← Акыда

Акыда · id 6820

الاستقامة

ابن تيمية

Полный текст (813 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والاستخبار فَإِن كَانَ الْكَلَام لَيْسَ إِلَّا مُجَرّد الْمَعْنى فَهَذِهِ الْأَنْوَاع لَيست إِلَّا مُجَرّد معنى فَإِذا قَالَ إِن الْكَلَام هُوَ الْمَعْنى الَّذِي قَامَ بِالْقَلْبِ من معنى الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار كَانَ قد جعل الْمَعْنى الَّذِي لِلْأَمْرِ غير الْأَمر وَهَذَا يُطَابق قَول اهل الْجَمَاعَة لَا يُطَابق قَوْله بل كَانَ حَقه أَن يَقُول الْمَعْنى الَّذِي قَامَ بِالْقَلْبِ من الْأَمر وَالنَّهْي لَا من معنى الْأَمر وَالنَّهْي لكنه تكلم فِي الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار فَأَما فِي الْكَلَام فَتكلم فِيهِ بِمَا تَلقاهُ عَن أُولَئِكَ المتكلمة الَّذين أَحْسنُوا فِي مَوَاضِع كَثِيرَة وردوا بهَا على الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وأساءوا فِي مَوَاضِع خالفوا بهَا السّنة وَإِن كَانُوا متأولين وَالله يغْفر لجَمِيع الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رءوف رَحِيم [سُورَة الْحَشْر ١٠] فصل فِي الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جوَيْرِية أم الْمُؤمنِينَ لما خرج النَّبِي ص من عِنْدهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَوَجَدَهَا تسبح بحصى فَقَالَ لَهَا مَا زلت مُنْذُ الْيَوْم قَالَت نعم قَالَ النَّبِي ﷺ لقد قلت بعْدك أَربع كَلِمَات ثَلَاث مَرَّات لَو وزنت بِمَا قلتيهن مُنْذُ الْيَوْم لوزنتهن سُبْحَانَ الله عدد خلقه سُبْحَانَ

стр. 212

الله زنة عَرْشه سُبْحَانَ الله رضَا نَفسه سُبْحَانَ الله مداد كَلِمَاته فِيهِ فَوَائِد ترد على الْجَهْمِية والمتفلسفة مِنْهَا قَوْله زنة عَرْشه وَذَلِكَ فِي معرض التَّعْظِيم لوزن الْعَرْش وَأَنه أعظم الْمَخْلُوقَات وزنا وَذَلِكَ يدل على ثقله كَمَا جَاءَت بعض الْأَحَادِيث بثقله خلافًا لما يَقُوله من يَقُوله المتفلسفة إِن الأفلاك وَمَا فَوْقهَا لَيْسَ بثقيل وَلَا خَفِيف بِنَاء على اصْطِلَاح لَهُم الثقيل مَا تحرّك إِلَى السّفل والخفيف مَا تحرّك إِلَى فَوق وَإِن الأفلاك لَا تهبط وَلَا تصعد وَذَلِكَ أَن الله أمْسكهَا بقدرته كَمَا امسك الارض فِي مقرها مَعَ الْعلم بِأَن مقرّ الْأَجْسَام أَمر عدمي لَيْسَ فِيهِ مَا يُوجب اخْتِصَاص شئ بِهِ دون الآخر وَمِنْهَا قَوْله رضَا نَفسه فِيهِ إِثْبَات نَفسه وَإِثْبَات رِضَاهُ وَأَن رِضَاهُ لَيْسَ هُوَ مُجَرّد إِرَادَته فَإِنَّهُ قد قَالَ عدد خلقه والمخلوق هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ وشاءه فَلَو كَانَ رِضَاهُ هُوَ إِرَادَته لَكَانَ مُرَاده مَوْجُودا فَإِن مُرَاده قد وجد قبل هَذَا الْكَلَام فَإِنَّهُ مَا شَاءَ الله كَانَ وَهَذَا الْكَلَام

стр. 213

يَقْتَضِي أَن رضى نَفسه أعظم من ذَلِك وَمن ذَلِك أَنه جمع بَين رضَا نَفسه ومداد كَلِمَاته فَأثْبت لَهُ الرِّضَا وَالْكَلَام وَالرِّضَا مُسْتَلْزم الْإِرَادَة وَإِن لم يكن هُوَ عين الْإِرَادَة فَفِيهِ إِثْبَات كَلَامه وَرضَاهُ الَّذِي يتَضَمَّن محبته ومشيئته وَهَاتَانِ الصفتان الصفتان هما اللَّتَان أنكرهما الْجَعْد بن دِرْهَم أول الْجَهْمِية لما زعم أَن الله لم يتَّخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا إِذْ لَا محبَّة لَهُ وَلَا رضَا وَلم يكلم مُوسَى تكليما وَعَن ذَلِك نفت الْمُعْتَزلَة أَن يكون لَهُ فِي نَفسه إِرَادَة أَو كَلَام وَلم يجْعَلُوا ذَلِك إِلَّا مخلوقا فِي غَيره وتقرب مِنْهُم طَائِفَة من الأشعرية فأثبتت الْإِرَادَة وَلم يجْعَلُوا الْمحبَّة وَالرِّضَا صفة إِلَّا الْإِرَادَة وأثبتت الْكَلَام وَلم يَجْعَلُوهُ إِلَّا معنى وَاحِدًا قَائِما بِذَاتِهِ فَوَافَقُوا أهل الْإِثْبَات فِي بعض الْحق والجهمية فِي بعض الْبَاطِل وَمن ذَلِك أَنه انْتقل من صفة الْمَخْلُوق إِلَى صفة الْخَالِق فَذكر عدد الْمَخْلُوقَات وَذكر وزن سقفها وَأَعْظَمهَا كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح قَالَ النَّبِي ﷺ إِذا سَأَلْتُم الله فسلوه الفردوس فَإِنَّهَا وسط الْجنَّة وَأَعْلَى الْجنَّة وسقفها عرش الرَّحْمَن

стр. 214

فصل يتَعَلَّق بِالسَّمَاعِ قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي بَاب السماع قَالَ الله تَعَالَى فبشر عبَادي الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه [سُورَة الزمر ١٨] قَالَ أَبُو الْقَاسِم اللَّام فِي قَوْله القَوْل تَقْتَضِي التَّعْمِيم والاستغراق وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه مدحهم بأتباع الْأَحْسَن قلت وَهَذَا يذكرهُ طَائِفَة مِنْهُم أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَغَيره وَهُوَ غلط بأتفاق الْأمة وأئمتها لوجوه احدهما أَن الله لَا يَأْمر باستماع كل قَول بِإِجْمَاع الْمُسلمين حَتَّى يُقَال اللَّام للاستغراق والعموم بل من القَوْل مَا يحرم استماعه وَمِنْه مَا يكره كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ من اسْتمع إِلَى حَدِيث قوم وهم لَهُ كَارِهُون صب فِي أُذُنَيْهِ الآنك يَوْم الْقِيَامَة

стр. 215

وَقد قَالَ تَعَالَى وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره وَإِمَّا ينسينك الشَّيْطَان فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين وَمَا على الَّذين يَتَّقُونَ من حسابهم من شئ وَلَكِن ذكرى لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ [سُورَة الْأَنْعَام ٦٨ ٦٩] فقد أَمر سُبْحَانَهُ بِالْإِعْرَاضِ عَن كَلَام الخائضين فِي آيَاته وَنهى عَن الْقعُود مَعَهم فَكيف يكون اسْتِمَاع كل قَول مَحْمُودًا وَقَالَ تَعَالَى وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيا ت الله يكفر بهَا ويستهزئ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلهم [سُورَة النِّسَاء ١٤٠] فَجعل الله المستمع لهَذَا الحَدِيث مثل قَائِله فَكيف يمدح كل مستمع كل قَول وَقَالَ تَعَالَى قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ١ ٣] وَقَالَ تَعَالَى وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما إِلَى قَوْله وَإِذا مروا بِاللَّغْوِ مروا كراما [سُورَة الْفرْقَان ٦٣ ٧٢] وروى أَن ابْن مَسْعُود سمع صَوت لَهو فَأَعْرض عَنهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن كَانَ ابْن مَسْعُود لكريما

стр. 216

فَإِذا كَانَ الله تَعَالَى قد مدح وَأثْنى عَليّ من أعرض عَن اللَّغْو وَمر بِهِ كَرِيمًا لم يستمعه كَيفَ يكون اسْتِمَاع كل قَول مدوحا وَقد قَالَ تَعَالَى وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسئولا [سُورَة الْإِسْرَاء ٣٦] فقد أخبر أَنه يسْأَل العَبْد عَن سَمعه وبصره وفؤاده وَنَهَاهُ أَن يَقُول مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم وَإِذا كَانَ السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل ذَلِك منقسم إِلَى مَا يُؤمر بِهِ وَإِلَى مَا ينْهَى عَنهُ وَالْعَبْد مسئول عَن ذَلِك كُله كَيفَ يجوز أَن يُقَال كل قَول فِي الْعَالم كَانَ فَالْعَبْد مَحْمُود على استماعه هَذَا بِمَنْزِلَة أَن يُقَال كل مرئي فِي الْعَالم فَالْعَبْد ممدوح على النّظر إِلَيْهِ وَلِهَذَا دخل الشَّيْطَان من هذَيْن الْبَابَيْنِ على كثير من النساك فتوسعوا فِي النّظر إِلَى الصُّور المنهى عَن النّظر إِلَيْهَا وَفِي اسْتِمَاع الْأَقْوَال والأصوات الَّتِي نهوا عَن استماعها وَلم يكتف الشَّيْطَان بذلك حَتَّى زين لَهُم أَن جعلُوا مَا نهوا عَنهُ عبَادَة وقربة وَطَاعَة فَلم يحرموا مَا حرم الله وَرَسُوله وَلم يدينوا دين الْحق كَمَا حكى عَن أبي سعيد الخراز أَنه قَالَ رَأَيْت إِبْلِيس فِي النّوم

стр. 217

وَهُوَ يمر عني نَاحيَة فَقلت لَهُ تعال مَالك فَقَالَ بقى لي فِيكُم لَطِيفَة السماع وصحبة الْأَحْدَاث وَأَصْحَاب ذَلِك وَإِن كَانَ فيهم من ولَايَة الله وتقواهم ومحبته والقرب إِلَيْهِ مَا فاقوا بِهِ على من لم يساوهم فِي مقامهم فليسوا فِي ذَلِك بأعظم من أكَابِر السّلف المقتتلين فِي الْفِتْنَة وَالسَّلَف المستحلين لطائفة من الْأَشْرِبَة المسكرة والمستحلين لربا الْفضل والمتعة والمستحلين للحشوش كَمَا قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك رب رجل فِي الْإِسْلَام لَهُ قدم حسن وآثار صَالِحَة كَانَت مِنْهُ الهفوة والزلة لَا يقْتَدى بِهِ فِي هفوته وزلته والغلط يَقع تَارَة فِي استحلال الْمحرم بالتأويل وَفِي ترك الْوَاجِب بالتأويل وَفِي جعل الْمحرم عبَادَة بالتأويل كالمقتتلين فِي الْفِتْنَة حَيْثُ رَأَوْا ذَلِك وَاجِبا ومستحبا وكما قَالَ طَائِفَة مثل عبد الله بن دَاوُد

стр. 218

الْحَرْبِيّ وَغَيره إِن شرب النَّبِيذ الْمُخْتَلف فِيهِ أفضل من تَركه فالتأويل يتَنَاوَل الْأَصْنَاف الْخَمْسَة فَيجْعَل الْوَاجِب مُسْتَحبا ومباحا ومكروها ومحرما وَيجْعَل المرحم مَكْرُوها ومباحا ومستحبا وواجبا وَهَكَذَا فِي سائرها وَمِمَّا يعْتَبر بِهِ أَن النساك وَأهل الْعِبَادَة والإرادة توسعوا فِي السّمع وَالْبَصَر وَتوسع الْعلمَاء وَأهل الْكَلَام وَالنَّظَر فِي الْكَلَام وَالنَّظَر بِالْقَلْبِ حَتَّى صَار لهَؤُلَاء الْكَلَام الْمُحدث ولهؤلاء السماع الْمُحدث هَؤُلَاءِ فِي الْحُرُوف وَهَؤُلَاء فِي الصَّوْت وتجد أهل السماع كثيري الْإِنْكَار على أهل الْكَلَام كَمَا صنف الشَّيْخ ابو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ مصنفا فِي ذمّ الْكَلَام وَأَهله وهما من أَئِمَّة أهل السماع ونجد أهل الْعلم وَالْكَلَام مبالغين فِي ذمّ أهل السماع كَمَا نجده فِي كَلَام أبي بكر بن فورك وَكَلَام الْمُتَكَلِّمين فِي ذمّ السماع وَأَهله والصوفية مَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ فيهم انحراف يشبه انحراف الْيَهُود أهل الْعلم

стр. 219

وَالْكَلَام وَهَؤُلَاء فيهم انحراف يشبه انحراف النَّصَارَى أهل الْعِبَادَة والإرادة وَقد قَالَ الله فِي الطَّائِفَتَيْنِ وَقَالَت الْيَهُود لَيست النَّصَارَى على شئ وَقَالَت النَّصَارَى لَيست الْيَهُود على شئ وهم يَتلون الْكتاب كَذَلِك قَالَ الَّذين لَا يعلمُونَ مثل قَوْلهم فَالله يحكم بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [سُورَة الْبَقَرَة ١١٣] وَلِهَذَا تَجِد تنافرا بَين الْفُقَهَاء والصوفية وَبَين الْعلمَاء والفقراء إمن هَذَا الْوَجْه وَالصَّوَاب أَن يحمد من حَال كل قوم مَا حَمده الله وَرَسُوله كَمَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة ويذم من حَال كل قوم مَا ذمه الله وَرَسُوله كَمَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة ويجتهد الْمُسلم فِي تَحْقِيق قَوْله اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين [سُورَة الْفَاتِحَة ٦ ٧] قَالَ النَّبِي ﷺ الْيَهُود مغضوب عَلَيْهِم وَالنَّصَارَى ضالون وَقد تكلمنا على بعض مَا يتَعَلَّق

стр. 220

بِهَذِهِ الْأُمُور فِي غير هَذَا الْموضع فِي مَوَاضِع الْوَجْه الثَّانِي أَن المُرَاد بالْقَوْل فِي هَذَا الْموضع الْقُرْآن كَمَا جَاءَ ذَلِك فِي قَوْله وَلَقَد وصلنا لَهُم القَوْل لَعَلَّهُم يتذكرون [سُورَة الْقَصَص ٥١] فَإِن القَوْل الَّذِي أمروا بتدبره هُوَ الَّذِي أمروا بأستماعه والتدبر بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال وَالِاعْتِبَار وَالِاسْتِمَاع فَمن أمرنَا بأستماع كل قَول أَو بأستماع القَوْل الَّذِي لم يشرع استماعه فَهُوَ بِمَنْزِلَة من أَمر بتدبر كل قَول وَالنَّظَر فِيهِ أَو بالتدبر للْكَلَام الَّذِي لم يشرع تدبره وَالنَّظَر فِيهِ فالمنحرفون فِي النّظر وَالِاسْتِدْلَال بِمثل هَذِه الْأَقْوَال من أهل الْكَلَام المبتدع وَذَلِكَ أَن اللَّام فِي لُغَة الْعَرَب هِيَ للتعريف فتنصرف إِلَى الْمَعْرُوف عِنْد الْمُتَكَلّم والمخاطب وَهِي تعم جَمِيع الْمَعْرُوف فَاللَّام فِي القَوْل تَقْتَضِي التَّعْمِيم والاستغراق لَكِن عُمُوم مَا عَرفته وَهُوَ القَوْل الْمَعْهُود الْمَعْرُوف بَين الْمُخَاطب والمخاطب وَمَعْلُوم ان ذَلِك هُوَ القَوْل الَّذِي أثنى الله عَلَيْهِ وأمرنا بأستماعه والتدبر لَهُ واتباعه فَإِنَّهُ قَالَ فِي أول هَذِه السُّورَة تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْحَكِيم إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ فأعبد الله مخلصا لَهُ الدّين الا لله الدّين

стр. 221

الْخَالِص [سُورَة الزمر ١ ٣] فَذكر فِي السُّورَة كَلَامه وَدينه الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح وَخير الْكَلَام كَلَام الله وأصل الْعَمَل الصَّالح عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ كَمَا فِي قَوْله قل الله أعبد مخلصا لَهُ ديني فأعبدوا مَا شِئْتُم من دونه قل إِن الخاسرين الَّذين خسروا أنفسهم وأهليهم يَوْم الْقِيَامَة أَلا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين إِلَى قَوْله وَالَّذين اجتنبوا الطاغوت أَن يعبدوا وأنابوا إِلَى الله لَهُم الْبُشْرَى فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم اولو الْأَلْبَاب [سُورَة الزمر ١٤ ١٨] ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه فويل للقاسية قُلُوبهم من ذكر الله أُولَئِكَ فِي ضلال مُبين الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها مثاني تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم ثمَّ تلين جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذكر الله﴾ [سُورَة الزمر ٢٢ ٢٣] فَأثْنى على أهل السماع والوجد للْحَدِيث الَّذِي نزله وَهُوَ أحسن الحَدِيث وَلم يثن على مُطلق الحَدِيث ومستمعه بل تضمن السِّيَاق الثَّنَاء على أهل ذكره وَالِاسْتِمَاع لحديثه كَمَا جمع بَينهمَا فِي قَوْله ﴿ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله وَمَا نزل من الْحق﴾ [سُورَة الْحَدِيد ١٦] وَفِي قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله﴾

стр. 222

﴿وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا﴾ [سُورَة الْأَنْفَال ٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا لَعَلَّكُمْ ترحمون وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعا وخيفة وَدون الْجَهْر من القَوْل﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٠٤ ٢٠٥] ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ﴿وَلَقَد ضربنا للنَّاس فِي هَذَا الْقُرْآن من كل مثل لَعَلَّهُم يتذكرون قُرْآنًا عَرَبيا غير ذِي عوج لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ [سُورَة الزمر ٢٧ ٢٨] فَذكر الْقُرْآن وَبَين أَنه قدر فِيهِ من جَمِيع المقاييس والأمثال المضروبة لأجل التَّذْكِير فدعى هُنَا إِلَى التَّذْكِير وَالِاعْتِبَار بِمَا فِيهِ من الْأَمْثَال وَذَلِكَ يتَضَمَّن النّظر وَالِاسْتِدْلَال وَالْكَلَام الْمَشْرُوع كَمَا أَنه فِي الْآيَة الأولى أثنى على أهل السماع لَهُ والوجد وَذَلِكَ يتَضَمَّن السماع والوجد الْمَشْرُوع ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك فَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو كذب بِالْحَقِّ لما جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون [سُورَة الزمر ٣٢ ٣٣] ذكر البُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَفْسِير مُجَاهِد وَهُوَ أصح تَفْسِير التَّابِعين قَالَ وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ الْقُرْآن وَصدق بِهِ الْمُؤمن

стр. 223

يجِئ يَوْم الْقِيَامَة يَقُول هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتنِي عملت بِمَا فِيهِ فَذكر الصدْق والمصدق بِهِ مثنيا عَلَيْهِ وَذكر الْكَاذِب والمكذب للحق وهما نَوْعَانِ من القَوْل ملعونان هما وَأَهْلهَا فَكيف يكون مثنيا على من استمعها وَلَا ريب أَن الْبِدْعَة الكلامية والسماعية الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة تَتَضَمَّن الْكَذِب على الله والتكذيب بِالْحَقِّ كالجهمية الَّذين يصفونَ الله بِخِلَاف ماوصف بِهِ نَفسه فيفترون عَلَيْهِ الْكَذِب أَو يروون فِي ذَلِك آثَار مُضَافَة إِلَى الله أَو يضْربُونَ مقاييس ويسندونها إِلَى الْعُلُوم الضرورية والمعقول الصَّحِيح الَّذِي هُوَ حق من الله وكل ذَلِك كذب ويكذبون بِالْحَقِّ لما جَاءَهُ وَهُوَ مَا ورد بِهِ الْكتاب وَالسّنة من الْخَبَر بِالْحَقِّ والأمثال المضروبة لَهُ وَكَذَلِكَ كثير من الأشعارالتي يسْمعهَا اهل السماع قد يتَضَمَّن من الْكَذِب على الله والتكذيب بِالْحَقِّ أنواعا وَنَفس الِانْتِصَار لما خَالف الشَّرِيعَة من السماع وَغَيره يتَضَمَّن الْكَذِب على الله مثل أَن يَقُول الْقَائِل إِن الله أَرَادَ بقوله ﴿الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل﴾ [سُورَة الزمر ١٨] مستمع كل قَول فِي الْعَالم فَهَذَا كذب على الله وَإِن كَانَ قَائِله منا وَلِأَنَّهُم يكذبُون بِالْحَقِّ الْمُخَالف لأهوائهم

стр. 224

ثمَّ قَالَ تَعَالَى بعد ذَلِك إِنَّا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ فَمن اهْتَدَى فلنفسه وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا وَمَا انت عَلَيْهِم بوكيل [سُورَة الزمر ٤١] فَأخْبر أَنه أنزل القَوْل الَّذِي هُوَ الْكتاب بِالْحَقِّ وَإِن المهتدى لنَفسِهِ هداه وضلاله على نَفسه وَالرَّسُول لَيْسَ بوكيل عَلَيْهِم يُحْصى أَعْمَالهم ويجزيهم عَلَيْهَا بل إِلَى الله إيابهم وعَلى الله حسابهم ثمَّ قَالَ يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم وَلَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِلَى قَوْله ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ [سُورَة الزمر ٥٣ ٥٥] وَهَذَا الْأَحْسَن هُنَا هُوَ الْأَحْسَن الَّذِي فِي قَوْله ﴿الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه﴾ [سُورَة الزمر ١٨] وَفِي قَوْله لمُوسَى عَن التَّوْرَاة ﴿فَخذهَا بِقُوَّة وَأمر قَوْمك يَأْخُذُوا بأحسنها﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ١٤٥] كَمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله ثمَّ قَالَ وسيق الَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم زمرا حَتَّى إِذا جاؤوها فتحت ابوابها وَقَالَ لَهُم خزنتها ألم يأتكم رسل مِنْكُم يَتلون عَلَيْكُم آيَات ربكُم وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا بِلَا إِلَى قَوْله ﴿وسيق الَّذين اتَّقوا رَبهم إِلَى الْجنَّة زمرا﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده وأورثنا الأَرْض نتبوأ من الْجنَّة حَيْثُ نشَاء فَنعم أجر العاملين﴾ [سُورَة الزمر ٧١ ٧٤] مَعَ قَوْله وجئ بالنبيين وَالشُّهَدَاء [سُورَة الزمر ٦٩]

стр. 225

فَجعل الْفرْقَان بَين أهل الْجنَّة وَالنَّار هَؤُلَاءِ الْآيَات الَّتِي تلتها الرُّسُل عَلَيْهِم فَمن استمعها واتبعها كَانَ من الْمُؤمنِينَ أهل الْجنَّة وَمن أعرض عَنْهَا كَانَ من الْكَافرين أهل النَّار وَالْكتاب هُوَ الَّذِي جعله الله حَاكما بَين النَّاس كَمَا قَالَ ﴿وَأنزل مَعَهم الْكتاب بِالْحَقِّ ليحكم بَين النَّاس فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ٢١٣] فَهَذَا كُله إِذا تدبره الْمُؤمن علم علما يَقِينا أَن الْكتاب وَالْقَوْل والْحَدِيث وآيات الله كل ذَلِك وَاحِد والمحمودون الَّذين أثنى الله عَلَيْهِم هم المتبعون لذَلِك استماعا وتدبرا وإيمانا وَعَملا أما مدح الِاسْتِمَاع لكل قَول فَهَذَا لَا يَقْصِدهُ عَاقل فضلا عَن ان يُفَسر بِهِ كَلَام الله وَهَذَا يتوكد بِالْوَجْهِ الثَّالِث وَهُوَ ان الله فِي كِتَابه إِنَّمَا حمد اسْتِمَاع الْقُرْآن وذم المعرضين عَن استماعه وجعلهم أهل الْكفْر وَالْجهل الصم الْبكم فَأَما مدحه لاستماع كل قَول فَهَذَا شئ لم يذكرهُ الله قطّ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٠٤] وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا﴾ [سُورَة الْأَنْفَال ٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين من ذُرِّيَّة﴾

стр. 226

﴿آدم وَمِمَّنْ حملنَا مَعَ نوح وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَإِسْرَائِيل وَمِمَّنْ هدينَا واجتبينا إِذا تتلى عَلَيْهِم آيَات الرَّحْمَن خروا سجدا وبكيا﴾ [سُورَة مَرْيَم ٥٨] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق﴾ [سُورَة الْمَائِدَة ٨٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين أُوتُوا الْعلم من قبله إِذا يُتْلَى عَلَيْهِم يخرون للأذقان سجدا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبنَا إِن كَانَ وعد رَبنَا لمفعولا ويخرون للأذقان يَبْكُونَ ويزيدهم خشوعا﴾ [سُورَة الْإِسْرَاء ١٠٧ ١٠٩] وَقَالَ الله تَعَالَى فِي ذمّ المعرضين عَنهُ ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ [سُورَة الْأَنْفَال ٢٢ ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع إِلَّا دُعَاء ونداء صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ١٧١] وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين إِذا ذكرُوا بآيَات رَبهم لم يخروا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا [سُورَة الْفرْقَان ٧٣] وفال تَعَالَى وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تغلبون سُورَة فصلت ٢٦ وَقَالَ تَعَالَى فَمَا لَهُم عَن التَّذْكِرَة معرضين كَأَنَّهُمْ حمر

стр. 227

مستفرة فرت من قسورة [سُورَة المدثر ٤٩ ٥١] وَقَالَ تَعَالَى أَفَمَن هَذَا الحَدِيث تعْجبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنْتُم سامدون [سُورَة النَّجْم ٥٩ ٦١] قَالَ غير وَاحِد من السّلف هُوَ الْغناء فَقَالَ اسمد لنا أَي عَن لنا فذم المعرض عَمَّا يجب من اسْتِمَاع المشتغل عَنهُ باستماع الْغناء كَمَا هُوَ فعل كثير من الَّذين أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات وَحَال كثير من المتنسكة فِي اعتياضهم بِسَمَاع المكاء والتصدية عَن سَماع قَول الله تَعَالَى وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث ليضل عَن سَبِيل الله بِغَيْر علم ويتخذها هزوا [سُورَة لُقْمَان ٦] وَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم ثمَّ قَالَ وعَلى أَبْصَارهم غشاوة [سُورَة الْبَقَرَة ٦ ٧] وَقَالَ تَعَالَى وَقَالُوا قُلُوبنَا فِي أكنة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ وَفِي آذاننا وقر وَمن بَيْننَا وَبَيْنك حجاب فاعمل إننا عاملون [سُورَة فصلت ٥]

стр. 228

وَقَالَ تَعَالَى وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك حَتَّى إِذا خَرجُوا من عنْدك قَالُوا للَّذين أُوتُوا الْعلم مَاذَا قَالَ آنِفا أُولَئِكَ الَّذين طبع الله على قُلُوبهم وَاتبعُوا أهواءهم [سُورَة مُحَمَّد ١٦] وَقَالَ وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون إِلَيْك أفأنت تسمع الصم وَلَو كَانُوا لَا يعْقلُونَ [سُورَة يُونُس ٤٢] وَقَالَ وَمِنْهُم من ينظر إِلَيْك أفأنت تهدى الْعَمى وَلَو كَانُوا لَا يبصرون [سُورَة يُونُس ٤٣] وَقَالَ تَعَالَى وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه وَفِي آذانهم وقرا [سُورَة الْأَنْعَام ٢٥] الْوَجْه الرَّابِع أَنهم لَا يستحسنون اسْتِمَاع كل قَول منظوم ومنثور بل هم من أعظم النَّاس كَرَاهَة ونفرة لما لَا يحبونه من الْأَقْوَال منظومها ومنثورها ونفورهم عَن كثير من الْأَقْوَال أعظم من نفور المنازع لَهُم فِي سَماع المكاء والتصدية عَن هَذَا السماع وَإِذا لم يكن الْعُمُوم مرَادا بالِاتِّفَاقِ كَانَ حمل الْآيَة عَلَيْهِ بَاطِلا الْوَجْه الْخَامِس أَنه قَالَ فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه سُورَة الزمر ١٧ ١٨] فمدحهم بأستماع القَوْل وَاتِّبَاع أحْسنه وَمَعْلُوم أَن كثيرا من القَوْل لَيْسَ فِيهِ حسن فضلا عَن ان يكون فِيهِ أحسن بل فِيهِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَمثل كلمة خبيثة

стр. 229

كشجرة خبيثة اجتثت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار [سُورَة إِبْرَاهِيم ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أوكذب بِالْحَقِّ لما جَاءُوهُ [سُورَة العنكبوت ٦٨] وَقَالَ وَكَذَلِكَ نجزي المفترين [سُورَة الاعراف ١٥٢] وَقَالَ وَلَا يغتب بَعْضكُم بعبضا [سُورَة الحجرات ١٢] وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ [سُورَة الحجرات ١١] وَقَالَ إِذا تناجيتم فَلَا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرَّسُول [سُورَة المجادلة ٩] وَقَالَ تَعَالَى وَيَقُولُونَ طَاعَة فَإِذا برزوا من عنْدك بَيت طَائِفَة مِنْهُم غير الَّذِي تَقول وَالله يكْتب مَا يبيتُونَ فَأَعْرض عَنْهُم وتوكل على الله وَكفى بِاللَّه وَكيلا [سُورَة النِّسَاء ٨١] وَهُوَ قد اسْتدلَّ بقوله فيتبعون أحْسنه [سُورَة الزمر ١٨] على الْعُمُوم وَهُوَ حجَّة على صدق ذَلِك كَمَا تقدم وَقَوله فيتبعون أحْسنه كَقَوْلِه فِي هَذِه السُّورَة وَاتبعُوا أحسن مَا انْزِلْ إِلَيْكُم من ربكُم [سُورَة الزمر ٥٥] فَهَذِهِ الْكَلِمَة مثل هَذِه الْكَلِمَة سَوَاء بِسَوَاء وَهَذَا من مَعَاني تشابه الْقُرْآن كَمَا قَالَ تَعَالَى الله نزل أحسن

стр. 230

الحَدِيث كتابا متشابها مثانى [سُورَة الزمر ٢٣] فأتباع أحسن مَا أنزل إِلَيْنَا من رَبنَا هُوَ اتِّبَاع أحسن القَوْل وَبِهَذَا أَمر بني إِسْرَائِيل حَيْثُ قَالَ وكتبنا لَهُ فِي الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فَخذهَا بِقُوَّة وَأمر قَوْمك يَأْخُذُوا بأحسنها [سُورَة الْأَعْرَاف ١٤٥] ثمَّ قَالَ ابو الْقَاسِم وَقَالَ تَعَالَى فهم فِي رَوْضَة يحبرون [سُورَة الرّوم ١٥] جَاءَ فِي التَّفْسِير أَنه السماع قلت فَهَذَا قد ورد عَن طَائِفَة من السّلف أَنه السماع الْحسن فِي الْجنَّة وان الْحور الْعين يغنين بِأَصْوَات لم يسمع الْخَلَائق بِأَحْسَن مِنْهَا لَكِن تنعيم الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ بالأصوات الْحَسَنَة فِي الْجنَّة واستماعها لَا يَقْتَضِي أَنه يشرع أَو يُبِيح سَماع كل صَوت فِي الدُّنْيَا فقد وعد فِي الْآخِرَة بأَشْيَاء حرمهَا فِي الدُّنْيَا كَالْخمرِ وَالْحَرِير واواني الذَّهَب وَالْفِضَّة بل قَالَ ص من شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة وَقَالَ من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي

стр. 231

الْآخِرَة وَقَالَ لَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا تَأْكُلُوا فِي صحافها فَإِنَّهَا لَهُم فِي الدُّنْيَا وَلكم فِي الْآخِرَة وَهَذِه الْأَحَادِيث من الصِّحَاح الْمَشَاهِير الْمجمع على صِحَّتهَا فقد أخبر أَنه من اسْتعْمل هَذِه الامور فِي الدُّنْيَا من المطعوم والملبوس وَغَيرهَا لم يستعلمه فِي الْآخِرَة فَلَو قيل لَهُ هَذَا السماع الْحسن الْمَوْعُود بِهِ فِي الْجنَّة هُوَ لمن نزه مسامعه فِي الدُّنْيَا عَن سَماع الملاهي لَكَانَ هَذَا أشبه بِالْحَقِّ وَالسّنة وَقد ورد بِهِ الْأَثر يَقُول الله يَوْم الْقِيَامَة أَيْن الَّذين كَانُوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عَن اللَّهْو وَمَزَامِير الشَّيَاطِين أدخلوهم وأسمعوهم تحميدي وتمجيدي وَالثنَاء على وأخبروهم أَنهم لَا خوف عَلَيْهِم ولاهم يَحْزَنُونَ

стр. 232

ثمَّ قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَاعْلَم أَن سَماع الْأَشْعَار بالألحان الطّيبَة والنغم المستلذة إِذا لم يعْتَقد المستمع مَحْظُورًا وَلم يسمع على مَذْمُوم فِي الشَّرْع وَلم ينجر فِي زمَان هَوَاهُ وَلم ينخرط فِي سلك لهوه مُبَاحا فِي الْجُمْلَة وَلَا خلاف أَن الْأَشْعَار أنشدت بَين يَدي النَّبِي ﷺ وَأَنه سَمعهَا وَلم يُنكر عَلَيْهِم فِي إنشادها فَإِذا جَازَ سماعهَا بِغَيْر الألحان الطّيبَة فَلَا يتَغَيَّر الحكم بِأَن يسمع بالألحان هَذَا ظَاهر من الْأَمر ثمَّ مَا يُوجب للمستمع توفر الرَّغْبَة على الطَّاعَات وتذكر مَا أعد الله لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ من الدَّرَجَات ويحمله على التَّحَرُّز من الزلات وَيُؤَدِّي إِلَى قلبه فِي الْحَال صفاء الواردات مُسْتَحبّ فِي الدّين ومختار فِي الشَّرْع قَالَ وَقد جرى على لفظ الرَّسُول ﷺ مَا هُوَ قريب من الشّعْر وَإِن لم يقْصد أَن يكون شعرًا وَذكر الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ عَن أنس بن مَالك قَالَ كَانَت الْأَنْصَار يحفرون الخَنْدَق

стр. 233

فَجعلُوا يَقُولُونَ ... نَحن الَّذين بَايعُوا مُحَمَّدًا على الْجِهَاد مَا بَقينَا أبدا ... فأجابهم رَسُول الله ﷺ ... اللَّهُمَّ لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة فَأكْرم الْأَنْصَار والمهاجرة ... وَقَالَ لَيْسَ هَذَا اللَّفْظ مِنْهُ ص على وزن الشّعْر قلت تضمن هَذَا الْكَلَام شَيْئَيْنِ أَحدهمَا إِبَاحَة سَماع الألحان والنغمات المستلذة بِشَرْط أَلا يعْتَقد المستمع مَحْظُورًا وَألا يسمع مذموما فِي الشَّرْع وَألا يتبع مِنْهُ هَوَاهُ وَالثَّانِي أَنما أوجد للمستمع الرَّغْبَة فِي الطَّاعَات والاحتراز من

стр. 234

الذُّنُوب وتذكر وعد الْحق ووصول الْأَحْوَال الْحَسَنَة إِلَى قلبه فَهُوَ مُسْتَحبّ وعَلى هَاتين المقدمتين بني من قَالَ بأستحباب ذَلِك مثل أبي عبد الرَّحْمَن السلمى وَأبي حَامِد وَغَيرهمَا وَفِي هَؤُلَاءِ من قد يُوجِبهُ أَحْيَانًا إِذا رَأَوْا أَنه لَا يُؤَدِّي الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَكَذَلِكَ يفضلونه على سَماع الْقُرْآن إِذا رَأَوْا أَن مَا يحصل بِسَمَاع الألحان أَكثر مِمَّا يحصل بِسَمَاع الْقُرْآن وهم فِي ذَلِك يضاهون لمن يُوجب من الْكَلَام الْمُحدث مَا يُوجِبهُ وَلمن يفضل مَا فِيهِ من الْعلم على مَا يُسْتَفَاد من الْقُرْآن والْحَدِيث لَكِن فِي أُولَئِكَ من يرى الْإِيمَان لَا يتم إِلَّا بِمَا ابتدعوه من الْكَلَام وَفِيهِمْ من يفكى بمخالفته اَوْ يفسق وَأهل السماع أَيْضا فيهم من يرى الْإِيمَان لَا يتم إِلَّا بِهِ وَفِيهِمْ من يَقُول فِي منكره الْأَقْوَال الْعَظِيمَة وَقد يكون يسْعَى فِي قتل منكره لَكِن جنسهم كَانَ خيرا من جنس المتكلمة مِمَّا فعلوا غير ذَلِك

стр. 235

من الذُّنُوب كَمَا يستحبون علم الْكَلَام ويوجبونه ويذمون تَاركه ويسبونه ويعاملونه من الْعَدَاوَة بِمَا يُعَامل بِهِ الْكَافِر وبإزاء اسْتِحْبَاب هَؤُلَاءِ أَو ايجابهم أَن قوما من أهل الْعلم يكفرونهم بأستحباب ذَلِك أَو إِيجَابه وَلِهَذَا تَجِد فِي المستحبين لَهُ وَفِي المنكرين لَهُ من الغلو مَا اوجب الِافْتِرَاق والعداوة والبغضاء وأصل ذَلِك ترك الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا لما شَرعه الله من السماع الشَّرْعِيّ الَّذِي يُحِبهُ الله وَرَسُوله وعباده الْمُؤْمِنُونَ وَهَاتَانِ المقدمتان كِلَاهُمَا غلط مُشْتَمل على دَلِيل مُجمل من جنس استدلالهم بِمَا ظنوه من الْعُمُوم فِي قَوْله الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه [سُورَة الزمر ١٨] وَبِمَا وعد الله بِهِ فِي الْآخِرَة من السماع الْحسن وَلِهَذَا نَشأ من هَاتين المقدمتين اللَّتَيْنِ لبس فيهمَا الْحق بِالْبَاطِلِ قَول لم يذهب إِلَيْهِ أحد من سلف الْأمة وَلَا أئمتها فَإِنَّهُ وَإِن نقل عَن بعض أهل الْمَدِينَة وَغَيرهم أَنه سمع الْغناء فَلم يقل أحد مِنْهُم أَنه مُسْتَحبّ فِي الدّين ومختار فِي الشَّرْع اصلا بل كَانَ فَاعل ذَلِك مِنْهُم يرى مَعَ ذَلِك كَرَاهَته وَأَن تَركه أفضل أَو يرى أَنه من الذُّنُوب وغايته أَن يطْلب سَلَامَته من الْإِثْم اَوْ يرَاهُ مُبَاحا كألتوسع فِي لذات المطاعم والمشارب والملابس والمساكن فَأَما رَجَاء الثَّوَاب بِفِعْلِهِ والتقرب إِلَى الله فَهَذَا لَا

стр. 236

يحفظ عَن أحد من سلف الْأمة وأئمتها بل الْمَحْفُوظ عَنْهُم أَنهم رَأَوْا هَذَا من ابتداع الزَّنَادِقَة كَمَا قَالَ الْحسن بن عبد الْعَزِيز الجروي سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول خلفت بِبَغْدَاد شَيْئا أحدثته الزَّنَادِقَة يسمونه التغبير يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن والتغبير هُوَ الضَّرْب بالقضيب غبر أَي أثار غبارا وَهُوَ آلَة من الْآلَات الَّتِي تقرن بتلحين الْغناء وَالشَّافِعِيّ بِكَمَال علمه وإيمانه علم ان هَذَا مِمَّا يصد الْقُلُوب عَن الْقُرْآن ويعوضها بِهِ عَنهُ كَمَا قد وَقع أَن هَذَا إِنَّمَا يَقْصِدهُ زندبق مُنَافِق من منافقة الْمُشْركين أَو الصابئين وَأهل الْكتاب فَإِنَّهُم هم الَّذين أمروا بِهَذَا فِي الأَصْل كَمَا قَالَ ابْن الرواندي اخْتلف الْفُقَهَاء فِي

стр. 237

السماع فَقَالَ بَعضهم هُوَ مُبَاح وَقَالَ بَعضهم هُوَ محرم وَعِنْدِي أَنه وَاجِب وَهَذَا مِمَّا اعتضد بِهِ أَبُو عبد الرَّحْمَن فِي مَسْأَلَة السماع وَهَذَا مُتَّهم بالزندقة وَكَذَلِكَ ابْن سينا فِي إشاراته أَمر بِسَمَاع الألحان وبعشق الصُّور وَجعل ذَلِك مِمَّا يُزكي النُّفُوس ويهذبها ويصفيها وَهُوَ من

стр. 238

الصابئة الَّذين خلطوا بهَا من الحنيفة مَا خلطوا وَقَبله الفارابي كَانَ إِمَامًا فِي صناعَة التصويت موسيقيا عَظِيما فَهَذَا كُله يُحَقّق قَول الشَّافِعِي ﵁ وَنحن نتكلم على المقدمتين إِن شَاءَ الله بِكَلَام يُنَاسب مَا كتبته هُنَا فَأَما احتجاجه بِأَن النَّبِي ﷺ سمع مَا أنْشد بَين يَدَيْهِ من الْأَشْعَار وَلم يُنكره وَأَنه قَالَ مَا يشبه الشّعْر فَيُقَال بل الشّعْر أعظم مِمَّا وَصفته فقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن من الشّعْر حِكْمَة

стр. 239

وَقَالَ جاهدوا الْمُشْركين بِأَيْدِيكُمْ وألسنتكم وَأَمْوَالكُمْ وَكَانَ ينصب لحسان منبرا لينشد الشّعْر الَّذِي يهجو فِيهِ الْمُشْركين وَقَالَ اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس وَقَالَ ص لَهُ إِن روح الْقُدس مَعَك مَا دمت تنافح عَن نبيه وَقَالَ عَن عبد الله بن رَوَاحَة إِن أَخا لكم لَا يَقُول الرَّفَث

стр. 240

وَقد استنشد الشريد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ مائَة قافية من شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت وَهُوَ يَقُول هيه هيه وَسمع قصيدة كَعْب بن زُهَيْر وَهَذَا بَاب وَاسع وَقد قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه بعد ان قَالَ وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ [سُورَة الشُّعَرَاء ٢٢٤] ألم تَرَ أَنهم فِي كل وَاد يهيمون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد مَا ظلمُوا وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون [سُورَة الشُّعَرَاء ٢٢٥ ٢٢٧] فَلم يذم الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا من الشُّعَرَاء المنتصرين من بعد مَا ظلمُوا وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ لِأَن يمتلئ جَوف أحدكُم قَيْحا

стр. 241

حَتَّى يرِيه خير من أَن يمتلئ شعرًا فذم الممتلئ بالشعر الَّذِي لم يسْتَعْمل بِمَا يُوجب الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وَذكر الله كثيرا وَلم يذم الشّعْر مُطلقًا بل قد يبين معنى الحَدِيث مَا قَالَه الشَّافِعِي الشّعْر كَلَام فحسنه كحسن الْكَلَام وقبيحه كقبيحه هَذَا قَوْله فِي الشّعْر مَعَ قَوْله فِي التغبير ليبين أَن إِبَاحَة أَحدهمَا غير مستلزمة الآخر وَأما قَوْله فَإِذا جَازَ سماعهَا بِغَيْر الألحان الطّيبَة فَلَا يتَغَيَّر الحكم بِأَن تسمع بالألحان الطّيبَة هَذَا ظَاهر من الْأَمر فَإِن هَذِه حجَّة فَاسِدَة جدا وَالظَّاهِر إِنَّمَا هُوَ عكس ذَلِك فَإِن نفس سَماع الالحان مُجَردا عَن كَلَام يحْتَاج إِلَى ان تكون مُبَاحَة مَعَ انفرادها وَهَذَا من أكبر مواقع النزاع فَإِن أَكثر الْمُسلمين على خلاف ذَلِك وَلَو كَانَ كل من الشّعْر أَو التلحين مُبَاحا على الِانْفِرَاد لم يلْزم الْإِبَاحَة عِنْد الِاجْتِمَاع إِلَّا بِدَلِيل خَاص فَإِن التَّرْكِيب لَهُ خَاصَّة يتَعَيَّن الحكم بهَا

стр. 242

وَهَذِه الْحجَّة بِمَنْزِلَة حجَّة من قَالَ إِن خبر الْوَاحِد إِذا لم يفد الْعلم عِنْد انْفِرَاده لم يفد الْعلم مَعَ نَظَائِره وَمَعَ الْقَرَائِن فَجحد الْعلم الْحَاصِل بالتواتر وبمنزلة مَا يذكر عَن إِيَاس بن مُعَاوِيَة أَن رجلا قَالَ لَهُ مَا تَقول فِي المَاء قَالَ حَلَال قَالَ وَالتَّمْر قَالَ حَلَال قَالَ فالنبيذ قَالَ مَاء وتمر فَقَالَ لَهُ إِيَاس بن مُعَاوِيَة أَرَأَيْت لَو ضربتك بكف من تُرَاب أَكنت أَقْتلك قَالَ لَا قَالَ فَإِن ضربتك بكف من تبن أَكنت أَقْتلك قَالَ لَا قَالَ فَإِن ضربتك بِمَاء أَكنت أَقْتلك قَالَ لَا قَالَ فَإِن أخذت المَاء والتبن وَالتُّرَاب فَجَعَلتهمَا طينا وَتركته حَتَّى جف وضربتك بِهِ أَقْتلك قَالَ نعم فَقَالَ كَذَلِك النَّبِيذ يَقُول إِن الْقَاتِل هُوَ الْقُوَّة الْحَاصِلَة بالتركيب والمفسد لِلْعَقْلِ هُوَ الْقُوَّة المسكرة الْحَاصِلَة بالتركيب وَكَذَلِكَ هُنَا الَّذِي يسكر النُّفُوس ويلهيها ويصدها عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة قد يكون فِي التَّرْكِيب وَلَيْسَت الْأَصْوَات المجتمعة فِي استفزارها للنفوس وإزعاجها إِمَّا بنياحة وتحزين وَإِمَّا بإطراب وإسكار وَإِمَّا بإغضاب وحمية بِمَنْزِلَة الصَّوْت الْوَاحِد وَهَذَا الْقُرْآن الَّذِي هُوَ كَلَام الله وَقد ندب النَّبِي ﷺ إِلَى تَحْسِين الصَّوْت بِهِ وَقَالَ زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ

стр. 243

وَقَالَ لأبي مُوسَى لقد مَرَرْت بك البارحة وَأَنت تقْرَأ فَجعلت أستمع لقراءتك فَقَالَ لَو علمت أَنَّك تستمع لحبرته لَك تحبيرا وَكَانَ عمر يَقُول يَا أَبَا مُوسَى ذكرنَا رَبنَا فَيقْرَأ أَبُو مُوسَى وهم يَسْتَمِعُون

стр. 244

وَقَالَ النَّبِي ﷺ مَا أذن الله لشئ كأذنه لنَبِيّ حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ويجهر بِهِ وَقَالَ لله أَشد أذنا إِلَى الرجل الْحسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ من صَاحب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته وَمَعَ هَذَا فَلَا يسوغ أَن يقْرَأ الْقُرْآن بألحان الْغناء وَلَا أَن يقرن بِهِ من الألحان مَا يقرن بِالْغنَاءِ من الْآلَات وَغَيرهَا لَا عِنْد من يَقُول بِإِبَاحَة ذَلِك وَلَا عِنْد من يحرمه بل الْمُسلمُونَ متفقون على الْإِنْكَار لِأَن يقرن بتحسين الصَّوْت بِالْقُرْآنِ الْآلَات المطربة بالفم كالمزامير وباليد كالغرابيل فَلَو قَالَ قَائِل النَّبِي ﷺ قد قَرَأَ الْقُرْآن وَقد استقرأه من ابْن مَسْعُود وَقد اسْتمع لقِرَاءَة أبي مُوسَى وَقَالَ لقد أُوتى مِزْمَارًا من مَزَامِير دَاوُد فَإِذا قَالَ قَائِل إِذا جَازَ ذَلِك بِغَيْر هَذِه الألحان فَلَا

стр. 245

بِتَغَيُّر الحكم بِأَن يسمع بالألحان كَانَ هَذَا مُنْكرا من القَوْل وزورا بأفاق النَّاس وَأما الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَهِي قَوْله بعد أَن أثبت الْإِبَاحَة إِن مَا أوجب للمستمع أَن يوفر الرَّغْبَة على الطَّاعَات وَيذكر مَا أعد الله لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ من الدَّرَجَات ويحمله على التَّحَرُّز من الزلات وَيُؤَدِّي إِلَى قلبه فِي الْحَال صفاء الواردات مُسْتَحبّ فِي الدّين ومختار فِي الشَّرْع فَنَقُول تَحْقِيق هَذِه الْمُقدمَة أَن الله سُبْحَانَهُ يحب الرَّغْبَة فِيمَا أَمر بِهِ والحذر مِمَّا نهى عَنهُ وَيُحب الْإِيمَان بوعده ووعيده وتذكر ذَلِك وَمَا يُوجِبهُ من خَشيته ورجائه ومحبته والإنابة إِلَيْهِ وَيُحب الَّذين يحبونه فَهُوَ يحب الْإِيمَان أُصُوله وفروعه وَالْمُؤمنِينَ وَالسَّمَاع يحصل المحبوب وَمَا حصل المحبوب فَهُوَ مَحْبُوب فالسماع مَحْبُوب وَهَذِه الْمُقدمَة مبناها على أصلين أَحدهمَا معرفَة مَا يُحِبهُ الله وَالثَّانِي أَن السماع يحصل مَحْبُوب الله خَالِصا أَو راجحا فَإِنَّهُ إِذا حصل محبوبه ومكروهه وَالْمَكْرُوه أغلب كَانَ مذموما وَإِن تكافأ فِيهِ المحبوب وَالْمَكْرُوه لم يكن وَلَا مَكْرُوها

стр. 246

أما الأَصْل الأول وَهُوَ معرفَة مَا يُحِبهُ الله فَهِيَ أسهل وَإِن كَانَ غلط فِي كثير مِنْهَا كثير من النَّاس وَأما الأَصْل الثَّانِي وَهُوَ ان السماع الْمُحدث يحصل هَذِه المحبوبات فالشأن فِيهَا فَفِيهَا زل من زل وضل من ضل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَنحن نتكلم على ذَلِك بِوُجُوه نبين بهَا إِن شَاءَ الله الْمَقْصُود الْوَجْه الأول أَن نقُول يجب أَن يعرف أَن الْمرجع فِي الْقرب والطاعات والديانات والمستحبات إِلَى الشَّرِيعَة لَيْسَ لأحد أَن يبتدع دينا لم يَأْذَن الله بِهِ وَيَقُول هَذَا يُحِبهُ الله بل بِهَذِهِ الطَّرِيق بدل دين الله وشرائعه وابتدع الشّرك وَمَا لم ينزل الله بِهِ سُلْطَانا وكل مَا فِي الْكتاب وَالسّنة وَكَلَام سلف الْأمة وأئمة الدّين ومشايخه من الحض على اتِّبَاع مَا أنزل إِلَيْنَا من رَبنَا وَاتِّبَاع صراطه الْمُسْتَقيم وَاتِّبَاع الْكتاب وَاتِّبَاع الشَّرِيعَة وَالنَّهْي عَن ضد ذَلِك فكله نهى عَن هَذَا وَهُوَ ابتداع دين لم يَأْذَن الله بِهِ سَوَاء كَانَ الدّين فِيهِ عبَادَة غير الله وَعبادَة الله بِمَا لم يَأْمر بِهِ بل دين الْحق أَن نعْبد الله وَحده لَا شريك لَهُ بِمَا أمرنَا بِهِ على أَلْسِنَة رسله كَمَا قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا [سُورَة الْملك ٢] قَالَ أخلصه وأصوبه قيل يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه فَقَالَ إِن الْعَمَل

стр. 247

إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على أَلْسِنَة وَكَلَام الْمَشَايِخ الَّذين ذكرهم أَبُو الْقَاسِم فِي هَذَا الأَصْل كثير مثل مَا ذكره عَن الشَّيْخ أبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي أَنه قَالَ رُبمَا يَقع النُّكْتَة فِي قلبِي من نكت الْقَوْم أَيَّامًا فَلَا أقبل مِنْهُ إِلَّا بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ الْكتاب وَالسّنة وَعَن صَاحبه أَحْمد بن أبي الْحوَاري أَنه قَالَ من عمل بِلَا أَتبَاع سنة فَبَاطِل عمله وَعَن سهل بن عبد الله التسترِي أَنه قَالَ كل فعل يَفْعَله العَبْد بِغَيْر اقْتِدَاء طَاعَة كَانَ أَو مَعْصِيّة فَهُوَ عَيْش النَّفس وكل فعل يقفعله بالاقتداء فَهُوَ عَذَاب على النَّفس وَعَن أبي حَفْص النَّيْسَابُورِي أَنه قَالَ من لم يزن أَفعاله وأحواله كل وَقت بِالْكتاب وَالسّنة وَلم يتهم خواطره فَلَا تعده فِي ديوَان الرِّجَال وَعَن الْجُنَيْد بن مُحَمَّد أَنه قَالَ الطّرق كلهَا مسدودة على الْخلق إِلَّا من اقتفى أثر الرَّسُول ﷺ وَعَن الْجُنَيْد أَيْضا أَنه قَالَ من لم يحفظ الْقُرْآن وَلم يكْتب الحَدِيث لَا يقْتَدى بِهِ فِي هَذَا الْأَمر لِأَن علمنَا هَذَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة وَعَن أبي

стр. 248

عُثْمَان النَّيْسَابُورِي أَنه قَالَ من أَمر السّنة على نَفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة وَمن أَمر الْهوى على نَفسه نطق بالبدعة قَالَ الله تَعَالَى وَإِن تطيعوا تهتدوا [سُورَة النُّور ٥٤] وَعَن أبي حَمْزَة الْبَغْدَادِيّ قَالَ من علم طَرِيق الْحق تَعَالَى سهل عَلَيْهِ سلوكه وَلَا دَلِيل على الطَّرِيق إِلَى الله إِلَّا مُتَابعَة الرَّسُول فِي أَحْوَاله وأقواله وأفعاله وَعَن ابي عَمْرو بن نجيد قَالَ كل حَال لَا يكون نتيجة علم فَإِن ضَرَره أَكثر على صَاحبه من نَفعه وَسُئِلَ عَن التصوف فَقَالَ الصَّبْر تَحت الْأَمر والنهى وَعَن أبي يَعْقُوب النهرجورى قَالَ أفضل الْأَحْوَال مَا قَارن الْعلم وَمثل هَذَا كثير فِي كَلَام أَئِمَّة الْمَشَايِخ وهم إِنَّمَا وصوا بذلك لما يعلمونه من حَال كثير من السالكين أَنه يجْرِي مَعَ ذوقه ووجده وَمَا يرَاهُ ويهواه غير مُتبع لسبيل الله الَّتِي بعث بهَا وَهَذَا نوع الْهوى بِغَيْر هدى من الله وَالسَّمَاع الْمُحدث يُحَرك الْهوى وَلِهَذَا كَانَ بعض الْمَشَايِخ المصنفين فِي ذمه سمى كِتَابه الدَّلِيل الْوَاضِح فِي النهى عَن ارْتِكَاب الْهوى الفاضح وَلِهَذَا كثيرا مَا يُوجد فِي كَلَام الْمَشَايِخ الْأَمر بمتابعة الْعلم يعنون بذلك

стр. 249

الشَّرِيعَة كَقَوْل أبي يزِيد البسطامي ﵀ عملت فِي المجاهدة ثَلَاثِينَ سنة فَمَا وجدت شَيْئا أَشد عَليّ من الْعلم ومتابعته وَلَوْلَا اخْتِلَاف الْعلمَاء لتفتت وَاخْتِلَاف الْعلمَاء رَحْمَة إِلَّا فِي تَجْرِيد التَّوْحِيد وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن النوري من رَأَيْته يدعى مَعَ الله حَالَة تخرجه عَن حد الْعلم الشَّرْعِيّ فَلَا تقربن مِنْهُ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان النَّيْسَابُورِي الصُّحْبَة مَعَ الله بِحسن الْأَدَب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مَعَ الرَّسُول ﷺ بأتباع سنته وَلُزُوم ظَاهر الْعلم والصحبة مَعَ أَوْلِيَاء الله بالاحترام والخدمة والصحبة مَعَ الْأَهْل بِحسن الْخلق والصحبة مَعَ الإخوان بدوام الْبشر مَا لم يكن إِثْمًا والصحبة مَعَ الْجَهَالَة بِالدُّعَاءِ لَهُم وَالرَّحْمَة عَلَيْهِم وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما كَانَ أصل الطَّرِيق هُوَ الْإِرَادَة وَالْقَصْد وَالْعَمَل فِي ذَلِك فِيهِ من الْحبّ والوجد مَا لَا يَنْضَبِط فكثير مَا يعْمل السالك بِمُقْتَضى مَا يجده فِي قلبه من الْمحبَّة وَمَا يُدْرِكهُ ويذوقه من طعم الْعِبَادَة وَهَذَا إِذا لم يكن مُوَافقا لأمر الله وَرَسُوله وَإِلَّا كَانَ صَاحبه فِي ضلال من جنس ضلال الْمُشْركين وَأهل الْكتاب الَّذين اتبعُوا أهوائهم بِغَيْر هدى من الله

стр. 250

قَالَ الله تَعَالَى أَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ أفأنت تكون عَلَيْهِ وَكيلا [سُورَة الْفرْقَان ٤٣] وَقَالَ تَعَالَى فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَأعْلم أَنما يتبعُون أهواءهم وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين [سُورَة الْقَصَص ٥٠] وَقَالَ تَعَالَى وَإِن كثيرا ليضلون بأهوائهم بِغَيْر علم إِن رَبك هُوَ أعلم بالمعتدين [سُورَة الْأَنْعَام ١١٩] وَقَالَ تَعَالَى وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم قل إِن هدى الله الله هُوَ الْهدى وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم مَا لَك من الله من ولى وَلَا نصير [سُورَة الْبَقَرَة ١٢٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ [سُورَة الْمَائِدَة ٧٧] وَكَثِيرًا مَا يبتلى من أهل السماع بشعبة من حَال النَّصَارَى من الغلو فِي الدّين وَاتِّبَاع أهواء قوم قد ضلوا من قبل وَإِن كَانَ فيهم من فِيهِ فضل وَصَلَاح فهم فِيمَا ابتدعوه من ذَلِك ضالون عَن سَبِيل الله يحسبون أَن هَذِه الْبِدْعَة تهديهم إِلَى محبَّة الله وَإِنَّهَا لتصدهم عَن سَبِيل الله فَإِنَّهُم عشوا عَن ذكر الله الَّذِي هُوَ كِتَابه عَن استماعه وتدبره واتباعه
следующие страницы →