Полный текст (2 309 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
فِي الْبر وافيا بِالْحَقِّ إِلَّا أَن سَيِّدي يَأْبَى إِلَّا الاغراق فِي اللطف قَائِلا وفاعلا لَا اعدمه الله شمية الْفضل وَلَا أخلاني فِيهِ من كَلَام الْعَهْد وَمِمَّا اقف فِيهِ موقف الْعذر فِي مُخَاطبَة سَيِّدي أَن فلَانا ورد عَليّ وَقد ضَاقَ الْوَقْت عَن توفيته وَاجِب حَقه لاستمرار العزائم فِي قصد نواحي الْعرَاق لاعادة مَا نضب بهَا من مَاء السياسة وَمَا فِي جنباتها من رواق الامر وَالنَّهْي بِضعْف المنن وانتكاث المرر وكتبت كتابي هَذَا وَقد اسْتَقل بِي الْمسير مقدما بعون الله كتائب الرعب مستصحبا مفاتح النَّصْر
وَمن كتاب فِي فتح ميا فارقين
فَأمرنَا أَبَا الْوَفَاء أَن يلين مَسّه لاهل الْبَلَد إبْقَاء على ذَلِك الثغر من أَن تصاب لَهُ ثغرة واتقاء لاراقة دم فِيهِ شُبْهَة
وَمن كتاب آخر
وَلما ضَاقَ عَن هَذَا المخذول حلمنا باتساع غوايته ووعر الطَّرِيق الى استبقائه استخرنا الله تَعَالَى فِي استرجاع مَا ألبسناه من النعم
وَمن كتاب عَن نَفسه الى مؤيد الدولة
وصل كتاب مَوْلَانَا جَوَابا عَمَّا خدمت بِهِ حَضرته المحروسة مهنئا فحسبتني وَقد تَأَمَّلت عنوانه مغلوطا بِي أَو معنيا بِهِ غَيْرِي إعظاما لتِلْك الايادي الغر وَالنعَم الزهر الَّتِي اعددتها فِي الشّرف مُنَاسِب والى الايام والليالي ذرائع
وَمن كتاب عَن عضد الدولة
وَزيد الان عَادَة الالطاف بدواب تستكرم مناسبتها وتحمد نجابتها وَيعرف عتقهَا فِي المنظر وسرها فِي الْمخبر نرضاها لركابنا ونعتمدها باختيارنا عَائِدَة بإحمادنا واعتدادنا
стр. 877
مَا اخْرُج من إخوانياته
كتب الى الصاحب كتابي أدام الله عز مَوْلَانَا وحالي فِيمَا أعاينه من تَمْثِيل حَضرته وتذكر خدمته والمواقف الَّتِي سعدت فِيهَا بِرُؤْيَتِهِ وأفدت من مشاهدته حظها ومقابلة نعم الله عَلَيْهِ وعَلى الادب وَحزبه وَالْكَرم وَأَهله فِيهِ حَال امْرِئ هَب وَقد أوردته الاحلام مناهل أمله فَهُوَ يتلهف تذكرا وتلذذ تحيرا ويناجي النَّفس تمثلا ويراقب المنى تعللا وَاحْمَدْ الله تَعَالَى على الاحوال كلهَا وأسأله قرب الادالة والعقبى السارة وَأَقُول من الطَّوِيل
(أَقُول وقلبي فِي ذراك مخيم ... وجسمي جنيب للصبا والجنائب)
(يجاذب نَحْو الصاحب الشوق مقودي ... وَقد جاذبتني عَنهُ أَيدي الشواذب)
(سقِِي الله ذَاك الْعَهْد عهدا من الحيا ... وَتلك السجايا الغرغر السحائب)
(تذكرت ايامي بقربك والمنى ... يقابلني بالعز من كل جَانب)
(وَفِي ربعك الدُّنْيَا تزف محاسنا ... وتفتر مِنْك عَن ثنايا مَنَاقِب)
(وَقد لحظت عَيْنَايَ من شخصك الْعلَا ... وَمن فرعك الفينان اعلى الْمُنَاسب)
(وَمن لفظك الدّرّ المصون وَمن حَيا ... محياك مَا لم تجره كف خَاطب)
(وأخلاقك الغر الَّتِي لَو تجسمت ... لكَانَتْ نجوما للنجوم الثواقب)
(فَفَاضَتْ على خذي سوابق عِبْرَة ... كَمَا اسلمت عقدا انامل كاعب)
(سَلام على تِلْكَ المكارم والعلا ... تَحِيَّة خل عَن جنابك غَائِب)
(يكابد مَا لَو كَانَ بِالسَّيْفِ مَا مضى ... وبالمزن لم تبلل لهاة لشارب)
(وَإِنِّي وَإِن روعت بالبين شائم ... طوالع عتبي من طلاع العواقب)
стр. 878
(وَمَا أَنا بِالنَّاسِ صنائعك الَّتِي ... كتبن عَليّ الرّقّ ضَرْبَة لازب) // الطَّوِيل //
ابتدأت أَطَالَ الله بَقَاء مولَايَ الصاحب بكتابي هَذَا وَفِي نَفسِي إِتْمَامه نثرا فَمَال طبعي الى النّظم وأملى خاطري على يَدي مِنْهُ مَا كتبت وَنعم المعرب عَن الضَّمِير مضمار القريض وَقد اقتصرت عَلَيْهِ من الْكتاب ناطقا عني واثقا بِمَا عِنْده لي وَأَنا استرعيه غيبه واستغطيه عَيبه وَكنت كتبت الى حَضرته من أول منزل أَو ثَانِيَة بِذكر مَا أودعهُ حر الْفِرَاق قلبِي وأزالته أَيدي الاشواق من عزائم صبري وتوقعت الْجَواب عَنهُ فَأَبْطَأَ وَورد هَذَا الركابي خَالِيا من كِتَابه وَكَانَت عَادَة كرمه جَارِيَة عِنْدِي بِخِلَافِهِ وَلَوْلَا الثِّقَة بِهِ وَبِمَا استفدته من اللِّقَاء والخدمة وَحُرْمَة الْوِفَادَة وَالْهجْرَة من أذمة عَهده لابديت مَا أخفيت من قلق وانزعاج لاخْتِلَاف الْعَادة على ومولادي ولي صوني عَن موقف الظَّن وَالرَّجم بِالْغَيْبِ فَإِنِّي مهتم فِي خدمته على حسب الضن بهَا ومنافسة كل اُحْدُ عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمن كتاب لَهُ إِلَيْهِ
قد كَانَ ورد لمولانا الصاحب أدام الله عزه من الطَّوِيل
(كتاب لَو أَن اللَّيْل يَرْمِي بِمثلِهِ ... لالقت يدا فِي حجرتيه ذكاء)
(تهادى بأبكار الْمعَانِي وعونها ... وأعيان لفظ مَا لَهُنَّ كفاء)
(شوارد لَوْلَا انهن أوالف ... ضرائر إِلَّا أَنَّهُنَّ سَوَاء)
(لبسنا بهَا نعمى وألبست الرِّبَا ... خمائل روض جادهن سَمَاء)
(بنان ابْن عبَادَة تعلين نوءه ... وَمَا صَوبه إِلَّا حَيا وحياء) // الطَّوِيل //
стр. 879
وَثَلَاث كتب تناظرت فِي الْحسن والاحسان وتقابلت فِي الْبر والانعام لَا زَالَت اياديه قلائد الاعناق ومرامية مضامير السباق وَلَا انفكت عين الله حامية لَهُ وكافلة بِهِ
وَمن كتاب لَهُ إِلَيْهِ
وقف مَوْلَانَا على مَا كتبت بِهِ معرضًا بخدمته ومجليا عَن نِيَّته فَصدقهُ وحققه وَقَالَ ادام الله سُلْطَانه إِن لِسَان اثره فِي الفصاحة كلسان قلمه يتجاريان كفرسي رهان وناهيك بالاول اشتهارا ووضوحا وَبِالثَّانِي غررا وحجولا وَكُنَّا لمثل هَذِه الْحَال نعده ونعتمده وننتجز عدات الْفضل عَنهُ وحسبنا مَا أفادتناه التجارب فِيهِ كافلا بالسعادة ودرك الاراردة وَمَا زَالَت مخائله وليدا وناشئا وشمائله صَغِيرا ويافعا نواطق بِالْحُسْنَى عَنهُ وضوامن النجح فِيهِ فقد اصبح الظَّن ايقانا وَالضَّمان عيَانًا وَالتَّقْدِير بَيَانا وَالِاسْتِدْلَال برهانا وَنَرْجُو أَن الله بِحسن الامتاع بِهِ والدفاع عَنهُ كَمَا أحسن الظَّن بِهِ وحقق الاماني فِيهِ
وَمن كتاب
وقفت على الابيات الَّتِي أتحفني بهَا سَيِّدي وتكلفت لجوابها على ظلع فِي خاطري لطول السفار واتصال حَالي بِالْحلِّ والترحال ومولاي يَأْخُذ الْعَفو ويرضى بالميسور ويعذر مستأنفا على التَّقْصِير فِي جَوَاب مَا يأتيني من أَمْثَاله مَا دمنا فِي ملكة الهواجر وتعب الْبكر والاصائل
وَمن كتاب لَهُ الى الصاحب فِي فتح عمان وإبادة الزنوج بهَا وَمَا وصل إِلَى عضد الدولة من الْغَنَائِم
وَكَانَت لاولئك الْكَفَرَة عَادَة اشتهرت مِنْهُم فِي اسْتِبَاحَة النَّاس وَأكل لحومهم وَبلغ من كلبهم على ذَلِك انهم كَانُوا يتنقلون بَينهم إِذا شربوا بأكف النَّاس وَسَأَلَ مولَايَ عَن هَذَا النَّقْل الْغَرِيب فَحكى لَهُ عَنْهُم أَنه لَا شَيْء فِي
стр. 880
الانسان ألذ من كَفه وبنانه وَكَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم الَّذِي شَارف فِيهِ طلائع الْعَسْكَر الْمَنْصُور بَاب عمان ثار من بعض المكامن طوائف من أُولَئِكَ الْكلاب فكبا بِبَعْض الغلمان دَابَّته فاختلسوه واقتسموه بَينهم وأكلوه فِي الْوَقْت وتعجب النَّاس من ضراوتهم وقساوتهم وَقد ابادهم الله تَعَالَى جده وطهر الْبر وَالْبَحْر من عبثهم ومعرتهم فانقاد أهل جبال عمان باخعين بِالطَّاعَةِ معتصمين بِذِمَّة الْجَمَاعَة وتمت نعْمَة الله على مَوْلَانَا فِي هَذَا الْفَتْح وكملت لَهُ مَغَانِم الاجر وَوصل امس غَنَائِم تِلْكَ النَّاحِيَة وفيهَا فيل صغيره بِقدر الْفرس مَا عهد ألطف وَلَا أظرف مِنْهُ وَفِي الْغَنَائِم كل مَا تشْتَهي الانفس وتلذ الاعين وَالله تَعَالَى يجني مَوْلَانَا ثمار الارض برا وبحرا سهلا ووعرا بمنه وَكَرمه آمين
وَمن كتاب لَهُ الى ذِي الكفايتين ابي الْفَتْح
فَأَما استبطاؤه لعَبْدِهِ فِي تراخي مَا كَانَ مستشرفا من جِهَته لعلمه من أَخْبَار حَضْرَة مَوْلَانَا الْملك وَمَا عَلَيْهِ حَاله فِي مساورة الاشفاق ومسامرة الافكار الى أَن يعرف خبر الْخَيل المنصورة المصاحبة ركاب مَوْلَانَا فِي سلامتها من وقدة تِلْكَ الهواجر ووعورة تِلْكَ المسالك وَمَا تولى الله تَعَالَى مَوْلَانَا بِهِ من كِفَايَته وَأفَاد عَلَيْهِ من ظلّ حفظه وحراسته فقد وقفت عَلَيْهِ وَكنت طالعت حَضرته بكتب جمة تقر بهَا الْعُيُون ويفاد بِمِثْلِهَا السّكُون وانتظرت بالشرخ حَال الِاسْتِقْرَار واستجماع الدَّار ليَكُون مَا أطالع بِهِ ناهضا بِمَا أنحوه ومغنيا عَمَّا يتلوه من غير فكر فِي عوادي الاسفار وعواقب الْحل والترحال إِلَى مَا اعتمدته من التَّخْفِيف لتكافؤ الاحوال بِنَا وَبِه فِي الْمسير ومناصبة الهجير وَأَنا الان اعود لعادتي فِي خدمته واستعمار عهدي من رَأْيه بمواصلة حَضرته
وَمن كتاب لَهُ الى ابي اسحاق الصابي
علمت كَيفَ تنتظم فرق البلاغة وتلتقي طرق الخطابة وتتراءى اشخاص الْبَيَان وتتمايل اعطاف الْحسن والاحسان وقرأت لفظا جليا حوى معنى
стр. 881
خفِيا وكلاما قَرِيبا رمى غَرضا بَعيدا وفصولا متباينة كساها الائتلاف صور المشاكلة ومنحها الامتزاج صِيغَة المضارعة ولحمة الْمُوَافقَة فَصَارَت لدلَالَة الاول مِنْهَا على الثَّانِي وَتعلق الْعَجز بالهادي فِيهَا أَوْلَاد أَرْحَام مبرورة وَذَوَات قربى مَوْصُولَة تتعاطف عيونها وتتناصف ابكارها وعونها
وَمن كتاب لَهُ إِلَيْهِ
وصل كتاب سَيِّدي بِكَلَام شرف فِي نَفسه وكرم فِي جنسه فَهُوَ جَوْهَر الْفضل والالفاظ اعراض وعنصر الادب والمعاني اغراض وفهمته فهم من قعدت بِهِ الاستطالة عَن موقف الشُّكْر فاستسلم وأكتنفه الْعَجز فَسلم وَسلم وأعيته الْعبارَة عَن مُوجب الْبر فلاذ بِأَكْنَافِ الْعَجز واعتزف بالقصور عَن مفترض الْحق
وَمن كتاب لَهُ اليه
وصل كتاب مولَايَ بِمَا قرب الى جناه وَبعد على مداه من محَاسِن لَفظه ونظمه ومباره الَّتِي مَا زَالَ يؤثرني فِيهَا بالرغائب ويصفيني مِنْهَا بالعقائل فوقفت مِنْهُ بَين اعْتِبَار واقتباس واعتذار واغتباط واستبصار فِي مَوضِع الْفَضِيلَة وشكر لما جمع الله لي فِي وده من الْمنح الجزيلة وَوجدت خطابه مفتتحا بشكوى الايام فِي انحرافها ومكاره أحداثها فاستوحشت مِنْهَا لاستيحاشه واستعديت عَلَيْهَا لاستعدائه وشايعت المهجنين لاثارها والزارين على أَحْكَامهَا لاعراضها دون آماله وقدحها فِي أَحْوَاله وَلم يستبق الْجمال لنَفسِهِ وَالْفضل لاهله دهر اناخ على مولَايَ بصرفه واختزله دون وَاجِب حَقه وَقد أجبْت عَن القصيدة وَإِن كنت اعملت فِيهَا خاطرا قَدمته السّفر وكده الْحل والرحل وعَلى مولَايَ الْمعول فِي ضم نشره وتسديد مختله وَحفظ غيبي فِيهِ من الطَّوِيل
(وقيت أَبَا إِسْحَاق من حَافظ عهدا ... وراع لمن يمنى بفرقته ودا)
стр. 882
(ومنفرد بالمكرمات تألفت ... عَلَيْهِ الْمَعَالِي فاستقل بهَا مجدا)
(بلوت أخلاء الزَّمَان وَكلهمْ ... سَوَاء فَلَا ذما منحت وَلَا حمدا)
(وَمن يبغ صفو الود من كل صَاحب ... يكن صبحه لَيْلًا ومسعاته كدا)
(سواك أَبَا إِسْحَاق إِنَّك والندى ... لاوفاهم عهدا وأصفاهم عقدا)
(وأبعدهم فِي كل مكرمَة مدى ... وأنظمهم فِي جيد مأثرة عقدا)
(تلاقت بِنَا الاداب فِي خير منسب ... عَلَيْهِ تساقينا على ظمأ بردا)
(وألفن ارواح الصِّنَاعَة بَيْننَا ... فَنحْن مَعًا وَالدَّار نازحة جدا)
(ضلالا لدهر انت من حَسَنَاته ... وَلما تكن فِي نيل إحسانه الفردا)
(لعا إِنَّه الدَّهْر العثور وَإنَّهُ ... لسيان من أجدى عَلَيْهِ وَمن أكدى)
(يمِيل على ذِي الْفضل للْجَهْل ضلة ... يجرعه سما ويبدي لَهُ شَهدا)
(على انه سلم لمن حل بالحمى ... حمى الْملك الْمَدْعُو للدولة العضدا) // الطَّوِيل //
مَا أخرج من شعره فِي عضد الدولة
قَالَ من قصيدة اولها من الْبَسِيط
(مَا للنوى وقفت دمعي على الطلل ... واستودعتني مطايا الْحل والرحل)
(ترمي بطرفك فِي أطرافها فترى ... مَا فِي الضمائر من غش وَمن دغل)
(أريتنا النَّقْص فِي رَأْي الاولى وضعُوا ... كرمان من خول عَنْهَا وَمن فشل)
(بِمَائِهَا الوشل مَعَ تمرها الدقل ... ولصها البطل وَأَهْلهَا الهمل)
(وَكم تركت بهَا للنَّاس من مثل ... وَكم نصبت على الانصاب من مثل)
стр. 883
(يفْدي مقامك فِيهِ الْخلق قاطبة ... وَنحن نفديك بالارواح والمقل)
(وَلَيْسَ يثبت فِي فرع الْعلَا قدم ... إِلَّا إِذا ثبتَتْ فِي مَوضِع الزلل)
(خلائق هذبتهين الْعلَا فغدت ... بَين الْخَلَائق كالاسلام فِي الْملَل)
(اِسْعَدْ بوافد نيروز تقابله ... بِالْيمن والعز والتأييد والجذل)
(واستأنف الْعَيْش مَسْرُورا بجدته ... فِي ظلّ عز مدى الايام مُتَّصِل) // الْبسط //
وَمن قصيدة قَالَ فِي آخرهَا من الوافر
(وهاك تهز عطفيها اختيالا ... وتعجب كل مستمع ثناكا)
(تسير بهَا الروَاة بِكُل ارْض ... وتطرب من أحبك أَو قلاكا)
(نظيرة تربها لفظا وَمعنى ... فدى لَك من يقصر عَن مداكا)
(وكل الشّعْر زور مَا خلاه ... وكل النَّاس زور مَا خلاكا) // الوافر //
وَمن اخرى فِيهِ من الْبَسِيط
(الله اكبر والاسلام قد سلما ... وَعَاد شَمل الْعلَا وَالْمجد ملتئما)
(وظل ملك بني الْعَبَّاس معتليا ... لما غَدا ببغاة الْحق مدعما)
(بآل بويه أَعلَى الله رايته ... وَشد من عقده مَا كَانَ منفصما)
(سادوا الْمُلُوك وشادوا الْمجد وابتدروا ... الى ذرى امد نَالَ السهى شمما)
(هم قلادة عز انت وَاسِطَة ... فِيهَا وكل بِمَا قد قلته علما) // الْبَسِيط //
وَمِنْهَا فِي وصف السيوف من الْبَسِيط
(بيض تصافح بالايدي مقابضها ... وَحدهَا صَافح الاعناق والقمما)
(ضحكن من خلل الاغماد مصلتة ... حَتَّى إِذا اخْتلفت ضربا بكين دَمًا)
стр. 884
(حنت خُرَاسَان شوقا إِذْ حننت لَهَا ... حَتَّى كأنكما نازعتما رحما)
(واهتز منبرها يهفو اليك وَلَو ... اطاق لاخترق القيعان والاكما)
(رفعت راياتك اللَّاتِي خفقن على ... اسد نقلن على أكنافها أجما)
(لَا تنتحي بَلَدا إِلَّا أفضت بِهِ ... عدلا وأجليت عَنهُ الظُّلم والظلما)
(سامتك أَبنَاء سامان فَمَا بلغُوا ... مدى من الْعِزّ لم ترفع لَهُ علما)
(وناضلوك عَن الْعليا فَكنت بهَا ... أولى وَأثبت مِنْهُم فِي الْعلَا قدما)
(وصاولوك فَكَانُوا فِي الوغى نَقْدا ... يَأْبَى الصال وَكنت البازل القطما) // الْبَسِيط //
وَمن عضدية فِي وصف مجْلِس من الطَّوِيل
(فيا مَجْلِسا عز الْخلَافَة محدق ... بأقطاره والند والنور وَالْخمر)
(وَقد أرجت أرجاؤه وتعطرت ... بساطع نشر مَا يُقَاس بِهِ نشر)
(وَفتح فِيهِ النرجس الغض أعينا ... محاجرها بيض وأحداقها صفر)
(كَأَن الشموع المشعلات خلاله ... ثواكل عبري مَا ينهنهها الزّجر)
(إِذا قطعت مِنْهَا الرؤوس تضاحكت ... وَكَانَ على قطع الرؤوس لَهَا بشر)
(أَلا يَا أَمِير المشرقين وَمن بِهِ ... تفاخرت الدُّنْيَا وَكَانَ لَهُ الْفَخر)
(وَلم تخلق الدُّنْيَا لغيرك فانتظر ... فَهَذَا هُوَ الفأل الْمُحَقق لَا الزّجر) // الطَّوِيل //
وَقَالَ من سذقية من المنسرح
(مَا لي لما بِي من الْهوى رَمق ... كَأَنَّمَا سد دوني الطّرق)
(كَأَن نَار الامير ساطعة ... من نَار قلبِي استعارها السذق)
(فِي لَيْلَة باتت النُّجُوم بهَا ... حائرة تنمحي وتنمحق)
стр. 885
(ونخرط اللَّيْل فِي النَّهَار فَمَا ... يؤنس إِلَّا الصَّباح والشفق)
(بِكُل منشورة ذوائبها ... محمرة من شواظها الافق) // المنسرح //
وَقَالَ فِي السكر الْمَبْنِيّ بشيراز ويروي لغيره من الهزج
(شربنا ذَهَبا يجْرِي ... بشاطئ فضَّة تجْرِي)
(وَمَا زلنا على السكر ... نداوي السكر بالسكر)
(درينا كَيفَ اصبحنا ... وأمسينا وَمَا نَدْرِي)
(وفاض المَاء فيض الْبَحْر منصبا الى بَحر ... )
(كجدوي عضد الدولة ... فِي نائله الْغمر) // الهزج //
١١٧ - ابو احْمَد عبد الرَّحْمَن بن الْفضل الشِّيرَازِيّ
رَوْضَة مجد وَشرف وحديقة فضل وأدب وَكَانَ اُحْدُ أَرْكَان الدولة الديلمية يكْتب لمعز الدولة ابي الْحُسَيْن برسم الْمُطِيع لله ويتصرف بالعراق فِي جلائل الاعمال ويلاحظ بِعَين الاعظام والاجلال وَكَانَ آخِذا بطرفي النّظم والنثر فَمن مَشْهُور شعره وجيده مَا كتبه الى القَاضِي التنوخي من الْكَامِل
(شوقي الى القَاضِي المنيف بمجده ... شوق يفوت الْوَصْف ايسر حَده)
(وبحسب فرط الانس كَانَ بِقُرْبِهِ ... قلقي لما قد سَاءَنِي من بعده)
(وَلَو أنني مِمَّا احب مُمكن ... لم اعد إغذاذا اسير لقصده)
(ووصلت آصال السرى بغدوها ... وقرنت إرقال الْمطِي بوخده)
стр. 886
(وَلَئِن عدمت سعادتي بلقائه ... فَلَقَد أَقمت على رِعَايَة عَهده)
(وشكرت سالف بره وأشعت مُحكم وده وقضيت وَاجِب حَمده ... )
(وَعلمت اني إِن طلبت مشاكلا ... لعلاه لم تظفر يداي بنده)
(فقصرت إخلاصي عَلَيْهِ ممسكا ... بإخائه محظى بمطلع سعده)
(من ذَا يُقَاس إِلَيْهِ فِي آدابه ... أَو علمه أَو هزله أَو جده)
(والمكرمات بأسرها فِي حزبه ... والصالحات جَمِيعهَا من عِنْده)
(بجميل شَاهده سَالم غيبه ... وكريم صحبته وخالص وده)
(أفديه من حر حَلِيف مَنَاقِب ... لَوْلَا تَكَامل فَضله لم افده)
(لم تجر امجاد الرِّجَال الى مدى ... للسبق إِلَّا حَاز نيل أمده)
(وَكَأن اضواء المحاسن كلهَا ... مقدوحة نيرانها من زنده)
(فَالله يبقيه ويرغد عيشه ... ويعزه ويعيذنا من فَقده) // الْكَامِل //
فَأَجَابَهُ القَاضِي بقصيدته وَهِي قَوْله من الْكَامِل
(روحي فداؤك والورى من بعده ... جردت سيف صبابتي من غمده)
(عين الامام وكفه اليمني وحد حسامه الْمَاضِي ووسطى عقده ... )
(كلف ببذل المَال يحْسب غنمه ... فِي عزمه ونموه فِي حصده)
(وَجه يجول الْبشر فِيهِ برونق ... مَاء السماح يفِيض من إفرنده)
(متنقب بحيائه فَكَأَنَّمَا ... شقّ الرّبيع شقيقه فِي خَدّه)
(وَمُقَابل من فَارس فِي دوحه ... أوفت على قحطانه ومعده)
(هُوَ شدّ من ازر المكارم والعلا ... حَدثا وَلم يبلغ أَوَان اشده)
(يفْدِيه من نوب الزَّمَان معاشر ... أحرارهم لَا يلحقون بِعَبْدِهِ)
(ابدت مقابحهم محَاسِن فعله ... والضد يظْهر حسنه فِي ضِدّه)
стр. 887
(مَا كنت أعرف قدر مَا خولته ... حَتَّى بليت بِقُرْبِهِ من بعهده)
(جَاءَت ألوكته إِلَيّ كَأَنَّهَا ... وصل الحبيب اعتضته من صده)
(ففتحت حِين فتحتها عَن رَوْضَة ... متفتح حوذانها فِي ورده)
(فقرأتها عودا على بَدْء كَمَا ... عَاد الْمولي فِي قِرَاءَة عَهده)
(يَا جنَّة الْخلد الَّتِي أَنا نَازل ... مَا بَين كوثرها وطوبى خلده)
(لَو استطيع ركبت متن الرّيح أَو ... اسريت نَحْو ذراك مسرى وفده)
(وَهُوَ الزَّمَان فَإِن يساعد صرفه ... فبجده يسْعَى الْفَتى لَا كده) // الْكَامِل //
وَلأبي احْمَد الْمَذْكُور فِي وصف سَحَابَة أَدْرَكته فاكتسى بكساء حَتَّى أقلعت من المنسرح
(خرجت من عنْدكُمْ فأدركني ... سَحَابَة ذَات منظر صلف)
(غمامة كالعمامة انتلفت ... فَوق رُؤُوس المشاة فِي السدف)
(تنالها كف من يزوالها ... تَقول للمرء ويك لَا تقف)
(يختطف الارض وَقع صيبها ... مثل اختطاف المخالب العقف)
(فوقعه والكساء يَدْفَعهُ ... وَقع سِهَام الاتراك فِي الهدف)
(كَأَنَّمَا كل قَطْرَة وَقعت ... عَلَيْهِ در بدا من الصدف)
(لَو أَن مَا ذاب مِنْهُ يجمد لم ... يصلح لغير الْعُقُود والشنف)
(فِيهَا من الرَّعْد كالدبادب والصنع إِذا مَا ضربن فِي شرف ... )
(واشتعل الْبَرْق فِي جوانبها ... مثل السيوف انتضين من غلف)
стр. 888
(قد جمعت حالتين فِي طلق ... صَوت عذول ودمع ذِي لهف)
(لَو كَانَ كلي لِسَان ذِي نصر ... بوصفه واحتشدت لم اصف) // المنسرح //
وَكتب الى الصاحب يشكو اليه عِلّة النقرش وعلو السن فَقَالَ من المتقارب
(الى الله اشكو ضنى شفني ... وَكم قبْلَة من ضنى قد شفاني)
(وسقما ألح فَمَا لي بِمَا ... أحَاط برجلي مِنْهُ يدان)
(تراني وَقد كنت ثَبت الْجنان ... إِذا اللَّيْل جن سليب الْجنان)
(اقْطَعْ آناءه بالانين ... وأرقب للصبح وَقت الاذان)
(أنقل فِي مَوضِع مَوضِع ... فَحَيْثُ حللت نبا بِي مَكَاني)
(أُؤَمِّل روحا فَيَأْتِي النَّهَار ... بأضعاف مَا بت فِيهِ أعاني)
(أَقُول اقيل فَلَا استطيع من الم ملحف غير واني ... )
(فَمن لَيْلَة أرونانية ... وَيَوْم بِمَا سَاءَنِي أروناني)
(أرجي تقضي مَا اشتكيه ... من مرض بتقضي الزَّمَان)
(وَإِنِّي قد جزت حد الكهول ... وناهزت مَا عمر الْوَالِدَان)
(وجرمت سِتِّينَ شمسية ... فَسدتْ عَليّ طَرِيق الاماني)
(وأوهت عراي وهدت قواي ... وَلَيْسَ لما يهدم الدَّهْر باني)
(وَإِن كَانَ لَا يهتدى صرفه ... إِلَى أجل منسإ غير داني)
(وَكنت على ثِقَة أَنه ... إِذا شَاءَ ابراني من براني)
(فيا من لَهُ الْخلق والامر من ... بعافية مِنْك تشفي ضماني)
(وجد لي نأي أجل أَو دنا ... بِعَفْو وسعت بِهِ كل جاني)
стр. 889
(وهبني لاحمد والمصطفين ... من آله اهل بَيت الْجنان)
(هم عدتي وبهم اتقِي الْعقَاب ... وَأَرْجُو خُلُود الْجنان) // المتقارب //
فَكتب إِلَيْهِ الصاحب مجيبا من المتقارب
(عناني من الْهم مَا قد عناني ... فَأعْطيت صرف اللَّيَالِي عناني)
(ألفت الدُّمُوع وعفت الهجوع ... فعيناي عينان نضاختان)
(لسقم ألح على سيد ... بُد قد غفرت ذنُوب الزَّمَان)
(أحَاط برجليه جورا عَلَيْهِ ... وَأَنِّي ونعلاهما الفرقدان)
(وَكَيف سَطَا بهما واستطال ... وَأَرْض بساطهما النيرَان)
(وهلا تجاوزه قَاصِدا ... الى عصبه عصبت بالهوان)
(إِذا مَا سعى لطلاب الْعلَا ... فَكل أَوَان هم فِي توان)
(وسوف توافيه كف الشِّفَاء ... بِمَا أنشأت باسمه من أَمَان)
(وتفقأ فِيهِ عُيُون الزَّمَان ... عَزِيز الْمحل رفيع الْمَكَان)
(وَيبقى جمالا لاقرانه ... وَقد قصروا عَنهُ الفي قرَان)
(أَتَتْنِي بالامس ابياته ... تعلل روحي بِروح الْجنان)
(كبرد الشَّبَاب وَبرد الشَّرَاب ... وظل الامان ونيل الاماني)
(وعهد الصبى ونسيم الصِّبَا ... وصفو الدنان وَرجع القيان)
(فَلَو أَن الفاظها جسمت ... لكَانَتْ عُقُود نحور الغواني)
(فيا لَيْت عمري فِي عمره ... يُزَاد وَلَو أَنه حقبتان)
(فيا مهجة قدمت دونه ... بغانية عِنْد ذكر الغواني)
(اجيب عَن الشّعْر مسترسلا ... بطبع شُجَاع وقلب جبان)
(فلولا سكوني الى فَضله ... قبضت بناني بقبضي لساني) // المتقارب //
стр. 890
١١٨ - أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْقَاسِم القاشاني
بَقِيَّة مشيخة الْكتاب الْمُتَقَدِّمين فِي البراعة المالكين لأزمه البلاغة المتوقلين فِي هضاب الْمجد المترقلين فِي دَرَجَات الْفضل وَقد أخرجت من نظمه ونثره مَا هُوَ ثَمَرَة الْعقل وَعين القَوْل الْفَصْل
فصل كتابي اطال الله بَقَاء مولَايَ وَأَنا مُتَرَدّد بَين جذل لتجدد بره فِي خطابه وَبَين خجل من قوارع زَجره وعتابه فَإِذا خليت عنان انسى فِي رياض مباره فرتعت جاذبيته لاعج الاشفاق فَلَو كَانَ سوء ظَنّه بِي صَادِقا لَا اعْترفت ولعدت مِنْهُ بحقوي كريم لَا يبهظه اغتفار الجرائم وَلَا يتعاظمه الصفح عَن الجرائر
فصل علقت هَذِه المخاطبة والاشغال تكنفني وكد الخاطر بِأَسْبَاب شَتَّى تقتسمني ووراء ذَلِك كلال الذِّهْن بارتقاء السن ونقصان الخواطر بِزِيَادَة الشواغل واستمرار البلادة لمفارقة الْعَادة وَهُوَ وَالله يعيذه من السوء مقتبل الشَّبَاب زَائِد الاسباب مؤتنف المخايل الى علم لَا يدْرك مضماره وَلَا يشق غباره فَإِذا حملي على مساجلته فقد عرضني للتكشف وَإِن عرضني على محنة التتبع فقد سلبني ثوب التجمل
فصل أظلني من مولَايَ عَارض غيث أخلف ودقه وشامني مِنْهُ لائح غوث كذب برقه فَقل فِي حران ممحل أخطأه النوء وحيران مظلم خذله الضَّوْء
فصل وصل كتاب مولَايَ من الطَّوِيل
(فكم فرحة أدّى وَكم وَلم غلَّة جلا ... وَكم بهجة أولى وَكم غمَّة سلى) // الطَّوِيل //
وَسَأَلت الله واهب خِصَال الْفضل لَهُ وجامع خلال النبل فِيهِ وحائز جمال الْمُرُوءَة للزمان بِبَقَائِهِ ومانح كَمَال المزية للاخوان بمكانه أَن يتَوَلَّى حفظ النعم النفسية ويديم حياطة المهج الخطيرة بصيانة تِلْكَ الشيم الْعلية حَتَّى تستوفي
стр. 891
المكارم أَعلَى حظها فِي أَيَّامه وتحوز الْفَضَائِل أقْصَى غايتها فِي مضماره من الطَّوِيل
(فينجح ذُو فضل ويكمد نَاقص ... ويبهج ذُو ود ويكمد حَاسِد) // الطَّوِيل //
فصل وَمَا أرتضى نَفسِي لمخاطبة مولَايَ إِذا كنت منفي الشواغل فارغ الخواطر مخلى الْجَوَارِح مُطلق الاسار سليم الافكار فَكيف بِي مَعَ كلال الْجد وانغلاق الْفَهم واستبهام القريحة واستعجام الطبيعة والمعول على النِّيَّة وَهِي لمولاي بِظهْر الْغَيْب مكشوفة والمرجع الى العقيدة وَهِي بِالْوَلَاءِ المجض مَعْرُوفَة فَلَا مجَال للعتب بَين هَذِه الاحوال كَمَا لَا مجَال للْعُذْر وَرَاء هَذَا الْخلال
فصل مراتع أهل الْفضل موبئة ووجوده مطَالب النزاع مظْلمَة غير مضيئة إِلَّا فِي مَحل الشَّيْخ الخصيب وفنائه المألف الرحيب لَا جرم أَن الامال عَلَيْهِ مَوْقُوفَة وأعنة الوراد إِلَيْهِ معطوفة وداره مَقْصُودَة وحاله مكدودة والمنهل العذب كثير الزحام
فصل إِن كَانَ أوداؤه فِي فَضله مستهمين وأولياؤه فِي إحسانه فوضى مشتركين فلي بِحَمْد الله عَفْو صنائعه وصفو شرائعه لَا اسبق الى جماحها وَلَا أنازع ثني زمامها فعلى حسب ذَلِك تصرفي وتجملي من أَقسَام مَا يحدث عِنْده ويعرض لَهُ هَذَا وَقد بَلغنِي من تشريف الامير الْمُؤَيد إِيَّاه بالعيادة وإطالته عِنْده الاقامة وَمَعَهُ الْمُفَاوضَة مَا أمكن فِي نَفسِي وقوى ثقتي وأنسى فَإِنَّهُ لم يكن إِلَّا سَببا لتجدد هَذِه النِّعْمَة وذريعة الى لِبَاس هَذِه الرُّتْبَة فَالله الَّذِي قرن لمولاي تيسير مَا قد قاسى عَظِيم الْمجد الَّذِي لَا يوازي وعميم الْفَخر الَّذِي لَا يسامي وَدلّ بِقَلِيل مَا مَسّه على كثير مَا وعدت تباشير السَّعَادَة من مزِيد الْكَرَامَة
فصل قد كَانَ منزله مألف الاضياف ومأنس الاشراف ومنتجع الركب
стр. 892
ومقصد الْوَفْد فاستبدل بالانس وَحْشَة وبالنضارة غبرة وبالضياء ظلمَة واعتاض من تزاحم المواكب تلازم المآتم وَمن ضجيج النداء والصهيل عجيج الْبكاء والعويل
وَله من كتاب الى الصاحب أَوله هَذِه الابيات من المنسرح
(إِذا الغيوم ارجفن باسقها ... وحف ارجاءها بوارقها)
(وغيبت للثرى كتائبها ... وانتضيت وَسطهَا عقائقها)
(وجلجل الرَّعْد بَينهَا فَحكى ... خَفق طبول ألح خافقها)
(وابتسمت فرحة لوامعها ... وَاخْتلفت عِبْرَة حمالقها)
(وَقيل طُوبَى لبلدة نتجت ... بِحَق اكنافها فوارقها)
(أَيَّة نعماء لَا تجل بهَا ... وَأي بأساء لَا تفارقها)
(فليسق غيث الندى أَبَا الْقَاسِم القرم وَزِير الايام وادقها ... )
(تحكي سجاياه هزة وندى ... واين من خلقه خلائقها)
(ولتهد ريح الصِّبَا محملة ... انفاس طيب امست تعانقها)
(فِي رَوْضَة لَا النَّعيم سابقها ... وَلَا نسيم الرياض لاحقها)
(جاور حواذنها بنفسجها ... وزان ريحانها شقائقها)
(هبت رخاء مَرِيضَة فشفت ... مرضِي وشاق النُّفُوس شائقها)
(لم تبْق مِنْهُ النَّوَى سوى كبد ... تدمي وَعين تجْرِي سوابقها)
(إِنِّي وَإِن غَالب الْهوى جلدي ... صبرا لصادي الاحشاء خافقها)
(ذكري لايامنا الَّتِي غفلت ... عَنْهَا العوادي ونام رامقها)
стр. 893
(إِذْ النَّوَى لَا تروعنا وَإِذ الايام ... مَأْمُونَة بوائقها)
(وَالله لَو ان مَا أكابده ... بهضب رضوى خرت شواهقها) // المنسرح //
هَذِه اطال الله بَقَاء مولَايَ نتائج اريحية أثارها مخاطبات مولَايَ الَّتِي هِيَ أنقع لغلتي من برد الشَّرَاب وأعذب إِلَيّ من برد الشَّبَاب فَجَاشَ الصَّدْر بِمَا أَبْرَأ إِلَيْهِ من عهدته وَأَسْكَنَهُ ظلّ أَمَانه وذمته ليسبل عَلَيْهِ ستر مودته ويتأمل بِعَين محبته نعم وَقد محا الزَّمَان آثَار إساءته إِلَيّ بِمَا أسعفني بِهِ من إقبال مولَايَ عَليّ وتتابع بره فِي مخاطباته لدي فَكل ذَنْب لهَذِهِ النِّعْمَة مغْفُور وكل جِنَايَة بِهَذَا الْإِحْسَان معمور
فَأجَاب الصاحب بِكِتَاب صَدره هَذِه الابيات من المنسرح
(بَدَت عذارى مدت سرادقها ... وَأقسم الْحسن لَا يفارقها)
(كواعب اخرست دمالجها ... عَنَّا وَقد أنطقت مناطقها)
(خراعب حَقّهَا وصائفها ... تشي بأبدانها قراطقها)
(صينت عَن الْعطر أَن يطيبها ... إِلَّا الَّذِي حملت مخانقها)
(أم رَوْضَة ابرزت محاسنها ... ومايني قطرها يعانقها)
(فاورد الْورْد غصنها بدعا ... وشق عَن ارضها شقائقها)
(وأعشت الناظرين حليتها ... وشاق أحداقهم حدائقها)
(أم اشرقت فقرة بدائعها ... حديقة زانها طرائقها)
(أَتَى بهَا بالكمال ناسجها ... وزانها بالجمال ناسقها)
стр. 894
(لله حلف الْعلَا ابو حسن ... وَقد جرت للعلا سوابقها)
(فحاز خصل الرِّهَان عَن كثب ... وفرجت عِنْده مضايقها)
(لله تِلْكَ الالفاظ حاملة ... غر معَان تعي دقائقها)
(يكَاد إعجازها يشككها ... فِي سور انها توافقها)
(أهدي سَلاما حكى السَّلامَة من ... أسقام سوء يخَاف طارقها)
(كَأَنَّهُ دَارنَا وَلم يرهَا ... ناعبها للنوى وناعقها)
(كَأَنَّهَا غَفلَة الرَّقِيب وَقد ... مكنت من نظرة أسارقها)
(أهديت مِنْهُ مَا لَو تحمله الايام ... لم يسْتَقلّ عاتقها)
(تحدو بِهِ صبوة ركائبها ... راتكة لَا يمِيل سائقها)
(خُذْهَا وَقد احصدت وثائقها ... والحقت بالسهى سواهقها)
(ناشدتك الله حِين تنشدها ... وخلة لَا يخيل صادقها)
(إِلَّا تَعَمّدت رفع رايتها ... ليملأ الْخَافِقين خافقها)
(نعم وعش فِي النَّعيم مَا طلعت ... شمس نَهَار وَذُو شارقها) // المنسرح //
هَذِه أَطَالَ الله بَقَاء مولَايَ أَبْيَات علقتها والروية لم تعتلقها واعتنقت فِيهَا والفكرة لم تعتنقها لَا ثِقَة بِالنَّفسِ ووفائها وسكونا الى القريحة وصفائها بل علما بِأَنِّي وَإِن أَعْطَيْت الْجهد عنانه وفسحت لكد ميدانه لم أدان مَا ورد من أَلْفَاظ أيسر مَا أصفها بِهِ الِامْتِنَاع عَن الْوَصْف أَن يتقصاها والبعد عَن الاطناب أَن يبلغ مداها وَلَقَد قرع سَمْعِي مِنْهَا مَا أَرَانِي الْعَجز يخْطر بَين أفكاري والقصور يتبختر بَين اقبالي وإدباري الى أَن فَكرت أَن فَضِيلَة الْمولى يشْتَمل عَبده ويخيم وَإِن تصرفت عِنْده فَثَابَ الى خاطر نظمت بِهِ مَا إِن طالعه صفحا وجودا
стр. 895
رَجَوْت ان يحظى بطائل الْقبُول وَأَن يتبعهُ نَقْدا تراجع على اعقاب الخمول هَذَا وَلَا عَار على من سبقه سباق الزَّمَان المستولي على قصب الرِّهَان
وَمن مَشْهُور شعر عَليّ بن الْقَاسِم وجيدة قَوْله من الطَّوِيل
(وَإِنِّي وَإِن قصرت عَن غير بغضة ... لراع لأسباب الْمَوَدَّة حَافظ)
(وَمَا زَالَ يدعوني إِلَى الصد مَا أرى ... وَأبي فتثنيني إِلَيْك الحفائظ)
(وأنتظر العقبى وأغضي على القذى ... ألاين طورا فِي الْهوى وأغالظ)
(وأستمطر الاقبال بالود مِنْكُم ... وأصبر حَتَّى أوجعتني المغايظ)
(وجربت مَا يسلي الْمُحب عَن الْهوى ... وأقصرت والتجريب للمرء واعظ) // الطَّوِيل //
стр. 896
الْبَاب الْخَامِس فِي ذكر شعراء الْبَصْرَة ومحاسن كَلَامهم
١١٩ - القَاضِي التنوخي ابو الْقَاسِم عَليّ ابْن مُحَمَّد بن دَاوُد بن فهم
من أَعْيَان اهل الْعلم والادب وأفراد الْكَرم وَحسن الشيم وَكَانَ كَمَا قرأته فِي فصل للصاحب إِن أردْت فَإِنِّي سبْحَة ناسك أَو أَحْبَبْت فَإِنِّي تفاحة فاتك أَو اقترحت فَإِنِّي مدرعة رَاهِب أَو آثرت فَإِنِّي نخبة شَارِب وَكَانَ يتقلد قَضَاء الْبَصْرَة والاهواز بضع سِنِين وَحين صرف عَنهُ ورد حَضْرَة سيف الدولة زَائِرًا ومادحا فَأكْرم مثواه وَأحسن قراه وَكتب فِي مَعْنَاهُ الى الحضرة بِبَغْدَاد حَتَّى اعيد إِلَى عمله وَزيد فِي رزقه ورتبته وَكَانَ المهلبي الْوَزير وَغَيره من وزراء الْعرَاق يميلون اليه جدا ويتعصبون لَهُ ويعدونه رَيْحَانَة الندماء وتاريخ الظرفاء ويعاشرون مِنْهُ من تطيب عشرته وتلين قشرته وتكرم أخلاقه وتحسن اخباره وتسير اشعاره ناظمة حاشيتي الْبر وَالْبَحْر وناحيتي الشرق والغرب
وَبَلغنِي انه كَانَ لَهُ غُلَام يُسمى نسيما فِي نِهَايَة الملاحة واللباقة وَكَانَ يؤثره على سَائِر غلمانه ويختصه بتقريبه واستخدامه فَكتب اليه بعض من يأنس بِهِ يَقُول من الرمل
(هَل على من لامه مدغم ... لاضطرار الشّعْر فِي مِيم نسيم) // الرمل //
стр. 897
فَوَقع تَحْتَهُ نعم وَلم لَا
ويحكى أَنه كَانَ فِي جملَة الْقُضَاة الَّذين ينادمون الْوَزير المهلبي ويجتمعون عِنْده فِي الاسبوع لَيْلَتَيْنِ على اطراح الحشمة والتبسط فِي القصف والخلاعة وهم ابْن قريعة وَابْن مَعْرُوف وَالْقَاضِي التنوخي وَغَيرهم وَمَا مِنْهُم إِلَّا أَبيض اللِّحْيَة طويلها وَكَذَلِكَ كَانَ الْوَزير المهلبي فَإِذا تَكَامل الانس وطاب الْمجْلس ولذ السماع وَأخذ الطَّرب مِنْهُم مأخذه وهبوا ثوب الْوَقار وتقلبوا فِي أعطاف الْعَيْش بَين الخفة والطيش وَوضع فِي يَد كل وَاحِد مِنْهُم كأس ذهب من الف مِثْقَال الى دونهَا مَمْلُوء شرابًا قطربليا أَو عكبريا فيغمس لحيته فِيهِ بل ينقعها حَتَّى تتشرب اكثره ويرش بهَا بَعضهم على بعض ويرقصون أجمعهم وَعَلَيْهِم المصبغات ومخانق الْبرم والمنثور وَيَقُولُونَ كلما يكثر شربهم هرهر وإياهم عَنى السّري بقوله من المنسرح
(مجَالِس ترقص الْقُضَاة بهَا ... إِذا انتشوا فِي مخانق الْبرم)
(وَصَاحب يخلط المجون لنا ... بشيمة حلوة من الشيم)
(تخضب بِالرَّاحِ شيبَة عَبَثا ... أنامل مثل حمرَة العنم)
(حَتَّى تخال الْعُيُون شيبته ... شيبَة فعلان ضرجت بِدَم) // المنسرح //
فَإِذا اصبحوا عَادوا لعادتهم فِي التزمت والتوفر والتحفظ بأبهة الْقُضَاة وحشمة الْمَشَايِخ الكبراء
وَقد أخرجت من غرر شعر التنوخي مَا هُوَ من شَرط الْكتاب فَمن ذَلِك وصف اللَّيْل والنجوم بقوله من الْخَفِيف
(رب ليل قطعته بصدود ... وفراق مَا كَانَ فِيهِ وداع)
стр. 898
(موحش كالثقيل تقذى بِهِ الْعين وتأبى حَدِيثه الاسماع ... )
(وَكَأن النُّجُوم بَين دجاه ... سنَن لَاحَ بَينهُنَّ ابتداع)
(مشرقات كأنهن حجاج ... تقطع الْخصم والظلام انْقِطَاع)
(وَكَأن السَّمَاء خيمة وشي ... وَكَأن الجوزاء فِيهَا شراع)
(كَانَ لَيْلًا فصيرته نَهَارا ... كتب تكبت العدى ورقاع) // الْخَفِيف //
وَقَوله من السَّرِيع
(كَأَنَّمَا المريخ وَالْمُشْتَرِي ... قدامه فِي شامخ الرّفْعَة)
(منصرف بِاللَّيْلِ عَن دَعْوَة ... قد اسرجوا قدامه شمعه) // السَّرِيع //
وَقَوله وعهدي بَابي بكر الْخَوَارِزْمِيّ يستظرفه من الرجز
(وَجَاء لاجاء الدجى كَأَنَّهُ ... من طلعة الواشي وَوجه المرتقب)
(وَفعل الظلام بالضياء مَا ... يَفْعَله الْحَرْف بابناء الادب) // الرجز //
وَقَوله من الطَّوِيل
(كَأَن النُّجُوم الزهر فِي غلس الدجى ... سنا أوجه العافين فِي سنة الرَّد)
(وَقد أَبْطَأت خيل الصَّباح كَأَنَّهَا ... بخيل تباطا حِين سيل عَن الرفد) // الطَّوِيل //
وَقَوله ايضا من الطَّوِيل
(وَلَيْلَة مشتاق كَأَن نجومها ... قد اغتصبت عين الْكرَى وَهِي نوم)
(كَأَن عُيُون الساهرين لطولها ... إِذا شخصت للانجم الزهر انجم)
стр. 899
(كَأَن سَواد اللَّيْل وَالْفَجْر ضَاحِك ... يلوح ويخفي اسود يتبسم) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِي غور الْكَوَاكِب عِنْد الصَّباح من الْبَسِيط
(عهدي بهَا وضياء الصُّبْح يطفئها ... كالسرج تطفأ أَو كالاعين العور)
(اعْجَبْ بِهِ حِين وافى وَهِي نيرة ... فظل يطمس مِنْهَا النُّور بِالنورِ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ من سَائِر الاوصاف والتشبيهات من مجزوء الرمل
(بَات يسقيني وَيشْرب ... ذَهَبا للهم مَذْهَب)
(شادن يحمل مَاء ... فِيهِ نَار تتلهب)
(وردة ضاحكة عَن ... اقحوان حِين يقطب)
(لَو أدرناها على ميت لَكَانَ الْمَيِّت يطرب ... )
(لَيْت شعري اسرورا ... أم مداما بت أشْرب)
(صب فِي الكاسات مِنْهَا ... كالشهاب المتصوب)
(فَرَأَيْت الراح شرقا ... وَرَأَيْت الْهم مغرب)
(غُصْن فَوق كثيب ... ونهار تَحت غيهب)
(لَك مِنْهُ مطرب يرضيك إِن شِئْت ومضرب ... )
(جنَّة عذبت فِيهَا ... بتجن وتجنب)
(هَل رَأَيْتُمْ أحدا قبلي بِالْجنَّةِ عذب ... )
(بِأبي أَنْت وَأمي ... من بعيد حِين تقرب)
(لي قلب كَيفَ مَا قلبه الله يقلب ... )
(وجفون يغْضب الغمض عَلَيْهَا حِين يغْضب ... )
(رب ليل كتجنيك مُقيم لَيْسَ يذهب ... )
стр. 900
(قد قطعناه بعزم ... كالحريق المتلهب)
(وَكَأن الْبَرْق لما ... لَاحَ فِيهِ يتنصب)
(كَاتب من فَوق فرع الْغَيْم بالعقيان يكْتب ... )
(وَكَأن الرَّعْد حاد ... أَو مُنَاد أَو مثوب)
(ونجوم اللَّيْل وقف ... كلال لم تثقب)
(وبد الْبَدْر كسيف ... فِي يَد الجوزاء مَذْهَب) // مجزوء الرمل //
وَقَالَ وَهُوَ من قلائده من المتقارب
(وَرَاح من الشَّمْس مخلوقة ... بَدَت لَك فِي قدح من نَهَار)
(هَوَاء وَلكنه سَاكن ... وَمَاء وَلكنه غير جاري)
(إِذا مَا تأملتها وَهِي فِيهِ ... تَأَمَّلت نورا محيطا بِنَار)
(وَمَا كَانَ فِي الْحق أَن يجمعا ... لبعد التداني وفرط النفار)
(وَلَكِن تجانس مَعْنَاهُمَا البسيطان فاتفقا فِي الْجوَار ... )
(كَأَن المدير لَهَا بِالْيَمِينِ ... إِذا مَال للسقي أَو باليسار)
(تدرع ثوبا من الياسمين ... لَهُ فَرد كم من الجلنار) // المتقارب //
وَقَالَ فِي وصف دجلة وَالْقَمَر من الْكَامِل
(لم أنس دجلة والدجى متصوب ... والبدر فِي افق السَّمَاء مُعرب)
(فَكَأَنَّهَا فِيهِ بِسَاط أَزْرَق ... وَكَأَنَّهُ فِيهَا طراز مَذْهَب) // الْكَامِل //
وَقَالَ ايضا فِي الرَّوْض من الْخَفِيف
(ورياض حاكت لَهُنَّ الثريا ... حللا كَانَ غزلها للرعود)
(نثر الْغَيْث در دمع عَلَيْهَا ... فتحلت بِمثل در الْعُقُود)
стр. 901
(أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعص ورد الخدود)
(وعيون من نرجس تتراءى ... كعيون مَوْصُولَة التسهيد)
(وَكَأن الشَّقِيق حِين تبدي ... ظلمَة الصدع فِي خدود الغيد)
(وَكَأن الندى عَلَيْهَا دموع ... فِي جفون مفجوعة بفقيد) // الْخَفِيف //
وَقَالَ فِي الْبرد من الْبَسِيط
(وَلَيْلَة ترك الْبرد الْبِلَاد بهَا ... كالقلب اشعر بَأْسا وَهُوَ مثلوج)
(فَإِن بسطت يدا لم تنبسط خصرا ... وَإِن تقل فَقل لي فِيهِ تثليج)
(فَنحْن مِنْهُ وَلم نخرس ذَوُو خرس ... وَنحن مِنْهُ وَلم نفلج مفاليج) // الْبَسِيط //
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا من الْبَسِيط
(أما ترى الْبرد قد وافت عساكره ... وعسكر الْحر كَيفَ انصاع مُنْطَلقًا)
(والارض تَحت ضريب الثَّلج تحسبها ... قد ألبست حبكا أَو غثيت وَرقا)
(فانهض بِنَار الى فَحم كَأَنَّهُمَا ... فِي الْعين ظلم وإنصاف قد اتفقَا)
(جَاءَت وَنحن كقلب الصب حِين سلا ... بردا فصرنا كقلب الصب إِذْ عشقا) // الْبَسِيط //
وَقَالَ من قصيدة كَثِيرَة الْعُيُون وَكَانَ الصاحب يفضلها على سَائِر شعره وَيرى أَنَّهَا من امهات قلائده من الْكَامِل
(أحبب إِلَيّ بنهر معقل الَّذِي ... فِيهِ لقلبي من همومي معقل)
(عذب إِذا مَا عب فِيهِ ناهل ... فَكَأَنَّهُ فِي ريق حب ينهل)
стр. 902
(متسلسل وَكَأَنَّهُ لصفائه ... دمع بخدي كاعب يتسلسل)
(وَإِذا الرِّيَاح جرين فَوق متونه ... فَكَأَنَّهُ درع جلاها صيقل)
(وَكَأن دجلة إِذْ يغطمط موجها ... ملل يعظم خيفة ويبجل)
(وَكَأَنَّهَا ياقوته أَو أعين ... زرق تلائم بَينهَا وتوصل)
(عذبت فَمَا تَدْرِي أماء مَاؤُهَا ... عِنْد المذاقة أم رحيق سلسل)
(وَلها بِمد بعد جزر ذَاهِب ... جيشان يدبر ذَا وَهَذَا يقبل)
(وَإِذا نظرت الى الابلة خلتها ... من جنَّة الفردوس حِين تخيل)
(كم منزل فِي نهرها الى وَالسُّرُور ... بِأَنَّهُ فِي غَيره لَا ينزل)
(وكأنما تِلْكَ الْقُصُور عرائس ... وَالرَّوْض فِيهِ حلي خود ترفل)
(غنت قيان الطير فِي أرجائها ... هزجا يقل لَهُ الثقيل الاول)
(وتعانقت تِلْكَ الغصون فأذكرت ... يَوْم الْوَدَاع وَغَيرهم يترحل)
(ربع الرّبيع بِهِ فحاكت كَفه ... حللا بهَا عقد الهموم تحلل)
(فمدبج وموشح ومدنر ... ومعمد ومحبر ومهلهل)
(فتخال ذَا عينا وَذَا ثغرا وَذَا ... خدا يعضض مرّة وَيقبل) // الْكَامِل //
وَكتب الى الْوَزير المهلبي وَقد مَنعه الْمَطَر من خدمته من الطَّوِيل
(سَحَاب اتى كالامن بعد تخوف ... لَهُ فِي الثرى فعل الشِّفَاء بمدنف)
(أكب على الافاق إكباب مطرق ... يفكر اَوْ كالنادم المتلهف)
(وَمد جناحيه على الارض جانحا ... فراح عَلَيْهَا كالغراب المرفوف)
(غَدا الْبر بحرا زاخرا وانثنى الضُّحَى ... بظلمته فِي ثوب ليل مسجف)
стр. 903
(يعبس عَن برق بِهِ متبسم ... عبوس نحيل فِي تَبَسم معنف)
(تحاول مِنْهُ الشَّمْس فِي الجو مخرجا ... كَمَا حاول المغلوب تَجْرِيد مرهف) // الطَّوِيل //
ايْنَ هَذَا من قَول ابْن المعتز من الوافر
(تحاول فتق غيم وَهُوَ يَأْبَى ... كعنين يُرِيد نِكَاح بكر) // الوافر //
رَجَعَ
(فاترع مَاء وَارِد حَوْضه ... أسلسال مَاء أم سلافة قرقف)
(أَتَى رَحْمَة للنَّاس غَيْرِي فَإِنَّهُ ... عَليّ عَذَاب مَاله من تكشف)
(سَحَاب عداني عَن سَحَاب وعارض ... منعت بِهِ من عَارض متكفكف)
أَخذه من قَول الْحسن بن وهب لمُحَمد بن عبد الْملك وَهُوَ من الْخَفِيف
(لست ادري مَاذَا أَذمّ واشكو ... من سَمَاء تعوقني عَن سَمَاء)
(غير اني ادعو على تيك بالثكل وَادعوا لهَذِهِ بِالْبَقَاءِ ... ) // الْخَفِيف //
الْجَواب من الْوَزير الْمَذْكُور من الطَّوِيل
(أَتَت رقْعَة القَاضِي الْجَلِيل فَكشفت ... وساوس محزون الْفُؤَاد ملهف)
(فَأَهْدَتْ نظاما من قريض كَأَنَّهُ ... نظام لال اَوْ كوشي مفوف)
(تَكَامل فِيهِ الظّرْف والشكل مِثْلَمَا ... تَكَامل فِي مهديه كل التظرف)
(حوى مُنْتَهى الْحسنى بِأول خاطر ... يكلفه فِي الشّعْر ترك التَّكَلُّف) // الطَّوِيل //
стр. 904
قَالَ فِي وصف قصيدة من مجزوء الْكَامِل
(وقصيدة ألفاظها ... فِي النّظم كالدر النثير)
(جَاءَت إِلَيّ كَأَنَّهَا التَّوْفِيق فِي كل الامور ... )
(بأرق من شكوى وَأحسن من حَيَاة فِي سرُور ... )
(لَو قابلت أعمى لاضحى وَهُوَ ذُو طرف بَصِير ... )
(فَكَأَنَّهَا أمل تحقق بعد يأس فِي الصُّدُور ... )
(أَو كالفقيد إِذا اتت ... بقدومه بشرى البشير)
(أَو كالمنام لساهر ... لَو كالامان لمستجير)
(أَو كالشفاء لمدنف ... أَو كالغني عِنْد الْفَقِير)
(وكأنما هِيَ من وصال ... أَو شباب أَو نشور)
(لفظ كأسر معاند ... أَو مثل إِطْلَاق الاسير)
(وَكَأَنَّهُ إِذْ لَاحَ من ... فَوق المهارق والسطور)
(ورد الخدود إِذا انْتَقَلت بِهِ على در الثغور ... )
(غرر غَدَتْ وَكَأَنَّهَا ... من طلعة الظبي الغرير)
(من كل معنى كالسلامة ... أَو كتيسير العسير)
(كتبت بحبر كالنوى ... أَو كفر نعمى من كفور)
(فِي مثل ايام التواصل ... أَو كاعتاب الدهور)
(أَهْدَيْتهَا ياخير من ... يخْتَار فِي كرم وَخير) // مجزوء الْكَامِل //
وَقَالَ فِي ثوف كتاب من مجزوء الْكَامِل
(وافى كتابك مِثْلَمَا ... وافى لمفقود بشير)
стр. 905
(وَكَأَنَّهُ الإقبال جَاءَ ... أَو الشِّفَاء أَو النشور)
(كَأَنَّهُ شرخ الشَّبَاب ... وعيشة الغض النَّضِير)
(وافى وعير اللَّيْل واقفة ... الركائب لَا تسير)
(فأضاء لي من كل فج مِنْهُ فجر مستنير ... )
(وارتد طرف الدَّهْر عني ... وَهُوَ مطروف حسير)
(وَرَأَيْت افلاك السرُور ... بِكُل مَا أَهْوى تَدور)
(وفضضته فَكَأَنَّهُ ... أَثوَاب وشي أَو حبير)
(خطّ وَقِرْطَاس كَأَنَّهُمَا السوالف والثغور ... )
(وَكَأَنَّهُ ليل يلوح ... خلاله صبح مُنِير)
(مَا بَين خطّ كالحياة ... إِذا استتب لَهَا السرُور)
(وبدائع تدع الْقُلُوب ... تكَاد من طرب تطير)
(فِي كل معنى للغني ... يحويه مُحْتَاج فَقير)
(أَو كالفكاك يَنَالهُ ... من بعد مَا يأس أَسِير)
(أَو كالسعادة أَو كَمَا ... يَتَيَسَّر الامر العسير)
(فَاسْلَمْ وَدم مَا دَامَ ذُو ... سلم وَمَا ارسى ثبير) // مجزوء الْكَامِل //
وَكتب الى ابي احْمَد بن وَرْقَاء قصيدة أَولهَا مستحسن جدا وَهُوَ من الطَّوِيل
(أَسِير وقلبي فِي هَوَاك اسير ... وحادي ركابي لوعة وزفير)
(ولي ادمع غزر تفيض كَأَنَّهَا ... جدا فاض فِي العافين مِنْك غزير)
стр. 906
(وطرف طريف بالسهاد كَأَنَّهُ ... لهاك وجيش الْجُود فِيهِ مغير)
(رياضكم خضر يرف نباتها ... ونوءكم رطب السَّحَاب مطير)
(وُجُوه كأكباد المحبين رقة ... وَلكنهَا يَوْم الْهياج صخور) // الطَّوِيل //
وَكتب الى بعض اصدقائه قصيدة مِنْهَا من الطَّوِيل
(كتبت وليلي بالسهاد نَهَار ... وصدري لوراد الهموم صدار)
(ولي ادمع غزر تفيض كَأَنَّهَا ... سحائب فاضت من يَديك غزار)
(وَلم ار مثل الدمع مَاء إِذا جرى ... تلهب مِنْهُ فِي المدامع نَار)
(رحلت وزادي لوعة ومطيتي ... جوانح من حر الْفِرَاق حرار)
(مسير دَعَاهُ النَّاس سيرا توسعا ... وَمعنى اسْمه إِن حققوه إسار)
(إِذا رمت ان انسى الاسى ذكرت بِهِ ... ديار لَهَا بَين الضلوع ديار)
(لَك الْخَيْر عَن غير اخْتِيَاري ترحلي ... وَهل لي على صرف الزَّمَان خِيَار)
(وَهَذَا كتابي والجفون كَأَنَّمَا ... تحكم فِي اشفارهن شفار) // الطَّوِيل //
الْغَزل فِي شعره
قَالَ من الْكَامِل
(حور بِعَيْنيهِ أَطَالَ تحيري ... ترك الدُّمُوع كخده المتعصفر)
(غُصْن تأود فَوق دعص من نقا ... ليل تبلج عَن نَهَار مُسْفِر)
(كَالشَّمْسِ إِلَّا أَنه متنفس ... عَن مسكة متبسم عَن جَوْهَر)
(وَأطَال من ليلِي وَقصر ليله ... أَنِّي سهرت وَأَنه لم يسهر) // الْكَامِل //
стр. 907
وَقَالَ أَيْضا من مجزوء الرمل
(بِأبي وَجهك لَو اشبهه مِنْك الضيع ... )
(أَنْت بدر مَا لَهُ فِي ... فلك الْوَصْل طُلُوع) // مجزوء الرمل //
وَقَالَ ايضا من الطَّوِيل
(رضاك شباب لَا يَلِيهِ مشيب ... وسخطك دَاء لَيْسَ مِنْهُ طَبِيب)
(كَأَنَّك من كل النُّفُوس مركب ... فَأَنت الى كل النُّفُوس حبيب) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِي امرد جسيم من الْبَسِيط
(قَالُوا عشقت عَظِيم الْجِسْم قلت لَهُم ... الشَّمْس اعظم جرم حازه الْفلك)
(من ايْنَ اسْتُرْ وجدي وَهُوَ منهتك ... مَا للمتيم فِي فتك الْهوى دَرك) // الْبَسِيط //
وَقَالَ فِيهِ من الوافر
(لبست نحافة الْغُصْن النحيف ... وذبت سوى ذماء فِي ضَعِيف)
(يحوري المحاسن والمعاني ... وإنسي المخايل والاليف)
(لَهُ فِي كل عُضْو دعص رمل ... ثقيل الْجِسْم ذُو روح خَفِيف)
(أأعشق لَا عشقت أَخا نحول ... سوى اني أَخُو الْخلق الظريف)
(إِذا لمسته كفى لم تلامس ... سوى جلد على عظم نحيف) // الوافر //
وَمِمَّا أنشدت لَهُ وَلم اجده فِي ديوانه من السَّرِيع
(قلت لاصحابي وَقد مر بِي ... منتقبا بعد الضيا بالظلم)
(بِاللَّه يَا أهل ودادي قفوا ... كي تبصروا كَيفَ تَزُول النعم) // السَّرِيع //
стр. 908
١٢٠ - ابْنه ابو عَليّ المحسن ابْن القَاضِي التنوخي
هِلَال ذَلِك الْقَمَر وغصن هاتيك الشّجر وَالشَّاهِد الْعدْل لمجد أَبِيه وفضله وَالْفرع المثيل لاصله والنائب عَنهُ فِي حَيَاته والقائم مقَامه بعد وَفَاته وَفِيه يَقُول ابو عبد الله بن الْحجَّاج من الوافر
(إِذا ذكر الْقُضَاة وهم شُيُوخ ... تخيرت الشَّبَاب على الشُّيُوخ)
(وَمن لم يرض لم أصفعه إِلَّا ... بِحَضْرَة سَيِّدي القَاضِي التنوخي) // الوافر //
وَله كتاب الْفرج بعد الشدَّة وناهيك بحسنه وإمتاع فنه وَمَا جرى من الفأل بيمنه لَا جرم أَنه اسير من الامثال واسرى من الخيال
أَخْبرنِي ابو نصر سهل بن الْمَرْزُبَان انه رأى ديوَان شعره بِبَغْدَاد أكبر حجما من ديوَان شعر ابيه وان بعض الْعَوَائِق حَال بَينه وَبَين تَحْصِيله حَتَّى فَاتَهُ وَاشْتَدَّ الاسف عَلَيْهِ وَلَو تقدر لَهُ استصحابه كَسَائِر الدَّوَاوِين البديعة لَكُنْت اتفسح فِي الانتخاب مِنْهُ وَلَكِنِّي الان مقل من شعره وسيقع لي مَا أتكثر بِهِ وَألْحق الْمُخْتَار مِنْهُ بمكانه من هَذَا الْبَاب بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وعونه وَمِمَّا علق بِحِفْظ ابي نصر الْمَذْكُور وأنشدنيه للْقَاضِي ابي عَليّ قَوْله وَهُوَ معنى ظريف مَا أرَاهُ سبق إِلَيْهِ وَهُوَ من الطَّوِيل
(خرجنَا لنستسقي بَين دُعَائِهِ ... وَقد كَاد هدب الْغَيْم أَن يبلغ الارضا)
(فَلَمَّا ابتدا يَدْعُو تقشعت السما ... فَمَا تمّ إِلَّا والغمام قد أنفضا) // الطَّوِيل //
стр. 909
وأنشدني غَيره لَهُ وَأَنا مرتاب بِهِ لفرط جودته وارتفاعه عَن طبقته من الطَّوِيل
(أَقُول لَهَا والحي قد فطنوا بِنَا ... وَمَا لي على ايدي الْمنون براح)
(لما سَاءَنِي أَن وحشتني سيوفهم ... وَأَنَّك لي دون الوشاح وشاح) // الطَّوِيل //
وَمِمَّا انشده لنَفسِهِ فِي كتاب الْفرج بعد الشدَّة من الطَّوِيل
(لَئِن اشمت الاعداء صرفي ورحلتي ... فَمَا صرفُوا فضلي وَلَا ارتحل الْمجد)
(مقَام وترحال وَقبض وبسطة ... كَذَا عَادَة الدُّنْيَا وأخلاقها النكد) // الطَّوِيل //
كَأَنَّهُ نسج على منوال المتنبي حَيْثُ قَالَ من الطَّوِيل
(على ذَا مُضِيّ النَّاس اجْتِمَاع وَفرْقَة ... وميت ومولود وَقَالَ ووامق) // الطَّوِيل //
وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ قَوْله لبَعض الرؤساء فِي التهيئة بِشَهْر رَمَضَان من الْخَفِيف
(نلْت فِي ذَا الصّيام مَا ترتجيه ... ووقاك الاله مَا تتقيه)
(أَنْت فِي النَّاس مثل شهرك فِي الاشهر بل مثل لَيْلَة الْقدر فِيهِ ... ) // الْخَفِيف //
وأنشدني لَهُ غير ثِقَة وَهُوَ متنازع من الْكَامِل
(قل للمليحة فِي الْخمار الْمَذْهَب ... أفسدت نسك أخي التقي المترهب)
(نور الْخمار وَنور وَجهك تَحْتَهُ ... عجبا لوجهك كَيفَ لم يتلهب)
(وجمعت بَين المذهبين فَلم يكن ... لِلْحسنِ عَن ذهبيهما من مَذْهَب)
(فَإِذا بَدَت عين لتسرق نظرة ... قَالَ الشعاع لَهَا اذهبي لَا تذهبي) // الْكَامِل //
стр. 910
وَأما ابْنه ابو الْقَاسِم عَليّ فَلم يبلغنِي بعد شعره وَقد بَلغنِي ذكره على لِسَان ابي الْحسن عَليّ بن مُوسَى الْكَرْخِي وَقد أوردت مَا أنشدنيه عَنهُ لابي المطاع ذِي القرنين ابْن نَاصِر الدولة ابي مُحَمَّد فِي بَاب الامراء من بني حمدَان فَليُرَاجع
١٢١ - ابْن لنكك الْبَصْرِيّ ابو الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد
فَرد الْبَصْرَة وَصدر ادبائها وَبدر ظرفائها فِي زَمَانه والمروع اليه فِي لطائف الادب وظرائفه طول ايامه وَكَانَت حِرْفَة الادب تمسه وتجشمه ومحنة الْفضل تُدْرِكهُ فتخدشه وَنَفسه ترفعه ودهره يَضَعهُ وَاتفقَ فِي ايامه هبوب الرّيح للمتنبي وعلو رتبته وَبعد صيته وارتفاع مِقْدَار ابي رياش اليمامي وسمو نجمه ونفاق سوقه وفوزهما بالمراتب والحظوظ دونه وسعادتهما من الادب بِمَا شقي بِهِ وَحصل ابو الْحسن على ثلبهما والتشفي بذمهما والعقود تَحت الْمثل السائر أوسعتهم ذما وأودوا بالابل واكثر شعره ملح وظرف خَفِيفَة الارواح تَأْخُذ من الْقُلُوب بمجامعها وَتَقَع من النُّفُوس أحسن مواقعها وجلها فِي شكوى الزَّمَان وَأَهله وهجاء شعراء أهل عصره وَمَا أشبه شعره فِي الملاحة وَقلة مُجَاوزَة الْبَيْتَيْنِ وَالثَّلَاثَة إِلَّا بِشعر كنية أبي الْحسن بِي فَارس وأقدر أَنه فِي الْجبَال كَهُوَ فِي الْعرَاق وَكَانَ يُقَال فِي مَنْصُور الْفَقِيه إِذا رمى بِزَوْجَتِهِ قتل وَكَذَلِكَ ابْن لنكك إِذا قَالَ الْبَيْت والبيتين وَالثَّلَاثَة اغرب بِمَا جلب وابدع فِيمَا صنع فَأَما إِذا قصد القصيد فقلما يفلح وينجح وَبَلغنِي ان الصاحب كتب على ظهر جُزْء من شعر ابْن لنكك من المجتث
(شعر الظريف ابْن لنكك ... مهذب ومحكك)
стр. 911
(مَذْهَب وممسك ... بِمثلِهِ يتَمَسَّك) // المجتث //
مَا أخرج من شعره فِي الشكوى وذم الزَّمَان وَأَهله
قَالَ من مجزوء الرمل
(يَا زَمَانا ألبس الاحرار ذلا ومهانه ... )
(لست عِنْدِي بِزَمَان ... إِنَّمَا انت زَمَانه)
(كَيفَ نرجو مِنْك خيرا ... والعلا فِيك مهانه)
(أجنون مَا نرَاهُ ... مِنْك يَبْدُو أم مجانه) // مجزوء الرمل //
وَقَالَ ايضا من الطَّوِيل
(زمَان رَأينَا فِيهِ كل الْعَجَائِب ... وأصبحت الاذناب فَوق الذوائب)
(لَو أَن على الافكلاك مَا فِي نفوسنا ... تهافتت الافلاك من كل جَانب) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ايضا من الوافر
(عجائب فِي زَمَانك شاهدات ... علب خرف من الْفلك الْمُحِيط)
(يرى متيقظا مَا لَا يرَاهُ ... إِذا مَا نَام آكل قنبيط) // الوافر //
لَان لَهُ خاصية فِي توليد السَّوْدَاء وَيرى احلاما ردية
وَقَالَ من المنسرح
(عجبت للدهر فِي تصرفه ... وكل افعال دَهْرنَا عجب)
(يعاند الدَّهْر كل ذِي أدب ... كَأَنَّمَا ناك امهِ الادب) // المنسرح //
стр. 912
وَقَالَ ايضا من الطَّوِيل
(يَقُولُونَ لي اصبحت فِي الْعلم وَاحِدًا ... وَفِي الشّعْر والاداب مَالك ثَانِي)
(فَقلت صَدقْتُمْ ايها النَّاس إِنَّنِي ... كَذَاك وَلَكِن فِي حر ام زماني) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ايضا من الوافر
(مضى الاحرار وانقرضوا وبادوا ... وخلفني الزَّمَان على علوج)
(وَقَالُوا قد لَزِمت الْبَيْت جدا ... فَقلت لفقد فَائِدَة الْخُرُوج)
(لمن القى إِذا ابصرت فيهم ... قرودا راكبين على السُّرُوج)
(زمَان عز فِيهِ الْجُود حَتَّى ... تَعَالَى الْجُود فِي اعلى البروج) // الوافر //
وَقَالَ فِي الْمَعْنى من الْبَسِيط
(جَار الزَّمَان علينا فِي تصرفه ... وَأي دهر على الاحرار لم يجر)
(عِنْدِي من الدَّهْر مَا لَو أَن ايسره ... يلقِي على الْفلك الدوار لم يدر) // الْبَسِيط //
وَقَالَ ايضا من الْخَفِيف
(نَحن وَالله فِي زمَان غشوم ... لَو رايناه فِي الْمَنَام فزغنا)
(يصبح النَّاس فِيهِ من سوء حَال ... حق من مَاتَ مِنْهُم ايْنَ يهنا) // الْخَفِيف //
وَقَالَ ايضا من الْبَسِيط
(لَا مكث الله دُنْيَانَا فقيمتها ... لَيست تفي عِنْد ذِي عقل بقيراط)
(دنيا تأبت على الاحرار عاصية ... وطاوعت كل صفعان وضراط) // الْبَسِيط //
стр. 913
وَقَالَ من الوافر
(زمَان قد تفرغ للفضول ... يسود كل ذِي حمق جهول)
(فَإِن أَحْبَبْتُم فِيهِ ارتياحا ... فكونوا جاهلين بِلَا عقول) // الوافر //
وَقَالَ ايضا من الْبَسِيط
(إِن اصبحت هممي فِي الافق عالية ... فَإِن حظي بِبَطن الارض ملتصق)
(كم يفعل الدَّهْر بِي مَا لَا اسر بِهِ ... وَكم يسيء زمَان جَائِر حنق)
(كم نفخة لي على الايام من ضجر ... تكَاد من حرهَا الايام تحترق) // الْبَسِيط //
وَقَالَ ايضا من المنسرح
(نَحن من الدَّهْر فِي اعاجيب ... فنسأل الله صَبر ايوب)
(أقفرت الارض من محاسنها ... فابك عَلَيْهَا بكاء يَعْقُوب) // المنسرح //
وَقَالَ ايضا من الْكَامِل
(ذهب الَّذين يعاش فِي اكنافهم ... وَبقيت فِي خلف بِلَا اكناف)
(بطيالس وقلانس محشوة ... يتعاشرون بقلة الانصاف)
(مَا شِئْت من حلل وفره مراكب ... ابواب دُورهمْ بِلَا اجواف) // الْكَامِل //
وَقَالَ ايضا من المنسرح
(لَا تخدعنك اللحى وَلَا الصُّور ... تِسْعَة اعشار من ترى بقر)
(تراهم كالسحاب منتشرا ... وَلَيْسَ فِيهِ لطَالب مطر)
(فِي شجر السرو مِنْهُم مثل ... لَهُ رواء وَمَاله ثَمَر) // المنسرح //
стр. 914
كَأَنَّهُ اخذه من قَول ابْن الرُّومِي من الْخَفِيف
(فغدا كالخلاف يورق للعين ويأبى الاثمار كل الاباء ... ) // الْخَفِيف //
وَقَالَ ايضا من الْكَامِل
(يَا طَالبا بِالْعلمِ حظا مسعدا ... فِي ذَا الزَّمَان رايت رَأْي مخرنق)
(إِنْفَاق علم فِي زمَان جَهَالَة ... ترجو ودهر عمى وسخف مطبق)
(كن ساعيا ومصافعا ومضارطا ... تنَلْ الرغائب فِي الزَّمَان وتنفق)
(أَو مَا رَأَيْت مُلُوك عصرك اصبحوا ... يتجملون بِكُل قاص احمق)
(لَا تلق اشباه الْحمير بحكمة ... موه عَلَيْهِم مَا قدرت ومخرق) // الْكَامِل //
وَقَالَ ايضا من المنسرح
(لم يبْق حر اليه يخْتَلف ... بل كل ندل عَلَيْهِ مُخْتَلف)
(يَا فلكا دَار بالنذالة وَالْجهل الى كم تَدور يَا خرف ... )
(فعاقل مَا يبل انملة ... وجاهل باليدين يغترف) // المنسرح //
وَقَالَ ايضا من الطَّوِيل
(لعنتم جَمِيعًا من جوه لبلدة ... تكنفهم جهل ولؤم فأفرطا)
(وَإِن زَمَانا انتم رؤساؤه ... لأهل لِأَن يخرى عَلَيْهِ ويضرطا)
(أَرَاكُم تعينون اللئام وإنني ... أَرَاكُم بطرق اللؤم اهدى من القطا) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ايضا
(عدنا فِي زَمَاننَا ... عَن طَرِيق المكارم)
стр. 915
(من كفى النَّاس شَره ... فَهُوَ فِي جود حَاتِم)
مَا اخْرُج من شعره فِي الهجاء لابي رياش
كَانَ ابو رياش باقعة فِي حفظ ايام الْعَرَب وأنسابها واشعارها غَايَة بل آيَة فِي هَذ دواوينها وَسدر أَخْبَارهَا مَعَ فصاحة وَبَيَان وإعراب وإتقان وَلكنه كَانَ عديم الْمُرُوءَة وسخ اللبسة كثير التقشف قَلِيل التنظف وَفِيه يَقُول ابو عُثْمَان الخالدي من الرجز
(كَأَنَّمَا قمل ابي رياش ... مَا بَين صئبان قَفاهُ الفاشي)
(وَذَا وَذَا قد لج فِي انتفاش ... شهدانج بدد فِي حشحاش) // الرجز //
وَكَانَ مَعَ ذَلِك شَرها على الطَّعَام رجيم شَيْطَان الْمعدة حوتي الالتقام وثعبان الالتهام سيء فِي المواكلة دعاة ابو يُوسُف اليزيدي وَالِي الْبَصْرَة الى الْقَصعَة فَكَانَ بعد ذَلِك إِذا حضر مائدته امْر بِأَن يهيأ لَهُ طبق ليَأْكُل عَلَيْهِ وَحده
وَدعَاهُ يَوْمًا الْوَزير المهلبي الى طَعَامه فَبينا هُوَ يَأْكُل مَعَه إِذْ امتخط فِي منديل الْغمر وبزق فِيهِ ثمَّ اخذ زيتونة من قعصة فغمزها بعنف حت طفرت نواتها فأصابت وَجه الْوَزير فتعجب من سوء شرهه واحتمله لفرط أدبه
وَفِي شَره ابي رياش يَقُول ابْن لنكك مَا هُوَ فِي نِهَايَة الملاحة وَحسن التَّعْرِيض من الوافر
(يطير الى الطَّعَام ابو رياش ... مبادرة وَلَو واراه قبر)
следующие страницы →