Полный текст (2 309 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
(فَارَقت مَوضِع مرقدي ... لَيْلًا فنافرني السّكُون)
(قل لي فَأول لَيْلَة ... فِي الْقَبْر كَيفَ ترى أكون)
وأنشدني أَبُو طَالب مَحْمُود بن الْحسن الطَّبَرِيّ قَالَ أَنْشدني ابْن المغربي الْوَزير فِي أَيَّام انْتِقَاله إِلَى بَغْدَاد
(عجبت هِنْد من تسرع شيبي ... قلت هَذَا عَقبي فطام السرُور)
(عوضتني يَد الثَّلَاثِينَ من مسك ... عِذَارَيْ رشا من الكافور)
(كَانَ لي فِي انْتِظَار شيبي حِسَاب ... غالطتني فِيهِ صروف الدهور)
وَله أَيْضا
(إِذا مَا الْأُمُور اضطربن اعتلى ... سَفِيه تضام العلى باعتلائه)
(كَذَاك إِذا المَاء حركته ... طغا عكر راسب فِي إنائه)
وَله أَيْضا
(كن حاقدا مَا دمت لست بِقَادِر ... فَإِذا قدرت فَخَل حقدك واغفر)
(واعذر أَخَاك إِذا أَسَاءَ فَرُبمَا ... لجت إساءته إِذا لم تعذر)
وَكَانَ يجْرِي فِي طَرِيق ابْن المعتز نظما ونثرا ويجاذبه طرفيهما فَمن لطيف كَلَامه مَا كتب إِلَى بعض الرؤساء ثقتي بكرمك تمنع من اقتضائك وَعلمِي بأشغالك يبْعَث على أذكارك وَهَذِه قَصِيرَة من طَوِيلَة وَكَانَ يَقُول لَا تعتذر إِلَى من لَا يحب أَن يجد لَك عذرا وَلَا تستعن إِلَّا بِمن يحب أَن تظفر بحاجتك وَمر بمكتب والمعلم يضْرب صَبيا ضربا مبرحا فَالْتَفت إِلَى من مَعَه وَقَالَ إِن الله تَعَالَى أعَان على عرامة الصّبيان برقاعة المعلمين وَمن كَلَامه الْعُمر علق نَفِيس لَا يُنْفِقهُ الْعَاقِل إِلَّا فِيمَا هُوَ أنفس مِنْهُ
стр. 2032
١٩ - أَبُو سعيد العفيري
حَدثنِي أَبُو عبد الله بن هرمزدان الْفَارِسِي رَحْمَة الله تَعَالَى قَالَ حَدثنِي فلَان يَعْنِي شَيخا من الْفرس سَمَّاهُ لي ونسيت اسْمه مَعَ ملكة النسْيَان رقى قَالَ كَانَ بِبَيْت الْمُقَدّس شَاعِر ماهر سَاحر يعرف بِأبي سعيد العفيري يقرع بَاب الْإِلْحَاد وَله أَخ يلقب رمادة من أعبد النَّاس وأزهدهم وَمن الْإِبْدَال الَّذين يسد الله بهم مَكَان من خلا مَكَانَهُ من أبدال اللكام وَكَانَ ينْتَظر موت أحد الْأَرْبَعين الَّذين هم أوتاد الأَرْض ليقوم مقَامه وينوب مَنَابه فِي الْعِبَادَة فَبَلغهُ عَن أَخِيه أبي سعيد أَنه قَالَ
(هِيَ الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهَا تناه ... ونوم الْقَبْر لَيْسَ لَهُ انتباه)
(وَلَيْسَ يخرب الدُّنْيَا الْحَكِيم الْقَدِيم ... الْقَادِر الْأَحَد الْإِلَه)
إِلَى شعر كثير فِي مَعْنَاهُمَا فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى أسمعهما إِيَّاه وَمَا يجْرِي مجراهما فَغَضب لله سُبْحَانَهُ وامتعض وتنمر وَلم يذقْ الْبَارِد حَتَّى بَات عِنْده لَيْلَة وترصد نَومه وغطيطه فخنقه بِيَدِهِ وَخرج هائما على وَجهه حَتَّى ألم بمتعبده
٢٠ - أَبُو نصر الْحِمصِي
أَنْشدني الشَّيْخ أَبُو بكر لأبي نصر كَاتب ابْن قحطان صَاحب الْيمن فِي مُحَمَّد ابْن حُوسِبَ وَلم أسمع فِي مَعْنَاهُ أظرف مِنْهُ
(قيل لي مَا أفدت مِمَّن إِلَيْهِ ... صرت تخدو قَلَائِص الآمال)
(قلت جئناه فِي شهور شراف ... وَهُوَ فِيهَا بنسكه ذُو اشْتِغَال)
(والفتى لَا يجود إِلَّا على السكر ... فأمهلته إِلَى شَوَّال)
стр. 2033
وَله فِيهِ أَيْضا
(قد لعمري عرفت ذَنبي إِلَيْهِ ... إِذْ جفاني من غير جرم لَدَيْهِ)
(ذَاك أَنِّي ناديته يَا كَرِيمًا ... أَخذ الْجُود نُسْخَة من يَدَيْهِ)
(فجفاني وَلم ألمه لِأَنِّي ... فِي الَّذِي قلته كذبت عَلَيْهِ)
وسرقت لَهُ دريهمات فَقيل لَا تهتم فَإِنَّهَا فِي ميزانك فَقَالَ من الْمِيزَان سرقت ومدح الْعَزِيز فَقَالَ وَجهه صباح الْبُشْرَى ومفتاح النعمي وطليعة الْخَيْر وعنوان الرَّحْمَة وَعذر الزَّمَان المذنب وذم رجلا فَقَالَ لَهُ لحية التيس ونكهة اللَّيْث وَصَوت العير وَخلق الْبَغْل ولؤم الذِّئْب وبخل الْكَلْب وقبح القرد وحرص الْخِنْزِير وزهو الْغُرَاب ونتن الظربان وَوصف فرسا فَقَالَ كَأَنَّهُ إِذا علا دُعَاء وَإِذا هَبَط قَضَاء وَمن كَلَامه لَيْسَ بِيَسِير تَقْوِيم الكسير
٢١ - أَبُو الضياء الْحِمصِي
حَدثنِي أَبُو عبد الله الحامدي قَالَ أَنْشدني أَبُو مُحَمَّد الخازن قَالَ من الْفَوَائِد الَّتِي سرقتها من سفينة الصاحب الَّتِي كَانَ لَا يُمكن مِنْهَا أحدا قَول أبي الضياء فِي بعض الرؤساء
(وَمَا خلقت كَفاك إِلَّا لأَرْبَع ... وَمَا فِي عباد الله مثلك ثَانِي)
(لتجريد هندي وإسداء نائل ... وتقبيل أَفْوَاه وَأخذ عنان)
قَالَ وَكتب على ظهر دفتر لَهُ يشْتَمل على فَوَائده
стр. 2034
(هَذَا كتاب فَوَائِد مَجْمُوعَة ... جمعت بكد جوارح الْأَبدَان)
(وبدائم الادلاج فِي ظلم الدجى ... وَالسير بَين مناكب الْبلدَانِ)
وَله ويروى لغيره
(قد يبعد الشَّيْء عَن شَيْء يشابهه ... إِن السَّمَاء نَظِير المَاء فِي اللَّوْن)
وأنشدني لَهُ بعض الغرباء ثمَّ وحدته للرضي الموسوي من قصيدة
(وَإِن لم تكن عِنْدِي كسمعي وناظري ... فَلَا نظرت عَيْني وَلَا سَمِعت أُذُنِي)
(وَإنَّك أحلى فِي جفوني من الْكرَى ... وأعذب طعما فِي فُؤَادِي من الْأَمْن)
قيل وَدخل إِلَى صديق لَهُ فِي مجْلِس انسه وَهُوَ يشرب النَّبِيذ صرفا بِغَيْر مزاج ويسقي ندماءه كَذَلِك الْمُغنِي يُغني وَيَقُول
(يديرونني عَن سَالم وأديرهم ... وجلدة مَا بَين الْعين وَالْأنف سَالم)
فَقَالَ أَبُو الضياء لَو أسقط المطرب الما من الشّعْر وَجعله فِي قدحي صلح الشّعْر والنبيذ مَعًا
٢٢ - أَبُو مَنْصُور الصُّورِي أَخُو أبي عمَارَة
الَّذِي ذكرت لَهُ فِي كتاب الْيَتِيمَة أبلغ مَا قيل فِي وصف الثقيل حَدثنِي أَبُو طَالب مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بالبغداذي وَهُوَ من وَاسِط قَالَ كَانَ هَذَا الصُّورِي فِي عنفوان أمره معلما مرجوا يتَكَلَّم من جنس صناعته كَمَا كتب إِلَى صديق لَهُ فِي الشوق كهيعص إِنِّي إِلَيْك جد صَاد وَالصَّافَّات إِن شوقي إِلَيْك
стр. 2035
فَوق الصِّفَات والحواميم إِنِّي من الحنين فِي عَذَاب أَلِيم ثمَّ ارْتَفع عَن التَّعْلِيم إِلَى التَّأْدِيب وَالشعر فَكَانَ يَقُول مثل قَوْله
(نثرت لآلي دمعها وجدا على ... ديباج خد فِي الدياجي أشرقا)
(مَا هَذِه العبرات يابنة فَارس ... لسنا بِأول عاشقين تفَرقا)
وَقَوله من قصيدة لم يعلق بحفظي إِلَّا الْبَيْت الأول مِنْهَا
(تَأَخّر برد المَاء عَن كبد حرى ... وَهَذَا لهيب النَّار فِي مقلة عبرى)
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ
(من كف عَنْك شَره ... فافعل بِهِ مَا سره)
٢٣ - مُحَمَّد بن أَيمن الرهاوي
كَانَ يُعَارض أَبَا الْعَتَاهِيَة وَيجْرِي فِي طَرِيقه وَيَقُول مثل قَوْله
(قنعت بالقوت من زماني ... فصنت نَفسِي عَن الهوان)
(من كنت عَن مَاله غَنِيا ... رَأَيْته كَالَّذي يراني)
وَمثل قَوْله واراني سمعته لغيره
(إِنَّا ننافس فِي دنيا مُفَارقَة ... وَنحن قد نكتفي مِنْهَا بأدناها)
(حذرتك الْكبر لَا يعلقك ميسمه ... فَإِنَّهُ ملبس نازعته اللاها)
стр. 2036
وَقَوله
(إِن المكارم كلهَا لَو حصلت ... رجعت جُمْلَتهَا إِلَى شَيْئَيْنِ)
(تَعْظِيم أَمر الله ﷻ ... وَالسَّعْي فِي إصْلَاح ذَات الْبَين)
٢٤ - ابْن وَكِيع التنيسِي
أَنْشدني الشَّيْخ أَبُو الْحسن مُسَافر بن الْحسن أيده الله تَعَالَى قَالَ أَنْشدني أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن العثماني قَالَ أنشدنا القَاضِي ابْن الْبسَاط البغداذي لِابْنِ وَكِيع التنيسِي وَهُوَ أحسن مَا قيل فِي مدح السّفر
(تغرب على اسْم الله وَالْتمس الْغِنَا ... وسافر فَفِي الْأَسْفَار خمس فَوَائِد)
(تفرج نفس والتماس معيشة ... وَعلم وآداب ورفعة ماجد)
(فَإِن قيل فِي الْأَسْفَار ذل وغربة ... وتشتيت شَمل وارتكاب شَدَائِد)
(فللموت خير للفتى من مقَامه ... بدار هوان بَين ضد وحاسد)
وأنشدني الشَّيْخ أَبُو بكر أيده الله قَالَ أَنْشدني أَبُو يعلى سعيد بن أَحْمد الشُّرُوطِي بالرملة لِابْنِ وَكِيع
(يحسن النَّحْو فِي الخطابة وَالشعر ... وَفِي لفظ سُورَة وَكتاب)
(فَإِذا مَا تجَاوز النَّحْو هذي ... فَهُوَ شَيْء من المسامع نَاب)
وَله أَيْضا
(إِن شِئْت أَن تصبح بَين الورى ... مَا بَين شتام ومغتاب)
стр. 2037
(فَكُن عبوسا حِين تلقاهم ... وخاطب النَّاس باعراب)
٢٥ - أَبُو جَعْفَر الْجَعْفَرِي الْعَطَّار الْحَرَّانِي
وصف غُلَاما وَشبهه بِمَا هُوَ من جنس صناعته فَقَالَ صُدْغه مسك وخطه عنبر وثغره كافور وعرفه عود وَمن شعره قَوْله
(أَنا مِمَّن إِذا النوائب نابت ... شاورتني الرِّجَال فِي النائبات)
(وَإِذا مَا نظرت فِي أَمر نَفسِي ... خانني الرَّأْي واستكنت قناتي)
وَهَكَذَا كَانَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَذكر الْعلَّة فِي ذَلِك فَقَالَ لِأَنِّي أدبر أَمر نَفسِي بالهوى وَأمر غَيْرِي بِالرَّأْيِ وشتان مَا بَينهمَا وَجمعه وقوما من الْمُتَكَلِّمين مجْلِس أنس فَأخذُوا فِي الجدل فَقَالَ مجْلِس النَّبِيذ للجذل لَا للجدل وَجرى ذكر مُسَيْلمَة الْكذَّاب فَقَالَ لَا نَبِي صَادِق وَلَا متنبئ حاذق وَوصف أنساسا طروبا فَقَالَ أطرب من زنجي عاشق سَكرَان على عود بنان وناي زنام وطبل سلمَان ودعا لصديق لَهُ فَقَالَ صان الله كرمك عَن لؤم الزَّمَان وأدام أتعاب الْفلك لراحتك
٢٦ - أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن جَعْفَر البديعي
ذكره لي الشَّيْخ أَبُو بكر وسمى بلدته مَعَ اسْمه فَلم يعلق بحفظي وَقَالَ أَنه الْآن حَيّ يرْزق وأنشدني من شعره قَوْله من قصيدة
(بدرت زلَّة الْحَكِيم وقبلي ... زل دَاوُد سيد الزهاد)
стр. 2038
(ثمَّ نَادَى الْأمان يَا رب قد تبت ... فَهَب لي خطيئتي واعتمادي)
(والليالي كَمَا علمت حبالى ... كل يَوْم تجين بالأولاد)
وَقَوله
(الصق صَدْرِي بصدره فَشكى ... قلبِي إِلَى قلبه الَّذِي يجد)
(فاعجب لقلب شكى هَوَاهُ إِلَى ... قلب سواهُ وَمَا درى الْجَسَد)
وَقَوله
(أرق اللَّيْل مونسي ... فدع النّوم واجلس)
(مَا ترى الجو بالصفا ... ونسيم الصباء كسي)
(ونجوما تخالها ... بندقا طاح عَن قسي)
(فاغتنم رقة الْهَوَاء ... وَطيب التنفس)
(وأجب دَاعِي الصبوح ... بكاس وغلس)
(واشربن واطربن مَا اسْتَطَعْت ... فِيهِ وعرس)
(من يضع سَاعَة تسر ... من الْعُمر يبخس)
وَقَوله أَيْضا
(يَا من تباشرت الدُّنْيَا بطلعته ... تباشر الأَرْض ذَات الْمحل بالمطر)
(إِنِّي غَدَوْت بآمالي على ثِقَة ... إِذا لقيتك أَنِّي أسعد الْبشر)
وَقَوله فِي ذمّ خدمَة السُّلْطَان ويروى لغيره
(وَمن خدم السُّلْطَان أكْرم نَفسه ... وَلكنه عَمَّا قَلِيل أهانها)
стр. 2039
(وَمن عبد النيرَان لم ينْتَفع بهَا ... وَلم يلق إِلَّا حرهَا ودخانها)
٢٧ - مُحَمَّد بن حَمَّاد الْكَاتِب
كتب إِلَى صديق لَهُ يَا أخي العطلة سُكُون وَالْمَوْت سُكُون والحياة حَرَكَة وَالْعَمَل حَرَكَة فَإِن اسْتَطَعْت أَن تخرج من سُكُون الْمَوْت إِلَى حَرَكَة الْحَيَاة فافعل وَكتب فِي ذمّ رَئِيس هُوَ وَالله عيث فِي دينه قذر فِي دُنْيَاهُ رث فِي مروته سمج فِي هَيئته مُنْقَطع إِلَى نَفسه رَاض عَن عقله بخيل بِمَا وسع الله عَلَيْهِ من رزقه كتوم لما أَتَاهُ الله من فَضله لجوج لَا ينصف إِلَّا صاغرا وَلَا يعذل إِلَّا راغما وَلَا يرفع نَفسه عَن منزلَة إِلَّا ذل بعد تعززه فِيهَا وَمن ملح شعره قَوْله فِي نديم كَانَ يُخطئ الْقَيْنَة فِي غنائها ويأخذها بالنحو وَالْإِعْرَاب فينغص بذلك على أهل الْمجْلس
(يَا قَاطع الصَّوْت على ... قوم كرام نجب)
(يَأْخُذهُ اللّحن على ... الْقَيْنَة عِنْد الطَّرب)
(تُرِيدُ أَن تفهمها ... حد كَلَام الْعَرَب)
(احْلِف بِاللَّه وَمَا ... أنزلهُ فِي الْكتب)
(للكلب خير أدبا ... من بعض أهل الْأَدَب)
وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ ويروى لغيره قَوْله
(يَا حبذا لَيْلَة نعمت بهَا ... أشْرب فضل الحبيب فِي الْقدح)
стр. 2040
(سَأَلته قبْلَة فجاد بهَا ... فَلم أصدق بهَا من الْفَرح)
وَقَوله
(عجبت لقلبك كَيفَ انْقَلب ... وَمن فرط حبك أَنى ذهب)
(فاعجب من ذَا وَذَا أنني ... أَرَاك بِعَين الرِّضَا فِي الْغَضَب)
٢٨ - أَبُو سُهَيْل الْحَرَّانِي
كَانَ ينادم قردة لَهُ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ
(ملت إِلَى قردة أنادمها ... فأنكرت ذَاك زمرة الحسده)
(فَقلت يَا بله لَا عقول لكم ... من عدم النَّاس عَاشر القرده)
وَقَوله
(ألف الْحَوَادِث مهجتي فألفتها ... بعد التنافر والكريم أُلُوف)
(لَيْسَ الْبلَاء عَليّ صنفا وَاحِدًا ... لَكِن عَليّ الْيَوْم مِنْهُ صنوف)
٢٩ - أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن بشر الرَّمْلِيّ
حَدثنِي الْقزْوِينِي وَغَيره قَالَا كَانَ الْحُسَيْن فِي حَيَاة أَبِيه بشر يهوى فَتى من أهل الرملة فِي نِهَايَة الملاحة والصباحة لَا يرى الدُّنْيَا بِهِ وَأَبوهُ يعذله وينهاه عَن الِاشْتِغَال بامثاله فَبينا هُوَ ذَات يَوْم قَاعد مَعَ أَبِيه على بَاب دَاره إِذْ اجتاز بِهِ الْفَتى الموموق وَكَأَنَّهُ ينظر بمقلة يُوسُف وَلم يكن بشر رَآهُ فَأَخَذته عَيناهُ فَقَالَ للحسين يَا بني أَن كَانَ
стр. 2041
لَا بُد من الْحبّ فَهَلا أَحْبَبْت مثل هَذَا فاطرق الْحُسَيْن وَلبس قناع الخجل ثمَّ قَالَ فِي حِكَايَة الْحَال
(أبصره عاذلي عَلَيْهِ ... وَلم يكن قبلهَا رَآهُ)
(فَقَالَ لي لَو هويت هَذَا ... مَا لامك النَّاس فِي هَوَاهُ)
(فظل من حَيْثُ لَيْسَ يدْرِي ... يَأْمر بالحب من نَهَاهُ)
ثمَّ رَأَيْت هَذِه الأبيات فِي ديوَان أبي الْفرج بن هندو وَلست أَدْرِي أَيهمَا الْمُنْتَحل وَلنَا من الحَدِيث طيبه وأنشدت للحسين بن بشر فِي عَزِيز مصر
(يَا واهب الدُّنْيَا وَيَا غافرا ... ذنُوب أهل الأَرْض لَو أجرموا)
(قد نَالَ إحسانك باديهم ... وحضرهم وَالتّرْك والديلم)
(وَهَا أَنا قد صرت فَردا فَلَا ... تحنو عَليّ ضعْفي وَلَا ترحم)
٣٠ - أَبُو ذفافة الْمصْرِيّ
هُوَ الْقَائِل لبَعض الرؤساء
(وَمَا السَّحَاب إِذا مَا انجاب عَن بلد ... وَلم يلم بِهِ يَوْمًا بمذموم)
(إِن جدت فالجود شَيْء قد عرفت بِهِ ... وَإِن تحافيت لم تنْسب إِلَى اللوم)
وَله أَيْضا
(أزورك أَيهَا الشَّيْخ الْمُعَلَّى ... للا طمع وَلَكِن للمحبه)
(إِلَيْك علاك قادتني وَإِلَّا ... فطيري لَيْسَ تلقط كل حبه)
стр. 2042
وَله أَيْضا
(يَقُول النَّاس قد شبت ... وَلَا وَالله مَا شبت)
(وَلَا اترك تَقْبِيل ... خدود المرد مَا عِشْت)
٣١ - جَعْفَر بن هاني الأندلسي
هُوَ الْقَائِل فِي رجل يلقب الطمشيش
(أما ترى لحية الطمشيش حِين بَدَت ... حَمْرَاء قانية دلّت على حمقه)
(كَأَنَّمَا سرق الملعون جيرته ... ديكا فعلقه الشرطي فِي عُنُقه)
وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ فِي الحكم قَوْله ويروى لغيره
(إِذا أفنيت بعض الْيَوْم فاحزن ... فقد أفنيت من محياك بَعْضًا)
(وَمَا من سَاعَة إِلَّا وتنعى ... إِلَيْك نصيب عمر قد تقضى)
٣٢ - أَبُو مُحَمَّد عبد المحسن بن مُحَمَّد بن طَالب الصُّورِي
انتخب من ديوَان شعره الَّذِي أعارنيه الشَّيْخ أَبُو بكر قَوْله من قصيدة
(يَا حاران الركب قد حاروا ... فَاذْهَبْ تجسس لمن النَّار)
(تخبو وتبدو أَن خبت وقفُوا ... وَإِن أَضَاءَت لَهُم سَارُوا)
كَأَنَّهُ اقتبسه من قَول الله كلما أَضَاء لَهُم مَشوا فِيهِ وَإِذا أظلم عَلَيْهِم قَامُوا وَمِنْهَا
(مَا نظرة إِلَّا لَهَا سكرة ... كَأَنَّمَا طرفك خمار)
وَمِنْهَا فِي وصف الرِّيَاح
стр. 2043
(مَا شاجروا إِلَّا أظلتهم ... من قضب المران أَشجَار)
وَمِنْهَا
(واظهروا نورا لَهَا ازرقا ... لَهُ من الْأَنْفس أثمار)
(عجبت كَيفَ استعبدتك العلى ... وَالنَّاس من ذَلِك أَحْرَار)
(فَكيف ساجلت الْغَمَام الَّذِي ... لَيست لَهُ فِي الصَّيف أمطار)
وَقَوله فِي أبي الْجَيْش حَامِد بن ملهم وَقد ركب مَعَه فِي بحيرة الطبريه
(وَقَالُوا التقى الوردان ورد من الندى ... وَورد من المَاء القراح الَّذِي تجْرِي)
(فَقلت لَهُم وفوا أَبَا الْجَيْش حَقه ... وَلَا تظلموه مَا الْبحيرَة كالبحر)
وَقَوله فِيهِ من أُخْرَى وَقد خلع عَلَيْهِ
(مازال ينحلني أَبُو الْجَيْش الندى ... كَيْمَا يجدد كل يَوْم جودا)
(حَتَّى غَدَوْت أَنا الْمُسَمّى حامدا ... وَغدا يُسمى حَامِد مَحْمُودًا)
وَقَوله من أُخْرَى
(وَمَتى ذممت الدَّهْر بعد لِقَائِه ... وعطائه فعلى حد المفتري)
وَمِنْهَا
(من معشر يتخيرون كَلَامهم ... حَتَّى كَأَنَّهُمْ تجار الْجَوْهَر)
(وكأنما أقلامهم من حذقها ... بِالْقَتْلِ فضلات القنا المتكسر)
وَقَوله من أُخْرَى
(يَا ثَالِث القمرين النيرين أرى ... أَمَام حَالي سوادا مَا لَهُ هاد)
стр. 2044
(أَنْت الْأَمِير بأرضي وَالزَّمَان بهَا ... عَاد وَقد جِئْت استعدي على العادي)
وَمن أُخْرَى فِي مُنِير الدولة ابْن حمدَان
(كنت من قبل أَن تلقبت كالبدر ... وَأَعْلَى ذكرا وَقدرا ونورا)
(ثمَّ اشكلتما عَليّ بِأَن صرت ... تسمى كَمَا يُسمى منيرا)
وَمن أُخْرَى فِيهِ
(الْحَال مظْلمَة وَلَيْسَ ينيرها ... إِلَّا مُنِير الدولة الغراء)
(وَالنَّاس كالمتعجبين لهائم ... ظمآن وَهُوَ على شَفير المَاء)
وَقَوله فِي ترك الْغيرَة
(تعلقته سَكرَان من خمرة الصبابه ... غَفلَة عَن لوعتي ولهيبتي)
(وشاركني فِي حبه كل ماجد ... يشاركني فِي مهجتي بِنَصِيب)
(فَلَا تلزموني غيرَة مَا عرفتها ... فَإِن حَبِيبِي من أحب حَبِيبِي)
٣٣ - أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد التهامي
يَقُول من قصيدة
(يخبرنا عَن جوده بشر وَجهه ... وَقبل طُلُوع الشَّمْس تَأتي بشائره)
(وَيصدق فِيهِ الْمَدْح حَتَّى كَأَنَّمَا ... يسبح من صدق الْمقَالة شاعره)
وَمِنْهَا
(يكَاد لإدمان القراع حسامه ... يسابقه نَحْو الطلى ويبادره)
وَمن أُخْرَى
(جرت عبراتهن على عبير ... كَمَا انْشَقَّ الْحباب على المدام)
стр. 2045
(برود ريقهن وَكَيف يحمي ... وَمَجْرَاهُ على برد تؤام)
(سقام جفونهن شِفَاء قلبِي ... وَهل يجنى الشِّفَاء من السقام)
وَمِنْهَا
(فَتى جبلت يَدَاهُ على العطايا ... كَمَا جبل اللِّسَان على الْكَلَام)
(فيسراه لنيل أَو عنان ... ويمناه لرمح أَو حسام)
(لقد أحيى المكارم بعد موت ... وشاد بناءها بعد انهدام)
(سَوَاء عِنْده قَول المنادى ... هَلُمَّ إِلَى الطعان أَو الطَّعَام)
وَمن أُخْرَى
(هَل الوجد إِلَّا أَن تلوح خيامها ... فَيَقْضِي بإهداء السَّلَام ذمامها)
(وقفت بهَا ابكي وترزم أينقى ... وتصهل أفراسي وَتَدْعُو حمامها)
وَمِنْهَا
(وَلَو بَكت الْوَرق الحمائم شجوها ... بعيني محا أطواقهن انسجامها)
وَمِنْهَا
(وَلم انسها يَوْم التقى در دمعها ... ودر الثنايا فذها وتوامها)
(إِذا كَانَ حظي حَيْثُ حطت خيامها ... فسيان عِنْدِي نأيها ومقامها)
(وَهل نافعي أَن تجمع الدَّار بَيْننَا ... بِكُل مَكَان وَهِي صَعب مرامها)
стр. 2046
وَمِنْهَا
(كَأَنِّي فِي الْبَيْدَاء بَيت قصيدة ... تناشده غيطانها وأكامها)
(إِلَى أَن لثمنا كف حسان إِنَّهَا ... أَمَان من الْفقر المضر التثامها)
وَمِنْهَا
(هم الْأسد إِلَّا أَنَّهَا تبذل الْقرى ... لطارقها والأسد يحمي طعامها)
(هم يمزجون الدّرّ للطفل بالعلى ... فينشوا عَلَيْهَا لَحمهَا وعظامها)
(وَإِن فطموا أطفالهم بعد بُرْهَة ... فَعَن درها لَا عَن علاها فطامها)
(جلاد على حر الجلاد إِذا الْتَقت ... كَلَام الأعادي بالدما وكلامها)
(غلائلها أدراعها وسماعها ... صليل المرامي والدماء مدامها)
وَمِنْهَا
(أَلا أَن طيا للمكارم كعبة ... وَحسان مِنْهَا ركنها ومقامها)
وَمِنْهَا
(وَلَيْسَ بمشغول الْيَدَيْنِ عَن الندى ... إِذا شغل الْكَفّ الْيَمين حسامها)
(لقد أَمْسَكت قحطان مِنْك أَبَا الندى ... بِعُرْوَة مجد لَا يخَاف انفصامها)
(فَإِن كابدت جدبا فَأَنت ربيعها ... وَإِن باشرت حَربًا فَأَنت حسامها)
стр. 2047
(قَلِيل لَك الأرضون ملكا وَأَهْلهَا ... عبيدا فَهَل مستكثر لَك شامها)
(أَلا أَن أَوْصَاف الْأَمِير جَوَاهِر ... وَإِن مديحي سلكها ونظامها)
وَمن أُخْرَى فِي نِهَايَة الْحسن
(تهيم ببدر والتنقل والنوى ... على الْبَدْر محتوم فَهَل أَنْت صابر)
(لَهُ من سنا الْبَدْر المورد غرَّة ... وَمن حلل اللَّيْل البهيم غدائر)
وَمِنْهَا
(ينَال من الْأَعْدَاء خوف أبي الندى ... وهيبته مَا لَا تنَال العساكر)
(وَمَا مَاتَ طاءي وَحسان خَالِد ... وَلَا غَابَ مِنْهُم غَائِب وَهُوَ حَاضر)
(أحَاط بك التَّوْفِيق من كل وجهة ... وجاءتك من كل الْبِلَاد البشائر)
فَإنَّك مغناطيس كل فَضِيلَة ... فَلَا فضل إِلَّا وَهُوَ نَحْوك صائر)
وَمن أُخْرَى
(حبيب جلا من ثغره يَوْم ودعا ... عقودا وألفاظا وثغرا وأدمعا)
(وَأبْدى لنا من دله وَحَدِيثه ... ومنطقه ملقى ومرأى ومسمعا)
وَمِنْهَا
(لقد خلقت عَيْنَاك للسحر معدنا ... كَمَا خلق الطيموم للجود منبعا)
(إِذا مَا مدحناه بِبَعْض صِفَاته ... وأفعاله لم تبْق للمدح موضعا)
(وَلَو أَن أنسانا بِعظم مَحَله ... ترفع عَن قدر الثَّنَاء ترفعا)
стр. 2048
وَمِنْهَا
(ويطرب للعافين حَتَّى كَأَنَّمَا ... برؤيتهم يسقى الرَّحِيق المشعشعا)
(وَلم أر كالطيموم إِلَّا أَبَا الندى ... كريمين من أصل كريم تفرعا)
(إِذا انبريا أَبْصرت شمسين فِي الوغى ... فَإِن شهرا سيفيهما صرن أَرْبعا)
(لكل بهاء مِنْكُمَا غير أنني ... رأيتكما أبهى إِذا كنتما مَعًا)
(لَو أنكما بعد التوازر رمتما ... تضعضع رضوي أَو شروري تضعضعا)
(فَلَا زلتما كالنيرين محلّة ... ونورا وَمثل الفرقدين تجمعَا)
وَمن أُخْرَى
(بَكَيْت فحنت نَاقَتي فأجابها ... صَهِيل جوادي حِين لاحت ديارها)
(خططنا بأطراف المخاصر أرْضهَا ... فَأَهْدَتْ إِلَيْنَا مسك دارين دارها)
(ولاحت ثنايا الأقحوان وَلَو رَأَتْ ... عوارض من أَهْوى لطال استتارها)
(أرى الْحبّ نَارا فِي الْقُلُوب وَإِنَّمَا ... تصعد أنفاس الْمُحب شِرَارهَا)
(توق عُيُون الغانيات فَإِنَّهَا ... شفار وأشفار الجفون شفارها)
وَمن أُخْرَى
(غدوا بِهِلَال من هِلَال بن عَامر ... مرام هِلَال الْأُفق دون مرامه)
(تردد فِيهِ الْحسن من عَن يَمِينه ... ويسرته وَخَلفه وأمامه)
стр. 2049
وَمِنْهَا
(وَمَوْت الْفَتى فِي الْعِزّ مثل حيوته ... وعيشته فِي الذل مثل حمامه)
(وَمن فَاتَهُ نيل العلى بِعُلُومِهِ ... وأقلامه فليبغها بحسامه)
وَمن أُخْرَى
(يقْضِي بِحكم الْجور فِي أَمْوَاله ... وَقضى بِحكم الله فِي الْأَيْتَام)
(تتيقن الْأَمْوَال حِين تحل فِي ... كفيه إِن لَيست بدار مقَام)
٣٤ - أَبُو شُرَحْبِيل الْكِنْدِيّ
قد أَكثر الشُّعَرَاء فِي الْحَث على اضْطِرَاب فِي الاغتراب لالتماس الرزق وَقَضَاء الوطر من السّفر وَمن أشف مَا قَالُوا فِيهِ واشفاه قَول هَذَا الْأَعرَابِي الشَّامي
(سر فِي بِلَاد الله وَالْتمس الْغِنَا ... ودع الْجُلُوس مَعَ الْعِيَال مخيما)
(لَا خير فِي حر يُجَالس حرَّة ... وَيبِيع قرطيها إِذا مَا أعدما)
٣٥ - الْحسن الدقاق من أهل دمشق
يَقُول فِي صديق لَهُ أجحف فِي مسئلته وَهُوَ ضَيفه
(وَدَعَوْتنِي وأكلت عنْدك لقْمَة ... وشربت شرب من استتم خروفا)
(وَسَأَلتنِي فِي أثر ذَلِك حَاجَة ... ذهبت بِمَالي تالدا وطريفا)
(فَجعلت أفكر فِيك بَاقِي لَيْلَتي ... مَا كنت تفعل لَو أكلت رغيفا)
стр. 2050
وَيَقُول فِي تغير صديق لَهُ أكل الْحسن عِنْده طباهجة
(مَا جِئْت ذَنبا إِلَيْهِ أعلمهُ ... وَلَا تطرفت للفتى نسبا)
(بلَى أكلنَا لَهُ طباهجة ... كَانَت إِلَى قطع ودنا سَببا)
وَكَانَ هَذَا الْحسن أحد ظرفاء الأدباء أَنْشدني لَهُ المصِّيصِي فِي استهداء الشَّرَاب
(عِنْدِي أنَاس ظراف ... بهم تجلى الدهور)
(وَالْيَوْم يَوْم مطير ... تلذ فِيهِ الْخُمُور)
(فرمه بِيَسِير ... حَتَّى يتم السرُور)
(وَلَا تشبه بِمَاء ... فالماء عِنْدِي كثير)
سَرقه من قَول البحتري
(فأنفذ مَا اسْتَطَعْت بعير مزج ... فَإِن المَاء لَيْسَ يضيق عِنْدِي)
وَأَنا استظرف قَول غَيره فِيمَن أهْدى إِلَيْهِ شرابًا ممزوجا
(لَيْسَ هَذَا من عَادَة الْأَحْرَار ... بيع مَاء الْأَنْهَار بالأشعار)
(إِنَّمَا قلت سقني مَاء كرم ... لم أقل سقني من الْأَنْهَار)
(قد رددناه فاسقه من يُرِيد ... المَاء لَا من يُرِيد صرف الْعقار)
(وَلَئِن كنت قانعا مِنْك بِالْمَاءِ ... فعندي فِي الدَّار نهر جَار)
٣٦ - أَبُو مُحَمَّد البوصر آبادي
وجدت ذكره فِي رسائل أبي إِسْحَق الصابي وَعرفت فِي لحن كَلَامه أَنه شَاعِر فَاضل ظريف الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل ثمَّ قَرَأت شعره فِي سفينة لأبي عبد الله الحامدي ذكر فِيهَا أَنه استملاه من أبي مُحَمَّد الخازن وَأَنه سرق من سفينة الصاحب بِخَطِّهِ فَمن ذَلِك قَوْله وَهُوَ وأخواته فِي نِهَايَة الظّرْف والملاحة
стр. 2051
(أيا دهر وَيحك مَاذَا جميل ... فُؤَادِي عليل وإلفي بخيل)
(كَأَنِّي أرى وَجهه فِي الْمرْآة ... يلوح وَمَالِي إِلَيْهِ سَبِيل)
وَقَوله فِي معتم بعمامة سَوْدَاء
(وَكَاتب من قَومنَا شَاعِر ... لَيْسَ بِذَاكَ الْكَاتِب الماهر)
(عِمَامَة سَوْدَاء فِي رَأسه ... كلعنة الله على الْكَافِر)
وَقَوله فِي الهجاء بالافة الْكُبْرَى
(قد قَالَ لي زيزك لي سيد ... مستدخل فِي بعضه بَعْضِي)
(يَأْمُرنِي بالنحو فِي نيكه ... بِالرَّفْع وَالنّصب وبالخفض)
وَلست أَدْرِي أَبُو صر آباذ من قرى الشَّام أم من قرى الْعرَاق وَقد أدخلتها على مَا خيلت إِلَيّ فِي الْقرى الشامية وأيا مَا كَانَت فقد حصلت النُّكْتَة وَهَذِه حَال خرما باذ الْمَنْسُوب الْعلوِي الخرما باذي إِلَيْهَا وَقد مرت بِي أَبْيَات لَهُ يقطر مَاء الظّرْف مِنْهَا كَقَوْلِه
(أشارت إِلَيّ بعناية ... مخضبة من دم الأفئده)
(أَأَنْت على الْعَهْد يَا سَيِّدي ... فَقلت إِلَى الْحَشْر يَا سَيّده)
وَقَوله وَمَا لحسنه غَايَة فِي مَعْنَاهُ
(قَالُوا هجاك مُحَمَّد فأجبتهم ... إِن الهجاء من الصّديق ثَنَاء)
(ولربما جعل الحبيب سبابه ... سَبَب اللِّقَاء لكَي يتاح لِقَاء)
(وَلَئِن هجوت كَمَا هجيت فإننا ... رجلَانِ فِي سوء الصَّنِيع سَوَاء)
стр. 2052
(لكنني أثنى عَلَيْهِ جاهدا ... فَإِذا رَآنِي صده استحياء)
(لم يلقني إِلَّا بشخص ذائب ... عرقا وَوجه لَيْسَ فِيهِ مَاء)
٣٧ - أَبُو الْفَتْح بن دردان الْيَهُودِيّ الْوَزير
أَنْشدني أَبُو الْحسن الْبَرْمَكِي أيده الله لَهُ
(مَاذَا أظلك قل لي ... لَا أعدم الله ظلك)
(عش لي وبعدي فَإِنِّي ... أرْضى وَإِن لم أعش لَك)
(فالدهر يخلف مثلي ... وَلَيْسَ يخلف مثلك)
وأنشدني أَبُو الْحسن الْقزْوِينِي لَهُ
(سهرت والشوق يطويني وينشرني ... إِلَى غزال بديع الْحسن مغنوج)
(حَتَّى رَأَيْت نُجُوم الصُّبْح لائحة ... كَأَنَّهَا زيبق فِي كف مفلوج)
وأنشدني لَهُ أَيْضا
(دَعونِي وقومي والسمو إِلَى العلى ... فَإِن لَهُم شَأْنًا إِذا مَا سموا ولي)
(وَلَا تستحلوا بِالْوَفَاءِ فَإِنَّهُ ... تراث لنا دون الورى عَن سموءلي)
يَعْنِي ابْن عادياء الْيَهُودِيّ الَّذِي يضْرب الْمثل بِهِ فِي الْوَفَاء
٣٨ - أَبُو الْأَعْين الْأَنْطَاكِي
من ولد المعتصم شَاعِر أنطاكية يَقُول فِي الْغَزل
(لَا وحلو الْهوى وَمن التجني ... وبخط العذار فِي ورد خَدّه)
(لأذيبن وجنتيه بلحظي ... مثل مَا قد أذاب قلبِي بصده)
стр. 2053
وَيَقُول
(نَفسِي فداؤك أَيهَا الْقَمَر الَّذِي ... يجلو الدجى بمحاسن الْأَنْوَار)
(لما اختطت عصيت فِيك عواذلي ... وخلعت فِي حب العذار عِذَارَيْ)
وَيَقُول من نتفه
(وَرَأَيْت للحموي بَين ... يَدَيْهِ ديوانا مُجَلد)
(وَسمعت بَعضهم يَقُول ... الشَّيْخ أَحمَق قلت أشهد)
٣٩ - ابْن با مَنْصُور الديلمي
هُوَ ديلمي الأَصْل عراقي المنشأ شَامي الوطن بارع الشّعْر بديعه يَقُول
(ناديت وجنته وَقد رقمت ... بالمسك رقم الثَّوْب بالقز)
(يَا أرفع الْبَز اختصصت على ... رغم العذول بأرفع الطرز)
وَيَقُول
(يَا من فقدت سروري بعد بعدهمْ ... قد صَار بعدكم طول الأسى سكنا)
(لَو كَانَ يعرف إِنْسَان بِلَا أجل ... يَمُوت من شدَّة الأشواق مت أَنا)
وَيَقُول
(فِي ابْتِدَاء الشَّبَاب عاجلني الشيب ... فهدا من أول الدن دردي)
стр. 2054
وَيَقُول
(سقاني شُمُول الراح سَاق كَأَنَّمَا ... سوالفه مسروقة من سلافها)
(بليلة فطر قَامَ فِيهَا طوايف ... فصلوا وقمنا جهرة بِخِلَافِهَا)
(ولاح هِلَال الْفطر نضوا كَأَنَّهُ ... مرْآة تجلى بَعْضهَا عَن غلافها)
وَيَقُول
(بِالْهِنْدِ تطبع أسياف الْحَدِيد وَفِي ... بَغْدَاد تطبع أسياف من الحدق)
٤٠ - جريح الْمقل
قد نسيت اسْمه وَلم أنس شعره الَّذِي أنشدنيه أَبُو نصر بن الْمَرْزُبَان رَحمَه الله تَعَالَى
(الرجل الْمُهَذّب ابْن نَفسه ... أغناه فضل نَفسه عَن قنسه)
(كم بَين من تكرمه لغيره ... وَبَين من تكرمه لنَفسِهِ)
وَقَوله أَيْضا
(رُبمَا يَرْجُو الْفَتى نفع فَتى ... خَوفه أولى بِهِ من أمله)
(رب من ترجو بِهِ دفع الْأَذَى ... سَوف يَأْتِيك الْأَذَى من قبله)
وَله ويروى لغيره
(وَرب كريم تعتريه كزازة ... كَمَا قد رَأَيْت الشوك فِي أَكثر الثَّمر)
стр. 2055
(وَرب جواد مُمْسك عِنْد جوده ... كَمَا يمسك الله السَّحَاب عَن الْمَطَر)
٤١ - أَبُو الْقَاسِم الْحَمَوِيّ من حماة
وَهِي بَلْدَة من العواصم يَقُول
(لَا تقل بَيت هجاء ... لَا وَلَا بَيت مديح)
(سبق النَّاس إِلَى ... كل مليح وقبيح)
وَيَقُول ويروى للخالدي الْأَصْغَر
(لما فزعت إِلَى الخضاب استهزأت ... سعدى وَقَالَت والمحب لما بِهِ)
(مَا كَانَ يَنْفَعهُ لدي شبابه ... فعلام يتعب نَفسه بخضابه)
وَيَقُول فِي معنى من أحب شَيْئا أَكثر ذكره
(يَا من حَدِيثي حَيْثُ كنت ... فكله عَنهُ يكون)
(حَتَّى يُقَال فكم إِذا ... مَاذَا هوى هَذَا جُنُون)
٤٢ - الطَّاهِر الْجَزرِي
عالي السن أدْرك سيف الدولة وَفِيه يَقُول
(وحاجة قيل لي نبه لَهَا عمرا ... ونم فَقلت عَليّ قد تنبه لي)
(حسبي عليان إِن نَاب الزَّمَان وَإِن ... جَاءَ الْمعَاد بِمَا فِي القَوْل وَالْعَمَل)
(فلي عَليّ بن عبد الله منتجع ... ولي عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ)
وَله فِي فَتى تأدب بأدبه
(هَذَا عَليّ بالمشاكلة الَّتِي ... مَا بَيْننَا لي مَالك مستأثر)
стр. 2056
(قَالُوا صديقك قلت بل وَلَدي وَقد ... أعداه طبعي فَهُوَ مثلي شَاعِر)
وَقَوله فِي قَوس قزَح
(أَلَسْت ترى الجو مستعبرا ... يضاحكه برقه الخلب)
(وَقد لَاحَ من قزَح قوسه ... بَعيدا وتحسبه يقرب)
(كطاقي عقيق وفيروزج ... وَبَينهمَا آخر مَذْهَب)
٤٣ - أَبُو الغنايم بن حمدَان الْموصِلِي
يَقُول فِي أبي مُضر ويروى لأحد الخالديين فِي المهلبي الْوَزير وَهُوَ غَايَة فِي وصف قصب الْقَلَم من قصيده
(لَهُ قلم كقضاء الْإِلَه ... فبالسعد طورا وبالنحس مَاض)
(وَمَا فَارق الْأسد فِي حالتيه ... يبيسا وَذَا وَرَقَات غضاض)
(فَفِي كف لَيْث العلى فِي الندى ... وَفِي وَجه لَيْث الشرى فِي الغياض)
وَله فِي الرّبيع وَهُوَ أحسن مَا قيل فِيهِ وَذكر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن حَفْص العمروي النوقاني إِن السرى الرفاء أوردهُ فِي كِتَابه كتاب الْمُحب والمحبوب والمشموم والمشروب لأبي الْقَاسِم الزاهي وَهُوَ مِمَّن ذكرته فِي كتاب الْيَتِيمَة
(هَذَا الرّبيع وَهَذِه أنواره ... طابت لياليه وطاب نَهَاره)
(فضية أنهاره ذهبية ... أزهاره درية أنواره)
стр. 2057
(متبلج غدواته متبرج ... ضحواته متأرج أسحاره)
(وَالْمَاء فضي الْقَمِيص مفروز ... ببنفسج واللازورد شعاره)
(والسرو ممتد القوام كَأَنَّهُ ... قد الْغُلَام تشقه أنهاره)
(وترنمت عجم الطُّيُور كَأَنَّهَا ... شرب القيان ترنمت أوتاره)
(فَاشْرَبْ على ورد الخدود بجنبه ... ورد الرّبيع تحقه أنواره)
(من كف احور كالقضيب منعم ... قد سد خوط قوامه زناره)
٤٤ - أَبُو الْحَرْث بن التمار الوَاسِطِيّ
ظريف بِلَاده يَقُول لسيدوك بلديه
(قد أَتَيْنَاك مرَارًا ومرارا ومرارا ... فَإِذا أَنْت كَمثل الْبَدْر لَا يَبْدُو نَهَارا)
وَكَانَ متزيدا لِأَبِيهِ فَلَمَّا توفّي وَورثه مَاله قَالَ فديت من أحياني مَوته وَأرَاهُ نَقله من قَول عَليّ بن الجهم
(لما أَتَانِي خبر الزيات ... وَأَنه قد صَار فِي الْأَمْوَات)
(أيقنت أَن مَوته حَياتِي ... )
وَمن ملح شعر أبي الْحَرْث قَوْله
(يَا أعدل النَّاس إِلَّا فِي معاملتي ... وأصدق النَّاس إِلَّا فِي عداتك لي)
وَقَوله
(وَهل يذخر الضرغام قوتا ليومه ... إِذا ادخر النَّمْل الطَّعَام لعامه)
стр. 2058
وَقَوله
(جِئْته زَائِرًا فَقَالَ لي البواب ... صبرا فَإِنَّهُ يتغدى)
(قلت سمعا فقد سَمِعت قَدِيما ... خبزه لَازم وَلَا يتَعَدَّى)
٤٥ - ابْن الزمكدم الْموصِلِي
أَنْشدني الشَّيْخ أَبُو بكر لَهُ فِيمَن دَعَاهُ وسقاه الحامض
(كنت فِي دَعْوَة عَليّ ... بهَا كَانَ قد دعِي)
(طَال من خل خمرها ... طول يومي تجرعي)
(وَإِذا رَبهَا يكابد ... طول التصنع)
(بَين أضلاعه السِّهَام ... كَمَا بَين أضلعي)
(قلت لما رَأَيْته ... كارعا مثل مكرعي)
(اقتلوني ومالكا ... واقتلوا مَالِكًا معي)
وأنشدني لَهُ
(يَا غلامي على الْمجَاز وَلَو خَالف ... قلبِي فِي ذَا الدُّعَاء لساني)
(عاطني من يَديك ضرَّة خديك ... وَحل اللجين بالعقيان)
(وَاقْتصر فِي مزاجها لي على مَا ... شربته من مَاء تِلْكَ البنان)
٤٦ - أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد الرقي
طَرَأَ على خُرَاسَان وتصرفت بِهِ أسفار وأحوال أفضت إِلَى أَن تقبله الشَّيْخ أَبُو
стр. 2059
بكر عَليّ بن الْحسن الْقُهسْتَانِيّ أيده الله وَأحسن بِهِ وَأفضل عَلَيْهِ كعادته عِنْد أَمْثَاله وأوطنه الجوزجان فَمن قَوْله فِيهِ
(لَو قيل لي هَل للنهى مَالك ... يعرف أم هَل للعلى صَاحب)
(لَقلت والصادق فِي قَوْله ... ممدح إِذْ هجى الْكَاذِب)
(عميدها الشَّيْخ أَبُو بكرها ... عَليّ بن الْحسن الْكَاتِب)
وَله من قصيدة
(الْجُود يشْهد والأنام مَعًا ... وَالْعصر إِنَّك وَاحِد الْعَصْر)
وَله فِي الْغَزل
(أتضحك يَا فديتك من كتابي ... فتظهر مثل مَا أظهرت درا)
(وَفِي عَيْني كَمَا فِي فِيك مِنْهُ ... أرى هَذَا وَذَا نظما ونثرا)
(فثغرك لَو يذوب كَانَ دمعا ... ودمعي لَو يجمد كَانَ ثغرا)
أوجز وَأحلى مِنْهُ قَول أبي الْفضل بن أبي جَعْفَر الميكالي
(يَا شادنا جمع الله المنى فِيهِ ... وَأنْبت الدّرّ من عَيْني وَمن فِيهِ)
وللرقي من قصيدة
(وَكم لَيْلَة طَال التعانق بَيْننَا ... كِلَانَا بِهِ بتنا غَرِيم غرام)
(ومنطقتي كَفاهُ وَاللَّيْل ادهمي ... وقامته رُمْحِي وفوه لثامي)
стр. 2060
وَله من أُخْرَى
(لقد جلّ خطبي فِي الَّتِي دق خصرها ... واسهر جفني جفنها وَهُوَ نَائِم)
(إِذا كن أصداغ الخدود عقاربا ... فَإِن ذوابات الرؤس الأراقم)
هَذَا الْبَيْت معيب عِنْدِي إِذْ جمع فِيهِ بَين العقارب والحيات فِي الْغَزل والطبع ينفر مِنْهَا وَلَو كَانَ فِي الهجاء لَكَانَ جيدا كَمَا قَالَ ابْن الرُّومِي فِي هجاء قينة
(فقرطها بعقرب شهر زور ... إِذا غنت وطوقها بأفعى)
وَذكر عقرب الصدغ مألوف وَلَا سِيمَا اذا كَانَت فِيهِ صَنْعَة كَمَا قَالَ ابْن المعتز
(وَكَأن عقرب صُدْغه احترقت ... لما دنت من نَار وجنته)
وكما قَالَ السّري
(فِي خَدّه ورد حماه ... من القطاف بعقرب)
وكما قَالَ الصاحب
(لَئِن هُوَ لم يكفف عقارب صُدْغه ... فَقولُوا لَهُ يسمح بترياق رِيقه)
فَإِذا اقْترن بِهِ ذكر الْحَيَّة فِي بَيت وَاحِد لم يهش لَهُ السّمع وَلم يقبله الْقلب وللرقي من قصيدة
(كن رَسُولي وَبلغ الْأَهْل عني ... مَا على الْمُرْسلين إِلَّا الْبَلَاغ)
(مَا دهتني عقارب بنصيبين ... دهتني بواسط أصداغ)
стр. 2061
وَله فِي غُلَام هندي ذِي ذؤابتين
(ظَبْي تفل الظبي أجفانه وَله ... من سَمُرَة اللَّوْن مَا تثنى بِهِ السمر)
(ذؤابتاه نجادا سيف ناظره ... وجفنه جفْنه والشفرة الشفر)
(ضفيرتاه على قلبِي تظافرتا ... فَمن رأى شَاعِرًا أودى بِهِ الشّعْر)
٤٧ - أَبُو الدَّرْدَاء الْموصِلِي
يجْرِي فِي طَرِيق السّري ويتشبه بِهِ وَهُوَ الْقَائِل ويروي للسري
(تصرم شهر الصَّوْم شهر الزلازل ... وشال بِهِ شَوَّال شهر الْفَضَائِل)
(ولاح هِلَال الْفطر حنوا كَأَنَّهُ ... سِنَان لواه الطعْن فِي رَأس عَامل)
(ودارت علينا الكأس بَين أهلة ... تضيء وأغصان رطاب موائل)
(فرحنا وَفِي أجسامنا سحر بابل ... يدب وَفِي إيمَاننَا خمر بابل)
وَقَالَ وَقد حضر مَعَ قوم مجْلِس الْإِنْس فتذاكروا فِي الْمذَاهب والآراء وتناظروا فِي التنجيم
(دعوا المراء والجدل ... فَهُوَ عثار وزلل)
(وصافحوا الكأس على ... حسن أَحَادِيث الْغَزل)
(مَا النصب والرفض وَمَا ... يَوْم الهرير والجمل)
стр. 2062
لما لم يستقم لَهُ فِي الْبَيْت ذكر صفّين جعل مَكَانَهُ يَوْم الهرير وَإِنَّمَا هِيَ لَيْلَة الهرير من أَيَّام صفّين
(وَشتم قوم قسمت ... بَينهم الدُّنْيَا دوَل)
(وَمَا النُّجُوم لَا جرى ... مريخها وَلَا زحل)
(وَسَقَطت جوزاؤها ... وريع بِالذبْحِ الْحمل)
(لَا نجم إِلَّا ناجم الراح ... بدا ثمَّ أفل)
(يطلع من كف خضيب ... الْكَفّ ثمَّ ينْتَقل)
(والرفض أَن نرفض مَا ... جَاءَ بِهِ أهل الْملَل)
(وَالنّصب أَن تنصب للذات ... إشراك الْحِيَل)
(مَالِي وللشرب لَهُم ... بِغَيْر مَا أَهْوى شغل)
(يغمد مَا بَينهم ... سيف الْجِدَال ويسل)
(إِذا بدا يَوْم خَفِيف ... الرّوح ردُّوهُ جبل)
٤٨ - مُحَمَّد بن عبيد الله الْبَلَدِي
قد ذكرت أَبَاهُ عبيد الله فِي الْيَتِيمَة وأوردت نبذا من ملح شعره وَهَذَا ابْنه اشعر مِنْهُ وأنشدني أَبُو طَالب الشهرزوري قَالَ أَنْشدني ابْن الْبَلَدِي لنَفسِهِ وَكَانَ حلف أَن لَا يشرب حولا فبرت يَمِينه غرَّة شَوَّال
(برت على هجر الكؤوس يَمِيني ... شهر الصّيام فَمَا امتطين يَمِيني)
(قُم هَاتِهَا حَمْرَاء فِي مبيضة ... كالجلنارة فِي جني نسرين)
стр. 2063
(أَو مَا رَأَيْت هِلَال فطرك قد بدا ... فِي الْأُفق مثل شعيرَة السكين)
أحسن مِنْهُ قَول كشاجم
(كشعيرة من فضَّة ... قد ركبت فِي خنجر)
(قسما بحبك لَا مزجت كؤوسها ... إِلَّا بريقك أَو بِمَاء جفوني)
وَله أَيْضا وَقد حضر مَعَ إخوانه بِبَيْت صديق لَهُ فَاشْتَدَّ جوعهم فِيهِ
(وَبَيت خلا من كل خير فناؤه ... فَضَاقَ علينا وَهُوَ رحب الْأَمَاكِن)
(كأنا مَعَ الجدران فِي جنباته ... دمي فِي انْقِطَاع الرزق لَا فِي المحاسن)
стр. 2064
تَتِمَّة الْقسم الثَّانِي فِي محَاسِن أشعار أهل الْعرَاق بل أحاسنها وَمَا يتَّصل بهَا من ملح أخبارهم
٤٩ - الشريف المرتضى أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحُسَيْن الموسوي النَّقِيب أيده الله تَعَالَى
هُوَ أَخُو الرضي أبي الْحسن الَّذِي تضمن كتاب الْيَتِيمَة شعره وَقد انْتَهَت الرياسة الْيَوْم بِبَغْدَاد إِلَى المرتضى فِي الْمجد والشرف وَالْعلم وَالْأَدب وَالْفضل وَالْكَرم وَله شعر فِي نِهَايَة الْحسن فَمِنْهُ مَا أَنْشدني أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن الْحسن الْبَرْمَكِي الْفَقِيه أيده الله تَعَالَى قَالَ أَنْشدني المرتضى لنَفسِهِ بِبَغْدَاد وَهُوَ مِمَّا يُغني بِهِ لرقته وحلاوته
(يَا خليلى من ذؤابة بكر ... فِي التصابي رياضة الْأَخْلَاق)
(غنياني بذكرهم تطرباني ... وأسقياني دمعي بكأس دهاق)
(وخذا النّوم عَن جفوني فَإِنِّي ... قد خلعت الْكرَى على العشاق)
وَله من قصيدة وَهُوَ مِمَّا يسكر بِلَا شراب ويطرب بِلَا سَماع
(أحب ثرى نجد ونجد بعيدَة ... أَلا حبذا نجد وَإِن لم تفد قربا)
(يَقُولُونَ نجد لست من شعب أَهلهَا ... وَقد صدقُوا لكنني مِنْهُم حبا)
стр. 2065
(كَأَنِّي وَقد فَارَقت نجدا شقاوة ... فَتى ضل عَنهُ قلبه ينشد القلبا)
وَله من أُخْرَى فِي الشيب وذمه
(يَقُولُونَ لَا تجزع من الشيب ضلة ... واسهمه أياي دونهم تصمي)
(وَمَا سرني حلم يفِيء على الردى ... كفاني مَا قبل المشيب من الْحلم)
(إِذا كَانَ مَا يعطيني الحزم سالبا ... حَياتِي فَقل لي كَيفَ يَنْفَعنِي حزمي)
(وَقد جربت نَفسِي الْغَدَاة وقاره ... فَمَا شدّ من وهني وَلَا سد من ثلمي)
(وَإِنِّي مذ أضحى عِذَارَيْ قراره ... عَاد بِلَا سقم واجفى بِلَا جرم)
وَمن أُخْرَى فِي ذمّ الشَّبَاب
(ومعيري شيب العذار وَمَا درى ... إِن الشيات مَطِيَّة لِلْفَاسِقِ)
(وَأَقُول إِذْ غيرت مِنْهُ لَونه ... هَيْهَات أبدل مُؤمنا بمنافق)
وَمن أُخْرَى وَهُوَ مِمَّا يُغني بِهِ
(أَلا يَا نسيم الرّيح من أَرض بابل ... تحمل إِلَى أهل الْخيام سلامي)
(وَقل لحبيب فِيك بعض نسيمه ... أما آن أَن تسطيع رَجَعَ كَلَامي)
(وَإِنِّي لأهوى أَن أكون بأرضكم ... على أنني مِنْهَا اسْتَفَدْت سقامي)
وَله من قصيدة مرثية
(تجْرِي دموع عُيُون ود صَاحبهَا ... لَو أَنَّهُنَّ على خد الْمُصَاب دم)
(كأننا الْيَوْم من هم تقسمنا ... نهب بأيدي وُلَاة السوء مقتسم)
(نثني الأكف حَيَاء عَن ملاطمنا ... وَفِي الحشا زفرات الْحزن تلتطم)
стр. 2066
(ونكتم النَّاس وجدا فِي جوانحنا ... وَكَيف نكتم شيأ لَيْسَ ينكتم)
وَمِنْهَا
(أَيْن الَّذين على خد الثرى وطئوا ... وحكموا فِي لذيذ الْعَيْش فاحتكموا)
(لم تبْق مِنْهُم على ضن النُّفُوس بهم ... إِلَّا رسوم قُبُور حشوها رمم)
(وَلَا يغرنك فِي الْمَوْتَى وجودهم ... فَإِن ذَاك وجود كُله عدم)
(وَقد مضى مَا اقْتَضَاهُ الرزء من جزع ... فَأَيْنَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعلم وَالْكَرم)
وَله من أُخْرَى
(كَأَنِّي لما صك سَمْعِي نعيه ... صككت بمسنون الغرارين قاضب)
(طواه الردى طي الرِّدَاء وعطلت ... مغاني الحجى عَنهُ وغر المناقب)
(وَلما بلوت الأصدقاء وودهم ... خلصت إِلَيْهِ من خلال التجارب)
وَمن أُخْرَى
(كم ذَا تطيش سِهَام الْمَوْت مخطئة ... عني وتصمي اخلائي وأخداني)
(وَلَو فطنت وَقد أردى الزَّمَان أخي ... علمت أَن الَّذِي أصماه أصماني)
(سود وبيض من الْأَيَّام لونهما ... لَا يَسْتَحِيل وَقد بدلن ألواني)
(هَيْهَات حكم فِينَا أزلم جذع ... يفنى الورى بَين جذعان وقرحان)
وَمن أُخْرَى
(شدّ غروض الْمطِي مغتربا ... فَلم يفز طَالب وَمَا طلبا)
стр. 2067
(لادر فِي النَّاس در مقتصد ... يَأْخُذ من رزقه الَّذِي قربا)
(وَمَا مقَام الْكَرِيم فِي بلد ... ينْفق فِيهِ الْحيَاء والأدبا)
(لَا تعطني بِالزَّمَانِ معرفَة ... كم ضَاقَ بِي مرّة وَكم رحبا)
(أَي خطوب لم تولني عظة ... وَأي دهر لم أفنه عجبا)
(سَاعَات دهر تمر مسرعة ... عَنَّا وَتبقى الهموم والتعبا)
٥٠ - الْأَشْرَف ابْن فَخر الْملك
قدم من بَغْدَاد أَصْبَهَان عَليّ ابْن كاكوية ظَانّا بِهِ الْجَمِيل فخاب ظَنّه وأدركته حِرْفَة الْأَدَب فَبينا هُوَ ذَات يَوْم يشرب على شاطئ زرنروذ إِذْ هزت الراح عطفه ودبت اريحية النشوة فِيهِ فَدَعَا بالدواة والقرطاس وَكتب إِلَى أَخِيه الْأَعَز ابْن فَخر الْملك وَهُوَ بِبَغْدَاد فِي نعْمَة وَحسن حَال
(إِن الَّذِي قسم الوراثة بَيْننَا ... جعل الْحَلَاوَة والمرارة فِينَا)
(لَكِن أَرَاك وَردت مَاء صافيا ... ووردت من جور الْحَوَادِث طينا)
(أوليس يجمعني ونفسك دوحة ... طابت لنا دنيا وَطَابَتْ دينا)
(إِن كنت أَنْت أخي فَقل لي يَا أخي ... لم بت جذلانا وَبت حَزينًا)
(هلا قسمنا بَيْننَا الْفَرح الَّذِي ... كُنَّا اقْتَسَمْنَا فِي حَيَاة أَبينَا) فَلَمَّا قَرَأَ الْأَعَز كِتَابه أذرى دموع الرقة لِأَخِيهِ وسفتج بألفي دِينَار وَكتب إِلَيْهِ بِبَيْت لبيد
(فاقنع بِمَا قسم المليك فَإِنَّمَا ... قسم المعايش بَيْننَا علامها)
وَلم أجد للأشرف بَعْدَمَا كتبته إِلَّا قَوْله
(مر بِي الموكب لكنني ... لم أر فِيهِ قمر الموكب)
стр. 2068
(قل لأمير الْجَيْش يَا سَيِّدي ... مَا لأمير الْحسن لم يركب)
٥١ - ابْن الْمُطَرز
وَهُوَ الْيَوْم بَقِيَّة الشُّعَرَاء بِبَغْدَاد ويكنى أَبَا الْقَاسِم واسْمه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد أَنْشدني أَبُو الْفضل عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ التَّمِيمِي قَالَ أَنْشدني ابْن الْمُطَرز لنَفسِهِ من قصيدة
(سرى مغرما بالعيش يفتجع الركبا ... يسايل عَن بدر الدجى الشرق والغربا)
(إِذا لم تبلغني إِلَيْكُم ركائبي ... فَلَا وَردت مَاء وَلَا رعت العشبا)
(على عذبات الْجزع من مَاء تغلب ... غزال يرى مَاء الْقُلُوب لَهُ شربا)
(إِذا مَلأ الْبَدْر الْعُيُون فَإِنَّهُ ... لعينك بدر يمْلَأ الْعين والقلبا)
وأنشدني أَبُو يعلى الْبَصْرِيّ لَهُ من أُخْرَى
(يَا صَاحِبي بأعلام الْمَدِينَة لي ... ظَبْي إِذا أنست عَيْني بِهِ نَفرا)
(لَوْلَا احتشامي مِنْهُ حِين يلحظني ... إِذا تأملته أفنيته نظرا)
(إِذا تَبَسم واستجلى محاسنه ... طرفِي خلعت عَلَيْهِ السّمع والبصرا)
(فَإِن رنا قلت عَن عين الغزال رنا ... وَإِن مَشى قلت غُصْن يحمل القمرا)
وَله فِي رَئِيس
(يَوْم عدتك نحوسه ... وغدت عَلَيْك كوؤسه)
(وتغايرت أقماره ... إِذْ غازلتك شموسه)
(يَا سيدا مَا مله ... مذ كَانَ قطّ جليسه)
(مَا من رَئِيس سيد ... إِلَّا وَأَنت رئيسه)
стр. 2069
وَله أَيْضا
(سَلام على بَغْدَاد من كل بَلْدَة ... وَحقّ لَهَا مني سَلام مضاعف)
(لعمرك مَا تركي لَهَا عَن قلى لَهَا ... وَإِنِّي بحسني جانبيها لعارف)
(وَلكنهَا ضَاقَتْ عَليّ برحبها ... وَلم تكن الأرزاق فِيهَا تساعف)
(فَكَانَت كخل كنت اهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى بِهِ وتخالف)
وَله فِي الخمرو يرْوى لِابْنِ نحرير
(يَا ساقيى اسقياني من دم الْعِنَب ... فقد طربت أليها غَايَة الطَّرب)
(حَمْرَاء صَافِيَة صرفا مشعشعة ... كالنار طورا وطورا ذائب الذَّهَب)
(تجلى على الشّرْب فِي ضدين مَا اجْتمعَا ... إِلَّا لَهَا فَهِيَ من مَاء وَمن لَهب)
(بكر إِذا افتضها الساقي بَكت خجلا ... وكللت رَأسهَا درا من الحبب)
وَله فِي استهداء رقْعَة الشطرنج
(أَبَا طَاهِر أَنْت لي جنَّة ... أجل وَأعظم من شَأْنهَا)
(وَنحن الْعُيُون وَأَنت الجفون ... وَحسن الْعُيُون بأجفانها)
(وَعِنْدِي خُيُول قد استنهضت ... معقلة رهن أرسانها)
(وَقد حضرت قصبات الرِّهَان ... فَمن عَليّ بميدانها)
وَله
(ظَالِم مَا مِنْهُ منتصر ... أبدا يجنى وَاعْتذر)
(حل من قلبِي بِمَنْزِلَة ... لم ينلها قبله بشر)
(بَات يسقيني المدام ولي ... وَله من طرفه سكر)
(ويحييني بسالفة ... حَار فِي أرجائها الشّعْر)
(يَا حبيبا كُله حسن ... لمحب كُله نظر)
(وَجهه من كل نَاحيَة ... حَيْثُ مَا قابلته قمر)
стр. 2070
(إِن تفرقنا على قدر ... وسعت مَا بَيْننَا الْغَيْر)
(فَلَعَلَّ الدَّهْر يجمعنا ... والهوى مَاض ومنتظر)
وَله فِي المجون
(فقحة مثل عجنة الْحوَاري ... حسنها يتْرك الصحاة سكارى)
(لفتاة لسانها أعجمي ... عَبدة عِنْدهَا الْمُلُوك أُسَارَى)
(ورمتها من الْعُيُون ومالت ... فقلوب الزناة فِيهَا حيارى)
(أبرزتها من الثِّيَاب وَقَالَت ... يَا خواجه أتشتهي قلت آرى)
وَقَالَ
(كَأَنَّمَا انجم الجوزاء فاصلة ... عَن الثريا وَبدر التم لم يغب)
(ممنطق سَاق فِي ميدانه كرة ... من اللجين بطبطاب من الذَّهَب)
وَله
(تهن بِيَوْم بالسعادة مبهج ... تحلى بِوَجْه مُسْفِر متبلج)
(يمِيل بأعطاف النسيم ممثلا ... بطلعته وشى الرّبيع المدبج)
(أَتَاك بشير بالسعود وكل مَا ... تؤمله فِي كل حَال وترتجي)
(فعش وابق واسلم فِي سرُور وغبطة ... وَعِيد ونورز ألف عَام ومهرج)
وَله من قصيدة
(عجبت لمن يصفى الوداد لغادر ... يمِيل مَعَ الْأَيَّام حَيْثُ تميل)
(ودود إِذا حياك أما لِسَانه ... فواف وَأما قلبه فملول)
(فَلَو صحت الْأَيَّام صَحَّ وفاؤنا ... ودام وَلَكِن الزَّمَان عليل)
следующие страницы →