وذكر الأردبيلي (١): «لو أزعج المالك عن داره فهو غاصب وان لم يدخل وان دخل فلا يبرأ بالمفارقة».
أما فقهاء المذهب المالكي فقد قالوا بصحة غصب العقار وضمانه بالغصب وبنوا هذا على أصلهم في حد الغصب وأنه إثبات اليد المعتدية.
جاء في شرح التعريف وبيان المراد بالأخذ: «أن المراد بالأخذ الاستيلاء عليه ولو لم يأخذه بالفعل فمن استولى على مال شخص بأن منع ربه منه ولو لم ينقله على موضعه فهو غاصب (٢)».
ويفهم من هذا النص صحة غصب العقار وهو يشير الى هذا المعنى بقوله «ولو لم يأخذه بالفعل».
ويؤكد المعنى بعدم اشتراطه النقل كما ذهب الى ذلك أصحاب الاتجاه الأول بقوله: «ولو لم ينقله».
وذكر ابن رشد (٣): «وأما ما يجب فيه الضمان فهو كل مال أتلفت عينه أو تلفت عند الغاصب عينه بأمر من السماء. وذلك فيما ينقل ويحول باتفاق.
واختلفوا فيما لا ينقل ولا يحول مثل العقار فقال الجمهور انها تضمن بالغصب.
اعني انها انهدمت الدار ضمن قيمتها».
أما فقهاء المذهب الحنبلي فقد رأينا أن جماعة منهم اتجهوا الاتجاه الأول وقالوا بعدم صحة غصب العقار وأنه لا يضمن بالغصب ولكن الأكثرية ذهبوا الى القول بصحة غصب العقار موافقين في ذلك لجمهور الفقهاء بل ان هذا
стр. 37
الاتجاه هو الصحيح في رأي فقهاء المذهب كما ذكر ذلك المرداوي قال (١):
«ويضمن العقار بالغصب. هذا المذهب وعليه الأصحاب حتى ان القاضي وأكثر أصحابه لم يذكروا خلافا. لأن الغصب يحصل بمجرد الاستيلاء قهرا ظلما كما تقدم على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب».
وقد ذكر الدليل على هذا الرأي البهوتي (٢) إذ قال: «ويضمن عقار بغصب لما روى سعيد بن زيد أن النبي ﵌ قال من اقتطع من الأرض شبرا ظلما طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين. متفق عليه».
ولأن ما يضمن بالإتلاف يجب أن يضمن في الغصب كالمنقول فيضمن الغاصب المعقار إذا تلف بغرق أو نحوه كسائر المغصوبات.
وفي المحرر (٣) ذكر (أن الاستيلاء على مال الغير ظلما من عقار وأم ولد وغيرهما) هو حد الغصب.
وهذا يدل على صحة غصب العقار كما هو واضح.
أما في الفقه الجعفري فيكاد يكون الإجماع منعقدا على صحة غصب العقار وأنه يضمن بالغصب إذ لم أجد في حدود ما اطلعت مخالفا. وقد نقل الإجماع صاحب الجواهر (٤) إذ قال: «لا اشكال عندنا في أنه يصح غصب العقار ويضمنه الغاصب بل الإجماع بقسميه عليه مضافا الى النصوص».
стр. 38
وذكر الشيخ الطوسي (١) أيضا: «يصح غصب العقار ويضمن بالغصب».
وذكر المحقق الحلي (٢): «ويصح غصب العقار ويضمنه الغاصب ويتحقق غصبه بإثبات اليد عليه مستقلا».
وقد ذكر ذلك أيضا الشهيد الثاني (٣) ثم علق بقوله: «لأن المعتبر في الغصب الاستقلال بإثبات اليد والاستيلاء وتحققهما في العقار ممكن كغيره ومن ثم أمكن قبضه في البيع وغيره مما يعتبر فيه القبض وهو لا يتحقق بدون الاستقلال بإثبات اليد عليه فليكن هنا كذلك ولا فرق على تقديره بين أن يزعج المالك فيخرجه من الدار ويدخلها على هيئة من يقصد السكنى وبين أن يستولي عليها ويتسلم مفاتيحها وإن لم يدخلها أصلا لأن قبضها يحصل بذلك».
أما في الفقه الزيدي فقد توزع الفقهاء على الاتجاهين فذهب الهادي وأبو طالب الى عدم صحة غصب العقار وقد ذكرنا ذلك عند تناولنا لآراء أصحاب الاتجاه الأول.
أما رأي الفريق الآخر من فقهاء الزيدية فقد ذكره ابن المرتضى (٤) قائلا:
«بل يضمن غير المنقول بالغصب لقوله ﵌: من غصب شبرا من الأرض.
ونحوه».
وذكر الصنعاني (٥): «أنه ذهب الجمهور إلى أنها أي - الأرض - تضمن بالغصب قياسا على المنقول المتفق على أنه يضمن بعد النقل بجامع الاستيلاء
стр. 39
الحاصل في نقل المنقول وفي ثبوت اليد على غير المنقول بل الحق أن ثبوت اليد استيلاء وإن لم ينقل».
أما رأي محمد بن الحسن الشيباني فقد ذكر ابن غانم (١) من فقهاء الحنيفة:
«أن العقار لا يغصب عندهما أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف - لعدم تحقق الإزالة بفعل فيه. خلافا لمحمد لتحقق مطلق الإزالة والإثبات فيه».
أما المذهب الظاهري:
فقد وافق جمهور الفقهاء في القول بصحة غصب العقار كما ذكر ذلك ابن حزم (٢) بقوله: «ان الغصب هو أخذ الشيء ظلما وقد روينا من طريق البخاري حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﵌:
«من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين.
فصحّ ان الأرض تؤخذ بغير حق فصحّ انها تغصب».
وهكذا نخلص الى ما قدمناه من وجود اتجاهين في مسألة غصب العقار وقد انبنى هذا على الأصل المختلف فيه وهو حد الغصب وقد حققنا في حينه مع أي أصل نتجه والى أي رأي نميل.
ولكن لما كانت هذه المسألة بدرجة من الأهمية لذا نفضل ان نفرد لها تقريرا مرجحين بالأدلة أحد الرأيين.
نحن نميل الى ترشيح الرأي الثاني القائل بصحة غصب العقار وضمانه بالغصب وذلك للأدلة التالية:
١ - ان القول بصحة غصب العقار مبني على حد الغصب وعناصره وقد
стр. 40
حققنا في حينه الرأي المختار وقلنا اننا نجد ان لا مشاحنة لنا في الأخذ برأي الجمهور في ان الاستيلاء هو إثبات اليد وهو يتحقق في العقار كما لا يخفى.
وإلا «فمن الذي اشتراط النقل والتحويل في حقيقة الغصب وهل هو إلا الاستيلاء أو أخذ مال الغير بدون اذنه وأي أخذ أقوى من الاستيلاء على أرض الغير ومنع المالك من التصرف فيها (١).» ثم ما هو وجه استثناء عقار الوقف وعقار اليتيم والمعدّ للاستغلال من غصب العقار فان كان العقار لا يغصب فهو لا يغصب مطلقا وعموما واستثناء الموارد المذكورة بلا دليل شرعي مشعر بتزحزح أصحاب هذا الرأي.
٢ - تظافرت الروايات واستفاضت حتى بلغت حد التواتر في موضوع غصب الأرض والتشدد في حرمة الاعتداء عليها ومنع الغاصب من التصرف فيها.
ولسان الروايات وإن وردت بألفاظ مختلفة إلا أنها كلها تؤكد معنى واحدا وهو «أخذ الأرض» وغصبها وقد احتج بها الجمهور على القول بغصب العقار. بل واحتج بها ممن قال بالرأي الأول في حرمة الغصب كما ذكر ذلك صاحب روضة القضاة (٢). وروى عن الرسول ﵌: «من غصب شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين».
ونورد هنا هذه الأحاديث وسنجد بعضها يصرح بكلمة الغصب وكما ذكرنا ذلك قبل أسطر.
стр. 41
١ - عن رسول الله (١) ﵌ قال: «من اقتطع شبرا من الأرض طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين» وورد بلفظ آخر:
٢ - «من أخذ أرضا بغير حقها كلف ان يحمل ترابها الى المحشر» وورد بلفظ آخر:
٣ - «من غصب شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة».
وهكذا نجد ان هذه الأحاديث وما في معناها. كلها تؤكد ان الأرض تؤخذ وليس الأخذ إلا الاستيلاء عليها كما هو واضح.
وقد اتجه القانون المدني العراقي الجديد نفس الاتجاه الثاني في الفقه الإسلامي أي رأي جمهور الفقهاء فقرر أن العقار يصح غصبه وأن غاصبه يضمن بتلفه أو إتلافه.
стр. 42
(فنصت المادة «١٩٧» من القانون المدني على ما يلي:
المغصوب ان كان عقارا يلزم الغاصب ردّه الى صاحبه من أجر مثله وإذا تلف العقار أو طرأ على قيمته نقص ولو بدون تعد من الغصب لزمه الضمان (١).
ويستفاد من هذا النص كما يقرر سليمان مرقص (٢) ما يلي:
١ - إلزام الغاصب برد العقار المغصوب عينا.
٢ - إلزامه بأداء أجر مثله وذلك تعويضا عن منافع العقار التي مرت في مدة الغصب.
٣ - إلزامه بتعويض التلف أو الهلاك ولو حدث دون تعد منه وهذا هو ضمان الغصب ويختلف عن ضمان الإتلاف في أن الأخير لا يتحقق إلا بالتعدي.
وقد قضت محكمة تمييز العراق - كما ينقل ذلك المؤلف - بأن غصب العقار العائد للغير بدون حق قانوني وحرمان مالكه الانتفاع به يستوجب التعويض ولو لم يستعمل الغاصب العقار لمنفعته).
أما مجلة الأحكام العدلية فقد اتجهت الاتجاه الأول فوافقت رأي أبي حنيفة وأبي يوسف - في قول له - فنصت المادة (٩٠٥) «المغصوب إن كان عقارا يلزم الغاصب ردّه الى صاحبه بدون تغييره وتنقيصه وإذا طرأ على قيمة ذلك العقار نقصان بصنع الغاصب وفعله يضمن نقصان قيمته» (٣).
الفرع الثاني - زوائد المغصوب:
اختلف الفقهاء في ضمان زوائد المغصوب عنه تلفها بيد الغاصب بتعد منه أو بدون تعد تبعا لاختلافهم في حدّ الغصب.
стр. 43
فمن ذهب الى أن الغصب هو إزالة اليد المحقة بإثبات اليد المبطلة قال بعدم ضمان الزوائد بل هي أمانة بيد الغاصب يضمن ان هلكت بتعديه.
وإلى هذا الرأي ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف من فقهاء المذهب الحنفي والهادي وأبو طالب من فقهاء المذهب الزيدي.
أما جمهور الفقهاء فقد قالوا بضمان زوائد المغصوب لأنهم قالوا ان حدّ الغصب إنما هو إثبات اليد المبطلة وهذا متحقق في الزوائد.
وليس هذا على إطلاقه بل ان المالكية فرقوا بين الزيادة المتصلة والزيادة المنفصلة فرأوا الضمان في الثانية دون الاولى.
ونستعرض كلمات الفقهاء هنا على سبيل الإيجاز لنتبين هذه النقطة.
في المذهب الحنفي: ذكر المرغيناني (١) ان: «ولد المغصوبة ونماؤها وثمرة البستان المغصوب أمانة في يد الغاصب ان هلك فلا ضمان عليه إلا أن يتعدى فيها أو يطلبها مالكها فيمنعها إياه».
وعلل هذا الرأي بقوله (٢): «ان الغصب إثبات اليد على مال الغير على وجه يزيل يد المالك على ما ذكرناه ويد المالك ما كانت ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها».
وذكر السمرقندي (٣): «ولهذا قلنا: ان زوائد الغصب متصلة كانت أو منفصلة من الولد واللبن والصوف والسمن لا تكون مغصوبة خلافا للشافعي لعدم إزالة اليد ولو جاء المالك وطلب الزوائد فمنعها: يضمن بالإجماع».
стр. 44
وذهب القاسمية وابن المرتضى من الزيدية الى أن: «الزوائد المتصلة منها والمنفصلة تكون أمانة بيد الغاصب فإذا هلكت فلا ضمان عليه إلا إذا تعدى عليها: جاء في البحر الزخار (١): فأما فوائده الأصلية فأمانه إلا ما نقله لنفسه أو جنى عليه أو لم يرد مع الإمكان».
وجاء في التاج المذهب (٢): «وأما حكم فوائدها أي العين المغصوبة الأصلية والفرعية الحادثة عند الغصب فهي أمانة في يد الغاصب كملقى الطير فلا يضمن منها إلا ما نقله لنفسه أو لهما لأنّه يصير بذلك غاصبا».
وفي المذهب الشافعي: ذكر الشيرازي (٣) انه: «إذا زاد المغصوب في يد الغاصب بأن كانت شجرة فأثمرت ثم تلف ضمن ذلك كله لأنه مال للمغصوب منه حصل في يده بالغصب فضمنه بالتلف كالعين المغصوبة».
وذكر الأردبيلي (٤): «زوائد المغصوب منفصلة كانت أو متصلة مضمونة على الغاصب وان حصلت بفعله».
وفي المذهب الحنبلي (٥): ذكر البهوتي: «ويضمن الغاصب زوائد الغصب كالثمرة إذا تلفت أو نقصت».
وكذلك الحال بالنسبة للزيادة المتصلة فإنها مضمونة أيضا.
ذكر ابن النجار (٦) انه: «يلزم ردّ مغصوب زاد بزيادته المتصلة كقصارة وسمن. والمنفصلة كالكسب».
стр. 45
وفي المذهب الجعفري: ذكر المحقق الحلي (١) ان: «فوائد المغصوب للمالك منفصلة كانت كالولد أو متصلة كالصوف والسمن. ولا يضمن من الزيادة المتصلة ما لم تزد به القيمة كما لو سمن المغصوب وقيمته واحدة».
وذهب الظاهرية الى هذا الرأي فقد ذكر ابن حزم (٢) ان: «من غصب شيئا أو أخذه بغير حق ففرض عليه ان يرده. وأن يردّ كل ما اغتل منه وكل ما تولد منه. فيردّ كل ما اغتل من الشجر ومن الماشية من لبن أو صوف أو نتاج ومن العقار الكراء».
ونحن هنا نرجح رأي الجمهور الذين ذهبوا الى ان فوائد المغصوب المنفصلة والمتصلة إنما هي مضمونة على الغاصب وذلك للأسباب التالية:
أولا - لأن الزيادة الحاصلة في المغصوب إنما هي نماء ملك المالك والحال انه لم يحدث أي سبب ناقل لملكيتها عنه ولما كان الغاصب لا يزال يضع يده العادية على الأصل وهي يد ضمان فيده على الفرع يد ضمان أيضا.
ثانيا - ان هذا الإجراء (أي تضمين الغاصب الزيادة) يعتبر بمثابة ردع للغاصب من المادي في الغصب والاستمرار فيه لأنه حينئذ سيكون مسؤولا قبل المالك عن أي شيء يطرأ على هذه الزيادة إضافة الى حرمان المالك من استغلالها لصالحه مما يترتب عليه إضرار بملك المالك وهو اثراء غير مشروع.
ثالثا - ان اعتبار زوائد المغصوب أمانة في يد الغاصب لا يضمنها إلا بتعديه أو بتلفها بشرط الإهمال، يبني على اعتبار أن الغاصب هنا لم يزل يد
стр. 46
المالك ليتحقق مصداق الغصب - كما هو رأي الحنفية وبعض الزيدية - وقد حققنا أن حدّ الغصب أعم من هذا وحينئذ يسقط هذا الاعتبار.
رابعا - ان الغاصب يصدق عليه أنه وضع يده على هذه الزوائد سواء أكانت منفصلة أو متصلة وحينئذ يضمن استنادا الى عموم قوله ﵌:
«على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (١).
стр. 47
الفصل الثاني
ثلاثة مباحث المبحث الأول: عناصر الغصب المبحث الثاني: شروط الغصب المبحث الثالث: أسس النظرية أو أدلة حرمة الغصب
стр. 48
المبحث الأول عناصر الغصب:
يمكننا ان نستخلص عناصر الغصب من استعراضنا لكلمات الفقهاء في بيان حد الغصب.
ومن ذلك نستطيع القول ان هناك عنصرين أساسيين:
الأول: العنصر المادي:
ونقصد به السيطرة المادية أو وضع اليد أو الاستيلاء وكلها بمعنى واحد كما سيتبين.
الثاني: العنصر المعنوي:
وهو قصد العدوان.
وبدون تحقيق هذين العنصرين فليس يتحقق الغصب بالمفهوم الشرعي.
أما العنصر المادي:
فقد وقع خلاف بين الفقهاء في تحديد مفهومه وحقيقته ويمكننا هنا أن نلحظ رأيين:
١ - رأي يقول بأنه إثبات اليد المبطلة على العين.
٢ - ورأي يقول: هو إزالة يد المالك مع إثبات اليد المبطلة.
أما الرأي الأول:
فهو لفقهاء الشافعية والحنابلة والمالكية والجعفرية وجمهور الزيدية والظاهرية.
ونستعرض أقوالهم هنا لنتثبت من صحة نسبة هذا الرأي إليهم ففي المذهب الشافعي:
ذكر الغزالي (١): «الدابة يكفي فيها الركوب، وفي الفراش الجلوس
стр. 49
عليه فهو غاية الاستيلاء».
وذكر الأنصاري (١) ان «ركوب دابة غيره وجلوسه على فراشه من مصاديق الغصب وكذا إزعاجه من داره ودخوله لها بقصد استيلاء فان كان المالك فيها فغاصب لنصفها».
ومن النصين المتقدمين يتجلى لنا ان المقصود بالاستيلاء هو مجرد إثبات اليد ولذا فلو لم يتحقق وضع اليد فليس باستيلاء كما ذكر ذلك الشرقاوي (٢) في حاشيته إذ جاء فيها: «لو منح المالك من سقي زرعه أو ماشيته حتى تلف فلا ضمان لانتفاء الاستيلاء عرفا سواء قصد منعه عنه أم لا».
وقد صرح الغزالي (٣) بذلك أيضا إذ قال: «أما إثبات اليد فهو مضمن وإذا كان عدوانا فهو غصب وإثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في الدابة والفراش».
أما في المذهب المالكي:
فيظهر ان الاستيلاء هو إثبات اليد فحسب.
فقد ذكر الدردير (٤) ذلك بقوله: «المراد بالأخذ الاستيلاء عليه ولو لم يأخذه بالفعل فمن استولى على مال شخص بأن منع ربه ولو لم ينقله من موضعه فهو غاصب».
وذكر ايضا: «وكجاحد وديعة عنده من ربها ثم أقرّ بها أو قامت عليه بينة ثم هلكت ولو بسماوي» أي فهو غاصب.
стр. 50
وذكر ابن الحطاب (١) في تعريفه للغصب «. وقيل وضع اليد العادية قهرا».
وجاء في الفروق (٢): «أسباب الضمان ثلاثة فمتى وجد واحدا منها وجب الضمان. ثالثها: وضع اليد غير المؤتمنة فيندرج في غير المؤتمنة يد الغاصب».
وفي موضع آخر (٣) محتجا بعدم ضمان الزوائد: «ولفظ صاحب الشرع اقتضى سببية وضع اليد ومفهومه ان غيره ليس بسبب فلا بدّ لسببيته من دليل.».
وظاهر هذه النصوص المتقدمة تفيد ان السيطرة المادية تعني وضع اليد أي إثباتها وهذا موافق لرأي الشافعية المتقدم.
أما في المذهب الحنبلي:
فإن الاستيلاء أو السيطرة المادية تعني إثبات اليد فقد جاء في الإقناع (٤):
«ولا يحصل الغصب من غير استيلاء فلو دخل أرض إنسان أو داره صاحبها فيها أولا بإذنه أو بغير اذنه لم يضمنها بدخوله».
وفي غاية المنتهى (٥): «واستيلاء كل شيء بحسبه فمن ركب دابة واقفه بلا اذن فغاصب ولو لم يسيرها».
ومن ذلك نفهم ان الاستيلاء هو إثبات اليد.
стр. 51
وفي المذهب الجعفري:
ذكروا في تعريفاتهم للغصب أنه: «الاستقلال بإثبات اليد على مال الغير عدوانا (١)».
وجاء في المسالك (٢): «لا إشكال في تحقق الغصب مع الجلوس على البساط أو ركوب الدابة سواء قصده أم لا وسواء كان المالك حاضرا وأزعجه أم لا، لتحقق الاستيلاء عليه على وجه العدوان».
ومن ذلك يفهم ان السيطرة المادية أي ان الاستيلاء هو إثبات اليد.
وجاء في الروضة (٣): «وحيث اعتبر في الضمان الاستقلال والاستيلاء فلو منعه من سكنى داره ولم يثبت المانع يده عليها أو منعه من إمساك دابته المرسلة فكذلك ليس بغاصب لهما».
وذكر السبزواري (٤) ان: «المشهور أنه إذا تعدى على الغير من غير ان يستقل بيده على ماله لا يعد غاصبا وان كان آثما».
ووافق جمهور فقهاء الزيدية جمهور الفقهاء فيما ذهبوا إليه من أن الاستيلاء أو السيطرة المادية هو إثبات اليد.
جاء في التاج (٥): «والاستيلاء: هو إثبات اليد على الشيء».
وقد ذكر ابن المرتضى (٦) في البحر أن هذا هو رأي المؤيد ويحيى فبعد
стр. 52
ان رمز إليهما قال: «ووضع اليد على المنقول الذي لا يد عليه كالصرة وركوبه والجلوس عليه غصب للاستيلاء».
وجاء في الروض النضير (١): «استعمال عبد الغير وركوب دابته يدخل في الاستيلاء فيضمن لتحقق الغصب وكذا الجلوس على فراش الغير إذا كان لمثله اجرة».
ومن ذلك كله يفهم أن الاستيلاء أو السيطرة المادية يعني مجرد إثبات اليد.
أما الظاهرية: فقد نحوا هذا المنحى إذ ذكر ابن حزم (٢) في تعريفه للغصب: «. فالأرض يصح أن تؤخذ بغير حق فصحّ انها تغصب».
وطبيعي أنه لا يتصور بطبيعة الحال في الأرض غير إثبات يد الغاصب عليها إذ لا يتحقق نقلها.
الرأي الثاني:
ان السيطرة المادية أو الاستيلاء يلزم أن يكون إزالة يد المالك وإثبات اليد الباطلة وإلا فتخلف أمر من هذين ليس بأخذ أي لا تتحقق السيطرة المادية التي يترتب عليها مع العدوان الغصبية.
وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف من المذهب الحنفي، والهادي وأبي طالب من الزيدية. ونورد نصوصا فقهية هنا لتأكيد هذا الاتجاه عندهم:
ذكر ابن غانم ان (٣): «الجلوس على البساط ليس بتصرف فيه لأن الغصب إيقاع الفعل فيما يمكن نقله بغير إذن صاحبه على وجه يتعلق به الضمان أما من غير فعل في المحل فلا يصير غاصبا».
وذكر أيضا: «. ولو أبعد المالك عن المواشي لا يضمن ذكره في الهداية».
стр. 53
وجاء في تحفة الفقهاء (١): «وان لم ينقل شيئا مما يحتمل النقل كما إذا جلس على بساط الغير لا يضمن».
والإزالة لا تتم إلا بفعل في العين وإلا فكف يد المالك ومنعه لا يعد إزالة.
ويظهر من هذين النصين ما قررناه ويتأكد ان إزالة يد المالك لا تكفي في تحقق السيطرة المادية بل لا بدّ من إثبات يد الغصب.
جاء في الاختيار (٢): «لو منع رجلا من دخول داره أو لم يمكنه من أخذ ماله لا يكون غاصبا ولو منع المالك عن المواشي حتى ضاعت لا يضمن ولو نقلها عن موضعها يصير غاصبا».
وذكر السمرقندي (٣): «ان من سكن دار غيره بغير إذنه وأخرج صاحبها عنها لو كان فيها أو زرع أرض غيره بغير إذنه يكون غصبا موجبا للردّ ولا يكون موجبا للضمان عند أبي حنيفة وأبي يوسف».
وإنّما كان ذلك غصبا موجبا للرد وليس موجبا للضمان لأنّه كما يظهر وان حصل إثبات اليد إلا ان الإزالة التي هي فعل في العين كما يرون لم تتحقق لعدم إمكان ذلك في العقار على رأيهم.
وقد وافق الهادي وأبو طالب هذا الرأي لأبي حنيفة وأبي يوسف كما نقل ذلك عنهما ابن المرتضى (٤) فقد ذكر في البحر بعد ان رمز إليهما:
«ووضع اليد على المنقول وركوبه والجلوس عليه غصب للاستيلاء أما الهادي وأبو طالب فقالا: النقل شرط وإمساك المالك حتى أخذ متاعه لا يوجب الضمان».
стр. 54
وهكذا نخلص الى ان العنصر المادي عند هذا الفريق من الفقهاء إنما هو عملية مزدوجة فهو إزالة يد مالكه بفعل في العين وإثبات يد أجنبية معتدية.
والملاحظ هنا ان القانون الروماني (١) يظهر فيه هذا الاتجاه إذ ورد في تعريف الغصب «انتزاع مال مملوك للغير بالقوة» والانتزاع يفيد الإزالة على معنى انه لا يمكن تحقق الغصب إلا بإزالة يد المالك عن ملكه والإزالة والانتزاع تفيد النقل.
والملاحظ هنا ايضا ان القانون المدني العراقي اختار القول الأول وهو ان العنصر المادي إنما هو إثبات اليد.
جاء في النشرة القضائية (٢): «والغصب كما عرفه الفقهاء: إثبات أحد يده على ملك الغير بدون إذنه».
العنصر المعنوي: قصد العدوان:
لاحظنا في استعراضنا لتعريف الفقهاء للغصب إيرادهم «العدوان» قيدا في التعريف، وقد عبروا عنه بتعبيرات متقاربة:
فقال بعضهم: عدوانا، بالتصريح. وآخرون قالوا: بلا حق. وجماعة قالوا: بلا اذن من له الاذن.
وجماعة قالوا: على وجه الغلبة والتعدي. وجماعة قالوا: ظلما.
وكلها في الحقيقة ترمي الى هدف واحد ومعنى واحد هو (قصد العدوان).
وحتى نتأكد من صحة ذلك نورد ما ذكره فقهاء كل مذهب بهذا الخصوص.
ففي الفقه الحنفي:
стр. 55
نجد ان الكاساني (١) قد عبر عن «قصد العدوان - بقوله في تعريف الغصب. على سبيل المجاهرة والمغالبة».
وعبر ابن غانم (٢) عن ذلك بقوله: «بلا إذن من له الاذن».
أما السمرقندي (٣) فقد ذكر في خزانته: «فأما إثبات اليد على مال الغير على وجه التعدي بدون إزالة اليد فيكون غصبا موجبا للردّ لا موجبا للضمان وهذا عندنا».
وقد أورد الموصلي هذا القيد في تعريفه للغصب بقوله: «. بطريق التعدي».
وقد ذكر ابن الهمام في تكملته قيدا في التعريف يعبر عن قصد العدوان بقوله: «. بغير إذن المالك (٤). وذكر هذا القيد البابرتي (٥) أيضا في تعريفه».
ومن هذه النصوص التي ذكرناها وأشرنا إلى بعضها يتبين لنا ان «العدوان» الذي ورد قيدا في التعريفات أساس فيها فهو العنصر الذي بدونه لا يتحقق الغصب حتى مع إزالة يد المالك وإثبات اليد الأخرى، بل يخرج الى عناوين أخرى كالوديعة والعارية والرهن وغيرها ولذا قال ابن غانم في سبب إيراده قيد «بلا إذن من له الاذن» قال: للاحتراز عن الوديعة. (٦)
стр. 56
أما في المذهب الشافعي:
فقد أورد صاحب نهاية المحتاج (١) في تعريفه للغصب كلمة «عدوانا» قيدا أساسيا في التعريف وقال في توضيح ذلك: «عدوانا» أي على وجه الظلم والتعدي فخرج به نحو مأخوذ بسوم وعارية وما كان أمانة شرعية.
وذكر الغزالي (٢) «العدوان» في تعريفه واعتبره وإثبات اليد عنصرا للغصب إذ قال: «أما إثبات اليد فهو مضمن وإذا كان عدوانا فهو غصب، والمودع إذا جحد فهو من وقت الجحود غاصب».
والأردبيلي (٣) ذكر «العدوان» صريحا في تعريفه.
وذكره الشرقاوي (٤) في تعريفه الذي جاء فيه: «وقد يعرف - أي الغصب - باعتبار الضمان والإثم فيقال هو استيلاء على مال الغير عدوانا».
وقد عبّر أبو بكر البكري (٥) عن قصد العدوان بقوله «بلا حق» وجاء في بيان هذا القيد وتوضيحه «. وخرج به العارية والسوم ونحوها فإن في ذلك استيلاء على حق الغير لكن بحق».
وعبّر أبو يحيى الأنصاري بنفس التعبير السابق كما جاء في منهجه (٦).
والنصوص المتقدمة يفهم منها أن «العدوان» عنصر أساسي من عناصر الغصب بحيث لا يتم بدونه تحقق الغصب.
стр. 57
أما في المذهب الحنبلي:
فقد عبّر عن قصد العدوان في الإنصاف (١) بقوله «بغير حق» كما أورده في التعريف وقد نقل آراء جماعة من فقهاء المذهب في تأكيد هذا المعنى.
وقد ذكر قيد «بغير حق» أيضا ابن النجار (٢) عند تعريفه للغصب وكذلك جاء في المقنع (٣) وفي غاية المنتهى (٤) وفي العدة شرح العمدة (٥).
أما في المحرر (٦) فقد ذكر كلمة «ظلما» قيدا في التعريف تعبيرا عن قصد العدوان.
أما في الفواكه (٧) فقد أضاف كلمة «بغير مسوغ» بعد إيراده كلمة «ظلما» في تعريفه للغصب. وهذا أدّق.
وهنا وان لم يصرح «بالعدوان» في حدود ما ذكرنا من كتب المذهب إلا أنه لا يفهم أن «قصد العدوان» عنصر من عناصر الغصب لا يمكن بدونه ان يكون الاستيلاء على الشيء غصبا.
أما في المذهب المالكي:
فقد أورد قيد «العدوان» في التعريف التسولي في بهجته (٨) إذ قال:
أنّه - أي الغصب - «أخذ مال قهرا تعديا بلا حرابة».
стр. 58
وجاء في تحفة الحكام (١): «قال القاضي عياض: أخذ المال قهرا بغير حق على ضروب عشرة حرابة وغيلة وغصب.» ثم قال: قال الشاطبي: «الغصب عند الفقهاء التعدي على الرقاب».
أما سيدي أحمد الدردير (٢) فقد ذكر في تعريفه كلمة «قهرا تعديا» وجاء في توضيحها: وقوله: قهرا: خرج به الآخذ اختيارا كعارية وسلف وهبة ووديعة ونحوها ممن عنده بالاختيار، وقوله: تعديا أخرج به ما ذكر قهرا حيث أنكر أو ألد وهي عنده أو من غاصب ونحوه وأخرج به السرقة والاختلاس فان السارق حال الأخذ لم يكن معه قهر».
وجاء في المواهب (٣): «أخذ المال قهرا تعديا بلا حرابة» هذا الرسم نحو رسم ابن الحاجب. وحدّه ابن عرفة بقوله: «أخذ المال غير منفعة ظلما قهرا لا بخوف قتال».
ومن كل ذلك يفهم ان «قصد العدوان» وارد في التعريف بالتصريح تارة وبالإشارة أخرى ويفهم على أساس ذلك ان إيراده بذلك المستوي دليل على انه عنصر الغصب.
أما في المذهب الجعفري: فقد ذكر المحقق الحلي (٤) في الشرائع كلمة «عدوانا» في التعريف كقيد اساسي. أما العلامة الحلي (٥) فقد أورد كلمة «على جهة التعدي» في تعريفه.
стр. 59
وجاء في الجواهر (١): واحترز «بالعدوان» عن إثبات يد المرتهن والولي والوكيل والمستأجر وغيرهم مما لا يكون عدوانا.
وذكر السبزواري (٢) كلمة «بغير حق» في تعريفه ونقل قولا آخر في تعريف الغصب واثبت فيه كلمة «عدوانا».
وقد ذكر الشهيد الثاني (٣) في المسالك كلمة «بغير الحق» في التعريف واعتبره الأجود وقد نقل القول في تعريفه بذكر العدوان.
وقد ذكر في الروضة (٤) «عدوانا» في تعريفه وقال في توضيحه «وبالعدوان خرج إثبات المرتهن، والولي، والوكيل، والمستأجر، والمستعير أيديهم على مال الراهن والمولّى عليه والموكل أو المؤجر».
وذكر محمد حسين آل كاشف الغطاء (٥): كلمة «عدوانا» في التعريف إذ قال «وبالمعنى الخاص - أي الغصب - وهو المحرم عقلا وشرعا: الاستيلاء على مال الغير عدوانا».
ومن ذلك الذي عرضناه من كلمات الفقهاء في المقام يتبين لنا ان «قصد العدوان» عنصر ثان في التعريف يتحقق به مع الاستيلاء الغصب.
أما في المذهب الزيدي:
فقد ذكر ابن المرتضى (٦) كلمة «عدوانا» في تعريفه للغصب وقد
стр. 60
ذكرها العنسي في التاج المذهب (١) والسياغي في الروض النضير (٢).
ومن ذلك يفهم ان إيراد هذا القيد في التعريف والتأكيد عليه يشير إلى أنه العنصر الثاني الذي يشكل مع إثبات اليد حقيقة الغصب وما يترتب عليه.
أما في المذهب الظاهري:
فقد أورد ابن حزم (٣) في تعريفه الغصب كلمة «ظلما» قيدا في التعريف وهو كما يظهر يشير الى «قصد العدوان» لأنه بدون هذا القصد لا يعد المأخوذ من الغير ظالما وأخذه ملك الغير ظلم.
وبناء على ما ذكرناه وحققناه من كلمات الفقهاء في مختلف المذاهب الإسلامية والمدارس الفقهية نخلص الى القول:
أن عنصري الغصب هما:
١ - إثبات اليد (أو الاستيلاء).
٢ - قصد العدوان.
وعلى ذلك فان الغصب بمفهومه الشرعي لا يتحقق وبالتالي لا ينتج أثره من الضمان وغيره إلا بتوافر كلا العنصرين بحيث لو ان أحدا وضع يده على ملك غيره واستولى عليه من غير تعد لا يعد غاصبا بل قد يكون وصيا أو قيّما الى غير ذلك وكذا لو ان أحدا قصد العدوان وأبدى ما يدل عليه إلا أنه لم يضع يده ولم يستول على ملك الغير فلا يعتبر غاصبا ايضا.
الحال المساوي للغصب:
وهنا يحسن الالتفات إلى نقطة مهمة وهي ان من كانت بيده عين مملوكة
стр. 61
للغير بعنوان وديعة أو رهن أو هو عليها قيّم أو وصي ثم طلبها المالك منه وأنكر فهو غاصب لتحقق عنصري الغصب (وضع اليد، والعدوان) لأنه بجحوده وإنكاره في وجه المالك أو وكيله بعد الطلب يكون معتديا وتنقلب يده من يد أمينه إلى يد ضامنة. وكذلك يعتبر غاصبا من تصرف بملك غيره ببيع أو نحوه ضمن وصار غاصبا.
وكل هذه الصور تعتبر مساوية للغصب في الحكم وهو الضمان وعلى ذلك رأى أغلب الفقهاء (١).
أما القانون المدني العراقي (٢) فقد صرح بذلك في المادة (٢٠١) قائلا:
«الحال الذي هو مساو للغصب في إزالة التصرف حكمه حكم الغصب فالوديع إذا أنكر الوديعة يكون في حكم الغاصب وبعد الإنكار إذا تلفت في يده بلا تعد يكون ضامنا».
البحث الثاني: شروط الغصب
نعني بشروط الغصب: المواصفات التي يجب تواجدها في العين ليتحقق بالاستيلاء عليها عدوانا الغصب ويترتب أثره الشرعي.
والذي نستظهره من تعريفاتهم السابقة ان (العين) أو (المحل) الذي يتحقق فيه الغصب يشترط فيه ان يكون مالا وان يكون المال متقوّما وان يكون محترما وهذه الشروط الثلاثة معتبرة عند جمهور الفقهاء وتكفي لتحقق الغصب ولكن أبا حنيفة ومن تابعه أضاف شرطا آخر وهو ان يكون
стр. 62
(المحل) قابلا للنقل وإلا فإن الاستيلاء عليه عدوانا ليس غصبا بمعناه الشرعي الاصطلاحي وقد نقلنا قوله ومن تابعه عند استعراضنا تعريفاتهم.
ونتناول هذه الشروط نبحثها واحدا واحدا لنتأكد من اعتبارها واشتراطها عند الفقهاء.
الشرط الأول: المالية
لقد ذكر الفقهاء كما لاحظنا في تعريفاتهم ان الاستيلاء أو الأخذ يلزم ان يقع على (مال الغير) أولا وهذا القيد مشعر ان ما ليس بمال لو استولى عليه أحد فليس بغاصب.
وهنا نبحث المراد بالمال في اصطلاح الفقهاء لأن ذلك سيلقي ضواء كبيرا على هذه النقطة من البحث.
فالمال في اللغة:
«المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة ثم أطلق على كل ما يملك من الأعيان وعند أهل البادية الأنعام وعند الفقهاء ما يجرى فيه البذل والمنع (١)».
وفي اصطلاح الفقهاء:
في المذهب الشافعي: عرفه السيوطي (٢): بقوله: «لا يقع اسم المال إلا على ماله قيمة يباع بها ويلزم متلفه».
وفي المذهب الحنفي: عرفه ابن عابدين (٣) بقوله: «المراد بالمال ما يميل
стр. 63
اليه الطبع ويمكن إدخاره لوقت الحاجة وفي البحر: اسم لغير الآدمي خلق لصالح الآدمي وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار والعبد وان كان فيه معنى المالية لكنه ليس بمال حقيقة حتى لا يجوز قتله وإهلاكه».
وفي المذهب الجعفري: المال: ما يتمول به وليست له حقيقة شرعية بل مردّ تحديد المقصود به الى العرف فما اعتبره العرف مالا فهو كذلك.
والظاهر ان بعضهم عرفه بأنه ما يجري فيه البذل والمنع:
قال الشيخ محمد جواد مغنية (١): «أما العين التي لا يجري فيها البذل والمنع كحبة الحنطة وحفنة التراب فلا تعدّ مالا».
وذكر الشيخ النراقي (٢) ان معنى الملكية والمالية وما يراد فهما من الألفاظ معنى إضافي لا يتحقق إلا مع وجود مالك ومتمول وهذا المعنى الإضافي بحكم العرف والتبادر عبارة عن اختصاص خاص وربط مخصوص معهود بين المالك والمملوك والمتمول والمال موجب للاستبداد والاقتدار على التصرف فيه منفردا. فمعنى الملكية والمالية والملك والمال عرفي أو لغوي لا يتوقف معرفته على توقيف من الشرع بل يجب فيها الرجوع الى العرف.
وقد خلص الأستاذ الزرقاء (٣) الى ان المالية ترتكز على أساسين هما العينية والعرف. والعينية يراد بها أن يكون المال شيئا ماديا ذا وجود خارجي والعرف أن يعتاد الناس كلهم أو بعضهم تموله وصيانته بحيث يجرى فيه بذلك ومنع فما لا يجري فيه ذلك بين الناس لا يعتبر مالا ولو كان عينا مادية كالإنسان الحر وكحبة القمح وحفنة التراب.
стр. 64
وكذلك ما يعتاد الناس تموله وصيانته ويجري فيه البذل والمنع لكنه ليس عينا مادية فإنه لا يعتبر بنظرهم مالا بل قد يكون ملكا أو حقا كالمنافع والحقوق المحضة والديون.
وعليه فإن المال يمكن أن يعرّف بأنه: «هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس».
وقد شرح الأستاذ الزرقاء هذا التعريف قائلا: «فبالعين: خرجت المنافع والحقوق المحضة مما عدوه ملكا لا مالا وبالقيمة المادية خرجت الأعيان التي لا قيمة لها بين الناس كحبة القمح والجيفة إلخ».
ونحن نوافق الأستاذ الزرقاء على هذا التعريف لكونه مستنبطا من مجموع ما ذكره الفقهاء في تعريفاتهم (للمال) ولسلامته مما يرد عليه من نقض لأنه جامع مانع. فهو أوفق الى فنية التعريف.
سبق وأن ذكرنا في تعريفات الغصب ان أكثر الفقهاء ذهبوا الى أن الراجح في تعريفه: «الاستيلاء على حق الغير عدوانا».
وهذا هو التعريف الذي رشحناه أيضا. وعليه فإن من شروط المغصوب أن يكون حقا على رأي هذا الفريق من الفقهاء وهو في مرادهم أعم من المال لأنهم كما رأينا في مناقشاتهم لمن أورد لفظة (المال) في التعريف قالوا أنه غير جامع لأنه - أي التعريف - أخرج الاستيلاء على منفعة الغير أو اختصاصه وهو أي الاستيلاء على منفعة الغير أو اختصاصه غصب أيضا.
وهنا يحسن بنا أولا أن نتبين المقصود بالحق أولا ثم نرى ما يقصد به الفقهاء وما هو نطاقه عندهم؟ والظاهر أن إيراد الفقهاء لكلمة (الحق) في التعريف بدل المال مقصود لأنها في نظرهم أشمل وأعم وهذا من وجهة نظرهم يكسب التعريف شمولية
стр. 65
والذي يهمنا هنا ونحن في صدد بيان شروط المغصوب أن نستوضح المقصود (بالحق) عندهم باعتباره محلا للغصب.
لقد رأينا أن المذهب الحنفي يقصر مدلول (المال) الذي ورد في تعريفات فقهائه على (العين) وعليه فإن الاستيلاء على حق الغير من منفعة واختصاص ليس بغصب لأنها لا تصح محلا للغصب كما ذكرنا.
بينما يذهب جمهور الفقهاء الى أن حق الغير من منفعة أو اختصاص يقع محلا للغصب.
فقد ذكر الرملي (١) من الشافعية في توضيحه لقيود التعريف: «على حق الغير» ولو كلبا وخمرا محترمين وشمل الاختصاصات كحق متحجر ومن قعد بنحو مسجد لا يزعج عنه.
وذكر الدردير (٢) من المالكية أن المتبادر من (المال) الذات فخرج به التعدي وهو الاستيلاء على المنفعة فقط كسكنى الدار.
وجاء في البهجة (٣): «ثم أشار الناظم الى تعريف المتعدي مشبها له بالغاصب في الضمان فقال كالمتعدي وهو غاصب المنافع دون قصد تملك الرقبة كما مرّ في أول الفصل فإنه يضمن ما تعدى عليه ان هلك بغير سماوي».
ويظهر من ذلك ان المنفعة والاختصاص يصح غصبها.
وذكر ابن النجار (٤) من الحنابلة في تعريفه قيد: «على حق غيره» وقد رجحه المرداوي (٥) بعد ان ناقش من أورد المال في التعريف وإنما ذهب الى
стр. 66
ذلك لأن إيراد (المال) في رأيه غير جامع «لعدم دخول غصب الكلب وخمر الذمي والمنافع والحقوق والاختصاص، قال الحارثي: وحقوق الولايات كمنصب الإمارة والقضاء» ومن هذا يتبين ان المراد بالحق أعم من المال وانه يشمل الحقوق العينية فإنها تقع محلا للغصب.
وقد ناقش الشهيد الثاني (١) من فقهاء الجعفرية من أورد (المال) في التعريف قائلا: «ان التعريف مع إيراد المال لا يكون جامعا للأفراد كالتحجير وحق المسجد والمدرسة ونحوه مما لا يعد مالا فإن الغصب متحقق وكذا بالنسبة للحر الصغير. فلو أبدل المال بالحق لشمل جميع ذلك».
ويظهر إذن ان مدلول الحق أشمل وأعم. وانه يقع محلا للغصب.
أما الصنعاني (٢) من فقهاء الزيدية فقد ذكر في تعريفه للغصب: «هو الاستيلاء على مال الغير أو حقه قال وتدخل في الحق المنافع كمنفعة الكلب والسرجين».
ومنه يظهر ان المراد بالحق غير المال أي مالا يعتبره الزيدية مالا وهو يشمل الحق العيني وحق الانتفاع.
أما الظاهرية فقد أطلق ابن حزم (٣) في التعريف قائلا: «انه - أي الغصب - أخذ الشيء. وهو أعم من أن يكون مالا أو حقا وهذه النزعة لغوية».
وعليه فيظهر من كل ذلك ان الحق يقع محلا للغصب فما ليس بمال في مصطلح الفقهاء أي مالا يشمله المال اصطلاحا من حق أو منفعة أو اختصاص
стр. 67
يقع محلا للغصب لذا فإن شروط الغصب أن يكون الشيء أو المحل المغصوب مالا أو حقا.
المتقوّمية:
ذكرنا ان شروط تحقق الغصب أن يقع على (مال) أو حق وأن يكون هذا المال (متقوّما) وإلا فإنه ليس بغصب بالمعنى الاصطلاحي.
وقد أوضحنا المراد بالتقوم في البحث التمهيدي وذكرنا آراء الفقهاء بخصوصه فلا حاجة لمزيد من البيان.
والذي يهمنا هنا هو أن نتحقق من اعتبار هذا الشرط لتحقق الغصب.
وجريا على طريقتنا نستعرض آراء الفقهاء في المقام لنخلص الى هذه النتيجة.
ففي المذهب الحنفي: رأينا أن فقهاء المذهب يوردون في تعريفاتهم للغصب قيد (المتقوم) (١) وطبيعي ان إيراده إنما هو بسبب اعتباره.
وجاء في السعيديات (٢): «ولو أخذ شخص خمرا أو خنزيرا لمسلم وأتلفهما لا ضمان على الآخذ لأن عدم ماليتهما أخرج الفعل عن كونه غصبا ولو كانا لذمي وأتلفهما الآخذ ضمنها لأن تقوّم الخمر والخنزير باق في حقه.
أما في المذهب الشافعي: فقد رأينا انه لا يوجب الضمان في إتلاف خمر الذمي فضلا عن خمر المسلم والظاهر ان سبب ذلك هو لعدم تقوّمها وإلا فهي مال عندهم لأنها ينتفع بها أحيانا ويجري فيها البذل والمنع.
ذكر الشيرازي (٣) انه: «ان غصبها - أي الخمر - من مسلم ففيه وجهان أحدهما يلزمه ردّها عليه لأنه يجوز أن يطفئ بها نارا أو يبلّ بها طينا
стр. 68
فوجب ردّها عليه. والثاني: لا يلزمه وهو الصحيح لما روى أبا طلحة سأل رسول الله ﵌ عن أيتام ورثوا خمرا فأمره ﵌ ان يهرقها».
ويظهر من النص المتقدم ان الغصب بمعناه الاصطلاحي الشرعي غير متحقق في من وضع يده على الخمر «لأنها غير متقومة بل مهدرة المالية».
إما رأي الحنابلة فهو موافق لرأي الشافعية كما أوضحنا في بحث التقوّم إذ هم لا يعتبرون الخمر والخنزير من الأموال المتقومة حتى بالنسبة للذمي إلا إذا كان مستترا بها وأتلفها مسلم أو ذمي فإنه ملزم بالرد لا الضمان فقد ذكر المرداوي (١): «إذا غصب خمرا غير مستورة من ذمي فلا يلزمه ردّها قولا واحدا. وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب».
أما في المذهب الجعفري فيبدو من عبارات الفقهاء انهم يسقطون مالية الشيء ولا يعتبرونه متقوما إذا كان غير مباح شرعا.
ذكر اليزدي (٢): «ان إسقاط التقوم لمال من الأموال هو عدم إباحة الشارع الانتفاع به إذ المناط أن تكون المنفعة المحللة متقومة لماليته».
ومن كل ذلك نستظهر. ن الفقهاء يعتبرون التقوم في المال شرطا ليتحقق بالاستيلاء عليه عدوانا الغصب الموجب للضمان.
المحترمية:
يقصد بكون المال محترما أي معصوما لا يحق لأحد التجاوز عليه أو التصرف به بأي شكل من الإشكال إلا لمالكه وقد اعتبر الشرع الشريف حرمة المال إذا كان لمسلم أو ذمي أو مستأمن.
أما بالنسبة للمسلم: فقد ذكرنا الأحاديث المستفيضة في حرمة التصرف في
стр. 69
مال المسلم بغير اذنه وحرمة التجاوز عليه بأي نحو كان من قبيل: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» وقوله ﵌: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» وغيرها.
وأما بالنسبة للذمي (١): وهو الكتابي الذي تؤخذ منه الجزية على ان يكون ملتزما أحكام الملة. وفسر الفقهاء الذمة بمعنى الأمان. فإن ماله معصوم ايضا ويحرم التجاوز عليه. فقد شاع بين الفقهاء القول المشهور عن الذميين «لهم مالنا وعليهم ما علينا» وقد ذكر الامام الكاساني في بدائعه حديثنا بهذا المعنى فقال: قال النبي ﵌: «فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين».
وهذا الحديث وان لم يرد في كتب الحديث المعروفة إلا ان معناه مقبول عند الفقهاء وفيه بعض الآثار عن السلف فقد قال علي بن ابي طالب ﵇:
«انما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا» وفي شرح السير الكبير للإمام السرخسي: «ولأنهم قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم وحقوقهم كأموال المسلمين وحقوقهم (٢)».
ومن هنا يتضح ان الذمي بقبوله عقد الذمة فقد عصم ماله ودمه فأصبحا محرمين ومحترمين. فمن وضع يده عدوانا على ماله فهو غاصب.
وأما بالنسبة للمستأمنين (٣): «والمستأمن هو الطالب للأمان والأصل فيه قوله تعالى «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ (٤)».
стр. 70
وقوله ﵌: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهذا الأمان أمان موقت بخلاف الأمان بعقد الذمة إذ انه مؤبد.» «فقد قررت الدولة (١) الإسلامية للمستأمن في دار الإسلام من الحقوق ما يقرب من حقوق الذمي لأن المستأمن كما قال الفقهاء بمنزلة أهل الذمة في دارنا».
وعلى هذا «فالقاعدة العامة ان المستأمن في الحقوق كالذمي».
وعليه فان ماله محترم ايضا ولا يحق لأحد التجاوز عليه بأي شكل كان.
بقي عندنا الكافر المحارب وهذا في رأي الفقهاء غير معصوم الدم ولا المال وان من استولى على ماله لا يعد غاصبا. بل تعتبر الأموال المأخوذة من الكفار المحاربين غنيمة في حكم الإسلام وعلى ذلك كلمة الفقهاء.
ففي المذهب الحنفي:
ذكر المرغيناني (٢): «وإذا دخل الواحد أو الاثنان دار الحرب مغيرين بغير اذن الامام فأخذوا شيئا لم يخمس لأن الغنيمة هو المأخوذ قهرا وغلبة لا اختلاسا وسرقة فإن دخلت جماعة لها منعة فأخذوا شيئا خمّس وان لم يأذن لهم الإمام لأنه مأخوذ قهرا وغلبة فكان غنيمة.».
وجاء في مجمع الانهر (٣): «والفيء: المال المأخوذ من الكفار بغير قتال كالخراج والجزية واما المأخوذ بقتال فيسمى غنيمة كما في الفتح.
وفي موضع آخر (٤): «والغنيمة: اسم لمال مأخوذ من الكفرة بالقهر
стр. 71
والغلبة والحرب قائمة وحكمها ان يخمّس والباقي بعد الخمس للغانمين خاصة».
ويظهر من هذه النصوص ان مال الكافر المحارب لا معصومية له فهو غير محترم.
وقد ذكر فقهاء الأحناف قيد كون المال «محترما» في تعريفاتهم ثم قالوا ان إيراد هذا القيد «لإخراج مال الحربي فإنه غير محترم (١)».
وفي المذهب المالكي:
قال مالك (٢): «لا أرى بأسا ان يأكل المسلمون إذا دخلوا ارض العدو من طعامهم ما وجدوا من ذلك كله قبل ان يقع في المقاسم».
وذكر ابن الخطاب (٣): ان: «أراضي الكفار المأخوذة بالاستيلاء قهرا وعنوة تكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين وأرزاق المقاتلة والعمال وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير».
وفي موضع آخر (٤): قال: قال ابن عرفة: «ما ملك من مال الكافر غنيمة ومختص بآخذه» ويظهر لنا من ذلك ان مال الكافر الحربي لا حرمة له وان الاستيلاء عليه قهرا لا يعد غصبا. في رأي المالكية.
وفي المذهب الشافعي:
ذكر الغزالي (٥): «الغنيمة: كل مال أخذته الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة».
وذكر أبو يحيى الأنصاري (٦): «وجاز لنا إتلاف غير الحيوان من
стр. 72
أموالهم كبناء وشجر وان ظنّ حصوله لنا مغايظة لهم» ويظهر من ذلك ان مال الكافر لا حرمة له.
وفي المذهب الحنبلي:
ذكر المرداوي (١) ان: «من أخذ من دار الحرب طعاما أو علفا فله اكله وعلف دابته بغير اذن.» وذكر بهاء الدين المقدسي (٢): في باب الغنائم: «وهي نوعان: أحدهما الأرض والثاني سائر الأموال: فهي لمن شهد الوقعة ممن يمكنه القتال: قال:
أحمد اني ارى ان كل من شهد على اي حال كان يعطي ان كان فارسا ففارس وان كان راجلا.» ويظهر من ذلك عدم حرمة أموال الكافر الحربي أيضا لأن الاستيلاء عليها إن كانت منقولة فهي غنيمة اتفاقا وإن كانت أرضا فيختلف حكمها حال الفتح الإسلامي.
وفي المذهب الجعفري:
ذكر المحقق الحلي (٣): «ما يجب فيه الخمس وهو سبعة: الأول: غنائم دار الحرب مما حواه العسكر وما لم يحوه من ارض وغيرها ما لم يكن غصبا من مسلم أو معاهد قليلا كان أو كثيرا».
وذكر الشهيد الثاني (٤): «الغنيمة: وأصلها المال المكتسب والمراد هنا ما أخذته الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة لا باختلاس وسرقة فإنه لآخذه».
وذكر الشهيد الثاني (٥) أيضا في موضع آخر: «وما لا ينقل ولا يحوّل
стр. 73
من أموال المشركين كالأرض والمساكن والشجر لجميع المسلمين سواء في ذلك المجاهدون وغيرهم.» ويتضح من كل ذلك ان لا حرمة لمال الكافر المحارب.
وفي المذهب الزيدي:
ذكر ابن المرتضى (١): «ويغنم من الكفار النفوس والأموال كفعله ﵌ في بدر وكذا بني قينقاع.» وقال في موضع آخر (٢): «والغنيمة: ما يؤخذ من الأموال والسبي قهرا والفيء ما أخذ من غير إيجاف بخيل ولا ركاب كمال فدك ودار الحرب دار اباحة يملك كل ما فيها ما ثبتت يده عليه ولا قصاص فيها ولا أرش إذ دماءهم هدر وماله. إذ رقابهم معرضة للاسترقاق وأموالهم للأخذ.» وجاء في سبل السلام (٣): ان النبي ﵌ قال: «ان القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم.» وفي معناه الحديث المتفق عليه: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها أحرزوا دماءهم وأموالهم.» وفي الحديث دليل على ان من أسلم من الكفار حرم دمه وماله.
ويظهر من كل ما تقدم ان أموال الكفار المحاربين لا حرمة لها وان المال يكون محترما إذا كان عائدا لمسلم أو معاهد.
وفي المذهب الظاهري: فقد ذكر ابن حزم (٤) في المسألة (٩٢٤):
стр. 74
«وجائز تحريق أشجار المشركين وأطعمتهم وزروعهم ودورهم وهدمها» قال تعالى: «﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ (١)».
وقال تعالى: «﴿وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ (٢).» وقد أحرق رسول ﵌ نخل بني النضير وهي في طرف دور المدينة وقد علم انها تصير للمسلمين في يومه أو غده.» وذكر في موضع آخر: «وإذا أسلم الكافر فسواء أسلم في دار الحرب ثم خرج الى دار الإسلام أو لم يخرج أو خرج الى دار الإسلام ثم أسلم كل ذلك سواء وجميع ماله الذي معه في أرض الإسلام أو في دار الحرب أو الذي ترك وراءه في دار الحرب من عقار أو دار أو أرض أو حيوان أو متاع له لا حق لأحد فيه ولا يملكه المسلمون ان غنموه أو افتتحوا تلك الأرض».
برهان ذلك:
انه إذا أسلم فهو بلا شك وبلا خلاف وبنص القرآن والسنة مسلم وإذا هو مسلم فهو كسائر المسلمين وقد قال رسول الله ﵌: «ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام». (٣)
فصح ان دمه وعرضه وماله حرام على كل أحد سواه.
وهكذا يتضح لنا اتفاق الفقهاء على عدم حرمة مال الكافر المحارب.
وقد ذكرنا ان فقهاء الحنفية أوردوا قيدا ان يكون المال (محترما) في حين
стр. 75
ان الفقهاء الآخرين لم يذكروا هذا القيد وذلك كما يظهر لأنهم يرون ان مال الكافر مهدر المالية وان كان مالا في العرف واللغة كما تبينا.
أسس النظرية:
استند الفقهاء في تحريم الغصب واستنباط بعض أحكامه وتأسيس قواعده على أدلة الكتاب والسنة والإجماع على ان بعضهم ذهب في تحريمه إلى حجية العقل وانه يستقل بمحظوريته.
ونتناول هنا هذه الأدلة باسطين القول فيها ليتم لنا ما قررناه.
أدلة الكتاب:
وردت في الكتاب الكريم «القرآن» آيات كثيرة نستند إليها في الذهاب إلى حرمة الغصب.
وننقل في كل آية نوردها آراء المفسرين من مختلف الاتجاهات.
أ - جاء في قوله تعالى في سورة البقرة (١) ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ﴾.
وهذه الآية الشريفة من أبرز الأدلة على حرمة الغصب وقد ذكر علماء التفسير أنها تدل على حرمة أكل مال الغير بالباطل أي بدون وجه حق ومن أبرز مصاديق ذلك الغصب وقد أورد الفخر الرازي (٢) هذه الآية وعقب بقوله: قال الشيخ أبو حامد الغزالي: المال إنما يحرم لمعنى في عينه أو لحال من جهة اكتسابه والقسم الأول الحرام لصفة في عينه كالخنزير والثاني ما يحرم لخلل من جهة إثبات اليد عليه.