المبحث الثالث: تغير القيمة بسبب نقصان السعر
ذكرنا في المبحثين المتقدمين كيفية ضمان المغصوب لو نقصت قيمته أو زادت بسبب تغير الذات أو الصفات وحديثنا هنا سيكون منصبا على تغير قيمة المغصوب بسبب نقصان السعر.
ونستعرض أقوال الفقهاء بهذا الخصوص:
في المذهب الحنفي:
ذكر المرغيناني (١): «وإن نقص في يده ضمن النقصان لأنه يدخل جميع اجزائه في الضمان بالغصب فما تعذر رد عينه يجب رد قيمته بخلاف تراجع السعر، إذا رد في مكان الغصب لأنه عبارة عن فتور الرغبات دون فوت الجزء».
وذكر الكاساني (٢): «. ونقصان السعر ليس بنقصان المغصوب بل لفتور يحدثه الله تعالى عزّ شأنه في قلوب العباد لا صنع للعبد فيه فلا يكون مضمونا».
ومن هذه النصوص يظهر ان فقهاء الأحناف لا يقولون بتضمين الغاصب النقصان الذي يطرأ على المغصوب بسبب تراجع السعر.
وفي المذهب الشافعي:
ذكر الشافعي (٣): «ولو غصبه جديدا قيمته عشرة ثم ردّه جديدا
стр. 177
قيمته خمسة لرخص الثياب لم يضمن شيئا من قبل أنه ردّه كما أخذه».
وذكر الرملي (١): «ولو ردّ المغصوب ناقص القيمة بسبب الرخص لم يلزمه شيء لبقائه بحاله والفائت رغبات الناس».
وذكر الأردبيلي (٢): «نقصان القيمة بانخفاض السوق لا يضمن إذا لم ينضم اليه تلف الجزء فإن انضم ضمن».
وهذه النصوص التي نقلناها عن فقهاء الشافعية تشير بوضوح الى عدم تضمين الغاصب نقصان السعر وهو رأي الفقه الحنفي كما ذكرنا.
وذهب فقهاء الحنابلة الى هذا الرأي متفقين مع الحنفية والشافعية.
ذكر المرداوي (٣): «وان نقصت العين أي قيمة العين لتغير الأسعار لم يضمن. نص وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب».
وذكر الحجاوي المقدسي (٤): «وان نقصت قيمة العين بتغير السعر لم يضمن سواء ردت العين أو تلفت».
وفي المذهب المالكي:
ذكر الدردير (٥): «أو نقص سوقها فليس بفوات ويتعين عليه أخذه».
وهذا الرأي موافق لرأي الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة.
وفي المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ الطوسي (٦): «. إذا غصب ثوبا
стр. 178
قيمته عشرة دراهم فزادت قيمته لزيادة السوق فبلغت عشرين ثم عادت قيمته إلى عشرة أو دونها نظرت فإن هلك الثوب قبل الرد فعليه قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب الى حين التلف وإن لم يتلف وكان قائما بحاله رده ولا يرد ما نقص من القيمة لأنه لا دليل عليه».
وكذا ذكر في المسألة (١٥) من كتابه الخلاف وعقب عليه بقوله (١):
«وبه قال جميع الفقهاء والدليل ان الأصل براءة الذمة فمن علق عليها شيئا فعليه الدلالة».
وذكر المحقق الحلي (٢): «. ومع ردّه - أي المغصوب - لا يرد زيادة القيمة السوقية».
وفي المذهب الزيدي:
ذكر في التاج (٣): «. الا نقصان السعر فإنه لا يضمنه كما لو غصب دابة قيمتها مائتا درهم فردها وقيمتها مائة فقط لم يلزمه ما نقص إذا كان زيادة السعر ونقصانه يرجع الى الرغبات لا لو تجدد الغصب كأن يتمكن من الرد ولم يرد حتى حصل النقص فيضمن ذلك النقص في القيمي فقط لا المثلي فيرده أو مثله ولا يضمن السعر مطلقا».
ومن هذا النص يتبين لنا ان فقهاء المذهب الزيدي يوافقون الفقهاء جميعا في عدم ضمان المغصوب ان نقصت قيمته السوقية لأن ذلك في رأيهم راجع الى رغبات الناس.
وأما فقهاء المذهب الظاهري فقد ذهب ابن حزم الى خلاف ما ذهب اليه الفقهاء إذ أنه يرى أنه يلزم الغاصب ردّ ما نقص من الثمن فقد ذكر في
стр. 179
محلاة (١): «وأما الزيادة في الثمن فإنه حين زاد ثمن كان فرضا عليه رده الى صاحبه بجميع صفاته فكان لازما له أن يرده اليه وهو يساوي تلك القيمة فإذا لزمه ذلك ثم نقصت قيمته فإنه لا يسقط ردّ ما لزمه ردّه».
أما مجلة الأحكام (٢) فقد ذهبت إلى رأي الجمهور بالقول بعدم ضمان نقصان السعر كما جاء ذلك في المادة (٩٠٠) إذ جاء: إذا تناقص سعر المغصوب وقيمته بعد الغصب فليس لصاحبه ان لا يقبله وأن يطالب بقيمته التي كانت في زمان الغصب.
وقد ذهب القانون المدني (٣) إلى رأي الجمهور فلم ير تضمين الغاصب نقصان السعر بل «ليس للمغصوب منه إلا أن يقبله كما هو دون إخلال بحقه في التعويض عن الإضرار الأخرى».
ويظهر من ذلك ان المغصوب إذا نقصت قيمته السوقية وكان هو باق بحاله فللفقهاء رأيان:
الأول: رأي جمهور الفقهاء: وهم يذهبون الى أن الغاصب هنا لا يضمن نقصان السعر.
الثاني: رأي ابن حزم: وهو يرى الضمان محتجا بقوله: «انه حين زاد ثمنه كان فرضا عليه رده الى صاحبه بجميع صفاته فكان لازما له أن يرده اليه وهو يساوي تلك القيمة فإذا لزمه ذلك ثم نقصت قيمته فإنه لا يسقط رد ما لزمه رده».
أما أصحاب الاتجاه الأول فقد احتجوا لرأيهم بما يلي:
стр. 180
١ - ان الأصل براءة الذمة فمن علق عليها شيئا فعليه الدلالة (١).
٢ - ان نقص السوق ليس بفوات (٢) ولأن المغصوب باق والفائت رغبات الناس (٣).
٣ - ان تراجع السعر عبارة عن فتور الرغبات دون فوت الجزء (٤).
ولقوة هذه الأدلة ولما قررناه سابقا من أن المغصوب إن كان موجودا بعينه لم يطرأ عليه نقص فإنه يرد بحاله ولا يضمن الغاصب شيئا نرجح هذا الرأي.
стр. 181
الفصل الثالث
ما يطرأ على المغصوب
مبحثان المبحث الأول: امتزاج المغصوب بغيره المبحث الثاني: الجناية على المغصوب
стр. 182
المبحث الأول: امتزاج المغصوب بغيره
ان المال المغصوب قد يمتزج ويختلط بغيره سواء حدث هذا الاختلاط لوحدة أم بفعل الغاصب.
وهنا نستطيع ان نشخص حالتين للامتزاج:
الاولى: الامتزاج بحيث يمكن تمييزه عن غيره وتخليصه منه.
الثانية: الامتزاج بحيث يتعذر تمييزه عن غيره وهنا يمكننا ان نلحظ ثلاث صور:
١ - الامتزاج بالمساوي.
٢ - الامتزاج بالأجود.
٣ - الامتزاج بالأردإ.
ونعالج هذه المسائل باستعراض آراء الفقهاء في المقام لنتبين حلولهم وآراءهم.
الحالة الاولى: وهي ما امتزج المال المغصوب بغيره وأمكن تمييزه عنه وتخليصه منه وان كان بمشقة. يرى الفقهاء هنا ان الغاصب ملزم بتخليص المال المغصوب وردّه الى مالكه لأن عين المغصوب موجودة فلا يصار الى التعويض بل يجب ردّها.
وهذا هو رأي فقهاء الشافعية (١) والحنابلة (٢) والجعفرية.
стр. 183
والى نفس الرأي ذهب فقهاء المذهب الزيدي (١) والظاهر ان فقهاء الحنفية يفصلون في هذا المقام ثم يختلفون بينهم «إلى انه إذا أمكن التمييز بين المخلوط وغيره بلا كلفة ومشقة كخلط الدراهم بالدنانير والبيض بالسود لا يضمن الخالط ويميز وهذا رأي الصاحبين اما إذا أمكن التمييز بكلفة ومشقة كخلط الحنطة بالشعير ذكر في الكتاب انه يضمن الخالط ولم يذكر الخيار للمالك نصا ثم اختلفوا قيل هذا قولهما وفي قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يشترك لأن الحنطة لا تخلو عن حبات الشعير وقيل له الخيار عندهم جميعا وقيل الصحيح انهما لا يشتركان عندهم جميعا (٢)».
الحالة الثانية: امتزاج المغصوب بغيره وتعذر تمييزه:
قلنا ان هذه الحالة على ثلاث صور اما ان يمتزج المغصوب بالمساوي أو يمتزج بالأردإ منه أو بالأجود. وسنعرض آراء فقهاء كل مذهب بهذا الخصوص يذهب فقهاء المذهب الحنفي «الى ان المغصوب إذا اختلط بغيره وكان هذا الغير من جنسه كخلط الحنطة بالحنطة واللبن باللبن فالخالط ضامن ولا حق للمالك في المخلوط عند أبي حنيفة اما عند الصاحبين فالمالك بالخيار ان شاء ضمنه مثل حقه وان شاء شاركه في المخلوط واقتسماه على قدر حقهما.
اما إذا خلطه بغير جنسه كخلط دقيق الحنطة بدقيق الشعير فالخالط ضامن ولا حق للمالك لأنه استهلاك وهذا بالإجماع عندهم (٣).».
أما فقهاء المذهب الشافعي:
فقد ذكر الرملي (٤): «ولو خلط المغصوب
стр. 184
أو اختلط عنده بغيره. فإن تعذر التمييز كخلط زيت بمثله أو شيرج فالمذهب انه كالتالف فله تغريمه بدله سواء اخلطه بمثله أم بأجود أم بأردأ لأنه لما تعذر رده أبدا أشبه التلاف فيملكه الغاصب إن كان مما يقبل التملك».
وجاء في الأم (١): «. ومن الشيء الذي يخلطه الغاصب بما اغتصب فلا يتميز منه أن يغصبه مكيال زيت فيصبّه في زيت مثله أو خير منه فيقال للغاصب ان شئت أعطيته مكيال زيت مثل زيته وإن شئت أخذ من هذا الزيت مكيالا. فإن كان صبّ ذلك المكيال في زيت شر من زيته ضمن الغاصب له مثل زيته بتصييره فيما هو شر منه وإن كان صبّ زيته في شيرق أو دهن أو سمن أو عسل ضمن في هذا كله لأنه لا يتخلص منه الزيت ولا يكون له أن يدفع اليه مكيالا مثله. قال ولو غصبه دقيقا فخلطه بدقيق أجود منه أو مثله أو أردأ كان كما وصفت في الزيت».
وهكذا يظهر من كلام فقهاء المذهب ان الغاصب إذا مزج المغصوب يجنسه فوجهان أحدهما: وهو المنصوص ان الخيار الى الغاصب لأنه لا يقدر على رد عين مالكه فجاز أن يدفع مثله كما لو هلك. والثاني: انه يلزمه أن يدفع اليه منه لأنه يقدر على دفع بعض ماله فلا ينتقل الى البدل. وان خلطه بأجود فإن بذل الغاصب للمغصوب منه بقدر المغصوب من المزيج لزمه قبوله وان بذل مثله من غيره فوجهان أحدهما لزوم القبول والثاني يباع الجميع ويقسم الثمن على قدر قيمتيهما لأنه بذلك يصل كل واحد منهما الى عين ماله وان خلطه بما دونه فإن طلب المالك منه بقدر ماله وامتنع الغاصب اجبر على الدفع لأنه رضي بأخذ حقه ناقصا وإن طلب مثله من غيره وامتنع الغاصب اجبر على
стр. 185
دفع مثله لأن المخلوط دون حقه فلا يلزمه أخذه، ومن الأصحاب من قال يباع الجميع ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتيهما وان نقص فعلى الغاصب ضمانه (١).
وذهب فقهاء الحنابلة الى «أن الغاصب إذا خلط المغصوب بماله على وجه لا يتميز منه مثل ان خلط حنطة أو زيتا بمثله لزمه مثله منه في أحد الوجهين وفي الآخر يلزمه مثله من حيث شاء وإن خلطه بدونه أو خير منه أو بغير جنسه لزمه مثله في قياس التي قبلها وظاهر كلامه انهما شريكان بقدر ملكيهما» (٢).
وذكر المرداوي (٣) ذلك أيضا ثم قال: «وهو المذهب وهو ظاهر كلام الإمام أحمد قال في القاعدة الثانية والعشرين، المنصوص في رواية عبد الله وأبي الحارث انه اشتراك فيما إذا خلط زيته بزيت غيره واختاره أبو حامد وابن عبدوس والمصنف».
وذكر أيضا (٤): «وإن خلطه بدونه أو بخير منه أو بغير جنسه يعني على وجه لا يتميز لزمه مثله في قياس التي قبلها قال القاضي قياس المذهب يلزم الغاصب مثله. قال في الفروع فشريكان بقدر حقهما. وكذا ذكر في الإقناع (٥) ثم قال: فيباع الجميع ويدفع الى كل واحد قدر حقه».
стр. 186
وجاء في زوائد الكافي (١): «وإذا خلط المغصوب بدونه فطلب المالك المثل فأباه الغاصب فهل يلزمه ذلك: وجهان»:
أما في المذهب الجعفري:
فقد ذكر المحقق (٢) الحلي: «إذا غصب دهنا كالزيت أو السمن فخلطه بمثله فهما شريكان، وإن خلطه بأدون أو أجود قيل: يضمن المثل لتعذر تسليم العين وقيل يكون شريكان في فضل الجودة ويضمن المثل في فضل الرداءة إلا أن يرضى المالك بأخذ العين».
أما خلط المغصوب بغير جنسه فيعتبر استهلاكا ويضمن المثل. وذهب الشيخ الطوسي (٣) إلى أنه إذا خلطه بجنسه وكان أجود منه فالغاصب بالخيار بين أن يعطيه من عينه أو مثله من غيره وإن باعه قسم الثمن بينهما على قدر كل. قال والصحيح إن هذا كالمستهلك فيسقط حقه من العين ويصير في ذمة الغاصب لأنه قد تعذر أن يصل الى عين ماله بعينها فانتقل إلى الذمة.
أما إذا خلطه بمثله فهو كالمستهلك والغاصب بالخيار بين أن يعطيه بكيله من عينه أو مثله من غيره وفي الناس من قال هو شريكه فيه يملك مطالبته بقسمته يأخذ مثل كيله منه وهو أقرب لأنه قدر على بعض عين ماله وبدل الباقي ولا معنى أن يجبر على مثل من غيره مع وجود بعض العين.
وفصل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (٤) من الفقهاء من الفقهاء المتأخرين هذه المسألة: فقال: «إذا امتزج المغصوب: فإن أمكن التميز فلا اشكال. وإلا
стр. 187
فلا يخلو اما أن يمتزج بالمساوي: فيقسم ويأخذ كل واحد حقه أو يبقى على الشركة عينا لا قيمة. أو يمتزج بالأعلى فهو كما في المساوي لأن الزيادة الحاصلة صفة حصلت بفعل الغاصب عدوانا فلا يسقط حق المالك مع بقاء عين ماله كما لو صاغ النقرة وعلف الدابة فسمنت أو يمزجه بالأدنى فإن القول بالانتقال إلى القيمة أو المثل أقرب الى الصواب لأنه جمع بين الحقين».
أما في المذهب الزيدي:
فقد ذكر العنسي (١): «ويملك الغاصب ما استهلكه بخلطه سواء خلطه بملكه أو بملك غيره حتى تعذر التمييز وليس من ذوات الأمثال المستوية جنسا ونوعا وصنعة وأما المختلف نوعه وصفته فيملكه كما مرّ مع تعذر التمييز».
وذكر ابن المرتضى (٢): «. وخلط القيمي هنا بحيث لا يمكن تمييزه وهو لجماعة، استهلاك، إلا عند من أوجب في القيمي مثله. المذهب الزيدي، والناصر والمؤيد»:
لا خلط المثلي، بل يصير مشتركا فيقسم كيلا أو وزنا.
وذهب الهادي: إلى أنه استهلاك لالتباسه كالقيمي.
قلنا: لا يبطل حقه من العين مع قلة التفاوت.
فرع:
فأما مختلف المثلي، كرطل زيد بدونه أو أعلى فالأقرب أنه كالقيمي.
الإمام يحيى (٣): بل يقسم حيث خلط بأعلى وفيه نظر «لأن عين الزيت صارت مستهلكة».
стр. 188
بعد هذا الاستعراض لنصوص الفقهاء في المقام نجمل الكلام في الموضوع ونستل نقاط الالتقاء والافتراق بين فقهاء المذاهب الإسلامية في هذا الصدد فنقول:
ان اختلاط المغصوب عند الغاصب وتعذر تمييزه على صور:
الاولى: اختلاط يحنسه
والحكم هنا: في المذهب الحنفي: عند أبي حنيفة استهلاك فالخالط ضامن ولا حق للمالك وعند الصاحبين المالك مخير بين تضمين الغاصب مثل حقه وإلا فالمشاركة في المخلوط يقسم على قدر حقهما.
وفي المذهب الشافعي (١): وجهان:
الأول: انه كالتالف فيضمن الغاصب مثله.
والثاني: أن يدفع الى المالك منه لأنه يقدر على دفع بعض ماله فلا ينتقل الى البدل.
وهذا هو رأي الحنابلة أيضا كما ذكر ابن قدامة (٢).
أما رأي فقهاء الجعفرية (٣) فهو القول بأن الغاصب والمالك هنا شريكان.
وعند الزيدية (٤) يفرقون بين المثلي فيرون ان الخلط به استهلاك على رأي الهادي وعلى رأي المؤيد والناصر يصبحان شريكين أما القيمي فيعتبر خلطه استهلاك فيضمن الغاصب.
والقول الراجح هنا هو القول بالشركة حيث ان لكل من المالك والغاصب عين مال قائمة. فيحتفظ كل واحد منهما بحقه وحيث لا يمكن الفصل
стр. 189
والمغصوب مختلط يحنسه فهما على ما قررناه شريكان مع ملاحظة فيما لو كان الخلط بالأردإ فيعتبر بمثابة الاستهلاك فيكون الانتقال الى المثل أو القيمة لأنه جمع بين حقين.
وأما الثانية: اختلاط المغصوب بغير جنسه
والحكم هنا: في المذهب الحنفي (١): الضمان إجماعا لأنه استهلاك. وعند الشافعية (٢) الضمان أيضا لأنه لا يتخلص منه أي استهلاك. وعند الحنابلة (٣) اتجاهان: الأول: انه استهلاك فيضمن وهذا هو المذهب. والثاني: يباع الخليط ويكونان شريكين كل بقدر حقه. وأما في رأي الجعفرية (٤) فيعتبر خلط المغصوب بغير جنسه استهلاكا فيجب ضمان المثل وكذلك ذهب الزيدية (٥) ووجوب الضمان هنا هو الرأي الراجح لكونه مما تعذر رده.
المبحث الثاني:
الفرع الأول: الجناية على المغصوب
تمهيد: إن كل قارئ لكتب الفقه الإسلامي حين يمرّ بباب الغصب سيلتقي ببحث الجناية على الرقيق المغصوب وما يتعلق بذلك من أحكام ولكن الرسالة وهي هذا الكتاب تخلو من ذلك تماما ومن هنا ينبثق تساؤل ترى لماذا أهمل الموضوع واستبعد نهائيا في حين نجد الفقهاء المسلمين يتناولونه ويعرضون مسائله وأحكامه؟! والجواب يقع في أمور:
الأول: إن الشريعة الإسلامية الغراء لم تقر الرق كمبدأ ولم تنظر إليه
стр. 190
كظاهرة مشروعة بل اعتبرته ظاهرة غير مشروعة تصطدم مع المبادئ والمثل التي نادى بها الإسلام كرسالة سماوية خالدة وشاملة لكل مناحي الحياة الإنسانية.
أن الشريعة الإسلامية احترمت الإنسان بصفته إنسان وأعلنت كرامته قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ (١).
وأناطت به المسؤولية الكبرى في الحياة ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ (٢) وفي مجتمع يموج بالتفاخر بالأنساب والأحساب ويضطرب المجتمع البشري بأبشع أنواع الاستغلال والتمييز بين البشر أعلن الرسول الكريم ﵌ أن الناس سواء فورد في خطبة حجة الوداع المشهورة قوله ﵌: «كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى».
وقد ورد عن الإمام علي ﵇ مخاطبا ابنه الحسن ﵇: «يا بني:
الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
والمتتبع للنصوص الشرعية قرانا وسنة ولسيرة الرسول ﵌ والصحابة الكرام يجد تطبيقات هذا المبدأ بوضوح ومن هنا أيضا لا يمكن أن تجد نصا شرعيا ينطق بالرق والرقية بل تجد عوضا عنها (العتق والاستفداء).
الثاني: إن الرق والرقيق كان في المجتمع الدؤلي آنذاك ظاهرة مألوفة بل كان يشكل عصب الحياة الاقتصادية والتجارية وكان الرقيق يجتمع ليشكل هذه الظاهرة من أكثر من مصدر وسبب فالرهان مثلا واحد من الأسباب والبيع والشراء والحرب أسباب يسترق عن طريقها الإنسان ضمن هذه
стр. 191
الظروف الموضوعية طرح الإسلام نظريته في تحرير الإنسان من كل أنواع الاستغلال وإهدار الكرامة الآدمية فأغلق جميع الأبواب التي يتسرب منها الرق وسدّ جميع الطرق التي يتجمع بواسطتها ما عدا الحرب المشروعة باعتبارها أمر لا مفر منه في حينه وعليه فليس من المعقول مثلا ان يسترق الأعداء المحاربون الأسرى المسلمين ويعاملونهم معاملة لا إنسانية ويقف الإسلام من أسرى الأعداء موقفا آخر ومعروف هنا ان مبدأ المعاملة بالمثل مبدأ معترف به في النزاعات الدولية وقد أقرّه المجتمع الدؤلي ولا يزال فالرقيق في المجتمع السلامي إذن إنما يأتي عن هذا الطريق فقط وإزاء ذلك رسمت الشريعة الإسلامية خطة متكاملة متناسقة تستهدف في النهاية إزالة هذه الظاهرة من المجتمع الإسلامي نهائيا فضمنت أولا للاسرى الأرقاء المعاملة الإنسانية الرحيمة.
قال الرسول الأكرم ﵌: «إخوانكم خولكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما لا يطيقون وإذا كلفتوهم فأعينوهم (١)».
ثم اتخذت الاجراءات التشريعية لتنفيذ مبدأ العتق فحثت عليه حثا أكيدا حتى عد من أقرب الطاعات اضافة الى اجراءات كثيرة وكثيرة كلها تستهدف تحرير الأرقاء ولم تكتف الشريعة بذلك وتوكل الأمر إلى وجدان الإنسان المسلم بالرغم من انه وجدان نبيل بل خولت الدولة الإسلامية التدخل لتحقيق العتق وخصصت في ميزانية الدولة موردا ثابتا لذلك وذلك في حق الزكاة.
الثالث: إن الفقهاء المسلمين حين واجهوا ظاهرة الرق انطلقوا من مثل الإسلام ونظرته ينظمون شؤون الإسراء الأرقاء بكل ما يتعلق بشؤونهم
стр. 192
العامة والخاصة وفي قضية الجناية على الأرقاء ذهب فريق من الفقهاء الى تغليب صفة المالية في الرقيق لأن للقائمين على شؤونهم ينتفعون منهم مدة بقائهم في الاسترقاق، وذهب فريق آخر وهو الأغلب الى تغليب الصفة الآدمية فإذا وقعت عليه جناية وجبت الدية المقدرة شرعا.
بعد هذه المقدمة التي أراها ضرورية في المقام رأيت ان استبعد هذا الموضوع من الرسالة نهائيا ولسببين أيضا:
الأول: إنه في زماننا هذا لم تعد مسألة الرق ذات موضوع كما يعبر الأصوليون ثم إنه لا تجد في الشعور الإسلامي العام أي أثر لقبول الرق والرقية وذلك كله بفضل التشريع الإسلامي وما هيأه من أجواء خاصة.
الثاني: إن العرف الدؤلي قد تغيّر وان مبدأ المعاملة بالمثل الذي لا زال قائما لا يبيح استرقاق الإسراء والتشريع الإسلامي كما لا حظنا إنما سمح باسترقاق اسرى الأعداء المحاربين انطلاقا من هذا المبدأ واستنادا الى ذاك العرف.
والخلاصة فإن الشريعة الإسلامية ليس فيها رق ولا رقيق وأولى ان تتوجه الإنظار إلى المستعمرين الامبرياليين الذين يسترقون شعوبا بكاملها ويستغلونها أبشع استغلال وان تدان هذه الأعمال الإنسانية ويدان التمييز العنصري البغيض وتتكاثف المشاعر الإنسانية لكشف أحابيل الصهيونية العالمية في محاولاتها لإنهاء الشعب الفلسطيني المناضل وأنى لها ذلك. والآن حان الوقت للعودة الى النسق العام للاطروحة وبحث تفاصيل الموضوع.
إن بقاء المغصوب في يد الغاصب يجعله عرضه للطوارئ ومن هذه الطواري ان تقع عليه جناية من الغاصب أو من غيره يمكن ان تلحق بالمغصوب ضررا كليا كالتلف وهذا ما تحدثنا عنه وقد يلحق بالمغصوب ضرر جزئي وهذا ما سنتحدث عنه الآن.
стр. 193
الفرع الثاني: الجناية على المغصوب بما دون النفس
بحثنا في مكان سابق من هذه الرسالة الجناية على المغصوب بما يتلف المغصوب من كل وجه وننتقل الى الحديث على الجناية على المغصوب بما دون النفس كجرحه أو إتلاف بعض منه.
ذهب الفقهاء الأحناف الى ان الغاصب إذا قطع طرفا من الدابة غير مأكول اللحم فيجب ضمان قيمتها فقد ذكر المرغيناني (١) ذلك معللا «ولو كانت الدابة غير مأكول اللحم فقطع الغاصب طرفها فللمالك ان يضمنه جميع قيمتها لوجود الاستهلاك من كل وجه».
أما في المذهب الحنبلي فقد ذكر البهوتي (٢): «وإن كان المغصوب دابة ونقصت بجناية أو غيرها ضمن الغاصب ما نقص من قيمتها ولو كان النقص بتلف احدى عينيها - أي الدابة - فيغرم أرش نقصها فقط لأنه الذي قوته على المالك».
والى هذا الرأي ذهب الشافعية أيضا فقد ذكر في المجموع (٣) «إن كان بهيمة فإنه يردها ويردّ معها أرش ما بين قيمتها سليمة وناقصة سواء كان النقص بجناية أو غيرها وسواء كانت البهيمة ذات ظهر أو درّ».
وفي المذهب الجعفري ذكر المحقق الحلي (٤) «ولو كان المغصوب دابة فجنى عليها الغاصب أو غيره أو عابت من قبل الله ردّها مع أرش النقصان».
стр. 194
وذهب الظاهرية إلى تضمين الغاصب أي شيء يطرأ على المغصوب نقصا كان أم تلفا فقد ذكر ابن حزم (١): «فمن غصب شيئا. ففرض عليه ان يرده إن كان حاضرا أو ما بقي منه إن تلف بعضه أقله أو أكثره ومثل ما تلف منه أو يرده ومثل ما نقص من صفاته أو مثله إن فاتت عينه».
ويتلخص لنا ان الحيوان غير مأكول اللحم إذا جنى عليه بجناية تذهب ببعضه كقطع طرف أو تعييب أي عضو فللفقهاء رأيان:
الأول: رأي فقهاء الأحناف (٢) وهو ان الجناية على الدابة بقطع طرف منها يعتبر استهلاكا لها وعليه فيجب على الغاصب ضمان قيمتها.
الثاني: رأي الشافعية (٣) والجعفرية (٤) ووافقهم الحنابلة والظاهرية وهو تضمين الغاصب أرش النقصان فحسب ويسترد المالك المغصوب لأن العين باقية فترد.
وهذا الرأي الثاني هو الذي نرجحه لما قلناه سابقا من ان المغصوب إن كان موجودا فإنه يردّ ويغرم الغاصب أرش النقصان إذ لا مسوغ لتضمينه بدل المغصوب.
مسألة:
أشرنا قبل قليل الى ان فقهاء الأحناف ذهبوا الى تضمين الغاصب قيمة الدابة المغصوبة إذا جنى عليها الغاصب أو غيره بقطع طرف منها واحتجوا الى ان هذه الجناية تعتبر استهلاكا لها من كل وجه والظاهر أنهم ذهبوا الى ذلك لكون الدابة غير مأكول اللحم إنما تراد للركوب أو الحمل
стр. 195
فقطع طرف منها يعطل فيها هذا المعنى. وبالرغم من وجاهة هذا الرأي إلا أن الرأي الذي رجحناه وهو ان الغاصب إنما يضمن أرش النقصان ويسترد المالك المغصوب يبدو أكثر دقة لأنه موافق للأصول المعتبرة وأكثر شمولية إذ لو أردنا أن ننظر في مسألة ما لو غصب أحد عربة ركوب حديثة أو عربة حمل حديثة وأحدث فيها خللا بكسر آلة منها أو تحطيم شيء فيها أدى الى تعطيلها عن الحركة والسير فما هو الحكم هنا؟ يبدو ان رأي الجمهور وهو الرأي الراجح هو الأوفق هنا حيث يضمن الغاصب أرش النقص الذي حدث مع استرداد المالك للمغصوب واحتفاظه بحقه في التعويض عن الإضرار الأخرى.
أما إذا حدث في المغصوب عيب يؤدي الى نقصان قيمته فللفقهاء اتجاهان:
الأول: اتجاه جمهور (١) الفقهاء: وهو تضمين الغاصب.
الثاني: اتجاه فقهاء المالكية (٢): وقد ذهبوا الى تخيير المغصوب منه بأخذ قيمة المغصوب يوم الغصب أو يأخذه بعيبه ولا شيء له.
وهذا الرأي الثاني يرد عليه ان تضمين الغاصب المغصوب لا وجه له إذ المغصوب موجود غاية الأمر انه حدث فيه عيب فلا يصار الى البدل. وقد استدل أصحاب الاتجاه الأول وهو الاتجاه الذي نذهب اليه بما يلي:
١ - انه كان على الغاصب ان يدفعه صحيحا مما حدث به من عيب كان ضامنا (٣) له».
стр. 196
٢ - أنّ أرش النقص إنما يستقر بنقصان العين وقد وجد (١).
ونضيف ان الغاصب إنما يضمن هنا ايضا لعموم قوله ﵌: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي.» ووجه الاستدلال انه أخذه صحيحا فلزم ردّه بحاله وإذا حدث عيب به انقص قيمته لزمه الضمان.
стр. 197
الباب الثالث
تصرفات الغاصب
ثلاثة فصول الفصل الأول المبحث الأول: حكم التصرف المبحث الثاني: المعاوضات المبحث الثالث: عبادة الغاصب وهو ملتبس بالمغصوب
стр. 198
الفصل الأول
حكم التصرف
المبحث الأول: حكم تصرف الغاصب
سبق أن تكلمنا عن تصرفات الغاصب الفعلية أما الآن فسنتحدث على تصرفات الغاصب القولية.
ان وجود المغصوب في يد الغاصب من شأنه أن يغريه بالتصرف فيه مع احتياط الفقه في المقام وإيجابه رد المغصوب للحيلولة بين الغاصب وبين جني ثمار غصبه ولكن مدة بقاء المغصوب في يد الغاصب قد تكون كافية لممارسته كافة التصرفات.
وهنا يلزمنا أن نتعرف على رأي الفقهاء فيما لو تصرف الغاصب بالمغصوب.
وتصرفات الغاصب إما أن تكون من قبيل المعاوضات أو التبرعات وإما أن تكون عبادات كصلاة وحج ونحوها. وإذا كانت هذه النقاط ستشكل مدار البحث فإنه من الضروري أولا أن نتساءل: ترى هل يحق للغاصب بشكل من الاشكال أن يتصرف بالمال المغصوب؟ والذي يظهر لنا ان مما لا خلاف فيه بين الفقهاء في حرمة تصرف الغاصب بالمغصوب بأي نحو كان وقد تقدم في الباب الأول من هذه الرسالة مناقشة هذه النقطة واتضح لنا ان التصرف في ملك الغير بغير إذنه إنما هو أكل للمال
стр. 199
بالباطل وهو ما نهى عنه القرآن الكريم في كثير من الموارد منها على سبيل الخصوص قوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ (١).
وأما الأحاديث الشريفة فقد صرحت بعدم جواز التصرف في ملك الغير بغير إذنه بأي نحو من أنحاء التصرفات. ومنها:
١ - قوله ﵌ (٢): «لا يحلبنّ أحد ماشية أحد بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته (كالغرفة يخزن فيها الطعام) فتكسر خزانته فينتثل طعامه (أي ينثر ويستخرج) فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه».
٢ - عن أبي سعيد الخدري (٣): «قال: قال رسول الله ﵌: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحل صرار ناقة بغير إذن أهلها».
٣ - (٤) - عن عاصم بن كليب عن أبيه ان رجلا من الأنصار أخبره قال:
خرجنا مع النبي ﵌ فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام
стр. 200
فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﵌ يلوك لقمة في فمه ثم قال أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها فقالت المرأة يا رسول الله اني أرسلت إلى النقيع يشتري لي شاة فلم أجد فأرسلت الى جار لي قد اشترى شاة ان أرسل بها إليّ بثمنها فلم يوجد فأرسلت الى امرأته فأرسلت إليّ بها فقال رسول الله ﵌: اطعميه الأسارى.
ومن منطوق هذه الأحاديث الشريفة يتضح لنا عدم جواز تصرف الغاصب في المال المغصوب مهما كان هذا التصرف.
وقد اجمع فقهاء المذاهب الإسلامية على حرمة التصرف في ملك الغير وأمواله بدون إذنه. كما يفهم ذلك من تحريمهم الصلاة في الأرض المغصوبة أو في الثوب المغصوب باعتباره تصرفا في المغصوب بدون إذن المالك.
وسنذكر ذلك تفصيلا في المبحث الثالث من هذا الفصل.
المبحث الثاني: المعاوضات
ان الغاصب قد يبيع المغصوب أو يتجر به أو يرهنه أو يؤجره الى غير ذلك من أنواع التصرفات فما هو حكم ذلك؟ وما هو حدود تصرفاته؟ وهنا نستعرض أولا أقوال الفقهاء لنخلص الى اتجاهات الفقه الإسلامي في الموضوع.
ففي المذهب الحنفي:
ذكر ابن قاضي سماونة (١): «ولو دفع أرضا غصبه الى غيره مزارعة فأجاز المالك فلو سنبل ولم يسمن فهو للمالك ولا يضمن الغاصب نقص الأرض
стр. 201
ولو سمن الزرع وانتهى لم تلحقه الإجازة والزرع للغاصب ويتصدق به ويضمن نقص الأرض».
وجاء في الفتاوى الهندية (١): «إذا باع الغاصب المغصوب من رجل وأجاز المالك بيعه صحت الإجازة إذا استجمعت الإجازة شرائطها وهي قيام البائع والمشتري والمعقود عليه وان تكون الإجازة قبل الخصومة عند أبي حنيفة.».
وفي المذهب الشافعي:
ذكر الأردبيلي (٢): «إذا اتجر الغاصب بالمغصوب أو بمال الغير في يده وديعة أو رهنا أو سوما أو عارية بغير اذن المالك فان باع أو اشترى بعينه بطل ولا يملك العوض وإذا سلم وفات غرم بالمثل أو القيمة وما حصل من الربح إن أمكن ردّه الى صاحب كل عقد ردّه.».
وفي المجموع (٣): «لو غصب أموالا وباعها وتصرف في أثمانها مرة بعد اخرى. وقلنا بالجديد فقولان حكاهما امام الحرمين والغزالي أصحهما البطلان. لأنه ممنوع من كل تصرف.».
وفي المذهب الحنبلي:
ذكر المرداوي (٤): «وتصرفات الغاصب الحكمية كالحج وسائر العبادات والعقود كالبيع والنكاح ونحوها باطلة في إحدى الروايتين وهي المذهب.
стр. 202
قال في التلخيص في باب البيع: وان كثرت تصرفاته في أعيان المغصوبات يحكم ببطلان الكل على الأصح. وعنه تصح موقوفة على الإجازة.».
وذكر ابن النجار (١): «وحرم تصرف غاصب في مغصوب بما ليس حكم من صحة وفساد كإتلاف واستعمال كلبس ونحوه وكذا بما له حكم كعبادة وعقد لا يصحان.».
وفي المذهب المالكي:
يرون صحة الإجازة بعد البيع كما جاء في المدونة (٢).
وفي المذهب الجعفري:
ذكر المحقق الحلي (٣): «فلو باع ملك غيره وقف على اجازة المالك أو وليه على الأظهر ولا يكفي سكوته مع العلم ولا مع حضور العقد فان لم يجز كان له انتزاعه من المشترى ويرجع المشترى على البائع بما دفعه اليه وما اغترمه من نفقة أو عوض عن اجرة أو نماء.».
وذكر القمي (٤) ان بيع الغاصب يصح ولا ينفذ إلا بعد الإجازة ونسب ذلك الى أكثر الفقهاء في المذهب.
وفي المذهب الزيدي:
ذكر العنسي (٥): «فان تصرف الغاصب في العين المغصوبة سواء أجر
стр. 203
أو نحوه من العقود التي تلحقها الإجازة كبيع وهبة أو نحوهما فموقوف ذلك التصرف على اجازة المالك إذ الغاصب فضولي فإن أجاز لفظا أو اجرى منه ما هو بمعنى الإجازة كالمطالبة بالأجرة مع علمه بالتأجير صحت الإجارة واستحق المسمى.».
وذكر ابن المرتضى (١): «نقلا عن أبي حنيفة وأصحابه إذا باعها الغاصب وتلف الثمن في يده ثم أجاز المالك نفذ البيع وبريء المشتري وقال مالك بل يضمن إذ الإجازة لا تلحق التالف قلنا: بل تلحقه.».
يظهر لنا من كلمات الفقهاء في المقام ان الفقه الإسلامي في مسألة تصرف الغاصب بالمغصوب على اتجاهين:
الاتجاه الأول: القول بصحة تصوف الغاصب بالمغصوب ببيع واجازة واعارة ونحوها من العقود موقوفا كل ذلك على اجازة المالك فإن أجاز نفذ البيع ونحوه وان لم يجز فباطل.
وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية وأكثر الإمامية وأكثر المالكية ومنهم مالك بن انس والزيدية وهو ما ذهب اليه بعض الحنابلة ايضا على رواية (٢).
والاتجاه الثاني: وهو اتجاه الحنابلة على الصحيح من المذهب واتجاه الشافعية وهو القول بعدم صحة تصرفات الغاصب وان كل عقد يجريه من بيع ونحوه باطل.
وقد استدل أصحاب الاتجاه الأول على رأيهم بالأدلة التالية:
стр. 204
١ - استدل الجعفرية (١) بعمومات الكتاب الكريم مثل قوله تعالى:
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فإن الآية بعمومها شاملة لبيع الغاصب وأمثاله بعد صدور الإجازة من المالك لانتسابه إليه بالإجازة فيصدق عليه انه عقده ويلزمه الوفاء به.
٢ - واستدل الأحناف (٢): «ان من أصلنا ان ماله مجيز حال وقوعه يتوقف على الإجازة وان الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء ولكن الشرط لتمام العقد الإجازة ببقاء المتعاقدين والمعقود عليه والمجيز وذلك كله باق هنا».
٣ - واما المالكية (٣): فقد ذكروا ان بيع الغاصب إنما هو بيع فضولي وبيع الفضولي يقع صحيحا موقوفا على الإجازة.
اما الذين أبطلوا التصرف فقد استندوا الى قوله تعالى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤).
واستندوا ايضا الى خبر حكيم بن حزام الذي كان يبيع ما ليس عنده ثم يسعى في شرائه وتسليمه للمشتري فنهاه ﵌ عن ذلك بقوله «لا تبع ما ليس عندك (٥)».
وقد أجيب على ذلك بما يأتي:
أ - ان غاية ما يستفاد من هذه الآية ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ﴾. إلخ انه لا حل ولا رفع للحرمة قبل رضى المالك. وهذا عين ما يقول به القائلون بصحة بيع الفضولي فهم قد جعلوه موقوفا على اجازة المالك ولا يعني لديهم
стр. 205
لترتب آثار البيع وأهمها نقل ملكية المبيع. اما الجزء المعوّل عليه والذي به ينفذ البيع وتترتب عليه آثاره فهو رضى المالك وأجازته (١)».
ب - ان النهي في المعاملات لا يفيد الفساد وان ما ورد في خبر حكيم ابن حزام يختص حكمه بما استدل به عليه وإنما ذكر جوابا حين سأله ان يبيع الشيء ثم يمضي ويشتريه ويسلمه (٢).
أو ان المراد به النهي عن بيع ما ليس عنده ولا يملكه من الأعيان المشخصة التي عند غيره على وجه بيع المالك لها، لا على جهة إيقاع العقد الموقوف على رضى المالك (٣).
اما ما استدلوا به من أدلة العقل كقولهم بعدم جواز التصرف في مال الغير إلا باذنه وان الرضا اللاحق لا ينفع في رفى القبح الثابت في تصرف الفضولي فمردود بأن العقد على مال الغير موقوفا على أجازته ليس تصرفا فيه، نعم يصح قولهم فيما لو كان عقد الفضولي وحده سببا لترتب آثار البيع دون توقف على اجازة المالك اما والحال خلاف ذلك حيث لا مناص من هذه الإجازة كشرط لنفاذ العقد وترتب آثاره فان قولهم غير وارد (٤).
ولذلك كله ولقوة ما أورده أصحاب الاتجاه الأول القائلون بصحة تصرفات الغاصب لأن حكمه حكم الفضولي بل هو فضولي أيضا لأن الفضولي هو «الكامل الغير مالك للتصرف ولو كان غاصبا» لقوة ما أوردوه من أدلة نرجح رأيهم ونعتمده هنا (٥).
стр. 206
المبحث الثالث: عبادة الغاصب وهو متلبس بالمغصوب
ان الغاصب قد يؤدي فريضة من الفرائض الشرعية كالصلاة مثلا في مكان مغصوب أو ثوب مغصوب أو قد يحج بيت الله بمال مغصوب فما هو حكم ذلك؟ الظاهر من كلمات الفقهاء في المقام ان هناك اتجاهين اتجاه يرى صحة الصلاة في الأرض المغصوبة واتجاه يرى بطلانها. وكلاهما متفقان على عدم الجواز ابتداء.
أما الاتجاه الأول: فهو اتجاه الشافعية والحنفية والمالكية وبعض الجعفرية وهؤلاء يرون صحة الصلاة في الأرض المغصوبة أو المكان المغصوب أو الثوب المغصوب.
ذكر الشيرازي (١) من فقهاء الشافعية انه: «لا يجوز ان يصلي في أرض مغصوبة لأن اللبث فيها يحرم في غير الصلاة فلأن يحرم في الصلاة أولى فإن صلى فيها صحت صلاته.».
وذكر النووي (٢): «ان الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع وصحيحة عندنا وعند الجمهور من الفقهاء وأصحاب الأصول.».
وذكر القرافي (٣) من المالكية: «المسألة الأولى: الصلاة في الدار المغصوبة قلنا نحن. بصحتها».
وقال في المسألة الثالثة: «الذي يصلي في الثوب المغصوب أو يتوضأ بماء مغصوب أو يحج بمال محرم كل هذه المسائل عندنا سواء في الصحة.».
стр. 207
ومن فقهاء الجعفرية ذكر البحراني (١): «ان صريح كلام الفضل بن شاذان من قدماء أصحابنا (رضوان الله عليهم) وخواص أصحاب الرضا ﵇ هو الجواز كما نقله في الكافي ثم قال: انه لم ينقل عن الأئمة اشتراط الإباحة في المكان واللباس بالنسبة إلى الصلاة كما ورد اشتراطها بستر العورة والقبلة وطهارة الساتر ونحوها وعليه فلا يكون الإخلال بها مضرا بالصلاة وموجبا لبطلانها فتجوز الصلاة حينئذ في المكان والثوب المغصوبين غاية الأمر انه منهي عن التصرف في المغصوب صلى فيه أم لم يصل وغاية ما يوجبه هذا النهي هو الإثم في التصرف بأي نحو كان ونسب القول بالصحة إلى المجلسي».
وأما الحنابلة (٢) فالظاهر ان بعضهم يذهب الى القول بالصحة فقد ذكر ابن قدامة: «وتصرفات الغاصب الحكمية كالحج وسائر العبادات والنكاح ونحوها باطلة في إحدى الروايتين والأخرى صحيحة».
وذهب الى هذا الرأي جمهور الحنفية على ما ذكرته كتب الأصول عندهم وقد نقل ذلك بدر المتولي عبد الباسط (٣) قائلا: «اختلف الفقهاء في مسألة هل يكون الشيء الواحد واجبا وحراما إلى ثلاثة أقوال:
الأول: لجمهور أهل السنة. انه يجوز الجمع بين الوجوب والحرمة في الفعل الواحد بالشخص إذا تعددت جهاته واعتباراته. ومثل لذلك بالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب».
وأما الاتجاه الثاني: وهو القول بالبطلان أي بطلان الصلاة في الأرض وأما الاتجاه الثاني: وهو القول بالبطلان أي بطلان الصلاة في الأرض
стр. 208
المغصوبة والثوب المغصوب وبطلان الحج بالمال المغصوب فهو اتجاه جمهور الحنابلة وجمهور متأخري الجعفرية والزيدية.
فقد ذكر المرداوي (١) من فقهاء الحنابلة: «قوله: والموضع المغصوب يعني لا تصح الصلاة فيه وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم في المختصرات».
وقال (٢): «من صلّى في ثوب حرير أو مغصوب لم تصح صلاته هذا المذهب بلا ريب مطلقا وعليه جماهير الأصحاب».
وذكر أيضا (٣): «الحج بمال مغصوب، كما قال المصنف والصحيح من المذهب انه لا يصح، نص عليه قال ابن ابي موسى: وهو الصحيح من المذهب وجزم به في الوجيز وغيره».
ومن فقهاء الجعفرية ذكر المحقق الحلي (٤): «الثوب المغصوب لا يجوز الصلاة فيه. والمكان المغصوب لا تصح الصلاة فيه للغاصب ولا لغيره ممن علم بالغصب وإن صلّى عالما بالغصبية كانت صلاته باطلة».
وذكر السيد اليزدي (٥): «والصلاة في المكان المغصوب باطلة».
وذكر شيخ الإسلام الشوكاني (٦) من الزيدية: «ومن شروط صحة الصلاة إباحة ما يقلّ مساجده فلا يجزى منزل غصب».
стр. 209
وقد استدل أصحاب كل اتجاه على رأيهم بأدلة نذكرها هنا:
أولا: استدل الذاهبون إلى صحة عبادة الغاصب مع تلبسه بالمغصوب بما يأتي:
أ - «انه لو قال الأمر لمن تجب عليه طاعته اكتب هذه الصحيفة ولا تكتبها في المسجد فكتبها في المسجد فإنه مطيع من جهة انه كتب وعاص من جهة انه كتب في المسجد» (١).
ب - «انه لو لم تصح الصلاة في الأرض المغصوبة لم يسقط الواجب بها وقد انعقد الإجماع على عدم أمرهم الظلمة حتى بعد التغلب عليهم بإعادة هذه الصلوات» (٢).
ج - «ان متعلق الأمر قد وجد فيها بكماله مع متعلق النهي فالصلاة من حيث هي صلاة حاصلة غير ان المصلي جنى على حق صاحب الدار فالنهي في المجاور. ثم انه كما يتحقق الغصب وإن قارن مأمورا يتحقق المأمور وإن قارن تحريما فما أمر الله تعالى إلا بالصلاة ولم يشترط فيها بقعة مباحة بل أوجب الصلاة مطلقا وحرم الغصب ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطا كما انه لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته» (٣).
د - ما ذكره الغزالي (٤) في المستصفى قائلا: «هذه المسألة قطعية ليست اجتهادية والمصيب فيها واحد لأن من صحح الصلاة أخذه من الإجماع وهو قطعي. فمن صححها يقول هو عاص من وجه متقرب من وجه ولا استحالة في ذلك».
стр. 210
هـ - ما ذكره البحراني (١) من فقهاء الجعفرية من انه لم ينقل عن الأئمة ﵈ اشتراط الإباحة في المكان. الى آخر ما نقلناه عنه قبل قليل.
وقد ردّ أيضا على من احتج (بأن النهي في العبادة يقتضي الفساد فتكون الصلاة باطلة لفساد جزئها. وإن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده فيفسد) ردّ على ذلك قائلا: «إن الأمر بالشيء إنما يقتضي النهي عن ضده العام الذي هو نفس الترك أو الكف لا الأضداد الخاصة الوجودية».
هذه هي أهم أدلة هذا الفريق من الفقهاء الذين ذهبوا الى صحة الصلاة في المكان المغصوب والصلاة في الثوب المغصوب وإن كان يحرم عليه ابتداء أن يصلي في المغصوب وإنه يأثم بذلك.
واستدل الفريق الآخر من الفقهاء على بطلان الصلاة في المغصوب بما يأتي:
أ - ما ذكره الغزالي (٢) أيضا بقوله: «إن من أبطلها أخذه من التضاد الذي بين القربة والمعصية ويدعى كون ذلك محالا بالعقل فالمسألة قطعية».
ب - «ان التصرف في الثوب المغصوب أو في المكان المغصوب قبيح ولا تصح نية القربة فيما هو قبيح» (٣).
ج «انه - أي الغاصب - مأمور بإبانة المغصوب ورده الى مالكه فإذا افتقرا الى فعل كثير كان مضادا للصلاة والأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، والنهي يقتضي الفساد» (٤).
د - رواية إسماعيل بن جابر الجعفي عن الصادق ﵇: «لو ان الناس
стр. 211
أخذوا ما أمرهم الله به فأنفقوه فيما نهاهم عنه ما قبله منهم ولو أخذوا ما نهاهم الله تعالى عنه فأنفقوه فيما أمرهم الله تعالى به ما قبله منهم» (١).
هـ - ما ورد عن أمير المؤمنين علي ﵇ في وصيته لكميل بن زياد النخعي: «يا كميل انظر فيم تصلي وعلام تصلي إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول» (٢).
و - «إن النهي عن المغصوب نهي عن وجوه الانتفاع به والحركات فيه انتفاع فتكون محرمة منهيا عنها ومن الحركات القيام والقعود والركوع والسجود وهي أجزاء الصلاة فتكون منهيا عنها فتفسد» (٣).
ونحن بعد ذلك كله إنما نرجح رأي الذاهبين الى القول بصحة الصلاد في المغصوب بالنسبة للغاصب مع كونه آثما لقوة أدلة الفريق الذاهب الى هذا الرأي وقوة ما يرد على أدلة الذاهبين الى البطلان من ردود وإشكالات بما سوف نذكره بعد قليل.
ولأن أداء العبادة من الصلاة في المغصوب لا يستلزم التصرف فيه على ما سيتحقق وان استلزمه فإن ذلك ليس من مصاديق اجتماع الأمر والنهي على القول بعدم الاجتماع واما على القول بصحة اجتماع الأمر والنهي مع تعدد الجهة فلا منافاة إذن وليس للبطلان سبيل على هذا المورد.
وقد نوقشت أدلة القول ببطلان الصلاة في الأرض المغصوبة أو الثوب المغصوب بمناقشات كثيرة وخاصة في كتب الأصول (٤) وفي مبحث «اجتماع
стр. 212
الأمر والنهي» باعتبار إن هذه المسألة من مصاديق هذا المبحث على رأي جمهورهم. والذي يهمنا في المقام أن نختار الردود المناسبة لأدلة القائلين بالبطلان وهي:
أ - «إن نية القربة المعتبرة في الصلاة إنما هي في أفعال الصلاة لا في التصرف في الثوب أو المكان ثم انه ليس من أفعال الصلاة بل من شرائطها ولذا لا اشكال ظاهر في صحة الصلاة مع الغفلة عن التستر أصلا والقصد شرط في صحة العبادة وقد تحقق في محله ان الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده» (١).
ب - «ان الرد قد لا يجب لتعذره فتأمل أو يجب ولا يكون ضدا منافيا للصلاة لحضور المالك أو الواسطة في الإيصال إليه» (٢).
ج - «أما الإنفاق في رواية إسماعيل فظاهر في غير ما نحن فيه مع انها - أي الرواية - لا تدل على أكثر من كون الإباحة شرطا في القبول وكذا رواية تحف العقول مع انها ضعيفة غير مجبورة بالعمل».
د - «إن كون القيام والقعود والركوع والسجود من قبيل الحركات لا يخلوا من تأمل أو منع فإن المفهوم منها عرفا انها من قبيل الهيئة القائمة بالجسم فتكون من مقولة الوضع لا من قبيل الحركة لتكون من مقولة الفعل، نعم الحركة من قبيل المقدمة لوجودها وحرمة المقدمة لا توجب النهي عن ذيها ولا فساده، وما ذكرنا هو المطابق للمرتكز العقلائي فإن التذلل والخضوع واستشعار مشاعر العبودية إنما يكون بالهيئة الخاصة التي يكون عليها العبد في مقام عبادة مولاه لا بالحركة المحصلة لها كما لا يخفى ثم ان الحركة الصلاتية
стр. 213
الواجبة قائمة بالبدن والحركة الغصبية قائمة بالمغصوب فتكون إحداهما غير الأخرى في الخارج ضرورة ان تباين المغصوب وبدن المكلف يستلزم تباين الحركة القائمة بأحدهما والحركة القائمة بالآخر فيمتنع أن تكون الحركة الصلاتية عين التصرف في المغصوب في الخارج كي يكون المقام من صغريات مسألة الاجتماع - اجتماع الأمر والنهي» (١).
هـ - «وان أريد النهي عنه من حيث الغصب وقبح التصرف في مال الغير بدون إذنه فما ذكر من البطلان المترتب على ذلك ممنوع لأن القدر المقطوع به من بطلان العبادة بتوجه النهي إليها إنما هو إذ توجه إليها من حيث كونها عبادة لأن التعليق على الوصف مشعر بالعلية لا من جهة أخرى كما نحن فيه والنهي هنا إنما توجه الى القيام على المغصوب من حيث تحريم التصرف فيه من إذن المالك لا من حيث عدم جواز الصلاة عليه ولزوم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد مع اختلاف الحيثيتين غير ضائر إذ وجه المحالية بتكليف ما لا يطاق المترتب على ذلك إنما يلزم مع اتحاد الجهة» (٢).
стр. 214
الفصل الثاني
تصرفات الغاصب في الأرض المغصوبة
المبحث الأول: الزراعة في الأرض المغصوبة المبحث الثاني: الغرس والبناء والحفر في الأرض المغصوبة
стр. 215
الفصل الثاني: تصرفات الغاصب في الأرض المغصوبة:
ان الغاصب عندما تبقى تحت يده الأرض التي غصبها قد يتصرف فيها بأنواع التصرفات فقد يزرعها أو يغرس فيها غرسا أو يبني فيها بناء أو يحفر فيها بئرا الى غير ذلك من التصرفات فما هو رأي الفقه الإسلامي في كل ذلك؟ هذا ما سنتناوله في هذا الفصل وسنوزع هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الزراعة في الأرض المغصوبة
ان الغاصب إذا زرع الأرض المغصوبة ببذر منه وأدركها المالك وهي مزروعة فللفقهاء ثلاثة اتجاهات:
الأول: اتجاه بعض الحنفية والشافعية وبعض الجعفرية وجماعة من فقهاء الزيدية وبعض المالكية واحتمال عند الحنابلة (١) وأولاء يرون ان الزرع للغاصب وعليه أجرة الأرض وما يحدث فيها من نقص.
ففي المذهب الحنفي:
ذكر ابن غانم (٢): «. فان لم يحضر المالك حتى أدرك الزرع فهو للغاصب وللمالك تضمين نقصان أرضه.».
وفي المذهب الشافعي:
ذكر الأردبيلي (٣): «ولو غصب أرضا وزرعها وجاء فضولي وكرب الأرض دون اذن مالكها لزمته قيمة الزرع للغاصب.».
وفي المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ الطوسي (٤): «فإن غصب أرضا فزرعها بحب نفسه كان الزرع له دون رب الأرض لأنه عين ماله زاد ونما كما لو غصب شعيرا فعلف به دوابه فسمنت فإنها له فإذا ثبت ان الزرع له فان