← Акыда

Акыда · id 6820

الاستقامة

ابن تيمية

Полный текст (813 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أما الأَصْل الأول وَهُوَ معرفَة مَا يُحِبهُ الله فَهِيَ أسهل وَإِن كَانَ غلط فِي كثير مِنْهَا كثير من النَّاس وَأما الأَصْل الثَّانِي وَهُوَ ان السماع الْمُحدث يحصل هَذِه المحبوبات فالشأن فِيهَا فَفِيهَا زل من زل وضل من ضل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَنحن نتكلم على ذَلِك بِوُجُوه نبين بهَا إِن شَاءَ الله الْمَقْصُود الْوَجْه الأول أَن نقُول يجب أَن يعرف أَن الْمرجع فِي الْقرب والطاعات والديانات والمستحبات إِلَى الشَّرِيعَة لَيْسَ لأحد أَن يبتدع دينا لم يَأْذَن الله بِهِ وَيَقُول هَذَا يُحِبهُ الله بل بِهَذِهِ الطَّرِيق بدل دين الله وشرائعه وابتدع الشّرك وَمَا لم ينزل الله بِهِ سُلْطَانا وكل مَا فِي الْكتاب وَالسّنة وَكَلَام سلف الْأمة وأئمة الدّين ومشايخه من الحض على اتِّبَاع مَا أنزل إِلَيْنَا من رَبنَا وَاتِّبَاع صراطه الْمُسْتَقيم وَاتِّبَاع الْكتاب وَاتِّبَاع الشَّرِيعَة وَالنَّهْي عَن ضد ذَلِك فكله نهى عَن هَذَا وَهُوَ ابتداع دين لم يَأْذَن الله بِهِ سَوَاء كَانَ الدّين فِيهِ عبَادَة غير الله وَعبادَة الله بِمَا لم يَأْمر بِهِ بل دين الْحق أَن نعْبد الله وَحده لَا شريك لَهُ بِمَا أمرنَا بِهِ على أَلْسِنَة رسله كَمَا قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا [سُورَة الْملك ٢] قَالَ أخلصه وأصوبه قيل يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه فَقَالَ إِن الْعَمَل

стр. 247

إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على أَلْسِنَة وَكَلَام الْمَشَايِخ الَّذين ذكرهم أَبُو الْقَاسِم فِي هَذَا الأَصْل كثير مثل مَا ذكره عَن الشَّيْخ أبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي أَنه قَالَ رُبمَا يَقع النُّكْتَة فِي قلبِي من نكت الْقَوْم أَيَّامًا فَلَا أقبل مِنْهُ إِلَّا بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ الْكتاب وَالسّنة وَعَن صَاحبه أَحْمد بن أبي الْحوَاري أَنه قَالَ من عمل بِلَا أَتبَاع سنة فَبَاطِل عمله وَعَن سهل بن عبد الله التسترِي أَنه قَالَ كل فعل يَفْعَله العَبْد بِغَيْر اقْتِدَاء طَاعَة كَانَ أَو مَعْصِيّة فَهُوَ عَيْش النَّفس وكل فعل يقفعله بالاقتداء فَهُوَ عَذَاب على النَّفس وَعَن أبي حَفْص النَّيْسَابُورِي أَنه قَالَ من لم يزن أَفعاله وأحواله كل وَقت بِالْكتاب وَالسّنة وَلم يتهم خواطره فَلَا تعده فِي ديوَان الرِّجَال وَعَن الْجُنَيْد بن مُحَمَّد أَنه قَالَ الطّرق كلهَا مسدودة على الْخلق إِلَّا من اقتفى أثر الرَّسُول ﷺ وَعَن الْجُنَيْد أَيْضا أَنه قَالَ من لم يحفظ الْقُرْآن وَلم يكْتب الحَدِيث لَا يقْتَدى بِهِ فِي هَذَا الْأَمر لِأَن علمنَا هَذَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة وَعَن أبي

стр. 248

عُثْمَان النَّيْسَابُورِي أَنه قَالَ من أَمر السّنة على نَفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة وَمن أَمر الْهوى على نَفسه نطق بالبدعة قَالَ الله تَعَالَى وَإِن تطيعوا تهتدوا [سُورَة النُّور ٥٤] وَعَن أبي حَمْزَة الْبَغْدَادِيّ قَالَ من علم طَرِيق الْحق تَعَالَى سهل عَلَيْهِ سلوكه وَلَا دَلِيل على الطَّرِيق إِلَى الله إِلَّا مُتَابعَة الرَّسُول فِي أَحْوَاله وأقواله وأفعاله وَعَن ابي عَمْرو بن نجيد قَالَ كل حَال لَا يكون نتيجة علم فَإِن ضَرَره أَكثر على صَاحبه من نَفعه وَسُئِلَ عَن التصوف فَقَالَ الصَّبْر تَحت الْأَمر والنهى وَعَن أبي يَعْقُوب النهرجورى قَالَ أفضل الْأَحْوَال مَا قَارن الْعلم وَمثل هَذَا كثير فِي كَلَام أَئِمَّة الْمَشَايِخ وهم إِنَّمَا وصوا بذلك لما يعلمونه من حَال كثير من السالكين أَنه يجْرِي مَعَ ذوقه ووجده وَمَا يرَاهُ ويهواه غير مُتبع لسبيل الله الَّتِي بعث بهَا وَهَذَا نوع الْهوى بِغَيْر هدى من الله وَالسَّمَاع الْمُحدث يُحَرك الْهوى وَلِهَذَا كَانَ بعض الْمَشَايِخ المصنفين فِي ذمه سمى كِتَابه الدَّلِيل الْوَاضِح فِي النهى عَن ارْتِكَاب الْهوى الفاضح وَلِهَذَا كثيرا مَا يُوجد فِي كَلَام الْمَشَايِخ الْأَمر بمتابعة الْعلم يعنون بذلك

стр. 249

الشَّرِيعَة كَقَوْل أبي يزِيد البسطامي ﵀ عملت فِي المجاهدة ثَلَاثِينَ سنة فَمَا وجدت شَيْئا أَشد عَليّ من الْعلم ومتابعته وَلَوْلَا اخْتِلَاف الْعلمَاء لتفتت وَاخْتِلَاف الْعلمَاء رَحْمَة إِلَّا فِي تَجْرِيد التَّوْحِيد وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن النوري من رَأَيْته يدعى مَعَ الله حَالَة تخرجه عَن حد الْعلم الشَّرْعِيّ فَلَا تقربن مِنْهُ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان النَّيْسَابُورِي الصُّحْبَة مَعَ الله بِحسن الْأَدَب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مَعَ الرَّسُول ﷺ بأتباع سنته وَلُزُوم ظَاهر الْعلم والصحبة مَعَ أَوْلِيَاء الله بالاحترام والخدمة والصحبة مَعَ الْأَهْل بِحسن الْخلق والصحبة مَعَ الإخوان بدوام الْبشر مَا لم يكن إِثْمًا والصحبة مَعَ الْجَهَالَة بِالدُّعَاءِ لَهُم وَالرَّحْمَة عَلَيْهِم وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما كَانَ أصل الطَّرِيق هُوَ الْإِرَادَة وَالْقَصْد وَالْعَمَل فِي ذَلِك فِيهِ من الْحبّ والوجد مَا لَا يَنْضَبِط فكثير مَا يعْمل السالك بِمُقْتَضى مَا يجده فِي قلبه من الْمحبَّة وَمَا يُدْرِكهُ ويذوقه من طعم الْعِبَادَة وَهَذَا إِذا لم يكن مُوَافقا لأمر الله وَرَسُوله وَإِلَّا كَانَ صَاحبه فِي ضلال من جنس ضلال الْمُشْركين وَأهل الْكتاب الَّذين اتبعُوا أهوائهم بِغَيْر هدى من الله

стр. 250

قَالَ الله تَعَالَى أَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ أفأنت تكون عَلَيْهِ وَكيلا [سُورَة الْفرْقَان ٤٣] وَقَالَ تَعَالَى فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَأعْلم أَنما يتبعُون أهواءهم وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين [سُورَة الْقَصَص ٥٠] وَقَالَ تَعَالَى وَإِن كثيرا ليضلون بأهوائهم بِغَيْر علم إِن رَبك هُوَ أعلم بالمعتدين [سُورَة الْأَنْعَام ١١٩] وَقَالَ تَعَالَى وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم قل إِن هدى الله الله هُوَ الْهدى وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم مَا لَك من الله من ولى وَلَا نصير [سُورَة الْبَقَرَة ١٢٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ [سُورَة الْمَائِدَة ٧٧] وَكَثِيرًا مَا يبتلى من أهل السماع بشعبة من حَال النَّصَارَى من الغلو فِي الدّين وَاتِّبَاع أهواء قوم قد ضلوا من قبل وَإِن كَانَ فيهم من فِيهِ فضل وَصَلَاح فهم فِيمَا ابتدعوه من ذَلِك ضالون عَن سَبِيل الله يحسبون أَن هَذِه الْبِدْعَة تهديهم إِلَى محبَّة الله وَإِنَّهَا لتصدهم عَن سَبِيل الله فَإِنَّهُم عشوا عَن ذكر الله الَّذِي هُوَ كِتَابه عَن استماعه وتدبره واتباعه

стр. 251

وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين وَإِنَّهُم ليصدونهم عَن السَّبِيل وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون حَتَّى إِذا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْت بيني وَبَيْنك بعد المشرقين فبئس القرين وَلنْ ينفعكم الْيَوْم إِذْ ظلمتم أَنكُمْ فِي الْعَذَاب مشتركون﴾ [سُورَة الزخرف ٣٦ ٣٩] وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ﴾ [سُورَة الجاثية ١٨ ١٩] فالشريعة الَّتِي جعله عَلَيْهَا تَتَضَمَّن مَا أَمر بِهِ وكل حب وذوق وَوجد لَا تشهد لَهُ هَذِه الشَّرِيعَة فَهُوَ من أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ فَإِن الْعلم بِمَا يُحِبهُ الله إِنَّمَا هُوَ مَا أنزلهُ الله إِلَى عباده من هداه وَلِهَذَا قَالَ فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ ﴿وَإِن كثيرا ليضلون بأهوائهم بِغَيْر علم﴾ [سُورَة الْأَنْعَام ١١٩] وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ [سُورَة الْقَصَص ٥٠] فَكل من اتبع ذوقا أَو وجدا بِغَيْر هدى من الله سَوَاء كَانَ ذَلِك عَن حب أَو بغض فَلَيْسَ لأحد أَن يتبع مَا يُحِبهُ فيأمر بِهِ ويتخذه دينا وَينْهى عَمَّا يبغضه ويذمه ويتخذ ذَلِك دينا إِلَّا بهدى من الله وَهُوَ شَرِيعَة الله الَّتِي جعل عَلَيْهَا رَسُوله وَمن اتبع مَا يهواه حبا وبغضا بِغَيْر الشَّرِيعَة فقد اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله

стр. 252

وَلِهَذَا كَانَ السّلف يعدون كل من خرج عَن الشَّرِيعَة فِي شئ من الدّين من أهل الْأَهْوَاء ويجعلون أهل الْبدع هم أهل الْأَهْوَاء ويذمونهم بذلك ويأمرون بألا يغتر بهم وَلَو أظهرُوا مَا أظهروه من الْعلم وَالْكَلَام وَالْحجاج أَو الْعِبَادَة وَالْأَحْوَال مثل المكاشفات وخرق الْعَادَات كَقَوْل يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قلت للشَّافِعِيّ تَدْرِي يَا أَبَا عبد الله مَا كَانَ يَقُول فِيهِ صاحبنا أُرِيد اللَّيْث بن سعد وَغَيره كَانَ يَقُول لَو رَأَيْته يمشي على المَاء لَا تثق بِهِ وَلَا تعبأ بِهِ وَلَا تكَلمه قَالَ الشَّافِعِي فَإِنَّهُ وَالله مَا قصر وَعَن عَاصِم قَالَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة تعلمُوا الْإِسْلَام فَإِذا تعلمتموه فَلَا ترغبوا عَنهُ وَعَلَيْكُم بالصراط الْمُسْتَقيم فَإِنَّهُ الْإِسْلَام وَلَا تحرفوا الْإِسْلَام يَمِينا وَشمَالًا وَعَلَيْكُم بِسنة نَبِيكُم وَالَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابه وَإِيَّاكُم وَهَذِه الْأَهْوَاء الَّتِي تلقى بَين النَّاس الْعَدَاوَة والبغضاء فَحدثت الْحسن قَالَ صدق ونصح قَالَ فَحدثت حَفْصَة بنت سِيرِين فَقَالَت أَبَا عَليّ أَنْت حدثت مُحَمَّدًا بِهَذَا قلت لَا قَالَت فحدثه إِذا وَقَالَ أبي بن كَعْب عَلَيْكُم بالسبيل وَالسّنة فَإِنَّهُ مَا على الأَرْض عبد على السَّبِيل وَالسّنة ذكر الله فَفَاضَتْ بِهِ عَيناهُ من خشيَة الله فيعذبه

стр. 253

وَمَا على الأَرْض عبد على السَّبِيل وَالسّنة ذكر الله فِي نَفسه فأقشعر جلده من خشيَة الله إِلَّا كَانَ مثله كَمثل شَجَرَة قد يبس وَرقهَا فهى كَذَلِك إِذْ أصابتها ريح شَدِيدَة فتحات عَنْهَا وَرقهَا ولتحط عَنهُ خطاياه كَمَا تحات عَن تِلْكَ الشَّجَرَة وَرقهَا وَإِن اقتصادا فِي سَبِيل وَسنة خير من اجْتِهَاد فِي خلاف سَبِيل وَسنة فانظروا أَن يكون عَمَلكُمْ إِن كَانَ اجْتِهَادًا أَو اقتصادا أَن يكون على منهاج الْأَنْبِيَاء وسنتهم وَكَذَلِكَ قَالَ عبد الله بن مَسْعُود الاقتصاد فِي السّنة خير من الِاجْتِهَاد فِي الْبِدْعَة وَقيل لأبي بكر بن عَيَّاش يَا أَبَا بكر من السنى قَالَ الَّذِي إِذا ذكرت الْأَهْوَاء لم يغْضب لشئ مِنْهَا وَهَذَا أصل عَظِيم من أصُول سَبِيل الله وَطَرِيقه يجب الاعتناء بِهِ وَذَلِكَ أَن كثيرا من الْأَفْعَال قد يكون مُبَاحا فِي الشَّرِيعَة أَو مَكْرُوها أَو متنازعا فِي إِبَاحَته وكراهته وَرُبمَا كَانَ محرما أَو متنازعا فِي تَحْرِيمه فتستحبه طَائِفَة من النَّاس يَفْعَلُونَهُ على أَنه حسن مُسْتَحبّ وَدين وَطَرِيق يَتَقَرَّبُون بِهِ حَتَّى يعدون من يفعل ذَلِك أفضل مِمَّن لَا يَفْعَله وَرُبمَا جعلُوا ذَلِك

стр. 254

من لَوَازِم طريقتهم إِلَى الله أَو جَعَلُوهُ شعار الصَّالِحين وأولياء الله وَيكون ذَلِك خطأ وضلالا وابتداع دين لم يَأْذَن بِهِ الله مِثَال ذَلِك حلق الرَّأْس فِي غير الْحَج وَالْعمْرَة لغير عذر فَإِن الله قد ذكر فِي كِتَابه حلق الرَّأْس وتقصيره فِي النّسك وَذكر حلقه لعذر فِي قَوْله ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ١٩٦] وَأما حلقه لغير ذَلِك فقد تنَازع الْعلمَاء فِي إِبَاحَته وكراهته نزاعا مَعْرُوفا على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَلَا نزاع بَين عُلَمَاء الْمُسلمين وأئمة الدّين أَن ذَلِك لَا يشرع وَلَا يسْتَحبّ وَلَا هُوَ من سَبِيل الله وَطَرِيقه وَلَا من الزّهْد الْمَشْرُوع للْمُسلمين وَلَا مِمَّا أثنى الله بِهِ على أحد من الْفُقَرَاء وَمَعَ هَذَا فقد اتَّخذهُ طوائف من النساك الْفُقَرَاء والصوفية دينا حَتَّى جَعَلُوهُ شعارا وعلامة على أهل الدّين والنسك وَالْخَيْر وَالتَّوْبَة والسلوك إِلَى الله المشير إِلَى الْفقر والصوفية حَتَّى أَن من لم يفعل ذَلِك يكون منقوصا عِنْدهم خَارِجا عَن الطَّرِيقَة المفضلة المحمودة عِنْدهم وَمن فعل ذَلِك دخل فِي هديهم وطريقهم وَهَذَا ضلال عَن طَرِيق الله وسبيله بآتفاق الْمُسلمين واتخاذ ذَلِك دينا وشعارا لاهل الدّين من أَسبَاب تَبْدِيل الدّين بل جعله عَلامَة على المروق من الدّين أقرب فَإِن الَّذِي يكرههُ وَإِن فعله صَاحبه عَادَة لَا عبَادَة

стр. 255

يحْتَج بِأَنَّهُ من سيماء الْخَوَارِج المارقين الَّذين جَاءَت الْأَحَادِيث الصِّحَاح عَن النَّبِي ﷺ بذمهم من غير وَجه وروى عَنهُ ص سِيمَاهُمْ التحليق فَإِذا كَانَ هَذَا سيماء أُولَئِكَ المارقين وَفِي الْمسند وَالسّنَن عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم كَانَ هَذَا على بعده من شعار أهل الدّين أولى من الْعَكْس

стр. 256

وَلِهَذَا لما جَاءَ صبيغ بن عسل التَّمِيمِي إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ وَسَأَلَهُ من الْمُتَشَابه ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله وضربه ضربا عَظِيما كشف رَأسه فَوَجَدَهُ ذَا ضفيرتين فَقَالَ لَو وَجَدْتُك محلوقا لضَرَبْت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك لِأَنَّهُ لَو وجده محلوقا اسْتدلَّ بذلك على أَنه من الْخَوَارِج المارقين وَكَانَ يقْتله لأمر النَّبِي ﷺ بقتالهم وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ فِي صفتهمْ يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاتهم وصيامه مَعَ صِيَامهمْ وقراءته مَعَ قراءتهم يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية وَلَا ريب أَن الْخَوَارِج كَانَ فيهم من الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة والورع مَا لم

стр. 257

يكن فِي الصَّحَابَة كَمَا ذكره النَّبِي ﷺ لَكِن لما كَانَ على غير الْوَجْه الْمَشْرُوع أفْضى بهم إِلَى المروق من الدّين وَلِهَذَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب اقتصاد فِي سنة خير من اجْتِهَاد فِي بِدعَة وَقد تَأَول فيهم على بن أبي طَالب الَّذِي قَاتلهم بِأَمْر النَّبِي ﷺ وَكَانَ قِتَاله لَهُم من أعظم حَسَنَاته وغزواته الَّتِي يمدح بهَا لِأَن النَّبِي ﷺ حض على قِتَالهمْ وَقَالَ لَئِن أدركتهم لأقتلنهم قتل عَاد وَقَالَ أَيْنَمَا لقيتموهم فآقتلوهم فَإِن فِي قَتلهمْ أجرا عِنْد الله لمن قَتلهمْ يَوْم الْقِيَامَة وَفِي الصَّحِيح عَن عَليّ أَيْضا لَو يعلم الَّذين يقاتلونهم مَاذَا لَهُم على لِسَان مُحَمَّد لنكلوا عَن الْعَمَل

стр. 258

وَكَانُوا يتشددون فِي أَمر الذُّنُوب والمعاصي حَتَّى كفرُوا الْمُسلمين وأوجبوا لَهُم الخلود فِي النَّار وَلَا ريب أَن كثيرا من النساك والعباد والزهاد قد يكون فِيهِ شُعْبَة من الْخَوَارِج وَإِن كَانَ مُخَالفا لَهُم فِي شعب أُخْرَى فلزوم زِيّ معِين من اللبَاس سَوَاء كَانَ مُبَاحا أَو كَانَ مِمَّا يُقَال إِنَّه مَكْرُوه بِحَيْثُ يَجْعَل ذَلِك دينا ومستحبا وشعارا لأهل الدّين هُوَ من الْبدع أَيْضا فَكَمَا أَنه لَا حرَام إِلَّا مَا حرمه الله فَلَا دين إِلَّا مَا شَرعه الله الْوَجْه الثَّانِي ان قَوْلهم إِن هَذَا السماع يحصل مَحْبُوب الله وَمَا حصل محبوبه فَهُوَ مَحْبُوب لَهُ قَول بَاطِل وَكثير من هَؤُلَاءِ أَو أَكْثَرهم حصل لَهُم الضلال والغواية من هَذِه الْجِهَة فظنوا أَن السماع يثير محبَّة الله ومحبة الله هِيَ أصل الْإِيمَان الَّذِي هُوَ عمل الْقلب وبكمالها يكمل وَهِي فِيمَا يذكرهُ أَبُو طَالب وَغَيره نِهَايَة المقامات وَرُبمَا قَالَ بَعضهم هِيَ الْمقَام الَّتِي يرتقي مُقَدّمَة الْعَامَّة وَسَاقه الْخَاصَّة وَيَقُول من يَقُول مِنْهُم إِن السماع هُوَ من تَوَابِع الْمحبَّة وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوهُ لما يحركه من محبَّة الله إِذْ السماع يُحَرك من كل قلب مَا فِيهِ فَمن كَانَ فِي قلبه حب الله

стр. 259

وَرَسُوله حرك السماع هَذَا الْحبّ وَمَا يتبع الْحبّ من الوجد والحلاوة وَغير ذَلِك كَمَا يثير من قُلُوب أُخْرَى محبَّة الْأَوْثَان والصلبان والإخوان والخلان والأوطان والعشراء والمردان والنسوان وَلِهَذَا يذكر عَن طَائِفَة من أعيانهم سَماع القصائد فِي بَاب الْمحبَّة كَمَا فعل ابو طَالب فَيُقَال إِن مَا يهيجه هَذَا السماع المبتدع وَنَحْوه من الْحبّ وحركة الْقلب لَيْسَ هُوَ الَّذِي يُحِبهُ الله وَرَسُوله بل اشتماله على مَا لَا يُحِبهُ الله وعَلى مَا يبغضيه أَكثر من اشتماله على مَا يُحِبهُ وَلَا يبغضبه وَحده عَمَّا يُحِبهُ الله وَنَهْيه عَن ذَلِك أعظم من تحريكه لما يُحِبهُ الله وَإِن كَانَ يثير حبا وحركة ويظن أَن ذَلِك يُحِبهُ الله وَأَنه مِمَّا يُحِبهُ الله فَإِنَّمَا ذَلِك من بَاب اتِّبَاع الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى وَمِمَّا يبين ذَلِك أَن الله بَين فِي كِتَابه محبته وَذكر موجباتهما وعلاماتها وَهَذَا السماع يُوجب مضادا لذَلِك منافيا لَهُ وَذَلِكَ أَن الله يَقُول فِي كِتَابه ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ١٦٥] وَقَالَ ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم﴾ [سُورَة آل عمرَان ٣١] وَيَقُول ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ﴾

стр. 260

﴿أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم﴾ [سُورَة الْمَائِدَة ٥٤] فَهَذِهِ ثَلَاثَة أصُول لاهل محبَّة الله إخلاص دينهم ومتابعة رَسُوله وَالْجهَاد فِي سَبيله فَإِنَّهُ اخبر عَن الْمُشْركين الَّذين يتخذون الأنداد أَنهم يحبونهم كَمَا يحبونَ الله ثمَّ قَالَ ﴿وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ١٦٥] فالمؤمنون أَشد حبا لله من الْمُشْركين الَّذين يحبونَ الأنداد كَمَا يحبونَ الله فَمن أحب شَيْئا غير الله كَمَا يحب الله فَهُوَ من الْمُشْركين لَا من الْمُؤمنِينَ ومحبة رَسُوله من محبته وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَلَده ووالده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن عمر قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله وَالله لأَنْت أحب إِلَيّ من كل شئ إِلَّا من نَفسِي فَقَالَ لَا يَا عمر حَتَّى أكون أحب إِلَيْك من نَفسك قَالَ فَأَنت أحب إِلَى من نَفسِي قَالَ فَأَنت الْآن يَا عمر

стр. 261

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه قَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ فقد وجد حلاوة الْإِيمَان وَفِي لفظ لَا يجد حلاوة الْإِيمَان إِلَّا من كَانَ فِيهِ ثَلَاث خِصَال أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وَأَن يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقى فِي النَّار وَقد قَالَ الله تَعَالَى قل إِن كَانَ أباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فيتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره فَلم يرض مِنْهُم أَن يكون حبهم لله وَرَسُوله كحب الْأَهْل وَالْمَال وَأَن يكون حب الْجِهَاد فِي سَبيله كحب الْأَهْل وَالْمَال بل حَتَّى يكون الْجِهَاد فِي سَبيله الَّذِي هُوَ تَمام حبه وَحب رَسُوله أحب إِلَيْهِم من الْأَهْل وَالْمَال فَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون حبهم لله وَرَسُوله مقدما على كل محبَّة لَيْسَ عِنْدهم شئ يحبونه كحب الله بِخِلَاف الْمُشْركين

стр. 262

وَيَقْتَضِي الأَصْل الثَّانِي وَهُوَ ان يكون الْجِهَاد فِي سَبيله أحب إِلَيْهِم من الْأَهْل وَالْمَال فَإِن ذَلِك هُوَ تَمام الْإِيمَان الَّذِي ثَوَابه حب الله وَرَسُوله كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم برتابوا إِيمَانًا لَا يكون بعده ريب ﴿وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله﴾ [سُورَة الحجرات ١٥] وَبِذَلِك وصف أهل الْمحبَّة فِي قَوْله ﴿يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم﴾ [سُورَة الْمَائِدَة ٥٤] فَأخْبر سُبْحَانَهُ بذلهم للْمُؤْمِنين وعزهم على الْكَافرين وجهادهم فِي سَبيله وَأَنَّهُمْ لَا يخَافُونَ لومة لائم فَلَا يخَافُونَ لوم الْخلق لَهُم على ذَلِك وَهَؤُلَاء هم الَّذين يحْتَملُونَ الملام والعذل فِي حب الله وَرَسُوله وَالْجهَاد فِي سَبيله وَالله يُحِبهُمْ وهم يحبونه لَيْسُوا بِمَنْزِلَة من يحْتَمل الملام والعذل فِي محبَّة مَا لَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَلَا بِمَنْزِلَة الَّذين أظهرُوا من مكروهات الْحق مَا يلامون عَلَيْهِ ويسمون بالملامتية ظانين أَنهم لما أظهرُوا مَا يلومهم الْخلق عَلَيْهِ من الْمُنْكَرَات مَعَ صحتهم فِي الْبَاطِن كَانَ ذَلِك من صدقهم وإخلاصهم وهم فِي ذَلِك إِنَّمَا يتبعُون الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس

стр. 263

فَإِن ذَلِك الْمُنكر الَّذِي يكرههُ الله وَرَسُوله لَا يكون فعله مِمَّا يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَلَا يكون من الصدْق وَالْإِخْلَاص فِي حب الله وَرَسُوله وَالنَّاس يلامون عَلَيْهِ وسنام ذَلِك الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ أَعلَى مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله واللائمون عَلَيْهِ كثير إِذْ كثير من النَّاس الَّذين فيهم إِيمَان يكرهونه وهم إِمَّا مخذلون مفترون للهمة والإرادة فِيهِ وَإِمَّا مرجفون مضعفون للقوة وَالْقُدْرَة عَلَيْهِ وَإِن كَانَ ذَلِك من النِّفَاق قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد يعلم الله المعوقين مِنْكُم والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يأْتونَ الْبَأْس إِلَّا قَلِيلا﴾ [سُورَة الْأَحْزَاب ١٨] وَقَالَ تَعَالَى لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض والمرجفون فِي الْمَدِينَة لنغرينك بهم ثمَّ لَا يجاورونكم فِيهَا إِلَّا قَلِيلا [سُورَة الْأَحْزَاب ٦٠] وَأما الأَصْل الثَّالِث وَهُوَ مُتَابعَة السّنة والشريعة النَّبَوِيَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ [سُورَة آل عمرَان ٣١] قَالَ طَائِفَة من السّلف ادّعى قوم على عهد النَّبِي ﷺ أَنهم يحبونَ الله فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فَجعل حب العَبْد لرَبه مُوجبا

стр. 264

ومقتضيا لاتباع رَسُوله وَجعل اتِّبَاع رَسُوله مُوجبا ومقتضيا لمحبة الرب عَبده فَأهل اتِّبَاع الرَّسُول يُحِبهُمْ الله وَلَا يكون حبا لله إِلَّا من يكون مِنْهُم وَإِذا عرفت هَذِه الْأُصُول فعامة أهل السماع الْمُحدث مقصرون فِي هَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة وهم فِي ذَلِك متفاوتون تَفَاوتا كثيرا بِحَسب قُوَّة اعتياضهم بِالسَّمَاعِ الْمُحدث عَن السماع الْمَشْرُوع وَمَا يتبع ذَلِك حَتَّى آل الْأَمر بِأخر إِلَى الانسلاخ من الْإِيمَان بِالْكُلِّيَّةِ ومصيره منافقا مَحْضا أَو كَافِرًا صرفا وَأما عامتهم وغالبهم الَّذين فيهم حب الله وَرَسُوله وَمَا يتبع ذَلِك فهم فِيهِ مقصرون تَجِد فيهم من التَّفْرِيط فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وَمَا يدْخل فِيهِ من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر والتفريط فِي مُتَابعَة رَسُول الله ﷺ فِي شَرِيعَته وسنته وأوامره وزواجره أمرا عَظِيما جدا وَكَذَلِكَ فِي أَمر الْإِخْلَاص لله تَجِد فيهم من الشّرك الْخَفي أَو الجلى أمورا كَثِيرَة وَلِهَذَا كَانَ هَذَا السماع سَماع المكاء والتصدية إِنَّمَا هُوَ فِي الأَصْل سَماع الْمُشْركين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية﴾ [سُورَة الْأَنْفَال ٣٥] وَفِيهِمْ من اتِّخَاذ أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله مَا ضاهوا بِهِ النَّصَارَى فِي كثير من ذَلِك حَتَّى ان مِنْهُم من يعبد بعض الْبشر ويعبد قُبُورهم فيدعوهم ويستغيث بهم ويتوكل عَلَيْهِم ويخافهم ويرجوهم إِلَى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ من حُقُوق الله وَحده لَا

стр. 265

شريك لَهُ ويطيعون سادتهم وكبارهم فِي تَحْلِيل الْحَرَام وَتَحْرِيم الْحَلَال وَيَقُول بَعضهم فِي اتِّحَاد الله بِبَعْض مخلوقاته وحلوله فيهم شَبيه مَا قالته النَّصَارَى فِي الْمَسِيح ﵊ وَلِهَذَا يكون كثير من سماعهم الَّذِي يُحَرك وجدهم ومحبتهم إِنَّمَا يُحَرك وجدهم ومحبتهم لغير الله كَالَّذِين اتَّخذُوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَأما الشَّرِيعَة وَمَا أَمر الله بِهِ وَنهى عَنهُ وأحله وَحرمه ففيهم من الْمُخَالفَة لذَلِك بل من الاستخفاف بِمن يتَمَسَّك بِهِ مَا الله بِهِ عليم حَتَّى سقط من قلبوهم تَعْظِيم كثير من فَرَائض الله وَتَحْرِيم كثير من مَحَارمه فكثيرا مَا يضيعون فَرَائِضه ويستحلون مَحَارمه ويتعدون حُدُوده تَارَة اعتقادا وَتارَة عملا وَكثير من خيارهم الَّذين هم مُؤمنُونَ يقعون فِي كثير من فروع ذَلِك وَإِن كَانُوا مستمسكين بأصول الْإِسْلَام وَأما غير هَؤُلَاءِ فيصرحون بِسُقُوط الْفَرَائِض كالصلوات الْخمس وَغَيرهَا وبحل الْخَبَائِث من الْخمر وَالْفَوَاحِش اَوْ الظُّلم أَو الْبَغي أَو غير ذَلِك لَهُم وتزول عَن قُلُوبهم الْمحبَّة لكثير مِمَّا يُحِبهُ الله وَرَسُوله كالمحبة التَّامَّة الَّتِي هِيَ كَمَال الْإِيمَان بل لَا بُد أَن ينقص فِي

стр. 266

قُلُوبهم حب مَا أحبه الله وَرَسُوله فَلَا يبْقى لِلْقُرْآنِ وَالصَّلَاة وَنَحْو ذَلِك فِي قُلُوبهم من الْمحبَّة والحلاوة وَالطّيب وقرة الْعين مَا هُوَ الْمَعْرُوف لاهل كَمَال الْإِيمَان بل قد يكْرهُونَ بعض ذَلِك ويستثقلونه كَمَا هُوَ من نعت الْمُنَافِقين الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿وَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى﴾ [سُورَة النِّسَاء ١٤٢] وَقد يهجرون الْقُرْآن الَّذِي مَا تقرب الْعباد إِلَى الله بِأحب إِلَيْهِ مِنْهُ بل قد يستثقلون سَمَاعه وقراءته لما اعتاضوا عَنهُ من السماع وَقد يقومُونَ بِبَعْض هَذِه الْعِبَادَات الشَّرْعِيَّة صورا ورسما كَمَا يَفْعَله المُنَافِقُونَ لَا محبَّة وَحَقِيقَة ووجدا كَمَا يَفْعَله الْمُؤْمِنُونَ وَأما الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فالغالب عَلَيْهِم أَنهم ابعد عَنهُ من غَيرهم حَتَّى نجد فِي عوام الْمُؤمنِينَ من الْحبّ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والمحبة والتعظيم لأمر الله وَالْغَضَب والغيرة لمحارم الله وَقُوَّة الْمحبَّة والموالاة لأولياء الله وَقُوَّة البغض والعداوة لأعداء الله مَا لَا يُوجد فيهم بل يُوجد فيهم ضد ذَلِك وَمَعْلُوم أَن أهل الْإِيمَان وَالصَّلَاح مِنْهُم لَا يفقدون هَذَا بِالْكُلِّيَّةِ لَكِن هَذَا السماع الْمُحدث هُوَ وتوابعه سَبَب ومظنة لضد الْجِهَاد فِي سَبِيل الله حَتَّى ان كثيرا مِنْهُم يعدون ذَلِك نقصا فِي طَرِيق الله وعيبا ومنافيا للسلوك الْكَامِل إِلَى الله وَمن السَّبَب الَّذِي ضل بِهِ هَؤُلَاءِ وغووا مَا وجدوه فِي كثير مِمَّن ينتسب

стр. 267

إِلَى الشَّرِيعَة من الداعين إِلَى الْجِهَاد من ضعف حَقِيقَة الْإِيمَان وَسُوء النيات والمقاصد وبعدهم عَن النيات الْخَالِصَة لله وَصَلَاح قُلُوبهم وسرائرهم وَعَن أَن يقصدوا بِالْجِهَادِ أَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَأَن يكون الدّين كُله لله كَمَا وجدوه فِي كثير مِمَّن يذم السماع الْمُحدث من قسوة الْقلب والبعد عَن مَكَارِم الْأَخْلَاق وذوق حَقِيقَة الْإِيمَان فَهَذَا التَّفْرِيط فِي حُقُوق الله والعدوان على حُدُوده الَّذِي وجد فِي هَؤُلَاءِ وأمثالهم مِمَّن لَا يتدين بِالسَّمَاعِ الْمُحدث بل يتدين بِبَعْض هَذِه الْأُمُور صَار شُبْهَة لأولئك كَمَا أَن التَّفْرِيط والعدوان الْمَوْجُود فِي أهل السماع الْمُحدث صَار شُبْهَة لأولئك فِي ترك كثير مِمَّا عَلَيْهِ كثير مِنْهُم من حقائق الْإِيمَان وَطَاعَة الله وَرَسُوله وَلِهَذَا تفرق هَؤُلَاءِ فِي الدّين وَصَارَت كل طَائِفَة مبتدعة لدين لم يشرعه االله ومنكرة لما مَعَ الطَّائِفَة الْأُخْرَى من دين الله وَصَارَ فيهم شبه الْأُمَم قبلهم كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمن الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخذنَا ميثاقهم فنسوا حظا مِمَّا ذكرُوا بِهِ فأعرينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة [سُورَة الْمَائِدَة ١٤] وَقَالَ تَعَالَى وَقَالَت الْيَهُود لَيست النَّصَارَى على شئ وَقَالَت

стр. 268

النَّصَارَى لَيست الْيَهُود على شئ [سُورَة الْبَقَرَة ١١٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفتؤمنون بِبَعْض الْكتاب وتكفرون بِبَعْض﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ٨٥] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات﴾ [سُورَة آل عمرَان ١٠٥] وَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شئ [سُورَة الْأَنْعَام ١٥٩] وَأما دين الله وهداه الَّذِي أنزل بِهِ كِتَابه وَبعث بِهِ رَسُوله فَهُوَ اتِّبَاع كِتَابه وسنته فِي جَمِيع الْأُمُور وَترك اتِّبَاع مَا يُخَالف ذَلِك فِي جَمِيع الْأُمُور وَالْإِجْمَاع على ذَلِك كَمَا قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تهتدون ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتهم بعد إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله

стр. 269

﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ [سُورَة آل عمرَان ١٠٢ ١٠٧] وَأما كَون الشّعْر فِي نَفسه لَا يستمع إِلَيْهِ إِلَّا إِذا كَانَ من الْكَلَام الْمُبَاح أَو الْمُسْتَحبّ وَالشعر الْمَقُول فِي سَماع المكاء والتصدية كثير مِنْهُ أَو أَكْثَره لَيْسَ كَذَلِك فَهَذَا مقَام آخر نبينه إِن شَاءَ الله فَصَارَ احتجاجهم بِمَا سَمعه النَّبِي ﷺ من الشّعْر على اسْتِمَاع الْغناء مردودا بِهَذِهِ الْوُجُوه الثَّلَاث قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقد سمع الأكابر الابيات بالألحان فَمن قَالَ بإباحته مَالك بن أنس وَأهل الْحجاز كلهم يبيحون الْغناء فَأَما الحداء فإجماع مِنْهُم على إِبَاحَته قلت هَذَا النَّقْل يتَضَمَّن غَلطا بِإِثْبَات بَاطِل وَترك حق وَقد تبع فِيهِ أَبَا عبد الرَّحْمَن على مَا ذكره فِي مَسْأَلَة السماع وَذَلِكَ أَن الْمَعْرُوف

стр. 270

عِنْد أَئِمَّة السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مثل عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس وَجَابِر بن عبد الله وَغَيرهم وَعَن أَئِمَّة التَّابِعين ذمّ الْغناء وإنكاره وَكَذَلِكَ من بعدهمْ من أَئِمَّة الْإِسْلَام فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة حَتَّى ذكر زَكَرِيَّا بن يحيى السَّاجِي فِي كِتَابه الَّذِي ذكر فِيهِ إِجْمَاع أهل الْعلم وَاخْتِلَافهمْ فَذكر أَنهم متفقون على كَرَاهَته إِلَّا رجلَانِ إِبْرَاهِيم بن سعد من أهل الْمَدِينَة وَعبيد بن الْحسن الْعَنْبَري من أهل الْبَصْرَة وَأما نقلهم لإباحته عَن مَالك وَأهل الْحجاز كلهم فَهَذَا غلط من أَسْوَأ الْغَلَط فَإِن أهل الْحجاز على كَرَاهَته وذمه وَمَالك نَفسه لم

стр. 271

يخْتَلف قَوْله وَقَول أَصْحَابه فِي ذمه وكراهته بل هُوَ من المبالغين فِي ذَلِك حَتَّى صنف أَصْحَابه كتبا مُفْردَة فِي ذمّ الْغناء وَالسَّمَاع وَحَتَّى سَأَلَهُ إِسْحَاق بن عِيسَى الطباع عَمَّا يترخص فِيهِ أهل الْمَدِينَة من الْغناء فَقَالَ إِنَّمَا يَفْعَله عندنَا الْفُسَّاق وَقد ذكر مُحَمَّد بن طَاهِر فِي مَسْأَلَة السماع حِكَايَة عَن مَالك أَنه ضرب بطبل وَأنْشد ابياتا وَهَذِه الْحِكَايَة مِمَّا لَا يتنازع أهل الْمعرفَة فِي أَنَّهَا كذب على مَالك وَكَذَلِكَ الشَّافِعِي لم يخْتَلف قَوْله فِي كَرَاهَته وَقَالَ فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بأدب الْقُضَاة الْغناء لَهو مَكْرُوه يشبه الْبَاطِل وَمن استكثر مِنْهُ فَهُوَ سَفِيه ترد شَهَادَته وَقد قَالَ عَن السماع الديني الْمُحدث خلفت بِبَغْدَاد

стр. 272

شَيْئا أحدثته الزَّنَادِقَة يسمونه التغبير يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن نعم كَانَ كثير من أهل الْمَدِينَة يسمع الْغناء وَقد دخل مَعَهم فِي ذَلِك بعض فقهائهم فَأَما أَن يكون هَذَا قَول اهل الْحجاز كلهم أَو قَول مَالك فَهَذَا غلط وَكَانَ النَّاس يعيبون من اسْتحلَّ ذَلِك من أهل الْمَدِينَة كَمَا عابوا على غَيرهم حَتَّى كَانَ الْأَوْزَاعِيّ يَقُول من أَخذ يَقُول أهل الْكُوفَة فِي النَّبِيذ وَبقول أهل مَكَّة فِي الْمُتْعَة وَالصرْف وَيَقُول أهل الْمَدِينَة فِي الْغناء أَو قَالَ الحشوش والغناء فقد جمع الشَّرّ كُله أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَأما فُقَهَاء الْكُوفَة فَمن أَشد النَّاس تَحْرِيمًا للغناء وَلم يتنازعوا فِي ذَلِك وَلم يَكُونُوا يعتادونه كَمَا كَانَ يَفْعَله أهل الْمَدِينَة بل كَانُوا بالنبيذ الْمُتَنَازع فِيهِ وَقد سُئِلَ ماللك عماا يترخص فِيهِ بعض ااهل الْمَدِينَة من الْغناء فَقَالَ لَا إِنَّمَا يَفْعَله عندنَا الْفُسَّاق وَقد سُئِلَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن الْغناء فَقَالَ إِذا ميز الله الْحق من الْبَاطِل من أَي قسم يكون الْغناء

стр. 273

ثمَّ قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقد وَردت الْأَخْبَار واستفاضت الْآثَار فِي ذَلِك وروى عَن ابْن جريج أَنه كَانَ يرخص فِي السماع فَقيل لَهُ إِذا أَتَى بك يَوْم الْقِيَامَة وَيُؤْتى بحسناتك وسيئاتك فَفِي أَي الجنبين يكون سماعك فَقَالَ لَا فِي الْحَسَنَات وَلَا فِي السَّيِّئَات يَعْنِي أَنه من الْمُبَاحَات قلت لَيْسَ ابْن جريج وَأهل مَكَّة مِمَّن يعرف عَنْهُم الْغناء بل الْمَشْهُور عَنْهُم أَنهم كَانُوا يعيرون من يفعل ذَلِك من أهل الْمَدِينَة وَإِنَّمَا الْمَعْرُوف عَنْهُم الْمُتْعَة وَالصرْف ثمَّ هَذَا الْأَثر وَأَمْثَاله حجَّة على من احْتج بِهِ فَإِنَّهُ لم يَجْعَل مِنْهُ شَيْئا من الْحَسَنَات وَلم ينْقل عَن السّلف أَنه عد شَيْئا من أَنْوَاعه حَسَنَة فَقَوله على ذَلِك لَا يُخَالف الْإِجْمَاع وَمن فعل شَيْئا من ذَلِك على انه من اللَّذَّة الْبَاطِلَة الَّتِي لَا مضرَّة فِيهَا وَلَا مَنْفَعَة فَهَذَا كَمَا يرخص للنِّسَاء فِي الْغناء وَالضَّرْب بالدف فِي الأفراح مثل قدوم الْغَائِب وَأَيَّام الأعياد بل يؤمرون بذلك فِي العرسات كَمَا روى اعلنوا النِّكَاح واضربوا عَلَيْهِ بالدف وَهُوَ مَعَ

стр. 274

ذَلِك بَاطِل كَمَا فِي الحَدِيث الَّذِي فِي السّنَن أَن امْرَأَة نذرت أَن تضرب لقدوم رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا قدم عمر أمرهَا بِالسُّكُوتِ وَقَالَ إِن هَذَا رجل لَا يحب الْبَاطِل

стр. 275

وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كل لَهو يلهو بِهِ الرجل فَهُوَ بَاطِل إِلَّا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبة امْرَأَته فَإِنَّهُنَّ من الْحق وَالْبَاطِل من الْأَعْمَال هُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَة فَهَذَا يرخص فِيهِ للنفوس الَّتِي لَا تصبر على مَا ينفع وَهَذَا الْحق فِي الْقدر الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْأَوْقَات الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِك الأعياد والأعراس وقدوم الْغَائِب وَنَحْو ذَلِك وَهَذِه نفوس النِّسَاء وَالصبيان فهن اللواتي كن يغنين فِي ذَلِك على عهد النَّبِي ﷺ وخلفائه ويضربن بالدف وَأما الرِّجَال فَلم يكن ذَلِك فيهم بل كَانَ السّلف يسمون الرجل المغنى مخنثا لتشبهه بِالنسَاء وَلِهَذَا روى اقرأوا الْقُرْآن بِلُحُونِ الْعَرَب وَإِيَّاكُم وَلُحُون الْعَجم والمخانيث وَالنِّسَاء

стр. 276

ولهذ لما سُئِلَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن الْغناء فَقَالَ للسَّائِل با ابْن أخي ارأيت إِذا ميز الله يَوْم الْقِيَامَة بَين الْحق وَالْبَاطِل فَفِي أَيهمَا يَجْعَل الْغناء فَقَالَ فِي الْبَاطِل قَالَ فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال فَكَانَ الْعلم بِأَنَّهُ من الْبَاطِل مُسْتَقرًّا فِي نُفُوسهم كلهم وَإِن فعله بَعضهم مَعَ ذَلِك إِذْ مُجَرّد كَون الْفِعْل بَاطِلا إِنَّمَا يَقْتَضِي عدم منفعَته لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمه إِلَّا أَن يتَضَمَّن مفْسدَة قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَأما الشَّافِعِي ﵀ فَإِنَّهُ لَا يحرمه ويجعله فِي الْعَوام مَكْرُوها حَتَّى لَو احترف الْغناء اَوْ اتّصف على الدَّوَام بِسَمَاعِهِ على وَجه التلهي بِهِ ترد بِهِ الشَّهَادَة ويجعله مِمَّا يسْقط الْمُرُوءَة وَلَا يلْحقهُ بالمحرمات قَالَ وَلَيْسَ كلامنا فِي هَذَا النَّوْع من السماع فَإِن هَذِه الطَّائِفَة جلت مرتبتهم عَن أَن يسمعوا بلهو أَو يقعدوا للسماع بسهو أَو يَكُونُوا بقلوبهم متفكرين فِي مَضْمُون لَغْو أَو يستمعوا على صفة غير كُفْء

стр. 277

قلت لم يخْتَلف قَول الشَّافِعِي فِي كَرَاهَته والنهى عَنهُ للعوام والخواص لَكِن هَل هِيَ كَرَاهَة تَحْرِيم أَو تَنْزِيه أَو تَفْضِيل بَين بعض وَبَعض هَذَا مِمَّا يتنازع فِيهِ أَصْحَابه وَهَذَا قَوْله فِي سَماع الْعَامَّة وَأما السماع الديني الَّذِي جعله أَبُو الْقَاسِم للخاصة فَهُوَ عِنْد الشَّافِعِي من فعل الزَّنَادِقَة كَمَا قَالَ خلفت بِبَغْدَاد شَيْئا أحدثته الزَّنَادِقَة يسمونه التغبير يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن فَعنده أَن هَذَا السماع اعظم من ان يُقَال فِيهِ مَكْرُوه أَو حرَام بل هُوَ عِنْده مضاد للْإيمَان وَشرع دين لم يَأْذَن الله بِهِ وَلم ينزل بِهِ سُلْطَان وَإِن كَانَ من الْمَشَايِخ الصَّالِحين من تَأَول فِي ذَلِك وبتأويله واجتهاده يغْفر الله لَهُ خطأه ويثيبه على مَا مَعَ التَّأْوِيل من عمل صَالح فَذَلِك لَا يمْنَع أَن يُقَال مَا فِي الْفِعْل من الْفساد إِذْ التَّأْوِيل من بَاب الْمعَارض فِي حق بعض النَّاس تدفع بِهِ عِنْد الْعقُوبَة كَمَا تدفع بِالتَّوْبَةِ والحسنات الماحية وَهَذَا لمن استفرغ وَسعه فِي طلب الْحق فَقَوْل الشَّافِعِي ﵁ فِي هَؤُلَاءِ كَقَوْلِه فِي اهل الْكَلَام

стр. 278

حكمى فِي أهل الْكَلَام أَن يضْربُوا بِالْجَرِيدِ وَالنعال وَيُطَاف بهم فِي العشائر والقبائل وَيُقَال هَذَا جَزَاء من ترك الْكتاب وَالسّنة وَأَقْبل على الْكَلَام وَقَوله لِأَن يبتلى العَبْد بِكُل ذَنْب مَا خلا الشّرك بِاللَّه خير لَهُ من أَن يبتلى بالْكلَام وَمَعَ هَذَا فقد ابتلى بِبَعْض ذَلِك على وَجه التَّأْوِيل طوائف من أهل الْعلم وَالدّين والتصوف وَالْعِبَادَة وَلِهَذَا كَانَ الْكَلَام فِي السماع على وَجْهَيْن احدهما سَماع اللّعب والطرب فَهَذَا يُقَال فِيهِ مَكْرُوه أم محرم أَو بَاطِل أَو مرخص فِي بعض أَنْوَاعه الثَّانِي السماع الْمُحدث لأهل الدّين والقرب فَهَذَا يُقَال فِيهِ إِنَّه بِدعَة وضلالة وَإنَّهُ مُخَالف لكتاب الله وَسنة رَسُوله وَإِجْمَاع السالفين جَمِيعهم وَإِنَّمَا حدث فِي الْأمة لما أحدث فِي الْأمة لما أحدث الْكَلَام فَكثر هَذَا فِي الْعلمَاء وَهَذَا فِي الْعباد لهَذَا كَانَ يزِيد بن هَارُون الوَاسِطِيّ وَهُوَ من أَتبَاع التَّابِعين وأواخر

стр. 279

الْقُرُون الثَّلَاثَة تجمتع فِي مَجْلِسه الْأُمَم الْعَظِيمَة وَكَانَ أجل مَشَايِخ الْإِسْلَام إِذْ ذَاك فَكَانَ ينْهَى عَن الجمهية وَعَن الْمُغيرَة هَؤُلَاءِ أهل الْكَلَام الْمُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَهَؤُلَاء أهل السماع الْمُحدث الْمُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَلِهَذَا لم يسْتَطع أحد مِمَّن يسْتَحبّ السماع الْمُحدث ويستحسنه أَن يحْتَج لذَلِك بأثر عَمَّن مضى وَلَا بِأَصْل فِي الْكتاب وَالسّنة قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقد روى عَن ابْن عمر اثار فِي إباحتة للسماع وَكَذَلِكَ عبد الله بن جَعْفَر أبي طَالب قَالَت أما النَّقْل عَن ابْن عمر فَبَاطِل بل الْمَحْفُوظ عَن أبن عمر ذمه للغناء وَنَهْيه عَنهُ وَكَذَلِكَ عَن سَائِر أَئِمَّة الصَّحَابَة كأبن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَغَيرهم مِمَّن ائتم بهم الْمُسلمُونَ فِي دينهم وَأما مَا يذكر من فعل عبد الله بن جَعْفَر فِي أَنه كَانَ لَهُ جَارِيَة يسمع غناءها فِي بَيته فعبد الله بن جَعْفَر لَيْسَ مِمَّن يصلح أَن يُعَارض قَوْله فِي

стр. 280

الدّين فضلا عَن فعله لقَوْل ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وأمثالهم وَمن احْتج بِفعل مثل عبد الله فِي الدّين فِي مثل هَذَا لزمَه أَن يحْتَج بِفعل مُعَاوِيَة فِي قِتَاله لعلى وبفعل ابْن الزبير فِي قِتَاله فِي الْفرْقَة وأمثال ذَلِك مِمَّا لايصلح لأهل الْعلم وَالدّين أَن يدخلوه فِي أَدِلَّة الدّين وَالشَّرْع لَا سِيمَا النساك والزهاد وَأهل الْحَقَائِق لَا يصلح لَهُم أَن يَتْرُكُوهُ سَبِيل الْمَشْهُورين بالنسك والزهد بَين الصَّحَابَة ويتبعوا سَبِيل غَيرهم وَمَا أحسن مَا قَالَ حُذَيْفَة ﵁ يَا معشر الْقُرَّاء اسْتَقِيمُوا وخذوا طَرِيق من كَانَ قبلكُمْ فوَاللَّه لَئِن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقا بَعيدا وَلَئِن أَخَذْتُم يَمِينا وَشمَالًا لقد ضللتم ضلالا بَعيدا ثمَّ الَّذِي فعله عبد الله بن جَعْفَر كَانَ فِي دَاره لم يكن يجْتَمع عِنْده على ذَلِك وَلَا يسمعهُ إِلَّا مِمَّن ملوكته وَلَا يعده دينا وَطَاعَة بل هُوَ عِنْده من الْبَاطِل وَهَذَا مثل مَا يَفْعَله بعض أهل السعَة من اسْتِمَاع غناء جَارِيَته فِي بَيته وَنَحْو ذَلِك فَأَيْنَ هَذَا من هَذَا هَذَا لَو كَانَ مِمَّا يصلح أَن يحْتَج بِهِ فَكيف وَلَيْسَ بِحجَّة أصلا قَالَ وَكَذَلِكَ عَن عمر وَغَيره فِي الحداء قلت أما الحداء فقد ذكر الِاتِّفَاق على جَوَازه فَلَا يحْتَج بِهِ فِي

стр. 281

وَقد ثَبت أَن عَامر بن الْأَكْوَع كَانَ يَحْدُو الصَّحَابَة مَعَ النَّبِي ﷺ قَالَ من السَّائِق قَالُوا عَامر بن الاكوع فَقَالَ يرحمه الله فَقَالُوا يَا رَسُول الله لَوْلَا امتعتنا بِهِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فسرنا لَيْلًا فَقَالَ رجل من الْقَوْم لعامر بن الْأَكْوَع أَلا تسمعنا من هنياتك وَكَانَ عَامر رجلا شَاعِرًا فَنزل يَحْدُو بالقوم يَقُول ... وَالله لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا فَاغْفِر فدَاء لَك مَا اقتفينا وَثَبت الْأَقْدَام إِن لاقينا وألقين سكينَة علينا إِنَّا إِذا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا ... وبالصياح عولوا علينا ... فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من هَذَا السَّائِق قَالُوا عَامر ابْن الْأَكْوَع فَقَالَ يرحمه الله فَقَالَ رجل من الْقَوْم وَجَبت يَا نَبِي الله لَوْلَا أمتعنا بِهِ فَذكر الحَدِيث فِي استشهاده فِي تِلْكَ الْغَزْوَة غَزْوَة خَيْبَر

стр. 282

وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سَلمَة بن الاكوع قَالَ لما كَانَ يَوْم خَيْبَر قَاتل أخي قتالا شَدِيدا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَارْتَد عَلَيْهِ سَيْفه فَقتله فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك وَشَكوا فِيهِ رجل مَاتَ فِي سلاحه قَالَ سَلمَة فقفل رَسُول الله ﷺ من خَبِير فَقلت يَا رَسُول الله أئذن لي أَن ارجز لَك فَأذن لَهُ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ عمر أعلم مَا تَقول قَالَ فَقلت ... لَوْلَا الله مَا اهتدينا وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا ... فَقَالَ رَسُول الله ﷺ صدقت ... فأنزلن سكينَة علينا وَثَبت الْأَقْدَام إِن لَا قينا ... وَالْمُشْرِكُونَ قد بغوا علينا ... فَلَمَّا قضيت رجزي قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ هَذَا قلت لَهُ أخي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يرحمه الله قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله وَالله إِن نَاسا ليهابون الصَّلَاة عَلَيْهِ

стр. 283

يَقُولُونَ رجل مَاتَ بسلاحه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ كذبُوا مَاتَ جاهدا مُجَاهدًا فَلهُ أجره مرَّتَيْنِ وَكَذَلِكَ قد ثَبت فِي الصَّحِيح حَدِيث أَنْجَشَة الحبشي الَّذِي كَانَ يَحْدُو حَتَّى قَالَ النَّبِي ﷺ رويدك أَنْجَشَة سوقك بِالْقَوَارِيرِ يَعْنِي النِّسَاء أمره بالرفق بِهن لِئَلَّا تزعجهن الْإِبِل فِي السّير إِذا اشْتَدَّ سَيرهَا وينزعجن بِصَوْت الْحَادِي فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره وَغُلَام أسود يُقَال لَهُ أَنْجَشَة يحدوا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَيحك انجشه رويدك سوقك بِالْقَوَارِيرِ قَالَ أَبُو قلَابَة يَعْنِي النِّسَاء وَأَخْرَجَاهُ من حَدِيث ثَابت عَن أنس بِنَحْوِهِ وَمن حَدِيث قَتَادَة عَن أنس قَالَ كَانَ للنَّبِي ص خَادِم يُقَال لَهُ أَنْجَشَة وَكَانَ حسن الصَّوْت فَقَالَ لَهُ النَّبِي رويدك يَا أَنْجَشَة لَا تكسر الْقَوَارِير قَالَ قَتَادَة يَعْنِي ضعفة النِّسَاء

стр. 284

وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن أبي قلَابَة قَالَ كَانَت أم سليم فِي الثّقل وأنجشة غُلَام النَّبِي ﷺ يَسُوق بِهن فَقَالَ النَّبِي ﷺ عَلَيْهِ وَسلم يَا أنجش رويدك سوقك بِالْقَوَارِيرِ وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن ثَابت عَن أنس قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ فِي سفر فحدا الْحَادِي فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أرْفق يَا أَنْجَشَة وَيحك بِالْقَوَارِيرِ واحتجاجهم بإنشاد الشّعْر كَمَا قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَأنْشد بَين يَدي النَّبِي ﷺ الاشعار فَلم ينْه عَنْهَا وروى أَنه ص استنشد الْأَشْعَار وَهَذَا من الْقيَاس الْفَاسِد كَمَا تقدم قَالَ وَمن الْمَشْهُور الظَّاهِر حَدِيث الجاريتين وَذكر حَدِيث الجاريتين

стр. 285

اللَّتَيْنِ كَانَتَا تُغنيَانِ فِي بَيت عَائِشَة بِمَا تقاولت بِهِ الْأَنْصَار يَوْم بُعَاث فَقَالَ أَبُو بكر مزمور الشَّيْطَان فَقَالَ النَّبِي ﷺ دعهما يَا أَبَا بكر فَإِن لكل قوم عيدا وعيدنا هَذَا الْيَوْم وَقد تقدم أَن الرُّخْصَة فِي الْغناء فِي أَوْقَات الأفراح للنِّسَاء وَالصبيان أَمر مَضَت بِهِ السّنة كَمَا يرخص لَهُم فِي غير ذَلِك من اللّعب وَلَكِن لَا يَجْعَل الْخَاص عَاما وَلِهَذَا لما قَالَ أَبُو بكر أمزمور الشَّيْطَان فِي بَيت رَسُول الله ﷺ لم يُنكر النَّبِي ﷺ هَذِه التَّسْمِيَة وَالصَّحَابَة لم يَكُونُوا يفضلون شَيْئا من ذَلِك وَلَكِن ذكر النَّبِي ﷺ أمرا خَاصّا بقوله إِن لكل قوم عيدا وَهَذَا عيدنا وَمثل هَذَا قَوْله لعمر لَو رآك سالكا فجأ لسلك فجا غير فجك لما خَافَ مِنْهُ النِّسَاء فِيمَا كن يفعلنه بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ فَعلم أَن هَذَا وَإِن كَانَ من الشَّيْطَان لَكِن الرُّخْصَة فِيهِ لهَؤُلَاء لِئَلَّا يَدعُوهُم إِلَى
следующие страницы →