Полный текст (624 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(٦٩ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد [ ٠٠٠ - ٥١٤] )
ابْن عَليّ الخزيمي - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي - الفراوي، أَبُو الْفَتْح.
نزيل الرّيّ.
قَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ: هُوَ واعظ حسن الْوَعْظ، مليح الْإِيرَاد، حُلْو الْمنطق، خَفِيف الرّوح، لطيف الْعبارَة، حسن الْإِشَارَة.
دخل بَغْدَاد سنة تسع وَخمْس مئة، وَعقد لَهُ مجْلِس الحَدِيث والوعظ، وأملى عدَّة مجَالِس، وَحدث عَن الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي وجماعات.
روى عَنهُ جمَاعَة من البغداديين وَغَيرهم.
أنْشد لَهُ ابْن السَّمْعَانِيّ:
(إِذا كنت ترْضى بالتمني من التقى ... فَإِن التَّمَنِّي بَابه غير مغلق)
(وَمَا ينفع التَّحْقِيق بالْقَوْل فِي التقى ... إِذا كَانَ بالأفعال غير مُحَقّق)
توفّي بِالريِّ سنة أَربع عشرَة وَخمْس مئة، وقبره عِنْد قبر إِبْرَاهِيم الْخَواص رحمهمَا الله.
стр. 177
(٧٠ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد [ ٤٥٠ - ٥٠٥] )
ابْن مُحَمَّد بن أَحْمد الْغَزالِيّ الطوسي، أَبُو حَامِد.
الإِمَام، الْفَقِيه، الْمُتَكَلّم، النظار، المُصَنّف، الصُّوفِي.
وَمن تفرداته فِي الْفِقْه أَنه ذكر فِي " بداية الْهِدَايَة " فِي سنة الْجُمُعَة بعْدهَا
стр. 178
أَن لَهُ أَن يُصليهَا رَكْعَتَيْنِ وأربعا وستا، فأبعد فِي السِّت وشذ
قَالَ يحيى: قد جَاءَت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي " صَحِيح " مُسلم، وَغَيره بِأَن سنة الْجُمُعَة بعْدهَا أَربع، وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ فِي
стр. 179
كتاب: " اخْتِلَاف عَليّ وَابْن مَسْعُود " ﵄، وَقَالَهُ ابْن الْقَاص فِي " الْمِفْتَاح "، وَآخَرُونَ.
وروى الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ فِي كتاب " اخْتِلَاف عَليّ وَابْن مَسْعُود ﵄ " عَن عَليّ أَنه قَالَ: من كَانَ مِنْكُم مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل بعْدهَا سِتّ رَكْعَات، وَالله أعلم /.
وَمن غَرَائِبه مَا ذكره أَخُوهُ أَحْمد الْغَزالِيّ - رحمهمَا الله - على رَأس منبره: سَمِعت أخي حجَّة الْإِسْلَام قدس الله روحه يَقُول: إِن الْمَيِّت من حِين يحمل على النعش يُوقف فِي أَرْبَعِينَ موقفا يسْأَله ربه .
وَقَالَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد الخزيمي على منبره بِبَغْدَاد: سَمِعت من حضر موت حجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ، وَسَأَلَهُ بعض أَصْحَابه: أوصني، فَقَالَ: عَلَيْك بالإخلاص، وَجعل يكرره حَتَّى زهقت روحه.
стр. 180
(فصل لبَيَان أَشْيَاء مهمة أنْكرت على الإِمَام الْغَزالِيّ فِي مصنفاته وَلم يرتضها أهل مذْهبه وَغَيرهم من الشذوذات فِي متصرفاته)
مِنْهَا: قَوْله فِي مُقَدّمَة الْمنطق فِي أول " الْمُسْتَصْفى ": هَذِه مُقَدّمَة الْعُلُوم كلهَا، وَمن لَا يُحِيط بهَا فَلَا ثِقَة لَهُ بِعُلُومِهِ أصلا.
قَالَ الشَّيْخ: سَمِعت الشَّيْخ عماد الدّين ابْن يُونُس يَحْكِي عَن يُوسُف الدِّمَشْقِي مدرس نظامية بَغْدَاد - وَكَانَ من النظار المعروفين - أَنه كَانَ يُنكر هَذَا الْكَلَام وَيَقُول: فَأَبُو بكر وَعمر وَفُلَان وَفُلَان - يَعْنِي أَن أُولَئِكَ السَّادة - عظمت حظوظهم من البلج وَالْيَقِين، وَلم يحيطوا بِهَذِهِ الْمُقدمَة وأشباهها.
стр. 181
قَالَ الشَّيْخ: تذكرت بِهَذَا مَا حكى صَاحب كتاب " الإمتاع والمؤانسة " أَن الْوَزير ابْن الْفُرَات احتفل مَجْلِسه بِبَغْدَاد بأصناف من الْفُضَلَاء من الْمُتَكَلِّمين وَغَيرهم، وَفِيهِمْ الْأَشْعَرِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ، وَفِي
стр. 182
الْمجْلس مَتى الفيلسوف النَّصْرَانِي، فَقَالَ الْوَزير: أُرِيد أَن ينتدب مِنْكُم إِنْسَان لمناظرة مَتى فِي قَوْله: إِنَّه لَا سَبِيل إِلَى معرفَة الْحق من الْبَاطِل، وَالْحجّة من الشُّبْهَة، وَالشَّكّ من الْيَقِين؛ إِلَّا بِمَا حويناه من الْمنطق، واستفدناه من وَاضعه على مراتبه، فَانْتدبَ لَهُ أَبُو سعيد السيرافي وَكَانَ فَاضلا فِي عُلُوم غير النَّحْو، فَكَلمهُ فِي ذَلِك حَتَّى أَفْحَمَهُ وفضحه، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع التَّطْوِيل بِذكرِهِ، وَغير خَافَ اسْتغْنَاء الْعلمَاء والعقلاء - قبل وَاضع الْمنطق أرسطاطاليس وَبعده - ومعارفهم الجمة عَن تعلم الْمنطق، وَإِنَّمَا الْمنطق عِنْدهم - بزعمهم - آلَة صناعية تعصم الذِّهْن من الْخَطَأ، وكل ذِي ذهن صَحِيح منطقي بالطبع، فَكيف غفل الْغَزالِيّ عَن حَال شَيْخه إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَمن قبله من كل إِمَام هُوَ لَهُ مقدم، ولمحله فِي تَحْقِيق الْحَقَائِق رَافع لَهُ ومعظم، ثمَّ لم يرفع أحد مِنْهُم بالْمَنْطق رَأْسا، وَلَا بنى عَلَيْهِ فِي شَيْء من تَصَرُّفَاته أسا، وَلَقَد أَتَى بخلطه الْمنطق بأصول الْفِقْه بِدعَة عظم شؤمها على المتفقهة حَتَّى كثر - بعد ذَلِك - فيهم المتفلسفة، وَالله الْمُسْتَعَان.
стр. 183
وَلأبي عبد الله الْمَازرِيّ الْفَقِيه الْمُتَكَلّم الأصولي - وَكَانَ إِمَامًا محققا بارعا فِي مذهبي مَالك والأشعري، وَله تصانيف فِي فنون؛ مِنْهَا: فِي شرح " الْإِرْشَاد " و " الْبُرْهَان " لإِمَام الْحَرَمَيْنِ - رِسَالَة يذكر فِيهَا حَال الْغَزالِيّ وَحَال كِتَابه " الْإِحْيَاء "، أصدرها فِي حَيَاة الْغَزالِيّ جَوَابا لما كُوتِبَ بِهِ من الْمغرب والمشرق فِي سُؤَاله عَن ذَلِك عِنْد اخْتلَافهمْ فِي ذَلِك، فَذكر فِيهَا مَا اختصاره؛ أَن الْغَزالِيّ كَانَ قد خَاضَ فِي عُلُوم وصنف فِيهَا، واشتهر بِالْإِمَامَةِ فِي إقليمه، وبرع حَتَّى تضاءل لَهُ المنازعون، استبحر فِي الْفِقْه، وَفِي أصُول الْفِقْه، وَهُوَ بالفقه أعرف، وَأما أصُول الدّين فَلَيْسَ بالمستبحر فِيهَا، شغله عَن ذَلِك قِرَاءَته عُلُوم الفلسفة، وكسبته قِرَاءَة الفلسفة جرْأَة على الْمعَانِي،
стр. 184
وتسهيلا للهجوم على الْحَقَائِق، لِأَن الفلاسفة تمر مَعَ خواطرها، وَلَيْسَ لَهَا شرع يردعها، وَلَا تخَاف من مُخَالفَة أَئِمَّة تتبعها، فَلذَلِك خامره ضرب من الإدلال على الْمعَانِي، فاسترسل فِيهَا استرسال من لَا يُبَالِي بِغَيْرِهِ.
وَقَالَ: وَقد عرفني بعض أَصْحَابه أَنه كَانَ لَهُ عكوف على قِرَاءَة " رسائل إخْوَان الصَّفَا "، وَهَذِه الرسائل هِيَ إِحْدَى وَخَمْسُونَ رِسَالَة، كل رِسَالَة مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا، وَقد ظن فِي مؤلفها ظنون، وَفِي الْجُمْلَة هُوَ رجل فيلسوف قد خَاضَ فِي عُلُوم الشَّرْع، فمزج مَا بَين العلمين، وَحسن الفلسفة فِي قُلُوب أهل الشَّرْع بآيَات وَأَحَادِيث يذكرهَا عِنْدهَا، ثمَّ إِنَّه كَانَ فِي هَذَا الزَّمَان الْمُتَأَخر فيلسوف يعرف ب: ابْن سينا، مَلأ الدُّنْيَا تواليف فِي عُلُوم الفلسفة، وَكَانَ
стр. 185
ينتمي إِلَى الشَّرْع، ويتحلى بحلية الْمُسلمين، وَأَدَّاهُ قوته فِي علم الفلسفة إِلَى أَن تلطف جهده فِي رد أصُول العقائد إِلَى علم الفلاسفة، وَتمّ لَهُ من ذَلِك مَا لم يتم لغيره من الفلاسفة، وَوجدت هَذَا الْغَزالِيّ يعول عَلَيْهِ فِي أَكثر مَا يُشِير إِلَيْهِ فِي عُلُوم الفلسفة، حَتَّى إِنَّه فِي بعض الْأَحَايِين ينْقل نَص كَلَامه من غير تَغْيِير، وَأَحْيَانا يُغَيِّرهُ بنقله إِلَى الشرعيات أَكثر من نقل ابْن سينا، لكَونه أعلم بأسرار الشَّرْع مِنْهُ، فعلى ابْن سينا ومؤلف " رسائل إخْوَان الصَّفَا " عول الْغَزالِيّ فِي علم الفلسفة.
قَالَ: وَأما مَذَاهِب المتصوفة فلست أَدْرِي على من عول عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَا إِلَى من ينْسب إِلَيْهِ فِي علمهَا.
стр. 186
قَالَ: وَعِنْدِي أَنه على أبي حَيَّان التوحيدي الصُّوفِي عول فِي مَذَاهِب الصُّوفِيَّة، وَقد أعلمت أَن أَبَا حَيَّان هَذَا ألف ديوانا عَظِيما فِي هَذَا الْفَنّ، وَلم يصل إِلَيْنَا شَيْء مِنْهُ.
ثمَّ ذكر أَن فِي " الْإِحْيَاء " فَتَاوَى مبناها على مَا لَا حَقِيقَة لَهُ، مثل مَا اسْتحْسنَ فِي قصّ الْأَظْفَار أَن يبْدَأ بالسبابة لِأَن لَهَا الْفضل على بَقِيَّة الْأَصَابِع لكَونهَا المسبحة، ثمَّ بالوسطى لِأَنَّهَا نَاحيَة الْيَمين، ثمَّ باليسرى على هَيْئَة دَائِرَة، وَكَأن الْأَصَابِع عِنْده دَائِرَة، فَإِذا أدَار أَصَابِعه مر عَلَيْهَا مُرُور الدائرة حَتَّى يخْتم بإبهام الْيُمْنَى. هَكَذَا حَدثنِي بعض من أَثِق بِهِ عَن الْكتاب، فَانْظُر إِلَى هَذَا الخباط كَيفَ أَفَادَهُ قِرَاءَة الهندسة وَعلم الدَّوَائِر وأحكامها أَن يَنْقُلهُ إِلَى الشَّرْع، فَأفْتى بِهِ الْمُسلمين.
стр. 187
قَالَ: وَحمل إِلَيّ بعض الْأَصْحَاب حِين هَذَا الْإِمْلَاء الْجُزْء الأول فَوَجَدته يذكر فِيهِ أَن من مَاتَ بعد بُلُوغه، وَلم يعلم أَن الْبَارِي تَعَالَى قديم؛ مَاتَ مُسلما إِجْمَاعًا، وَمن تساهل فِي حِكَايَة الْإِجْمَاع فِي مثل هَذَا، الَّذِي الْأَقْرَب أَن يكون فِيهِ الْإِجْمَاع بعكس مَا قَالَ؛ فحقيق أَن لَا يوثق بِكُل مَا نقل، وَأَن يظنّ بِهِ التساهل فِي رِوَايَة مَا لم يثبت عِنْده صِحَّته، ثمَّ تكلم الْمَازرِيّ فِي محَاسِن " الْإِحْيَاء " ومذامه، ومنافعه ومضاره بِكَلَام طَوِيل خَتمه بِأَن من لم يكن عِنْده من البسطة فِي الْعلم مَا يعتصم بِهِ من غوائل هَذَا الْكتاب؛ فَإِن قِرَاءَته لَا تجوز لَهُ، وَإِن كَانَ فِيهِ مَا ينْتَفع بِهِ، وَمن كَانَ عِنْده من الْعلم مَا يَأْمَن بِهِ على نَفسه من غوائل هَذَا الْكتاب، وَيعلم مَا فِيهِ من الرموز، فيجتنب مُقْتَضى ظواهرها، ويكل أَمر مؤلفها إِلَى الله تَعَالَى إِن كَانَت كلهَا تقبل التَّأْوِيل فقراءته لَهَا سَائِغَة، وَينْتَفع بِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون قارئه مِمَّن يقْتَدى بِهِ ويغتر بِهِ فَإِنَّهُ ينْهَى عَن قِرَاءَته وَعَن مدحه وَالثنَاء عَلَيْهِ.
قَالَ: وَلَوْلَا أَنا علمنَا أَن إملاءنا هَذَا إِنَّمَا يَقْرَؤُهُ الْخَاصَّة، وَمن عِنْده علم يَأْمَن بِهِ على نَفسه؛ لم نتبع محَاسِن هَذَا الْكتاب بالثناء، وَلم نتعرض لذكرها، وَلَكنَّا نَحن أمنا من التَّغْرِير، وَلِئَلَّا يظنّ أَيْضا من يتعصب للرجل أَنا جانبنا الْإِنْصَاف فِي الْكَلَام على كِتَابه، وَيكون اعْتِقَاده هَذَا فِينَا سَببا لِأَن لَا يقبل نصيحتنا، وَالله أعلم. هَذَا آخر مَا نَقَلْنَاهُ عَن الْمَازرِيّ.
стр. 188
وَذكر أَبُو الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي - وَكَانَ شَرِيكا لَهُ فِي تلمذة إِمَام الْحَرَمَيْنِ - أَنه شدا بطوس فِي صباه طرفا من الْفِقْه على الإِمَام أَحْمد الراذكاني الطوسي، ثمَّ قدم نيسابور، وأختلف إِلَى درس إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي طَائِفَة من شُبَّان طوس، واجتهد فِي التَّحْصِيل، وجد، حَتَّى تخرج فِي مُدَّة قريبَة، وبذ الأقران، وَصَارَ أنظر أهل زَمَانه، وَوَاحِد أقرانه، وأستاذه إِمَام الْحَرَمَيْنِ بعد فِي الْأَحْيَاء، وَكَانَت الطّلبَة تستفيد مِنْهُ، وتدرس عَلَيْهِ، ويرشدهم، وَهُوَ على اجْتِهَاده، وترقى إِلَى أَن أَخذ فِي التصنيف، فَكَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ مَعَ علو دَرَجَته، وسمو عِبَارَته، وحدة جَرَيَانه فِي نطقه وَكَلَامه؛ لَا يصفو نظره إِلَى الْغَزالِيّ ﵀ فِي الْبَاطِن، وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر يظْهر التبجح بِهِ، والاعتداد بمكانه، وَذَلِكَ لإنافته عَلَيْهِ فِي سرعَة الْعبارَة، وَقُوَّة الطَّبْع، وَكَانَ لَا يطيب لَهُ أَيْضا تصديه للتصنيف، وَإِن كَانَ متخرجا بِهِ، مَنْسُوبا إِلَيْهِ، ثمَّ إِنَّه لم يزل كَذَلِك حَتَّى انْقَضتْ أَيَّام الإِمَام أبي الْمَعَالِي، فَخرج من نيسابور، وَصَارَ إِلَى المعسكر فاحتل من مجْلِس نظام الْملك مَحل الْقبُول، وَأَقْبل عَلَيْهِ لظُهُور اسْمه، وعلو دَرَجَته، وَحسن مناظرته، وَكَانَت حَضْرَة نظام الْملك محط رحال الْعلمَاء، ومقصد الْأَئِمَّة والنصحاء، فاتفقت للغزالي فِيهَا اتفاقات حَسَنَة من ملاقاة الْأَئِمَّة، ومجاراة الْخُصُوم اللد، ومناظرة الفحول، ومنافرة الْكِبَار، فطار
стр. 189
اسْمه فِي الْآفَاق، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق، وَارْتَفَعت حَاله إِلَى أَن ندب للمصير إِلَى بَغْدَاد، ليقوم بالتدريس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية بهَا، فَصَارَ إِلَيْهَا، فأعجب الْجَمِيع بدرسه ومناظرته، وَلم يلق بهَا مثل نَفسه، فَصَارَ إِمَام الْعرَاق بعد أَن كَانَ إِمَام خُرَاسَان، ثمَّ إِنَّه عني بِعلم الْأُصُول، وَكَانَ قبل ذَلِك قد أتقنه، فصنف فِيهِ تصانيف، وجرد الْمَذْهَب، فصنف فِيهِ تصانيف، وسبك علم الْخلاف، فصنف فِيهِ تصانيف، وعلت حشمته، وَارْتَفَعت دَرَجَته بِبَغْدَاد، حَتَّى كَانَت حشمته تعلو الأكابر والأمراء بهَا، ثمَّ إِنَّه أعرض عَن ذَلِك كُله وتزهد وسلك طَرِيق التأله، واطرح الحشمة وَمَا نَالَ من الدرجَة، واشتغل بِأَسْبَاب التَّقْوَى، والتزود لِلْأُخْرَى، وَتوجه إِلَى بَيت الله سُبْحَانَهُ وَحج، ثمَّ دخل الشَّام، وَأقَام بِتِلْكَ الديار قَرِيبا من عشر سِنِين يطوف فِيهَا ويزور الْمشَاهد، وَأخذ فِي تصنيف تصانيفه الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا، ك: " إحْيَاء عُلُوم الدّين "، والكتب المختصرة مِنْهَا، ك: " الْأَرْبَعين "، وَغَيرهَا من الرسائل، وَشرع فِي مجاهدة النَّفس، وتهذيب الْأَخْلَاق، فَأَدْبَرَ شَيْطَان الرعونة والرئاسة، وتبدلت الْأَخْلَاق الذميمة بالأخلاق الحميدة، وَسُكُون النَّفس، وكرم الْخلق، والتخلي من التزينات والرسوم، وَقصر الأمل، ووقف الْوَقْت على هِدَايَة الْخلق، والاستعداد للرحيل، والانتباه لكل من تشم مِنْهُ رَائِحَة الْمعرفَة، والاستضاءة بِشَيْء من أنوار الْمُشَاهدَة، ومرن على ذَلِك وَاسْتمرّ ﵀، ثمَّ إِنَّه عَاد إِلَى وَطنه، فلازم
стр. 190
بَيته وَمكث كَذَلِك مُدَّة، وَظَهَرت تصانيفه، وفشت تآليفه، وَلَا أحد يعْتَرض عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ فِيهِ أَو يناقضه حَتَّى انْتَهَت نوبَة الوزارة إِلَى فَخر الْملك بن نظام الْملك ﵀ من تَرْتِيب خُرَاسَان بدولته، وَقد سمع بمَكَان الْغَزالِيّ، وَكَمَال فَضله، ونقاء سَرِيرَته، فحضره متبركا بِهِ، وَسمع كَلَامه، فَسَأَلَهُ أَن لَا يدع أنفاسه عقيمة، لَا يتْرك فَوَائده لَا اقتباس من أنوارها، وألح عَلَيْهِ كل الإلحاح، فَأَجَابَهُ إِلَى الْخُرُوج إِلَى نيسابور، فَقَدمهَا وألي التدريس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية بهَا، فَلم يجد بدا من الإذعان للولاة، فَفعل وَنوى بِهِ الْهِدَايَة والإفادة دون العودة إِلَى مَا انخلع عَنهُ وتحرر من رقّه من طلب الجاه، ومكايدة المعاندين، ثمَّ إِنَّه قصد، وتصدى للوقوع فِيهِ والطعن فِيمَا يَأْتِي ويذر، وَتعرض للسعاية بِهِ والتشنيع عَلَيْهِ فَمَا تأثر بذلك، وَلَا أظهر لَهُم استيحاشا لغميزة المخلطين.
وَقَالَ عبد الغافر أَيْضا: إِنَّه سَأَلَهُ؛ كَيفَ رغب فِي الْخُرُوج من بَيته والمصير إِلَى نيسابور؟ فَاعْتَذر بِأَنَّهُ لم يكن يستجير فِي دينه أَن يتَخَلَّف عَن الدعْوَة، وإفادة الطالبين ونفعهم، وَقد حق عَلَيْهِ أَن يبوح بِالْحَقِّ وَيَدْعُو إِلَيْهِ.
قَالَ: وَكَانَ صَادِقا فِي ذَلِك، ثمَّ ترك ذَلِك قبل أَن يتْرك، وَعَاد إِلَى بَيته، وَاتخذ فِي جواره مدرسة لطلبة الْعلم وخانقاه للصوفية.
стр. 191
وَذكر أَنه كَانَ قد وزع أوقاته على وظائف الْحَاضِرين لَدَيْهِ، كختم التَّذْكِير، ومجالسة أهل الْقُلُوب، والتدريس، حَتَّى لَا تَخْلُو لَحْظَة من لحظاته ولحظات من مَعَه عَن فَائِدَة.
وَحكي عَن بَعضهم أَنه رَآهُ فِي النّوم فَسَأَلَهُ عَن حَاله، فَذكر انتفاعه بِكِتَاب " بداية الْهِدَايَة ".
قَالَ الشَّيْخ: كتاب " المضنون " الْمَنْسُوب إِلَيْهِ، معَاذ الله أَن يكون لَهُ، وَقد شاهدت على ظهر كتاب نُسْخَة بِهِ بِخَط الصَّدْر المكين القَاضِي كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن الْقَاسِم الشهرزوري أَنه مَوْضُوع على الْغَزالِيّ، ومخترع من كتاب " مَقَاصِد الفلاسفة " الَّذِي نقضه بِكِتَاب " تهافت الفلاسفة "، وَأَنه نفذ فِي طلب هَذَا الْكتاب إِلَى الْبِلَاد الْبَعِيدَة، فَلم يقف لَهُ على خبر.
قَالَ: وَهَذِه النُّسْخَة ظَهرت فِي هَذَا الزَّمَان الْغَرِيب، وَلَا يَلِيق بِمَا صَحَّ عندنَا من فضل الرجل وَدينه.
قَالَ الشَّيْخ: وَقد نقل كتاب آخر مُخْتَصر نسب إِلَيْهِ، وَلما بحثنا عَنهُ تحققنا أَنه وضع عَلَيْهِ، وَفِي آخر هَذِه النُّسْخَة بِخَط آخر: هَذَا مَنْقُول من كتاب حِكَايَة
стр. 192
" مَقَاصِد الفلاسفة " حرفا بِحرف، وَالْغَزالِيّ إِنَّمَا ذكره فِي " الْمَقَاصِد " حِكَايَة عَنْهُم غير مُعْتَقد لَهُ، وَقد نقضه بِكِتَاب " التهافت "، وَهَذَا الْكتاب فِيهِ التَّصْرِيح بقدم الْعَالم، وَنفي الصِّفَات، وَبِأَنَّهُ لَا يعلم الجزيئات ، وَالْإِشَارَة إِلَى إِحَالَة حشر الأجساد بِإِثْبَات التناسخ، وَلم يكن هَذَا معتقده.
توفّي ﵀ بطوس صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ، التَّاسِع عشر من جُمَادَى الْآخِرَة، سنة خمس وَخمْس مئة، ﵁ وأرضاه، وَجعل الْجنَّة مَأْوَاه بِمُحَمد وَآله.
стр. 193
(٧١ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد [ ٠٠٠ - ٣١٤] )
ابْن يُوسُف، أَبُو ذَر البُخَارِيّ.
قَاضِي الْقُضَاة بخراسان.
قَالَ الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي: كَانَ ينتحل مَذْهَب الحَدِيث، ويذب عَن السّنة وَأَهْلهَا.
قلت: وَأَصْحَاب الحَدِيث، وَمذهب الحَدِيث، عبارتان يعبر بهما فِي خُرَاسَان عَن الشَّافِعِيَّة ومذاهبهم، قد صارتا عِنْدهم كاسم الْعلم، لذَلِك لَا يطلقان على غَيره إِلَّا بِقَرِينَة، وَالله أعلم.
سمع أَبُو ذَر - فِيمَا رَأَيْته عَن الْحَاكِم - الحَدِيث من مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وأقرانه ببخارى وَالْعراق والحجاز.
حدث بنيسابور إملاء وَفِي الْمجْلس الإِمَام ابْن خُزَيْمَة، وَأَبُو الْعَبَّاس السراج، وَتُوفِّي - فِيمَا بلغه - سنة أَربع عشرَة وَثَلَاث مئة، وأعقب الْوَلَد الشَّيْخ الزَّاهِد الْعَالم السياح العابد أَبَا الْحسن ابْن أبي ذَر، وَكَانَ يتعبد إِمَّا بِمَكَّة أَو بطرسوس وَفِي جبال نيسابور وقلما كَانَ يسكن بُخَارى تجنبا للدخول على السُّلْطَان، وَالله اعْلَم.
стр. 194
(٧٢ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد [ ٣٥٥ - ٣٨٩] )
الْفَقِيه ابْن الْفَقِيه، أَبُو بكر ابْن الإِمَام أبي الْحسن الماسرجسي
درس الْفِقْه على أَبِيه خمس سِنِين، وَسمع الحَدِيث بنيسابور من أَبَوي عَمْرو: إِسْمَاعِيل بن نجيد، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن مطر، وَأبي بكر ابْن قُرَيْش، سمع مِنْهُ " مُسْند " الْحسن بن سُفْيَان فِي دَار أَبِيه من أَوله إِلَى آخِره، ثمَّ سمع بِالريِّ وبغداد والحجاز.
وَتُوفِّي فِي جُمَادَى الأولى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَثَلَاث مئة، وَهُوَ ابْن أَربع وَثَلَاثِينَ سنة، وَصلى عَلَيْهِ الإِمَام أَبُو الطّيب سهل، وَدفن فِي دَاره.
حكى هَذَا الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي " لاحقة تَارِيخه ".
стр. 195
(٧٣ - مُحَمَّد بن مَحْمُود [ ٥٢٢ - ٥٩٦] )
ابْن مُحَمَّد، أَبُو الْفَتْح الطوسي الشَّافِعِي.
شيخ الْفُقَهَاء، وَصدر الْعلمَاء فِي عصره، تفقه على جمَاعَة من أَصْحَاب الْغَزالِيّ، مِنْهُم: الإِمَام أَبُو سعد مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي.
وَقدم أَبُو الْفَتْح مصر فنشر الْعلم بهَا، وتفقه عَلَيْهِ جمَاعَة كَثِيرَة، وَوعظ، وَذكر، وانتفع النَّاس بِهِ، وَكَانَ مُعظما عِنْد الْخَاصَّة والعامة، وَعَلِيهِ مدَار الْفَتْوَى فِي مَذْهَب الشَّافِعِي.
ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَخمْس مئة.
وَكَانَ إِمَامًا فِي فنون، وَجَرت لَهُ حِكَايَة عَجِيبَة فِي بيعَة الْخَلِيفَة النَّاصِر
стр. 196
(٧٤ - مُحَمَّد بن المظفر [ ٤٠٠ - ٤٨٨] )
ابْن بكران بن عبد الصَّمد بن سُلَيْمَان الْحَمَوِيّ القَاضِي، أَبُو بكر الشَّامي، من أهل حماة: بَلْدَة بِالشَّام مَعْرُوفَة.
يعرف ب: قَاضِي الْقُضَاة الشَّامي.
ذكره أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ بِمَا تحريره: أَنه كَانَ أحد الْعلمَاء المتوحدين فِي مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀، وَكَانَ ذَا مقامات فِي النّظر، مطلعا على أسرار الْفِقْه ومكنونه، كَبِيرا فِي الْوَرع والزهادة وَالتَّقوى وَالْعِبَادَة، صينا، نزها، حسن الطَّرِيقَة، خشنها، جرت أُمُوره فِي أَحْكَامه على السداد والإصابة.
ولي قَضَاء الْقُضَاة بِبَغْدَاد بعد وَفَاة أبي عبد الله الدَّامغَانِي الْحَنَفِيّ يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس من شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبع مئة، فَلم يزل على قَضَائِهِ مُسْتَقِيم الْأَمر فِيهِ، إِلَى أَن تنكر لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُقْتَدِي لأمر الله
стр. 197
لشَيْء بلغه عَنهُ، فَمنع الشُّهُود من إتْيَان مَجْلِسه وقطعهم عَنهُ مُدَّة، فَكَانَ فِي تِلْكَ الْمدَّة يَقُول: أَنا لَا أنعزل مَا لم يحققوا عَليّ الْفسق، ثمَّ صلح لَهُ رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَخلع عَلَيْهِ، وَأعَاد الشُّهُود إِلَى مَجْلِسه بأجمعهم، واستقامت أُمُوره كَمَا كَانَت أَولا، وَذَلِكَ فِي آخر شهر رَمَضَان سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة، وَبَقِي على قَضَاء الْقُضَاة إِلَى أَن توفّي عَاشر شعْبَان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة، وَدفن فِي تربة لَهُ عِنْد قبر أبي الْعَبَّاس ابْن سُرَيج الإِمَام، على بَاب قطيعة الْفُقَهَاء من كرخ بَغْدَاد، وَسُئِلَ عَن مولده فَقَالَ: ولدت سنة أَربع مئة بحماة، وَدخلت بَغْدَاد سنة سِتّ وَعشْرين وَأَرْبع مئة، وَسمع الحَدِيث من: أبي الْقَاسِم ابْن بَشرَان، وَأبي عَمْرو العلاف، وَأبي الْحسن العتيقي، وَأبي مُحَمَّد الْخلال، وَأبي طَالب ابْن غيلَان، وَأبي مُحَمَّد الْجَوْهَرِي، وَغَيرهم.
روى عَنهُ كَثِيرُونَ، مِنْهُم: أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل الْحَافِظ الْأَصْبَهَانِيّ، وَالْقَاضِي أَبُو عبد الله ابْن خَمِيس الْموصِلِي، وَأَبُو البركات عمر بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي، وَآخَرُونَ.
روينَا عَنهُ أَنه حضر عِنْده بعض الأتراك فَادّعى على خصم لَهُ، فَأنْكر، فَسَأَلَهُ: أَلَك شَاهِدَانِ؟ قَالَ: نعم، المشطب وَفُلَان، قَالَ القَاضِي الشَّامي: أما المشطب فَلَا أقبل شَهَادَته لِأَنَّهُ يلبس الْحَرِير، فَقَالَ التركي: وَالسُّلْطَان
стр. 198
والوزير يلبسان الْحَرِير، فَقَالَ الشَّامي: وَلَو شَهدا عِنْدِي على باقة بقل مَا قبلت شَهَادَتهمَا. والمشطب هَذَا حَنَفِيّ من فحول المناظرين، ذُو جاه وَمَال، كَانَ يكون فِي عَسْكَر ملكشاه.
وَذكر السَّمْعَانِيّ عَمَّن حَدثهُ؛ أَن حَادِثَة وَقعت للسُّلْطَان ملكشاه، فَحمل قَاضِي الْقُضَاة الشَّامي إِلَى دَار السُّلْطَان ليقضي فِي تِلْكَ الْحَادِثَة، فجَاء المشطب الفرغاني الإِمَام وَشهد للسُّلْطَان بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ الشَّامي على رُؤُوس الْخَلَائق: لَا أقبل شَهَادَته، قَالُوا: لم؟ قَالَ: لِأَنَّهُ فَاسق، وَكَانَ على المشطب ثوب حَرِير، فَخَجِلَ المشطب من ذَلِك، ورد الشَّامي إِلَى دَاره.
وَقَالَ السَّمْعَانِيّ: سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن مَعْصُوم بن أبي ذَر الْفَقِيه المغربي يَقُول: دخل المشطب لشهاد ة على قَاضِي الْقُضَاة الشَّامي، فَرَأى الشَّامي فِي أُصْبُعه خَاتمًا من ذهب، فَلَمَّا شهد رد شَهَادَته، فَلَمَّا خرج المشطب قَالَ: لَا أَدْرِي لأية عِلّة رد شهادتي، فَبلغ هَذَا القَوْل الشَّامي، فَقَالَ: قُولُوا لَهُ: كنت أَظن أَنَّك عَالم فَاسق، فَالْآن أَنْت جَاهِل فَاسق، أما تعرف أَنَّك تفسق بِاسْتِعْمَال الذَّهَب؟ !
стр. 199
(٧٥ - مُحَمَّد بن مَنْصُور [ ٠٠٠ - ٤٨٢] )
ابْن عمر بن عَليّ الْكَرْخِي - بِالْخَاءِ - الْفَقِيه الشَّافِعِي، أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ.
وَهُوَ ولد الإِمَام أبي الْقَاسِم مَنْصُور الْكَرْخِي، أحد أَصْحَاب الشَّيْخ الإِمَام أبي حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ، وَهُوَ وَالِد أبي الْبَدْر إِبْرَاهِيم الْكَرْخِي، أحد رُوَاة الحَدِيث.
ذكر ابْن السَّمْعَانِيّ أَبَا بكر هَذَا، فَحكى أَنه كَانَ يسكن قطيعة الرّبيع من كرخ بَغْدَاد، وَكَانَ صَالحا متدينا، يرجع إِلَى فضل وَعلم.
سمع أَبَا عَليّ ابْن شَاذان، وَغَيره.
روى عَنهُ: أَبُو الْقَاسِم ابْن السَّمرقَنْدِي الْحَافِظ، وَغَيره.
مَاتَ لَيْلَة الْجُمُعَة، وَصلي عَلَيْهِ فِي جَامع الْمَدِينَة يَوْم الْجُمُعَة، ثَانِي جُمَادَى الأولى، سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة، وَدفن بمقبرة بَاب حَرْب.
стр. 200
(٧٦ - مُحَمَّد بن مَنْصُور [ ٤٦٧ - ٥١٠] )
ابْن مُحَمَّد، الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو بكر السَّمْعَانِيّ التَّمِيمِي الْمروزِي.
يلقب: تَاج الْإِسْلَام.
وَأَبوهُ: الإِمَام أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ، صَاحب التصانيف فِي الْخلاف وَغَيره.
أمْلى أَبُو بكر مئة واثنين وَأَرْبَعين إملاء يَقع فِي مجلدات ثَلَاث، لم يسْبق - فِيمَا علمناه - بِمِثْلِهَا، تكلم فِيهَا على إِسْنَاد الحَدِيث تبيينا لما يسْتَحقّهُ من وصف الصِّحَّة وَغَيره، وتظريفا فِي بعض الْأَحَايِين، وعَلى رُوَاته بِبَيَان أَحْوَالهم، وَمَا يستحسن من حكاياتهم، وعَلى متن الحَدِيث بإبانة فقهه، كثير الرِّوَايَة لما يشْهد من الْآثَار وَالْأَخْبَار، لما بَينه من مَعَانِيه.
أنبؤونا عَن أبي طَاهِر مُحَمَّد بن أبي بكر السنجي عَنهُ أَنه قَالَ:
جملَة القَوْل فِي دُخُول الْحمام أَنه مُبَاح للرِّجَال بِشَرْط ستر الْعَوْرَة وغض الْبَصَر، ومكروه للنِّسَاء إِلَّا عِنْد الْعذر من النّفاس وَالْمَرَض، وَإِنَّمَا كره
стр. 201
للنِّسَاء لما بني أمرهن عَلَيْهِ من الْمُبَالغَة فِي السّتْر، وَلما فِي وضع ثيابهن فِي غير بيُوت الْأزْوَاج من الهتك، وَلما فِي خروجهن واجتماعهن من الْفِتْنَة وَالشَّر، وَأنْشد لبَعْضهِم:
(دهتك بعلة الْحمام نعم ... وَمَال بهَا الطَّرِيق إِلَى يزِيد)
وَذكر للداخل آدابا؛ مِنْهَا: أَن يتَذَكَّر بحره حر النَّار، ويستعيذ بِاللَّه من النَّار، ويسأله الْجنَّة، وَأَن يكون قَصده التَّطْهِير التَّنْظِيف دون التنعم والترفه، وَأَن لَا يدْخلهُ إِذا رأى فِيهِ عَارِيا، بل يرجع، وَأَن لَا يُصَلِّي فِيهِ، وَلَا يقْرَأ الْقُرْآن، وَلَا يسلم، وَأَن لَا يدْخلهُ بِغَيْر كرنيب لِئَلَّا يحْتَاج إِلَى غَيره فيذل، وَأَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى إِذا خرج، وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ: فقد كَانُوا يَقُولُونَ: يَوْم الْحمام يَوْم إِثْم، وروى لكل أدب مِنْهَا خَبرا أَو أثرا.
ثمَّ حكى عَن بَعضهم أَنه ذكر آدابا أخر، مِنْهَا أَن لَا يستكثر من صب المَاء من غير حَاجَة، وَأَن يتحَرَّى دُخُول الحمامات الخالية، وَأَن يقدم رجله الْيُسْرَى فِي الدُّخُول، واليمنى فِي الْخُرُوج، وَأَن يَقُول مَا يَقُول فِي دُخُول الْخَلَاء، وَأَن يُوفي الحمامي الْأُجْرَة قبل الدُّخُول، وَأَن لَا يدْخلهُ عِنْد الْغُرُوب وَبَين العشاءين، فَإِنَّهُمَا وَقت انتشار الشَّيَاطِين، وَذكر فِي حَدِيث الزبير فِي
стр. 202
شراج الْحرَّة أَن رَسُول الله ﷺ مَخْصُوص بِأَن لَهُ أَن يقْضِي وَهُوَ غَضْبَان، لِأَنَّهُ يُؤمن عَلَيْهِ الالتباس، وَأَن تحمله الحمية على الْجور.
وَقَالَ: الرقوم إِذا كَانَت على صور التصاليب فَهِيَ بِمَنْزِلَة التماثيل الَّتِي فِيهَا أَرْوَاح فَلَا تُبَاح، وَاسْتدلَّ بِحَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي البُخَارِيّ فِي ذَلِك.
وَقَالَ: لم يرد اسْتِحْبَاب صَوْم رَجَب على التَّخْصِيص سنة ثَابِتَة، وَالْأَحَادِيث الَّتِي تروى فِيهِ واهية، لَا يفرح بهَا عَالم.
وَقَالَ شيرويه فِي وصف أبي بكر السَّمْعَانِيّ: كَانَ فَاضلا، حسن السِّيرَة، بَعيدا من التَّكَلُّف، صَدُوقًا.
وَذكره أَبُو الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل بن عبد الغافر الْفَارِسِي خطيب نيسابور فِي " سِيَاق تَارِيخ النيسابوريين "، فَقَالَ: " مُحَمَّد بن مَنْصُور بن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ الْمروزِي الإِمَام ابْن الإِمَام ابْن الإِمَام، شَاب نَشأ فِي عبَادَة الله تَعَالَى وَفِي التَّحْصِيل من صباه، إِلَى أَن أرْضى أَبَاهُ، حظي من الْأَدَب والعربية والنحو، وتمرنها نظما ونثرا بِأَعْلَى الْمَرَاتِب
стр. 203
ينفث إِذا خطّ بأقلامه فِي عقد السحر، وينظم من مَعَاني كَلَامه عُقُود الدّرّ، متصرفا فِي الْفُنُون بِمَا يَشَاء، كَيفَ يَشَاء، مطبعا لَهُ على البديهة الْإِنْشَاء، ثمَّ برع فِي الْفِقْه، مستدرا أخلاقه من أَبِيه، بَالغا فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف أقْصَى مراميه، وَزَاد على أقرانه وَأهل عصره بالتبحر فِي علم الحَدِيث، وَمَعْرِفَة الرِّجَال والأسانيد، وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْجرْح وَالتَّعْدِيل، والتحريف والتبديل، وَضبط الْمُتُون الغرائب والمشكلات من الْمعَانِي، مَعَ الْإِحَاطَة بالتواريخ والأنساب، وطرز أكمام فَضله بمجالس تذكيره، تتصدع صم الصخور عِنْد تحذيره، وتتجمع أشتات الْعِظَام النخرة عِنْد تبشيره.
стр. 204
(٧٧ - مُحَمَّد بن مُوسَى [ ٥٤٨ - ٥٨٤] )
الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي؛ بِالْحَاء الْمُهْملَة. كَانَ معدودا فِي المتميزين فِي زَمَانه فِي علم الحَدِيث، وَله فِيهِ تصانيف حملت عَنهُ، وَكَانَ لَهُ عناية تَامَّة، وَشرع فِي " تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب " فَبلغ فِيهِ إِلَى أثْنَاء كتاب الصَّلَاة، وَرَأَيْت ذَلِك الْقدر مِنْهُ، فَوَجَدته قد أَجَاد فِيهِ، وَبَلغنِي أَنه تردد إِلَى أَصْبَهَان بِسَبَبِهِ، ومصداق هَذَا مَوْجُود فِيمَا جمعه مِنْهُ، وَالله أعلم.
روى عَن أبي مُوسَى الْحَافِظ وطبقته من أَصْحَاب أبي عَليّ الْحداد وأمثالهم، وَالله أعلم.
стр. 205
(٧٨ - مُحَمَّد بن نصر [ ٢٠٢ - ٢٩٤] )
أَبُو عبد الله الإِمَام الْمروزِي، صَاحب التصانيف الجمة.
أحد من استبحر فِي علمي الْفِقْه والْحَدِيث، وَجمع بَين فضيلتي الْإِمَامَة والديانة.
وَهُوَ صَاحب اخْتِيَار، وَرُبمَا تذرع متذرع بِكَثْرَة اخياراته الْمُخَالفَة لمَذْهَب الشَّافِعِي إِلَى الْإِنْكَار على الْجَمَاعَة العادين لَهُ فِي أَصْحَابنَا، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَنَّهُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَة ابْن خُزَيْمَة، والمزني، وَأبي ثَوْر قبله، وَغَيرهم.
فَلَقَد كثرت اختياراتهم الْمُخَالفَة لمَذْهَب الشَّافِعِي، ثمَّ لم يخرجهم ذَلِك
стр. 206
عَن أَن يَكُونُوا فِي قبيل أَصْحَاب الشَّافِعِي معدودين، وبوصف الاعتزاء إِلَيْهِ موصوفين.
قَالَ الْخَطِيب: قَرَأت على الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْمُؤَدب، عَن أبي سعد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الإدريسي قَالَ: سَمِعت أَبَا يحيى أَحْمد بن مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي يَقُول: سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عُثْمَان بن سلم السَّمرقَنْدِي يَقُول: سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي يَقُول: ولدت سنة اثْنَتَيْنِ ومئتين، وَتُوفِّي الشَّافِعِي ﵀ سنة أَربع ومئتين، وَأَنا ابْن سنتَيْن، وَكَانَ أبي مروزيا، وَولدت أَنا بِبَغْدَاد، ونشأت بنيسابور، وَأَنا الْيَوْم بسمرقند، وَلَا أَدْرِي مَا يقْضِي الله فِي.
قَالَ أَبُو سعد: وَسمعت الْفَقِيه أَبَا بكر مُحَمَّد بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْقفال الشَّاشِي بسمرقند يَقُول: سَمِعت أَبَا بكر الصَّيْرَفِي - يَعْنِي: الْفَقِيه الأصولي - بِبَغْدَاد يَقُول: لَو لم يصنف الْمروزِي كتابا إِلَّا كتاب " الْقسَامَة " لَكَانَ من أفقه النَّاس، فَكيف وَقد صنف كتبا أخر سواهُ؟ !
وَعَن الْخَطِيب، أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي، حَدثنَا مُحَمَّد بن
стр. 207
حيويه الخزاز، حَدثنَا أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن جَعْفَر اللبان، حَدثنِي مُحَمَّد بن نصر قَالَ: خرجت من مصر وَمَعِي جَارِيَة لي، فركبت الْبَحْر أُرِيد مَكَّة، قَالَ: فغرقت، فَذهب مني ألقا جُزْء.
قَالَ: وصرت إِلَى جَزِيرَة أَنا وجاريتي، قَالَ: فَمَا رَأينَا فِيهَا أحدا، قَالَ: وأخذني الْعَطش، فَلم أقدر على المَاء، قَالَ: وأجهدت، فَوضعت رَأْسِي على فَخذ جاريتي مستسلما للْمَوْت، قَالَ: وَرجل قد جَاءَنِي وَمَعَهُ كوز، فَقَالَ لي: هاه، قَالَ: فَأخذت، فَشَرِبت وسقيت الْجَارِيَة، قَالَ: ثمَّ مضى، فَمَا أَدْرِي من أَيْن جَاءَ، وَلَا من أَيْن ذهب.
وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ: كَانَ إِسْمَاعِيل بن أَحْمد وَالِي خُرَاسَان يصل مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كل سنة بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، ويصله أَخُوهُ إِسْحَاق بن أَحْمد بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، ويصله أهل سَمَرْقَنْد بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، فَكَانَ ينفقها من السّنة إِلَى السّنة من غير أَن يكون لَهُ عِيَال ثقيل، فَقلت لَهُ: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين يصلونك يَبْدُو لَهُم؟ فَلَو جمعت من هَذَا أَشْيَاء لنائبة، فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ الله ﴿أَنا بقيت بِمصْر كَذَا وَكَذَا سنة، فَكَانَ قوتي وثيابي وكاغدي وحبري وَجَمِيع مَا أنفقهُ على نَفسِي فِي السّنة عشْرين درهما، فترى إِن ذهب هَذَا لَا يبْقى ذَاك﴾ ! .
стр. 208
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ: سَأَلت أَبَا عبد الله ابْن الأخرم: أَكَانَ أَبُو عبد الله الْمروزِي يحفظ الحَدِيث على رسم أهل النَّقْل؟ فَقَالَ: كَانَ يحفظ، قلت: إِن الْفُقَهَاء الْوَاحِد مِنْهُم يحفظ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من زِيَادَة لفظ أَو حَدِيث يحْتَج بِهِ فِي مَسْأَلَة، وَإِنَّمَا أَعنِي التراجم والشيوخ، فَقَالَ: كَانَ مُحَمَّد بن نصر يُعْطي كل نوع من الْعلم حَظه.
سمع بخراسان: يحيى بن يحيى، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَصدقَة بن الْفضل، وأضرابهم.
وبالري: مُحَمَّد بن مقَاتل، وأقرانه.
وببغداد: عبيد الله القواريري، وأشباهه.
وبالبصرة: عبيد الله بن معَاذ، ونظراءه.
وبالكوفة: أَبَا كريب، وَابْن نمير، وَغَيرهمَا.
وبالحجاز: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي، وَأَبا مُصعب الزُّهْرِيّ، وأمثلهما.
وبمصر: يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، وَالربيع، وَابْن عبد الحكم، وأقرانهم.
وبالشام: هِشَام بن عمار، وَآخَرين.
روى عَنهُ الْحفاظ وَالْأَئِمَّة: أَبُو عبد الله ابْن الأخرم، وَأَبُو بكر الجارودي، وَأَبُو الْعَبَّاس السراج، وَأَبُو الْعَبَّاس الدغولي، وَمُحَمّد بن الْمُنْذر الْهَرَوِيّ، وَأَبُو حَامِد الشَّرْقِي، وَأَبُو النَّضر الْفَقِيه، وَأَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ، وَابْنه: إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن نصر فِي آخَرين.
стр. 209
مَاتَ - فِيمَا حَكَاهُ غير وَاحِد - سنة أَربع وَتِسْعين ومئتين بسمرقند.
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: سمعته - يَعْنِي: ابْن الأخرم - يَقُول: رَأَيْت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن نصر، وَهُوَ من أعلم النَّاس، وآدب النَّاس، وَأَحْسَنهمْ صَلَاة، وَلَقَد بَلغنِي أَن ذبابا جلس على أُذُنه، وَهُوَ فِي الصَّلَاة فأدماه، فَلم يذب عَن نَفسه، وَكَانَ من أحسن النَّاس خلقا، كَأَنَّمَا فقئ فِي وَجهه حب الرُّمَّان، ولحيته بَيْضَاء.
وبإسناد إِلَى أبي المظفر بن أبي سعد السَّمْعَانِيّ إِلَى أبي الْفضل عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن نصرويه الْفَقِيه قَالَ: سَمِعت أَبَا الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد الْفَقِيه يحدث عَن مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي أَنه رُبمَا دخل فِي الصَّلَاة، فَيَقَع الذُّبَاب والزنابير على رَأسه، مَا يعبأ بهَا، وَلَا يطردها، فتدمي رَأسه، وَتغَير لَونه وَلَا يَدْفَعهَا عَن نَفسه لما كَانَ فِيهِ من الْأَدَب والخشوع فِي الصَّلَاة.
أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ، أخبرنَا أَبُو الْفَتْح المصِّيصِي، أخبرنَا أَبُو الْفَتْح الْمَقْدِسِي، أخبرنَا أَبُو الْفضل أَحْمد الفراتي قَالَ: سَمِعت جدي الإِمَام أَبَا عَمْرو الفراتي يَقُول: سَمِعت أَبَا مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الله بن حمشاذ
стр. 210
يَقُول: سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا الْوَلِيد حسان الْقرشِي يَقُول: سَمِعت أَبَا الْفضل البلعمي يَقُول: دخل مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي على إِسْمَاعِيل بن أَحْمد وَالِي خُرَاسَان، فَقَامَ لَهُ وبجله، وأبلغ فِي تَعْظِيمه وإجلاله، فَلَمَّا خرج عاتبه إِسْحَاق بن أَحْمد أَخُوهُ على ذَلِك، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل: إِنَّمَا قُمْت لَهُ إجلالا لأخبار رَسُول الله ﷺ . ثمَّ إِن إِسْمَاعِيل رأى رَسُول الله ﷺ فِي النّوم، فَقَالَ لَهُ: قُمْت لمُحَمد بن نصر إجلالا لأخباري، لَا جرم ثَبت ملكك وَملك بنيك لإجلالك لَهُ، وَذهب ملك أَخِيك إِسْحَاق وَملك بنيه لاستخفافه بِمُحَمد بن نصر، فَبَقيَ ملك إِسْمَاعِيل وبنيه أَكثر من مئة وَعشْرين سنة.
стр. 211
(٧٩ - مُحَمَّد بن هبة الله [ ٤٠٩ - ٤٧٢] )
ابْن الْحسن بن مَنْصُور اللالكائي، أَبُو بكر ابْن الْحَافِظ أبي الْقَاسِم الطَّبَرِيّ اللالكائي.
بغدادي، كثير السماع، وَاسع الرِّوَايَة، صَدُوق، مَأْمُون.
سمع: هلالا الحفار، وَأَبا الْحُسَيْن ابْن بَشرَان، وَأَبا الْحُسَيْن ابْن الْفضل الْقطَّان، وَغَيرهم.
سمع مِنْهُ أَبُو الْقَاسِم الرميلي الْحَافِظ وَغَيره من الْحفاظ، وَسُئِلَ عَن مولده فَقَالَ: ولدت فِي ذِي الْحجَّة سنة تسع وَأَرْبع مئة بِبَغْدَاد بدرب الْمروزِي، وَمَات بهَا يَوْم الْجُمُعَة فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأَرْبع مئة.
قَالَ أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن ابْن أبي غَالب الْقَزاز: أنشدنا مُحَمَّد بن هبة الله الطَّبَرِيّ قَالَ: انشدنا عَليّ بن مُحَمَّد السكرِي: أنشدنا الْحُسَيْن بن صَفْوَان البرذعي قَالَ: أنشدنا أَبُو بكر ابْن أبي الدُّنْيَا الْقرشِي قَالَ: أنشدنا مَحْمُود الْوراق:
стр. 212
(يَا نَاظرا يرنو بعيني رَاقِد ... ومشاهدا لِلْأَمْرِ غير مشَاهد)
(منيت نَفسك صلَة وأبحتها ... طرق الردي وَهن غير قواصد)
(تصل الذُّنُوب إِلَى الذُّنُوب وترتجي ... دَرك الْجنان لَهَا وَفَوْز العابد)
(وَعلمت أَن الله أخرج آدما ... مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا بذنب وَاحِد)
стр. 213
(٨٠ - مُحَمَّد بن يحيى [٠٠٠ - نَحْو ٤١٠] )
ابْن سراقَة بن الغطريف العامري الْبَصْرِيّ، أَبُو الْحسن الْمَشْهُور ب: ابْن سراقَة، الْفَقِيه الفرضي.
مَشْهُور، صَاحب تصانيف فِي الْفِقْه والفرائض وَغَيرهمَا.
أَقَامَ بآمد، وَكَانَ حَيا سنة أَربع مئة، وَكَانَت لَهُ رحْلَة فِي الحَدِيث وعناية بِهِ، وَله: " تَهْذِيب كتاب الضُّعَفَاء " لأبي الْفَتْح مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْأَزْدِيّ الْموصِلِي، أَخذه عَنهُ، ثمَّ عرضه على الدَّارَقُطْنِيّ، وَذكر فِي أَوله أَنه خرج من الْبَصْرَة قَاصِدا لطلب الحَدِيث لَا يُرِيد غَيره بعد أَن كتب بهَا عَن: ابْن داسه، وَابْن عباد، والهجيمي، وَغَيرهم من شُيُوخ الحَدِيث الَّذين انْتهى إِلَيْهِم الْإِسْنَاد فِي عصرهم، فَدخل الأهواز وكورها، وَبَعض فَارس، والجبل، وأصبهان ونواحيها، ورزقه الله من ذَلِك خيرا، فَأحب معرفَة الصَّحِيح مِنْهُ وَالْبَاطِل لتَعلق أَحْكَام الشَّرْع بذلك، وَإِنَّمَا يدْرك علم ذَلِك بِمَعْرِِفَة النقلَة، ورحل إِلَى الدينور فِي طلب معرفَة الضُّعَفَاء من الروَاة وَعلم أَسمَاء الرِّجَال، ثمَّ رَحل إِلَى بَغْدَاد فَكتب بهَا، ثمَّ ذكر لَهُ أَبُو الْفَتْح الْموصِلِي بالموصل، فَرَحل إِلَيْهِ، فَسمع تصانيفه
стр. 214
فِي علم الحَدِيث، وَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابه فِي " الضُّعَفَاء "، ثمَّ انحدر إِلَى بَغْدَاد فلقي شيخ الْمُحدثين بهَا فِي عصره الإِمَام أَبَا الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ فَأخذ عَنهُ " معرفَة الرِّجَال "، وأملاه عَلَيْهِ فِي مُدَّة طَوِيلَة وسنين كَثِيرَة.
قلت: وَرَأَيْت لَهُ كتابا حسنا فِي " الشَّهَادَات ".
стр. 215
(٨١ - مُحَمَّد بن يَعْقُوب [ ٢٥٠ - ٣٤٤] )
ابْن يُوسُف، أَبُو عبد الله الشَّيْبَانِيّ الْعدْل الْحَافِظ ابْن الأخرم النَّيْسَابُورِي. كَانَ - على مَا حَكَاهُ صَاحبه أَبُو عبد الله الْحَاكِم - صدر أهل الحَدِيث بنيسابور بعد أبي حَامِد ابْن الشَّرْقِي.
قَالَ: وَكَانَ لَا يرضى بِهَذَا إِذا قُلْنَاهُ، وَكَانَ يحفظ وَيفهم، صنف على الصَّحِيحَيْنِ للْبُخَارِيّ وَمُسلم، وصنف " مُسْندًا " كَبِيرا، وَجُمْلَة من الشُّيُوخ، وَغير ذَلِك، وَلم يرحل، وَلَكِن أدْرك بنيسابور الْأَسَانِيد الْعَالِيَة، وَكَانَ الإِمَام
следующие страницы →