Полный текст (813 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
النّظر قبل الْمعرفَة وَمِنْهُم من قَالَ يجب الْقَصْد إِلَى النّظر وَمن غالبيتهم من أوجب الشَّك وَقد بسطنا القَوْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي غير هَذَا الْموضع
فَهَذَا القَوْل يُوَافق هَؤُلَاءِ لَكِن فِي صِحَة الْحِكَايَة بِهَذَا اللَّفْظ عَن رُوَيْم نظر فَإِن رويما من أهل الْعلم والمعرفة وَمَا ذكره من الْحجَّة لَا يدل على هَذَا الْجَواب فَلَيْسَ فِي قَوْله إِلَّا ليعبدون مَا يدل على أَن الْمعرفَة أول الْوَاجِبَات سَوَاء فسر يعْبدُونَ بيعرفون أَو فسر بِغَيْر ذَلِك فَإِن خلقهمْ لشئ لَا يدل على أَنه أول وَاجِب إِن لم يبين ذَلِك بشئ آخر
وَأما التَّفْسِير الْمَذْكُور عَن ابْن عَبَّاس فَالَّذِينَ ذَكرُوهُ عَنهُ جعلُوا هَذِه الْمعرفَة هِيَ الْمعرفَة الفطرية الَّتِي يقربهَا الْمُؤمن وَالْكَافِر ومقصودهم بذلك أَن جَمِيع الْإِنْس وَالْجِنّ قد وجد مِنْهُم مَا خلقوه لَهُ من الْعِبَادَة الَّتِي هِيَ مُجَرّد الْإِقْرَار الفطري وَجعلُوا ذَلِك فِرَارًا من احتجاج الْقَدَرِيَّة بِهَذِهِ الْآيَة
وَلَا ريب أَن هَذَا ضَعِيف لَيْسَ المُرَاد أَن الله خلقهمْ لمُجَرّد الْإِقْرَار الفطري وَقد تكلمنا على الْآيَة فِي غير هَذَا الْموضع
وَلَعَلَّ السَّائِل سَأَلَهُ عَن أعظم وَاجِب فَقَالَ الْمعرفَة لقَوْله إِلَّا ليعبدون أَي يعْرفُونَ واعتقد رُوَيْم أَن هَذِه الْمعرفَة هِيَ الْمعرفَة الَّتِي يُشِير
стр. 142
إِلَيْهَا مَشَايِخ الطَّرِيق وَهِي معرفَة الْخَواص فَيكون جَوَابه عَن أعظم وَاجِب لَا عَن أول وَاجِب فَهَذَا كَمَا ترى
ثمَّ ذكر أَبُو الْقَاسِم بِغَيْر إِسْنَاد عَن الْجُنَيْد أَنه قَالَ إِن أول مَا يحْتَاج إِلَيْهِ العَبْد من عقد الْحِكْمَة معرفَة الْمَصْنُوع صانعه والمحدث كَيفَ كَانَ إحداثه فَيعرف صفة الْخَالِق من الْمَخْلُوق وَالْقَدِيم من الْمُحدث ويذل لدعوته ويتعرف بِوُجُوب طَاعَته فَإِن لم يعرف مَا لله لم يعْتَرف بِالْملكِ لمن استوجبه
وَهَذَا كَلَام حسن يُنَاسب كَلَام الْجُنَيْد وَقد ضمن هَذَا الْكَلَام التَّمْيِيز بَين الْمَخْلُوق والخالق لِئَلَّا يَقع السالك فِي الِاتِّحَاد والحلول كَمَا وَقع فِيهِ طوائف وَذكر أصيلين التَّصْدِيق والانقياد لِأَن الايمان قَول وَعمل فَذكر معرفَة الصَّانِع وَذكر الذل لدعوته وَالِاعْتِرَاف بِوُجُوب طَاعَته
وَهَذَا من أصُول اهل السّنة وأئمة الْمَشَايِخ خُصُوصا مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فَإِن أصل طريقهم الْإِرَادَة الَّتِي هِيَ أساس الْعَمَل فهم فِي الإرادات والعبادات والأعمال والأخلاق أعظم رسوخا مِنْهُم فِي المقالات والعلوم وهم بذلك أعظم اهتماما وَأكْثر عناية بل من لم يدْخل فِي ذَلِك لم يكن من أهل الطَّرِيق بِحَال
стр. 143
وَهَذَا حق فَإِن الدّين وَالْإِيمَان قَول وَعمل وأوله قَول الْقلب وَعَمله فَمن لم ينْقد بِقَلْبِه وَلم يذل لله لم يكن مُؤمنا وَلَا دَاخِلا فِي طَرِيق الله وَلِهَذَا لم يتنازع الْمَشَايِخ أَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص وَأَن النَّاس يتفاضلون فِيهِ وَأَن أَعمال الْقُلُوب من الْإِيمَان كَمَا يتنازع غَيرهم
وَذكر أَبُو الْقَاسِم بعد هَذَا كلَاما عَن الْمَشَايِخ فِي جمل مستحسنة قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب المراغى يَقُول لِلْعَقْلِ دلَالَة وللحكمة إِشَارَة وللمعرفة شَهَادَة فالعقل يدل وَالْحكمَة تُشِير والمعرفة تشهد أَن صفاء الْعِبَادَات لَا ينَال إِلَّا بصفاء التَّوْحِيد
وَقَالَ وَسُئِلَ الْجُنَيْد وَلم يسْندهُ عَن التَّوْحِيد فَقَالَ إِفْرَاد الموحد بتحقيق وحدانيته بِكَمَال أحديته أَنه الْوَاحِد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد بنفى الأضداد والأنداد والأشباه فَلَا تَشْبِيه وَلَا تكييف وَلَا تَصْوِير وَلَا تَمْثِيل لَيْسَ كمثله شئ وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير [سُورَة الشورى ١١]
وَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى الصُّوفِي
стр. 144
حَدثنَا عبد الله بن عَليّ التَّمِيمِي الصُّوفِي يحْكى عَن الْحُسَيْن بن عَليّ الدَّامغَانِي قَالَ سُئِلَ ابو بكر الزَّاهِد عَن الْمعرفَة فَقَالَ الْمعرفَة اسْم وَمَعْنَاهَا وجود تَعْظِيم فِي الْقلب يمنعك عَن التعطيل والتشبيه وَقَالَ أَبُو الْحسن البوشنجي ﵀ التَّوْحِيد أَن يعلم أَنه غير مشبه للذوات وَلَا منفى الصِّفَات
وَهَذَانِ قَولَانِ حسنان وَلَا يتنازع فى هَذِه الْجُمْلَة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة
قَالَ أَبُو الْقَاسِم القشيرى سَمِعت أَبَا حَاتِم السجستانى يَقُول سَمِعت أَبَا نصر الطوسى السراج يَحْكِي عَن يُوسُف بن الْحُسَيْن قَالَ قَامَ رجل بَين يَدي ذى النُّون فَقَالَ أَخْبرنِي عَن التَّوْحِيد مَا هُوَ فَقَالَ
стр. 145
أَن تعلم أَن قدرَة الله فى الْأَشْيَاء بِلَا مزاج وصنعه للأشياء بِلَا علاج وَعلة كل شئ صنعه وَلَا عِلّة لصنعه وَلَيْسَ فِي السَّمَوَات الْعلَا وَلَا فى الْأَرْضين السُّفْلى مُدبر غير الله وكل مَا تصور فى وهمك فَالله بِخِلَافِهِ
هَذَا الْكَلَام غالبه فِي ذكر فعل الْحق سُبْحَانَهُ وربوبيته أخبر أَنه رب كل شئ لَا مُدبر غَيره ردا على الْقَدَرِيَّة وَنَحْوهم مِمَّن يَجْعَل بعض الْأَشْيَاء خَارِجَة عَن قدرَة الله وتدبيره وَأخْبر أَن قدرته وصنعه لَيْسَ مثل قدرَة الْعباد وصنعهم فَإِن قدرَة أبدانهم عَن امتزاج الأخلاط وأفعالهم عَن معالجة وَالله تَعَالَى لَيْسَ كَذَلِك
وَأما قَوْله عِلّة كل شئ صنعه وَلَا عِلّة لصنعه فقد تقدم أَن هَذَا يُرِيد بِهِ أهل الْحق مَعْنَاهُ الصَّحِيح أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يَبْعَثهُ ويدعوه إِلَى الْفِعْل شئ خَارج عَنهُ كَمَا يكون مثل ذَلِك للمخلوقين فَلَيْسَ لَهُ عِلّة غَيره بل فعله عِلّة كل شئ مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
ومقصود أَبى الْقَاسِم يبين أَن الْقَوْم لم يَكُونُوا على رأى الْقَدَرِيَّة من الْمُعْتَزلَة وَهَذَا حق فَمَا نعلم فى الْمَشَايِخ المقبولين فى الْأمة من كَانَ على رأى الْمُعْتَزلَة لَا فِي قَوْلهم فِي الصِّفَات بقول جهم وَلَا فِي قَوْلهم فِي الْأَفْعَال بقول الْقَدَرِيَّة بل هم أعظم النَّاس إِثْبَاتًا للقدر وشهودا لَهُ
стр. 146
وافتقارا إِلَى الله والتجاء إِلَيْهِ حَتَّى أَن من المنتسبين إِلَى الطَّرِيق من غلوا فِي هَذَا حَتَّى يذهب إِلَى الْإِبَاحَة والجبر ويعرض عَن الشَّرْع وَالْأَمر والنهى فَهَذِهِ الآفة تُوجد كثيرا فِي المتصوفة والمتفقرة وَأما التَّكْذِيب بِالْقدرِ فقليل فيهم جدا
ثمَّ ذكر عَنْهُم فِي الْإِيمَان كَلِمَتَيْنِ يدل بهما على أَن الْإِيمَان عِنْدهم مُجَرّد التَّصْدِيق وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَب الْقَوْم بل الَّذِي حَكَاهُ عَن الْجُنَيْد فَقَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد التَّوْحِيد علمك وإقراراك بِأَن الله فَرد فِي أزليته لَا ثَانِي مَعَه وَلَا شئ يفعل فعله وَقَالَ أَبُو عبد الله بن خَفِيف الْإِيمَان تَصْدِيق الْقُلُوب بِمَا أعمله الْحق من الغيوب
وَهَذَا الْمَذْكُور عَن الْجُنَيْد وَابْن خَفِيف حسن وصواب لَكِن لم يدل على أَن أَعمال الْقُلُوب لَيست من الْإِيمَان
ثمَّ ذكر عَنْهُم فِي مَسْأَلَة الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِيمَان شَيْئا حسنا فَقَالَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس السيارى عطاؤه على نَوْعَيْنِ كَرَامَة واستدارج فَمَا
стр. 147
أبقاه عَلَيْك فَهُوَ كَرَامَة وَمَا أزاله عَنْك فَهُوَ اسْتِدْرَاج فَقل أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ ابو الْعَبَّاس السياري كَانَ شيخ وقته
وَقَالَ سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا على الدقاق يَقُول غمز رجل رجل أَبى الْعَبَّاس السياري فَقَالَ تغمز رجلا مَا نقلتها قطّ فِي مَعْصِيّة الله تَعَالَى
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر الواسطى من قَالَ أَنا مُؤمن بِاللَّه حَقًا قيل لَهُ الْحَقِيقَة تُشِير إِلَى إشراف واطلاع وإحاطة فَمن فَقده فقد بَطل دَعْوَاهُ مِنْهَا
قَالَ أَبُو الْقَاسِم يُرِيد بذلك مَا قَالَه أهل السّنة من أَن الْمُؤمن الْحَقِيقِيّ من كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِالْجنَّةِ فَمن لم يعلم ذَلِك من سر حِكْمَة الله تَعَالَى فدعواه بِأَنَّهُ مُؤمن حَقًا غير صَحِيحَة
قلت الِاسْتِثْنَاء فِي الايمان سنة عِنْد عَامَّة أهل السّنة وَقد ذكره
стр. 148
طَائِفَة من المرجئة وَغَيرهم وأوجبه كثير من أهل السّنة وَمن وجوهه وَجْهَان حسنان
أَحدهمَا أَن الْإِيمَان الَّذِي أوجبه الله على العَبْد من الامور الْبَاطِنَة اَوْ الظَّاهِرَة لَا يتَيَقَّن أَنه أَتَى بهَا على الْوَجْه الَّذِي أَمر بِهِ كَامِلا بل قد يكون أخل بِبَعْضِه فيستثنى لذَلِك
وَالْوَجْه الثَّانِي ان الْمُؤمن الْمُطلق من علم الله أَنه يوافى بِالْإِيمَان فَأَما الْإِيمَان الَّذِي تتعقبه الرِّدَّة فَهُوَ بَاطِل كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة الَّذِي يبطل قبل فَرَاغه فَلَا يعلم العَبْد أَنه مُؤمن حَتَّى يقْضى جَمِيع إيمَانه وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بِالْمَوْتِ
وَهَذَا معنى مَا يرْوى عَن ابْن مَسْعُود أَنه قيل لَهُ إِن فلَانا يَقُول إِنَّه مُؤمن قَالَ فَقولُوا لَهُ اهو فِي الْجنَّة فَقَالَ الله أعلم قَالَ فَهَلا وكلت الاولى كَمَا وكلت الثَّانِيَة
وَهَذَا الْوَجْه تختاره طَائِفَة من متكلمي أهل الحَدِيث المائلين إِلَى الإرجاء كالأشعري وَغَيره مِمَّن يَقُول بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلَا يدْخل الاعمال فِي مُسَمّى الايمان فَيجْعَل الاسثثناء يعود إِلَّا إِلَى النوايا فَقَط وَهُوَ الَّذِي ذكره أَبُو الْقَاسِم وَفسّر بِهِ كَلَام أبي بكر الوَاسِطِيّ وَكَلَام الوَاسِطِيّ يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَإِن الإشراف والاطلاع قد يكون على الْحَقِيقَة الَّتِي هِيَ عِنْد الله فِي هَذَا الْوَقْت وَقد يكون على مَا يوافى بِهِ العَبْد وَأما كَلَام أبي الْعَبَّاس فَظَاهر فِي أَنه رَاعى الخاتمة
стр. 149
فَإِن قيل فَإِذا كَانَ الْقدر السَّابِق لَا ينافى الْأَسْبَاب فَمَا وَجه مَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِنِّي رجل شَاب وَأَنا أَخَاف على نَفسِي الْعَنَت وَلَا أجد مَا أَتزوّج بِهِ النِّسَاء فَسكت عني ثمَّ قلت مثل ذَلِك فَسكت عني ثمَّ قلت مثل ذَلِك فَسكت عني ثمَّ قلت مثل ذَلِك فَقَالَ النَّبِي ﷺ يَا أَبَا هُرَيْرَة جف الْقَلَم بِمَا أَنْت لَاق فاختص على ذَلِك أَو دع
فَهَذَا يقتضى أَن اختصاءه الَّذِي قصد أَن يمْتَنع بِهِ من الْفَاحِشَة لَا يدْفع الْمَقْدُور
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيح عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنهم سَأَلُوا النَّبِي ﷺ عَن الْعَزْل فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا عَلَيْكُم أَن تَفعلُوا فَمَا من نسمَة كتب الله أَن تكون إِلَّا وَهِي كائنة فَهَذَا
стр. 150
يقتضى ان عزل المَاء وَهُوَ سَبَب لعدم الْعلُوق لَا فَائِدَة فِيهِ لدفع مَا كتبه الله من الاولاد
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ فِي مُسلم عَن عمرَان بن حُصَيْن وَهَذَا لَفظه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يدْخل الْجنَّة من أمتِي سَبْعُونَ ألفا بِغَيْر حِسَاب قَالَ وَمن هم يَا رَسُول الله قَالَ هم الَّذين لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يسْتَرقونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ
فَقَالَ عكاشة ادْع الله يَجْعَلنِي مِنْهُم قَالَ أَنْت مِنْهُم فَقَامَ رجل فَقَالَ يَا نَبِي الله ادْع الله ان يَجْعَلنِي مِنْهُم فَقَالَ سَبَقَك بهَا عكاشة
فقد جعل التَّوَكُّل هَا هُنَا مُوجبا لترك الاكتواء والاسترقاء وهما من الْأَسْبَاب
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَت ام حَبِيبَة زوج النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ امتعنى بزوجي رَسُول الله وبأبي أبي سُفْيَان وبأخي مُعَاوِيَة قَالَ فَقَالَ النَّبِي ﷺ قد سَأَلت الله لآجال مَضْرُوبَة وَأَيَّام مَعْدُودَة وأرزاق مقسومة لن يعجل الله
стр. 151
شَيْئا قبل أَجله وَلنْ يُؤَخر شَيْئا عَن أَجله وَلَو كنت سَأَلت الله أَن يعيذك من عَذَاب فِي النَّار أَو عَذَاب فِي الْقَبْر كَانَ خيرا وَأفضل قَالَ وَذكرت عِنْده القردة والخنازير هِيَ من مسخ فَقَالَ إِن الله لم يَجْعَل لمسخ نَسْلًا وَلَا عقبا وَقد كَانَت القردة والخنازير قبل ذَلِك
وَفِي رِوَايَة قَالَ رجل يَا رَسُول الله القردة والخنازير هِيَ مِمَّا مسخ فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله لم يهْلك قوما أَو يعذب قوما فَيجْعَل لَهُم نَسْلًا فَهَذَا الحَدِيث أخبر فِيهِ أَن الدُّعَاء وَهُوَ من الْأَسْبَاب لَا يُفِيد فِي إطالة الْأَعْمَار ويفيد فِي النجَاة من عَذَاب الْآخِرَة
قيل لَيْسَ كل مَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان سَببا يكون سَببا وَلَيْسَ كل سَبَب مُبَاحا فِي الشَّرِيعَة بل قد تكون مضرته أعظم من منفعَته فينتهي عَنهُ وَلَيْسَ كل سَبَب مَقْدُورًا للْعَبد فَالْعَبْد يُؤمر بِالسَّبَبِ الَّذِي أحبه الله وَيُؤذن لَهُ فِيمَا أذن الله فِيهِ مَعَ أمره بالتوكل على الله تَعَالَى فَأَما مَا لَا قدرَة لَهُ فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا التَّوَكُّل على الله وَالدُّعَاء لَهُ وَذَلِكَ من أعظم الْأَسْبَاب الَّتِي يُؤمر بهَا العَبْد أَيْضا
وَمَا كَانَ من الْأَسْبَاب محرما لرجحان فَسَاده على صَلَاحه أَو غير
стр. 152
نَافِع لَا يُفِيد بل يظنّ أَنه نَافِع فَإِنَّهُ لَا يُؤمر بِهِ أَيْضا فَلَا يُؤمر بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ وَمَا كَانَ فَسَاده راجحا نهى عَنهُ
وجماع الْأَمر أَن الْأَسْبَاب إِمَّا أَن تكون مقدورة أَو غير مقدورة فَغير الْمَقْدُور لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الدُّعَاء والتوكل والمقدور إِمَّا أَن يكون فَسَاده راجحا أَو لَا يكون فَإِن كَانَ فَسَاده راجحا نهى عَنهُ وَإِن لم يكن فَسَاده راجحا فينهى عَنهُ كَمَا ينْهَى عَن إِضَاعَة المَال والعبث وَأما السَّبَب الْمَقْدُور النافع مَنْفَعَة راجحة فَهُوَ الَّذِي ينفع وَيُؤمر فقه بِهِ وَينْدب اليه الْأَحَادِيث
وايضا فينبغى أَن التَّوَكُّل على الله من أعظم الْأَسْبَاب فَرُبمَا كَانَ بعض الْأَسْبَاب يضعف التَّوَكُّل فَإِذا ترك ذَلِك كمل توكله فَهَذَا التَّقْسِيم حاصر وَالْقدر يأتى على جَمِيع الكائنات وَبِهَذَا يتَبَيَّن فقه الْأَحَادِيث
أما حَدِيث الاختصاء فَإِن الاختصاء محرم لرجحان مفسدته وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ زجر رَسُول الله ﷺ عُثْمَان بن مَظْعُون عَن التبتل وَلَو أذن لاختصينا
стр. 153
وَبَين النَّبِي ﷺ أَنه مَعَ ركُوب الاختصاء الْمحرم لَا يسلم من الزِّنَا بل لَا بُد أَن يفعل مَا كتب عَلَيْهِ مِنْهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كتب الله على ابْن آدم حَظه من الزِّنَا فَهُوَ مدرك ذَلِك لَا محَالة فالعينان تزنيان وزناهما النّظر وَاللِّسَان يَزْنِي وزناه الْمنطق والأذنان تزنيان وزناهما الِاسْتِمَاع وَالْيَد تَزني وزناها الْبَطْش وَالرجل تَزني وزناها الخطا وَالنَّفس تتمنى والفرج يصدق ذَلِك أَو يكذبهُ
وَأما حَدِيث الْعَزْل فالعزل لَا يمْنَع انْعِقَاد الْوَلَد وَلَا تَركه يُوجب الْولادَة وَلِهَذَا لَو عزل عَن سريته وَأَتَتْ بِولد ألحق بِهِ فَإِن المَاء سباق مَعَ مَا فِيهِ من ترك لَذَّة الْجِمَاع فَأخْبر النَّبِي ﷺ بِأَن الْوَلَد الْمَكْتُوب يكون عزلت أَو لم تعزل كَمَا قَالَ لَيْسَ من كل المَاء يكون الْوَلَد فَلَا يكون ترك الْعَزْل سَببا للولادة وَلَا الْعَزْل
стр. 154
سَببا لمنعها وَالْقدر مَاض بالأمرين فَلَا فَائِدَة فِيهِ
وَمثل هَذَا مَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه نهى عَن النّذر وَقَالَ لَا يَأْتِي بِخَير وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ من الْبَخِيل فَأخْبر أَن النّذر لَيْسَ من الْأَسْبَاب الَّتِي تجتلب بهَا الْمَنْفَعَة وتدفع بهَا الْمضرَّة وَلَكِن نلقيه إِلَى مَا قدر لَهُ فَنهى عَنهُ لعدم فَائِدَته
وَأما حَدِيث السّبْعين ألفا فَلم يصفهم بترك سَائِر التطبب وَإِنَّمَا وَصفهم بترك الاكتواء والاسترقاء والاكتواء مَكْرُوه وَقد نهى عَنهُ فِي غير هَذَا الحَدِيث لما قَالَ وَأَنا أنهى أمتِي عَن الكى والمسترقى لم يفعل شَيْئا إِلَّا اعْتِمَاده على الراقى فتوكله على الله سُبْحَانَهُ وَحده لَا شريك لَهُ أَنْفَع لَهُ من ذَلِك
وَهَذَا الْجَواب الآخر وَهُوَ ان المسترقى يضعف توكله على الله فَإِنَّهُ
стр. 155
إِنَّمَا طلب دُعَاء الْغَيْر ورقيته فاعتماد قلبه على الله وَحده وتوكله عَلَيْهِ أكمل لإيمانه وأنفع لَهُ
وَأما حَدِيث أم حَبِيبَة فَفِيهِ أَن الدُّعَاء يكون مَشْرُوعا نَافِعًا فِي بعض الْأَشْيَاء دون بعض وَكَذَلِكَ هُوَ وَلِهَذَا لَا يحب الله الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاء فالاعمار الْمقدرَة لم يشرع الدُّعَاء بتغييرها بِخِلَاف النجَاة من عَذَاب الْآخِرَة فَإِن الدُّعَاء مَشْرُوع لَهُ نَافِع فِيهِ وَقد كتبت مَسْأَلَة زِيَادَة الْعُمر بصلَة الرَّحِم فِي غير هَذَا الْموضع وَلَا يلْزم من تَأْثِير صلَة الرَّحِم وَنَحْو ذَلِك أَن يزِيد الْعُمر كَمَا قد يُقَال بِزِيَادَة الْعُمر بتأثير الدُّعَاء وَلذَلِك كَانَ يكره أَحْمد أَن يدعى لَهُ بطول الْعُمر وَيَقُول هَذَا فرغ مِنْهُ
ثمَّ ذكر مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَة قَالَ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السلمى ﵀ يَقُول سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن العنبرى يَقُول سَمِعت سهل
стр. 156
ابْن عبد الله التسترى يَقُول ينظر إِلَيْهِ [تَعَالَى] الْمُؤْمِنُونَ بأبصار من غير إحطة وَلَا إِدْرَاك نِهَايَة
وَهَذَا الْكَلَام من أحسن الْكَلَام وَكَلَام سهل بن عبد الله فِي السّنة وأصول الاعتقادات أَسد وأصوب من كَلَام غَيره وَكَذَلِكَ الفضيل ابْن عِيَاض وَنَحْوه فَإِن الَّذين كَانُوا من الْمَشَايِخ أعلم بِالْحَدِيثِ وَالسّنة وَاتبع لذَلِك هم أعظم علما وإيمانا وَأجل قدرا فِي ذَلِك من غَيرهم
وَقَول سهل وَلَا إِدْرَاك نِهَايَة يتَضَمَّن شَيْئَيْنِ أَحدهمَا نفى الْإِدْرَاك الَّذِي نَفَاهُ الله عَنهُ يجمع بَين مَا أثْبته الْكتاب وَالسّنة وَمَا نَفَاهُ وَالثَّانِي أَنه نفى إِدْرَاك النِّهَايَة وَلم ينف نفس النِّهَايَة وَهَذَا فِي الظَّاهِر يُخَالف قَول أبي الْقَاسِم لَا حد لذاته
ثمَّ قَالَ أَبُو الْقَاسِم قَالَ أَبُو الْحُسَيْن النوري شَاهد الْحق الْقُلُوب فَلم ير قلبا أشوق إِلَيْهِ من قلب مُحَمَّد ص فَأكْرمه بالمعراج تعجيلا للرؤية والمكالمة
وقصده بِهَذِهِ الْحِكَايَة إِثْبَات رُؤْيَة مُحَمَّد ص ربه لَيْلَة الْمِعْرَاج وَهَذَا هُوَ قَول أَكثر أهل السّنة [أَنه رأى ربه بفؤاده]
стр. 157
ثمَّ ذكر مَا جَاءَ فِي الْعُلُوّ فَقَالَ سَمِعت الإِمَام أَبَا بكر مُحَمَّد بن الْحسن بن فورك يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن المحبوب خَادِم أبي عُثْمَان المغربي يَقُول قَالَ لي أَبُو عُثْمَان المغربي يَوْمًا يَا مُحَمَّد لَو قيل لَك أَيْن معبودك إيش تَقول قلت أَقُول حَيْثُ لم يزل قَالَ فَإِن قَالَ فَأَيْنَ كَانَ فِي الْأَزَل إيش تَقول قلت أَقُول حَيْثُ هُوَ الْآن قَالَ يعْنى أَنه كَانَ وَلَا مَكَان فَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ فارتضى منى ذَلِك وَنزع قَمِيصه وأعطانيه
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت أَبَا بكر بن فورك يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول كنت أعتقد شَيْئا من حَدِيث الْجِهَة فَلَمَّا قدمت
стр. 158
بَغْدَاد زَالَ ذَلِك عَن قلبِي فَكتبت إِلَى أَصْحَابنَا بِمَكَّة أَنى أسلمت الْآن إسلاما جَدِيدا
قلت هَذَا الْكَلَام الَّذِي ذكره عَن أبي عُثْمَان كَلَام مُجمل لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على انه كَانَ يَقُول لَيْسَ فَوق السَّمَاوَات رب وَلَا هُنَاكَ إِلَه كَمَا يَقُول من يَقُول إِن الله لَيْسَ فَوق الْعَرْش وَقد يعبر عَن ذَلِك بَعضهم بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجِهَة بل إِقْرَاره لِخَادِمِهِ على جَوَاب السَّائِل لَهُ أَيْن معبودك يُخَالف مَا ذكره أَبُو الْقَاسِم الَّذِي قَالَ فِي خطْبَة كِتَابه تَعَالَى عَن ان يُقَال كَيفَ هُوَ أَو أَيْن هُوَ فَلَو أَرَادَ مَا ذكره أَبُو الْقَاسِم لقَالَ لَا يُقَال أَيْن هُوَ بل قَالَ حَيْثُ لم يزل وَهَذَا لَا يُوَافق قَول من يَقُول لَيْسَ بداخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا هُوَ فَوق الْعَرْش وَلَا فِي جِهَة لِأَن قَوْله حَيْثُ لم يزل إخْبَاره بِأَنَّهُ حَيْثُ لم يزل وَحَيْثُ ظرف من ظروف الْمَكَان لَا يُطلق إِلَّا على الْجِهَة والحيز وَعند النفاة لَا يُقَال حَيْثُ لم يزل وَلَا كَانَ فِي الْأَزَل بِحَيْثُ
وَكَذَلِكَ قَوْله فَإِن قَالَ فَأَيْنَ كَانَ فِي الْأَزَل فَقَالَ اقول حَيْثُ الْآن لَا يَسْتَقِيم عِنْد من ينفى الْجِهَة فَإِنَّهُ لَا يُقَال أَيْن كَانَ فِي الْأَزَل وَلَا يُقَال حَيْثُ الْآن بل هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب
стр. 159
مُمْتَنع عِنْدهم وَإِن كَانُوا فِي ذَلِك مخالفين للنصوص وَإِجْمَاع السّلف وأئمة الدّين فَإِن النَّبِي ﷺ سَأَلَ بأين فَقَالَ أَيْن الله فَقَالَ لَهُ الْمَسْئُول فِي السَّمَاء فَحكم بأيمان من قَالَ ذَلِك وَكَذَلِكَ سُئِلَ فَقيل لَهُ أَيْن كَانَ رَبنَا قبل ان يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فَأجَاب عَن ذَلِك وَلَكِن جَوَاب أَبى عُثْمَان يُوَافق قَول أهل الْإِثْبَات وهم أهل الْفطْرَة الْعَقْلِيَّة السليمة من الاولين والآخرين الَّذين يَقُولُونَ إِنَّه فَوق الْعَالم إِذْ الْعلم بذلك فطرى عقلى ضَرُورِيّ لَا يتَوَقَّف على سمع
أما الْعلم بِأَنَّهُ اسْتَوَى على الْعَرْش بعد ان خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام فَهَذَا سَمْعِي إِنَّمَا علم من جِهَة أَخْبَار الْأَنْبِيَاء وَلِهَذَا شرع الله تَعَالَى لأهل الْملَل الِاجْتِمَاع كل أُسْبُوع يَوْمًا وَاحِدًا ليَكُون الْأُسْبُوع الدائر دَلِيلا على الْأُسْبُوع الَّذِي خلق الله فِيهِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش وَلِهَذَا لَا يعرف الْأُسْبُوع إِلَّا من جِهَة أهل الْكتب الإلهية بِخِلَاف الْيَوْم فَإِنَّهُ مَعْلُوم بالحس وَكَذَلِكَ الشَّهْر وَالسّنة يعلم بالحس وسيرالقمر فَيعلم بالحس والحساب وَأما الْأُسْبُوع فَلَيْسَ لَهُ سَبَب حسى وَكَذَلِكَ لَا يُوجد لأيام الْأُسْبُوع ذكر عِنْد الْأُمَم الَّذين لَا كتاب لَهُم وَلَا أخذُوا عَن أهل الْكتب كالترك البَاقِينَ فِي بواديهم فِي لغتهم اسْم الْيَوْم والشهر وَالسّنة دون أَيَّام الْأُسْبُوع
стр. 160
بِخِلَاف الْفرس وَنَحْوهم مِمَّن أَخذ عَن الْمُرْسلين فَإِن فِي لغتهم أَيَّام الْأُسْبُوع
وَأهل الْإِثْبَات منازعون فِي أَن الاسْتوَاء هَل هُوَ مُجَرّد نِسْبَة وَإِضَافَة بَين الله وَبَين الْعَرْش من غير أَن يكون الْبَارِي تصرف بِنَفسِهِ بصعود أَو علو وَنَحْو ذَلِك أَو هُوَ يتَصَرَّف بِنَفسِهِ وَأَنه اسْتَوَى على الْعَرْش بعد أَن لم يكن مستويا
وَكَذَلِكَ استواؤه إِلَى السَّمَاء ونزوله وَنَحْو ذَلِك عَن قَوْلَيْنِ مشهورين
وَالْأول قَول كثير مِمَّن يمِيل إِلَى الْكَلَام وَقَول طَائِفَة من الْفُقَهَاء والصوفية
وَالثَّانِي قَول أهل الحَدِيث وَقَول كثير من أهل الْكَلَام وَالْفُقَهَاء والصوفية
فَكَلَام أبي عُثْمَان ظَاهِرَة يُوَافق القَوْل الأول وَأما الَّذِي كَانَ يَعْتَقِدهُ فِي الْجِهَة ثمَّ رَجَعَ عَنهُ فَهُوَ أَمر مُجمل لم يذكرهُ فَلَعَلَّهُ كَانَ يعْتَقد من التجسيم والتمثيل مَا يَقُوله أهل الضلال من الرافضة والمجسمة فَرجع عَن ذَلِك فَإِن هَذَا مُمكن وَلَعَلَّه كَانَ يعْتَقد أَن البارى تَعَالَى
стр. 161
مَحْصُور فِي السَّمَوَات تظله وتقره وَأَنه مفتقر إِلَى عرش يحملهُ فَرجع عَن ذَلِك
وَأعظم مَا يُقَال إِنَّه كَانَ يعْتَقد أَن الاسْتوَاء من الصِّفَات الفعلية المتجددة أَنه يَفْعَله بِنَفسِهِ ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك إِلَى أَنه على مَا كَانَ عَلَيْهِ مَعَ كَونه مستويا على الْعَرْش لكنه خلق الْعَرْش بعد أَن لم يكن مخلوقا فَيلْزم أَن يكون مَوْصُوفا بِأَنَّهُ فَوق الْعَرْش وَهَذَا يَقُوله كثير من المثبتة وَإِن كَانَ هَذَا لَيْسَ مَوضِع الْكَلَام فِيهِ
فَأَما أَن يُقَال إِن أَبَا عُثْمَان رَجَعَ عَن اعْتِقَاد علو الله على خلقه وَأَنه سُبْحَانَهُ بَائِن عَن مخلوقاته عَال عَلَيْهِم فَلَيْسَ فِي كَلَامه مَا يفهم مِنْهُ ذَلِك بِحَال ثمَّ لَو فرض أَن أَبَا عُثْمَان قَالَ قولا فِيهِ غلط لم يصلح أَن يَجْعَل ذَلِك أصلا لاعتقاد الْقَوْم فَإِن كَلَام أَئِمَّة الْمَشَايِخ الْمُصَرّح بِأَن الله فَوق الْعَرْش كثير منتشر فَإِذا وجد عَن بَعضهم مَا يُخَالف ذَلِك كَانَ ذَلِك خلافًا لَهُم
والصوفية يُوجد فيهم الْمُصِيب والمخطئ كَمَا يُوجد فِي غَيرهم وَلَيْسوا فِي ذَلِك بِأَجل من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَيْسَ أحد مَعْصُوما فِي كل مَا يَقُوله إِلَّا رَسُول الله ﷺ
نعم وُقُوع الْغَلَط فِي مثل هَذَا يُوجب مَا نقُوله دَائِما إِن الْمُجْتَهد فِي
стр. 162
مثل هَذَا من الْمُؤمنِينَ إِن استفرغ وَسعه فِي طلب الْحق فَإِن الله يغْفر لَهُ خطأه وَإِن حصل مِنْهُ نوع تَقْصِير فَهُوَ ذَنْب لَا يجب ان يبلغ الْكفْر وَإِن كَانَ يُطلق القَوْل بِأَن هَذَا الْكَلَام كفر كَمَا أطلق السّلف الْكفْر على من قَالَ بِبَعْض مقالات الْجَهْمِية مثل القَوْل بِخلق الْقُرْآن أَو إِنْكَار الرُّؤْيَة أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ دون إِنْكَار علو الله على الْخلق وَأَنه فَوق الْعَرْش فَإِن تَكْفِير صَاحب هَذِه الْمقَالة كَانَ عِنْدهم من أظهر الْأُمُور فَإِن التَّكْفِير الْمُطلق مثل الْوَعيد الْمُطلق لَا يسْتَلْزم تَكْفِير الشَّخْص الْمعِين حَتَّى تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة الَّتِي تكفر تاركها
كَمَا ثَبت فِي الصِّحَاح عَن النَّبِي ﷺ فِي الرجل الَّذِي قَالَ إِذا أَنا مت فأحرقوني ثمَّ استحقوني ثمَّ ذروني فِي اليم فوَاللَّه لَئِن قدر الله على ليعذبني عذَابا لَا يعذبه أحدا من الْعَالمين فَقَالَ الله لَهُ مَا حملك على مَا فعلت قَالَ خشيتك فغفر لَهُ
فَهَذَا الرجل اعْتقد أَن الله لَا يقدر على جمعه إِذا فعل ذَلِك أَو شكّ وَأَنه لَا يَبْعَثهُ وكل من هذَيْن الاعتقادين كفر يكفر من
стр. 163
قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة لكنه كَانَ يجهل ذَلِك وَلم يبلغهُ الْعلم بِمَا يردهُ عَن جَهله وَكَانَ عِنْده إِيمَان بِاللَّه وبأمره وَنَهْيه ووعده ووعيده فخاف من عِقَابه فغفر الله لَهُ بخشيته
فَمن أَخطَأ فِي بعض مسَائِل الِاعْتِقَاد من أهل الْإِيمَان بِاللَّه وبرسوله وباليوم الآخر وَالْعَمَل الصَّالح لم يكن أَسْوَأ حَالا من الرجل فَيغْفر الله خطأه أَو يعذبه إِن كَانَ مِنْهُ تَفْرِيط فِي اتِّبَاع الْحق على قدر دينه وَأما تَكْفِير شخص علم إيمَانه بِمُجَرَّد الْغَلَط فِي ذَلِك فعظيم
فقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن ثَابت بن الضَّحَّاك عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعن الْمُؤمن كقتله وَمن رمى مُؤمنا بالْكفْر فَهُوَ كقتله
وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن من قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِر فقد بَاء بِهِ أَحدهمَا وَإِذا كَانَ تَكْفِير الْمعِين على سَبِيل الشتم كقتله فَكيف
стр. 164
يكون تكفيره على سَبِيل الِاعْتِقَاد فَإِن ذَلِك أعظم من قَتله إِذْ كل كَافِر يُبَاح قَتله وَلَيْسَ كل من أُبِيح قَتله يكون كَافِرًا فقد يقتل الدَّاعِي إِلَى ى بِدعَة لإضلاله النَّاس وإفساده مَعَ إِمْكَان أَن الله يغْفر لَهُ فِي الْآخِرَة لما مَعَه من الْإِيمَان فَإِنَّهُ قد تَوَاتَرَتْ النُّصُوص بِأَنَّهُ يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان
وَقد رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بَينا جِبْرِيل قَاعِدا عِنْد النَّبِي ﷺ إِذْ سمع نقيضا من فَوْقه فَرفع رَأسه فَقَالَ هَذَا بَاب من السَّمَاء فتح الْيَوْم لم يفتح قطّ إِلَّا الْيَوْم فَنزل مِنْهُ ملك فَقَالَ هَذَا ملك نزل إِلَى الأَرْض لم ينزل قطّ إِلَّا الْيَوْم فَسلم وَقَالَ أبشر بنورين أُوتِيتهُمَا لم يؤتهما نَبِي قبلك فَاتِحَة الْكتاب وخواتيم سُورَة الْبَقَرَة لن تقْرَأ بِحرف مِنْهُمَا إِلَّا أَعْطيته
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله [سُورَة الْبَقَرَة ٢٨٤] دخل فِي قُلُوبهم مِنْهَا شئ لم يدْخل قُلُوبهم من شئ فَقَالَ النَّبِي ﷺ قُولُوا سمعنَا وأطعنا قَالَ فَألْقى الله الايمان فِي قُلُوبهم فَأنْزل الله لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا لَهَا مَا كسبت
стр. 165
وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا [سُورَة الْبَقَرَة ٢٨٦] قَالَ قد فعلت
وَكَلَام الْمَشَايِخ فِي مَسْأَلَة الْعُلُوّ كثير مثل مَا ذكر مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي الْحَافِظ الصُّوفِي الْمَشْهُور الَّذِي صنف للصوفية كتاب صفة التصوف وَمَسْأَلَة السماع وَغير ذَلِك ذكر عَن الشَّيْخ الْجَلِيل أبي جَعْفَر الْهَمدَانِي أَنه حضر مجْلِس أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَهُوَ يَقُول كَانَ الله وَلَا عرش وَهُوَ على مَا عَلَيْهِ كَانَ أَو كلَاما من هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ يَا شيخ دَعْنَا من ذكر الْعَرْش أخبرنَا عَن هَذِه الضَّرُورَة الَّتِي نجدها فِي قُلُوبنَا فَإِنَّهُ مَا قَالَ عَارِف قطّ يَا الله إِلَّا وجد من قلبه ضرورو بِطَلَب الْعُلُوّ وَلَا يلْتَفت يمنة ولايسرة فَكيف ندفع هَذِه الضَّرُورَة عَن قُلُوبنَا قَالَ فَصَرَخَ أَبُو المعالى وَلَطم على رَأسه وَقَالَ حيرني الهمدانى حيرني الْهَمدَانِي
стр. 166
وَقَالَ الإِمَام الْعَارِف معمر بن أَحْمد الاصبهاني شيخ الصُّوفِيَّة فِي أَوَاخِر الْمِائَة الرَّابِعَة قبل الْقشيرِي فِي رِسَالَة لَهُ أَحْبَبْت أَن أوصى أَصْحَابِي بِوَصِيَّة من السّنة وموعظة من الْحِكْمَة وَأجْمع مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الحَدِيث والأثر وَأهل الْمعرفَة والتصوف من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين قَالَ فِيهَا اوإن الله اسْتَوَى على عَرْشه بِلَا كَيفَ وَلَا تَشْبِيه وَلَا تَأْوِيل والاستواء مَعْقُول والكيف فِيهِ مَجْهُول وَأَنه مستو على عَرْشه بَائِن من خلقه والخلق بائنون مِنْهُ بِلَا حُلُول وَلَا ممازجة وَلَا اخْتِلَاط وَلَا ملاصقة لِأَنَّهُ الْفَرد الْبَائِن من الْخلق الْوَاحِد الْغَنِيّ عَن الْخلق وَأَن الله سميع بَصِير عليم خَبِير يتَكَلَّم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لِعِبَادِهِ يَوْم الْقِيَامَة ضَاحِكا وَينزل كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كَيفَ شَاءَ فَيَقُول هَل من دَاع فآستجيب لَهُ هَل من مُسْتَغْفِر فآستغفر لَهُ هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ حَتَّى يطلع الْفجْر ونزول الرب إِلَى
стр. 167
السَّمَاء بِلَا كَيفَ وَلَا تَشْبِيه وَلَا تَأْوِيل فَمن أنكر النُّزُول أَو تَأَول فَهُوَ مُبْتَدع ضال
ثمَّ ذكر كَلَامهم فِي الْقدر قَالَ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت مُحَمَّد ابْن الْحُسَيْن السلمى يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول وَقد سُئِلَ عَن الْخلق فَقَالَ قوالب وأشباح تجْرِي عَلَيْهِم أَحْكَام الْقُدْرَة
قَالَ وَقَالَ الوَاسِطِيّ لما كَانَت الْأَرْوَاح والأجساد قامتا بِاللَّه وظهرتا بِهِ لَا بذواتها كَذَلِك قَامَت الخطرات والحركات بِاللَّه لَا بذواتها إِذْ الخطرات والحركات فروع جساد والأرواح
قَالَ أَبُو الْقَاسِم صرح بِهَذَا الْكَلَام أَن أكساب الْعباد مخلوقة لله وكما أَنه لَا خَالق للجواهر إِلَّا الله فَكَذَلِك لَا خَالق للأعراض إِلَّا الله
وَهَذَا الَّذِي قَالَه صَحِيح وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمَشَايِخ لَا يعرف مِنْهُم من أنكر شَيْئا من أصُول السّنة فِي مسَائِل الْقدر
стр. 168
وَقَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السَّامِي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله سَمِعت أَبَا جَعْفَر الصيدلاني سَمِعت أَبَا سعيد الخراز يَقُول من ظن أَنه ببذل الْجهد يصل فمتعن وَمن ظن أَنه بِغَيْر الْجهد يصل فمتمن
وَهَذَا كَلَام حسن كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِن أَصَابَك شئ فَلَا تقل لَو أَنِّي فعلت كَذَا وَكَذَا وَلَكِن قل مَا قدر الله وَمَا شَاءَ فعل فَإِن اللو تفتح عمل الشَّيْطَان
وَقَالَ لن يدْخل أحدا عمله الْجنَّة قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله بفضله وَرَحمته
стр. 169
ثمَّ قَالَ وَقَالَ الوَاسِطِيّ المقامات أَقسَام قسمت ونعوت أجريت كَيفَ تستجلب بحركات أَو تنَال بسعايات
وَهَذَا الْكَلَام الظَّاهِر لَيْسَ بجيد بل هُوَ مَرْدُود وَهَذِه الْمَسْأَلَة بِعَينهَا سُئِلَ عَنْهَا النَّبِي ﷺ كَمَا ثَبت عَنهُ فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن وعَلى ابْن أبي طَالب وَغَيرهمَا لما أخبر بِالْقدرِ فَقَالُوا أَلا نَدْعُو الْعَمَل ونتكل على الْكتاب فَقَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ بن ابي طَالب قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَة فِي بَقِيع الْغَرْقَد فَأَتَانَا رَسُول الله ﷺ فَقعدَ وقعدنا حوله وَمَعَهُ مخصرة فَنَكس وَجعل ينكت بمخسرته ثمَّ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من النَّار ومقعده من الْجنَّة
стр. 170
فَقَالُوا يَا رَسُول الله أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فسيصير لعمل السعاده واما من كَانَ من أهل الشَّقَاء فسيصير لعمل الشِّفَاء ثمَّ قَرَأَ فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى [سُورَة اللَّيْل ٦]
وَفِي الصَّحِيح عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله أيعرف أهل الْجنَّة من أهل النَّار قَالَ نعم قَالَ فَلم يعْمل الْعَامِلُونَ قَالَ كل يعْمل لما خلق لَهُ أَو لما يسر لَهُ وَفِي رِوَايَة كل ميسر لما خلق لَهُ
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي الْأسود الدئلي قَالَ قَالَ لي عمرَان بن حُصَيْن أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس الْيَوْم ويكدحون فِيهِ أشئ
стр. 171
قضى عَلَيْهِم وَمضى عَلَيْهِم من قدر قد سبق أَو فِيمَا يستقبلون مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيّهم وَثبتت الْحجَّة عَلَيْهِم فَقلت بل شئ قضى عَلَيْهِم وَمضى عَلَيْهِم قَالَ فَقَالَ أَفلا يكون ظلما قَالَ فَفَزِعت من ذَلِك فَزعًا شَدِيدا وَقلت كل شئ خلق الله وَملك يَده فَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون فَقَالَ لي يَرْحَمك الله إِنِّي لم أرد بِمَا سَأَلتك إِلَّا لأحزر عقلك إِن رجلَيْنِ من مزينة أَتَيَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَا يَا رَسُول الله أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس الْيَوْم ويكدحون فِيهِ أشئ قضى عَلَيْهِم وَمضى فيهم من قدر قد سبق أَو فِيمَا يستقبلون مِنْهُ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيّهم وَثبتت الْحجَّة عَلَيْهِم قَالَ لَا بل شئ قضى عَلَيْهِم وَمضى فيهم وتصديق ذَلِك فِي كتاب الله وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها [سُورَة الشَّمْس ٦ ٧]
وَفِي السّنَن حَدِيث عمر أَنه سُئِلَ عَن تَفْسِير الْآيَة وَإِذ أَخذ
стр. 172
رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ [سُورَة الاعراف ١٧٢] قَالَ عمر رضى الله عَنهُ سَمِعت رَسُول ص يَقُول إِن الله خلق آدم ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ فأستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ [خلقت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ ثمَّ مسح ظَهره فأستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ] خلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ فَقَالَ رجل فَفِيمَ الْعَمَل يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله إِذا خلق العَبْد للنار اسْتَعْملهُ بِعَمَل اهل النَّار حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال النَّار فَيدْخل بِهِ النَّار وَإِذا خلق العَبْد للجنة اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال الْجنَّة فيدخله بِهِ الْجنَّة
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن عبد الله قَالَ جَاءَ سراقَة بن مَالك بن جعْشم فَقَالَ يَا رَسُول الله بَين لنا ديننَا كأنا خلقنَا الْآن فيمَ الْعَمَل الْيَوْم أفيما جَفتْ بِهِ الأقلام وَجَرت بِهِ الْمَقَادِير أم فِيمَا
стр. 173
يسْتَقْبل قَالَ لَا بل فِيمَا جَفتْ بِهِ الأقلام وَجَرت بِهِ الْمَقَادِير قَالَ فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر وفى لفظ كل عَامل ميسر لعمله
وَفِي السّنَن عَن ابْن أبي خزامة عَن أَبِيه قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت رقى نسترقيها ودواء نتداوى بِهِ وتقاة نتقيها هَل ترد من قدر الله شَيْئا قَالَ هِيَ من قدر الله
فَهَذِهِ السّنَن وَغَيرهَا تبين أَن الله سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ قد تقدم علمه وكتابيه وَكَلَامه بِمَا سَيكون من السَّعَادَة والشقاوة فمما قدره أَن يكون ذَلِك بالأسباب الَّتِي قدرهَا فالسعادة بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة والشقاوة بِالْفُجُورِ وَكَذَلِكَ الشِّفَاء الَّذِي يقدره للْمَرِيض يقدره بالأدوية والرقى وَكَذَلِكَ سَائِر مَا يقدر من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
فَقَوْل الْقَائِل كَيفَ تستجلب الْأَقْسَام بالحركات
стр. 174
جَوَابه ان الْأَقْسَام تناولت الحركات كَمَا تناولت السعادات وَالله تَعَالَى قدر ان يكون هَذَا بِهَذَا فَإِذا ترك العَبْد الْعَمَل ظَانّا أَن السَّعَادَة تحصل لَهُ كَانَ هَذَا التّرْك سَببا لكَونه من أهل الشقاوة
وَهنا ضل فريقان فريق كذبُوا بِالْقضَاءِ وَالْقدر وَصَدقُوا بِالْأَمر والنهى وفريق آمنُوا بِالْقضَاءِ ولاقدر لَكِن قصروا فِي الْأَمر والنهى وَهَؤُلَاء شَرّ من الْأَوَّلين فَإِن هَؤُلَاءِ من جنس الْمُشْركين الَّذين قَالُوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا [سُورَة الْأَنْعَام ١٤٨] وَأُولَئِكَ من جنس الْمَجُوس
لَكِن إِذا عَنى بِهَذَا الْكَلَام أَن العَبْد لَا يتكل على عمله وَلَا يظنّ أَنه ينجو بسعيه فَهَذَا معنى صَحِيح فالأسباب الَّتِي من الْعباد بل وَمن غَيرهم لَيست مُوجبَات لَا لأمر الدُّنْيَا وَلَا لأمر الْآخِرَة بل قد يكون لَا بُد مِنْهَا وَمن أُمُور أُخْرَى من فضل الله وَرَحمته خَارِجَة عَن قدرَة العَبْد وَمَا ثمَّ مُوجب إِلَّا مَشِيئَة الله فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
وكل ذَلِك قد بَينه النَّبِي ﷺ وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد من نور الله بصيرته
وَأما التَّفْرِيق بَين الْمَقْدُور عَلَيْهِ والمعجوز عَنهُ فَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي كل خير احرص على مَا
стр. 175
ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِن أَصَابَك شئ فَلَا تقل لَو أَنِّي فعلت كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِن قل قدر الله وَمَا شَاءَ فعل فَإِن اللو تفتح عمل الشَّيْطَان
وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن النَّبِي ﷺ أَنه اخْتصم إِلَيْهِ رجلَانِ فَقضى على أَحدهمَا فَقَالَ المقضى عَلَيْهِ حسبي الله وَنعم الْوَكِيل فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله يلوم على الْعَجز وَلَكِن عَلَيْك بالكيس فَإِذا أحزنك أَمر فَقل حسبي الله وَنعم الْوَكِيل
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَسُئِلَ الوَاسِطِيّ عَن الْكفْر بِاللَّه أولله فَقَالَ الْكفْر وَالْإِيمَان وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة من الله وَإِلَى الله وَبِاللَّهِ وَللَّه من الله ابْتِدَاء وإنشاء وَإِلَى الله مرجعا وانتهاء وَبِاللَّهِ بَقَاء وفناء وَللَّه ملكا وخلقا
قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد سُئِلَ بعض الْعلمَاء عَن التَّوْحِيد
стр. 176
فَقَالَ هُوَ الْيَقِين فَقَالَ السَّائِل بَين لي مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ معرفتك أَن حركات الْخلق وسكونهم فعل الله وَحده لَا شريك لَهُ فَإِذا فعلت ذَلِك فقد وحدته وَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت عبد الْوَاحِد بن عَليّ يَقُول سَمِعت الْقَاسِم بن الْقَاسِم سَمِعت مُحَمَّد بن مُوسَى الوَاسِطِيّ سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْجَوْهَرِي سَمِعت ذَا النُّون الْمصْرِيّ يَقُول وجاءه رجل فَقَالَ ادْع الله لي فَقَالَ إِن كنت أيدت فِي علم الْغَيْب بِصدق التَّوْحِيد فكم من دَعْوَة مجابة قد سبقت لَك وَإِلَّا فَإِن النداء لَا ينفع الغرقى
قَالَ وَقَالَ الوَاسِطِيّ ادّعى فِرْعَوْن الربوبية على الْكَشْف وَادعت الْمُعْتَزلَة على السِّرّ تَقول مَا شِئْت
стр. 177
فعلت وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن النوري التَّوْحِيد كل خاطر يُشِير إِلَى الله بعد أَن لَا تزاحمه خواطر التَّشْبِيه
قلت كَلَام الوَاسِطِيّ والجنيد الْمَذْكُور هُنَا هُوَ تَوْحِيد الربوبية وَأَن الله رب كل شئ ومليكه وخالقه وَفِيه الرَّد على الْقَدَرِيَّة الَّذين يجْعَلُونَ أَفعَال العَبْد خَارِجَة عَن قدرته وخلقه وَملكه وَكَذَلِكَ جعل فيهم الوَاسِطِيّ شبها من فِرْعَوْن فَإِن فِرْعَوْن كشف كفره وَقَالَ أَنا ربكُم الْأَعْلَى فَادّعى الربوبية عَلَانيَة والقدرية تدعى أَنَّهَا رب الْأَفْعَال وَمَا يتَوَلَّد عَنْهَا فقد أدعت ربوبيته لَكِن فِي السِّرّ وَهِي ربوبية أَفعَال الْأَعْيَان
لَكِن مَقْصُود أهل التَّحْقِيق كالجنيد وَنَحْوه أَن يكون هَذَا التَّوْحِيد للْعَبد خلقا ومقاما بِحَيْثُ يُعْطِيهِ ذَلِك كَمَا توكله على الله تَعَالَى وتفويصه إِلَيْهِ وَالصَّبْر لحكمه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ مالم يُخرجهُ ذَلِك إِلَى إِسْقَاط الْأَمر وَالنَّهْي وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب والوعد والوعيد كَمَا يَقع فِي بعض ذَلِك طَائِفَة من المتصوفة
وَأما قَول ذِي النُّون إِن كنت أيدت فِي علم الْغَيْب بِصدق التَّوْحِيد فَلَا يُرَاد بِهِ مُجَرّد الْإِقْرَار بالربوبية الْعَامَّة فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يوحدون هَذَا التَّوْحِيد كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله [سُورَة الزمر ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إلاوهم مشركون [سُورَة يُوسُف ١٠٦]
стр. 178
قَالُوا غيمانهم هُوَ إِيمَانهم بِأَنَّهُ خَالق كل شئ وشركهم أَن عبدُوا مَعَه إِلَهًا آخر
وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْقِيق تَوْحِيد الربوبية وتوحيد الإلهية وَهُوَ أَن يعبد الله وَحده لايشرك بِهِ شَيْئا فَهَذَا التَّوْحِيد الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُل هُوَ يسْعد صَاحبه وَيدخل الْجنَّة لَا محَالة لَهُ من دَعْوَة مجابة وَمن فَاتَهُ هَذَا التَّوْحِيد فَإِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ فَلَا يَنْفَعهُ الدُّعَاء
وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيد الْمَذْكُور فِي قَول المراغى صفاء الْعِبَادَات لَا ينَال إِلَّا بصفاء التَّوْحِيد
وَأما قَول النوري التَّوْحِيد كل خاطر يُشِير إِلَى الله فَهُوَ يعم ذَلِك يَقُول كل توجه إِلَى الله وَحده بقول أَو عمل فَهُوَ تَوْحِيد إِذا لم يكن فِيهِ تَشْبِيه الْخَالِق بالمخلوق أَو الْمَخْلُوق بالخالق كَمَا فِي قَول الْجَهْمِية والممثلة والقدرية وَنَحْوهم وَقد تقدم مَا ذكره الْمَشَايِخ من نفي التَّشْبِيه والتعطيل
وَكَذَلِكَ مَا ذكره عَن الشَّيْخ أبي عبد الرَّحْمَن سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر سَمِعت هِلَال بن أَحْمد يَقُول سُئِلَ أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي عَن التَّوْحِيد فَقَالَ استقامة الْقلب بِإِثْبَات مُفَارقَة
стр. 179
التعطيل وإنكار التَّشْبِيه والتوحيد فِي كلمة وَاحِدَة كل مَا صورته الأفهام والأفكار فَإِن الله سُبْحَانَهُ بِخِلَافِهِ لَيْسَ كمثله شئ وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير [سُورَة الشورى ١١]
قَالَ وَقَالَ ابو الْقَاسِم النصراباذي الْجنَّة بَاقِيَة بإبقائه وَذكره لَك ومحبته لَك بَاقٍ بِبَقَائِهِ فشتان بَين مَا هُوَ بَاقٍ بِبَقَائِهِ وَبَين مَا هُوَ بَاقٍ بإبقائه
قَالَ الْقشيرِي وَهَذَا الَّذِي قَالَه الشَّيْخ النصراباذي غَايَة التَّحْقِيق فَإِن أهل الْحق قَالُوا صِفَات ذَات الْقَدِيم سُبْحَانَهُ باقيات بِبَقَائِهِ تَعَالَى فنبه على هَذِه الْمَسْأَلَة وَنبهَ على أَن الْبَاقِي بَاقٍ بِبَقَائِهِ خلاف مَا قَالَه مخالفو الْحق
стр. 180
قلت النصراباذي مَقْصُوده التَّفْرِيق بَين من طلب النَّعيم بالمخلوق وَطلب النَّعيم لحظه من الْخَالِق فَقَالَ مَا فِي الْمَخْلُوق بَاقٍ بإبقائه وَأما محبته لَك وَذكره لَك فباق بِبَقَائِهِ وَلَيْسَ مَقْصُوده أَن الْبَقَاء الَّذِي يُوصف بِهِ الرب هُوَ صفة زَائِدَة على الذَّات بِمَا لَيْسَ بِصفة كَمَا يُنَازع فِيهِ أهل الْكَلَام مثل متكلمة أهل الْإِثْبَات وَغَيرهم بل القَاضِي أَبُو بكر الَّذِي يعظمه الْقشيرِي وَيَقُول هُوَ اوحد وقته كَانَ يَقُول لَيْسَ الْبَاقِي بَاقِيا بِبَقَاء
ولاالنزاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِذا حقق لم يرجع إِلَى معنى مُحَصل يسْتَوْجب النزاع
ثمَّ قَالَ أَبُو الْقَاسِم حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن سَمِعت النصراباذي يَقُول أَنْت مُتَرَدّد بَين صِفَات الْفِعْل وصفات الذَّات وَكِلَاهُمَا صفته تَعَالَى على الْحَقِيقَة فَإِذا هيمك فِي مقَام التَّفْرِقَة قربك بِصِفَات فعله وَإِذا بلغك إِلَى مقَام الْجمع قربك بِصِفَات ذَاته
следующие страницы →