← Тараджим

Тараджим · id 6741

طبقات الفقهاء الشافعية

ابن الصلاح

Полный текст (624 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(١٩٥ - عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد [ ٤٤٤ - ٥١٨] ) ابْن أَحْمد بن سهل بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن حمدَان بن مُحَمَّد السراج، أَبُو نصر ابْن أبي بكر النَّيْسَابُورِي، من أَهلهَا. ذكره أَبُو سعد، فَقَالَ: الْفَقِيه، ابْن الْفَقِيه الدّين، الْعَفِيف، من بَيت الْعلم والورع وَالصَّلَاح، نَشأ فِي الْعِبَادَة من صغره. وَاخْتلف إِلَى أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ، وبرع فِي الْفِقْه، وَصَارَ من خَواص أَصْحَابه، والمعيدين فِي درسه على الشادين. وَجرى على منوال أسلافه فِي الْوَرع والستر وَالْأَمَانَة والاكتفاء بالحلال من الْقُوت، واليسير من الْأَسْبَاب الموروثة، وَقلة الِاخْتِلَاط. وَخرج إِلَى الْحجاز، وَأنْفق فِي الطَّرِيق من الْوَجْه الْحَلَال، وَعَاد مرضِي الْحَال، ملازما لطريقة السّلف. سمع أَبَاهُ، وَأَبا عُثْمَان سعيد بن مُحَمَّد الْبُحَيْرِي، وَأَبا سعد الجنزروذي، وَأَبا سعد أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْمُقْرِئ، وَأَبا الْقَاسِم الْقشيرِي،

стр. 457

وابا يعلى الصَّابُونِي، وَأَبا صَالح، الْمُؤَذّن الْحَافِظ، وَأَبا حَامِد الْأَزْهَرِي، وَغَيرهم. قَالَ أَبُو نصر: سَمِعت عبد الْكَرِيم الْقشيرِي ينشد لنَفسِهِ: (إِذا شِئْت أَن تحيا حَيَاة هنيَّة ... فنق من الأطماع ثَوْبك واقنع) (وَإِن شِئْت عَيْشًا فِي دوَام مذلة ... فعلق بمخلوق فُؤَادك واطمع) توفّي - فِيمَا ذكره عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل - فِي أَوَائِل جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَانِي عشرَة وَخمْس مئة، وَدفن بمقبرة الْحيرَة بِجنب أسلافه، وَصلى عَلَيْهِ الإِمَام مُحَمَّد بن الْفضل الفراوي رحمهمَا الله.

стр. 458

(١٩٦ - عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد [ ٠٠٠ - ٤٢٠] ) ابْن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، الْفَقِيه الإِمَام الرئيس أَبُو أَحْمد الشرنخشيري، شين مُعْجمَة مَكْسُورَة، ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة، ثمَّ رَاء، ثمَّ نون مفتوحتين، ثمَّ خاء مُعْجمَة سَاكِنة، ثمَّ شين مُعْجمَة مَكْسُورَة، ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة، ثمَّ رَاء، ثمَّ يَاء النّسَب. قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مَنْصُور الْمروزِي: انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة أَصْحَاب الحَدِيث فِي عصره بمرو، وَأخذ الْفِقْه من أبي زيد الفاشاني، والْحَدِيث من أبي الْعَبَّاس النضري - بالنُّون وبالضاد الْمُعْجَمَة - وَأبي مُحَمَّد ابْن حَلِيم، بِاللَّامِ. وَسمع بالعراق من مشايخها، وَحدث بهراة وغزنة. سمع مِنْهُ: أَبُو الْفضل الجارودي، وَإِسْحَاق ابْن أبي إِسْحَاق القراب، بِفَتْح الْقَاف، وَتَشْديد الرَّاء، وَآخره بَاء مُوَحدَة. وَقُرِئَ عَلَيْهِ الحَدِيث بِبَغْدَاد بِحَضْرَة أبي الْحُسَيْن ابْن المظفر، وَأبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ، وَكَانَ لَهُ مجْلِس إملاء فِي دَاره بمرو.

стр. 459

مَاتَ سنة عشْرين وَأَرْبع مئة ﵀. قَوْله: انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة أَصْحَاب الحَدِيث، يَعْنِي أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵃، كَمَا بَيناهُ فِي مَوَاضِع.

стр. 460

(١٩٧ - عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد [ ٠٠٠ - ٥٢١] ) ابْن مُحَمَّد بن نصير البروجردي، القَاضِي أَبُو سعد. أَقَامَ بِبَغْدَاد مُدَّة. وتفقه على الشَّيْخ أبي إِسْحَاق. وَكَانَ فَقِيها فَاضلا. وَسمع الحَدِيث من أبي الْحُسَيْن ابْن الْمُهْتَدي بِاللَّه، وَأبي الْغَنَائِم ابْن الْمَأْمُون الهاشميين وَغَيرهمَا، وَسمع مِنْهُ. وَكَانَ حَيا سنة إِحْدَى وَعشْرين وَخمْس مئة. ذكر ذَلِك من أمره أَبُو سعد فِي " مذيله ".

стр. 461

(١٩٨ - عبد الرَّحْمَن بن عبد الْكَرِيم [ ٤٢٠ - ٤٨٢] ) ابْن هوَازن الْقشيرِي، أَبُو مَنْصُور. أحد أَوْلَاد الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي، وَقد تقدم ذكرهم فِي تَرْجَمَة عبد الله. قَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ: كَانَ أَبُو مَنْصُور هَذَا حسن السِّيرَة، فَاضلا، متدينا، ورعا، عفيفا، قصير الْيَد عَمَّا تغلب الشُّبْهَة عَلَيْهِ، محتاطا فِي مطعمه وملبسه، مستوعب الْوَقْت بالخلوة وَالْعِبَادَة، يصحب الصَّالِحين، ويزور الْمشَاهد، وَكتب الْكثير، وَسمع الْكثير بنيسابور وبغداد - إِذْ وردهَا مَعَ أَبِيه حَاجا - وَغَيرهمَا. وَخرجت لَهُ فَوَائِد قُرِئت عَلَيْهِ. وَلما توفيت والدته الفاضلة فَاطِمَة سنة ثَمَانِينَ حج، فَتوفي بِمَكَّة فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ، وَهُوَ ثَالِث أَسْبَاط أبي عَليّ الدقاق، وثالث بني الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم.

стр. 462

(١٩٩ - عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم [ ٢٤٠ - ٣٢٧] ) مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ، الْحَافِظ ابْن الْحَافِظ. روى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ بِإِسْنَادِهِ أَن ابْن صاعد روى بِبَغْدَاد حَدِيثا أَخطَأ فِي إِسْنَاده، فَأنْكر عَلَيْهِ ابْن عقدَة الْحَافِظ، فَخرج أَصْحَاب ابْن صاعد، وارتفعوا إِلَى الْوَزير عَليّ بن عِيسَى، وَحبس ابْن عقدَة، فَقَالَ الْوَزير: من نسْأَل وَنَرْجِع إِلَيْهِ؟ فَقَالُوا: ابْن أبي حَاتِم، فَكتب إِلَيْهِ الْوَزير يسْأَله عَن ذَلِك، فَنظر وَتَأمل فَإِذا الحَدِيث على مَا قَالَ ابْن عقدَة، فَكتب إِلَيْهِ بذلك، فَأطلق ابْن عقدَة، وارتفع شَأْنه.

стр. 463

(٢٠٠ - عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد [٠٠٠ - نَحْو ٤٢٠] ) ابْن مُحَمَّد ابْن سُورَة - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة، وَإِسْكَان الْوَاو، وَبعدهَا رَاء، ثمَّ هَاء - ابْن سعيد، أَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي، من أَهلهَا وفقهائها الشَّافِعِيَّة. ذكر الْخَطِيب أَنه قدم بَغْدَاد وَحدث بهَا عَن ابْن نجيد، وَأبي طَاهِر حفيد ابْن خُزَيْمَة. ذكره أَبُو صَالح الْمُؤَذّن.

стр. 464

(٢٠١ - عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد [ ٣٧٤ - ٤٦٧] ) ابْن المظفر بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن أَحْمد بن معَاذ بن سهل بن الحكم الداوودي، أَبُو الْحسن البوسنجي، من أهل بوسنج: بباء مُوَحدَة مَضْمُومَة، ثمَّ وَاو سَاكِنة، ثمَّ سين مُهْملَة مَفْتُوحَة، ثمَّ نون سَاكِنة، ثمَّ جِيم؛ هِيَ بَلْدَة بنواحي هراة. وَهُوَ الإِمَام أَبُو الْحسن الداوودي الَّذِي يروي عَنهُ أَبُو الْوَقْت " صَحِيح " البُخَارِيّ، سَمعه من أبي مُحَمَّد الحمويي - بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، وَضم الْمِيم الْمُشَدّدَة - فِي صفر سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاث مئة، عَن الْفربرِي، عَن البُخَارِيّ. وسَمعه أَبُو الْوَقْت من الداوودي سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبع مئة.

стр. 465

قَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ: كَانَ الداوودي وَجه مَشَايِخ خُرَاسَان، وَله قدم راسخ فِي التَّقْوَى. قَالَ: حكى أَنه بَقِي أَرْبَعِينَ سنة لَا يَأْكُل اللَّحْم وَقت نهب التركمان، وَكَانَ يَأْكُل السّمك، فحكي لَهُ أَن بعض الْأُمَرَاء أكل على حافة النَّهر الَّذِي يصاد لَهُ مِنْهُ السّمك، ونفض سفرته وَمَا فضل مِنْهُ فِي النَّهر؛ فَمَا أكل السّمك بعد ذَلِك. ولد فِي شهر ربيع الآخر سنة أَربع وَسبعين وَثَلَاث مئة. وَتُوفِّي ببوسنج فِي شَوَّال سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبع مئة. قَالَ النواوي: هَذِه التَّرْجَمَة ألحقتها أَنا، وَلم يذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مِنْهَا إِلَّا قَوْله: الإِمَام الداوودي الَّذِي يروي عَنهُ أَبُو الْوَقْت، ثمَّ ذكر الشّعْر الَّذِي يَأْتِي، وَترك بَينهمَا بَيَاضًا، وَقَالَ: يتَّصل إِن شَاءَ الله تَعَالَى. روى بِإِسْنَادِهِ عَن الداوودي لنَفسِهِ: (رب تقبل عَمَلي ... وَلَا تخيب أملي) (أصلح أموري كلهَا ... قبل حُلُول الْأَجَل)

стр. 466

وَله: (يَا شَارِب الْخمر اغتنم تَوْبَة ... قبل التفاف السَّاق بالساق) (الْمَوْت سُلْطَان لَهُ سطوة ... يَأْتِي على المسقي والساقي) قَالَ كَاتبه عَفا الله عَنهُ: وَقد ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي مَوضِع آخر فَقَالَ: عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن المظفر الداوودي، أَبُو الْحسن البوسنجي، أحد الْفُضَلَاء، فضل علم وَدين، وَهُوَ الَّذِي روى أَبُو الْوَقْت " البُخَارِيّ " عَنهُ. وَرُوِيَ لي عَن الْحَافِظ الْمرَادِي أَنه حكى أَن أَبَا الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي كَانَ قد سمع " الصَّحِيح " للْبُخَارِيّ من أبي سهل الحفصي، وَله إجَازَة من الداوودي، فَكَانَ يَقُول: الْإِجَازَة من الداوودي أحب إِلَيّ من السماع من الحفصي. قَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ مَا مُخْتَصره: أَن الإِمَام أَبَا الْحسن الداوودي قَرَأَ الْأَدَب على أبي عَليّ الفنجكردي وَكَانَت إِلَيْهِ الرحلة. وَقَرَأَ الْفِقْه على أبي بكر الْقفال الْمروزِي، وَأبي الطّيب سهل الصعلوكي، وَأبي طَاهِر ابْن محمش الزيَادي، وَأبي بكر الطوسي.

стр. 467

وقرأه بِبَغْدَاد على أبي حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ، وعَلى أبي الْحسن الطبسي، وببوسنج على أبي سعيد يحيى بن مَنْصُور الْفَقِيه. وَقيل: إِنَّه كَانَ يحمل مَا كَانَ يَأْكُلهُ فِي حَال تفقهه أَيَّام مقَامه بِبَغْدَاد - وَغَيرهَا من الْبِلَاد - من بَلَده بوسنج احْتِيَاطًا، وَصَحب الْأُسْتَاذ أَبَا عَليّ الدقاق، وَأَبا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ بنيسابور، والامام فاخرا السجْزِي ببست عِنْد رحلته إِلَى غزنة، وَلَقي يحيى بن عمار السجْزِي، وَكَانَ دُخُوله بَغْدَاد سنة تسع وَتِسْعين وَثَلَاث مئة، وَعَاد إِلَى وَطنه سنة خمس وَأَرْبع مئة، وَأخذ فِي التدريس والتذكير وَالْفَتْوَى التصنيف، وَكَانَ ذَا حَظّ من النّظم والنثر، يراسل الْأَئِمَّة ويراسلونه، وَبَقِي على ذَلِك زينا لعصره إِلَى أَن توفّي ﵀. سمع بِبَغْدَاد أَبَا الْحسن بن الصَّلْت الْمُجبر، وَأَبا عمر ابْن مهْدي، وَأَبا أَحْمد ابْن أبي مُسلم الفرضي، وَغَيرهم. وبنيسابور أَبَا عبد الله الْحَاكِم الْحَافِظ، وَأَبا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، وَأَبا الْقَاسِم ابْن حبيب الْمُفَسّر، وَأَبا الْحسن الْعلوِي الحسني، وَأَبا طَاهِر الزيَادي، وَأَبا عَليّ الفلجردي، وَغَيرهم. وببوسنج أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن حمويه السَّرخسِيّ قدمهَا، وبهراة أَبَا مُحَمَّد ابْن أبي شُرَيْح، وَغير هَؤُلَاءِ. روى عَنهُ النَّاس. وَقَالَ أَيْضا: قَرَأت بِخَط وَالِدي ﵀: سَمِعت الْفَقِيه الْأَجَل أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن عَليّ بن إِسْحَاق يَقُول: كَانَ الإِمَام أَبُو الْحسن الداوودي

стр. 468

لَا تسكن شفته من ذكر الله . قَالَ: فيحكى أَن مزينا أَرَادَ أَن يقص شَاربه، فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الإِمَام، يجب أَن تسكن شفتيك؛ فَقَالَ: قل للزمان حَتَّى يسكن. وَبِه قَالَ: سَمِعت الْفَقِيه أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن عَليّ بن إِسْحَاق الطوسي يَقُول: دخل أخي نظام الْملك على الإِمَام أبي الْحسن الداوودي، وَقعد بَين يَدَيْهِ، وتواضع لَهُ غَايَة التَّوَاضُع، فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الرجل، إِن الله سلطك على عبيده، فَانْظُر كَيفَ تجيبه إِذا سَأَلَك عَنْهُم. وَذكره الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن يُوسُف الْجِرْجَانِيّ فِي كِتَابه فِي " أَصْحَاب الشَّافِعِي "، فَقَالَ: أَبُو الْحسن الداوودي، شيخ عصره، وأوحد دهره، وَالْإِمَام الْمُقدم فِي الْفِقْه وَالْأَدب وَالتَّفْسِير، وَكَانَ زاهدا، ورعا، حسن السمت، بَقِيَّة الْمَشَايِخ بخراسان، وَأَعْلَاهُمْ إِسْنَادًا. أَخذ عَنهُ فُقَهَاء بوسنج، وَله شعر وَترسل. ولد فِي شهر ربيع الآخر سنة أَربع وَسبعين وَثَلَاث مئة. وَتُوفِّي ﵀ ببوسنج فِي شَوَّال سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبع مئة، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَتِسْعين سنة. وَكَانَ سَمَاعه " الصَّحِيح " فِي صفر سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاث مئة، وَهُوَ ابْن سِتّ سِنِين.

стр. 469

(٢٠٢ - عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد [ ٠٠٠ - ٤٦١] ) أَبُو مُحَمَّد الفوراني الْمروزِي.

стр. 470

كَانَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ يمِيل عَلَيْهِ ميلًا شَدِيدا، يتتبع بالإسقاط والتزييف مَا لَا يجده فِي غير كِتَابه مِمَّا قَالَه أَو نَقله، وَلَا يُسَمِّيه وَلَا كِتَابه، يَقُول: ذكر بعض المصنفين كَذَا، وَفِي بعض التصانيف كَذَا، ونجد كثيرا من ذَلِك فِي كتب صَاحبه الإِمَام الْغَزالِيّ مَنْسُوبا إِلَيْهِ، مُصَرحًا فِيهِ باسمه. قَالَ النواوي: هَذَا الفوراني هُوَ صَاحب " الْإِبَانَة "، وَشَيخ صَاحب " التَّتِمَّة "، وسمى صَاحب " التَّتِمَّة " كِتَابه: " التَّتِمَّة "؛ لكَونه تتميما ل " الْإِبَانَة "، وشرحا لمسائله وفروعا لَهَا، وَأثْنى عَلَيْهِ فِي خطبَته. وَقد روى عَنهُ صَاحب " التَّهْذِيب " فِي كِتَابه " شرح السّنة ". وَهُوَ الفوراني: بِضَم الْفَاء، قَالَه السَّمْعَانِيّ وَغَيره، مَنْسُوب إِلَى جده: فوران، وَهُوَ: عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن فوران. قَالَه السَّمْعَانِيّ. وَله تصانيف فِي الْفِقْه، وروى الحَدِيث. توفّي فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبع مئة بمرو. قَالَ: وَهُوَ من أَعْيَان تلامذة الْقفال.

стр. 471

(٢٠٣ - عبد الرَّحْمَن بن مهْدي [ ١٣٥ - ١٩٨] ) ابْن حسان بن عبد الرَّحْمَن، أَبُو سعيد الْعَنْبَري. مولى من أهل الْبَصْرَة. إِمَام مقدم من أَئِمَّة الحَدِيث، يحْتَج فِيهِ بقوله، ويعتمد فِي أمره على نَقله ونقده. سمع عددا من الْأَئِمَّة: مَالِكًا، وَالثَّوْري، والحمادين، وَشعْبَة وَغَيرهم. روى عَنهُ عدد من الْأَئِمَّة: ابْن الْمُبَارك، وَابْن وهب، وَأحمد، وَابْن الْمَدِينِيّ، وَابْن معِين، وَأَبُو خَيْثَمَة، وَأَبُو عبيد، وَإِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه، وَأَبُو ثَوْر، وَغَيرهم.

стр. 472

قَالَ الْخَطِيب: كَانَ من الربانيين فِي الْعلم، وَأحد الْمَذْكُورين بِالْحِفْظِ، وَمِمَّنْ برع فِي معرفَة الْأَثر، وطرق الرِّوَايَات، وأحوال الشُّيُوخ. ذكر أَبُو بكر الْأَثْرَم أَن أَحْمد ابْن حَنْبَل ﵀ سُئِلَ عَن عبد الرَّحْمَن: هَل كَانَ يتفقه؟ قَالَ: كَانَ يتوسع فِي الْفِقْه. وبإسناد الْخَطِيب إِلَى عَليّ ابْن الْمَدِينِيّ قَالَ: أعلم النَّاس بِالْحَدِيثِ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي. قَالَ القَاضِي إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: وَكَانَ عَليّ شَدِيد التوقي. وَقَالَ عَليّ ابْن الْمَدِينِيّ أَيْضا: كَانَ علم عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بِالْحَدِيثِ كالسحر. وَعَن أَيُّوب بن المتَوَكل الْقَارئ قَالَ: كُنَّا إِذا أردنَا الدّين وَالدُّنْيَا ذَهَبْنَا إِلَى دَار عبد الرَّحْمَن بن مهْدي.

стр. 473

مَاتَ ﵀ سنة ثَمَان وَتِسْعين ومئة، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ. ولد سنة خمس وَثَلَاثِينَ، وَالله أعلم. قَالَ السلَفِي: أخبرنَا القَاضِي أَبُو الْفَتْح إِسْمَاعِيل بن عبد الْجَبَّار الْقزْوِينِي قَالَ: سَمِعت الْحَافِظ أَبَا يعلى الخليلي يَقُول فِي ذكر عبد الرَّحْمَن بن مهْدي: قَالَ الشَّافِعِي ﵁: لَا أعرف لَهُ نظيرا فِي هَذَا الشَّأْن.

стр. 474

(٢٠٤ - عبد الرَّحِيم بن عبد الْكَرِيم [ ٠٠٠ - ٥١٤] ) ابْن هوَازن بن عبد الْملك بن طَلْحَة الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي، أَبُو نصر، أَعلَى أَوْلَاد الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي فِي الْعلم محلا، وَإِن لم يكن أكبرهم وَأَعْلَاهُمْ سنا، وَهُوَ الرَّابِع من أَوْلَاده، وَأول أَوْلَاده من بعد أَوْلَاده الثَّلَاثَة من الْخيرَة والسيدة فَاطِمَة بنت الْأُسْتَاذ أبي عَليّ الدقاق، وأشبههم بِهِ خلقا، حَتَّى كَأَنَّمَا شقّ مِنْهُ شقا. كَانَ متصرفا فِي عُلُوم، مُتَقَدما فِي فنون، وَهُوَ أحد الجلة الْمُتَقَدِّمين من أَصْحَاب الإِمَام أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ. رباه وَالِده وَعلمه فِي صباه اللِّسَان الْعَرَبِيّ، حَتَّى تخرج وبرع، وزاول النثر وَالنّظم، فَحل مِنْهُمَا بِالْمحل المرموق وتلقى من وَالِده علمي التَّفْسِير

стр. 475

وَالْأُصُول، فَبلغ مِنْهُمَا الْمبلغ الَّذِي يونق ويروق، وَكَانَ إِلَيْهِ استملاء الحَدِيث على وَالِده، وَقِرَاءَة الْكتب عَلَيْهِ، لتقدمه فِي فَضله، ورزق السرعة فِي الْكِتَابَة، حَتَّى كَانَ يكْتب الْكثير من غير أَن يلْحقهُ كَبِير مشقة، ثمَّ لما اسْتَأْثر الله الْكَرِيم بوالده بَادر بعد إِقَامَة رسم العزاء وتوابعه إِلَى مجْلِس إِمَام الْحَرَمَيْنِ، ولازم درسه، وَلَزِمَه لَيْلًا وَنَهَارًا، وعشيا وإبكارا، حَتَّى حصل طَرِيقه فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف، وعاود الْأُصُول فَأَعَادَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي يعْتد بِهِ ويستفرغ مَعَه أَكثر أَيَّامه، مستفيدا مِنْهُ شَيْئا من حسابيات الْمسَائِل والوصايا والفرائض. ثمَّ حِين فرغ من تَحْصِيل الْفِقْه تأهب لِلْحَجِّ، واستصحب جمَاعَة، وَلما دخل بَغْدَاد جلس للوعظ، فَبَدَا لَهُ من الْقبُول حِين رَأَوْا كَمَاله مَا لم يعْهَد لأحد فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَة مثله، وَحَضَرت الْخَاصَّة مَجْلِسه، وَالْأَئِمَّة: الامام أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَغَيره. وَحج وَعَاد، وَالْقَبُول مقبل غض، وشمر لتربيته الشَّيْخ أَبُو سعد الصُّوفِي دوست دادا شيخ الشُّيُوخ، الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ رِبَاط شيخ الشُّيُوخ بِبَغْدَاد، وَخرج الْأَمر إِلَى التعصب حَتَّى بَدَت مخايل الْفِتْنَة وأوائلها، وَكَانَ قَلما يَخْلُو مجْلِس من مجالسه عَن إِسْلَام ذمِّي ثمَّ حج ثَانِيًا من قَابل فِي ترفه وأهبة لمراعاة أَمِير الْحَاج لَهُ، وَرجع إِلَى بَغْدَاد، وَالْقَبُول بِحَالهِ، ونار الْفِتْنَة تكَاد تضطرم، فأنهي ذَلِك إِلَى نظام الْملك وَهُوَ بأصبهان، وَسُئِلَ استحضاره إِيَّاه من بَغْدَاد تطفئة للنائرة، فَبعث إِلَيْهِ يستدعيه، فَتوجه إِلَى المعسكر، فَتَلقاهُ بأكيد الْإِكْرَام، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْعودِ

стр. 476

إِلَى وَطنه، فَفعل / وَأقَام ملازما للطريقة القويمة، ثمَّ سُئِلَ أَن يدرس ويعظ، فَأجَاب إِلَى ذَلِك إِلَى أَن قرب انْتِهَاء أمره. مرض فِي آخر عمره مَرضا اعتقل مِنْهُ لِسَانه إِلَّا عَن الذّكر، فَكَانَ لَا يتَكَلَّم إِلَّا بآيَات الْقُرْآن إِلَى أَن توفّي فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع عشرَة وَخمْس مئة بنيسابور. وَكَانَت جنَازَته عَظِيمَة الحفل. سمع الحَدِيث الْكثير، وَرَوَاهُ فَأكْثر، وَقَرَأَ تصانيف وَالِده عَلَيْهِ. قَالَ السَّمْعَانِيّ: وَكَانَ كثير الْميل إِلَى الرِّوَايَة، قَلما يمْضِي عَلَيْهِ يَوْم إِلَّا وَيقْرَأ عَلَيْهِ مجْلِس من الحَدِيث. قَالَ: وَكَانَ يحفظ حكايات وأشعارا كَثِيرَة، وَحكي أَنه كَانَ يحفظ خمسين ألف نصف بَيت، وَأَنه كَانَ يحب الْعُزْلَة والانزواء، فَلَمَّا انقرضت الجوينية وَصَارَ مقدما احْتَاجَ إِلَى الْخُرُوج، وَحُضُور المحافل للتهاني والتعازي، فَخرج يَوْمًا إِلَى تَعْزِيَة بعض النَّاس، وَكَانَ يَوْمًا كثير الوحل، فَأصَاب ثِيَابه، وتلوث، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى منزله أنْشد: (لهفي على مَا كنت فِيهِ ... من الفراغة والدعه) (قد كَانَ قلبِي ساليا ... فقلى السلو وودعه) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ﵀: الفراغة، بِالْهَاءِ تستعملها الْعَجم،

стр. 477

وَلَا أصل لَهَا فِي اللُّغَة نعلمهُ، فَالله أعلم. وَأنْشد: (دَعْنِي فَإِن غَرِيم الشيب لازمني ... هَذَا زَمَانك فامرح فِيهِ لَا زمني) وَقَالَ: سَمِعت وَالِدي يَقُول: ليكن لَك فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة سَاعَة تحضر فِيهَا بقلبك، وتخلو بِرَبِّك، وترفع إِلَيْهِ فقرك، وَتقول: تدارك قلبِي بشظية من إقبالك، بذرة من إفضالك؛ (هَا إِن مددت يَدي إِلَيْك فَردهَا ... بِالْفَضْلِ لَا بشماتة الْأَعْدَاء

стр. 478

(٢٠٥ - عبد الْعَزِيز بن عَليّ [ ٠٠٠ - ٠٠٠] ) ابْن عبد الْعَزِيز بن الْحُسَيْن، أَبُو الْفضل الأشنهي. من أهل أشنه: بَلْدَة فِي حد أذربيجان، وَهُوَ ظَنِّي. صَاحب " الْفَرَائِض " الْكتاب الْمَشْهُور، وأحسبني سَمِعت بعض الأشنهيين أَن لَهُم آخر تشبه بِهِ إِلَّا أَنه مقرئ، أَو كَمَا قَالَ، وَالله أعلم. قَالَ الْحَافِظ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ: ورد بَغْدَاد، وتفقه على أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَسمع بهَا الحَدِيث من أبي جَعْفَر ابْن الْمسلمَة، وَغَيره. وَسمع مِنْهُ الْفضل بن مُحَمَّد النوقاني. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: سمع مِنْهُ بأشنه، وروى عَنهُ فِي إمْلَائِهِ باستملاء أبي مَنْصُور الشحامي: عبد الْخَالِق بن زَاهِر. وَقَالَ بَعضهم فِي نسبه: موسين، مَكَان: الْحُسَيْن. كَانَ رجلا زاهدا، عَارِفًا بِالْمذهبِ والْحَدِيث، صنف فِي الْمَذْهَب والفرائض. قَالَ ذَلِك صَاحب " الْإِلْحَاق "، وَقَالَ: أَخْبرنِي أَنه رَجَعَ من بَلَده إِلَى بَغْدَاد لرد قلم استعاره. مَاتَ بِبَلَدِهِ.

стр. 479

(٢٠٦ - عبد الْغفار بن عبيد الله [ ٠٠٠ - ٤٣٦] ) ابْن مُحَمَّد بن زيرك - بزاي مَكْسُورَة، ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة، ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة، ثمَّ كَاف، وَهُوَ غير مَصْرُوف - ابْن مُحَمَّد بن كثير بن عبد الله التَّمِيمِي، أَبُو سعد. شيخ همذان. قَالَ الْحَافِظ أَبُو شُجَاع شيرويه الهمذاني: كَانَ ثِقَة، صَدُوقًا، فَقِيها عَالما، لَهُ يَد فِي الْأَدَب، وَكَانَ يعظ النَّاس وَيتَكَلَّم فِي عُلُوم الْقَوْم - يَعْنِي عُلُوم الصُّوفِيَّة - وَكَانَ ذَا شَأْن وخطر عِنْد الْخَاص وَالْعَام، وَله مصنفات عزيزة فِي أَنْوَاع الْعُلُوم، وَلم يحمل عَنهُ إِلَّا الْقَلِيل، وعاجله الْمَوْت. توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبع مئة. روى عَن: أَبِيه أبي سهل، وَالْإِمَام أبي بكر ابْن لال، وَغَيرهمَا من الهمذانيين، وَعَن أبي الْفَتْح ابْن أبي الفوارس، وَأبي الْحسن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْقطَّان الدَّارَقُطْنِيّ - وَهُوَ غير الدَّارَقُطْنِيّ الإِمَام الْمَشْهُور، اسْمه: عَليّ بن عمر - وَغَيرهمَا من البغداديين، وَغَيرهم.

стр. 480

حدث عَنهُ: ابْن أُخْته أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن عُثْمَان القومساني، وَغَيره. قَالَ شيرويه: سَمِعت أَبَا الْفضل أَحْمد بن عمر بن أَحْمد الْمُؤَدب يَقُول: سَمِعت أَبَا سعد ابْن زيرك الإِمَام يَقُول: رَأَيْت فِي صباي النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام، فكساني ثوبا، فَسَأَلت معبرا؛ فَقَالَ: لَيست لَك، فَلَمَّا خرجت من عِنْده سَأَلَ عني، فَقيل لَهُ: هَذَا ابْن أبي سهل إِبْنِ زيرك، فصاح بِي، وَقَالَ: إِن الله تَعَالَى يرزقك الْعلم، وَتَكون إِمَامًا فِي عصرك. قَالَ أَحْمد: فَصَارَ كَمَا قَالَ، وَذهب اسْمه فِي الْآفَاق.

стр. 481

٢٠٧ - عبد القاهر بن طَاهِر [٠٠٠ - ٤٢٩] ابْن مُحَمَّد التَّمِيمِي، الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ ثمَّ النَّيْسَابُورِي. كَانَ كشيخه الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ فِي نصْرَة طَرِيقه الْفُقَهَاء، وَالشَّافِعِيّ فِي أصُول الْفِقْه فِي الْأَغْلَب، وهما من الْمُتَكَلِّمين الناصرين لقَوْل الشَّافِعِي ﵀، لَا يجوز نسخ الْكتاب بِالسنةِ، مَعَ أَن أَكثر أضرابهما الْمُتَكَلِّمين من الشَّافِعِيَّة جبنوا عَن نصْرَة الْمَذْهَب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، حَتَّى إِن الإِمَام أَبَا بكر ابْن فورك نقض كتابا صنفه الشَّيْخ سهل الصعلوكي فِي نصْرَة مَذْهَب الإِمَام فِيهَا. وَقَالَ أَبُو مَنْصُور فِي كِتَابه " الْأُصُول الْخَمْسَة عشر ": إِن الصَّحِيح عِنْده

стр. 482

أَن أول الْوَاجِبَات على الْمُكَلف النّظر وَالِاسْتِدْلَال، وفيهَا غلو عَن أبي الْحُسَيْن الْقَزاز. قَالَ: قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور: عِنْدِي أَن أول مَا يجب على الْإِنْسَان هُوَ الْإِقْرَار بكلمه الشَّهَادَتَيْنِ، وَقبُول الْإِسْلَام، وَالْعَمَل بِهِ، فَإِذا أَتَى بذلك حِينَئِذٍ يشرع فِي النّظر وَالِاسْتِدْلَال. قَالَ: وَهَذَا طَريقَة السّلف. قَالَ الشَّيْخ: وَرَأَيْت لَهُ كتابا فِي " معنى لفظتي التصوف والصوفي "، جمع فِيهِ من أَقْوَال الصُّوفِيَّة زهاء ألف قَول مرتبَة على حُرُوف المعجم، وَمن قَوْله فِيهِ: التصوف مجانية الْأَجَانِب من كل جَانب، التصوف غيث بِلَا عيث. الصُّوفِي هُوَ الَّذِي لَا يطْمع فِيمَن يطْمع، الصُّوفِي من لَا يُبَالِي أَن يكون ملوماً إِذا لم يكن مليماً، الصُّوفِي مفهم ملهم، عَن دَعْوَاهُ مفحم. وَقَالَ أَبُو خلف الطَّبَرِيّ: نفي الشَّرِيك فِي مَسْأَلَة المشركة هُوَ اخْتِيَار أستاذي أبي مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ. وَله كتاب فِي " نقض مَا عمله أَبُو عبد الله الْجِرْجَانِيّ " فِي " تَرْجِيح مَذْهَب أبي حنيفَة "، وكل وَاحِد مِنْهُمَا لم يخل كَلَامه عَن ادِّعَاء مَا لَيْسَ لَهُ، والتشنيع بِمَا لم يؤته، مَعَ وهم كثير أَتَيَاهُ، وَالله أعلم. قَرَأت مِنْهُ فِي الْفَصْل الَّذِي ينْقض فِيهِ على الْجِرْجَانِيّ دَعْوَاهُ تقدمهم فِي علم الْفَرَائِض، وَأَن غَيرهم لَهُم تبع: أبسط الْكتب فِيهَا كتب

стр. 483

أبي الْعَبَّاس ابْن سُرَيج، وَقد بَين فِيهَا كل مَا أَخطَأ فِيهِ أَيُّوب بن سُلَيْمَان الْخُزَاعِيّ، وكل مَا أَخطَأ فِيهِ الْخصاف من مسَائِل الْفَرَائِض، وَمن مسَائِل الدّور والوصايا، وأبسط من هَذَا كُله كتاب مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي الْفَرَائِض، وَمَا صنف فِيهَا أتقن وَأحكم مِنْهُ، وَحَجمه يزِيد على خمسين جُزْءا، وَقد صنف فِيهِ من أهل عصرنا أَبُو عمر الدَّارمِيّ. كَذَا قَالَ. قَالَ الشَّيْخ: لَعَلَّه أَبُو عَمْرو الْعجلِيّ، فتصحف. قَالَ: وَهُوَ الَّذِي لم تخرج الْعرَاق مثله فِي الْفَرَائِض والدور والحساب والجبر والمقابلة وفنون المقدرات، كِتَابه الَّذِي خرج مسَائِله فِيهِ على أصُول الشَّافِعِي، وتلاه فِي التصنيف شَيْخَانِ من أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵃ ، أَحدهمَا: شيخ المقدرات فِي الْعرَاق وَفَارِس ونواحيها، وَهُوَ أَبُو الْحُسَيْن ابْن اللبان، وَالْآخر: إِمَام وقتنا فِي عُلُوم الْكَلَام وَالْفِقْه وَالْأُصُول والمقدرات كلهَا، هُوَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الإِسْفِرَايِينِيّ الَّذِي عينه فراره، وَفِي كل الْعُلُوم مُتَفَرِّقَة ناره. قَالَ: وتلاه فِي التصنيف فِي الْفَرَائِض والدور والوصايا وَالْعين وَالدّين وأنواع المقدرات عبد القاهر بن طَاهِر بن مُحَمَّد، وَكتابه فِي " الْفَرَائِض " يزِيد على ألف ورقة، وَكتابه فِي " الدّور والوصايا " يزِيد على ثَلَاث مئة بَاب، سوى

стр. 484

كتبه فِي الْفِقْه وَالْكَلَام وأصول الْفِقْه، وأنواع الْعُلُوم، على الْخُصُوص. والعموم. ثمَّ حكى أَنه أشكل على أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي تِلْكَ الْأَيَّام مسَائِل دورية فِي كتبهمْ، فَمَا حلهَا لَهُم إِلَّا هُوَ، وَالله أعلم. قَالَ الشَّيْخ: الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور هَذَا يخبط كثيرا فِي نقُوله وَمَا يحيكه خبط عشواء، فَمَا أَدْرِي من أَيْن يُؤْتى؟

стр. 485

٢٠٨ - عبد القاهر بن طَاهِر [٠٠٠ - ٠٠٠] أَبُو الْمَعَالِي. وَهُوَ أَخُو عبد الله بن طَاهِر، وَقد تقدم ذكر أَخِيه. قَالَ فِيهِ أَبُو الْحسن ابْن أبي الْقَاسِم الْبَيْهَقِيّ الْحَنَفِيّ فِي كِتَابه الَّذِي وسمه ب " وَسَائِل الألمعي إِلَى فَضَائِل الشَّافِعِي ": الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي ابْن شاهفور، إِمَام بَلخ، كَانَ مولده بنواحي إسفرايين، وَكَانَ عَالما بأنواع عُلُوم الْبشر، لم يشذ عَن خاطره علم، وَله " ديوَان شعر ". قَالَ: وَابْنه تَأَخّر عَن رتبته، وَقَامَ مقَامه ببلخ الإِمَام عمر البسطامي. كَذَا قَالَ: شاهفور، وَقد تقدم فِي تَرْجَمَة أَخِيه: شهفور. وَمن شعر أبي الْمَعَالِي هَذَا: (جمع الْخيام وَردت الْإِبِل ... وكأنني بهم وَقد رحلوا) (قد كنت أَشْكُو خلف موعدها ... وَأَقُول ذَنْب لَيْسَ يحْتَمل) (يَا ليتها وَالدَّار جَامِعَة ... تعد المواعد ثمَّ لَا تصل)

стр. 486

٢٠٩ - عبد الْكَرِيم بن أَحْمد [٣٩١ - ٤٦٨] ابْن طَاهِر بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، القَاضِي أَبُو سعد الطَّبَرِيّ التَّيْمِيّ - بميم وَاحِدَة - يعرف ب: الْوزان. من أهل طبرستان. نزل الرّيّ، وَهُوَ جد الصُّدُور الوزارنيين رُؤَسَاء الشَّافِعِيَّة بِالريِّ. من كبراء عصره فضلا، وحشمة، وجاهاً، ونعمة. قَالَ عبد الغافر: وَكَانَ لَهُ الْقدَم الراسخ فِي المناظرة، وإفحام الْخُصُوم، وَالْكَرم الباذخ الراقي إِلَى منَاط النُّجُوم. قَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ: وَكَانَ يقهر الْخُصُوم بفصله، وفصاحته، وجرأته، وَبَيَانه. وَذكر أَنه تفقه بمرو على الإِمَام أبي بكر الْقفال الْمروزِي حَتَّى برع فِي الْفِقْه. وَقَالَ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن يُوسُف الْحَافِظ: قَرَأَ الْفِقْه فِي أول أمره على القَاضِي أبي الْعَبَّاس الْبَصْرِيّ، ثمَّ تفقه على الْقفال، وَأخذ عَنهُ فُقَهَاء

стр. 487

الرّيّ وَغَيرهَا، وَقَالَ: سكن الرّيّ، وَولي قَضَاء ساوة، ثمَّ قَضَاء همذان، وَهُوَ فَقِيه، مدرس، مناظر، مفت. وَذكر شيرويه، فَقَالَ: قاضينا سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَأَرْبع مئة. قَالَ: وَكَانَ صَدُوقًا، وَاسع الْعلم، يحضر مَجْلِسه الْكِبَار من الْمَشَايِخ، وَأَحْيَانا كنت أَنا الْمُسْتَمْلِي لَهُ. قَالَ عبد الغافر: وَدخل نيسابور سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبع مئة، وَعقد لَهُ مجْلِس الْإِمْلَاء، وَتكلم على رُؤُوس الْكِبَار والسادة، وَكَانَ قد دخل قَدِيما نيسابور، وَسمع أَصْحَاب الْأَصَم كَالْقَاضِي أبي بكر الْحِيرِي، وَأبي الْحسن الطرازي، وَالْإِمَام أبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ، وَخرج إِلَى مرو فَسمع بهَا، وَسمع بِمَا وَرَاء النَّهر من الكاغدي، وَسمع مَشَايِخ الرّيّ وَالْعراق. قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْجِرْجَانِيّ: توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبع مئة. وَقَالَ عبد الغافر: سنة تسع وَسِتِّينَ، قيل: كَانَت وِلَادَته فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَلَاث مئة. وروى فِي " إمْلَائِهِ " عَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ، وَأبي بكر الْقفال، فَبَدَأَ بالأستاذ، وثنى بالقفال.

стр. 488

٢١٠ - عبد الْكَرِيم بن عبد الصَّمد [٠٠٠ - ٤٧٨] ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْقطَّان، أَبُو معشر الطَّبَرِيّ. الإِمَام فِي الْقرَاءَات. جاور بِمَكَّة، وَكَانَ مقرئ أَهلهَا، وَله فِي علم الْقرَاءَات وَغَيره تصانيف حَسَنَة وكثيرة. روى عَنهُ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عمر الْمُقْرِئ إِمَام الْمقَام كتاب " الْوَقْف والابتدا "، وَكتاب " سوق الْعَرُوس " فِي الْقرَاءَات، المحتوي على ألف وَخمْس مئة وَخمسين رِوَايَة وطريقاً، وَكتاب " الدُّرَر واللآلي " فِي التَّفْسِير والمعاني، وَكتاب " التخليص "، وَكتاب " الْحجَّة "، وَكتاب " الرشاد فِي شرح الرِّوَايَات الشاذة "، وَكتاب " عُيُون الْمسَائِل "، وَكتاب " طَبَقَات الْقُرَّاء "، وَكتاب " مخارج الْحُرُوف "، وَكتاب " الْعدَد "، وَكتاب " هجاء الْمَصَاحِف "، وَكتاب " الْمَدّ والتمكين "، وَكتاب " الغنة والإظهار "، وَكتاب " ألم تَرَ كَيفَ "، وَكتاب " من اسْمه مُحَمَّد "، و " كتابا فِي اللُّغَة "، وَكتاب " الظَّاء وَالضَّاد "، وَكَثِيرًا غَيرهَا، وَرُوِيَ عَنهُ الْكثير الوافي مِمَّا رَوَاهُ من تصانيف النَّاس فِي عُلُوم عدَّة، مِنْهَا:

стр. 489

كتاب " ضِيَاء الْقُلُوب فِي إِعْرَاب الْقُرْآن ومعانيه " عَن مُؤَلفه، وَكتاب " شِفَاء الصُّدُور "، عَن الشريف الزيدي الْحَرَّانِي، عَن مُؤَلفه، و " مُسْند " أَحْمد، عَن الزيدي، عَن الْقطيعِي، و " تَفْسِير " الثَّعْلَبِيّ عَن مُؤَلفه، وَمِنْهَا الْمُهَذّب " لِابْنِ خالوية فِي اللُّغَة، وعدة من تصانيف القَاضِي أبي بكر الباقلاني فِي الْأَصْلَيْنِ عَن الدَّامغَانِي، عَنهُ، وعدة من تصانيف ابْن بطة الْحَنْبَلِيّ فِي الْأُصُول وَغَيره، عَن الزيدي، عَنهُ. قَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ: أَبُو معشر من أهل طبرستان، وَكَانَ حسن الإقراء، حسن الْأَخْذ، جميل الْأَمر، وَسمع الحَدِيث، وسافر فِي طلبه. ورد بَغْدَاد، وَسمع بهَا: أَبَا الطّيب الطَّبَرِيّ، وَأَبا الْحسن عَليّ بن مَحْمُود الزوزني، وبمصر: أَبَا عبد الله ابْن نظيف، وبتنيس: أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، وبمنبج، وحران، وبآمد، وبحلب، وبأردبيل، وبسلماس، وَجَمَاعَة كَبِيرَة من المصريين والشاميين، والجزريين. روى عَنهُ: أَبُو نصر الْغَازِي، وَالْقَاضِي أَبُو بكر الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو تَمام إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الصَّيْمَرِيّ، وَغَيرهم. توفّي بعد سنة سبعين وَأَرْبع مئة بِمَكَّة رَحمَه الله

стр. 490

٢١١ - عبد الْكَرِيم بن هوَازن [٣٧٦ - ٤٦٥] ابْن عبد الْملك بن طَلْحَة بن مُحَمَّد، الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي. الْفَقِيه الصُّوفِي، المفتن فِي الْعُلُوم، صَاحب " الرسَالَة إِلَى الصُّوفِيَّة " السائرة فِي أقطار الأَرْض. ذكر أَبُو الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي الْخَطِيب الأديب، ثمَّ غَيره، من خَبره مَا اختصاره، أَنه كَانَ إِمَامًا، فَقِيها، متكلماً، أصولياً، مُفَسرًا، مُحدثا، أديباً، نحوياً، كتابا، شَاعِرًا، وَكَانَ لِسَان عصره، وَسيد وقته، شيخ

стр. 491

الْمَشَايِخ، وأستاذ الْجَمَاعَة، ومقصود سالكي الطَّرِيقَة، بنْدَار الْحَقِيقَة، وقطب السَّادة، حَقِيقَة الملاحة، جمع بَين عُلُوم الشَّرِيعَة والحقيقة، وَشرح أحسن الشَّرْح أصُول الطَّرِيقَة. أَصله من أستوا من عمل نيسابور، من الْعَرَب الَّذين وردوا خُرَاسَان، وَسَكنُوا الرساتيق، وَهُوَ قشيري الْأَب، سلمى الْأُم، وخاله أَبُو عقيل السّلمِيّ، كَانَ من وُجُوه دهاقين أستوا، توفى أَبوهُ وَهُوَ طِفْل، فَوَقع إِلَى أبي الْقَاسِم الأليماني الأديب، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْأَدَب والعربية، بِسَبَب اتِّصَاله بِهِ، وعَلى غَيره أَيْضا، فَعلم اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَتخرج، وَكَانَت لَهُ ضَيْعَة ثَقيلَة الْخراج بِنَاحِيَة أستوا، فَرَأى فِي عنفوان شبابه أَن يدْخل الْبَلَد - وَهُوَ نيسابور - ويتعلم صناعَة الِاسْتِيفَاء ويتقلد الْعَمَل، لَعَلَّه يصون بذلك ضيعته، فَدَخلَهَا على هَذِه الْعَزِيمَة، فاتفق حُضُوره مجْلِس الْأُسْتَاذ أبي عَليّ الدقاق، وَكَانَ لِسَان وقته، مهذباً حَالا ومقالاً، فَاسْتحْسن كَلَامه، وَوَقع مِنْهُ موقعاً لفهم الْعَرَبيَّة، وَإِذا بِهِ قد أَرَادَ أمرا، وَأَرَادَ الله غَيره، فَوَقع فِي شبكة الدقاق، وسلك طَرِيق الْإِرَادَة، طلب القباء، فرزق العباء، وَقَبله الدقاق وَأَقْبل عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ تفرس فِيهِ، فَجَذَبَهُ بهمته، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بتَعَلُّم الْعلم، فَذهب إِلَى درس الإِمَام أبي بكر مُحَمَّد بن بكر الطوسي، وَشرع فِي الْفِقْه، ودوام حَتَّى فرغ من التَّعْلِيق، ثمَّ اخْتلف بإشارته إِلَى الْأُسْتَاذ أبي بكر ابْن فورك، وَكَانَ الْمُقدم فِي علم الْكَلَام، فحصله وبرع فِيهِ، وَصَارَ من أوجه تلامذته،، وأشدهم تَحْقِيقا وضبطاً، وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَيْضا علم أصُول الْفِقْه وفروعه، وَلما توفّي الْأُسْتَاذ ابْن فورك ذهب إِلَى الْأُسْتَاذ

стр. 492

أبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ وَقعد يسمع جَمِيع درسه أَيَّامًا، فَقَالَ لَهُ الْأُسْتَاذ: هَذَا الْعلم لَا يحصل بِالسَّمَاعِ. وَمَا توهم فِيهِ ضبط مَا يسمع، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَا سَمعه مِنْهُ، وَقَررهُ أحسن تَقْرِير من غير إخلال بِشَيْء، فتعجب مِنْهُ، وَعرف مَحَله، فَأكْرمه، وَقَالَ: مَا كنت أَدْرِي أَنَّك بلغت هَذَا الْمحل، فلست تحْتَاج إِلَى درس، بل يَكْفِيك أَن تطالع مصنفاتي، وَتنظر فِي طريقتي، وَإِن أشكل عَلَيْك شَيْء طالعتني بِهِ، فَفعل ذَلِك، وَجمع بَين طَرِيقَته وَطَرِيقَة ابْن فورك، ثمَّ نظر فِي كتب القَاضِي أبي بكر ابْن الطّيب ابْن الباقلاني، وَهُوَ مَعَ ذَلِك يحضر مجْلِس الْأُسْتَاذ أبي عَليّ الدقاق، ثمَّ إِنَّه اخْتَارَهُ لكريمته فَزَوجهَا مِنْهُ، مَعَ كَثْرَة أقاربها. وَلما توفّي ابو عَليّ عَاشر أَبَا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، وَصَارَ أستاذ خُرَاسَان، وَأخذ فِي التصنيف، وصنف " التَّفْسِير الْكَبِير " قبل الْعشْر وَأَرْبع مئة، وَخرج إِلَى الْحَج فِي رفْقَة فِيهَا الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ، وَالشَّيْخ أَحْمد الْبَيْهَقِيّ، وَجَمَاعَة من الْمَشَاهِير، فَسمع مَعَهم الحَدِيث بِبَغْدَاد وبالحجاز من مَشَايِخ الْعَصْر. وَكَانَ فِي علم الفروسية وَاسْتِعْمَال الأسلحة وَمَا يتَعَلَّق بِهِ أحد أَفْرَاد عصره، وَله فِي ذَلِك دقائق وعلوم انْفَرد بهَا، وَأما الْجُلُوس للتذكير والوعظ، وَالْقعُود بَين المريدين، وَالْجَوَاب عَن أسولتهم عَن الوقائع، فَمِنْهُ وَإِلَيْهِ، أجمع أهل عصره على أَنه عديم النظير فِيهَا، غير مشارك فِي أساليب التَّكَلُّم على الْمسَائِل، وَفِي تطبيب الْقُلُوب، وَفِي الإشارات اللطيفة المستنبطة من الْآيَات

стр. 493

وَالْأَخْبَار من كَلَام الْمَشَايِخ، وَفِي الرموز الدقيقة، وتصانيفه فِيهَا مَشْهُورَة، وَكَانَ ينظم الْأَشْعَار اللطيفة على لِسَان أهل الطَّرِيقَة، وَعقد لنَفسِهِ مجْلِس إملاء الحَدِيث سنة سبع وَثَلَاثِينَ واربع مئة، فَكَانَ يملي إِلَى سنة خمس وَسِتِّينَ، ويذنب أَمَالِيهِ بأشعاره، وَرُبمَا تكلم على الْأَحَادِيث بإشاراته ولطائفه، وَكَانَ لَهُ فِي الْكِتَابَة طَريقَة أنيقة رشيقة تبر على نظمه. أَخذ طَريقَة التصوف عَن الْأُسْتَاذ أبي عَليّ الدقاق، وَأَخذهَا هُوَ عَن أبي الْقَاسِم النصراباذي، وَهُوَ عَن الشبلي، عَن الْجُنَيْد، ن السّري، عَن مَعْرُوف الْكَرْخِي، عَن دَاوُد الطَّائِي، وَدَاوُد لَقِي التَّابِعين، هَكَذَا كَانَ يذكر إِسْنَاد طَرِيقَته. وَقَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ: كل من أَتَى بعده بنكتة وأعجوبة فِي علم التصوف فَهُوَ مَسْرُوق من كَلَامه، يُوجد مُتَفَرقًا فِي أَطْرَاف كَلَامه. سمع الحَدِيث من جمَاعَة من الرفعاء: السَّيِّد أبي الْحسن الْعلوِي، وَالْحَاكِم أبي عبد الله الْحَافِظ، والأمام أبي الطّيب سهل الصعلوكي، وَالْإِمَام أبي طَاهِر الزيَادي، وَأبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، وَالْقَاضِي أبي زيد ابْن حبيب، وَأبي الْقَاسِم ابْن حبيب الْمُفَسّر، وَالْقَاضِي أبي بكر الْحِيرِي، وَأبي الْحُسَيْن الْخفاف صَاحب أبي الْعَبَّاس السراج. وَسمع بالعراق، والحجاز فِي حجَّته الأولى: أَبَا الْحُسَيْن ابْن بَشرَان،

стр. 494

وأخاه أَبَا الْقَاسِم، وَأَبا الْحُسَيْن ابْن الْفضل الْبَغْدَادِيّ، وَالْقَاضِي جنَاح بن نَذِير الْكُوفِي، وَابْن نظيف الْفراء الْمصْرِيّ، وَسمع غير من ذكرنَا. روى عَنهُ الْخَطِيب الْحَافِظ فَمن دونه. وَذكره عَليّ بن الْحسن الباخرزي فِي كِتَابه " دمية الْقصر " فَقَالَ: الإِمَام، زين الْإِسْلَام، أَبُو الْقَاسِم، جَامع لأنواع المحاسن، تنقاد لَهُ صعابها ذلل المراسن، فَلَو قرع الصخر بِسَوْط تحذيره لذاب، وَلَو ربط إِبْلِيس فِي مجْلِس تذكيره لتاب، وَله فصل الْخطاب فِي فضل النُّطْق المستطاب، ماهر فِي التَّكَلُّم على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ، خَارج فِي إحاطته بالعلوم عَن الْحَد البشري، كَلِمَاته للمستفيدين فَوَائِد وفرائد، وعتبات منبره للعارفين وسائد، ثمَّ إِذا عقد بَين مَشَايِخ الصُّوفِيَّة حبوته، وَرَأَوا قربته من الْحق وحظوته، تضاءلوا بَين يَدَيْهِ، وتلاشوا بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ، وطواهم بساطه فِي حَوَاشِيه، وانقسموا بَين النّظر إِلَيْهِ والتفكير فِيهِ، وَله شعر يتبوج رُؤُوس معاليه، إِذا ختمت بِهِ أَذْنَاب أَمَالِيهِ. وَقَالَ الْحَاكِم عبد الْجَبَّار بن مُحَمَّد بن أَحْمد الخواري ببيهق مذاكرة:

стр. 495

سَمِعت الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبَا الْقَاسِم الْقشيرِي بنيسابور يَقُول فِي مَجْلِسه: البغداديون يَقُولُونَ: كن يَهُودِيّا صرفا، وَإِلَّا فَلَا تلعب التَّوْرَاة. وَقَالَ أَبُو الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل النَّيْسَابُورِي: من أَفْرَاد الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي الْقَاسِم قَوْله: (قَالُوا تهن بِيَوْم الْعِيد قلت لَهُم ... لي كل يَوْم بلقيا سَيِّدي عيد) (الْوَقْت روح وَعِيد إِن شهدتهم ... وَإِن فقدتهم نوح وتعديد) قَالَ: وَقَوله: (جنباني المدام يَا صاحبيا ... واتلوا سُورَة الصّلاح عليا) (استجبنا لزاجر الشَّرْع طَوْعًا ... وَتَركنَا حَدِيث سلمى وريا) (واتحنا لموجب الشَّرْع نشرا ... ومنحنا لموجب اللَّهْو طيا) (وَوجدنَا إِلَى القناعة بَابا ... فَوَضَعْنَا على المطامع كيا) (إِن من مَاتَ نَفسه عَن هَواهَا ... أصبح الْقلب مِنْهُ بِاللَّه حَيا) (نلْت روح الْحَيَاة بعد زمَان ... قد تعنيت بِالَّتِي واللتيا) (كنت فِي حر وحشتي لاختياري ... فتعوضت بالرضى مِنْهُ فيا) (وتحررت بعد رق وذل ... حِين لم أدخر لنَفْسي شيا) (سمح الْوَقْت بِالَّذِي رمت مِنْهُ ... بَعْدَمَا قد أَطَالَ مطلا وليا)
следующие страницы →