← Тараджим

Тараджим · id 6741

طبقات الفقهاء الشافعية

ابن الصلاح

Полный текст (624 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق: درس النعيمي بالأهواز، وَكَانَ فَقِيها، عَالما بِالْحَدِيثِ، متأدباً، متكلماً. أَي: عَالما بعلمي الْأَدَب وَالْكَلَام. قَالَ: وَهُوَ الْقَائِل: (إِذا أظمأتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعاً وريًا) (فَكُن رجلا رجله فِي الثرى ... وَهَامة همته فِي الثريا) (أَبَيَا لنائل ذِي ثروة ... ترَاهُ بِمَا فِي يَدَيْهِ أَبَيَا) (فَإِن إِرَاقَة مَاء الْحَيَاة ... دون إِرَاقَة مَاء الْمحيا) قَالَ الْخَطِيب: حَدثنَا البرقاني بعد موت النعيمي قَالَ: رايت النعيمي فِي مَنَامِي بهيئة جميلَة، وَحَالَة صَالِحَة. ثمَّ قَالَ لي البرقاني: قد كَانَ شَدِيد التعصب فِي السّنة، وَكَانَ يعرف من من كل علم شَيْئا. سكن النعيمي بَغْدَاد، وَحدث بهَا عَن جمَاعَة كثيرين، روى عَنهُ البرقاني وَغَيره، وَمَات مستهل ذِي الْقعدَة، سنة ثَلَاث وَعشْرين وَأَرْبع مئة.

стр. 527

٢٣٢ - عَليّ بن أَحْمد [٠٠٠ - ٠٠٠] ابْن خيران الْبَغْدَادِيّ، أَبُو الْحسن وَهُوَ ابْن خيران الأجبر. لَهُ مُخْتَصر فِي الْفِقْه سمي ب: " اللَّطِيف " وجيز لطيف مَعَ كَثْرَة أبوابه، لَا أعلم أَكثر أبواباً مِنْهُ، قيل: إِنَّهَا ألف ومئتان وَتِسْعَة أَبْوَاب، وَكتبه أَربع وَسِتُّونَ كتابا، كتاب الْحِوَالَة فِيهَا خَمْسَة أَبْوَاب، والتفليس ثَلَاثَة عشر بَابا، وَالضَّمان تِسْعَة. وَمن أحاسن كِتَابه قَوْله فِي أَخْلَاق الشَّاهِد: وَلَا يحدث بِكُل مَا يخْطر بِبَالِهِ، ويعلق كَلَامه بقوله: يحْتَمل وَيُشبه وَنَحْو ذَلِك، وَلَا يُطلق من لَفظه إِلَّا مَا حسن، وَمَا لَا يتَعَلَّق بِهِ عَلَيْهِ عيب. وَحكى فِيمَا إِذا جَاءَ بِشَاهِدين وأجلسهما وَرَاء ستر ليسمعا مَا يجْرِي بَينه وَبَين خَصمه حَتَّى يشهدَا بذلك عَلَيْهِ من غير أَن يستر عَنْهُمَا قَول أبي عَليّ ابْن خيران: إِنَّه لَا تجوز شَهَادَتهمَا من اخْتِيَاره، خلافًا للإصطخري. وَذكر فِيهِ فِي الْأَقْضِيَة آداباً يحْتَاج إِلَيْهَا لم تذكر فِي المبسوطات،

стр. 528

وَاسْتحبَّ للْقَاضِي فِي دُخُوله إِلَى الْبَلَد الَّذِي وليه أَن يلبس عِمَامَة سَوْدَاء، لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] دخل يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء. وَحكى أَن بعض أَصْحَابنَا لم يجوز بيع لبن الآدميات. وَذكر فِي الْوتر قنوت الْحسن وَالصَّلَاة على النَّبِي [ ﷺ ] ، ثمَّ قَالَ: وَيَدْعُو بِمَا أحب، ثمَّ يَقُول: رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا بِرَحْمَتك عَذَاب النَّار، ثمَّ يسْجد لَهُ، وَحسن الحَدِيث أَنه كَانَ [ ﷺ ] إِذا دَعَا بِدُعَاء دَعَا بِهَذَا مَعَه. وَقَالَ فِي النّفاس فِي المبتدأة إِذا جَاوز سِتِّينَ: قد قيل: إِن السِّتين كلهَا نِفَاس، وَحكى أَيْضا قولي الْغَالِب والأقل. وَالْأول عَجِيب غَرِيب، وَقَالَ بِهِ أَحْمد فِيمَا أَحسب، قد ذكره غير وَاحِد من الْعِرَاقِيّين.

стр. 529

٢٣٣ - عَليّ بن أَحْمد [٠٠٠ - ٠٠٠] ابْن مُحَمَّد بن الْحسن، الْحَاكِم أَبُو الْحسن الإستراباذي. ذكره الشَّيْخَانِ: الْعَبَّادِيّ، والشيرازي سرداً. وَذكره الإِمَام أَبُو حَفْص عمر النَّسَفِيّ الْحَنَفِيّ فَقَالَ: كَانَ من كبار أَئِمَّة الحَدِيث بسمرقند. قَالَ الشَّيْخ: يَعْنِي أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة، وَعرف أهل تِلْكَ الْبِلَاد إِذا أطلق أَصْحَاب الحَدِيث لَا يفهم مِنْهُ غير الشَّافِعِيَّة. قَالَ أَبُو حَفْص النَّسَفِيّ: وَكَانَ الإستراباذي مُجْتَهدا بِمرَّة، وَكَانَ يكْتب عَامَّة النَّهَار وَهُوَ يقْرَأ الْقُرْآن ظَاهرا، لَا يمنعهُ أحد الْأَمريْنِ عَن الآخر، وَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ أحد فَأكْثر قطع كَلَامه، وَجعل يقْرَأ الْقُرْآن، وَكَانَ يسْأَل الله تَعَالَى فِي الْكَعْبَة كَمَال الْقُوَّة على قِرَاءَة الْقُرْآن وإتيان النسوان، فاستجيبت لَهُ الدعوتان

стр. 530

قَالَ النَّسَفِيّ: حدث سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبع مئة، وَكَانَ لَهُ الدَّرْس وَالْفَتْوَى، ومجلس النّظر، والتوسط، وَمَعَ ذَلِك كَانَ يخْتم كل يَوْم ختمة. وَقَالَ الإِمَام نَاصِر الْعمريّ: مَا رَأَيْت مثل الْحَاكِم أبي الْحسن فِي فَضله وزهده، وَكَانَ لَهُ الدَّرْس.

стр. 531

٢٣٤ - عَليّ بن أَحْمد [٠٠٠ - ٣٦٦] ابْن الْمَرْزُبَان، أَبُو الْحسن الْبَغْدَادِيّ. صَاحب أبي الْحُسَيْن ابْن الْقطَّان. أحد الْمَشْهُورين بِالْإِمَامَةِ فِي الْمَذْهَب. قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: كَانَ أحد الشُّيُوخ الأفاضل، درس عَلَيْهِ أَبُو حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ أول قدومه بَغْدَاد. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق: كَانَ فَقِيها ورعاً. قَالَ: حُكيَ عَنهُ أَنه قَالَ: مَا أعلم أَن لأحد عَليّ مظْلمَة، وَكَانَ فَقِيها يعلم أَن الْغَيْبَة من الْمَظَالِم، توفّي فِي رَجَب سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَثَلَاث مئة. قَالَ النواوي: الْمَرْزُبَان بِضَم الزَّاي وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَهُوَ: زعيم فلاحي الْعَجم، وَجمعه: مرازبة، ذكره كُله الْجَوْهَرِي فِي " الصِّحَاح ".

стр. 532

٢٣٥ - عَليّ بن إِسْمَاعِيل [٢٦٠ - ٣٢٤] ابْن أبي بشر إِسْحَاق بن سَالم بن إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن مُوسَى بن بِلَال بن أبي بردة ابْن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀. إِمَام الْمُتَكَلِّمين، وَهُوَ بَصرِي، انْتقل إِلَى بَغْدَاد، وَبهَا توفّي. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ - يجلس أَيَّام الْجُمُعَات فِي حَلقَة أبي إِسْحَاق الْمروزِي إِمَام الشافعيين من جَامع الْمَنْصُور. وَحكى الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالِد إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي " شَرحه

стр. 533

لرسالة الشَّافِعِي " عَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ قَالَ: دخل أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ الْعرَاق وَكَانَ يقْرَأ على أبي إِسْحَاق الْمروزِي الْفِقْه وَهُوَ يقْرَأ على أبي الْحسن الْكَلَام، وَزعم بعض الْمَالِكِيَّة أَنه كَانَ مالكياً، وَلم يصب، فَإِن الَّذِي حَكَاهُ من يخبر حَاله أَنه كَانَ شافعياً. قَالَ ابْن فورك فِي " شَرحه للمقالات " للأشعري: وَذكر الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ: وَكَانَ أَولا معتزلياً، وَذَلِكَ مَشْهُور بَين الْأَصْحَاب وَغَيرهم. وَمِمَّنْ ذكر ذَلِك مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: فِي " شرح الرسَالَة ": أول أمره كَانَ الاعتزال، ثمَّ لما ظهر لَهُ فَسَاد أَقْوَالهم رَجَعَ عَن وَاحِد فواحد حَتَّى خالفهم فِي أَكثر مَا اعتقدوه، وَلم يرجع عَن هَذِه الْمَسْأَلَة يَعْنِي مَسْأَلَة تصويب الْمُجْتَهدين، وَقَالَ: كل مُصِيب، وكل حق. قَالَ الْخَطِيب: قَالَ بعض الْبَصرِيين: ولد أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي سنة سِتِّينَ ومئتين، وَمَات سنة نَيف وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة. قَالَ: وَذكر لي أَبُو الْقَاسِم عبد الْوَاحِد بن عَليّ الْأَسدي، أَن الْأَشْعَرِيّ ﵀ مَاتَ بِبَغْدَاد بعد سنة عشْرين وَقبل سنة ثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة، وَدفن

стр. 534

فِي مشرعة الزوايا، فِي تربة إِلَى جَانبهَا مَسْجِد، بِالْقربِ مِنْهَا حمام، وَهِي عَن يسَار الْمَار من السُّوق إِلَى دجلة. قَالَ: وَذكر أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن سعيد بن جزم الأندلسي - وَهُوَ الظَّاهِرِيّ أَن أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَثَلَاث مئة قَالَ: وَله خمس وَخَمْسُونَ تصنيفاً. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: وَهَذَا أقرب، وَهُوَ الَّذِي ذكره ابْن فورك.

стр. 535

٢٣٦ - عَليّ بن حسكويه [٠٠٠ - ٥١٦] ابْن إِبْرَاهِيم، أَبُو الْحسن المراغي الأديب. أَقَامَ بِبَغْدَاد مُدَّة يتفقه على الشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ. وَعِنْدِي أَصله ب: " اللمع " فِي أصُول الْفِقْه بِخَطِّهِ، وعَلى ظَهره بِخَط مُؤَلفه الشَّيْخ أبي إِسْحَاق:: قَابل بأصلي، وَسمع مني بِقِرَاءَتِي هَذَا الْكتاب الشَّيْخ الْفَقِيه الْجَلِيل فلَان ... وَذكره، وَذَلِكَ بتاريخ سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَأَرْبع مئة. قَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ: كَانَ عَارِفًا باللغة وَالشعر، سكن مرو إِلَى حِين وَفَاته، وَسمع الحَدِيث من الْخَطِيب، وَأبي إِسْحَاق، وَجَمَاعَة كَثِيرَة بِبَغْدَاد وَغَيرهَا. توفّي فَجْأَة بمرو بَينا هُوَ يمشي فِي سكَّة صدفة وَقع مَيتا سنة سِتّ عشرَة وَخمْس مئة. حكى عَنهُ الإِمَام أَبُو بكر السَّمْعَانِيّ: وَأنْشد أَبُو الْحسن هَذَا لنَفسِهِ: (رجائي عناني وروحني الياس ... وَمَا لِمَعْنى الْقلب كاليأس إيناس) (فَكل طموع مستهان رجائه ... وَذُو الْيَأْس فِي روض القناعة مياس) (أَلا كل عز نيل بالذل ذلة ... وكل ثراء حيّز بالهون إفلاس)

стр. 536

٢٣٧ - عَليّ بن الْحسن [٣٩٧ - ٤٥٠] ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر، أَبُو الْقَاسِم الْمَعْرُوف بِابْن الْمسلمَة، الملقب برئيس الرؤساء. وَزِير الْقَائِم بِأَمْر الله. رُوِيَ لنا عَن الْقَزاز، عَن الْخَطِيب قَالَ: كَانَ أحد الشُّهُود المعدلين، ثمَّ اسْتَكْتَبَهُ الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله، ولقبه: رَئِيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الورى، وَكَانَ قد اجْتمع فِيهِ من الْآلَات مَا لم يجْتَمع فِي أحد قبله، مَعَ سداد

стр. 537

مَذْهَب، وَحسن اعْتِقَاد، ووفور عقل، وأصالة رَأْي. وسمعته يَقُول: ولدت فِي شعْبَان من سنة سبع وَتِسْعين وَثَلَاث مئة، وَرَأَيْت فِي الْمَنَام وَأَنا حدث كَأَنِّي أَعْطَيْت شبه النبقة الْكَبِيرَة، وَقد مَلَأت كفي، وَأُلْقِي فِي روعي أَنَّهَا من الْجنَّة فعضضت مِنْهَا عضة ونويت بذلك حفظ الْقُرْآن، وعضضت أُخْرَى ونويت درس الْفِقْه، وعضضت أُخْرَى ونويت درس الْعرُوض، فَمَا شَيْء من هَذِه الْعُلُوم إِلَّا وَقد رَزَقَنِي الله مِنْهُ نَصِيبا. قَالَ الْخَطِيب: حَدثنَا رَئِيس الرؤساء أَبُو الْقَاسِم مَرَّات كَثِيرَة، قَالَ: رَأَيْت أَبَا الْحُسَيْن ابْن الْقَدُورِيّ الْفَقِيه بعد مَوته فِي الْمَنَام، فَقلت لَهُ: كَيفَ حالك؟ فَتغير وَجهه ودق حَتَّى صَار كَهَيئَةِ الْوَجْه المرئي فِي السَّيْف دقة وطولا، وَأَشَارَ إِلَى صعوبة الْأَمر، قلت: فَكيف حَال الشَّيْخ أبي الْفرج؟ يَعْنِي: جده، فَعَاد وَجهه إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لي: وَمن مثل الشَّيْخ أبي الْفرج ذَاك، ثمَّ رفع يَده إِلَى السَّمَاء، فَقلت فِي نَفسِي: يُرِيد بهَا قَول الله تَعَالَى: ﴿وهم فِي الغرفات آمنون﴾ [سبأ: ٣٧] ، وَكَانَ جده سمع الحَدِيث وَرَوَاهُ.

стр. 538

سمع أَبَا أَحْمد الفرضي، وَإِسْمَاعِيل الصرصري، وَغَيرهمَا. قَالَ الْخَطِيب: كتبت عَنهُ، وَكَانَ ثِقَة. قَتله ﵀ الْوَزير أَبُو الْحَارِث البساسيري التركي صلباً، فِي ذِي الْحجَّة سنة خمسين وَأَرْبع مئة، وانتقم الله وَله الْحَمد من البساسيري فَقتل وطيف بِرَأْسِهِ بِبَغْدَاد، وصلب فِي ذِي الْحجَّة أَيْضا من السّنة الثَّانِيَة انْتِهَاء سنة إِحْدَى وَكَانَ جده أَبُو الْفرج أَحْمد ابْن الْمسلمَة وَهُوَ الَّذِي لَهُ " أمال " تروى - جَلِيلًا، عابداً اخْتلف فِي الْفِقْه إِلَى أبي بكر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ، وَكَانَت دَاره مألفاً لأهل الْعلم، وَكَانَ كثير الْبر والإفضال.

стр. 539

٢٣٨ - عَليّ بن الْحُسَيْن [٠٠٠ - ٤٢٧] ابْن أبي بكر احْمَد بن الْحسن ابْن الفلكي، الْحَافِظ أَبُو الْفضل الهمذاني. وَهَذِه النِّسْبَة إِلَى الْفلك وَمَعْرِفَة حسابه وهيئته. كَانَ أحد الْحفاظ المبرزين. قَالَ أَبُو سعد: رَحل، وَجمع، وَأدْركَ الشُّيُوخ والحفاظ وذاكرهم، وَله من التصانيف كتاب " معرفَة ألقاب الْمُحدثين "، وَكتاب " مُنْتَهى الْكَمَال فِي معرفَة الرِّجَال "، وَغَيرهمَا، مؤلفاته حَسَنَة، مفيدة، عزيزة الْوُجُود.

стр. 540

قَالَ الْحَافِظ شهردار: أَخْبرنِي أبي الْحَافِظ شيرويه الهمذاني فِي " طَبَقَات همذان " قَالَ: سمع عَامَّة مَشَايِخ الْبَلَد، ومشايخ الْعرَاق وخراسان، وَكَانَ حَافِظًا، متقناً، يحسن هَذَا الشَّأْن جيدا جيدا، جمع الْكثير، وصنف الْكتب. وصنف كتاب " الطَّبَقَات " الموسوم ب: " مُنْتَهى الْكَمَال فِي معرفَة الرِّجَال " فِي ألف جزو، وَمَات قَدِيما بنيسابور وَمَا متع بِعِلْمِهِ. سَمِعت سُفْيَان بن فَنْجَوَيْهِ يَقُول: كَانَ أبي يَدْعُو على ابْن الفلكي فِي الأسحار بِسَبَب كَلَامه فِيهِ. سَمِعت حَمْزَة بن أَحْمد، سَمِعت شيخ الْإِسْلَام الْأنْصَارِيّ يَقُول: مَا رَأَتْ عَيْنَايَ من الْبشر أحدا أحفظ من أبي الْفضل ابْن الفلكي الهمذاني، وَكَانَ صوفيا مستمراً. ذكر الفلكي فِي " ألقابه " أَن جده أَبَا بكر أَحْمد بن الْحسن الحاسب هُوَ الَّذِي لقب بالفلكي لِأَنَّهُ كَانَ جَامعا للفنون: النَّحْو واللغة، وَالْعرُوض، وَغَيرهَا وَكَانَ خَاصَّة فِي علم الْحساب، حَتَّى كَانَ يُقَال: إِنَّه لم ينشأ فِي الشرق والغرب أعرف بِالْحِسَابِ مِنْهُ، وَالله أعلم، فلقب بالفلكي لهَذَا الْمَعْنى. قد روى الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ عَن الفلكي، وَأما أَبُو عَليّ ابْن الْحُسَيْن، فَهُوَ عبد الله بن الْحُسَيْن الدينَوَرِي شيخ الثَّعْلَبِيّ الْمُفَسّر، وَكَانَ ابْن الفلكي قَالَ:

стр. 541

إِنَّه مَا سمع من عبد الله بن شبه، فَخرج من همذان ساخطاً، فَتَبِعَهُ ابْن الفلكي، وَاعْتذر، وَرجع عَن قَوْله، فَمَا قبل عذره، حكى ذَلِك شيرويه. روى عَن: الْحَافِظ أبي الْفَتْح ابْن أبي الفوارس، والحافظ أبي بكر أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الشِّيرَازِيّ، والحافظ أبي بكر أَحْمد بن عَليّ اليزدي. وَفِي " ألقابه " غرائب ألقاب، مِنْهَا: أَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ عويش، صغر النَّبِي [ ﷺ ] اسْمهَا، وكناها أم عبد الله.

стр. 542

٢٣٩ - عَليّ بن الْحُسَيْن [٠٠٠ - ٠٠٠] القَاضِي أَبُو الْحسن الْجُورِي، بِضَم الْجِيم، وَإِسْكَان الْوَاو. كَانَ أحد الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة الجلة. لَقِي أَبَا بكر النَّيْسَابُورِي وروى عَنهُ، وصنف، وَمن تصانيفه: كتاب " المرشد " فِي عشرٍ. وَرَأَيْت من تصانيفه بعض كِتَابه الموسوم ب: " الموجز فِي الْفِقْه "، وَهُوَ على تَرْتِيب " الْمُخْتَصر "، يشْتَمل على حجاج مَعَ الْخُصُوم اعتراضاً وجواباً، وَاخْتَارَ فِيهِ أَن الزَّانِي والزانية لَا يَصح نِكَاحهمَا إِلَّا لمن هُوَ مثلهمَا، وَأَن الزِّنَا لَو طَرَأَ من أَحدهمَا بعد العقد انْفَسَخ النِّكَاح، وَخَالف الشَّافِعِي، ومالكاً، وَأَبا حنيفَة، وَغَيرهم، وَاحْتج بقوله تَعَالَى: (محصنات غير

стр. 543

مسافحات﴾ [النِّسَاء: ٢٥] ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة﴾ الْآيَة [النُّور: ٣] ، وَأنكر نسخهَا بقوله تَعَالَى: ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم﴾ [النُّور: ٣٢] ، وَذكر أَنه لَا دَلِيل على تَأَخره عَنهُ، وعارض قَول من رُوِيَ عَنهُ ذَلِك بِمَا رُوِيَ عَن غَيره، وَحمل النِّكَاح فِيهَا على الْوَطْء، وأتى بِكَلَام فِيهِ روح، لَكِن أَتَى فِي احتجاجه لاختياره أَن لَا صَرِيح إِلَّا الطَّلَاق بِمَا لَا روح فِيهِ، وَقَالَ: قَالَ أَبُو عَليّ: قَالَ بعض أَصْحَابنَا: إِن الْبَرَاءَة من الْمَجْهُول جَائِزَة لِأَنَّهُ إِسْقَاط حق، وَقد أَبى ذَلِك غَيره. وَهُوَ كثير الذّكر لأبي عَليّ، وَأَحْسبهُ، ابْن أبي هُرَيْرَة. وَحكى أَن أَبَا عبيد ابْن حربويه أوجب الْكَفَّارَة فِيمَا إِذا حرم مَالا لَهُ من ثوب أَو دَار وَمَا أشبههما، وَسوى بَين ذَلِك وَبَين تَحْرِيم الْبضْع من الزَّوْجَة وَالْجَارِيَة، وَحكى فِي تَحْرِيم الْبضْع قَوْلَيْنِ، أَحدهمَا: تجب الْكَفَّارَة بِنَفس قَوْله: أَنْت عَليّ حرَام، وَالثَّانِي: لَا تجب إِلَّا بِالْوَطْءِ، لِأَن بِهِ تقع الْمُخَالفَة كالحنث فِي الْيَمين. وَحكى قَوْلَيْنِ فِي وجوب نَفَقَة الْكَافِر على الابْن الْمُسلم.

стр. 544

٢٤٠ - عَليّ بن عمر [٣٠٥ - ٣٨٥] ابْن أَحْمد بن مهْدي بن مَسْعُود بن النُّعْمَان بن دِينَار بن عبد الله، أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ. نبئت عَن السلَفِي، عَن أبي الْفضل مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي، عَن أبي الْحُسَيْن الْعلوِي، عَن القَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ قَالَ: رَأَيْت الْحَاكِم أَبَا عبد الله النَّيْسَابُورِي بَين يَدي أبي الْحسن عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ يسْأَله عَن أَشْيَاء، فَلَمَّا خرجنَا من عِنْده قَالَ: مَا رَأَيْت مثله. وَقَالَ أَبُو الْفَتْح ابْن أبي الفوارس الْحَافِظ: توفّي الْحَافِظ أَبُو الْحسن

стр. 545

الدَّارَقُطْنِيّ يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن من ذِي الْقعدَة سنة خمس وَثَمَانِينَ، يَعْنِي: وَثَلَاث مئة. قَالَ: وَكَانَ قد انْتهى إِلَيْهِ علم هَذَا الشَّأْن، وَمَا رَأينَا فِي الْحِفْظ فِي جَمِيع عُلُوم الحَدِيث، والقراءات، وَالْأَدب مثله، وَكَانَ متفنناً. وَقَالَ غَيره: وَكَانَ مولد الدَّارَقُطْنِيّ سنة خمس، وَقيل: سنة سِتّ وَثَلَاث مئة، وَدفن قربياً من مَعْرُوف الْكَرْخِي ﵄ . وَقَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ: وَكَانَ فريد عصره، وقريع دهره ونسيج وَحده، وَإِمَام وقته، انْتهى إِلَيْهِ علم الْأَثر، والمعرفة بعلل الحَدِيث، وَأَسْمَاء الرِّجَال، وأحوال الروَاة، مَعَ الصدْق، وَالْأَمَانَة، والثقة، وَالْعَدَالَة، وَقبُول الشَّهَادَة، وَصِحَّة الِاعْتِقَاد، وسلامة الْمَذْهَب، والاضطلاع بعلوم سوى علم الحَدِيث، مِنْهَا: علم الْقرَاءَات، فَإِن لَهُ فِيهَا كتاباُ مُخْتَصرا موجزاً جمع الْأُصُول فِي أَبْوَاب عقدهَا أول الْكتاب، وَسمعت بعض من يعتني بعلوم الْقُرْآن يَقُول: لم يسْبق إِلَى طَرِيقَته الَّتِي سلكها فِي عقد الْأَبْوَاب الْمُقدمَة فِي أول الْقرَاءَات، وَصَارَ الْقُرَّاء بعده يسلكون طَرِيقَته فِي تصانيفهم، ويحذون حذوه. وَمِنْهَا: الْمعرفَة بمذاهب الْفُقَهَاء، فَإِن كِتَابه " السّنَن " الَّذِي صنفه يدل

стр. 546

على أَنه كَانَ مِمَّن اعتنى بالفقه، لِأَنَّهُ لَا يقدر على جمع مَا تضمن ذَلِك الْكتاب إِلَّا من تقدّمت مَعْرفَته بالاختلاف فِي الْأَحْكَام. قَالَ: وَبَلغنِي أَنه درس فقه الشَّافِعِي على أبي سعيد الْإِصْطَخْرِي، وَقيل: درس الْفِقْه على صَاحب لأبي سعيد، وَكتب الحَدِيث عَن أبي سعيد نَفسه. وَمِنْهَا: الْمعرفَة بالأدب وَالشعر، وَقيل: إِنَّه كَانَ يحفظ دواوين جمَاعَة من الشُّعَرَاء، وَسمعت حَمْزَة بن مُحَمَّد بن طَاهِر الدقاق يَقُول: كَانَ أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ يحفظ " ديوَان " السَّيِّد الْحِمْيَرِي فِي جملَة مَا يحفظ، فنسب إِلَى التشييع لذَلِك. وحَدثني الْأَزْهَرِي أَن أَبَا الْحسن لما دخل مصر كَانَ بهَا شيخ علوي من أهل مَدِينَة رَسُول الله [ ﷺ ] يُقَال لَهُ: مُسلم بن عبيد الله، وَكَانَ عِنْده كتاب " النّسَب "، عَن الْخضر بن دَاوُد، عَن الزبير بن بكار، وَكَانَ مُسلم أحد الموصوفين بالفصاحة، المطبوعين على الْعَرَبيَّة، فَسَأَلَ النَّاس أَبَا الْحسن أَن يقْرَأ عَلَيْهِ كتاب " النّسَب "، وَرَغبُوا فِي سَمَاعه بقرَاءَته، فأجابهم إِلَى ذَلِك، وَاجْتمعَ فِي الْمجْلس من كَانَ بِمصْر من أهل الْعلم وَالْأَدب وَالْفضل، فحرصوا على أَن يحفظوا على أبي الْحسن لحنة، أَو يظفروا مِنْهُ بسقطه، فَلم يقدروا على ذَلِك، حَتَّى جعل مُسلم يعجب، وَيَقُول: وعربية أَيْضا ﴿﴾

стр. 547

قَالَ: وحَدثني الصُّورِي قَالَ: سَمِعت أَبَا مُحَمَّد رَجَاء بن مُحَمَّد الْمعدل قَالَ: قلت للدارقطني: رأى الشَّيْخ مثل نَفسه؟ فَقَالَ لي:: قَالَ الله: ﴿فَلَا تزكوا أَنفسكُم﴾ [النَّجْم: ٣٢] ، فَقلت لَهُ: لم أرد هَذَا، إِنَّمَا أردْت أَن أعلمهُ لأقول: رَأَيْت شَيخا لم ير مثله، فَقَالَ: إِن كَانَ فِي فن وَاحِد فقد رَأَيْت من هُوَ أفضل مني، وَإِن كَانَ من اجْتمع فِيهِ مَا اجْتمع فِي فَلَا. انْتهى كَلَام الْخَطِيب. وروى ابْن طَاهِر: أَن الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ: مَا فِي الدُّنْيَا شَيْء أبْغض إِلَيّ من الْكَلَام، وَأَنه كَانَ طوَالًا أَبيض.

стр. 548

٢٤١ - عَليّ بن عمر [٣٦٠ - ٤٤٢] ابْن مُحَمَّد بن الْحسن، أَبُو الْحسن الْحَرْبِيّ. يعرف ب: ابْن الْقزْوِينِي، وَيُقَال فِيهِ: الْقزْوِينِي. مولده بِبَغْدَاد، وأصل أَبِيه من قزوين، كَانَ أحد الصَّالِحين النبل، مِمَّن تستنزل الرَّحْمَة بِذكرِهِ، وترتجى المثوبة بحبه، يكاشف بالأسرار، وَيتَكَلَّم على الخواطر، مكرماً بالكرامات الظَّاهِرَة، مُخَصّصا بالمواهب الباهرة، وَكَانَ مَعَ ذَلِك يرجع إِلَى فَضَائِل علمية من قُرْآن وَفقه وَحَدِيث وَغَيرهَا. روينَا عَن الْحَافِظ أبي صَالح الْمُؤَذّن أَنه قَالَ فِي " مشيخته ": أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الزَّاهِد الْبَغْدَادِيّ، الْمَعْرُوف بِابْن الْقزْوِينِي، الشَّافِعِي، الْمشَار إِلَيْهِ فِي زَمَانه بِبَغْدَاد فِي الزّهْد، والورع، وَكَثْرَة الْقِرَاءَة، وَمَعْرِفَة الْفِقْه والْحَدِيث، وَالله أعلم. قَرَأَ ابْن الْقزْوِينِي (رضى الله عَنهُ) الْقُرْآن على أبي حَفْص الكتاني وَغَيره، وَقَرَأَ الْقرَاءَات، وَلم يكن يُعْطي من يقْرَأ عَلَيْهِ إِسْنَادًا للروايات. وَسمع الحَدِيث من أبي حَفْص ابْن الزيات، وَابْن كيسَان،

стр. 549

وَأبي الْحُسَيْن ابْن المظفر، وَأبي عمر ابْن حيويه، وطبقتهم. وَرَوَاهُ عَنهُ الْأَعْيَان، وَمِنْهُم: أَبُو بكر الْخَطِيب الْحَافِظ الْبَغْدَادِيّ، وَذكره فِي " تَارِيخه "، فَقَالَ: كَانَ أحد الزهاد الْمَذْكُورين، وَمن عباد الله الصَّالِحين، يقرىء الْقُرْآن، ويروي الحَدِيث، وَلَا يخرج من بَيته إِلَّا للصَّلَاة، وَكَانَ وافر الْعقل، صَحِيح الرَّأْي. وَهَذِه نبذ منتخبة من " أَخْبَار أبي الْحسن ابْن الْقزْوِينِي وفضائله "، جمع أبي نصر هبة الله بن عَليّ بن المجلي، أخبرنَا الإِمَام الْعَالم موفق الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن قدامَة الْمَقْدِسِي قَالَ: أَنبأَنَا الشَّيْخ الْمُحدث الثِّقَة أَبُو طَالب الْمُبَارك بن عَليّ بن مُحَمَّد بن خضير الصَّيْرَفِي قَالَ: أخبرنَا أَبُو السُّعُود أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن المجلي قَالَ: أَخْبرنِي أخي أَو نصر هبة الله بن عَليّ قَالَ: سَمِعت بعض الشُّيُوخ يَقُول: كَانَ أَبُو الْحسن الْقزْوِينِي نَسِيج وَحده، وفريد عصره من أَبنَاء جنسه، وَلَقَد أجمع الْفُقَهَاء، وَالْعُلَمَاء، وَأَصْحَاب الحَدِيث، والقراء، والأدباء، والفصحاء، والملوك، والأمراء، والعامة، والغوغاء، وَسَائِر النَّاس على اخْتلَافهمْ، على صِحَة رَأْيه، ووفور عقله، وَحسن معتقده، وَجَمِيل طَرِيقَته، وظلف نَفسه، وعلو

стр. 550

همته، وزهده، وورعه، وتقشفه، ونظافته، ونزاهته، وعفته، وَكَانَ مِمَّن جمعت لَهُ الْقُلُوب. قَالَ النواوي: قَوْله: ظلف نَفسه، وَهُوَ بالظاء الْمُعْجَمَة، ثمَّ اللَّام المفتوحتين، قَالَ أهل اللُّغَة: يُقَال ظلفت نَفسه - بِكَسْر اللَّام - تظلف - بِفَتْحِهَا - ظلفاً، على وزن: فرحت تفرح فَرحا، وَمَعْنَاهُ: كفت، وظلف نَفسه عَن الشَّيْء يظلفها ظلفاً، على وزن: ضربهَا يضْربهَا ضربا، وَمَعْنَاهُ: منعهَا من أَن تَفْعَلهُ. قَالَ أَبُو نصر: حَدثنِي أَحْمد بن مُحَمَّد الْأمين قَالَ: كتبت عَن أبي الْحسن الْقزْوِينِي مجَالِس إملاء فِي مَسْجده فَمَا كَانَ يخرج الْمجْلس لنَفسِهِ عَن شُيُوخه، وَلَا يدع أحدا يُخرجهُ، إِنَّمَا كَانَ يدْخل إِلَى منزله أَي جزو وَقع بِيَدِهِ خرج - يَعْنِي: خرج بِهِ - وأملى مِنْهُ عَن شيخ وَاحِد جَمِيع الْمجْلس، وَيَقُول: حَدِيث رَسُول الله [ ﷺ ] لَا ينتقى. قَالَ: وَكَانَ أَكثر أُصُوله بِخَطِّهِ. قَالَ أَبُو نصر: سَمِعت عبد الله بن سَبْعُونَ القيرواني يَقُول: أَبُو الْحسن الْقزْوِينِي ثِقَة ثَبت فَوق الثبت، وَمَا رَأَيْت أَعقل مِنْهُ. وَقَالَ: حَدثنِي أَبُو شُجَاع فَارس بن الْحُسَيْن الذهلي، حَدثنِي القَاضِي أَبُو الْحسن الْبَيْضَاوِيّ، حَدثنِي أبي أَبُو عبد الله الْبَيْضَاوِيّ قَالَ:

стр. 551

كَانَ يتفقه مَعنا على الداركي أَبُو الْحسن ابْن الْقزْوِينِي وَهُوَ حَدِيث السن، وَكَانَ حسن الطَّرِيقَة، ملازماً للصمت، قل أَن يتَكَلَّم فِيمَا لَا يعنيه، وَمضى على ذَلِك سنُون وَلم أجتمع بِهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا شيعت جَنَازَة إِلَى بَاب حَرْب، ثمَّ رجعت من الْجِنَازَة، فَدخلت مَسْجِدا فِي الحربية صليت فِيهِ جمَاعَة، فافتقدت الإِمَام فَإِذا بِهِ أَبُو الْحسن ابْن الْقزْوِينِي، فَسلمت عَلَيْهِ، وَقلت لَهُ: من تِلْكَ السنين مَا رَأَيْنَاك، فَقَالَ: تفقهنا جَمِيعًا، وكل بعد ذَلِك سلك طَرِيقا، أَو كَمَا قَالَ. وَبِه قَالَ: قَالَ لنا أَبُو مُحَمَّد الْمَالِكِي: خرج فِي كتب أبي الْحسن الْقزْوِينِي بعد وَفَاته تَعْلِيق بِخَطِّهِ على أبي الْقَاسِم الداركي، قَالَ لي: وَرَأَيْت لَهُ أَيْضا تَعْلِيقا فِي النَّحْو عَن أبي الْفَتْح ابْن جني. حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن جدا - يَعْنِي: بِكَسْر الْجِيم، وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة - قَالَ: سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْمُؤَدب - وَكَانَ شَيخا صَالحا - يَقُول: ذكر أَن أَبَا الْحسن الْقزْوِينِي سمع الشَّاة تذكر الله ، فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ: نعم، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: فَقلت لَهُ: لم حدثت النَّاس بِهَذَا؟ فَقَالَ لي: خرجت يَوْمًا إِلَى الصَّلَاة، فَسمِعت الشَّاة تذكر الله تَعَالَى، وَدخلت الْمَسْجِد، فَسمِعت النَّاس يتحدثون فِي الْمَسْجِد بذلك، أَو كَمَا قَالَ. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ﵀: الْوَلِيّ يجوز لَهُ أَن يتحدث بِمَا يُكرمهُ الله تَعَالَى بِهِ من الكرامات إِذا كَانَ فِي تحديثه بذلك مصلحَة من نصيحة، أَو ترغيب، أَو غير ذَلِك، وَقد كَانَ الْقزْوِينِي ﵀ رُبمَا أخبر، وَرُبمَا

стр. 552

كتم، وَمَا ذَلِك إِلَّا بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحْوَال فِيمَا ذَكرْنَاهُ، وَالله أعلم. وَقَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر الخباز الْحَرْبِيّ قَالَ: لما تحدث النَّاس أَن الْقزْوِينِي سمع الشَّاة تذكر الله تَعَالَى قَالُوا: سَمعهَا تَقول: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَكَانَ جَالِسا فِي منزله يتَوَضَّأ لصَلَاة الْعَصْر، فَقَالَ لأهل دَاره: لَا تخرج هَذِه الشَّاة غَدا إِلَى الرَّعْي، فَأَصْبَحت ميتَة. حَدثنِي أَبُو مَنْصُور هبة الله بن أَحْمد بن الْحُسَيْن الْكَاتِب قَالَ: مضيت لزيارة الْقزْوِينِي، فَحَضَرت عِنْد قَبره، فخطر لي مَا يذكر النَّاس عَنهُ من الكرامات وَكَلَامه على خواطرهم، فَقلت: ترى أيش مَنْزِلَته عِنْد الله ؟ وعَلى قَبره مصاحف، فحدثتني نَفسِي بِأخذ وَاحِد مِنْهَا وفتحه، فَأَي شَيْء كَانَ فِي أول ورقة من الْقُرْآن فَهُوَ فِيهِ، ففتحته، فَكَانَ فِي أول ورقة مِنْهُ: ﴿وجيها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن المقربين﴾ [آل عمرَان: ٤٥] . حَدثنِي أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْفضل بن الْأَصْبَهَانِيّ، حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد الدهان اللّغَوِيّ قَالَ: كنت مِمَّن يقْرَأ على أبي الْحسن الْقزْوِينِي، فَقلت يَوْمًا فِي نَفسِي: أُرِيد أَن أسأله من أيش كَانَ يَأْكُل، وأسأله أَن يطعمني مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَست بَين يَدَيْهِ قَرَأت، ثمَّ هَمَمْت أَن أسأله، فلحقني لَهُ هَيْبَة عَظِيمَة، فَنَهَضت، فَأمرنِي بِالْجُلُوسِ، فَجَلَست إِلَى أَن فرغ من الإقراء، ثمَّ قَالَ: بِسم الله، فَقُمْت مَعَه، فَأَدْخلنِي دَاره، وَأخرج إِلَيّ رغيفين سميذاً وَبَينهمَا عدس، ورغيفين وَبَينهمَا تمر أَو تين - الَّذِي حَدثنِي يشك - وَقَالَ: كل، فَمن هَذَا نَأْكُل، أَو كَمَا قَالَ.

стр. 553

حَدثنِي المعمر بن عَليّ الْوَاعِظ قَالَ: حدثت عَن أقضى الْقُضَاة أبي الْحسن الْمَاوَرْدِيّ قَالَ: صليت يَوْمًا خلف أبي الْحسن الْقزْوِينِي، فَرَأَيْت عَلَيْهِ قَمِيصًا أنقى مَا يكون من الثِّيَاب، وَهُوَ مطرز، فَقلت فِي نَفسِي: ايْنَ الْمُطَرز من الزّهْد، فَلَمَّا قضى صلَاته قَالَ: سُبْحَانَ الله، الْمُطَرز لَا ينْقض أَحْكَام الزّهْد، الْمُطَرز لَا ينْقض أَحْكَام الزّهْد، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْقَزاز قَالَ: كَانَ ينزل بنهر طابق رجل زاهد، على طَريقَة حَسَنَة، يلبس الصُّوف، وَيَأْكُل الشّعير بالملح الجريش، وَكَانَ يبلغهُ أَن الْقزْوِينِي يَأْكُل الطّيب من الطَّعَام، ويلبس الرَّقِيق من الثِّيَاب، فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ الله، رجل زاهد مجمع على زهده، لَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان، وَيَأْكُل هَذَا الْمَأْكُول، ويلبس هَذَا الملبوس ﴿﴾ أشتهى أَن أرَاهُ، فجَاء إِلَى الحربية، فَدخل مَسْجِد الْقزْوِينِي، وَهُوَ فِي منزله ثمَّ إِنَّه خرج، فَأذن، وَدخل الْمَسْجِد، وَفِيه ذَلِك الرجل وَجَمَاعَة غَيره، فَقَالَ، ثمَّ الْقزْوِينِي: سُبْحَانَ الله، رجل يَوْمًا إِلَيْهِ بالزهد يُعَارض الله تَعَالَى فِي أَفعاله، أَو فِيمَا يجْرِي فِيهِ عبيده - مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا - وَمَا هَا هُنَا محرم وَلَا مُنكر بِحَمْد الله تَعَالَى، فَطَفِقَ ذَلِك الرجل يتشاهق، ويبكي بكاء شَدِيدا، وَالْجَمَاعَة ينظرُونَ إِلَيْهِ لَا يَدْرُونَ مَا الْخَبَر، وَصلى الْقزْوِينِي الظّهْر، فَلَمَّا فرغ من صلَاته خرج الرجل من الْمَسْجِد يُهَرْوِل حافياً، إِلَى أَن خرج من الحربية، فَلَمَّا قضى الْقزْوِينِي رُكُوعه الْتفت إِلَى أبي طَالب، فَقَالَ لَهُ: بَين الحربية والمشهد حَائِط وضع ليَكُون سوراً

стр. 554

وَمَا تمّ، تمْضِي إِلَيْهِ، وَتحمل هَذَا المداس مَعَك، وَتقول لذَلِك الشَّخْص الْجَالِس عَلَيْهِ: لَا يكون لَهَا عودة أَو كَمَا قَالَ. قَالَ أَبُو طَالب: وَالله مَا أعلم أَن ثمَّ حَائِطا بِلَا متموم - كَذَا قَالَ، وَالصَّوَاب: متمم - وَلَا رَأَيْته قطّ، فَإِذا الرجل بِعَيْنِه جَالس على الْحَائِط يبكي ويتشاهق، فَوضعت المداس بَين يَدَيْهِ وانصرفت. سَمِعت الشَّيْخ أَبَا نصر عبد السَّيِّد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد ابْن الصّباغ الْفَقِيه يَقُول: حضرت عِنْد الْقزْوِينِي يَوْمًا، فَدخل عَلَيْهِ أَبُو بكر ابْن الرَّحبِي فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الشَّيْخ، أَي شَيْء أَمرتنِي نَفسِي أخالفها؟ فَقَالَ لَهُ: إِن كنت مرِيدا فَنعم، وَإِن كنت عَارِفًا فَلَا. فَلَمَّا انكفأت من عِنْده فَكرت فِي قَوْله، وكأنني لم أصوبه أَو كَيفَ قَالَ هَذَا، فَرَأَيْت تِلْكَ اللَّيْلَة فِي مَنَامِي شَيْئا أزعجني، وَكَأن قَائِلا يَقُول لي: هَذَا بِسَبَب ابْن الْقزْوِينِي، يَعْنِي لما أخذت فِي نَفسك عَلَيْهِ، أَو كَمَا قَالَ. قَالَ الشَّيْخ ﵀: ذَلِك لِأَن الْعَارِف ملك نَفسه فأمن عَلَيْهَا من أَن تَدعُوهُ إِلَى مَحْذُور، بِخِلَاف المريد، فَإِن نَفسه بِحَالِهَا أَمارَة بالسوء، فليخالفها كَذَلِك، وَالله أعلم. حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبد السَّمِيع الْهَاشِمِي الداوودي، حَدثنِي عبد الْعَزِيز الصحراوي الزَّاهِد قَالَ: كنت أَقرَأ على أبي الْحسن الْقزْوِينِي، فَلَمَّا كَانَ

стр. 555

يَوْم إِذا نَحن بِرَجُل قد دخل علينا الْمَسْجِد مُشْتَمِلًا منشفة، مغطى الْوَجْه، فَوَثَبَ الشَّيْخ إِلَيْهِ، فَاسْتَقْبلهُ وَصَافحهُ، وَأَجْلسهُ فِي الْقبْلَة، وَجلسَ بَين يَدَيْهِ، وحادثه سَاعَة طَوِيلَة، ثمَّ نَهَضَ للْقِيَام، فَقَامَ الْقزْوِينِي فشيعه إِلَى بَاب الْمَسْجِد، وودعه، ثمَّ عَاد، فعجبت لذَلِك عجبا شَدِيدا، فَقَالَ لي صَاحب كَانَ بجنبي: مِم تعجب؟ فَقلت: من الشَّيْخ وَفعله هَذَا بِهَذَا الرجل. فَقَالَ لي: وَلست تعرفه؟ فَقلت: لَا، فَقَالَ: هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَادِر بِاللَّه. وحَدثني أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْأمين قَالَ: رَأَيْت الْملك أَبَا كالجار قَائِما على رَأس أبي الْحسن الْقزْوِينِي يُشِير إِلَيْهِ بِالْجُلُوسِ، وَلَا يفعل. وحَدثني أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الطراح الْوَكِيل قَالَ: رَأَيْت الْملك أَبَا طَاهِر ابْن بويه قَائِما بَين يَدي أبي الْحسن الْقزْوِينِي يُومِئ إِلَيْهِ بِالْجُلُوسِ. فيأبى. حَدثنِي الْحُسَيْن بن عَليّ الخيوطي، حَدثنِي أَبُو بكر الْمُفَسّر وَكَانَ عبدا صَالحا قَالَ: كنت أسمع أَن أَحْمد الصياد يعرف اسْم الله الْأَعْظَم، فَكنت أمضي إِلَيْهِ وأتبرك بِهِ، قَالَ: فَخرجت من عِنْده يَوْمًا، فَقلت: هَذَا يُقَال: إِنَّه يعرف اسْم الله الْأَعْظَم، ترى أَبَا الْحسن الْقزْوِينِي يعرف اسْم الله الْأَعْظَم؟ وَدخلت على أبي الْحسن وَهُوَ فِي مَسْجده، فَقَالَ: وَقْفَة، فَسكت النَّاس، فَقَالَ: قَالَ

стр. 556

رجل: ترى فلَان يعرف اسْم الله الْأَعْظَم؟ لله تَعَالَى عبيد يعْرفُونَ ذَلِك، أَو كَمَا قَالَ. قَالَ الشَّيْخ: كَانَت عَادَته ﵀ إِذا أَرَادَ سكُوت من يقْرَأ الْقُرْآن فِي الْمَسْجِد يَقُول: وَقفه. حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن طَلْحَة الأطروش الْحَرْبِيّ، حَدثنِي مُحَمَّد بن هبة الله الْمَعْرُوف ب: ابْن صيلا، خَادِم الْقزْوِينِي قَالَ: صليت لَيْلَة مَعَ الْقزْوِينِي صَلَاة عشَاء الْآخِرَة، فأمسى فِي رُكُوعه وَلم يبْق فِي الْمَسْجِد غَيْرِي وَغَيره، فَلَمَّا قضى صلَاته أخذت الْقنْدِيل بَين يَدَيْهِ ومشينا، فرأيته قد عبر منزله، فمشيت بَين يَدَيْهِ، فَخرج من الحربية وَأَنا مَعَه، وَقد صلى فِي مَسْجِدهَا الآخر رَكْعَتَيْنِ، فَلم أَعقل بِشَيْء إِذا أَنا بِموضع أَطُوف بِهِ مَعَ جمَاعَة خَلفه، حَتَّى مضى هوي من اللَّيْل، ثمَّ أَخذ بيَدي، وَقَالَ لي: بِسم الله، ومشيت مَعَه، فَلم اعقل بِشَيْء إِلَّا وَأَنا على بَاب الحربية، فدخلناها قبل الْفجْر، فَسَأَلته وَأَقْسَمت عَلَيْهِ: أَيْن كُنَّا؟ فَقَالَ لي: ﴿إِن هُوَ إِلَّا عبد أنعمنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] ، ذَلِك الْبَيْت الْحَرَام، أَو بَيت الْمُقَدّس. ابْن طَلْحَة يشك فِي ذَلِك. قَالَ النواوي: قَوْله: فأمسى فِي رُكُوعه، يَعْنِي: صلَاته، وَالصَّلَاة تسمى رُكُوعًا. وَقَوله: شكّ فِي الْبَيْت الْحَرَام أَو بَيت الْمُقَدّس، الظَّاهِر - وَالله أعلم - أَنه الْبَيْت الْحَرَام، فَإِن الطّواف لَا يشرع بِغَيْرِهِ، وَالله أعلم.

стр. 557

حَدثنِي أَبُو البركات ابْن الْإِخْوَة، حَدثنِي رجل زاهد يعرف بِابْن الْبناء قَالَ: قلت للقزويني يَوْمًا: قَالَ لي أَبُو طَاهِر الْأنْصَارِيّ المقرىء أستاذي: أعرف رجلا يمْضِي يَوْم عَرَفَة الْعَصْر فَيشْهد الْموقف وَيرجع إِلَى مَسْجده بِبَغْدَاد، أَهَذا صَحِيح؟ فَقَالَ: الله على كل شَيْء قدير، قلت: عَنْك أَيهَا الشَّيْخ؟ فَقَالَ: خُذْهَا بعلو، خُذْهَا بعلو. أَو كَمَا قَالَ. حَدثنِي أَبُو البركات ابْن الْإِخْوَة قَالَ: رَأَيْت الْقزْوِينِي لَيْلَة عَرَفَة وَقد خرج من منزله لصَلَاة الْمغرب ومداسه قد علا عَلَيْهِ غبرة كَثِيرَة وَرجلَاهُ حَتَّى قد غطت سَواد المداس، وَمَا رئي قطّ مداسة إِلَّا وسواده يلمع كَأَنَّهُ حنك غراب لنظافته، حكى حكايات كَثِيرَة تدل على إكرام الله تَعَالَى إِيَّاه بِهَذِهِ الْكَرَامَة. حَدثنِي أَبُو نصر عبد الْملك بن الْحُسَيْن الدَّلال قَالَ: كنت أَقرَأ على أبي طَاهِر بن فضلان الْمُقْرِئ، وَكنت إِذا ذَاك أَقرَأ على أبي الْحسن الْقزْوِينِي: لَا تعتقد أَن أحدا يعلم مَا فِي قَلْبك، فَخرجت من عِنْده إِلَى أبي الْحسن الْقزْوِينِي، فَدخلت عَلَيْهِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، مقاومة، مُعَارضَة ﴿﴾ رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " إِن تَحت الْعَرْش ريحًا هفافةً تهب إِلَى قُلُوب العارفين ".

стр. 558

وَرُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " قد كَانَ فِيمَن خلا قبلكُمْ نَاس يحدثُونَ، فَإِن يَك فِي أمتِي فعمر بن الْخطاب ﵁ ". حَدثنِي أَبُو طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد بن طَالب الدَّلال قَالَ: كَانَ جمَاعَة من دَار الرَّقِيق يقصدون الْقزْوِينِي كل سبت لسَمَاع الحَدِيث، فَرَآهُمْ رجل يَوْمًا، فَقَالَ لَهُم كَالْمُسْتَهْزِئِ بهم: تُرِيدُونَ أَن تمضوا إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة، أُرِيد أَن أصحبكم الْيَوْم، فَدَخَلُوا الْمَسْجِد، فركعوا قبل أَن يجلسوا، وَركع مَعَهم ذَلِك الرجل، قَالَ: وَكنت مِمَّن لَا يضع الْيَمين على الشمَال فِي الصَّلَاة، فوضعتهما فَزعًا مِنْهُ وهيبة لَهُ، فَإنَّا فِي التَّشَهُّد قَالَ: سُبْحَانَ الله، رِيَاء ونفاق، رِيَاء ونفاق، يظْهر خلاف مَا يبطن، فَثَبت إِلَى الله تَعَالَى من ذكره، أَو كَمَا قَالَ. حَدثنِي الْحُسَيْن بن عَليّ الفتال: قَالَ: قصدت الْقزْوِينِي يَوْمًا، فَقلت: لي حَاجَة، فَأمر الْحَاضِرين بِالسُّكُوتِ، وَقَالَ: قل، قلت: نجيء إِلَيْك وَفِي قُلُوبنَا حوائج فَتكلم على خواطرنا بِمَا فِيهَا، فَمَا هَذَا؟ فَقَالَ: رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " أتقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله "؛ ثمَّ قَالَ: إِن لله عباداً طهر قُلُوبهم، وصفى هممهم. حَدثنِي أَبُو الْفَتْح عبد السَّلَام بن الْحسن بن عبد الله الجلوقي،

стр. 559

وَعلي بن أَحْمد بن شَدَّاد الحربيان، قَالَا: أنفذ الْملك أَبُو طَاهِر ابْن بويه لَيْلَة بعد الْعشَاء الْآخِرَة [بمنشور إِلَى أبي الْحسن الْقزْوِينِي، فقرأه] ، وَنحن جُلُوس بَين يَدَيْهِ، ثمَّ استدعى بِوَرَقَة ليجيب عَن المنشور، وَيَده كَمَا جرت عَادَته فِي كمه، فَطلب دَوَاة فتعذرت، فَأخذ الرقعة بِيَدِهِ وَأَشَارَ بإصبعه إِلَيْهَا من وَرَاء كمه، فَكتب فِيهَا. قَالَ لي عبد السَّلَام وَعلي: فَنَظَرْنَا - وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره - إِلَى السطور فِي الورقة سواداً كَأَنَّهُ يستمد من محبرة، فبهتنا نَنْظُر إِلَيْهِ، وَبَقينَا متعجبين من ذَلِك زَمَانا. حَدثنِي الشَّيْخ الإِمَام أَبُو نصر عبد السَّيِّد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد ابْن الصّباغ الْفَقِيه الشَّافِعِي قَالَ: حضرت عِنْد أبي الْحسن الْقزْوِينِي للسلام عَلَيْهِ، فَقلت فِي نَفسِي: قد حُكيَ لَهُ أنني أشعري، فَرُبمَا رَأَيْت مِنْهُ فِي ذَلِك شَيْئا، أَو قصر فِي السَّلَام عَليّ، أَو نَحوا من هَذَا، فَلَمَّا جَلَست بَين يَدَيْهِ قَالَ: لَا نقُول إِلَّا خيرا، لَا نقُول إِلَّا خيرا، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. ثمَّ الْتفت إِلَيّ، فَقَالَ لي: " من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن تبعها حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان "، مَعَ القيراط، أَو غير القيراط؟ قَالَ، قلت: مَعَ القيراط. قَالَ: جيد بَالغ. ونهض فَدخل منزله، فطالبني أهل الْمَسْجِد بِالدَّلِيلِ، فَقلت لَهُم: فِي الْقُرْآن مثله، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ وتجعلون لَهُ أندادا ذَلِك رب الْعَالمين وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام﴾ [فصلت: ٩ - ١٠] مَعَ الْيَوْمَيْنِ، لَا غير الْيَوْمَيْنِ. سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن الْمُدبر يَقُول:

стр. 560

سَمِعت أَنا الْحسن الْقزْوِينِي يَقُول: مَوَدَّة الدّين لَا يزيلها شَيْء، ومودة الدُّنْيَا تثبت بِالسَّبَبِ، فَإِذا زَالَ السَّبَب زَالَت. قا ل: وسمعته يَقُول: صِحَة وَعدم خير وجود وسقم. حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبد الْغَنِيّ بن أبي طَالب، حَدثنِي حَدِيث الصياد - وَكَانَ من سَاكِني الحربية - قَالَ: أَصبَحت يَوْمًا من الْأَيَّام وَمَا أملك حَبَّة وَاحِدَة وَفِي دَاري عائلة، فَخرجت من منزلي، فَقلت فِي نَفسِي: أشتهي أَن أجد السَّاعَة فِي وسط الحربية دِينَارا أَعُود بِهِ على عيالي، ومشيت، فوافيت الْقزْوِينِي يخرج من منزله، فصاح بِي، فَجئْت إِلَيْهِ، فَقَالَ لي: يَا حَدِيد، أما علمت أَن اللّقطَة إِذا لم تعرف فَهِيَ حرَام؟ وَأخرج لي دِينَارا فَوَضعه فِي كفي، وَقل: خُذْهُ حَلَالا، أَو كَمَا قَالَ. حَدثنِي أَحْمد بن عَليّ بن المنتاب الْمُقْرِئ، حَدثنِي رجل ذهب عَليّ اسْمه قَالَ: دخلت مَسْجِد الْقزْوِينِي وَقد حمل إِلَيْهِ تفاح ومشمش كثير جدا وَهُوَ يفرق بَين يَدَيْهِ على ضعفاء الحربية، فكأنني استكثرته، وَقلت فِي نَفسِي: قد بَقِي فِي النَّاس لله بعد شَيْء ﴿فَرفع الْقزْوِينِي رَأسه إِلَيّ فِي الْحَال، وَقَالَ: سُبْحَانَ الله، يستكثر لله شَيْء؟ لَو رَأَيْتُمْ مَا ينْفق فِي معاصي الله تَعَالَى﴾ حَدثنِي أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن الْحسن السمسار قَالَ: أصابني ريح المفاصل سنة من السنين حَتَّى زمنت لأَجلهَا، فركبت حمارا، ومضيت إِلَى أبي الْحسن الْقزْوِينِي، فوافيت مَسْجده وَهُوَ فِي منزلَة، فأنزلت من الْحمار، وَجَلَست فِي الْمَسْجِد، فَلَمَّا خرج جهدت نَفسِي فِي الْوُثُوب لَهُ، فَقَالَ: كَمَا

стр. 561

أَنْت تعافى إِن شَاءَ الله تَعَالَى، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، ثمَّ جَلَست، فَلَا وَالله، مَا أعلم مَا قَالَ عَلَيْهَا، وَأمر عَلَيْهَا يَده من وَرَاء كمه، فَقُمْت من سَاعَتِي، وعدت من مَسْجده مَاشِيا إِلَى بَاب الْبَصْرَة، وعوفيت فِي الْحَال. حَدثنِي أَبُو بكر أَحْمد بن نصر الضَّرِير الْقَارئ، حَدثنِي عَليّ بن بعد الله السوادي، قَالَ: كنت لَيْلَة جَالِسا فِي منزلي وَأَنا على وضوء منتظراً لصَلَاة الْعَتَمَة، فَنمت وَأَنا جَالس، ثمَّ استيقظت، فَقلت: لم أغص فِي النّوم، وَبَين الْفُقَهَاء فِي ذَلِك خلاف، إِذا نَام قَاعِدا متربعاً، وَكَانَ الزَّمَان شَدِيد الْبرد، وصعب عَليّ الْوضُوء لشدَّة الْبرد، فَصليت وَلم أتوضأ، ثمَّ إِنِّي صليت مَعَ أبي الْحسن الْقزْوِينِي من الْغَد، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، رَطْل مَاء يخرج بِهِ الْإِنْسَان من الْخلاف مَعَ مَا قد ورد فِي الحَدِيث من الْفضل فِي ذَلِك فِي " إسباغ الْوضُوء على " المكاره "، فبهت أنظر إِلَيْهِ مُتَعَجِّبا من قَوْله، أَو كَمَا حكى. حَدثنِي أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد بن أَحْمد، حَدثنِي أَبُو طَاهِر بن جحشوه قَالَ: أردْت سفرا، وَكنت خَائفًا مِنْهُ، فَدخلت إِلَى الْقزْوِينِي أسلم عَلَيْهِ. فَقَالَ لي ابْتِدَاء من قبل نَفسه: من أَرَادَ سفرا فَقرب من وَحش فليقرأ: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْش﴾ [قُرَيْش: ١] ، فَإِنَّهَا ... فقرأتها، فَلم يعرض لي عَارض حَتَّى الْآن. حَدثنِي أَبُو جَابر مُحَمَّد بن أَحْمد الزُّهْرِيّ، وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن العصار قَالَا: حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد النعماني.

стр. 562

ح، قَالَ: وَأخْبرنَا أَبُو عَليّ الْحسن بن أَحْمد المقرىء قَالَ: حكى لنا أَبُو مُحَمَّد النعماني قَالَ: قصدت الْقزْوِينِي يَوْمًا لأقرأ عَلَيْهِ الحَدِيث، فَدخلت جَامع الحربية لأتوضأ فأنسيت محبرتي، وَلم أذكرها إِلَّا وَأَنا جَالس بَين يَدَيْهِ أَقرَأ، فهممت بِالْقيامِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، مَا أنسيته يَأْتِيك، فَقلت: أَخَاف أَن يخرج غلط يحْتَاج إِلَى إصْلَاح، فَقَالَ: أَقرَأ فَقَرَأت أوراقاً، وَخرج عَليّ غلط يحْتَاج إِلَى إصْلَاح، فَقلت: بِأَيّ شَيْء أصلحه؟ فَرفع رَأسه، فَقَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَإِذا بِبَاب الْمَسْجِد رجل يَقُول: هَذِه المحبرة لمن؟ فَقَالَ: قُم فَخذهَا. حَدثنِي أَبُو البركات مُحَمَّد بن عبد الله بن يحيى الدباس الْفَقِيه قَالَ: رَأَيْت فِي النّوم شَخْصَيْنِ، وَأَحَدهمَا يَقُول لي، وَيُشِير إِلَى الآخر: هَذَا ابْن الْقزْوِينِي. قَالَ: فأشرت إِلَيْهِ، أَي سَيِّدي، أوصني. قَالَ: فَأَوْمأ إِلَيّ يعد بأصابعه وَيَقُول لي: ﴿وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ﴾ [الْعَصْر: ١ - ٣] قَالَ: وَلم أكن رَأَيْته قبل ذَلِك، فَلَمَّا كَانَ بعد سِنِين ذكرت هَذَا الْمَنَام، فَقلت فِي نَفسِي: يكون مثل هَذَا الرجل بِالْبَلَدِ وَلم أرَاهُ؟ هَذَا عجز عَظِيم، وَقلة توفيق. قَالَ فمضيت إِلَيْهِ، وَدخلت عَلَيْهِ، وَصليت وَرَاءه إمدى الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة، فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة، نظرت إِلَيْهِ، فَأَوْمأ بِيَدِهِ - علم الله - على الصُّورَة الَّتِي رَأَيْته بهَا فِي الْمَنَام تِلْكَ اللَّيْلَة، وَهُوَ يَقُول لي: (وَالْعصر، إِن الْإِنْسَان لفي

стр. 563

خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ﴾ [الْعَصْر: ١ - ٣] . حَدثنِي أَبُو نصر عبد الْملك بن الْحُسَيْن بن أَحْمد الدَّلال الْمُقْرِئ قَالَ: كَانَ لي صَاحب يقْرَأ عَليّ تكلم بِكَلَام جيد، وشدد الْيَاء، فَقلت لَهُ كالمداعب: لَا تَتَكَلَّم إِلَّا بإعراب، ثمَّ مضيت وَهُوَ بصحبتي إِلَى أبي الْحسن الْقزْوِينِي لأقرأ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كُنَّا بَين يَدَيْهِ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، الْجيد: ضد الرَّدِيء، والجيد: الرَّقَبَة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فِي جيدها حَبل من مسد﴾ [المسد: ٥] ، فَجعلت أنظر إِلَى صَاحِبي، وَينظر هُوَ إِلَيّ، ﵀ .

стр. 564

٢٤٢ - عَليّ بن مُحَمَّد [ ٣٦٤ - ٤٥٠] ابْن حبيب، بِالْحَاء الْمُهْملَة. أقضى الْقُضَاة، أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ الْبَصْرِيّ، صَاحب " الْحَاوِي "، ﵀. أَخذ الْفِقْه عَن أبي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ، وانتسب فِي " الْحَاوِي " إِلَيْهِ فِي شَيْء حَكَاهُ عَنهُ، فَقَالَ: كَانَ شَيخنَا فلَان. قَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ فِي " التَّارِيخ ": كَانَ من وُجُوه الْفُقَهَاء

стр. 565

الشافعيين، وَله تصانيف عدَّة فِي أصُول الْفِقْه، وفروعه، وَغير ذَلِك. قَالَ: وَجعل إِلَيْهِ ولَايَة الْقَضَاء ببلدان كَثِيرَة، وَسكن بَغْدَاد فِي درب الزَّعْفَرَانِي، وَحدث بهَا عَن الْحسن بن عَليّ الْجبلي صَاحب أبي خَليفَة، وَعَن مُحَمَّد بن عدي الْمنْقري، وَمُحَمّد بن الْمُعَلَّى الْأَزْدِيّ، وجعفر بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ. كتبت عَنهُ، وَكَانَ ثِقَة. هَذَا كَلَام الْخَطِيب. وَقَالَ ابْن خيرون: كَانَ رجلا جَلِيلًا، عَظِيم الْقدر، مُتَقَدما عِنْد السُّلْطَان، أحد الْأَئِمَّة، لَهُ التصانيف الحسان فِي كل فن من الْعُلُوم. قَالَ الْخَطِيب وَابْن خيرون: توفّي بِبَغْدَاد يَوْم الثُّلَاثَاء سلخ شهر ربيع الأول، وَدفن بِبَاب حَرْب يَوْم الْأَرْبَعَاء مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمسين وَأَرْبع مئة. وَحكى ابْن خيرون أَنه كَانَ بَين وَفَاته ووفاة القَاضِي أبي الطّيب أحد عشر يَوْمًا، وَتُوفِّي عَن سِتّ وَثَمَانِينَ سنة، لِأَن مولده سنة أَربع وَسِتِّينَ وَثَلَاث مئة، وَحضر جنَازَته من حضر أَبَا الطّيب من الْعلمَاء وأرباب الدولة. وَحكى أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ أَن آخر من روى عَنهُ أَبُو الْعِزّ ابْن كادش،
следующие страницы →