← Тараджим

Тараджим · id 6741

طبقات الفقهاء الشافعية

ابن الصلاح

Полный текст (624 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حضرت أَبَا بكر النقاش وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ يَوْم الثُّلَاثَاء لثلاث خلون من شَوَّال سنة إِحْدَى وَخمسين وَثَلَاث مئة، فَجعل يُحَرك شَفَتَيْه بِشَيْء لَا أعلم مَا هُوَ، ثمَّ نَادَى بعلو صَوته: ﴿لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ، يُرَدِّدهَا ثَلَاثًا، ثمَّ خرجت نَفسه. وَذكر ابْن أبي الفوارس أَن مولد النقاش سنة سِتّ وَسِتِّينَ ومئتين، وَدفن فِي دَاره بِبَغْدَاد. وَقَالَ النقاش: حدثت عَن الْمَدَائِنِي قَالَ: قَرَأَ إِمَام بِقوم سُورَة الْحَمد، فَقَالَ: وَلَا الظالين، بالظاء، فرفسه رجل من خَلفه، فَقَالَ الإِمَام: أوه ضهري، فَقَالَ لَهُ الرجل: يَا كَذَا وَكَذَا! خُذ الضَّاد من ظهرك، فاجعلها فِي الضَّالّين، وَأَنت فِي عَافِيَة. وروى الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ عَن النقاش أَن مُحَمَّد بن عَليّ الصَّائِغ أخْبرهُم قَالَ: أَخْبرنِي يحيى بن معِين قَالَ: كنت عِنْد أبي يُوسُف، وَعِنْده جمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث وَغَيرهم، فوافته هَدِيَّة من أم جَعْفَر احتوت على تخوت دبيقي، ومصمت، وَشرب، وتماثيل ند، وَغير ذَلِك، فذاكرني رجل بِحَدِيث

стр. 72

النَّبِي ﷺ : " من أَتَتْهُ هَدِيَّة وَعِنْده قوم جُلُوس فهم شركاؤه فِيهَا "، فَسَمعهُ أَبُو يُوسُف فَقَالَ: أبي تعرض؟ إِنَّمَا قَالَ النَّبِي ﷺ : " والهدايا: الأقط، وَالسمن، وَالزَّبِيب "، وَلم تكن الْهَدَايَا مَا ترَوْنَ، يَا غُلَام، شل إِلَى الخزائن. وَفِيمَا روى بِخَط أبي الْقَاسِم ابْن الدبثائي الْأَزْهَرِي قَالَ: قَرَأت على أبي عَليّ ابْن حمكان الشَّافِعِي، حَدثنِي عَليّ بن أَحْمد بن قُرْقُور التمار، وَمُحَمّد بن الْحسن قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ الصَّائِغ بِمَكَّة قَالَ: سَمِعت يحيى بن معِين يَقُول: مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي فِي النَّاس بِمَنْزِلَة الْعَافِيَة لِلْخلقِ، وَالشَّمْس للدنيا، جزاه الله عَن الْإِسْلَام وَعَن نبيه مُحَمَّد ﷺ خيرا. وَهَذَا من أحسن مَا ينْقل عَن ابْن معِين فِي رُجُوعه للشَّافِعِيّ. وَبِالْإِسْنَادِ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن، قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن إِدْرِيس بهراة، حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ: قَالَ لنا الشَّافِعِي: دهمني فِي هَذِه الْأَيَّام أَمر أمضني وآلمني، وَلم يطلع عَلَيْهِ غير الله، فَلَمَّا كَانَ البارحة أَتَانِي

стр. 73

آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس! قل: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أملك لنَفْسي ضرا وَلَا نفعا، وَلَا موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا، وَلَا أَسْتَطِيع أَن آخذ إِلَّا مَا أَعْطَيْتنِي، وَلَا أتقي إِلَّا مَا وقيتني، اللَّهُمَّ فوفقني لما تحب وترضى من القَوْل وَالْعَمَل فِي عَافِيَة، فَلَمَّا أَن أَصبَحت أعدت ذَلِك، فَلَمَّا ترحل النَّهَار أَعْطَانِي الله طلبتي، وَسَهل لي الْخَلَاص مِمَّا كنت فِيهِ، فَعَلَيْكُم بِهَذِهِ الدَّعْوَات فَلَا تغفلوا عَنْهَا. وَبِه: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن النقاش، حَدثنَا أَبُو نعيم عبد الْملك بن مُحَمَّد، حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ: نَاظر رجل الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة فدقق، وَالشَّافِعِيّ ثَابت يُجيب ويصيب، فَعدل الرجل إِلَى الْكَلَام فِي مناظرته، فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي: هَذَا غير مَا نَحن فِيهِ، هَذَا كَلَام، لست أَقُول بالْكلَام، وَاحِدَة، وَأُخْرَى لَيست الْمَسْأَلَة مُتَعَلقَة بِهِ، ثمَّ أنشأ الشَّافِعِي ﵁ يَقُول: (مَتى مَا تقد بِالْبَاطِلِ الْحق يأبه ... وَإِن قدت بِالْحَقِّ الرواسِي تنقد) (إِذا مَا أتيت الْأَمر من غير بَابه ... ضللت وَإِن تقصد إِلَى الْبَاب تهتد) فَدَنَا مِنْهُ الرجل وَقبل يَده. وَبِه: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن الْمُقْرِئ، حَدثنَا أَبُو نعيم، حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: رَأس التوقي ترك الإفراط فِي التوقي. قَالَ النقاش: صدق الشَّافِعِي، لِأَن الإفراط هُوَ مُجَاوزَة الْحق فِي مِقْدَار الْمصلحَة، وَالله أعلم.

стр. 74

(٢٠ - مُحَمَّد بن الْحسن) ابْن الْمُنْتَصر، أَبُو الْفَيَّاض الْبَصْرِيّ. تلميذ أبي حَامِد المروروذي. كَانَ من الْأَئِمَّة الْبَصرِيين المصنفين، من تصانيفه: " اللَّاحِق " ب " الْجَامِع " الَّذِي صنفه شَيْخه، ذكر فِيهِ: مِمَّا يكره للْقَاضِي نظره فِي النَّفَقَة على أَهله، وَفِي ضيعته، لِأَن هَذَا أشغل لفهمه من كثير من الْغَضَب.

стр. 75

(٢١ - مُحَمَّد بن الْحُسَيْن [ ٠٠٠ - ٥٢١] ) ابْن بنْدَار، أَبُو الْعِزّ القلانسي الوَاسِطِيّ. واعتماد النَّاس بواسط على مَا صنفه فِي الْقرَاءَات، لكَون مشايخهم إِيَّاهَا يروون. وحَدثني الشَّيْخ ابْن باسويه الْمُقْرِئ الوَاسِطِيّ - وَهُوَ من أهل الْقُرْآن وَالْفِقْه وَالْخَيْر، وَهُوَ أحد المتصدرين للإقراء بِجَامِع دمشق، وَله رِوَايَة فِي ذَلِك - عَن ابْن الباقلاني، عَن أبي الْعِزّ؛ أَن أَبَا الْعِزّ كَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب. وحَدثني أَن القَاضِي أَبَا عَليّ الفارقي لَهُ فتاو مَجْمُوعَة فِي نَحْو خَمْسَة أَجزَاء.

стр. 76

(٢٢ - مُحَمَّد بن الْحُسَيْن [ ٠٠٠ - ٤٠١] ) ابْن دَاوُد بن عَليّ بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، السَّيِّد أَبُو الْحسن بن أبي عبد الله الحسني النَّقِيب، جد النُّقَبَاء بنيسابور ﵁ وَعَن أسلافه. هَكَذَا ذكر هَذَا النّسَب أَبُو عبد الله الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة أَبِيه، وَسقط مُحَمَّد مِنْهُ، فِي تَرْجَمته نَفسه فِي " مشيخة " أبي صَالح، وَفِي تَرْجَمته من كتاب الْحَاكِم أَيْضا. أثنى عَلَيْهِ الْحَاكِم، وَقَالَ: شيخ الشّرف فِي عصره، ذُو الهمة الْعَالِيَة، وَالْعِبَادَة الظَّاهِرَة، والسجايا الطاهرة. سمع: أَبَا حَامِد الشَّرْقِي، وأخاه عبد الله، وأقرانهما بنيسابور. قَالَ الْحَاكِم: كَانَ يسْأَل التحديث فيأبى، ثمَّ أجَاب آخرا.

стр. 77

وَعقد الْحَاكِم لَهُ مجْلِس الْإِمْلَاء، وانتقى عَلَيْهِ ألف حَدِيث، فَحدث، قَالَ: وَكَانَ تعد فِي مجالسه ألف محبرة، فَحدث ثَلَاث سِنِين، ثمَّ توفّي فَجْأَة. قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت السَّيِّد أَبَا الْحسن الحسني يَقُول: حضرت مَعَ وَالِدي السَّيِّد أبي عبد الله جَنَازَة مكي بن عَبْدَانِ فَقَالَ: قد فاتك أحد الشَّيْخَيْنِ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يفوتك الشَّيْخ الآخر، فبكر بِي إِلَى أبي حَامِد الشَّرْقِي.

стр. 78

(٢٣ - أَخُوهُ [ ٠٠٠ - ٣٩٣] ) السَّيِّد أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن دَاوُد. ذكره الْحَاكِم أَيْضا، وَذكر أَنه كَانَ بَاب الشّرف فِي عصره، حسن الشَّأْن، ذَا مُرُوءَة وإحسان إِلَى أهل الدّين وَالتَّقوى، متقربا إِلَيْهِم، مستكثرا مِنْهُم. سمع أَبَا حَامِد ابْن بِلَال، وَأَبا بكر الْقطَّان فِي طبقته قبل الْأَصَم. توفّي فِي شعْبَان سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَثَلَاث مئة بنيسابور، وَصلى عَلَيْهِ أَخُوهُ السَّيِّد أَبُو الْحسن، روى عَنهُ الْحَاكِم. وذكرهما أَبُو الْحسن ابْن أبي الْقَاسِم الْحَنَفِيّ الْمَذْهَب فِي جملَة الشَّافِعِيَّة، وَحكى عَن الْحَاكِم أَن السَّيِّد أَبَا الْحسن كَانَ يتعبد على مَذْهَب الشَّافِعِي، ويعتقد مذْهبه، وَوصف أَخَاهُ السَّيِّد أَبَا عَليّ ب: الْمدرس،

стр. 79

وَقَالَ: كَانَ يدرس فقه الشَّافِعِي بنيسابور، وَلم أجد مَا حَكَاهُ عَن الْحَاكِم فِي ترجمتهما من " تَارِيخه "، وَالله أعلم. وَذكر الْحَاكِم أباهما: السَّيِّد أَبَا عبد الله، فَحكى أَنه كَانَ سني العلوية فِي أَيَّامه، وَمن أَكثر النَّاس صَلَاة وَصدقَة ومحبة لأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ . وَأخْبر أَنه صَحبه مُدَّة، وَكَانَ يُصَلِّي بجنبه الْجُمُعَة فِي الْجَامِع بضع عشرَة سنة، فَمَا سَمعه يذكر عُثْمَان إِلَّا قَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ الشَّهِيد ﵁ وَبكى، مَا سَمعه يذكر عَائِشَة ﵂ إِلَّا قَالَ: الصديقة بنت الصّديق ﵂، حَبِيبَة حبيب الله، وَبكى. وَسمع الحَدِيث فَأكْثر، وَمِمَّنْ سمع: جَعْفَر الْحَافِظ، وَابْن شيرويه، وَأكْثر عَن الإِمَام أبي بكر ابْن خُزَيْمَة، قَالَ: وَمَا سمعته يذكر أَبَا بكر إِلَّا قَالَ: إِمَام الْمُسلمين فِي عصره ﵁. توفّي فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَخمسين وَثَلَاث مئة.

стр. 80

(٢٤ - مُحَمَّد بن الْحُسَيْن [ ٠٠٠ - ٤٠٧] ) ابْن مُحَمَّد بن الْهَيْثَم بن الْقَاسِم بن مَالك، القَاضِي أَبُو عمر ابْن أبي سعيد البسطامي. هَكَذَا نسبه شيرويه، وَنسبه الْحَاكِم فِي تَرْجَمته وترجمة أَبِيه: ابْن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن يحيى، فَالله أعلم. كَانَ قَاضِي نيسابور، وَأحد رُؤَسَاء الشَّافِعِيَّة بهَا، ذكره الْخَطِيب فَقَالَ: حَدثنِي عَنهُ الْحسن بن مُحَمَّد الْخلال، وَذكر لي أَنه قدم بَغْدَاد فِي حَيَاة أبي حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ. قَالَ: وَكَانَ إِمَامًا نظارا، وَكَانَ أَبُو حَامِد يعظمه ويجله.

стр. 81

وَسمع الحَدِيث بأصبهان، وبغداد، وَالْبَصْرَة، والأهواز، وَغَيرهمَا. عَن: الطَّبَرَانِيّ، وَابْن الْجَارُود الرقي، وَأبي بكر القباب الْأَصْبَهَانِيّ، وَغَيرهم. قَالَ شيرويه: وَكَانَ صَدُوقًا. وَذكره الْحَاكِم أَبُو عبد الله، وَمَات قبله، فَقَالَ: الْفَقِيه، الْمُتَكَلّم، البارع، الْوَاعِظ، ورد لَهُ الْعَهْد بنيسابور، وَقُرِئَ عَلَيْهِ الْعهْدَة غَدَاة الْخَمِيس، الثَّالِث من ذِي الْقعدَة، سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَلَاث مئة، وأجلس فِي مجْلِس الْقَضَاء، فِي مَسْجِد رَحا فِي تِلْكَ السَّاعَة، وَأظْهر أهل الحَدِيث من الْفَرح والاستبشار وَالثنَاء مَا يطول شَرحه، وكتبنا بِالدُّعَاءِ وَالشُّكْر إِلَى السُّلْطَان وَإِلَى أوليائه. مَاتَ البسطامي بنيسابور سنة سبع وَأَرْبع مئة.

стр. 82

(٢٥ - مُحَمَّد بن خَفِيف [ ٠٠٠ - ٣٧١] ) الضَّبِّيّ، أَبُو عبد الله. أَقَامَ بشيراز. قَالَ ابْن خَمِيس: كَانَ شيخ الْمَشَايِخ وأوحدهم فِي وقته، عَالما بعلوم الظَّاهِر والحقائق، حسن الْأَحْوَال فِي المقامات وَالْأَفْعَال، جميل الْأَخْلَاق والأعمال. وَذكره صَاحبه أَبُو الْعَبَّاس النسوي، وَقَالَ: بلغ مَا لم يبلغهُ أحد، فِي الْعلم، والخلق، والجاه، عِنْد الْخَاص وَالْعَام، وَصَارَ أوحد زَمَانه، مَقْصُودا من الْآفَاق، مُفِيدا فِي كل نوع من الْعُلُوم، مُبَارَكًا على من يَقْصِدهُ، رَفِيقًا بمريديه، يبلغ كَلَامه مُرَاده.

стр. 83

قَالَ: وصنف من الْكتب مَا لم يصنفه أحد، وانتفع بِهِ جمَاعَة حَتَّى صَارُوا أَئِمَّة يقْتَدى بهم، وَعمر حَتَّى عَم نَفعه الْبلدَانِ. وَكَانَت لَهُ أسفار وبدايات ورياضات، وَلَقي الشُّيُوخ والزهاد والنساك، وَدخل الْعرَاق، وَلَقي بهَا رويما، وَابْن عَطاء، والجريري، وعاشر بِمَكَّة الكتاني والمزين، وأقرانهما. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح عبد الرَّحِيم بن أَحْمد - خَادِم ابْن خَفِيف صَالح فَاضل -: سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف يَقُول: سَأَلنَا يَوْمًا القَاضِي أَبُو الْعَبَّاس ابْن سُرَيج بشيراز، وَكُنَّا نحضر مَجْلِسه لدرس الْفِقْه، فَقَالَ لنا: محبَّة الله فرض أَو غير فرض؟ قُلْنَا: فرض. قَالَ: مَا الدّلَالَة على فَرضهَا؟ فَمَا فِينَا من أَتَى بِشَيْء فَقبل، فرجعنا إِلَيْهِ وسألناه الدَّلِيل على فرض محبَّة الله ، فَقَالَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ [التَّوْبَة: ٢٤] . قَالَ: فتواعدهم الله على تَفْضِيل محبتهم لغيره على محبته

стр. 84

ومحبة رَسُوله، والوعيد لَا يَقع إِلَّا على فرض لَازم، وحتم وَاجِب. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح أَيْضا: سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الله يَقُول: مَا سَمِعت شَيْئا من سنَن النَّبِي ﷺ إِلَّا استعملته، حَتَّى الصَّلَاة على أَطْرَاف الْأَصَابِع، وَهُوَ صَعب. وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ فِي ابْن خَفِيف: هُوَ من أعلم الْمَشَايِخ بعلوم الشَّرِيعَة من الْكتاب وَالسّنة، وَهُوَ فَقِيه على مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقَالَ أَبُو عبد الله ابْن خَفِيف: سَمِعت أَبَا بكر الكتاني يَقُول: سَافَرت أَنا وَالْعَبَّاس بن الْمُهْتَدي، وَأَبُو سعيد الخراز فِي بعض السنين، وضللنا فِي بعض الطَّرِيق، والتقينا بحيرة، فَبينا نَحن كَذَلِك إِذا بشاب قد أقبل وَفِي يَده محبرة، وعَلى عُنُقه مخلاة فِيهَا كتب، فَقُلْنَا لَهُ: يَا فَتى! كَيفَ الطَّرِيق؟ فَقَالَ لنا: الطَّرِيق طَرِيقَانِ، فَمَا أَنْتُم عَلَيْهِ فطريق الْعَامَّة، وَمَا أَنا عَلَيْهِ

стр. 85

الْخَاصَّة، وَوضع رجله فِي الْبَحْر وعبره، قَالَ: فتبنا إِلَى الله أَن ننكر بعد ذَلِك أحدا من أهل الْعلم.

стр. 86

(٢٦ - مُحَمَّد بن سُلَيْمَان [ ٢٩٦ - ٣٦٩] ) ابْن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن هَارُون بن مُوسَى بن عِيسَى، أَبُو سهل الصعلوكي، الْحَنَفِيّ نسبا، الْعجلِيّ، الشَّافِعِي مذهبا. أحد أَئِمَّة وقته فِي عُلُوم، مُتَّفق على تقدمه وجلالته. ذكره أَبُو الْعَبَّاس النسوي الصُّوفِي، وَحكى أَنه كَانَ يقدم فِي عُلُوم الصُّوفِيَّة، وَيتَكَلَّم فِيهَا بِأَحْسَن كَلَام. وَصَحب من أئمتهم: المرتعش، والشبلي، وَأَبا عَليّ الثَّقَفِيّ، وَغَيرهم. قَالَ: وَكَانَ حسن السماع.

стр. 87

قَالَ السّلمِيّ: وَقَالَ لي يَوْمًا: عقوق الْوَالِدين يمحوها التَّوْبَة، وعقوق الأستاذين لَا يمحوها شَيْء الْبَتَّةَ. وَقَالَ السّلمِيّ: سَمِعت الشَّيْخ أَبَا سهل الصعلوكي يَقُول: أَقمت بِبَغْدَاد سبع سِنِين، مَا مرت بِي جُمُعَة إِلَّا ولي على الشبلي وَقْفَة أَو سُؤال. وسمعته يَقُول: دخل الشبلي على أبي إِسْحَاق الْمروزِي، فرآني عِنْده، فَقَالَ: ذَا الْمَجْنُون من أَصْحَابك؟ لَا، بل من أَصْحَابنَا. وَذكره الْحَاكِم فَقَالَ: الإِمَام الْهمام، أَبُو سهل الصعلوكي الْفَقِيه الأديب اللّغَوِيّ النَّحْوِيّ الْمُتَكَلّم الْمُفَسّر الْمُفْتِي الصُّوفِي الْكَاتِب الشَّاعِر الْعَرُوضِي، حبر زَمَانه، وَبَقِيَّة أقرانه. وَحكى أَنه سمع الحَدِيث أول سمعة سنة خمس وَثَلَاث مئة، وأحضر للتفقه مجْلِس أبي عَليّ الثَّقَفِيّ سنة ثَلَاث عشرَة وَثَلَاث مئة، وَكَانَ عَمه أَبُو الطّيب أَحْمد بن سُلَيْمَان يمنعهُ عَن الِاخْتِلَاف إِلَّا إِلَى أبي بكر ابْن خُزَيْمَة وَأَصْحَابه، فَلَمَّا توفّي أَبُو بكر طلب الْفِقْه، وتبحر فِي الْعُلُوم قبل خُرُوجه

стр. 88

إِلَى الْعرَاق بسنين، فَإِنَّهُ نَاظر فِي مجْلِس الْوَزير أبي الْفضل البلعمي سنة تسع عشرَة وَثَلَاث مئة، وَهُوَ إِذْ ذَاك يقدم فِي الْمجْلس، ويستعظم البلعمي كَلَامه، ثمَّ خرج إِلَى الْعرَاق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَثَلَاث مئة، وَهُوَ أوحد بَين أَصْحَابه، ثمَّ دخل الْبَصْرَة ودرس بهَا سِنِين، ثمَّ استدعي إِلَى أَصْبَهَان ونزلها سِنِين، فَلَمَّا نعي إِلَيْهِ عَمه أَبُو الطّيب علم أَن أهل أَصْبَهَان، لَا يخلونه ينْصَرف، فَخرج مِنْهَا مختفيا مِنْهُم، وَورد نيسابور فِي رَجَب سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة، وَهُوَ على الرُّجُوع إِلَى أَهله وَولده ومستقره من أَصْبَهَان، وَلما وردهَا جلس لمأتم عَمه أَيَّامًا ثَلَاثَة، فَكَانَ الشَّيْخ أَبُو بكر ابْن إِسْحَاق على قلَّة حركته وقعوده عَن قَضَاء الْحُقُوق يحضرهُ كل يَوْم، فيقعد مَعَه، وَكَذَلِكَ كل رَئِيس ومرؤوس وقاض ومفت من الْفَرِيقَيْنِ، فَلَمَّا انْقَضتْ أَيَّام العزاء عقدوا لَهُ الْمجْلس غَدَاة يَوْم للتدريس، وَبَين العشاءين للإلقاء، وَعَشِيَّة الْأَرْبَعَاء للنَّظَر، واستقرت بِهِ الدَّار، وَلم يبْق فِي الْبَلَد مُوَافق وَلَا مُخَالف إِلَّا وَهُوَ مقرّ لَهُ بِالْفَضْلِ والتقدم. وحضره الْمَشَايِخ مرّة بعد أُخْرَى يسألونه نقل من خلف وَرَاءه بأصبهان،

стр. 89

فَأجَاب إِلَى ذَلِك، وَرَأس أَصْحَابه بنيسابور اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة. " سمع الحَدِيث بخراسان من: الإِمَام أبي بكر ابْن خُزَيْمَة، وَأبي الْعَبَّاس الثَّقَفِيّ، والماسرجي، والأزهري، وَأبي قُرَيْش الْحَافِظ، وأقرانهم. وبالري: من أبي مُحَمَّد ابْن أبي حَاتِم، وأقرانه. وبالعراق: من أبي عبد الله الْمحَامِلِي، وأقرانه. قَالَ الْحَاكِم: أظنني أول من كتب عَنهُ الحَدِيث، فَإِنِّي سَمِعت الْأُسْتَاذ يَقُول عِنْد وُرُوده فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ: كنت أَمْشِي مَعَ عمي، فَلَمَّا وردنا بَاب عزْرَة استقبلنا أَبُو الْعَبَّاس السراج، فَسلم عَلَيْهِ عمي، ثمَّ قَالَ " يَا أَبَا الْعَبَّاس ابْن أخي، فَرَحَّبَ بِي أَبُو الْعَبَّاس، ودعا لي، فَقَالَ لي عمي: يَا أَبَا الْعَبَّاس! حَدثهُ بِحَدِيث، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان، عَن ثَابت، عَن أنس؛ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يدّخر شَيْئا لغد. حَدثنِي بِهِ وَهُوَ قَائِم، وَذَلِكَ سنة خمس وَثَلَاث مئة، ثمَّ إِن الاستاذ

стр. 90

سُئِلَ التحديث غير مرّة، فَامْتنعَ أَشد الِامْتِنَاع إِلَى غرَّة رَجَب من سنة خمس وَسِتِّينَ وَثَلَاث مئة، فَإِنَّهُ أجَاب إِلَى الْإِمْلَاء، وَقعد للتحديث، وَحدث. قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى غير مرّة، وَهُوَ يعوذ الْأُسْتَاذ أَبَا سهل، وينفث على دُعَائِهِ، وَيَقُول: بَارك الله فِيك، لَا أَصَابَك الْعين. هَذَا فِي مجَالِس النّظر عَشِيَّة السبت للْكَلَام، وَعَشِيَّة الثُّلَاثَاء للفقه. سَمِعت أَبَا عَليّ الإسفرايني يَقُول: سَمِعت الْمروزِي يَقُول: ذهبت الْفَائِدَة من مَجْلِسنَا بعد خُرُوج أبي سهل النَّيْسَابُورِي. سَمِعت أَبَا الطَّاهِر الْأنمَاطِي الْفَقِيه بِالريِّ يَقُول: سَمِعت الصاحب أَبَا الْقَاسِم يَقُول: إِذا فَكرت فِي مَسْأَلَة التَّكْلِيف نقض عَليّ خلق أبي سهل، فَإِنِّي أعلم أَنه لَا يرى مثله، وَلَا رأى هُوَ مثل نَفسه. سَمِعت أَبَا مَنْصُور الْفَقِيه يَقُول: سُئِلَ أَبُو الْوَلِيد عَن أبي بكر الْقفال وَأبي سهل، أَيهمَا أرجح؟ فَقَالَ: وَمن يقدر أَن يكون مثل أبي سهل؟

стр. 91

سَمِعت أَبَا الْفضل ابْن يَعْقُوب يَقُول: سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن أَحْمد السوجردي يَقُول: كنت فِي حَلقَة أبي بكر الشَّافِعِي الصَّيْرَفِي فَسَمعته يَقُول: خرج الصعلوكي إِلَى خُرَاسَان، وَلم ير أهل خُرَاسَان مثله. توفّي الْأُسْتَاذ أَبُو سهل فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَلَاث مئة، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسبعين وَأشهر، وَخرج السُّلْطَان فِي جنَازَته بِنَفسِهِ، فَقدم ابْنه الْفَقِيه أَبَا الطّيب فصلى عَلَيْهِ، وَدفن فِي الْمجْلس الَّذِي كَانَ يدرس فِيهِ. قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا سهل، وَقد دفع إِلَيْهِ ورقه فِيهَا مَسْأَلَة، فَلَمَّا قَرَأَهَا لنَفسِهِ قَرَأَهَا علينا، فَإِذا فِيهَا: (تمنيت شهر الصَّوْم لَا لعبادة ... وَلَكِن رَجَاء أَن أرى لَيْلَة الْقدر) (فأدعو إِلَه النَّاس دَعْوَة عاشق ... عَسى أَن يرِيح العاشقين من الهجر) فَطلب الْأُسْتَاذ قَلما، وَكتب فِي الْوَقْت فِي آخرهَا: (تمنيت مَا لَو نلته فسد الْهوى ... وَحل بِهِ للحين قاصمة الظّهْر) (فَمَا فِي الْهوى طيب وَلَا لَذَّة سوى ... معاناة مَا فِيهِ يقاسى من الهجر)

стр. 92

روى الْحَاكِم الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين عَن الزبير، عَن عَمه مُصعب وَقَالَ: دَعْوَة مخلص قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي: سَمِعت الإِمَام أَبَا بكر ابْن فورك يَقُول: سُئِلَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل الصعلوكي ﵀ عَن جَوَاز رُؤْيَة الله من طَرِيق الْعقل، فَقَالَ: الدَّلِيل عَلَيْهِ شوق الْمُؤمنِينَ إِلَى لِقَائِه، والشوق إِرَادَة مفرطة، والإرادة لَا تتَعَلَّق بالمحال. فَقَالَ السَّائِل: وَمن الَّذِي يشتاق إِلَى لِقَائِه؟ فَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو سهل: يشتاق إِلَيْهِ كل حر مُؤمن، فَأَما من كَانَ مثلك فَلَا يشتاق.

стр. 93

(٢٧ - مُحَمَّد بن شَاذان [ ٠٠٠ - ٠٠٠] ) القَاضِي أَبُو مَنْصُور الطوسي. أحد أَئِمَّة هَذِه الطَّبَقَة، درس الْأُصُول وَالْفُرُوع. أَخذ عَنهُ: أَبُو بكر الشَّاشِي صَاحب " الْعُمْدَة " و " المستظهري "، وَالْقَاضِي عبد الْجَلِيل الْمروزِي. علق أصُول الْفِقْه عَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ، وَهُوَ من تلامذة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ، فِيمَا ذكره أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ. وَعِنْدِي بِخَط بعض المصنفين من أَصْحَاب الشَّيْخ أبي حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ شَيْء ذكر أَنه سَمعه مِنْهُ عَن شَيْخه أبي الْحسن الماسرجسي، هَكَذَا قَالَ، وَهَذَا يزْدَاد بِهِ علوا فِي الطَّبَقَة، وَالله أعلم.

стр. 94

(٢٨ - مُحَمَّد بن صَالح [ ٠٠٠ - ٣٤٠] ) ابْن هَانِئ، أَبُو جَعْفَر الْوراق النَّيْسَابُورِي. ثِقَة، ثَبت، أحد المكثرين. سمع الحَدِيث الْكثير بنيسابور، وَلم يسمع بغَيْرهَا وَلَا حَدِيثا، وَلم يكن بعد أَن ضعف يصبر عَن حُضُور الْمجَالِس، وَكَانَ يفهم ويحفظ، وَكَانَ صبورا على الْفقر، لَا يَأْكُل إِلَّا من كسب يَده. سمع أَبَا زَكَرِيَّا يحيى بن مُحَمَّد بن يحيى الشَّهِيد، وَكَانَ يواظب على الْكِتَابَة عَنهُ، وَجَمَاعَة من الْمَشَايِخ أَحيَاء، كإبراهيم بن عبد الله السَّعْدِيّ، فَلم يسمع مِنْهُم حَتَّى فاتوه، وَسمع: السّري بن خُزَيْمَة، وَالْحُسَيْن بن الْفضل، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن الصَّباح وطبقات بعدهمْ. روى عَنهُ: الشَّيْخ أَبُو بكر ابْن إِسْحَاق، وَأَبُو عَليّ الْحَافِظ، وَأَبُو إِسْحَاق الْمُزَكي، وَغَيرهم من الْمَشَايِخ، ومصنفات الْحَافِظ أبي أَحْمد مشحونة بروايته عَنهُ. مَاتَ فِي سلخ شهر ربيع الأول سنة أَرْبَعِينَ وَثَلَاث مئة، وَصلى عَلَيْهِ أَبُو عبد الله ابْن الأخرم الْحَافِظ، وَلما دفن وقف على قَبره، فترحم عَلَيْهِ

стр. 95

أَبُو عبد الله وَأثْنى، وَحكى أَنه صَحبه من سنة سبعين ومئتين إِلَى حِينَئِذٍ، فَمَا رَآهُ أَتَى شَيْئا لَا يرضاه الله ، وَلَا سمع مِنْهُ شَيْئا يسْأَل عَنهُ، ذكر هَذَا كُله الْحَاكِم. وَذكر أَن أَبَاهُ كَانَ يسْأَل مُحَمَّد بن صَالح يَوْم الْجُمُعَة أَن ينْصَرف إِلَى منزله فيفعل، وَيُقِيم عِنْده إِلَى الْجُمُعَة الْمُسْتَقْبلَة، يفعل ذَلِك غير مرّة فِي السّنة، وَكَانَ يقْرَأ كل يَوْم جُزْءا من حَدِيثه بِخَطِّهِ، ثمَّ يُصَلِّي طول النَّهَار، وَيقوم أَكثر اللَّيْل. قَالَ: وَسمعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْحَافِظ يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن صَالح بن هَانِئ يَقُول: سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن رَجَاء السندي يَقُول - وَذكر عِنْده أَبُو بكر الجارودي وتعصبه للْمَذْهَب - فَقَالَ: هُوَ كلب السّنة، أسْتَغْفر الله الْعَظِيم.

стр. 96

(٢٩ - مُحَمَّد بن طَاهِر [ ٠٠٠ - ٣٦٥] ) ابْن مُحَمَّد بن الْحسن بن الْوَزير، أَبُو نصر الوزيري. الأديب، الْمُذكر، الْمُفَسّر. كَانَ كثير الْعُلُوم، فصيحا، بارعا فِي الذّكر والوعظ. سمع الحَدِيث الْكثير؛ سمع: عبد الله بن مُحَمَّد ابْن الشَّرْقِي، وَأَبا حَامِد ابْن بِلَال، وَأَبا عَليّ الثَّقَفِيّ، وأقرانهم. وَكتب بهراة بعد الثَّلَاثِينَ وَالثَّلَاث مئة عَن الْحسن بن عمرَان وأقرانه، وَأكْثر، وصنف شَيْئا من الْأَبْوَاب، وَكَانَ يذكر. توفّي فِي شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وَثَلَاث مئة بنيسابور. ذكر ذَلِك كُله الْحَاكِم، وَقَالَ: كَانَ ينتحل مَذْهَب الرَّأْي فانتقل إِلَى الحَدِيث، وَعقد لَهُ الشَّيْخ أَبُو بكر ابْن إِسْحَاق مجْلِس الذّكر، هَذَا فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة، وَحكى انْتِقَاله أَيْضا أَبُو النَّضر الفامي فِي " تَارِيخ هراة ". روى عَنهُ الْحَاكِم

стр. 97

(٣٠ - مُحَمَّد بن الْعَبَّاس [ ٢٩٤ - ٣٧٨] ) ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عصم بن بِلَال بن عصم، أَبُو عبد الله ابْن أبي ذهل الضَّبِّيّ من أنفسهم، الْهَرَوِيّ، وَيعرف ب: العصمي؛ بِالْعينِ المضمومة الْمُهْملَة، وَالصَّاد الساكنة الْمُهْملَة. كَانَ ﵀ رَئِيسا، كثير المحاسن، صَدرا، عَالما، مَعْرُوف المزاين. حدث بنيسابور وبغداد وَغَيرهمَا. سمع الحَدِيث بهراة من: أبي الْحسن مُحَمَّد بن عبد الله المخلدي، هروي، وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن معَاذ الْمَالِينِي، وحاتم بن مَحْبُوب الشَّامي، وأقرانه، وَأول سَمَاعه بهَا سنة تسع وَثَلَاث مئة. ثمَّ ورد نيسابور فَسمع بهَا: أَبَا حَامِد ابْن الشَّرْقِي، وَأَبا عَمْرو

стр. 98

الْحِيرِي، ومكي بن عَبْدَانِ، وأقرانهم. وَسمع بِالريِّ: ابْن أبي حَاتِم وَغَيره، وببغداد أَبَا مُحَمَّد ابْن صاعد، وَنَحْوه. وصادف الْبَغَوِيّ ابْن منيع فِي عِلّة الْمَوْت فَلم يسمع مِنْهُ. روى عَنهُ: الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو الْحُسَيْن الْحَجَّاجِي، وَابْن أبي الفوارس، وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم، وَالْبرْقَانِي؛ الْحَافِظ، وَغَيرهم. قَالَ الْخَطِيب: حدثت عَن أبي عبد الله العصمي قَالَ: ولدت سنة أَربع وَتِسْعين ومئتين، وَكتب عني الحَدِيث سنة عشْرين وَثَلَاث مئة إملاء، وَقد توفّي جمَاعَة من أَئِمَّة الْعلم حدثوا عني، وأودعوها مصنفاتهم. وَذكر نَحوه الْحَاكِم فِي " تَارِيخه " وَقَالَ: كَانَ يعاشر الصَّالِحين، وأماثل الْفُقَهَاء من أَئِمَّة الدّين، ويفضل عَلَيْهِم إفضالا يبين أَثَره أَنه كَانَ يضْرب لَهُ دَنَانِير، وزن الدِّينَار مِنْهَا مِثْقَال وَنصف أَو أَكثر، فَيتَصَدَّق بهَا، وَيَقُول: إِنِّي لأفرح إِذا ناولت فَقِيرا كاغدة، فيتوهم أَنه فضَّة، فَإِذا فَتحه فَرَأى صفرته فَرح، ثمَّ إِذا وَزنه فَزَاد على المثقال خرج أَيْضا. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ العصمي ثبتا، ثِقَة، نبيلا، رَئِيسا جَلِيلًا، من ذَوي

стр. 99

الأقدار الْعَالِيَة، وَله إفضال بَين على الصَّالِحين وَالْفُقَهَاء والمستورين. وَذكر الْحَاكِم عَنهُ أَنه لم يدْخل دَاره قطّ عشر غلاته، بل كَانَت أعشارها تقدر عِنْد الْكَيْل، ثمَّ تحمل إِلَى أهل الْعلم والمستورين. قَالَ: وحَدثني جمَاعَة من أهل الْعلم من أهل هراة أَن أَكثر المتحملين من أهل الْعلم بهَا يتقوتون بأعشاره طول السّنة. وَقَالَ أَيْضا: لقد صَحِبت أَبَا عبد الله فِي السّفر والحضر، فَمَا رَأَيْت أحسن وضُوءًا وَصَلَاة مِنْهُ، وَلَا رَأَيْت فِي مَشَايِخنَا أحسن تضرعا وابتهالا فِي دعواته مِنْهُ، لقد كنت أرَاهُ يرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، فيمدها مدا كَأَنَّهُ يَأْخُذ شَيْئا من أَعلَى مُصَلَّاهُ. وَقَالَ: سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا الْحسن البوشنجي ﵀ غير مرّة يَقُول: من نعْمَة الله على أهل تِلْكَ الديار بهراة وبوشنج، مَكَان أبي عبد الله ابْن أبي ذهل على مَا وَفقه الله تَعَالَى من حسن العقيدة، وطهارة الْأَخْلَاق، وسخاء النَّفس، وَالْإِحْسَان إِلَى الْفُقَرَاء، والتواضع لَهُم، ثمَّ يَدْعُو لَهُ وَقَالَ: سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الثَّقَفِيّ يَقُول: لما ورد أَبُو عبد الله ابْن

стр. 100

أبي ذهل نيسابور كَانَ يديم الِاخْتِلَاف إِلَى جدي، فَقَالَ لنا جدي ﵀: هَذَا الْفَتى يجمع إِلَى زِينَة الْعلم التَّمَكُّن فِي الْعقل، وعلو الهمة، والسياسة، وسيكون لَهُ بَعدنَا شَأْن، هَذَا أَو نَحوه. وَقَالَ: سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام أَبَا بكر ابْن إِسْحَاق غير مرّة يَقُول: إِذا ذكر الرِّئَاسَة بخراسان رئيسان وَنصف: أَبُو بكر ابْن أبي الْحسن بنسا، وَأَبُو عبد الله ابْن أبي ذهل بهراة، وَيُشِير بِالنِّصْفِ إِلَى أبي الْفضل ابْن أبي النَّضر. قَالَ الْخَطِيب: سَمِعت أَبَا بكر البرقاني يَقُول: حَدثنَا الرئيس أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس العصمي، وَكَانَ تلِيق بِهِ الرِّئَاسَة لِأَن ملك هراة كَانَ تَحت أمره لأبوته وَقدره. وَحكى الْحَاكِم أَن أَبَا جَعْفَر الْعُتْبِي وَزِير السُّلْطَان ألزم أَبَا عبد الله عَن أَمر السُّلْطَان أَن يتقلد ديوَان الرسائل، فَامْتنعَ، فَقَالَ لَهُ: هَذَا قَضَاء الْقُضَاة بكور خُرَاسَان، وَلَا تخرج عَن حد الْعلم، وَلَو عرفت الْيَوْم فِي مَشَايِخ خُرَاسَان من يدانيك فِي شمائلك لأعفيتك. فَبكى أَبُو عبد الله، وَقَالَ لَهُ: إِن أعفاني السُّلْطَان عَن هَذَا الْعَمَل فبفضله عَليّ وعَلى أَصْحَابِي بهراة، وَإِن أكرهني عَلَيْهِ لبست مرقعة، وَخرجت على وَجْهي حَتَّى لَا يعلم بمكاني أحد. فأعفي. وَحكى أَنه ﵁ اسْتشْهد برستاق خواف من نيسابور، لتسْع بَقينَ من صفر، سنة ثَمَان وَسبعين وَثَلَاث مئة.

стр. 101

قَالَ: فَأَخْبرنِي من صَحبه أَنه دخل الْحمام، فَلَمَّا خرج ألبس قَمِيصًا مُلَطَّخًا، فانتفخ، فَلَمَّا أحس بِالْمَوْتِ دَعَا بالدواة، فَكتب ملطفة شاع ذكرهَا فِي بِلَاد خُرَاسَان، وَأوصى أَن يحمل تابوته إِلَى هراة، فَنقل إِلَيْهَا وَدفن بهَا رَحمَه الله تَعَالَى.

стр. 102

(٣١ - مُحَمَّد بن عبد الله [ ٢٦٠ - ٣٥٤] ) ابْن إِبْرَاهِيم بن عبدويه بن مُوسَى بن بَيَان، أَبُو بكر الْبَزَّاز، الْمَعْرُوف ب: الشَّافِعِي. صَاحب الْفَوَائِد الحديثية " الغيلانيات ". كَانَ أحد مشيخة الحَدِيث المسندين المعمرين، وَمن رفعاء الروَاة الثِّقَات المتقنين. سمع: أَبَا قلَابَة الرقاشِي، وَمُحَمّد بن الجهم السمري، وَمُحَمّد بن ربح الْبَزَّاز، وَأحمد بن مُحَمَّد البرتي، والتمتام، وَإِسْمَاعِيل القَاضِي، وَأَبا إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ، فِي جمع كثير يسئم ذكرهم. وَهُوَ جبلي، ولد بهَا، وقطن بِبَغْدَاد

стр. 103

قَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ الْحَافِظ: كَانَ ثِقَة، ثبتا، كثير الحَدِيث، حسن التصنيف، جمع أبوابا وشيوخا، وَكتب عَنهُ قَدِيما وحديثا. وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ بن مخلد: رَأَيْت جُزْءا فِيهِ مجْلِس كتب عَن ابْن صاعد فِي سنة ثَمَانِي عشرَة وَثَلَاث مئة، وَبعده مجْلِس كتب عَن أبي بكر الشَّافِعِي فِي ذَلِك الْوَقْت. قَالَ الْخَطِيب: وَلما منعت الديلم بِبَغْدَاد النَّاس أَن يذكرُوا فَضَائِل الصَّحَابَة، وكتبت سبّ السّلف على الْمَسَاجِد؛ كَانَ الشَّافِعِي ﵁ يتَعَمَّد فِي ذَلِك الْوَقْت إملاء الْفَضَائِل فِي جَامع الْمَدِينَة، وَفِي مَسْجده بِبَاب الشَّام، وَيفْعل ذَلِك حسبَة، ويعده قربَة. وَكَانَ أَبُو الْحسن ابْن رزقويه لما حدث يَقُول: أدركتني دَعْوَة أبي بكر الشَّافِعِي، وَذَلِكَ أَنه دَعَا الله لي بِأَن أبقى حَتَّى أحدث، فاستجيب لَهُ فِي.

стр. 104

روى عَن الشَّافِعِي: أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو حَفْص ابْن شاهين، وَمن بعدهمَا. وَقَالَ الْخَطِيب: حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد بن نصر، سَمِعت حَمْزَة بن يُوسُف السَّهْمِي يَقُول: وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الشَّافِعِي فَقَالَ: أَبُو بكر جبل، ثِقَة، مَأْمُون، مَا كَانَ فِي ذَلِك الزَّمَان أوثق مِنْهُ، مَا رَأَيْت لَهُ إِلَّا أصولا صَحِيحَة متقنة، قد ضبط سَمَاعه فِيهَا أحسن الضَّبْط. حكى الْخَطِيب عَمَّن ذكره أَن مولد الشَّافِعِي،: ولد فِي إِحْدَى الجمادين سنة سِتِّينَ ومئتين، وَمَات فِي ذِي الْحجَّة من سنة أَربع وَخمسين وَثَلَاث مئة، وقبر قَرِيبا من قبر أَحْمد ابْن حَنْبَل ﵄.

стр. 105

(٣٢ - مُحَمَّد بن عبد الله [ ٠٠٠ - ٤٢٤] ) ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد القَاضِي، أَبُو عبد الله الْبَيْضَاوِيّ، أَظُنهُ من بَيْضَاء فَارس: مَدِينَة بِفَارِس. أحد مَشَايِخ الشَّيْخ أبي إِسْحَاق. سكن بَغْدَاد فِي درب السَّلُولي، وَكَانَ يدرس بهَا ويفتي، وَولي الْقَضَاء بِربع الكرخ. قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق: تفقه على الداركي، وَحَضَرت مَجْلِسه، وعلقت عَنهُ، وَكَانَ ورعا، حَافِظًا للْمَذْهَب وَالْخلاف، موفقا فِي الْفَتَاوَى قَالَ الْخَطِيب: وحدت شَيْئا يَسِيرا عَن أبي بكر ابْن مَالك الْقطيعِي وَغَيره، كتبت عَنهُ، وَكَانَ ثِقَة، صَدُوقًا، دينا، سديدا. قَالَ: وَمَات فَجْأَة لَيْلَة الْجُمُعَة، الرَّابِع عشر من رَجَب، سنة أَربع

стр. 106

وَعشْرين وَأَرْبع مئة، وَدفن فِي مَقْبرَة بَاب حَرْب ﵀. قَرَأت بِخَط القَاضِي أبي مَنْصُور أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد ابْن الصّباغ فِي كِتَابه: كتاب " الْإِشْعَار، بِمَعْرِِفَة اخْتِلَاف الْأَئِمَّة عُلَمَاء الْأَمْصَار ": وَإِذا رأى فِي ثَوْبه نَجَاسَة، ثمَّ خفيت عَلَيْهِ فِيمَا يغلب على ظَنِّي أَنِّي سَمِعت قَاضِي الْقُضَاة أَبَا عبد الله الدَّامغَانِي، أَو وجدته فِي " كِتَابه " أَنه استفتي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي زمَان أبي عبد الله الْبَيْضَاوِيّ، وَأَن جمَاعَة الْفُقَهَاء فِي ذَلِك الْوَقْت أفتوا بِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ غسل جَمِيعه، إِلَّا الْبَيْضَاوِيّ، فَإِنَّهُ أفتى بِأَنَّهُ يجب غسل مَا رَآهُ من الثَّوْب، فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ. قَالَ الشَّيْخ: وَهَذَا فِيهِ غموض، وكشفه أَن النَّجَاسَة لم تتَحَقَّق إِلَّا فِيمَا رآى، فالاشتباه لَا يتعداه، فَلَا يتعداه الْغسْل إِلَى مَا لم يره، وَهَذَا بِخِلَاف مَا يُقَال: إِذا أصَاب الثَّوْب نَجَاسَة، وخفي موضعهَا، غسله كُله.

стр. 107

(٣٣ - مُحَمَّد بن عبد الله [ ٠٠٠ - ٣٣٩] ) ابْن أَحْمد، أَبُو عبد الله الصفار الزَّاهِد. الْمُحدث الراوية الْأَصْبَهَانِيّ، نزيل نيسابور. قَالَ الْحَاكِم: هُوَ مُحدث عصره بخراسان، وَكَانَ مجاب الدعْوَة، لم يرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء - كَمَا بلغنَا - نيفا وَأَرْبَعين سنة. سمع بأصبهان: أسيد بن عَاصِم، وأقرانه. وبفارس: أَحْمد بن مهْرَان، وأقرانه. وبالعراق: أَبَا إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ، وأقرانه. وَسمع من أبي بكر ابْن أبي الدُّنْيَا كتبه، وصنف على كثير مِنْهَا فِي " الزّهْد ". " وَسمع بالحجاز: عَليّ بن عبد الْعَزِيز، وأقرانه. وَكتب بِخَطِّهِ مصنفات إِسْمَاعِيل القَاضِي سَمَاعه مِنْهُ، و " مُسْند " أَحْمد بن حَنْبَل سَمَاعه من ابْنه عبد الله

стр. 108

وَخرج من نيسابور إِلَى الْحسن بن سُفْيَان وَهُوَ كهل، وَمَعَهُ جمَاعَة من الوراقين، فَكتب عَن الْحسن " مُسْنده "، وَكتب أبي بكر ابْن أبي شيبَة، وَسَائِر الْكتب. وَكتب عَنهُ فِي مجْلِس الإِمَام ابْن خُزَيْمَة. روى عَنهُ: أَبُو عَليّ الْحَافِظ، وَأكْثر مَشَايِخ نيسابور الْمُتَقَدِّمين من أهل ذَلِك الْعَصْر، وَقد كَانَ صحب الْعباد والزهاد. قَالَ: وَوَافَقَ اسْما أَبَوَيْهِ اسْمِي أَبَوي النَّبِي ﷺ : عبد الله، وآمنة. توفّي ﵁ فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة، فَغسله أَبُو عَمْرو ابْن مطر، وَصلى عَلَيْهِ الْأُسْتَاذ أَبُو الْوَلِيد، وَدفن فِي دَاره من نيسابور. وَكَانَ وراقه أَبُو الْعَبَّاس الْمصْرِيّ خانه، واختزل عُيُون كتبه، وَأكْثر

стр. 109

من خمس مئة جُزْء من أُصُوله، فَكَانَ يجامله جاهدا فِي استرجاعها مِنْهُ، فَلم ينجع فِيهِ شَيْء.

стр. 110

قَالَ الْحَاكِم: وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس يفوتنا حَدِيث أبي عبد الله، فَذَهَبت إِلَى أبي مُحَمَّد بن حَامِد الْفَقِيه، فَقلت لَهُ: إِن هَذَا الرجل فوتنا هَذَا الشَّيْخ، وَهُوَ يجامله بِسَبَب كتبه عِنْده، وَلَا يعلم أَنه لَا يفرج قطّ عَن جُزْء من أُصُوله وَإِن قتل، فَإِن الشَّيْخ أَبَا بكر ابْن إِسْحَاق حَبسه، وَلم يقدر على استرجاع الْكتب مِنْهُ، فَلَو نصب أَبَا بكر الساوي الْوراق مَكَانَهُ ليسمع النَّاس مَا بَقِي عِنْده. وَكَانَ أَبُو عبد الله الصفار يحل أَبَا مُحَمَّد ابْن حَامِد مَحل الْوَلَد، وَأَبُو مُحَمَّد يخاطبه ب: الْعم، فقصده ونصحه، فَقبل نصيحته، وَنصب أَبَا بكر الساوي مَكَانَهُ، وَعقد أَبُو بكر فِي الْأُسْبُوع بضعَة عشر مَجْلِسا، فَانْتَفع النَّاس بِمَا بَقِي عِنْد أبي عبد الله، وَكَانَ لَا يقْعد وَلَا يقوم إِلَّا ويبكي، وَيَدْعُو على أبي الْعَبَّاس. قَالَ الْحَاكِم: وَكَانَ مَحل أبي الْعَبَّاس هَذَا من هَذِه الصَّنْعَة أجل مَحل، فَذهب علمه، وَسَاءَتْ عافيته بِدُعَاء الشَّيْخ الصَّالح عَلَيْهِ، نسْأَل الله سُبْحَانَهُ الْعِصْمَة.
следующие страницы →