← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 675

أحكام الغصب في الفقه الاسلامي

عبد الجبار شرارة

Полный текст (276 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الصوت. وما الى ذلك فإن على الغاصب رد العين مع اجرة المثل. مع مسؤوليته عن أي نقص أو تلف أو استهلاك قد طرأ عليها. ضمان المغصوب لو كان فيه صنعة: اختلف الفقهاء في كيفية تضمين الغاصب فيما لو استهلك المغصوب وكان ذهبا فيه صنعة. فذهب كل من المالكية والجعفرية والحنابلة الى أن المغصوب إن كان ذهبا فيه صنعة ثم استهلك فإن الغاصب حينئذ يضمن قيمته مصوغا من غير جنسه وإنما ذهبوا الى هذا الرأي ليسلم التعويض من الربا. فذكر ذلك ابن القاسم من المالكية كما جاء في المدونة (١). وذكر المرداوي (٢) في الإنصاف: «انه ان كان مصوغا أو تبرا تخالف قيمته وزنه: قوّمه بغير جنسه وهذا هو المذهب. وإن كان مغايرا لجنس نقد البلد الذي يضمّن فيه ضمّن». وذهب الى ذلك الشيخ الطوسي من الجعفرية وقد علل رأيه الشهيد الثاني (٣) في المسالك بقوله: «لأن الربا ليس مختصا بالبيع بل هو ثابت في كل معاوضة على ربويين متفقي الجنس». إما الشافعية فقد ذهبوا الى خلاف هذا الرأي فذكر الرملي (٤): «أن الغاصب حينئذ يضمن مثل وزنه ويضمن الصنعة بنقد البلد. ولا ربا وإن كان من جنسه لأنّه مختص بالعقود».

стр. 142

وهذا الرأي الأخير - أي رأي الشافعية هو الأوفق لأن الضمان هنا إنما هو حكم جزائي قهري فلا يتصور فيه الربا. المبحث الثالث: تعاقب الأيدي على المغصوب قلنا ان الغاصب يلزمه الضمان بوضع يده على المغصوب واستيلائه عليه. وهنا فلو استولى على المغصوب شخص آخر بأي نحو من الأنحاء فهل يجب عليه الضمان أيضا فيكون للمالك الحق في مطالبته إما برد العين وتسليمها أو ببدلها ان تلفت؟ وهل يجب الضمان مطلقا بدون قيود؟ وإذا ألزمه المالك بالضمان فهل يرجع على أحد؟ هذه المسائل سنتعرض لها عند هذه النقطة من البحث لعلاقتها بصميم بحثنا. وعندما نبدأ الحديث عنها فإنما نجري على طريقتنا في استعراض كلمات الفقهاء في المقام لاستخلاص آرائهم: ففي المذهب الحنفي: ذكر الكاساني (١): «. ولو غصب من إنسان شيئا فجاء آخر وغصبه منه فهلك في يده فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني فلأنه فوت يد الأول. لأنه وجد من كل واحد منهما سبب الضمان إلا أن المضمون واحد فخيرنا المالك لتعين المستحق فإن اختار أن يضمن الأول رجع هو بالضمان على الثاني لأنه ملك المغصوب من وقت غصبه فتبين أن الثاني غصب ملكه وان اختار - أي المالك - تضمين الثاني فلا يرجع على أحد لأنه ضمن بفعل نفسه».

стр. 143

وفي الذهب الشافعي: ذكر الشيخ زكريا الأنصاري (١): «وضمن آخذ مغصوب من الغاصب وإن جهل الغصب وكانت يده أمينة تبعا لأصله والجهل وان أسقط الإثم لا يسقط الضمان. وقال: والقرار عليه أي على آخذه أن تلف عنده كغاصب من غاصب فيطالب بكل ما يطالب به الأول ولا يرجع على الأول إن غرم ويرجع عليه الأول إن غرم إلا إذا كانت القيمة في يد الأول أكثر فيطالب بالزائد الأول فقط». وفي المذهب المالكي: ذكر سيدي أحمد الدردير (٢): «وآكل من طعام مغصوب علم بأنه مغصوب فإنه يضمن لربه ما أكله ولربه الرجوع عليه ابتداء لأنه بعلمه الغصب صار غاصبا كغيره. ويغرم أولهما يسارا ومن أخذ منه الغرامة لا يرجع على صاحبه». وفي المذهب الحنبلي: ذكر البهوتي (٣) انه: «متى انتقلت العين المغصوبة عن يد الغاصب الى غير المالك لها فالمنقلة إليه بمنزلة الغاصب في كون المالك يملك تضمين العين والمنفعة لأنه ان كان عالما بالحال كان غاصبا وإن كان جاهلا فلعموم قوله ﵌: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ولأن العين المغصوبة صارت في يده بغير حق فملك المالك تضمينه كما يملك تضمين الغاصب لكن إنما يستقر عليه ما دخل ضمانه من عين أو منفعة وما عداه فعلى الغاصب ان لم يعلم».

стр. 144

وهذا يفهم منه ان الأيدي المتعاقبة على المغصوب أيدي ضمان سواء علموا أم جهلوا. وفي المذهب الجعفري: ذكر المحقق (١) الحلي: لو تعاقبت الأيدي الغاصبة على المغصوب تخير المالك في إلزام أيهم شاء أو إلزام الجميع بدلا واحدا. وذكر الشهيد الثاني (٢): «والأيدي المتعاقبة على المغصوب أيدي ضمان سواء علموا جميعا بالغصب أم جهلوا لتحقق التصرف في مال الغير بغير إذنه فيدخل في عموم على اليد وان انتفى الإثم عن الجاهل فيتخير المالك في تضمين من شاء ويرجع الجاهل منهم بالغصب إذا رجع المالك عليه على من غره فسلطه على العين أو المنفعة ولم يعلم بالحال وهكذا الآخر الى ان يستقر الضمان على الغاصب العالم». وفي المذهب الزيدي: ذكر ابن المرتضى (٣): «ان من قبض مغصوبا ولو جاهلا بغصبه ضمنه ولا يبرأ برده الى الغاصب». ومن هذه النصوص المتقدمة نفهم أن حكم غاصب الغاصب هو نفس حكم الغاصب الأول من حيث ترتب الضمان والالتزام برد المغصوب الى مالكه. غاية الأمر أن غاصب الغاصب مع العلم بالغصبية فإنما يستحق الإثم مع الضمان وأما ان كان جاهلا فإنما عليه الضمان فحسب لعموم قوله: ﵌: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».

стр. 145

وبنفس هذا الاتجاه الفقهي أخذ القانون المدني العراقي (١) فقد جاء في المادة (١٩٨) منه: «غاصب الغاصب حكمه حكم الغاصب فإذا غصب أحد من الغاصب المال المغصوب وأتلفه أو تلف في يده فالمغصوب منه مخيّر ان شاء ضمنه الغاصب الأول وإن شاء ضمنه الغاصب الثاني فإذا ضمن الغاصب الأول كان لهذا أن يرجع على الثاني وإذا ضمن الثاني فليس له أن يرجع على الأول». وإلى ذلك ذهب القضاء الاردني (٢) كما جاء في استئناف القضية رقم ٢٠ لسنة ١٩٥٣ وقد أشارت المحكمة الى عدة مبادئ قانونية تتعلق بالموضوع منها: ١ - غاصب الغاصب من حيث ترتب الضمان هو في حكم الغاصب نفسه. ٢ - عبارة غاصب الغاصب تعني كل شخص انتقل اليه المال المغصوب من الغاصب الأول. كيف يبرأ الغاصب من الضمان: اتفق الفقهاء في مسألة براءة الغاصب من الضمان على أنه متى عادت سلطة المالك على ملكه واستطاع أن يتصرف فيه كما لو كان في يده فإن الضمان حينئذ يسقط عن الغاصب. وهنا كيف نتحقق سيطرة المالك على المغصوب: هل بمجرد مصير العين المغصوبة تحت يده سواء علم أنها ملكه أم لا؟ أم يشترط علمه بأن هذا الشيء الذي تحت يده إنما هو ملكه وعين ماله؟

стр. 146

للفقهاء هنا رأيان: الرأي الأول: وهو رأي جمهور الفقهاء من الشافعية والراجح عند الحنابلة وعليه جمهور الجعفرية والناصر من فقهاء الزيدية: وهؤلاء ذهبوا الى أن علم المالك بأن هذا الشيء الذي صار تحت يده إنما هو ماله ومملوك له شرط في تحقق براءة الغاصب من الضمان. فقد ذكر الشيرازي (١) من فقهاء الشافعية: «ان رهنه - أي المغصوب - عند مالكه أو أودعه أو آجره منه وتلف عنده فإن علم انه له برئ الغاصب من ضمانه لأنه أعاده إلى يده وسلطانه. وإن لم يعلم فوجهان يبرأ لأنه عاد اليه والثاني لا. لأنه لم يعد الى سلطانه وإنما عاد اليه على أنه أمانة». وذكر البجيرمي (٢): أن العلم شرط على رأي أغلب فقهاء المذهب. وذكر المرداوي (٣) من فقهاء الحنابلة: «ولو وهب المغصوب لمالكه أو إهداء إليه برئ على الصحيح من المذهب لأنه سلمه إليه تسليما تاما». وذكر ابن قدامة (٤): «وان رهنه عند مالكه أو أودعه إياه أو آجره أو استأجره على قصارته وخياطته لم يبرأ إلا أن يعلم وان أعاره إياه برئ علم أو لم يعلم، قال في الإنصاف وهو المذهب جزم به في الوجيز». أما في المذهب الجعفري: فقد ذكر الشيخ الطوسي (٥): «إذا أطعمه مالكه فهل تبرأ ذمة الغاصب أم لا؟ قال نظرت فإن كان المالك عالما بأنه

стр. 147

ملكه فأكله مع العلم بحاله برئت ذمة الغاصب لأنه رضي بأكل مال نفسه فبرئت ذمة الغاصب منه». وفي المذهب الزيدي: ذكر ابن المرتضى (١): «ويبرأ الغاصب بمصير العين الى المالك بأي وجه كان من إطعامه إياها من غير استهلاك أو إعارته أو نحوها وان جهلها. وخالف الناصر في أحد قوليه واشترط العلم». أما الرأي الثاني: فهو لفقهاء الحنفية وهو وجه عند الشافعية واتجاه عند الحنابلة وهو لأغلب فقهاء الزيدية. وكل هؤلاء لا يشترطون علم المالك لتتحقق براءة الغاصب من الضمان بل يكفي من وجهة نظرهم أن تقع العين المغصوبة تحت يده أو يتصرف بها تصرف الملاّك. وذكر ابن قاضي سماونة (٢) انه: «لو وضع الغاصب المغصوب بين يدي مالكه بريء وإن لم توجد حقيقة القبض وكذا المودع وذكر أيضا أنه لو اطعم المالك الشيء المغصوب أو كساه إياه بريء وإن لم يعلم المالك وأجمعوا أنه لو وهبه له وسلمة أو باعه منه وهو لا يعلم به بريء». وأما في المذهب الشافعي: فقد ذكرنا قول الشيرازي (٣) وإن القول ببراءة الغاصب مع عدم علم المالك وجه في رأي فقهاء المذهب. أما الحنابلة (٤) فقد فرقوا بين رهن المغصوب عند مالكه وإجارته أو إيداعه فرأوا العلم شرطا لتحقق البراءة وبين أن يهبه الشيء المغصوب أو يهديه الى المالك أو يعيره إياه فإنه حينئذ يبرأ الغاصب من الضمان سواء علم المالك أم لم يعلم.

стр. 148

أما الزيدية: فقد ذكر ابن المرتضى (١): «ويبرأ بمصير العين الى المالك بأي وجه كان من إطعامه أيها من غير استهلاك أو نحوهما وان جهلها». وذكر العنسي (٢) في التاج: «وكذا - أي يبرأ - لو باعها منه أو رهنها أو يعيره إياها أو نحو ذلك فإنه يبرأ بشرط أن يكون المالك عند قبضه مختارا أو مكرها وأن يكون على حال يصح الرد اليه وأن جهل المالك مصيرها اليه». وذكر أيضا أنه إذا أبرأ المالك أحد الغاصبين بريء الآخرون، إذ الإبراء إسقاط لما تعلق في الذمة بسبب هذه العين فلم يختص. ولم أر - في حدود اطلاعي - لأصحاب الرأي الثاني دليلا لا من المعقول ولا من المنقول وغاية ما عثرت عليه ما ذكره ابن المرتضى من انه حتى مع عدم علمه بأن هذا الشيء إنما هو ماله المغصوب منه فإن الغاصب يبرأ من الضمان «لأن المالك قد وصل الى حقه» (٣). أما أصحاب الاتجاه الأول الذين ذهبوا الى أن الغاصب لا يبرأ من الضمان إلا بإرجاع المغصوب الى المالك وتحقق علمه بذلك فإنهم استدلوا: ١ - «بأن الغاصب إنما ضمن لأنه أزال يد المالك وسلطانه عن المال وبالتقديم اليه مع عدم علمه لم تعديده وسلطانه حقيقة وإنما عاد اليه على أنه أمانة أو تبرع» (٤). ٢ - أن الردّ لم يتحقق عرفا هنا وإنما يزول عنوان الغصب الموجب للضمان بكل ما دلّ على رضا المالك ببقاء العين المغصوبة في يد الغاصب أو

стр. 149

بما اعتبره العرف ردّا وظاهر أن العرف هنا إنما يعتبر إطعام المالك طعامه المغصوب بدون علمه أو إعارته له أو ما شاكل اما من باب التغرير أو أمانة. وعليه فنحن نميل هنا الى القول الأول الذاهب الى اشتراط العلم في صحة تحقق الرد وبالتالي براء الغاصب من الضمان. والملاحظ هنا أن القانون المدنية (١) يوافق رأي الحنفية ومن تابعهم فيذهب الى أن علم المالك ليس بشرط لتحقق الرد المبرء للغاصب من الضمان وإلى ذلك أيضا ذهبت مجلة الأحكام العدلية (٢).

стр. 150

الفصل الثاني تغير المغصوب وأحكامه ثلاثة مباحث المبحث الأول: تغير ذات المغصوب المبحث الثاني: تغير صفات المغصوب المبحث الثالث: تغير القيمة بسبب نقصان السعر

стр. 151

المبحث الأول الفرع الأول تغير ذات المغصوب لا بفعل الغاصب: إن بقاء المغصوب بيد الغاصب يحمله مسؤولية الضمان عند طرو أي فوات أو استهلاك وليس ذلك فحسب بل أن الغاصب ليكون مسؤولا وضمانا عند حدوث أي تغير يصيب ذات المغصوب أو صفاته. وحديثنا هنا سيكون منصبا على تغير ذات المغصوب ونتائج ذلك ومقدار المسؤولية التي يتحملها الغاصب. وحتى نستطيع أن نتبين ذلك في الفقه الإسلامي نجري على طريقتنا في البحث فنستعرض أولا كلمات الفقهاء في هذا المقام ثم نخلص بعد ذلك الى اتجاهات الفقه. ففي المذهب الحنفي: ذكر الكاساني (١): «إذا غصب عصيرا فصار خلا في يده أو لبنا حليبا

стр. 152

فصار مخيضا أو عنبا فصار زبيبا أو رطبا فصار تمرا فإنه المغصوب بالخيار إن شاء أخذ ذلك الشيء بعينه ولا شيء له غيره لأن هذا من أموال الربا فلم تكن الجودة فيها بانفرادها متقوّمة فلا تكون متقوّمة. وإن شاء تركه على الغاصب وضمنه مثل ما غصب». وذكر السمرقندي (١): «أنه إذا غصب عصيرا فصار خلا أو عنبا فصار زبيبا أو لبنا فصار رائبا. فصاحبه بالخيار: إن شاء أخذه بعينه ولا شيء له وإن شاء ضمنه مثله وسلم له ذلك كله لأنه من أموال الربا». وذهب سيدي أحمد الدردير (٢) من فقهاء المالكية: الى أن تغير الذات: «كعصير تخمير بعد غصبه فلربه مثل العصير لفواته بالتخمير وأن تخلل عند الغاصب خيّر ربّه في أخذه خلا أو مثل عصيرة ان علم قدره وإلا فقيمته لأن المثلي الجزاف يضمن بالقيمة إذا فات». وذهب الشيرازي (٣) من فقهاء الشافعية: إلى أنه: «ان غصب عينا فاستحالت عنده بأن كان بيضا فصار فرخا أو كان حبا فصار زرعا أو كان زرعا فصار حبا فللمغصوب منه أن يرجع به لأنه عين ماله فإن نقصت قيمته بالاستحالة رجع بأرش النقص لأنه حدث في يده وان غصب عصيرا فصار خمرا ضمن العصير بمثله لأنه بانقلابه خمرا أسقطت قيمته فصار كما لو غصب حيوانا فمات فإن صار الخمر خلا ردّه وهل يلزمه ضمان العصير مع ردّ الخل؟ وجهان: أحدهما يلزمه لأن الخل غير العصير فلا يسقط برد الخل ضمان ما وجب بهلاك العصير والثاني لا يلزمه».

стр. 153

وقد ذكر الغزالي (١) ان عدم إلزامه هو الأصح. وذهب فقهاء الحنابلة (٢): أنه: «ان غصب عصيرا فتخمر فعليه قيمته فإن انقلب خلاّ ردّه وما نقص من قيمة العصير». وذكر أيضا (٣): «وإن غصب بيضا فصار أفراخا أو نوى فصار غرسا ردّه ولا شيء له». أما في المذهب الجعفري: فقد ذكر السبزواري (٤) أنه: «ولو غصب عصيرا فصار خمرا ثم صار خلا كان للمالك ولو نقصت قيمة الخل كان الأرش على الغاصب». وذكر الشيخ الطوسي (٥): معللا هذا الرأي: «. لأن هذا عين ماله». وذكر الشهيد الثاني (٦): «إذا غصبه عصيرا فصار خمرا ضمن مثله لتنزيله بذلك منزلة التلف لخروجه عن أهلية المالك». وفي المذهب الزيدي: ذكر ابن المرتضى (٧) رأي الإمام يحيى والهادي بعد أن رمز إليهما أن لو

стр. 154

غصب عصيرا فتخلل لا بعلاج فاستهلاك، كلو تلف في يده أما المؤيد فلم يذهب الى ذلك. ومن خلال هذا الاستعراض لكلمات الفقهاء في موضوع تغير ذات المغصوب بطبيعتها نستظهر ما يلي: ١ - ان الذات ان انقلبت الى مالا مالية له فهي فوات لها تستوجب الضمان. وعلى هذا إجماع الفقهاء. ٢ - ان انقلبت الذات الى مالا مالية له، ثم استحالت مرة أخرى إلى ماله مالية كالعصير ينقلب خمرا ثم ينقلب خلاّ فإن هناك اتجاهين: الأول: يذهب الى أن الخل كما في المثال هو عين العصير فيسترده المالك وان ظهر فيه نقص فإنه يغرم أرشه. وهذا رأي الحنابلة والأصح على رأي الشافعية وهو رأي الجعفرية. الثاني: يذهب الى تخيير المغصوب منه بين أخذ العين كما هي ولا شيء على الغاصب وبين تضمين مثلها. وهو رأي المالكية والحنفية. وإلى هذا الرأي الثاني ذهب القانون المدني العراقي (١) في المادة (١٩٤) فقرة أولى إذا تغير المغصوب عند الغاصب فالمغصوب منه بالخيار إن شاء استرد المغصوب عينا مع التعويض عن الإضرار الأخرى وإن شاء ترك المغصوب ورجع على الغاصب بالضمان». ونحن نميل هنا إلى الرأي الأول وذلك لما يأتي: ١ - ان ذات المغصوب موجودة بعينها ولم تتلف وعليه فلا مسوّغ للضمان. ٢ - ان المغصوب قد فقد خصوصية من خصوصياته المعتبرة عرفا وإذا

стр. 155

ظهر فيه نقص لزم الضمان وعليه فلا مسوّغ أيضا لاسترداد المغصوب كما هو دون تعويض. وهذا ما التفت اليه القانون المدني العراقي في نص المادة المذكورة. وعليه فالمتحصل ان الغاصب هنا ملزم بردّ المغصوب مع التعويض عن الإضرار الأخرى. الفرع الثاني: تغير المغصوب بفعل الغاصب تحدثنا عن أحكام تغير المغصوب لو حدث بطبيعته وهنا سيكون حديثنا عن المغصوب لو تغير بفعل الغاصب نفسه وإذا حددنا بشكل أدق فإنه نتناول تغير ذات المغصوب بفعل الغاصب بحيث يتبدل اسمه وتزول معظم منافعه. ونجري على طريقتنا فنتناول أولا استعراض كلمات الفقهاء في المقام لنخلص بعد ذلك الى معرفة وجهات نظر الفقه واتجاهاته التشريعية في هذه النقطة. ففي المذهب الحنفي: ذكر المرغيناني (١): «. وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وأعظم منافعها زال ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصب وضمنها ولا يحل له الانتفاع حتى يؤدي بدلها كمن غصب شاة وذبحها وشواها أو طبخها أو حديدا فاتخذه سيفا.» وهذا كله عندنا «وفي رواية عن أبي يوسف قيل لا ينقطع حق المالك». وذكر ابن قاضي سماونة (٢): ذلك أيضا وضرب أمثلة أخرى كتطبيقات

стр. 156

لما قرروه قال: «ولو عصر عنبا أو سمسما أو زرع برا فأدرك أو حضن البيضة فأفرخت أو غزل قطنا ونسجه. أو قطع ثوبا وخاطه أو غرس ثالة أو خبز دقيقا. فالحكم كما تقدم». وذكر عبد الله الموصلي (١): «ولو غصب تبرا فضربه دراهم أو دنانير أو آنية لم يملكه ومن خرق ثوب غيره فأبطل عامة منفعته ضمنه». أما عند فقهاء المذهب الشافعي: فقد ذكر الغزالي (٢) أنه «إذا غصب حنطة فطحنها أو ثوبا فقصره أو خاطه أو طينا فضربه لبنا أو شاة وشواها لم يملك حينئذ شيئا من ذلك بل يرده على حاله وأرش النقص ان نقص». وذكر الشيرازي (٣): «ان الطعام إذا طحنه له أن يتركه ويطالبه بمثل طعامه لأن مثله أقرب الى حقه من الدقيق. والمذهب: الأول لأن عين ماله باقية فلا يملك المطالبة ببدله». وعند فقهاء الحنابلة: ذكر أبو البركات (٤): «وإذا غير المغصوب فأزال اسمه كطحن الحب وضرب النقرة دراهم وطبخ الطين آجرا ونحوه فهو لمالكه وعلى الغاصب نقصه

стр. 157

ولا شيء له لزيادته وعنه يصير للغاصب وعليه عوضه وعنه يخير المالك بينهما». فهنا ثلاثة آراء رأي يوافق المذهب الشافعي ورأي يوافق الأحناف في صيرورة المغصوب في هذه الصورة ملكا للغاصب ورأي بالتخيّر. وذكر في الإقناع (١): «وإن غصب ثوبا فقصره أو غزلا فنسجه أو فضة أو حديدا فضربه أبرأ أو أواني أو غيرهما أو خشبا فنجره بابا أو نحوه أو شاة فذبحها وشواها. أو حبا فطحنه ردّ ذلك بزيادته وأرش نقصه ولا شيء له». وذكر البهوتي (٢): «ولو غصب طينا فضربه لبنا أو آجرا أو فخارا أو غصب حبا فطحنه أو دقيقا فعجنه وخبزه ونحوه ردّ ذلك الى مالكه لأنه عين ماله ولأنه لو فعله بملكه لم يزل عنه فكذا بملك غيره». وفي المذهب المالكي: ذكر الدردير (٣): «ان تغيير ذات المغصوب يعتبر فواتا له قال: وطين لبن. وقمح مثلا طحن ودقيق عجن وعجين خبز فإنه فواتا هنا (وحب بذر) ومتى حصل فوات فليس لربه أخذه إن كان مثليا بل يتعين أخذ مثله إلا برضا الغاصب وإن كان مقوما خيّر ربّه بين أخذه أو أخذ القيمة يوم الغصب». وذكر في المدونة (٤): «قلت أرأيت ان اغتصب من رجل فضة فضربها

стр. 158

دراهم أو صنع منها حليا. قال: عليه فضة مثلها وما أحفظ أني سمعت من مالك فيه شيئا. قلت: أرأيت ان اغتصب من رجل ترابا فجعلته ملاطا لبنائي ماذا له عليّ قال: عليك مثله». ويظهر من هذه النصوص موافقة المذهب المالكي لرأي الأحناف القائلين بأن تغير ذات المغصوب يعتبر استهلاكا فيجب الضمان. أما في المذهب الجعفري: ذكر الشيخ الطوسي (١): «إذا غصب شيئا لم يملكه غيره عن صفته التي هو عليها أو لم يغيره مثل إن كان نقرة فضربها دراهم أو حنطة فطحنها أو عصيرا فاستحال خمرا ثم استحال خلا كان عليه الردّ لأنه عين ماله». وذكر المحقق الحلي (٢): «ولا يملك العين المغصوبة بتغييرها وإخراجها عن الاسم والمنفعة سواء كان ذلك بفعل الغاصب أو فعل غيره كالحنطة تطحن والكتان يغزل وينسج». وقد ذكر السبزواري (٣) ذلك وأعقبه بقوله: «ولا اعرف فيه خلافا بين الأصحاب» ومن هذه النصوص المتقدمة يظهر ان الفقه الجعفري موافق لاتجاه الشافعية في ان تغيير الغاصب لذات المغصوب ليس فواتا ولا يسوغ له تملكها. نعم عليه أرش النقصان. أما الفقه الزيدي فيبرز فيه اتجاهان: اتجاه يوافق أبا حنيفة وهو رأي الهادي والقاسم من فقهاء المذهب على ما أشار إليه ابن المرتضى (٤).

стр. 159

وذهب الناصر والمؤيد بالله والإمام يحيى إلى أنه: «مهما كانت العين أو بعضها باقية وجب ردها ولو تغيرت، ووجهه ان الأصول تشهد ان صاحب الملك أولى بملكه». على ما ذكره صاحب الروض (١). وذكر في التاج (٢) قولا بالتخيير بين أخذ العين ولا أرش. وبين قيمتها قبل يوم الغصب. وفي المذهب الظاهري: فقد ذهب ابن حزم (٣) الى القول برأي الشافعية والجعفرية وما هو المذهب عند الحنابلة وعند الأكثر من فقهاء الزيدية وهو أن الغاصب ان غيّر المغصوب فإنه يبقى على ملك مالكه وعليه الرد مع أرش النقصان. وعليه فنحن نخلص الى القول بأن تغيير الغاصب لذات المغصوب بحيث يتبدل اسمه لا يسوغ للغاصب تملكه على رأي جمهور الفقهاء وعلى رأي (أبي حنيفة) وبعض فقهاء المذهب وفقهاء المالكية على أن فيهم من يقول (٤) بالتخيير بينها وبين القيمة ويوافقهم بعض الحنابلة (٥) والزيدية (٦). وإذا أردنا أن نتبين وجهة نظر هذا الفريق الثاني من الفقهاء الذين ذهبوا الى أن الغاصب إذا غيّر الشيء المغصوب يتملكه وليس للمالك إجباره على

стр. 160

رده فإنه يلزم أن نذكر أدلتهم وحججهم التي استندوا إليها ثم ننظر بعد ذلك في حجة الجمهور لنصير إلى رأي بعد ذلك. أدلة الفريق الثاني: احتج الفقهاء الذين ذهبوا الى الرأي الثاني بما يأتي: ١ - ذكر الكاساني (١) من فقهاء الحنفية ان: «فعل الغاصب - إذا غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه أو صبغه احمر. في هذه المواضع وقع استهلاكا للمغصوب اما صورة ومعنى أو معنى لا صورة فيزول ملك المالك عنه وتبطل ولاية الاسترداد كما إذا استهلكه حقيقة ودلالة تحقق الاستهلاك ان المغصوب قد تبدل وصار شيئا آخر بتخليق الله تعالى لأنه لم تبق صورته ولا معناه الموضوع له في بعض المواضيع ولا اسمه وقيام الأعيان بقيام صورها ومعانيها المطلوبة منها. وفي بعضها ان بقيت الصورة فقد فات معناه الموضوع له المطلوب منه عادة فكان فعله استهلاكا للمغصوب صورة ومعنى أو معنى فيبطل حق الاسترداد إذ - الهالك لا يحتمل الرد كالهالك الحقيقي، ولأنه إذا حصل الاستهلاك يزول ملك المالك لأن الملك لا يبقى في الهالك فتنقطع ولاية الاسترداد ضرورة، ولأن الاستهلاك يوجب ضمان المثل أو القيمة للمالك لوقوعه اعتداء عليه أو إضرارا به وهذا يوجب زوال ملكه عن المغصوب وإذا زال ملك المالك بالضمان يثبت الملك للغاصب في المضمون لوجود سبب الثبوت في محل قابل وهو إثبات الملك على مال غير مملوك لأحد وبه تبين ان فعله الذي هو سبب لثبوت الملك مباح لا حظر فيه فجاز ان يثبت الملك به». ٢ - وذكر ابن رشد (٢) هذا الرأي قائلا: «ان الوجه الثاني - أي

стр. 161

إذا كان العمل في المغصوب بحيث ينتقل اسمه كالقمح يطحنه - فهو فوت يلزم الغاصب قيمة الشيء المغصوب يوم غصبه أو مثله فيما له مثل هذا تفصيل مذهب ابن القاسم وأشهب على خلافه». ثم احتج ابن رشد بقوله: «وقد روى عن ابن عباس ان الصبغ تفويت يلزم فيه القيمة». وقد احتج هذا الفريق ايضا بأحاديث منها: ما ذكره ابن المرتضى (١) في البحر عن الإمام يحيى «ان الغاصب إذا جعل الدراهم سوارا ملكه، إذ زال اسمه ومعظم منافعه فاستهلكه كإحراقه لأمره ﵌ بصرف (شاة الأسارى (٢) فاقتضى زوال الملك.». هذه خلاصة ما اعتمده الفريق الثاني الذي ذهب الى ان تغيير ذات المغصوب بحيث يتبدل اسمه يعتبر استهلاكا فيتملكه الغاصب ويلزم بالضمان. فقد ناقش هذا الرأي ابن حزم الظاهري وهو من أصحاب الاتجاه الأول الذين ذهبوا الى ان تغيير ذات المغصوب بحيث يتبدل اسمه لا يعتبر تفويتا ولا استهلاكا وانه لا حق للغاصب في تملك المغصوب. قال ابن حزم (٣): «انه إذا أخذنا بذلك الرأي فإنه يمكن ان يقال حينئذ لكل فاسق إذا أردت أخذ قمح يتيم أو جارك وأكل غنمه واستحلال ثيابه وقد امتنع من ان يبيعك شيئا. فاغصبها. واذبح غنمه واطبخها وأ غصب حنطته واطحنها وكل كلّ ذلك حلالا طيبا وليس عليك إلا قيمة ما أخذت.».

стр. 162

وهذا كما - يذكر ابن حزم - على خلاف القرآن ونهيه عن (أكل المال بالباطل (١) وخلاف رسول الله ﵌ في قوله: «ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام» وانه ما يشك أحد ان كل دقيق طحن من حنطة إنسان فهو لصاحب الحنطة. ثم قال ابن حزم: «أما الاحتجاج بأمر (القصعة المكسورة (٢) فلا يصلح في المقام لما أورده في حينه. وأما خبر «المرأة التي دعت رسول الله ﵌ الى طعام فأخبرته أنها أرادت ابتياع شاة فلم تجدها فأرسلت الى جارة لها ابعثي إلىّ الشاة التي لزوجك. إلخ الخبر (٣)» فهذا حجة عليهم لا لهم إذ فيه: أنه ﵌ لم يبق ذلك اللحم في ملك التي أخذتها بغير اذن ربها وهم يقولون انه للغاصب حلال، وهذا الخبر فيه ايضا انه لم يأخذ رأيها في ذلك أي عند أمره ﵌ إطعامها الأسارى فصحّ إذن أنه ليس لها. أما الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (٤) فقد علق على هذا الرأي الذي ذهب اليه الفريق الثاني وذلك عند تناوله شرح المادة (٨٩٩) من مجلة الأحكام بقوله: «ان تبدل الاسم لا أثر له إنما المدار على انقلاب الذات أو تبدل الصفات فمن غصب حنطة فطحنها فان الدقيق وان اختلف مع الحنطة بالاسم إلا ان الحقيقة واحدة وأكثر الخواص فيهما متساوية والمرجع في أمثال ذلك الى زيادة القيمة ونقصها فان نقصت ردّ العين مع الأرش وان زادت أو ساوت أخذها

стр. 163

بلا شيء كل ذلك لأن عينه موجودة وإنما تغيرت العوارض والصفات وتغير الاسم لا يوجب تغير الحقيقة.» وقد ناقش القول بصيرورة المغصوب ملكا للغاصب بتغييره الناصر والمؤيد بالله والامام يحيى من فقهاء المذهب الزيدي حيث ذهبوا (١) الى أنه مهما كانت العين أو بعضها باقية وجب ردّها ولو تغيرت ووجهه ان الأصول تشهد ان صاحب الملك أولى بملكه والظواهر تنطق به. كما أجيب عن الحديث بوجوه: منها ما ذكره المؤيد بالله في شرح التجريد ولفظه: هذه المسألة ليست بقوية في نفسي لأنها لا أصل لها إلا هذا الخبر وهو يحتمل ان يكون ﵌ ضمنهم إياها وأمرهم أن يطعموها الإسراء لغيبة صاحبها إذ في الخبر ما يدل على ذلك فخشي ان تفسد عليهم وللحاكم ان يبيع على الغائب ما يخشى فساده اهـ. ما في التجريد. ومنها: أنه يلزم من ذلك أمور فاسدة لتأديته إلى إمكان التوصل إلى أكل أموال الناس بالباطل وان يكون ذريعة لأهل الظلم والفساد الى الوثوب على ما شاءوا من أموال العباد إذا الغاصب بتوصله الى العين وفعله فيها أي أنواع الاستهلاك تصير ملكا له وهو خلاف الأدلة كتابا وسنة. ثم احتج بالآية (٢) والحديث (٣). ونحن مع هذا الرأي الأخير لموافقته للأصول ولشهادة الأدلة المعتبرة بجانبه. المبحث الثاني: تغيير صفات المغصوب: قد يلجأ الغاصب الى تغيير صفات المغصوب وهنا يقول الفقه كلمته

стр. 164

ويتدخل الفقهاء لطرح الاحتمالات الواردة في هذا المقام ثم تخريجها وتكييفها فقهيا كل على قواعده وأسسه. والظاهر ان صور تغيير المغصوب من قبل الغاصب اما ان تكون بزيادة شيء عليه أو انقاصه. وعليه فان البحث هنا سيدور حول هاتين النقطتين: الفرع الأول: الزيادة وزيادة المغصوب التي تحصل من قبل الغاصب اما زيادة عين أو زيادة وصف. ونستعرض هنا كلمات الفقهاء في المقام لنتبين علاجهم لهذه المسائل. في المذهب الحنفي: ذكر المرغيناني (١): «أن من غصب ثوبا فصبغه أو سويقا فلّتة يسمن فصاحبه بالخيار ان شاء ضمنه قيمة الثوب قبل الصبغ ومثل السويق وسلم ذلك للغاصب وان شاء أخذهما وغرم ما زاد الصبغ والسمن فيهما.» وذكر الموصلي (٢): «ومن غصب ثوبا فصبغه أحمر أو سويقا فلّتة بسمن فالمالك ان شاء أخذهما وردّ زيادة الصبغ والسويق وان شاء أخذ قيمة الثوب أبيض». والظاهر من عبارات فقهاء الأحناف (٣) ان الصبغ تارة يكون بمثابة زيادة في المغصوب، واخرى يكون بمثابة نقص وكل ذلك بحسب الاعتبار

стр. 165

العرفي فإن عدّه العرف نقصا كان كذلك وإلا فزيادة. وحينئذ أي عند اعتبار الصبغ زيادة في المغصوب فالمالك مخير بين أخذه ودفع ما زاده الصبغ فيه وبين تضمين الغاصب قيمة الثوب قبل طرو الزيادة. هذا في رأي فقهاء الأحناف. أما في المذهب الشافعي: فقد ذكر أبو زكريا الأنصاري (١): «وان صبغ الثوب بصبغة وأمكن فصله كلفه وإلا فإن نقصت قيمته لزمه أرش أو زادت اشتركا». وذكر الشيرازي (٢): «إذا غصب ثوبا فصبغه بصبغ من عنده نظرت فان لم تزد قيمة الثوب والصبغ ولم تنقص بأن كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة فصارت قيمته مصبوغا عشرين صار شريكا لصاحب الثوب بالصبغ لأن الصبغ عين ماله وله قيمة فإن بيع الثوب كان الثمن بينهما نصفين.» وذكر الغزالي (٣): «ولو غصب ثوبا قيمته عشرة وصبغه بصبغ قيمته عشرة فصارت قيمة الثوب عشرين فهما شريكان فيباع ويقسم الثمن بينهما.» وذكر الأردبيلي (٤): «وان صبغ المغصوب. فإن أمكن الفصل اجبر عليه ولزمه الأرش ان نقص وان لم يكن. فان نقصت قيمته غرم الأرش وان زادت فالغاصب شريك بالصبغ». فرأي فقهاء الشافعية اذن هو ان الغاصب إذا أضاف على المغصوب شيئا

стр. 166

من ماله ولم يكن إزالته وفصله يكون شريكا للمالك بقدر ماله والمثال الذي أورده فقهاء المذهب كتطبيق لهذه القاعدة قد أوضح ذلك وقد أفاض في شرحه وبيانه الشيرازي (١) والرملي (٢)، على أنه هنا يلزمنا استيضاح مسألة مهمة في المقام ذكرها فقهاء المذهب بعد ان ذهبوا الى هذا الرأي وهي ان الغاصب وان أشرك في المغصوب مع المالك إلا ان المالك له الأولوية في البيع إذ «لا ينفرد أحدهما ببيع حقه ولو أراد المالك أجبر الغاصب على الموافقة ولو أراده الغاصب لم يجبر المالك (٣)». أما ما ذهب إليه الحنابلة: فقد ذكر أبو البركات (٤): «أنه إذا غصب ثوبا فصبغه، فهما شريكان بقدر قيمة الثوب والصبغ وأيهما زادت قيمته فزيادته لمالكه وان نقصت فعلى الغاصب.». وذكر البهوتي (٥): «وان غصب ثوبا فصبغه الغاصب بصبغة أو غصب سويقا فلّتة الغاصب بزيته فنقصت قيمتيهما أو نقصت قيمة أحدهما ضمن الغاصب النقص لأنه حصل بتعديه فضمنه. وان زادت فهما أي رب الثوب والصبغ أو رب السويق والزيت شريكان.» وقد ذكر صاحب المقنع ذلك أيضا أي ما ذكره صاحب الكشاف (٦) ثم

стр. 167

قال بعد ذلك «وان أراد أحدهما قلع الصبغ لم يجبر الآخر عليه ويحتمل ان يجبر إذا ضمن الغاصب النقص.» ويظهر من ذلك موافقة فقهاء المذهب الحنبلي لرأي الشافعية في القول بإشراك الغاصب مع المالك في مسألة الصبغ إلا انهم أعطوا الأولوية ايضا للمالك فقد ذكر في زوائد الكافي (١): «فإن أراد المالك بيع الثوب فله ذلك وان طلبه الغاصب فأباه المالك لم يجبر ويحتمل ان يجبر.» وذهب فقهاء المالكية الى ان الغاصب إذا صبغ الثوب بصبغ من عنده فان المغصوب منه «المالك - يكون مخيرا بين أن يأخذ الثوب ويدفع للغاصب قيمة الصبغ وبين ان يتركه للغاصب ويأخذ منه قيمته يوم غصبه.» هذا على ما ذكره في المدونة (٢) وهو كما يظهر موافق لرأي الأحناف مخالف لرأي الحنابلة والشافعية بالقول بأنهما شريكان بقدر قيمة ماليهما. وقد صرح بالقول بعدم اعتبار الغاصب والمالك شريكين في المدونة (٣) إذ قال: «. قلت: أرأيت لو ان رجلا غصب ثوبا فصبغه احمر ثم جاء رب الثوب فاستحقه» قال: يقال له خذ ثوبك وادفع اليه قيمة الصبغ أو خذ قيمة ثوبك لأن الغاصب غيره من حاله قلت: وهذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي قلت: ولا يكونان شريكين إذا أبى أن يأخذ الثوب ويدفع قيمة الصبغ وأبى المالك ان يأخذ قيمة الثوب؟! قال: لا يكونان شريكين إذا ابى ان يأخذ الثوب وليس إلا واحدا من هذين اما ان يأخذ واما ان يعطي.

стр. 168

ثم ذكر صاحب المدونة (١) بعد ذلك. إلا ان مالكا قال: لا يكونان شريكين فيما كان على وجه شبهة. أما إذا كان الصبغ ينقص قيمة الثوب فالظاهر مما ذكره ابن الخطاب (٢) ان يغرم الغاصب الأرش. وفي المذهب الجعفري: ذكر الشيخ الطوسي (٣) تفصيلا أوفى لمسألة الصبغ قال: «إذا غصب ثوبا فصبغه لم يخل من ثلاثة أحوال اما ان يكون للغاصب أو لرب الثوب أو لغيرهما فإن كان للغاصب لم يخل من ثلاثة أحوال اما ان لا يزيد ولا ينقص بالصبغ أو يزيد أو ينقص». فإن لم يزد ولم ينقص مثل ان كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة وهو بعد الصبغ يساوي عشرين فهما فيه شريكان لأن لكل واحد منهما عينا قائمة فيه فهو كما لو غصب طعاما فخلطه بطعام من عنده فهما فيه شريكان وكذلك هما شريكان أيضا لو زادت القيمة بعد الصبغ على ما ذكره الشيخ (٤) أيضا. وهنا يظهر من عبارات الشيخ في المقام ان الغاصب ان اختار قلع الصبغ فعليه أرش ما ينقص من قيمة الثوب وإذا امتنع صاحب الصبغ عن الإزالة فإن الأقوى ان للمالك إجباره وهل ان للمالك إعطاء قيمة الصبغ ليكون الثوب وصبغه له؟ الصحيح على رأي الشيخ الطوسي (٥) انه ليس له مطالبته بأخذ القيمة بل يكون فيه شريكان لأنها عين ماله قائمة بحالها غير تابعة لغيرها فلا يجبر على أخذ قيمتها كما لو خلط طعامه بطعامه.

стр. 169

وذكر المحقق الحلي (١): «ولو صبغ الثوب كان له إزالة الصبغ بشرط ضمان الأرش ان نقص الثوب ولصاحب الثوب إزالته أيضا لأنه في ملكه بغير حق. ولو أراد أحدهما ما لصاحبه بقيمته لم يجب على أحدهما إجابة الآخر. ثم يشتركان فإن لم ينقص قيمة ما لهما فالحاصل لهما وإن زادت فكذلك. وان نقصت قيمة الثوب بالصبغ لزم الغاصب الأرش». وذكر الشهيد الثاني (٢) في مسالكه ما ذكره الشيخ الطوسي أولا ثم قال «وان حصل بالانصباغ عين مال فإما أن يمكن فصله عنه أولا يمكن ففي الثاني يصير شريكا المغصوب منه لأنه عين مال انضم الى ملك. أما إذا كان أمكن فصله عن الثوب فللغاصب إزالته مع ضمان أرش الثوب ان نقص. وقال ابن الجنيد إذا لم يرض المالك بالقلع ودفع قيمة الصبغ وجب على الغاصب القبول ورجحه في المختلف العلامة الحلي والأظهر - على رأي الشهيد - العدم». ومن كل هذه النصوص التي نقلناها عن فقهاء المذهب الجعفري يتضح لنا موافقتهم لرأي فقهاء الشافعية والحنابلة فيما ذهبا اليه بهذا الخصوص. وفي رأي المذهب الزيدي: ذكر ابن المرتضى (٣): «مسألة المذهب الزيدي: ومن غصب ثوبا فصبغه فليس له إزالة صبغه». قال: ثم إن كان مما ينفصل. فإن تضرر المغصوب بالقلع فلمالكه أرش اليسير وخيّر في الكثير.

стр. 170

وإن لم يمكن فصله لم يرجع بقيمة صبغه. ثم نقل قول أبي حنيفة وهو: «ان زاد به الثوب أي بالصبغ خيّر المالك بين أخذ الثوب وضمان الصبغ أو أخذ قيمته. وأعقبه بقوله: لا وجه لضمان الصبغ». وذكر رأي الإمام يحيى أيضا وهو: «من غصب دارا فزخرفها فعليه إزالة الزخرفة ان طلب إذ يشغل بها ملك الغير كالأحمال ويضمن أرش النقص ان نقصت بالقلع فإن طلبها الغاصب فوجهان: يجاب، إذ هي ملكه ولا: إلا أن يكون لهما عين تنفصل. قلت: وهو الأقرب». ويتلخص لنا من كل ذلك ان هناك ثلاثة آراء في مسألة تغيير المغصوب بزيادة شيء عليه من مال الغاصب وهي: ١ - رأي فقهاء الحنفية والمالكية: وهو القول بتخيير المالك بين ترك المغصوب وإعطاء الغاصب قيمة الزيادة وبين ترك المغصوب وتضمينه قيمته قبل الزيادة. ٢ - رأي فقهاء المذهب الحنبلي: «وهو القول بأن الغاصب حينئذ يكون شريكان للمغصوب منه كل بقدر ماله وأيهما زادت قيمته فزيادته لمالكه وان نقصت قيمة المغصوب بتلك الزيادة فعلى الغاصب ضمانها». ٣ - رأي فقهاء المذهب الشافعي والجعفري والزيدي: وهو التفصيل بين ما إذا أمكن فصل الزيادة التي أضافها الغاصب على المغصوب فيجب عليه فصلها مع ضمان ما يطرأ على المغصوب من نقص. وأما إذا لم يمكن فصل الزيادة فالغاصب حينئذ يكون شريكا مع المغصوب منه بقدر ماله. وهذا الرأي الأخير هو ما نميل اليه ونرجحه على بقية الآراء وذلك

стр. 171

أ - لأنه أقرب الى تحقيق العدالة التي ينشدها الشرع الشريف لمراعاته حق الطرفين. ب - ان الواجب على الغاصب ردّ المغصوب نفسه وكما هو الى المالك وحيث أمكن فصل ما اضافه الغاصب لزمه دون الإضرار بحق المالك فيما إذا حدث بفصله نقص حيث يضمن. ج - وإذا لم يمكن فصل الزيادة عن المغصوب وهو عين مال الغاصب فلا مسوّغ لإجباره على ذلك كما لا مسوّغ لإلزامه بضمان قيمة المغصوب حيث هو باق بعينه فكان الأوفق حينئذ ان يعتبر شريكا مع المالك بقدر حقه مع احتفاظ المالك بحقه في التعويض لو حدث نقص لقيمة المغصوب بسبب تلك الزيادة. الفرع الثاني: نقص المغصوب: ان المغصوب قد يحدث به نقص عند الغاصب اما باستعماله أو بغير استعماله وفي هذه الحالة فما هو الحكم هنا؟ وهل يجب عليه الضمان أم ماذا؟ هذا ما سنبحثه في هذه النقطة مستعرضين أقوال الفقهاء مستخلصين نتائج ذلك ومقارنين بما ذهب اليه القانون هنا. عند استعراضنا لكلمات فقهاء الحنفية في المقام نجد: ان الكاساني (١) يقول: «. إذا سقط عضو من المغصوب وهو في يد الغاصب بآفة سماوية أو لحقه. عرج أو شلل. يأخذه المالك ويضمنه النقصان لوجود فوات جزء من البدن أو فوات صفة مرغوب فيها.» وقد علّل ذلك بقوله: «وهلاك كل المغصوب مضمون بكل القيمة فهلاك بعضه

стр. 172

يكون مضمونا بقدره لما ذكرنا ان ضمان الغصب ضمان جبر الفائت فيتقدر بقدر الفوات». وذكر أبو جعفر الطحاوي (١): «إذا نقص المغصوب عند الغاصب في يديه فعلى الغاصب ضمان قيمة نقصانه للمغصوب منه يردها مع المغصوب على المغصوب منه». وذكر في الفتاوى الكاملية (٢): «لو غصب حمارا فعرج عنده فما الحكم؟ والجواب ما في البزازية عرج الحمار المغصوب في يد الغاصب ان كان يمشي مع العرج ضمن النقصان.». وفي المذهب الشافعي: ذكر الشافعي (٣): «ولو اغتصبه زيتا فأغلاه على النار فنقص كان عليه ان يسلمه اليه وما نقص مكيلته.». وذكر الرملي (٤): «. ولو نقص بالاستعمال بأن بلى الثوب باللبس ففي الأصح انه يجب الأرش». وهذا موافق لرأي الأحناف في وجوب ضمان النقصان: وفي المذهب الحنبلي: ذكر في المقنع (٥): «وان نقص المغصوب نقصا غير مستقر كحنطة ابتلّت وعفنت خيّر ربها بين أخذ مثلها وبين تركها حتى يستقر فسادها ويأخذها وأرش نقصها.».

стр. 173

وفي الإقناع (١): «وان زرع الأرض فردها بعد أخذ الزرع فهو للغاصب وعليه أجرتها إلى وقت تسليمها وضمان النقص.». وذكر ابن النجار (٢): «ويضمن نقص مغصوب ولو رائحة مسك ونحوه.». ومن هذه النصوص يتضح لنا ان فقهاء الحنابلة يوافقون الحنفية والشافعية فيما ذهبوا اليه من القول بضمان النقص الذي يطرأ على المغصوب وهو عند الغاصب. وفي المذهب المالكي: ذكر ابن جزي (٣): «إذا نقص المغصوب عند الغاصب فصاحبه مخير بين ان يأخذ قيمته يوم الغصب ويتركه للغاصب وبين ان يأخذه ويأخذ قيمة النقص ان كان من فعل الغاصب وان كان من فعل الله لم يأخذ قيمة النقص.». وذكر في تهذيب الفروق (٤): «والنقصان الطارئ على المغصوب اما من قبل المخلوق واما من قبل الخالق كأن يكون بأمر من السماء وليس له في الثاني إلا يأخذه ناقصا أو يضمنه قيمته يوم الغصب. وقيل ان له ان يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب واما الأول فأما ان يكون بجناية الغاصب أو بجناية غيره عليه وهو عنده فالمغصوب من الأول مخير في المذهب بين ان يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه وما نقصته الجناية يوم الجناية عن ابن القاسم وعند سحنون ما نقصته الجناية يوم الغصب.».

стр. 174

وفي المذهب الجعفري: ذكر المحقق الحلي (١): «انه إذا غصب شيئين تنقص قيمة كل واحد منهما عند الافراد عن صاحبه كالخفين فتلف أحدهما يردّ الباقي مع قيمة التالف مجتمعا فإذا فرض ان قيمة المجموع عشرة وكل منهما خمسة ومنفردا ثلاثة كان على الغاصب ردّ الباقي مع الخمسة.». وذكر ايضا (٢): «ولو حدث في المغصوب عيب مثل تسويس التمر أو تخريق الثوب ردّه مع الأرش ولو كان العيب غير مستقر كعفن الحنطة قال الشيخ: يضمن قيمة المغصوب ولو قيل برد العين مع أرش العيب الحاصل كان حسنا». وذكر الشيخ مغنية (٣): «وإذا حدث في المغصوب عيب كالحب يصيبه السوس والعفونة والثوب يصير خلقا. والحيوان يهزل أو يمرض أو يفقد عضوا من أعضائه. كل ذلك وما اليه لا يمنع من الرد بل يجب على الغاصب ان يرد المغصوب على عيبه المتجدد عنده مع الأرش ويدفع للمالك التفاوت بين قيمة المغصوب حين الغصب وقيمته حين الرد سواء أحدث العيب والنقصان بسبب الغاصب أو بسبب آخر». ورأي فقهاء المذهب الجعفري موافق لرأي جمهور الفقهاء في تضمين النقصان الطارئ على المغصوب عند الغاصب. وفي المذهب الزيدي نفس اتجاه الفقهاء:

стр. 175

وذكر العنسي (١): «ويجب على الغاصب أرش ما نقص من العين المغصوبة إذا كان بغير فعله ولو بأمر غالب كتهدم الدار وجرح الدابة وغرق السفينة وتحطم السيارة أو نحو ذلك فإنه يلزم الغاصب إذا ردّه بأرش ذلك النقصان.» ومن استعراضنا لكلمات الفقهاء نجد انهم على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية قد اتفقوا على تضمين الغاصب أرش نقصان ما يطرأ على المغصوب ما عدا فقهاء المالكية فقد ذهبوا الى تخيير المغصوب منه بين ترك المغصوب وأخذ قيمته يوم غصبه وبين أخذه وقيمة النقصان هذا في حالة كون النقصان من قبل الغاصب. اما إذا حدث النقصان بأمر من السماء فلا ضمان عليه في رأيهم (٢).». ورأي المالكية يرد عليه هنا انه مع وجود المغصوب لا مسوّغ لتضمين الغاصب كما قررنا غاية الأمر انه حدث فيه نقص وحيث يجب الضمان لو تلف كل المغصوب فكذا يضمن لو تلف بعضه. وقد ذهب القانون المدني العراقي (٣) هنا إلى رأي الجمهور «إذا نقصت قيمة المغصوب بسبب استعمال الغاصب إياه أو بفعله لزمه الضمان أي انه يكون المغصوب منه حق استرداد المغصوب والمطالبة بفرق القيمة وبالتعويض عن الإضرار الأخرى التي أصابت المغصوب بسبب الغصب.». والى ذلك ذهب شراح المجلة (٤).

стр. 176

المبحث الثالث: تغير القيمة بسبب نقصان السعر ذكرنا في المبحثين المتقدمين كيفية ضمان المغصوب لو نقصت قيمته أو زادت بسبب تغير الذات أو الصفات وحديثنا هنا سيكون منصبا على تغير قيمة المغصوب بسبب نقصان السعر. ونستعرض أقوال الفقهاء بهذا الخصوص: في المذهب الحنفي: ذكر المرغيناني (١): «وإن نقص في يده ضمن النقصان لأنه يدخل جميع اجزائه في الضمان بالغصب فما تعذر رد عينه يجب رد قيمته بخلاف تراجع السعر، إذا رد في مكان الغصب لأنه عبارة عن فتور الرغبات دون فوت الجزء». وذكر الكاساني (٢): «. ونقصان السعر ليس بنقصان المغصوب بل لفتور يحدثه الله تعالى عزّ شأنه في قلوب العباد لا صنع للعبد فيه فلا يكون مضمونا». ومن هذه النصوص يظهر ان فقهاء الأحناف لا يقولون بتضمين الغاصب النقصان الذي يطرأ على المغصوب بسبب تراجع السعر. وفي المذهب الشافعي: ذكر الشافعي (٣): «ولو غصبه جديدا قيمته عشرة ثم ردّه جديدا

стр. 177

قيمته خمسة لرخص الثياب لم يضمن شيئا من قبل أنه ردّه كما أخذه». وذكر الرملي (١): «ولو ردّ المغصوب ناقص القيمة بسبب الرخص لم يلزمه شيء لبقائه بحاله والفائت رغبات الناس». وذكر الأردبيلي (٢): «نقصان القيمة بانخفاض السوق لا يضمن إذا لم ينضم اليه تلف الجزء فإن انضم ضمن». وهذه النصوص التي نقلناها عن فقهاء الشافعية تشير بوضوح الى عدم تضمين الغاصب نقصان السعر وهو رأي الفقه الحنفي كما ذكرنا. وذهب فقهاء الحنابلة الى هذا الرأي متفقين مع الحنفية والشافعية. ذكر المرداوي (٣): «وان نقصت العين أي قيمة العين لتغير الأسعار لم يضمن. نص وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب». وذكر الحجاوي المقدسي (٤): «وان نقصت قيمة العين بتغير السعر لم يضمن سواء ردت العين أو تلفت». وفي المذهب المالكي: ذكر الدردير (٥): «أو نقص سوقها فليس بفوات ويتعين عليه أخذه». وهذا الرأي موافق لرأي الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة. وفي المذهب الجعفري: ذكر الشيخ الطوسي (٦): «. إذا غصب ثوبا

стр. 178

قيمته عشرة دراهم فزادت قيمته لزيادة السوق فبلغت عشرين ثم عادت قيمته إلى عشرة أو دونها نظرت فإن هلك الثوب قبل الرد فعليه قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب الى حين التلف وإن لم يتلف وكان قائما بحاله رده ولا يرد ما نقص من القيمة لأنه لا دليل عليه». وكذا ذكر في المسألة (١٥) من كتابه الخلاف وعقب عليه بقوله (١): «وبه قال جميع الفقهاء والدليل ان الأصل براءة الذمة فمن علق عليها شيئا فعليه الدلالة». وذكر المحقق الحلي (٢): «. ومع ردّه - أي المغصوب - لا يرد زيادة القيمة السوقية». وفي المذهب الزيدي: ذكر في التاج (٣): «. الا نقصان السعر فإنه لا يضمنه كما لو غصب دابة قيمتها مائتا درهم فردها وقيمتها مائة فقط لم يلزمه ما نقص إذا كان زيادة السعر ونقصانه يرجع الى الرغبات لا لو تجدد الغصب كأن يتمكن من الرد ولم يرد حتى حصل النقص فيضمن ذلك النقص في القيمي فقط لا المثلي فيرده أو مثله ولا يضمن السعر مطلقا». ومن هذا النص يتبين لنا ان فقهاء المذهب الزيدي يوافقون الفقهاء جميعا في عدم ضمان المغصوب ان نقصت قيمته السوقية لأن ذلك في رأيهم راجع الى رغبات الناس. وأما فقهاء المذهب الظاهري فقد ذهب ابن حزم الى خلاف ما ذهب اليه الفقهاء إذ أنه يرى أنه يلزم الغاصب ردّ ما نقص من الثمن فقد ذكر في

стр. 179

محلاة (١): «وأما الزيادة في الثمن فإنه حين زاد ثمن كان فرضا عليه رده الى صاحبه بجميع صفاته فكان لازما له أن يرده اليه وهو يساوي تلك القيمة فإذا لزمه ذلك ثم نقصت قيمته فإنه لا يسقط ردّ ما لزمه ردّه». أما مجلة الأحكام (٢) فقد ذهبت إلى رأي الجمهور بالقول بعدم ضمان نقصان السعر كما جاء ذلك في المادة (٩٠٠) إذ جاء: إذا تناقص سعر المغصوب وقيمته بعد الغصب فليس لصاحبه ان لا يقبله وأن يطالب بقيمته التي كانت في زمان الغصب. وقد ذهب القانون المدني (٣) إلى رأي الجمهور فلم ير تضمين الغاصب نقصان السعر بل «ليس للمغصوب منه إلا أن يقبله كما هو دون إخلال بحقه في التعويض عن الإضرار الأخرى». ويظهر من ذلك ان المغصوب إذا نقصت قيمته السوقية وكان هو باق بحاله فللفقهاء رأيان: الأول: رأي جمهور الفقهاء: وهم يذهبون الى أن الغاصب هنا لا يضمن نقصان السعر. الثاني: رأي ابن حزم: وهو يرى الضمان محتجا بقوله: «انه حين زاد ثمنه كان فرضا عليه رده الى صاحبه بجميع صفاته فكان لازما له أن يرده اليه وهو يساوي تلك القيمة فإذا لزمه ذلك ثم نقصت قيمته فإنه لا يسقط رد ما لزمه رده». أما أصحاب الاتجاه الأول فقد احتجوا لرأيهم بما يلي:

стр. 180

١ - ان الأصل براءة الذمة فمن علق عليها شيئا فعليه الدلالة (١). ٢ - ان نقص السوق ليس بفوات (٢) ولأن المغصوب باق والفائت رغبات الناس (٣). ٣ - ان تراجع السعر عبارة عن فتور الرغبات دون فوت الجزء (٤). ولقوة هذه الأدلة ولما قررناه سابقا من أن المغصوب إن كان موجودا بعينه لم يطرأ عليه نقص فإنه يرد بحاله ولا يضمن الغاصب شيئا نرجح هذا الرأي.
следующие страницы →