْقَضَاء وَيَقُول هَذَا الْأَمر لم يكن فى أَصْحَابنَا إِنَّمَا كَانَ فى أَصْحَاب أَبى حنيفَة قلت يعْنى بالعراق وَإِلَّا فَلم يكن الْقَضَاء بِمصْر وَالشَّام فى أَصْحَاب أَبى حنيفَة قطّ إِلَّا أَيَّام بكار فى مصر وَإِنَّمَا كَانَ فى مصر الْمَالِكِيَّة وفى الشَّام الأوزاعية إِلَى أَن ظهر مَذْهَب الشافعى فى الإقليمين فَصَارَ فِيهِ وَصَاحب الْبَلَد الْمعِين بِهِ صَاحب الشرطة وَهُوَ الذى يُسمى الْيَوْم فى بِلَادنَا بالوالى وَكَانَ الوالى فى الزَّمَان الماضى اسْما لأمير الْمَدِينَة وَكَانَ الْأَمِير

стр. 947

يُسمى الوالى تَارَة وَالْعَامِل أُخْرَى وَأما الْمُسَمّى الْيَوْم بالوالى فَكَانَ يُسمى صَاحب الشرطة أَو صَاحب الْبَلَد أَو صَاحب الْخَبَر يعْنى أَنه يطالع الْأَمِير بأخبار الْمَدِينَة قَالَ الرافعى فى بَاب الْأَطْعِمَة عَن ابْن خيران أَنه قَالَ أصَاب أكار لنا كلب المَاء فى ضَيْعَة لنا فأكلناه فَإِذا طعمه طعم السّمك قَالَ شَيخنَا الذهبى لم يبلغنَا على من اشْتغل ابْن خيران وَلَا عَن من أَخذ الْعلم قَالَ وَأَظنهُ مَاتَ كهلا قَالَ وَلم يسمع شَيْئا فِيمَا أعلم قلت لَعَلَّه جَالس فى الْعلم ابْن سُرَيج وَأدْركَ مشايخه قَالَ أَبُو الْعَلَاء مُحَمَّد بن على الواسطى نقلا عَن الْحُسَيْن ابْن العسكرى توفى ابْن خيران يَوْم الثُّلَاثَاء لثلاث عشرَة بقيت من ذى الْحجَّة سنة عشْرين وثلاثمائة وَقَالَ الدارقطنى توفى فى حُدُود الْعشْر والثلاثمائة قَالَ الْخَطِيب وأظن أَبَا الْعَلَاء وهم على ابْن العسكرى وَأَرَادَ أَن يَقُول سنة عشر فَقَالَ سنة عشْرين وَقَالَ ابْن الصّلاح مَا ذكر من وَفَاته أقرب وإياه ذكر الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق قلت وأظن الْعشْرين فى كتاب الدارقطنى إِلَّا أَن النَّاسِخ أسقط الْيَاء وَالنُّون غَلطا وَلَا مُنَافَاة حِينَئِذٍ بَين التاريخين قَالَ شَيخنَا الذهبى وَيدل على مانقله أَبُو الْعَلَاء أَن أَبَا بكر بن الْحداد سَافر من مصر إِلَى بَغْدَاد يسْعَى لأبى عبيد بن حربوية القاضى أَن يُعْفَى من قَضَاء مصر فَقَالَ ابْن زولاق إِنَّه دَخلهَا سنة عشر فى شَوَّال وَشَاهد بَاب أَبى على بن خيران مسمورا لامتناعه من الْقَضَاء وَقد اشْتهر قَالَ فَكَانَ النَّاس يأْتونَ بأولادهم الصغار فَيَقُولُونَ لَهُم انْظُرُوا حَتَّى تحدثُوا بِهَذَا

стр. 948

قلت وَلَيْسَ فى الْحِكَايَة صَرَاحَة فى تَأَخّر وَفَاته عَن سنة عشر فَلَعَلَّهُ مَاتَ بعد التسمير على بَابه بِقَلِيل وَلَكِن الأثبت كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفَاته سنة عشْرين وَمن الغرائب عَن أَبى على بن خيران نقل الدارمى فى بَاب صفة الصَّلَاة من الاستذكار أَن ابْن خيران قَالَ فى عُرَاة لَيْسَ لَهُم إِلَّا ثوب وَاحِد وَإِن صلوا فِيهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد خرج الْوَقْت إِنَّهُم يتركون جَمِيعًا وَيصلونَ عُرَاة قَالَ أَبُو عَاصِم العبادى حكى السريحي أَن ابْن خيران جوز للسَّيِّد أَن يشْهد لمكاتبه وَيدْفَع إِلَيْهِ زَكَاته قلت ١٧٨ - الْحُسَيْن بن على بن مُحَمَّد بن يحيى أَبُو أَحْمد التميمى النيسابورى يُقَال لَهُ حسينك وَهُوَ حُسَيْن مَفْتُوح النُّون بعْدهَا كَاف سَاكِنة وَيعرف أَيْضا بِابْن منينة بِضَم الْمِيم بعْدهَا نون ثمَّ آخر الْحُرُوف ثمَّ نون ثَانِيَة من بَيت حشمة ورياسة تربى فى حجر الإِمَام أَبى بكر بن خُزَيْمَة وَكَانَ ابْن خُزَيْمَة فى آخر عمره إِذا تخلف عَن مجْلِس السُّلْطَان بعث بأبى أَحْمد نَائِبا عَنهُ وَكَانَ يقدمهُ على أَوْلَاده

стр. 949

سمع أَبُو أَحْمد من ابْن خُزَيْمَة وأبى الْعَبَّاس السراج بنيسابور ورحل فَسمع أَيْضا عمر بن إِسْمَاعِيل بن أَبى غيلَان وَعبد الله بن مُحَمَّد البغوى وَأَبا عوَانَة الإسفراينى وَغَيرهم روى عَنهُ أَبُو بكر البرقانى وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم وَعمر بن أَحْمد بن مسرور وَأَبُو سعد مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الكنجروذى وَجَمَاعَة قَالَ الْخَطِيب كَانَ ثِقَة حجَّة وَقَالَ الْحَاكِم صحبته سفرا وحضرا نَحوا من ثَلَاثِينَ سنة فَمَا رَأَيْته يتْرك قيام اللَّيْل يقْرَأ فى كل رَكْعَة سبعا وَكَانَت صدقاته دارة سرا وَعَلَانِيَة أخرج مرّة عشرَة أنفس من الْغُزَاة بآلتهم بَدَلا عَن نَفسه ورابط غير مرّة توفى فى ربيع الآخر سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ أخبرنَا أَحْمد بن هبة الله بقراءتى أخبرنَا أَبُو روح إجَازَة أخبرنَا زَاهِر أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أخبرنَا أَبُو أَحْمد الْحُسَيْن بن على أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم البغوى حَدثنَا هدبه حَدثنَا حَمَّاد عَن ثَابت عَن أَبى رَافع عَن أَبى هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (كَانَت شَجَرَة تضر بِالطَّرِيقِ فقطعها رجل فنحاها عَن الطَّرِيق فغفر لَهُ) رَوَاهُ مُسلم عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن بهز بن أَسد عَن حَمَّاد بِهِ

стр. 950

١٧٩ - الْحسن بن على بن يزِيد بن دَاوُد بن يزِيد الْحَافِظ الْكَبِير أَبُو على النيسابورى شيخ الْحَاكِم ولد سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَأول سَمَاعه سنة أَربع وَتِسْعين فَسمع من إِبْرَاهِيم بن أَبى طَالب وَعلي بن الْحُسَيْن وَعبد الله بن شيرويه وجعفر ابْن أَحْمد الْحَافِظ وبهراة الْحُسَيْن بن إِدْرِيس وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن وأقرانهما قَالَ الْحَاكِم وهراة أول رحلته وبنسا الْحسن بن سُفْيَان وبجرجان عمرَان بن مُوسَى وببغداد عبد الله بن نَاجِية وَالقَاسِم الْمُطَرز وبالكوفة مُحَمَّد بن جَعْفَر القَتَّات وبالبصرة أَبَا خَليفَة وزَكَرِيا الساجى وبواسط جَعْفَر بن أَحْمد بن سِنَان وبالأهواز عَبْدَانِ وبأصبهان مُحَمَّد بن نصير وبالموصل أَبَا يعلى
следующие страницы →