← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 675

أحكام الغصب في الفقه الاسلامي

عبد الجبار شرارة

Полный текст (276 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فبلعتها بهيمة له للغاصب فلو كانت البهيمة مما لا تؤكل ضمن قيمة الجوهرة لأنه تعذر ردها فضمن البدل. وجاء أيضا: «وإن ذهب المغصوب من اليد وتعذر رده بأن كانت بهيمة فضلت كان للمغصوب منه المطالبة بالقيمة لأنه حيل بينه وبين ماله فوجب له البدل كما لو تلف وإذا قبض البدل ملكه لأنه بدل ماله فملكه كبدل التالف ولا يملك الغاصب المغصوب لأنه لا يصح تملكه بالبيع بالتضمين كالتالف فإن رجع المغصوب وجب رده على المالك». وفي المذهب الحنبلي: ذكر المرداوي (١) في الإنصاف: «وإن غصب فرسا فشرد أو شيئا تعذر رده مع بقائه ضمن قيمته فإن قدر عليه بعد رده أخذ القيمة. هذا المذهب وعليه الأصحاب». وذكر ابن قدامة انه (٢): «ان غصب فرسا فشرد أو شيئا تعذر رده مع بقائه ضمن قيمته». وفي المذهب الجعفري: قال المحقق الحلي (٣): «وإذا تعذر تسليم المغصوب دفع الغاصب البدل ويملكه المغصوب منه ولا يملك الغاصب العين المغصوبة ولو عادت كان لكل منهما الرجوع».

стр. 107

وفي المذهب الزيدي: ذكر العنسي (١) أنه: «إذا تعذر الرد لزم قيمة الحيلولة فأي شيء مغصوب من المنقول خرج من يد الغاصب وتنوسخ أي تنوقل فتعذر على الغاصب رده لمالكه في الحال ضمن قيمته لمالكه ولا يشترط الإياس من عوده». وذكر ابن المرتضى (٢): قال: «ولو ابتلع الغصب حيوان لا يؤكل غرّم الغاصب قيمة الغصب». وعليه فيظهر من ذلك اتفاق كلمة الفقهاء هنا على أنه حين تعذر رد المغصوب وتحقق ذلك يصار إلى التعويض. وبهذا جاءت القاعدة الفقهية: «إذا بطل الأصل يصار الى البدل (٣) أي أن الشيء الواجب الإيفاء به إذا تعذر إيفاؤه بنفسه لسبب ما فإنه يجب إيفاء بدله لأن البدل قائم مقام المبدل معنى». حكم ما ينفقه الغاصب على المغصوب: ان الغاصب قد يصرف مبالغ من المال لأجل تنمية المغصوب أو الحفاظ عليه. وهنا فإذا استرد المالك المغصوب فهل أن للغاصب المطالبة بما أنفقه على المغصوب أم لا يحق له ذلك؟ الظاهر من كلمات الفقهاء في المقام بأنه لا يحق للغاصب المطالبة بما أنفقه على الشيء المغصوب مهما عظمت تلك النفقة وخالف ابن القاسم (٤) من المالكية ذلك.

стр. 108

ذكر الكاساني (١) ذلك وهو من فقهاء الحنفية، قال: «وكذلك لو غصب أرضا فيها زرع أو شجر فسقاه الغاصب وأنفق عليه حتى انتهى بلوغه وكذلك لو كان نخلا أطلع فأبره ولقّحه وقام عليه فهو للمغصوب منه ولا شيء للغاصب فيما أنفق». وذكر الشافعي (٢) ذلك أيضا قائلا: «ان ما يحدثه الغاصب فيما اغتصب شيئين. الثاني أثر لا عين موجودة مثل الماشية يغصبها صغارا والرقيق يغصبهم صغارا فيداويهم وتعظم نفقته عليهم حتى يأتي صاحبهم وقد أنفق عليهم أضعاف أثمانهم فليس له شيء». وذكر سيدي أحمد الدردير (٣) من فقهاء المالكية أن: «ما أنفق الغاصب على المغصوب كعلف الدابة ومؤنة العبد وكسوته وسقي الأرض وعلاجها وخدمة شجر ونحو ذلك مما لا بدّ منه ففي الغلة أي يكون في نظير الغلة التي استغلها. وإن زادت النفقة على الغلة فلا رجوع للغاصب بالزائد كما أنه إذا كان لا غلة للمغصوب فلا رجوع له بالنفقة لظلمة». أما في المذهب الجعفري فإنه يظهر من صحيحة أبي ولاد (٤) التي جاء فيها أنه سأل الإمام الصادق ﵇ قائلا: «اكتريت بغلا الى قصر ابن أبي هبيرة ذاهبا وجائيا بكذا وكذا درهم وخرجت في طلب غريم لي فتوجهت نحو النيل (٥) فلما أتيته خبرت أنه توجه الى بغداد فاتبعته فظفرت به ورجعت الى الكوفة الى أن قال»: فأخبرت أبا عبد الله فقال: «أرى عليك مثل كراء البغل ذاهبا من

стр. 109

الكوفة إلى النيل ومثل كرى البغل من النيل الى بغداد ومثل كرى البغل إلى الكوفة وتوفيه إياه». قال: جعلت فداك: قد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ قال: لا: لأنك غاصب. أما في المذهب الزيدي فقد ذكر العنسي (١): «وأعلم ان الغاصب لا يرجع على المالك بما غرم فيها أي في العين المغصوبة سواء كان للبقاء أو للنماء نحو ان تكون دابة فعلفها أو شجرا صغارا فغرسها وسقاها حتى كبرت. فلا يرجع الغاصب بما غرم في هذه الصور وان زادت به قيمة العين المغصوبة بذلك». وقد استدل الفقهاء فيما ذهبوا إليه هنا بما يأتي: أ - ان الغاصب متعد وليس لعرق ظالم حق (٢). ب - لأن النفقة التي أنفقها الغاصب ليست عينا قائمة بالجسد كالصبغ في الثوب مثلا وإنما هي مجرد أثر (٣). ج - لأن النفقة التي أنفقها الغاصب إنما هي في نظير الغلة التي استغلها من المغصوب لأنه وإن ظلم لا يظلم (٤). د - لأنه ليس للغاصب عين مال متقوم قائم في المغصوب (٥). ويظهر من كل ذلك ان ما ينفقه الغاصب على المغصوب ان كان عينا منفصلة عن المغصوب كالبناء في الأرض المغصوبة أو ما شاكل ذلك فقد استوضحنا في محله وإن لم يكن كذلك فليس للغاصب مهما عظمت نفقته على المغصوب الرجوع على المالك بل ان ما أنفقه يعتبر هدرا.

стр. 110

الباب الثاني ضمان المغصوب وأحكامه الفصل الأول: الضمان وأحكامه ثلاثة مباحث المبحث الأول: وجوب الضمان وأدلته المبحث الثاني: كيفية الضمان المبحث الثالث: تعاقب الأيدي على المغصوب

стр. 111

المبحث الأول: وجوب الضمان وأدلته يعتبر الغصب سببا من أسباب الضمان في الفقه الإسلامي وأسباب الضمان كثيرة إلا ان أشهر أصول الضمانات وأكثرها وقوعا وأوسعها فروعا أربعة: هي: اليد، الإتلاف، الالتزام، الغرور. والذي يعنينا هنا ان نتعرض الى (اليد) باعتبارها من أسباب الضمان. ذكر القرافي (١) من فقهاء المذهب المالكي: «ان أسباب الضمان ثلاثة فمتى وجد واحد منها وجب الضمان. ومتى لم يوجد لم يجب. ثالثهما: وضع اليد غير المؤتمنة فيندرج في غير المؤتمنة يد الغاصب.» وقد اتفق الفقهاء على اعتبار الغصب موجبا للضمان كما أشرنا الى ذلك عند التحقيق في تعريفه ونستعرض هنا كلمات الفقهاء بهذا الخصوص لنتبين هذه الحقيقة بوضوح: ذكر الكاساني (٢) من فقهاء الحنفية: «ان وقت وجوب الضمان هو وقت وجود الغصب لأن الضمان يجب الغصب ووقت ثبوت الحكم وقت وجود سببه». وذكر المرغيناني (٣): «ان حكم الغصب ان كان مع العلم فحكمه المأثم والمغرم وان كان بدونه فالضمان لأنه حق العبد فلا يتوقف على قصده». وفي المذهب الشافعي: ذكر الشيرازي (٤) ان: «من غصب مال غيره وهو من أهل الضمان في حقه ضمنه لما روى سمرة ان النبي ﵌ قال: «على اليد ما أخذت حتى ترده».

стр. 112

وفي المذهب الحنبلي: ذكر في العدة (١): «ومن غصب شيئا فعليه ردّه لقوله ﵌: على اليد ما أخذت حتى تؤدي وعليه اجرة مثله مدة مقامه في يده لأنه فوّت عليه منفعته والمنافع لها قيمة فيضمنها كالأعيان». وفي المذهب المالكي: نقلنا قول القرافي في صدر البحث وقد قال ابن رشد (٢) ايضا: «ان الموجب للضمان أما المباشرة لأخذ المال أو لإتلافه وأما لإثبات اليد عليه». وفي المذهب الجعفري: ذكر الشيخ الطوسي (٣): «ان المنافع تضمن بالغصب كالأعيان مثل منافع الدار والثياب». وذكر الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (٤): «ان أسباب الضمان كثيرة. ومنها اليد والمراد بها: الاستيلاء على مال الغير بغير حق يعني بغير اذن من المالك ولا الشارع فان كان عالما عامدا مختارا فهو عدوان محرم مضاف إلى أثره الوضعي من لزوم دفع غرامته ولو تلف وهو الغصب المعروف وان لم يكن كذلك فلا حرمة بل عليه الضمان فقط». وفي المذهب الزيدي: ذكر العنسي (٥): «ولو كان الفاعل للغصب جاهلا أو ناسيا أو صبيا فيلزمه أحكام الغصب الدنيوية وهي الضمان ولزوم الاستفداء وسائر الأحكام لا الإثم فهو مرفوع عن هؤلاء.»

стр. 113

وقد ذكر الأستاذ منير القاضي (١) في شرح المجلة: «انه قد ذهب الفقهاء في وجوب الضمان في حالة وضع اليد الى مذهبين: مذهب يقول بأن الضمان يكون في الأعيان فقط دون المنافع وهذا هو مذهب أبي حنيفة وقد أخذت به المجلة، ومذهب يقول بأن الضمان يكون على حد سواء في الأعيان والمنافع وهذا هو مذهب أكثر الفقهاء من غير الحنفية كما أنه هو الرأي الذي أخذت به القوانين المدنية الغربية.» وأهم الأدلة التي استند إليها الفقهاء في القول بسببية النصب للضمان هي: أولا: القاعدة الشريفة (٢) التي هي بالأصل حديث نبوي وهي: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي.» وقد لا حظنا اعتماد الفقهاء عليها عند استعراضنا لكلماتهم في المقام والظاهر ان جهة الاستدلال بهذه القاعدة يتركز فيما يلي: «ان ظاهر الحديث يشير الى ان ما أخذته اليد على عهدتها أي ان المال المأخوذ الذي صار تحت اليد والاستيلاء على عهدة اليد والذي أخذه وهذا هو عين الضمان، وعليه فالمال الذي وقع تحت اليد العادية على احتمال أو يد غير المأذون على احتمال آخر مع أنه موجود خارجي يعتبر في عهدة الآخذ ومستقر في ذمته بوجوده الاعتباري الى ان يؤدي (٣).» ثانيا: ان الإجماع يكاد ان يكون معقدا على اعتبار الغصب سببا من

стр. 114

أسباب الضمان وقد نقلنا كلمات الفقهاء بالخصوص ومنه نستظهر مثل هذا الإجماع. ثالثا: ان القول بوجوب الضمان بمجرد وضع الغاصب يده على المغصوب يتفق مع النزعة الفقهية ومبادئ الشريعة التي تنص على حرمة التصرف بملك الغير أو التجاوز عليه بأي شكل من الأشكال. رابعا: ان مثل هذا الإلزام سوف يضع الغاصب وجها لوجه أمام مسؤليته المدنية في ضمان المغصوب مما قد يضطره الى التحلل من هذه المسؤلية فيبادر الى ردّ المغصوب وهو ما تستهدفه الشريعة. خامسا: ان هذا الضمان اضافة إلى أنه سيكون بمثابة ملاحقة للغاصب وقطع الطريق عليه حتى لا يجني ثمار غصبه أو يستغل المغصوب بشكل أو بآخر اضافة الى ذلك فإنه سيكون ولا ريب عاملا فعالا في زرع التهيب والنفرة من التعدي على أموال الناس وحقوقهم. المبحث الثاني: متى يجب الضمان قلنا ان المغصوب إذا كان باقيا فليس للمالك إلزام الغاصب بالضمان مهما قلت قيمته السوقية لأن حقه ثابت ومتعين في العين المغصوبة وهي قائمة بعينها فلا يجوز المصير الى البدل. أما في حالة تلف العين أو استهلاكها فالمالك حينئذ يحق له مطالبة الغاصب ببدلها بإرجاع المثل ان كان المغصوب مثليا أو دفع قيمتها ان كانت العين المغصوبة قيمية. وقد اجمع الفقهاء (١) على ذلك ولم أر في حدود ما اطلعت مخالفا بل نقل

стр. 115

الإجماع الشعراني (١) وابن رشد (٢) وذكر الشيخ أبو زهرة (٣) انه: «يوجب الغصب الضمان إذا تلف المال المغصوب كما يوجب الإتلاف هذا الضمان.» والى ذلك ذهبت المجلة (٤) ونص عليه القانون المدني العراقي (٥) في المادة (١٩٣) منه. كيفية الضمان: قلنا ان الغاصب يضمن المغصوب لو تلف بإجماع الفقهاء أما كيف يكون الضمان فهذا ما سنتحدث عنه تفصيلا في هذه النقطة من البحث فنقول: ان المغصوب التالف لا يخلو اما ان يكون مما له مثل أو مما لا مثل له ولقد ذكرنا ما هو المثلي وما هو غير المثلي في البحث التمهيدي. والذي يهمنا هنا ان الفقهاء قالوا بتضمين الغاصب للمثل ان كان التالف مثليا وللقيمة ان كان قيميا: جاء في المذهب الحنفي: ذكر أبو الليث السمرقندي (٦): «أن غصب مكيلا أو موزونا أو

стр. 116

معدودا مما يجوز السلم فيه - أي مثليا - فإن أهلكه أو هلك عنده يضمن مثله.» وذكر الكاساني (١): «المغصوب لا يخلو أما ان يكون مما له مثل وأما ان يكون مما لا مثل له فان كان مما له مثل. فعلى الغاصب مثله لأن ضمان الغصب ضمان اعتداء والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل. الآية (ومن اعتدى عليكم.) وان كان مما لا مثل له فعليه قيمته لتعذر المثلية.» وفي المذهب الشافعي: جاء في المهذب (٢): «وان كان مما له كالحبوب والأدهان ضمن بالمثل». وذكر الغزالي (٣) ذلك ايضا وقال: «أما المتنومات إذا تلفت فتضمن بأقصى قيمتها من وقت الغصب الى التلف.». ففي المذهب الحنبلي: ذكر ابن قدامة (٤): «وان تلف المغصوب ضمنه بمثله ان كان مكيلا أو موزونا. إلخ». وذكر المرداوي (٥): «وان تلف المغصوب: لزمه مثله ان كان مكيلا أو موزونا وكذا لو أتلفه هذا المذهب وعليه الأصحاب سواء تماثلت أجزاؤه

стр. 117

أو تفاوتت كالأثمان والحبوب، والأدهان، وغير ذلك. وجزم به في العمدة». وجاء في مختصر الإنصاف (١): «ان تلف المغصوب ضمنه بمثله. ان لم يكن مثليا ضمنه بقيمته.». وفي المذهب المالكي: ذكر ابن جزي (٢): «وان كان قد فات ردّ اليه مثله أو قيمته فيرد المثل فيما له مثل. ويرد القيمة فيما لا مثل له.». وذكر ابن رشد (٣): «فإذا ذهبت عينه فإنهم اتفقوا على أنه إذا كان مكيلا أو موزونا أن على الغاصب المثل. أعني مثل ما استهلك صفة ووزنا». أما في المذهب الجعفري: ذكر الشيخ الطوسي (٤): «فما له مثل إذا غصب غاصب من هذا شيئا فإن كان قائما رده وإن كان تالفا فعليه مثله». وذكر في محل آخر (٥): «وما لا مثل له فإن أتلفها فكمال القيمة». وذكر المحقق الحلي (٦): «فإن تلف المغصوب ضمنه الغاصب بمثله إن كان مثليا. فإن لم يكن مثليا ضمن قيمته».

стр. 118

وفي المذهب الزيدي: ذكر في التاج (١): «في بيان ما يلزم الغاصب إذا تلفت العين في يده واعلم انه يلزمه في تالف المثلي مثله». ثم ذكر في موضع آخر (٢): «وأما إذا كان التالف قيميا فالواجب في التالف القيمي من الأصل قيمته يوم الغصب». أما في المذهب الظاهري: فقد ذكر ابن حزم (٣) ان أبا حنيفة ومالك قالا: «أما ما يكال أو يوزن فعليه مثله وأما ما عدا ذلك من العروض والحيوان فالقيمة. وقال أصحابنا المثل في كل ذلك ولا بدّ فإن عدم المثل فالمضمون له مخير بين ان يمهله حتى يوجد المثل وبين ان يأخذ القيمة قال أبو محمد: وهذا هو الحق الذي لا يجوز خلافه وما نعلم لمن قضى بالقيمة حجة أصلا». والقضاء العراقي (٤) تطبيقات متعددة في هذا الموضوع والتفرقة بين القيمي والمثلي في الضمان. والأدلة على ضمان المثلي التالف يكون بالمثل آيات وأحاديث وأدلة أوردها الفقهاء: أما الآيات فمنها: أ - قوله تعالى: «﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾» (٥). وقد استدل بهذه الآية الشريفة غير واحد من الفقهاء (٦) في وجوب

стр. 119

التعويض بالمثل عند تلف المثلي. وقد ذكر القرطبي (١) في تفسيره: اختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء: عليه في ذلك المثل ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل لقوله تعالى «﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾». قالوا: وهذا عموم في جميع الأشياء كلها وعضدوا ذلك بقضية القصعة التي كسرت كما سيأتي. ب - قوله تعالى «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» (٢). وعمومها يستفاد منه ما ذكرناه من وجوب المثل في تلف المثلي. وكذلك قوله تعالى «فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ ٣ النَّعَمِ». وهناك آيات أخرى تصلح بعمومها للاستدلال على ما ذكرنا من مثل قوله تعالى «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» (٤). أما الأحاديث التي استدل بها بعض الفقهاء على تضمين الغاصب بالمثل إن كان المغصوب التالف مثليا: فمنها: ١ - عن أنس (٥): ان رسول الله ﵌ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت

стр. 120

القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام وقال كلوا، ودفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة. وقد زاد بعضهم على هذا النص قوله ﵌: «طعام بطعام وإناء بإناء» وفي هذا الحديث دلالة على ان من استهلك على غيره شيئا كان مضمونا بمثله. وهو متفق عليه بالمثلي من الحبوب. وأورد أحاديث أخر قال (روى عن عثمان وابن مسعود انهما قضيا على من استهلك فصلانا بفصلان مثلها). ومن طريق عبد الرزاق بن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح انه قضى في قصّار شق ثوبا ان الثوب له وعليه مثله فقال الرجل أو ثمنه فقال شريح: انه كان أحب إليه من ثمنه قال: انه لا يجد قال: لا وجد. وعن قتادة انه قضى في ثوب استهلك بالمثل. قال فإن قالوا: فإنكم لا تقضون بالمكسور للكاسر فقد خالفتم الحديث قلنا: انه لا يخلو من أحد وجهين - أي فعل الرسول ﵌. أما انها لم تصلح لشيء فأبقاها كما يحل لكل إنسان منا ما فسد جملة من متاع غيره ولم ينتفع منه بشيء وأما ان قصعة عائشة التي أعطى كانت خيرا من التي كانت لزينب فجبر ﵊ تلك الزيادة بتلك الكسارة وإلا فنحن على يقين انه لا يعطي أحدا مال غيره بغير حق. قال بعد ذلك: فإذا عدم المثل من نوعه فكمل ما قاربه وساواه فهو أيضا مثل له من هذا الباب (١). وذكر هذه الأحاديث صاحب الروض النضير (٢) في الاستدلال بضمان المثل بمثله إلا عند عدمه.

стр. 121

وإضافة الى ما تقدم من الآيات والأحاديث نجد ان الفقهاء قد أجمعوا أو يكادون كما نقلنا ذلك عند استعراضنا لكلماتهم وقد نقل هذا الاتفاق أيضا الشعراني (١) قال: «واتفق الأئمة إلا في رواية لأحمد على ان العروض والحيوان وكل ما كان غير مكيل ولا موزون إذا غصب وتلف يضمن بقيمته وان المكيل والموزون يضمن بمثله إذا وجد». وهو يقصد بالأئمة الأربعة أبو حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد في رواية. وهناك رأي يستند الى العقل في استنباط هذا المعنى من الآيات المتقدمة خلاصته: ١ - «ان القيمة مثل من حيث الصورة ولأن ضمان الغصب ضمان جبر الفائت ومعنى الجبر بالمثل أكمل منه من القيمة فلا يعدل عن المثل إلى القيمة إلا عند التعذر» (٢). ٢ - «ان المثل يعرف بالمشاهدة والقيمة تعرف بالاجتهاد وما يعلم يقدم على ما يجتهد (٣) فيه». وذكر الشيرازي (٤) ما يقرب من هذا المعنى بقوله: «ان إيجاب المثل رجوع إلى المشاهدة والقطع وإيجاب القيمة رجوع الى الاجتهاد والظن فإذا أمكن الرجوع الى القطع لم يرجع الى الاجتهاد كما لا يجوز الرجوع الى القياس مع النص». وأضيف الى ذلك: «ان إرجاع مثل العين أقرب الى العين بنظر العرف

стр. 122

والعقلاء وأقرب الى روح العدالة وإرجاع الحق إلى أهله اللذين تتحراهما الشريعة المقدسة». والخلاف قد وقع هنا بعد اتفاقهم على أنه إذا ذهبت عينه وكان مكيلا أو موزونا ان على الغاصب المثل واختلفوا في العروض فقال مالك (١): لا يقضي في العروض من الحيوان وغيره إلا بالقيمة يوم استهلك. وقال أبو حنيفة والشافعي ان الواجب في ذلك المثل ولا تلزم القيمة إلا عند عدم المثل. وذهب الى ذلك ابن حزم (٢). والظاهر ان حجة مالك فيما ذهب اليه قول الرسول ﵌: «من أعتق شقصا له في عبد قوّم عليه الباقي قيمة العدل». وجهة الاستدلال به انه لم يلزمه المثل وألزمه القيمة. وقد ناقش ابن حزم (٣) هذا الرأي بما يلي: ١ - ان الشريك لم يستهلك شيئا ولا غصب شيئا ولا تعدى أصلا بل أعتق حصته التي أباح الله تعالى له عتقها وإنما هو حكم من الله أنفذه. ٢ - انه يلزم ان كان المعتق المذكور مستهلكا حصة شريكه ولذلك يضمن القيمة بأن يوجبوا ذلك عليه معسرا كان أو موسرا كما يفعلون في كل مستهلك وهم لا يفعلون هذا (أي القائلون بضمان القيمة هنا). وليس لهم ان يدعوا إجماعا هنا لأن ابن أبي ليلى وزفر بن الهذيل يضمنون معسرا أو موسرا.

стр. 123

ثم ذكر بعد ذلك حديث القصعة المكسورة مستندا إليه في وجوب ضمان المثل إلا عند عدمه. انقطاع المثلي: قلنا ان الفقهاء ذهبوا الى تضمين الغاصب المثل عند تلف المثلي المغصوب. ولكن لو انقطع المثلي من أيدي الناس أو تعذر الحصول عليه فما هو رأي فقهاء المذاهب الإسلامية؟ هنا حصل خلاف بينهم في هذه المسألة سنتبينه من خلال استعراضنا لكلماتهم في المقام. ففي المذهب الحنفي: ذكر ابن غانم (١): «إذا انقطع المثلي. فعليه قيمته يوم الخصومة عند أبي حنيفة ويوم الغصب عند أبي يوسف ويوم الانقطاع عند محمد». وذكر أبو الليث السمرقندي (٢): «. وان انقطع من أيدي الناس ولا يوجد مثله في بلده يضمن قيمته يوم الخصومة».

стр. 124

وفي المذهب الشافعي: جاء في إعانة الطالبين (١): «. فإن فقد المثل فيضمن بأقصى قيم من غصب الى فقد». وقد ذكر الغزالي (٢) أربعة أقوال في ضمان المثلي عند التلف وقد فقد المثل: قول بأقصى قيمة من وقت الغصب الى التلف وقيل أقصى قيمة المثل من وقت وجد إلى الإعواز وقيل من وقت الغصب إلى الإعواز وقيل الى وقت طلب الضمان. وقد ذكر الرملي (٣) عشرة أوجه في حالة فقدان المثل وهي على التوالي: (١) أقصى من الغصب الى التلف. (٢) من التلف الى التعذر. (٣) الأقصى من الغصب الى تغريم القيمة والمطالبة. (٤) الأقصى من انقطاع المثل إلى المطالبة. (٥) الأقصى من التلف إلى المطالبة. (٦) الاعتبار بقيمة اليوم الذي تلف فيه المغصوب. (٧) بقيمة يوم الإعواز. (٨) بقيمته يوم المطالبة. (٩) بيوم الحكم بالقيمة. قال والأصح في حالة فقدان المثل: «الأكثر من الغصب الى التلف». وقد استدل الشيرازي (٤) بعد ان ذكر اختلاف فقهاء المذهب في هذه المسألة على الرأي المختار «وهو الأكثر من الغصب الى الحكم» قال: لأن الواجب في الذمة هو المثل الى وقت الحكم. كما ان الواجب في المغصوب رد العين الى وقت التلف ثم يغرم قيمة المغصوب أكثر ما كانت من حين الغصب الى حين التلف فيجب ان يعتبر في المثل أكثر ما كانت قيمته الى وقت الحكم.

стр. 125

أما الرملي (١) فقد استدل على اختياره الأصح «الضمان بالأكثر من الغصب الى التلف» بقوله: «انه مطالب بالرد في حالة الزيادة إذ هو غاصب فإذا لم يرد كان ضامنا للبدل». أما في المذهب الحنبلي: ذكر في المقنع (٢): «. وان أعوز المثل فعليه قيمة مثله يوم إعوازه. وقال القاضي يضمنه بقيمته يوم القبض وعنه تلزمه قيمته يوم تلفه». وذكر ابن النجار (٣): «. فإن أعوز فقيمة مثله يوم إعوازه». وذكر المرداوي (٤): «وان أعوز المثل فعليه قيمة مثله يوم إعوازه.» قال: وهذا هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب وجزم به في الوجيز: والمحرر، وناظم المفردات وقدمه في الهداية والمغني والشرح والفروع وهو من مفردات المذهب قال الحارثي: اختاره ابن عقيل ثم نقل عن الحارثي قولا آخر: «يلزمه قيمته يوم تلفه وقيل أكثرهما أي أكثر القيمتين». أما في المذهب المالكي: فقد ذكر سيدي أحمد الدردير (٥): «ولو انقطع المثلي كفاكهة وغصبها في ابانها ثم انعدمت صبر وجوبا ويقضي عليه به لوجوده في القابل». أما في المذهب الجعفري: ذكر الشيخ الطوسي (٦): «. وان أعوز المثل طالبه بقيمته فإن لم يقبض القيمة بعد الإعواز حتى مضت مدة يختلف فيها القيمة طالبه بقيمته حين القبض لا حين الإعواز».

стр. 126

وذكر الشهيد (١) الثاني: «. إذا تعذر المثل فإنه يضمن قيمته يوم الإقباض لا يوم الإعواز». وذكر الشيخ مغنية (٢): «. انه إذا انقطع المثل ولم يقدر عليه حين الطلب سقط المثل عن الغاصب ووجبت القيمة لقبح التكليف بما لا يطاق ولأنه جمع بين الحقين وهل تعتبر القيمة التي يقادر بها المثل يوم الغصب؟ أو يوم تلف المغصوب أو يوم الإقباض والأداء أو أعلى القيم»؟ هنا ينقل الشيخ مغنية انهم - أي فقهاء الجعفرية - اتفقوا بشهادة صاحب الجواهر على انه يدفع قيمة المثل السوقية حين الإقباض والأداء لأن الثابت في الذمة هو المثل فتعتبر القيمة ساعة الوفاء وعملية تفريغ الذمة تماما كما لو استدان مثليا ثم فقد المثل فإنه يدفع قيمته عند الأداء. ويتلخص لنا من ذلك ان في هذه المسألة - أي انقطع المثلي حين الطلب - أقوال: ١ - قول بتضمين الغاصب قيمة المغصوب يوم الخصومة. وهو قول أبي حنيفة (٣) وأكثر فقهاء المذهب الحنفي. ٢ - قول بتضمين الغاصب قيمته يوم انقطاع المثل: وهو قول الامام محمد الحسن (٤) الشيباني وهو ما ذهب إليه الحنابلة (٥) أيضا. ٣ - قول بتضمينه يوم الغصب وهو قول أبي يوسف (٦).

стр. 127

٤ - قول بتضمينه أقصى القيم من الغصب الى الحكم وهو الرأي المختار في المذهب الشافعي على ما ذكره الشيرازي (١). ٥ - قول بتضمينه قيمته يوم الأداء وهو الرأي الراجح في المذهب الجعفري (٢). ونحن هنا نميل الى القول بأن الغاصب ملزم بالضمان بقيمة يوم الانقطاع حيث ان المثل ما دام موجودا فعلى الغاصب رده وإذ انقطع فحينئذ يكون المصير إلى القيمة ووقت الانقطاع هو الوقت الذي شغلت به ذمة الغاصب فلزم الضمان بقيمة يوم الإعواز. تلف القيمي وضمانه: عرفنا رأي الفقهاء في كيفية ضمان المثلي عند التلف وهنا نريد أن نتعرف على كيفية ضمان القيمي. في المذهب الحنفي: ذكر ابن قاضي (٣) سماونة: «في غصب القيمي يجب قيمته يوم غصبه أو يوم إتلافه وفي عدة المفتين للنسفي: من أتلف القيمي فعليه قيمته يوم غصبه». وذكر المرغيناني (٤): «. بخلاف ما لا مثل له لأنه مطالب بالقيمة بأصل السبب كما وجد فتعتبر قيمته عند ذلك». وفي مختصر المسعودي (٥): «فإن هلك في يده بفعله أو بغير فعله فعليه قيمته يوم غصبه إن لم يكن له مثل وإلا فعليه مثله».

стр. 128

ومن هذه النصوص يتبين لنا ان القيمي يكون ضمانه في رأي فقهاء المذهب يوم غصبه. وفي المذهب الشافعي (١) يضمن الغاصب قيمة المغصوب أكثر ما كانت قيمة من يوم الغصب الى يوم التلف. وفي المذهب الحنبلي: ذكر ابن قدامة (٢): «. وإن لم يكن مثليا ضمنه بقيمته يوم تلفه في بلده من نقده - أي نقد بلد التلف -». وذكر ابن النجار (٣): «. وغيره - وغير المثلي - يضمن بقيمته يوم تلفه في بلد غصبه من نقده». ويتبين هنا ان فقهاء المذهب الحنبلي على خلاف ما ذهب إليه الأحناف فضمان القيمي على رأيهم - عند التلف - يوم تلفه. وفي المذهب المالكي: ذكر ابن جزي (٤): «. ويرد القيمة فيما لا مثل له كالعروض والحيوان والعقار وتعتبر القيمة في ذلك يوم الغصب لا يوم الرد». ومن هنا نفهم ان رأي فقهاء المالكية موافق لرأي الأحناف. وفي المذهب الجعفري: ذكر الشيخ محمد جواد (٥) مغنية: إن كان المغصوب قيميا كالحيوان ونحوه فعلى الغاصب ان يدفع قيمة المغصوب يوم تلفه

стр. 129

لا قبله ولا بعده وإن طال الأمد لأن يوم التلف هو الوقت الذي تشتغل فيه الذمة بالقيمة. قال صاحب الجواهر (١): «الأقوى وجوب القيمة حين التلف وفاقا للفاضل والشهيد الثاني والسيوري والكركي والأردبيلي بل هو المحكي عن القاضي في الدروس والروضة نسبته إلى الأكثر وذلك لأنه وقت الانتقال إلى القيمة وإلا فقبله مكلف برد العين من غير ضمان للنقص السوقي إجماعا. وقد نقل الشيخ مغنية قولا لجماعة من الفقهاء باعتبار «أعلى القيم» من حين الغصب الى حين الدفع عقابا ثم علق عليه بقوله: «انه مجرد استحسان إضافة الى إجماع الفقهاء على عدم ضمان القيمة السوقية». وحاصل رأي فقهاء الجعفرية في المسألة ما ذكره السبزواري (٢) في كفايته فقد ناقش الأقوال في المسألة وقال: «اختلف الأصحاب على أقوال»: ١ - اعتبار قيمته يوم الغصب وذهب اليه الشيخ في المبسوط (٣) وقد نسبه المحقق إلى الأكثر، وهذا موافق لرأي الحنفية كما ذكرنا. ضمان أعلى القيم من حين الغصب الى التلف وهو منقول عن الشيخ في الخلاف (٤) وموضع من المبسوط واختياره ابن إدريس واستحسنه المحقق. ٣ - الضمان بالقيمة يوم التلف (٥) وهو مذهب ابن البراج والعلامة في المختلف ونسبه في الدروس إلى الأكثر، وهذا موافق لرأي الحنابلة كما ذكرنا.

стр. 130

٤ - أعلى القيم من حين الغصب الى وقت رد القيمة وهو منقول عن المحقق في أحد قوليه: ووجه القول الأول بأن وقت حدوث الغصب أول وقت دخول العين في ضمان الغاصب والضمان إنما هو لقيمته فيقضي به. ووجه القول الثاني: بأن العين ما دامت موجودة فلا حق لمالكها في القيمة زادت أم نقصت ولهذا لم يحكم عليه بزيادة القيمة السوقية عند نقصانها حين الرد والانتقال إلى القيمة إنما هو عند التلف فتعتبر القيمة في تلك الحال وفيه أيضا ضعف. ووجه القول الثالث: بأنه مضمون في جميع حالاته التي من جملتها حالة أعلى القيم ولو تلف فيها لزم ضمانه فكذا بعده. ولعل القول الرابع مبني على الواجب في القيمي رد المثل والانتقال إلى القيمة عند تعذره فجميع الزمان الى حين الرد ضمان لقيمة ما في ذمته. وعلى القول باعتبار القيمة مطلقا لا توجيه لهذا القول. قال (١): والاعتبار العقلي العدلي يقتضي المصير الى القول الثالث وهو الضمان بيوم التلف لأن الغاصب في أول زمان الغصب مكلف بإيصال المغصوب الى المالك في ذلك الوقت فإذا لم يفعل كان عليه ان يجبر النقصان الذي حصل للمالك في ذلك الوقت فإذا لم يفعل كان عليه ان يجبر النقصان الذي حصل للمالك بسببه ويجبر النقصان أما برد العين في زمان آخر أو قيمته في الزمان الأول عند تعذر ذلك. وفي المذهب الزيدي: ذكر في التاج (٢): «أما إذا كان التالف قيميا فالواجب في التالف من القيمي من الأصل قيمته يوم الغصب في بلد الغصب لا يوم التلف».

стр. 131

وهذا موافق لرأي الحنفية والمالكية وبعض فقهاء الجعفرية كما أشرنا. وقد ذكر ابن المرتضى (١) رأيا آخر وافق فيه اتجاه الشافعية وبعض الجعفرية وهو القول بضمان أعلى القيم من الغصب الى التلف فقد قال: «وفي تالف القيمي أوفر القيم من الغصب الى التلف. وخلاصة ما استدل به أصحاب الرأي القائلين بضمان القيمي التالف بقيمة يوم الغصب ما يلي: ١ - استدل الأحناف: ان يوم القبض هو «وقت وجوب الضمان لأن الضمان يجب بالغصب ووقت ثبوت الحكم وقت وجود سببه فتعتبر قيمة المغصوب يوم الغصب» (٢). ويمكن مناقشة هذا الدليل بأن الحكم بضمان القابض للعين وقت القبض لا يستلزم الضمان بقيمة ذلك الوقت إذ من المتفق عليه ان العين لو كانت باقية لزم ردها الى مالكها وهذا القول يستلزم انتقال ضمان العين حين قبضها إلى القيمة مع فرض بقائها وهو لا وجه (٣) له. ٢ - ما استدل به السبزواري (٤) بقوله: «ان وقت حدوث الغصب أول وقت دخول العين في ضمان الغاصب والضمان إنما هو لقيمته فيقضي به حالة ابتدائه». وهذا الدليل فريب من دليل الكاساني المتقدم ويمكن مناقشته بنفس المناقشة السابقة. واستدل القائلون بالضمان بأعلى القيم بما خلاصته:

стр. 132

١ - استدل السبزواري من الجعفرية بأن: «المغصوب مضمون في جميع حالاته التي من جملتها حالة أعلى القيم ولو تلف فيها لزم ضمانه فكذا بعده». ويرد عليه: ان ضمان العين على تقدير تلفها في تلك الحالة لا أثر له إذ من المسلم به ان العين ما دامت باقية فالزيادة السوقية غير مضمونة وضمان القيمة إنما هو على تقدير وقوع التلف لا مطلقا. ٢ - واستدل الشيرازي (١) من الشافعية بنحو الدليل السابق إذ قال: «انه غاصب في الحال التي زادت فيها قيمته فلزمه ضمان قيمته كالحالة التي غصب فيها». وقد تقدم مناقشة ذلك في الدليل السابق. أدلة القوم بيوم التلف: ١ - استدل بعض فقهاء الإمامية (٢): بأن: «الواجب رد العين، والغاصب مخاطب بدفعها الى مالكها سواء كانت القيمة زائدة أو ناقصة، من غير ضمان شيء على النقص إجماعا فإذا تلفت وجب قيمة العين وقت التلف لانتقال الحق إليها لتعذر البدل ومع ثبوت العين ووجودها لا تتعلق القيمة بالذمة وإنما الذمة مشغولة برد العين والانتقال إلى القيمة انتقال الى البدل وهو إنما يثبت حال وجوبه وهو حالة التلف». ٢ - واستدل ابن قدامة (٣) من الحنابلة: بقوله: «ان القيمة إنما تثبت في الذمة حين التلف لأن قبل ذلك كان الواجب رد العين دون قيمتها، فاعتبرت تلك الحالة كما لو لم تختلف قيمته».

стр. 133

وهذا الرأي هو الذي نميل اليه لقوة الأدلة هنا ولما أوردناه على الآراء السابقة وأدلتها. منافع المغصوب: كنا قد تطرقنا في الباب الأول الى الحديث عن زوائد المغصوب وهل يمكن اعتبارها مغصوبة مضمونة عند التلف أم لا. وقد أوضحنا في محله آراء الفقهاء بهذا الخصوص. وهنا نريد ان نتحدث عن منافع المغصوب وهل هي مضمونة أم غير مضمونة؟ ونستعرض آراء الفقهاء بهذا الخصوص. ففي المذهب الحنفي: ذكر السمرقندي (١): «ان المنافع لا تضمن بالغصب والإتلاف» وذكر الكاساني (٢): «وعلى هذا تخرج منافع الأعيان المنقولة المغصوبة انها ليست بمضمونة عندنا». وقد فرق المتأخرون بين المعد للاستغلال أو مال اليتيم أو الوقف وبين غيرها فقالوا بضمان الغاصب فيها دون غيرها. جاء في اللباب (٣): «ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه من ركوب الدابة وسكنى الدار. لأنها حصلت على ملك الغاصب. وهذا فيما عدا ثلاثة مواضع فيجب فيها أجر المثل على اختيار المتأخرين وعليه الفتوى وهو ان يكون وقفا أو ليتيم أو معدا للاستغلال». ويظهر من ذلك ان المذهب الحنفي لا يلتزم القول بضمان المنافع إلا ما استثناه المتأخرون.

стр. 134

وفي المذهب الشافعي: ذكر في حاشية البجيرمي (١): «ويلزمه مع ردّ المغصوب والأرش أجرة مثله لمدة إقامته في يده ولو لم يستوف المنفعة ولو تفاوتت المدة ضمن في كل بعض من أبعاض المدة أجرة مثله فيه». وذكر الرملي (٢): «وتضمن منفعة الدار ونحوهما من كل منفعة يستأجر عليها بالتفويت - بالاستعمال - والفوات: وهو ضياع المنفعة من غير الانتفاع كإغلاق الدار في يد عادية لأن المنافع متقومة فضمنت بالغصب كالأعيان سواء كان مع ذلك أرش نقص أم لا كما يأتي فلو كان للمغصوب أجرة متفاوتة في المدة ضمن كل مدة بما يقابلها.». ويظهر من ذلك ان المذهب الشافعي يلتزم القول بضمان المنافع الفائتة تحت يد الغاصب سواء التي انتفع بها أو فاتت بدون انتفاع. وفي المذهب الحنبلي: وافق رأي فقهاء الشافعية في القول بضمان المنافع بالفوات والتفويت. ذكر المرداوي (٣): «وان كان للمغصوب اجرة: فعلى الغاصب اجرة مثله مدة مقامه في يده يعني إذا كانت تصح إجارته. هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. ثم قال: منافع المقبوض بالعقد الفاسد كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتفويت».

стр. 135

وذكر في المقنع (١): «ولو غصب جارحا فصاد به أو شبكة أو شركا فأمسك شيئا أو فرسا عليه أو غنم فهو لمالكه.». فهنا من وجهة نظر الحنبلي قول بالضمان مطلقا بالنسبة للمنافع. وقد وافقهم على ذلك فقهاء المذهب الجعفري فذهبوا الى القول بأن الغاصب يضمن منافع المغصوب بالفوات والتفويت وعلى ذلك كلمتهم: ذكر الطوسي (٢): «المنافع تضمن بالغصب كالأعيان وجملته ان كل منفعة تضمن بعقد الإجارة فإنها تضمن بالغصب كمنافع الدار والدابة والثياب.» وذكر المحقق الحلي (٣): «فوائد المغصوب مضمونة بالغصب. أو منافع كسكنى الدار وركوب الدابة وكذا منفعة كل ما له اجرة بالعادة». وذكر الشهيد (٤) الثاني في الروضة: «ويضمن أيضا أجرة المغصوب كالدار والأثاث والحانوت والعقار والأرض الصالحة للانتفاع بها - ان كان له اجرة لطول المدة التي غصبه فيها سواء استعمله أو لا لأن منافعه أموال تحت اليد فتضمن بالفوات والتفويت ولو تعددت المنافع.». وقد اتفق فقهاء الزيدية مع جمهور الفقهاء في القول بضمان المنافع فقد ذكر ابن المرتضى (٥): «وكما تضمن العين تضمن منافعها إذا فوتها مدة لبثها فتلزم الأجرة.».

стр. 136

وذكر في الروض النضير (١): «ومن ركب دابة غيره ضمن، وهذا كالأول من انه يحتمل ان يكون الضمان لمنافعها وهو اجرة المثل على الركوب وهو المتبادر ويحتمل ان يكون المراد به ضمانها إذا تلفت تحت يده كما حمله عليه صاحب المنهاج». ووافق رأي الجمهور فقهاء الظاهرية: فقد ذهب ابن حزم الى ضمان منافع المغصوب سواء بالفوات والتفويت. فقد ذكر (٢): «ومن غصب أرضا فزرعها أو لم يزرعها فعليه ردّها وما نقص منها ومزارعته مثلها لما ذكرنا من انه حال بين صاحبها وبين منفعة أرضه». أما فقهاء المالكية: فقد اتجه أكثرهم (٣) إلى القول بضمان منافع المغصوب المستوفاة سواء كانت منافع دور أم حيوانات. فقد روى هذا عن مالك اختاره الدردير. أما ابن القاسم (٤) فقد ٥ فرق بين ضمان منافع الدور والأرضين وبين منافع الحيوان. على انهم اتفقوا (٥) جميعا على عدم ضمان المنافع غير المستوفاة.

стр. 137

الاستدلال على الرأي الأولى: وأصحاب الاتجاه الأول إنما يذهبون الى القول بعدم ضمان منافع المغصوب استنادا إلى الأدلة الآتية: ١ - استدل السرخسي (١) من فقهاء المذهب الحنفي بقوله ﵌: «الخراج بالضمان» ووجه الاستدلال به هو ان المغصوب لما كان (في ضمان الغاصب فهو الذي التزم تسليمه بالغصب دون المالك فكان الأجر له دون المالك)». ويجاب على هذا بأن الحديث إنما سبق لمناسبة معينة وهي: «ان رجلا ابتاع عبدا فأقام عنده ما شاء ان يقيم ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى النبي ﵌ فردّه عليه فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي: فقال رسول الله ﵌: الخراج بالضمان (٢)». وغاية ما يستفاد من هذا الحديث ان كل من أقدم على تعهد مال وجعل ضمانه في عهدته ملك منافعه لأن الشخص الرشيد لا يتعهد مالا إلا ان يملك نماءه ومنافعه وهذا الضمان مستند الى حالة مشروعة ولأن الضمان بسبب غير مشروع كالغصب لم يكن عن رغبة من الغاصب وتعهد منه وإنما هو حكم جزائي قهري من الشارع بسبب تعديه وتصرفه غير المشروع فلا تكون منافعه له. ولو سحبنا مضمون الحديث على كل حالة لكان ذلك مدعاة للانتفاع بأموال الغير بلا بدل «فيعقدون الإجارة على المنفعة التي يريدون ثم يخالفون الى الانتفاع بما يريدون دون الالتزام بعوض ولا يبالون ضمان المأجور عند الهلاك (٣)» ولذا أفتى المتأخرون من الحنفية بوجوب ضمان المنافع إذا

стр. 138

كان المغصوب وقفا أو مال يتيم أو معدا للاستغلال استوفاها أو لم يستوفها «لما لاحظوه من سيئات النتائج وإضاعة الحق التي تؤدي إليه نظرية عدم ضمان المنافع فقصّروا من أذيالها وضيقوا من دائرة شمولها فاستثنوا الموارد (١)». وقد ناقش هذا الحديث المتقدم الذي استند اليه الأحناف فيما ذهبوا اليه من عدم ضمان المنافع ابن حزم في محلاة (٢) قائلا: «ان هذا الحديث غير صحيح وأنه انفرد به مخلد بن خفاف ومسلم بن خالد الزنجي ثم قال: لو صحّ لما كان لهم فيه حجة لأنه إنما جاء فيمن اشترى عبدا فاستغله ثم وجد به عيبا فردّه فكان خراجه له وهكذا نقول نحن لأنه قد ملكه ملكا صحيحا فاستغل ماله لا مال غيره ومن الباطل ان يقاس الحرام على الحلال.» أما صاحب الروض من الزيدية (٣) فقد ناقش من استند الى الحديث المتقدم بقوله: «انه - أي الحديث - ورد في خراج الغلام المبتاع لما أراد المشتري فسخه بعد استعماله لما تبين به العيب. وقد قامت القرائن على قصر ظاهر العموم على سببه للاتفاق على ان ظاهر العموم مهجور لو رود صور بلزوم الخراج مع الضمان. ولقيام الأدلة القاطعة بتحريم أكل المال بالباطل.». ٢ - واستدل الحنيفة كذلك على عدم ضمان المنافع: بما ذكره الكاساني (٤): «لأنه لم يوجد تفويت يد المالك عن المنافع لأنها أعراض تحدث شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان فالمنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودة في يد المالك فلم يوجد تفويت يد المالك عنها فلم يوجد الغصب.».

стр. 139

وهذا مبني أولا على حد الغصب وتعريفه وقد حققنا في مجلة الرأي الراجح وناقشناه ونعود هنا ايضا فنقول: ان التفويت كما يحصل بإزالة يد المالك كذلك يحصل بمنعه عن الاستفادة بملكه ولا فرق بين الصورتين. ثم ان القاعدة الشريفة (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) شاملة بعمومها لهذا المورد لأن المنفعة مال بحد ذاتها. إذ يجري عليها العقد كالإجارة مثلا بل هي الغرض الأظهر من الأموال. ولا وجه لعدم اعتبارها موجودة عند الغصب لأنها ان لم تكن موجودة بالفعل فهي موجودة بالقوة بوجود العين. وأما ما ذهبوا إليه في هذا المقام أيضا (من أنها أي المنافع إنما تتقوم بالعقد وفي حالة انتفاع الغاصب بها لا عقد حتى تتقوم به) (١). فليس عليه دليل واضح قوي من أدلة الشريعة لا من نصوصها ولا من أصولها بل ان العرف قائم على خلافه إذ يعتبرها ذات قيمة في نفسها وإذ لا قيمة لها بنفسها فكيف تقوم وهل لغير المال قيمة؟ وعليه فالذي نخلص إليه من كل ما تقدم أن منافع المغصوب مضمونة على الغاصب وأنه مسؤول وملتزم بأداء البدل عما فوته على المالك. بقي إن نعرف هنا ما جرت عليه مجلة الأحكام بهذا الخصوص والظاهر أنها أخذت برأي الحنفية إذ لم تقل بضمان منافع المغصوب فذكرت (٢): «الغاصب ينتفع من المغصوب لقاء ضمانه إياه» وجاء أيضا: «من غصب شيئا غير معد للاستغلال ولا هو مال وقف أو مال يتيم فإذا هلك في يده ضمنه ولا أجر عليه».

стр. 140

ولكن منير القاضي يأخذ برأي جمهور الفقهاء ويعقبه بقوله: «إنه الرأي الذي أخذت به أغلب القوانين المدنية وإذا أردنا أن نتعمق في الدرس ونحلل الرأيين نجد أن الرأي الأخير - أي رأي الجمهور - هو الأعدل وهو الموافق لمجرى المنطق. ومع ورود الاستثناءات من القاعدة الأصلية (مال اليتيم ومال الوقف والمعد للاستغلال) فإن المذهب الحنفي في هذه النقطة لا يأتلف والصبغتين المنطقية والعملية فلأجل سدّ هذا العوز والنقص لم يترك الحكم كما ورد في المجلة مأخوذا من الفقه الحنفي بل عولج من طريق آخر يصح أن يعتبر مثالا جليا للتحايل على القانون أو الشرع فإذا اغتصب شخص دار آخر معدة للاستغلال فالقانون خول صاحب الدار أن ينذر المغتصب بإخلاء الدار وإن لم يخلها فيعده مستأجرا لها بمبلغ يحدده هو أي صاحب الدار المنذر ويكون هذا المبلغ عادة جسيما لكي يحقق التهديد المقصود من الإنذار فإذا بلّغ المغتصب بالإنذار ولم يترك الدار وسكت فيعتبر سكوته رضاء ولما كانت الإجارة تنعقد بالسكوت فيعتبر ان الدار مستأجرة. وتكون يده في هذه الحالة يد أمانة» (١). وقد ذهب القانون المدني العراقي (٢) في المادة (٢٤٠) مذهب جمهور الفقهاء فنصت على إلزام الغاصب بأداء المنافع سواء كان الشيء معدا للاستغلال أو غير معد له. تفريع: وبناء على ما تقدم فإن ما لمثله اجرة في زماننا هذا يضمن الغاصب منافعه على التفصيل الذي ذكرناه عند الفقهاء وذلك مثل سيارات الأجرة وأخشاب المقاولين وآلات البناء والدراجات وآلات الكاتبة وآلات الحاسبة ومكبرات

стр. 141

الصوت. وما الى ذلك فإن على الغاصب رد العين مع اجرة المثل. مع مسؤوليته عن أي نقص أو تلف أو استهلاك قد طرأ عليها. ضمان المغصوب لو كان فيه صنعة: اختلف الفقهاء في كيفية تضمين الغاصب فيما لو استهلك المغصوب وكان ذهبا فيه صنعة. فذهب كل من المالكية والجعفرية والحنابلة الى أن المغصوب إن كان ذهبا فيه صنعة ثم استهلك فإن الغاصب حينئذ يضمن قيمته مصوغا من غير جنسه وإنما ذهبوا الى هذا الرأي ليسلم التعويض من الربا. فذكر ذلك ابن القاسم من المالكية كما جاء في المدونة (١). وذكر المرداوي (٢) في الإنصاف: «انه ان كان مصوغا أو تبرا تخالف قيمته وزنه: قوّمه بغير جنسه وهذا هو المذهب. وإن كان مغايرا لجنس نقد البلد الذي يضمّن فيه ضمّن». وذهب الى ذلك الشيخ الطوسي من الجعفرية وقد علل رأيه الشهيد الثاني (٣) في المسالك بقوله: «لأن الربا ليس مختصا بالبيع بل هو ثابت في كل معاوضة على ربويين متفقي الجنس». إما الشافعية فقد ذهبوا الى خلاف هذا الرأي فذكر الرملي (٤): «أن الغاصب حينئذ يضمن مثل وزنه ويضمن الصنعة بنقد البلد. ولا ربا وإن كان من جنسه لأنّه مختص بالعقود».

стр. 142

وهذا الرأي الأخير - أي رأي الشافعية هو الأوفق لأن الضمان هنا إنما هو حكم جزائي قهري فلا يتصور فيه الربا. المبحث الثالث: تعاقب الأيدي على المغصوب قلنا ان الغاصب يلزمه الضمان بوضع يده على المغصوب واستيلائه عليه. وهنا فلو استولى على المغصوب شخص آخر بأي نحو من الأنحاء فهل يجب عليه الضمان أيضا فيكون للمالك الحق في مطالبته إما برد العين وتسليمها أو ببدلها ان تلفت؟ وهل يجب الضمان مطلقا بدون قيود؟ وإذا ألزمه المالك بالضمان فهل يرجع على أحد؟ هذه المسائل سنتعرض لها عند هذه النقطة من البحث لعلاقتها بصميم بحثنا. وعندما نبدأ الحديث عنها فإنما نجري على طريقتنا في استعراض كلمات الفقهاء في المقام لاستخلاص آرائهم: ففي المذهب الحنفي: ذكر الكاساني (١): «. ولو غصب من إنسان شيئا فجاء آخر وغصبه منه فهلك في يده فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني فلأنه فوت يد الأول. لأنه وجد من كل واحد منهما سبب الضمان إلا أن المضمون واحد فخيرنا المالك لتعين المستحق فإن اختار أن يضمن الأول رجع هو بالضمان على الثاني لأنه ملك المغصوب من وقت غصبه فتبين أن الثاني غصب ملكه وان اختار - أي المالك - تضمين الثاني فلا يرجع على أحد لأنه ضمن بفعل نفسه».

стр. 143

وفي الذهب الشافعي: ذكر الشيخ زكريا الأنصاري (١): «وضمن آخذ مغصوب من الغاصب وإن جهل الغصب وكانت يده أمينة تبعا لأصله والجهل وان أسقط الإثم لا يسقط الضمان. وقال: والقرار عليه أي على آخذه أن تلف عنده كغاصب من غاصب فيطالب بكل ما يطالب به الأول ولا يرجع على الأول إن غرم ويرجع عليه الأول إن غرم إلا إذا كانت القيمة في يد الأول أكثر فيطالب بالزائد الأول فقط». وفي المذهب المالكي: ذكر سيدي أحمد الدردير (٢): «وآكل من طعام مغصوب علم بأنه مغصوب فإنه يضمن لربه ما أكله ولربه الرجوع عليه ابتداء لأنه بعلمه الغصب صار غاصبا كغيره. ويغرم أولهما يسارا ومن أخذ منه الغرامة لا يرجع على صاحبه». وفي المذهب الحنبلي: ذكر البهوتي (٣) انه: «متى انتقلت العين المغصوبة عن يد الغاصب الى غير المالك لها فالمنقلة إليه بمنزلة الغاصب في كون المالك يملك تضمين العين والمنفعة لأنه ان كان عالما بالحال كان غاصبا وإن كان جاهلا فلعموم قوله ﵌: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ولأن العين المغصوبة صارت في يده بغير حق فملك المالك تضمينه كما يملك تضمين الغاصب لكن إنما يستقر عليه ما دخل ضمانه من عين أو منفعة وما عداه فعلى الغاصب ان لم يعلم».

стр. 144

وهذا يفهم منه ان الأيدي المتعاقبة على المغصوب أيدي ضمان سواء علموا أم جهلوا. وفي المذهب الجعفري: ذكر المحقق (١) الحلي: لو تعاقبت الأيدي الغاصبة على المغصوب تخير المالك في إلزام أيهم شاء أو إلزام الجميع بدلا واحدا. وذكر الشهيد الثاني (٢): «والأيدي المتعاقبة على المغصوب أيدي ضمان سواء علموا جميعا بالغصب أم جهلوا لتحقق التصرف في مال الغير بغير إذنه فيدخل في عموم على اليد وان انتفى الإثم عن الجاهل فيتخير المالك في تضمين من شاء ويرجع الجاهل منهم بالغصب إذا رجع المالك عليه على من غره فسلطه على العين أو المنفعة ولم يعلم بالحال وهكذا الآخر الى ان يستقر الضمان على الغاصب العالم». وفي المذهب الزيدي: ذكر ابن المرتضى (٣): «ان من قبض مغصوبا ولو جاهلا بغصبه ضمنه ولا يبرأ برده الى الغاصب». ومن هذه النصوص المتقدمة نفهم أن حكم غاصب الغاصب هو نفس حكم الغاصب الأول من حيث ترتب الضمان والالتزام برد المغصوب الى مالكه. غاية الأمر أن غاصب الغاصب مع العلم بالغصبية فإنما يستحق الإثم مع الضمان وأما ان كان جاهلا فإنما عليه الضمان فحسب لعموم قوله: ﵌: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».

стр. 145

وبنفس هذا الاتجاه الفقهي أخذ القانون المدني العراقي (١) فقد جاء في المادة (١٩٨) منه: «غاصب الغاصب حكمه حكم الغاصب فإذا غصب أحد من الغاصب المال المغصوب وأتلفه أو تلف في يده فالمغصوب منه مخيّر ان شاء ضمنه الغاصب الأول وإن شاء ضمنه الغاصب الثاني فإذا ضمن الغاصب الأول كان لهذا أن يرجع على الثاني وإذا ضمن الثاني فليس له أن يرجع على الأول». وإلى ذلك ذهب القضاء الاردني (٢) كما جاء في استئناف القضية رقم ٢٠ لسنة ١٩٥٣ وقد أشارت المحكمة الى عدة مبادئ قانونية تتعلق بالموضوع منها: ١ - غاصب الغاصب من حيث ترتب الضمان هو في حكم الغاصب نفسه. ٢ - عبارة غاصب الغاصب تعني كل شخص انتقل اليه المال المغصوب من الغاصب الأول. كيف يبرأ الغاصب من الضمان: اتفق الفقهاء في مسألة براءة الغاصب من الضمان على أنه متى عادت سلطة المالك على ملكه واستطاع أن يتصرف فيه كما لو كان في يده فإن الضمان حينئذ يسقط عن الغاصب. وهنا كيف نتحقق سيطرة المالك على المغصوب: هل بمجرد مصير العين المغصوبة تحت يده سواء علم أنها ملكه أم لا؟ أم يشترط علمه بأن هذا الشيء الذي تحت يده إنما هو ملكه وعين ماله؟
следующие страницы →