Полный текст (813 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَقد ثَبت أَن عَامر بن الْأَكْوَع كَانَ يَحْدُو الصَّحَابَة مَعَ النَّبِي ﷺ قَالَ من السَّائِق قَالُوا عَامر بن الاكوع فَقَالَ يرحمه الله فَقَالُوا يَا رَسُول الله لَوْلَا امتعتنا بِهِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فسرنا لَيْلًا فَقَالَ رجل من الْقَوْم لعامر بن الْأَكْوَع أَلا تسمعنا من هنياتك وَكَانَ عَامر رجلا شَاعِرًا فَنزل يَحْدُو بالقوم يَقُول ... وَالله لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا
فَاغْفِر فدَاء لَك مَا اقتفينا وَثَبت الْأَقْدَام إِن لاقينا
وألقين سكينَة علينا إِنَّا إِذا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا ... وبالصياح عولوا علينا ...
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من هَذَا السَّائِق قَالُوا عَامر ابْن الْأَكْوَع فَقَالَ يرحمه الله فَقَالَ رجل من الْقَوْم وَجَبت يَا نَبِي الله لَوْلَا أمتعنا بِهِ فَذكر الحَدِيث فِي استشهاده فِي تِلْكَ الْغَزْوَة غَزْوَة خَيْبَر
стр. 282
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سَلمَة بن الاكوع قَالَ لما كَانَ يَوْم خَيْبَر قَاتل أخي قتالا شَدِيدا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَارْتَد عَلَيْهِ سَيْفه فَقتله فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك وَشَكوا فِيهِ رجل مَاتَ فِي سلاحه قَالَ سَلمَة فقفل رَسُول الله ﷺ من خَبِير فَقلت يَا رَسُول الله أئذن لي أَن ارجز لَك فَأذن لَهُ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ عمر أعلم مَا تَقول قَالَ فَقلت ... لَوْلَا الله مَا اهتدينا وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا ...
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ صدقت ... فأنزلن سكينَة علينا وَثَبت الْأَقْدَام إِن لَا قينا ...
وَالْمُشْرِكُونَ قد بغوا علينا ...
فَلَمَّا قضيت رجزي قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَالَ هَذَا قلت لَهُ أخي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يرحمه الله قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله وَالله إِن نَاسا ليهابون الصَّلَاة عَلَيْهِ
стр. 283
يَقُولُونَ رجل مَاتَ بسلاحه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ كذبُوا مَاتَ جاهدا مُجَاهدًا فَلهُ أجره مرَّتَيْنِ
وَكَذَلِكَ قد ثَبت فِي الصَّحِيح حَدِيث أَنْجَشَة الحبشي الَّذِي كَانَ يَحْدُو حَتَّى قَالَ النَّبِي ﷺ رويدك أَنْجَشَة سوقك بِالْقَوَارِيرِ يَعْنِي النِّسَاء أمره بالرفق بِهن لِئَلَّا تزعجهن الْإِبِل فِي السّير إِذا اشْتَدَّ سَيرهَا وينزعجن بِصَوْت الْحَادِي
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره وَغُلَام أسود يُقَال لَهُ أَنْجَشَة يحدوا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَيحك انجشه رويدك سوقك بِالْقَوَارِيرِ قَالَ أَبُو قلَابَة يَعْنِي النِّسَاء وَأَخْرَجَاهُ من حَدِيث ثَابت عَن أنس بِنَحْوِهِ
وَمن حَدِيث قَتَادَة عَن أنس قَالَ كَانَ للنَّبِي ص خَادِم يُقَال لَهُ أَنْجَشَة وَكَانَ حسن الصَّوْت فَقَالَ لَهُ النَّبِي رويدك يَا أَنْجَشَة لَا تكسر الْقَوَارِير قَالَ قَتَادَة يَعْنِي ضعفة النِّسَاء
стр. 284
وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن أبي قلَابَة قَالَ كَانَت أم سليم فِي الثّقل وأنجشة غُلَام النَّبِي ﷺ يَسُوق بِهن فَقَالَ النَّبِي ﷺ عَلَيْهِ وَسلم يَا أنجش رويدك سوقك بِالْقَوَارِيرِ
وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن ثَابت عَن أنس قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ فِي سفر فحدا الْحَادِي فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أرْفق يَا أَنْجَشَة وَيحك بِالْقَوَارِيرِ
واحتجاجهم بإنشاد الشّعْر كَمَا قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَأنْشد بَين يَدي النَّبِي ﷺ الاشعار فَلم ينْه عَنْهَا وروى أَنه ص استنشد الْأَشْعَار
وَهَذَا من الْقيَاس الْفَاسِد كَمَا تقدم
قَالَ وَمن الْمَشْهُور الظَّاهِر حَدِيث الجاريتين وَذكر حَدِيث الجاريتين
стр. 285
اللَّتَيْنِ كَانَتَا تُغنيَانِ فِي بَيت عَائِشَة بِمَا تقاولت بِهِ الْأَنْصَار يَوْم بُعَاث فَقَالَ أَبُو بكر مزمور الشَّيْطَان فَقَالَ النَّبِي ﷺ دعهما يَا أَبَا بكر فَإِن لكل قوم عيدا وعيدنا هَذَا الْيَوْم
وَقد تقدم أَن الرُّخْصَة فِي الْغناء فِي أَوْقَات الأفراح للنِّسَاء وَالصبيان أَمر مَضَت بِهِ السّنة كَمَا يرخص لَهُم فِي غير ذَلِك من اللّعب وَلَكِن لَا يَجْعَل الْخَاص عَاما وَلِهَذَا لما قَالَ أَبُو بكر أمزمور الشَّيْطَان فِي بَيت رَسُول الله ﷺ لم يُنكر النَّبِي ﷺ هَذِه التَّسْمِيَة وَالصَّحَابَة لم يَكُونُوا يفضلون شَيْئا من ذَلِك وَلَكِن ذكر النَّبِي ﷺ أمرا خَاصّا بقوله إِن لكل قوم عيدا وَهَذَا عيدنا
وَمثل هَذَا قَوْله لعمر لَو رآك سالكا فجأ لسلك فجا غير فجك لما خَافَ مِنْهُ النِّسَاء فِيمَا كن يفعلنه بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ فَعلم أَن هَذَا وَإِن كَانَ من الشَّيْطَان لَكِن الرُّخْصَة فِيهِ لهَؤُلَاء لِئَلَّا يَدعُوهُم إِلَى
стр. 286
مَا يفْسد عَلَيْهِم دينهم إِذْ لَا يُمكن صرفهم عَن كل مَا تتقاضاه الطبائع من الْبَاطِل
والشريعة جَاءَت بتحصيل الْمصَالح وتكميلها وتعطيل الْمَفَاسِد وتقليلها فَهِيَ تحصل أعظم المصلحتين بِفَوَات أدناهما وتدفع أعظم الفسادين بأحتمال أدناهما فَإِذا وصف الْمُحْتَمل بِمَا فِيهِ من الْفساد مثل كَونه من عمل الشَّيْطَان لم يمْنَع ذَلِك أَن يكون قد وَقع بِهِ مَا هُوَ أحب إِلَى الشَّيْطَان مِنْهُ وَيكون إقرارهم على ذَلِك من الْمَشْرُوع فَهَذَا أصل يَنْبَغِي التفظن لَهُ
والشيطان يوسوس لبني آدم فِي أُمُور كَثِيرَة من الْمُبَاحَات كالتخلي وَالنِّكَاح وَغير ذَلِك وَهُوَ يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم فَلَا يُمكن حفظ جيمع بني آدم من كل مَا للشَّيْطَان فِيهِ نصيب لَكِن الشَّارِع يَأْمر بالتمكن من ذَلِك كَمَا شرع التَّسْمِيَة والاستعاذة عِنْد التخلي وَالنِّكَاح وَغير ذَلِك وَلَو لم يفعل الرجل ذَلِك لم نقل إِنَّه يَأْثَم بالتخلي وَنِكَاح أمْرَأَته وَنَحْو ذَلِك
وَكَذَلِكَ ذكر الْعرس وَقَول النَّبِي ﷺ إِن الْأَنْصَار فيهم غزل وَلَو أرسلتم من يَقُول
стр. 287
.. أَتَيْنَاكُم أَتَيْنَاكُم فحيانا وحياكم ...
وَقد تقدم ان الْخَاص لايجعل
ومدار الْحجَج فِي هَذَا الْبَاب وَنَحْوه إِمَّا على قِيَاس فَاسد وتشبيه الشئ بِمَا لَيْسَ مثله وَإِمَّا على جعل الْخَاص عَاما وَهُوَ أَيْضا من الْقيَاس الْفَاسِد وَإِمَّا احتجابهم بِمَا لَيْسَ بِحجَّة أصلا
ثمَّ احْتج أَبُو الْقَاسِم بِمَا هُوَ من جنس الْقيَاس الْفَاسِد فَذكر حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول حسنوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ فَإِن الصَّوْت الْحسن يزِيد الْقُرْآن حسنا وحديثا عَن أنس مَرْفُوعا لكل شئ حلية وَحلية الْقُرْآن الصَّوْت
стр. 288
وَهَذَا ضَعِيف عَن النَّبِي ﷺ من رِوَايَة عبد الله بن مُحرز وَهُوَ ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ بِحَال
وَقَالَ دلّ هَذَا الْخَبَر على فَضِيلَة الصَّوْت
قلت هَذَا دلّ على فضل الصَّوْت الْحسن بِكِتَاب الله لم يدل على فضيلته بِالْغنَاءِ وَمن شبه هَذَا بِهَذَا فقد شبه الْبَاطِل بأعظم الْحق
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِن هُوَ إِلَّا ذكر وَقُرْآن مُبين﴾ [سُورَة يس ٦٩] فَكيف نشبه مَا أَمر الله بِهِ من تِلَاوَة كِتَابه وتحسينه بالصوت بِمَا لم يَأْمر بتحسين الصَّوْت بِهِ
هَذَا مثل من قَالَ إِذا أَمر الله بِالْقِتَالِ فِي سَبيله بِالسَّيْفِ وَالرمْح وَالرَّمْي دلّ على فَضِيلَة الضَّرْب والطعن ثمَّ يحْتَج بذلك على الضَّرْب والطعن وَالرَّمْي فِي غير سَبِيل الله
وَمثل من قَالَ إِذا أَمر الله بإنفاق المَال فِي سَبيله دلّ على فَضِيلَة المَال ويحتج بذلك على إِنْفَاق المَال فِي غير سَبيله
أَو قَالَ إِذا أَمر الله بالاستعفاف بِالنِّكَاحِ دلّ على فَضِيلَة النِّسَاء ويحتج بذلك على فَضِيلَة النِّسَاء ويحتج بذلك على فَضِيلَة النِّكَاح ويحتج بذلك على فَضِيلَة مَا لم يَأْذَن الله بِهِ من النِّكَاح
стр. 289
وَكَذَلِكَ كل مَا يعين على طَاعَة الله من تفكر أَو صَوت أَو حَرَكَة أَو قُوَّة أَو مَال أَو أعوان أَو غير ذَلِك فَهُوَ مَحْمُود فِي حَال إعانته على طَاعَة الله ومحابه ومراضيه وَلَا يسْتَدلّ بذلك على أَنه فِي نَفسه مَحْمُود على الْإِطْلَاق ويحتج بذلك على أَنه مَحْمُود إِذا استعين بِهِ على مَا هُوَ من طَاعَة الله وَلَا يحْتَج بِهِ على مَا لَيْسَ هُوَ من طَاعَة الله بل هُوَ من الْبدع فِي الدّين أَو الْفُجُور فِي الدُّنْيَا
وَمثل هَذَا قَوْله ص لله أَشد أذنا إِلَى الرجل الْحسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ من صَاحب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته وَقَالَ مَا أذن الله لشئ كأذنه لنَبِيّ حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يجْهر بِهِ بل قَوْله ص لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ يَقْتَضِي أَن التَّغَنِّي الْمَشْرُوع هُوَ بِالْقُرْآنِ وَأَن من تغنى بِغَيْرِهِ فَهُوَ مَذْمُوم وَلَا يُقَال هَذَا يدل على اسْتِحْبَاب حسن التَّغَنِّي
وَقَوله لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ إِمَّا أَن يُرِيد بِهِ الحض على أصل الْفِعْل وَهُوَ نفس التغنى بِالْقُرْآنِ وَإِمَّا أَن يُرِيد بِهِ مُطلق التغنى
стр. 290
وَهُوَ على صفة الْفِعْل وَالْأول هُوَ أَن يكون تغنيه إِذا تغنى بِالْقُرْآنِ لَا بِغَيْرِهِ وَهَذَا كَمَا وَقع فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ [سُورَة الْمَائِدَة ٤٩] هَل هُوَ أَمر بِأَصْل الحكم أَو بِصفتِهِ إِذا حكم
وَالْمعْنَى الثَّانِي ذمّ لمن تغنى بِغَيْرِهِ مُطلقًا دون من ترك التَّغَنِّي بِهِ وَبِغَيْرِهِ
والمنعى الأول ذمّ لمن ترك التغنى بِهِ دون من تغنى بِهِ وَمن تغنى بِغَيْرِهِ
ثمَّ ذكر أَبُو الْقَاسِم حَدِيث ابْن عَاصِم عَن شبيب بن بشر عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ صوتان ملعونان صَوت ويل عِنْد مُصِيبَة وَصَوت مزمار عِنْد نعْمَة مَفْهُوم الْخطاب يَقْتَضِي إِبَاحَة غير هَذَا فِي غير هَذِه الْأَحْوَال وَإِلَّا لبطل التَّخْصِيص
قلت هَذَا الحَدِيث من أَجود مَا يحْتَج بِهِ على تَحْرِيم الْغناء كَمَا فِي اللَّفْظ الْمَشْهُور عَن جَابر بن عبد الله ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِنَّمَا نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين صَوت
стр. 291
عِنْد نعْمَة لَهو وَلعب وَمَزَامِير الشَّيْطَان وَصَوت عِنْد مُصِيبَة لطم خدود وشق جُيُوب وَدَعوى بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة
فَنهى عَن الصَّوْت الَّذِي يفعل عِنْد النِّعْمَة كَمَا نهى عَن الصَّوْت الَّذِي يفعل عِنْد الْمُصِيبَة وَالصَّوْت الَّذِي عِنْد النِّعْمَة هُوَ صَوت الْغناء
وَأما قَوْله صَوت مزمار فَإِن نفس صَوت الْإِنْسَان يُسمى مِزْمَارًا كَمَا قيل لأبي مُوسَى لقد اوتي هَذَا مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد وكما قَالَ أَبُو بكر ﵁ أبمزمور الشَّيْطَان فِي بَيت رَسُول الله ﷺ
وَأما قَوْله مَفْهُوم الْخطاب يَقْتَضِي إِبَاحَة غير هَذَا جَوَابه من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن مثل اللَّفْظ الَّذِي ذكره لَا مَفْهُوم لَهُ عِنْد أَكثر أهل الْعلم
стр. 292
والتخصيص فِي مثل هَذَا كَقَوْلِه ص ثَلَاث فِي امتي من أَمر الْجَاهِلِيَّة وَمن قَالَ إِنَّه يكون لَهُ مَفْهُوم فَذَلِك إِذا لم يكن للتخصيص سَبَب آخر وَهَذَا التَّخْصِيص لكَون هَذِه الْأَصْوَات هِيَ الَّتِي كَانَت مُعْتَادَة فِي زَمَنه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق﴾ [سُورَة الْإِسْرَاء ٣١]
وَالثَّانِي أَن اللَّفْظ الَّذِي ذكره الرَّسُول يدل على مورد النزاع فَإِنَّهُ صَوت النِّعْمَة وَلَو لم تكن نعْمَة لَكَانَ تَنْبِيها عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذا نهى عَن ذَلِك عِنْد النِّعْمَة وَالْإِنْسَان مَعْذُور فِي ذَلِك كَمَا رخص فِي غناء النِّسَاء فِي الأعراس والأعياد وَنَحْو ذَلِك فَلِأَن ينْهَى عَن ذَلِك بِدُونِ ذَلِك بِدُونِ أولى وَأَحْرَى
والألات الملهية قد صَحَّ فِيهَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا مَجْزُومًا بِهِ دَاخِلا فِي شَرطه عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول لَيَكُونن فِي أمتِي أَقوام يسْتَحلُّونَ الْحر وَالْحَرِير وَالْخمر وَالْمَعَازِف ولينزلن أَقوام إِلَى جنب علم يروح بسارحة
стр. 293
لَهُم يَأْتِيهم لحاجتهم فَيَقُولُونَ ارْجع إِلَيْنَا غَدا فيبيتهم الله وَيَضَع الْعلم ويمسخ آخَرين قردة وَخَنَازِير إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقد روى أَن رجلا أنْشد بَين يَدي النَّبِي ﷺ فَقَالَ ... أَقبلت فلاح لَهَا عارضان كالسبج ...
стр. 294
.. أَدْبَرت فَقلت لَهَا والفؤاد فِي وهج
هَل على ويحكما ان عشقت من حرج ...
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا حرج إِن شَاءَ الله
قلت هَذَا الحَدِيث مَوْضُوع بأتفاق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ لَا أصل لَهُ وَلَيْسَ هُوَ فِي شئ من دواوين الْإِسْلَام وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد بل هُوَ من جنس الحَدِيث الآخر الَّذِي قيل فِيهِ إِن أَعْرَابِيًا أَتَى إِلَى النَّبِي ﷺ وأنشده ... قد لسعت حَيَّة الْهوى كبدى فَلَا طَبِيب لَهَا وَلَا راقى
إِلَّا الحبيب الَّذِي شغفت بِهِ فَعنده رقيتي وترياقي ...
стр. 295
وَهَذَا أَيْضا مَوْضُوع بأتفاق أهل الْعلم كذب مفترى
وَكَذَلِكَ مَا يرْوى من أَنهم تواجدوا وَأَنَّهُمْ مزقوا الْخِرْقَة وَنَحْو ذَلِك كل ذَلِك كذب لم يكن فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة لَا بالحجاز وَلَا بِالشَّام وَلَا بِالْيمن وَلَا بالعراق وَلَا خُرَاسَان من يجْتَمع على هَذَا السماع الْمُحدث فضلا عَن أَن يكون كَانَ نَظِيره على عهد النَّبِي ﷺ وَلَا كَانَ أحد يمزق ثِيَابه وَلَا يرقص فِي سَماع وَلَا شئ من ذَلِك أصلا بل لما حدث التغبير فِي أَوَاخِر الْمِائَة الثَّانِيَة وَكَانَ أَهله من خِيَار الصُّوفِيَّة وَحدث من جِهَة الْمشرق الَّتِي يطلع مِنْهَا قرن الشَّيْطَان وَمِنْهَا الْفِتَن
قَالَ الشَّافِعِي ﵁ خلفت بِبَغْدَاد شَيْئا أحدثته الزَّنَادِقَة يسمونه التغبير يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن
وَالَّذين شهدُوا هَذَا اللَّغْو متأولين من أهل الصدْق وَالْإِخْلَاص وَالصَّلَاح غمرت حسناتهم مَا كَانَ لَهُم فِيهِ وَفِي غَيره من السَّيِّئَات أَو الْخَطَأ
стр. 296
فِي مواقع االأجتهاد وَهَذَا سَبِيل كل صالحي هَذِه الْأمة فِي خطئهم وزلاتهم
قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاؤون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾ [سُورَة الزمر ٣٣ ٣٥] وَذَلِكَ كالمتأولين فِي تنَاول الْمُسكر من صالحي أهل الْكُوفَة وَمن اتبعهم على ذَلِك وَإِن كَانَ المشروب خمرًا لَا يشك فِي ذَلِك من اطلع على اقوال النَّبِي ﷺ وأقوال الصَّحَابَة وَكَذَلِكَ المتأولون للمتعة وَالصرْف من اهل مَكَّة متبعين لما كَانَ يَقُوله ابْن عَبَّاس وَإِن كَانَ قد رَجَعَ عَن ذَلِك أَو زادوا عَلَيْهِ إِذْ لَا يشك فِي ذَلِك وَأَنه من أَنْوَاع الرِّبَا الْمحرم وَالنِّكَاح الْمحرم من اطلع على نُصُوص النَّبِي ﷺ
وَكَذَلِكَ المتأولون فِي بعض الْأَطْعِمَة والحشوش من أهل الْمَدِينَة وَإِن كَانَ لَا يشك فِي تَحْرِيم ذَلِك من اطلع على نُصُوص النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَكَذَلِكَ مَا دخل فِيهِ من دخل من السَّابِقين وَالتَّابِعِينَ من الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَالْبَغي بالتأويل مَعَ مَا علم فِي ذَلِك من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة من ترك الْقِتَال وَالصُّلْح فَمَا تَأَول فِيهِ قوم من ذَوي الْعلم وَالدّين من مطعوم أَو مشروب اَوْ منكوح أَو مَمْلُوك أَو مِمَّا قد علم أَن الله قد حرمه وَرَسُوله لم يجز
стр. 297
اتباعهم فِي ذَلِك مغفورا لَهُم وَإِن كَانُوا خِيَار الْمُسلمين وَالله قد غفر لهَذِهِ الْأمة الْخَطَأ وَالنِّسْيَان كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَهُوَ سُبْحَانَهُ يمحو السَّيِّئَات بِالْحَسَنَاتِ وَيقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات
وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَمَّا ذكره الشَّيْخ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ فِي كِتَابه قوت الْقُلُوب حَيْثُ ذكر أَنه من أنكر السماع مُطلقًا غير مُقَيّد فقد أنكر على سبعين صديقا وَلَعَلَّ الْإِنْكَار الْيَوْم يَقع على خلق عَظِيم من الصديقين لَكِن يُقَال الَّذين أَنْكَرُوا ذَلِك أَكثر من سبعين صديقا وَسبعين صديقا وَسبعين صديقا وهم أعظم علما وإيمانا وَأَرْفَع دَرَجَة فَلَيْسَ الِانْتِصَار بطَائفَة من الصديقين على نظرائهم لَا سِيمَا من هُوَ أكبر وأكبر بأدل من الْعَكْس
فَإِن الْقَائِل إِذا قَالَ من شرع هَذَا السماع الْمُحدث وَجعله مِمَّا يتَقرَّب بِهِ فقد خَالف جَمَاهِير الصديقين من هَذِه الامة ورد عَلَيْهِم كَانَ قَوْله أصح وَأقوى فِي الْحجَّة دع مَا سوى ذَلِك
وَهنا أصل يجب اعْتِمَاده وَذَلِكَ أَن الله سُبْحَانَهُ عصم هَذِه الْأمة أَن تَجْتَمِع على ضَلَالَة وَلم يعْصم آحادها من الْخَطَأ لَا صديقا وَلَا غير صديق لَكِن إِذا وَقع بَعْضهَا فِي خطأ فَلَا بُد أَن يُقيم الله فِيهَا من يكون
стр. 298
على الصَّوَاب فِي ذَلِك الْخَطَأ لِأَن هَذِه الْأمة شُهَدَاء على النَّاس وهم شُهَدَاء الله فِي الارض وهم خير أمة أخرجت للنَّاس يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر فَلَا بُد أَن تَأمر بِكُل مَعْرُوف وتنهى عَن كل مُنكر فَإِذا كَانَ فِيهَا من يَأْمر بمنكر متأولا فَلَا بُد أَن يكون فِيهَا من يَأْمر بذلك الْمَعْرُوف
فَأَما الِاحْتِجَاج بِفعل طَائِفَة من الصديقين فِي مَسْأَلَة نازعهم فِيهَا أعدائهم فَبَاطِل بل لَو كَانَ المنازع لَهُم أقل مِنْهُم عددا وَأدنى منزلَة لم تكن الْحجَّة مَعَ أَحدهمَا إِلَّا بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله فَإِنَّهُ بذلك أمرت الامة
كَمَا قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن تنازعهم فِي شئ فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر [سُورَة النِّسَاء ٥٩] فَإِذا تنازعت الْأمة وولاه الْأُمُور من الصديقين وَغَيرهم فَعَلَيْهِم جَمِيعهم أَن يردوا مَا تنازعوا فِيهِ إِلَى الله وَرَسُوله
وَمن الْمَعْلُوم أَن الصديقين الَّذين أباحوا بعض الْمُسكر كَانُوا أسبق من هَؤُلَاءِ وَأكْثر وأكبر وَكَذَلِكَ الَّذين استحلوا الْمُتْعَة وَالصرْف وَبَعض المطاعم الخبيثة والحشوش وَالَّذين استحلوا الْقِتَال فِي الْفِتْنَة متأولين معتقدين أَنهم على الْحق وَغير ذَلِك هم أسبق من هَؤُلَاءِ وَأكْثر وأكبر
فَإِذا نهى عَمَّا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله لم يكن لأحد أَن يَقُول هَذَا إِنْكَار
стр. 299
على كَذَا وَكَذَا رجلا من السَّابِقين وَالتَّابِعِينَ فَإِن هَذَا الْإِنْكَار كَانَ من نظرائهم وَمن هُوَ فَوْقهم أَو قَرِيبا مِنْهُم وَعند التَّنَازُع فالمرد إِلَى الله وَرَسُوله
وَلَكِن من ذهب إِلَى القَوْل الْمَرْجُوح ينْتَفع بِهِ فِي عذر المتأولين فَإِن عَامَّة مَا حرمه الله مثل قتل النَّفس بِغَيْر حق وَمثل الزِّنَا وَالْخمر وَالْميسر وَالْأَمْوَال والاعراض قد اسْتحلَّ بعض أَنْوَاعه طوائف من الامة بالتأويل وَفِي المستحلين قوم من صالحي الْأمة وَأهل الْعلم وَالْإِيمَان مِنْهُم
لَكِن المستحل لذَلِك لَا يعْتَقد أَنه من الْمُحرمَات وَلَا أَنه دَاخل فِيمَا ذمه الله وَرَسُوله فالمقاتل فِي الْفِتْنَة متأولا لَا يعْتَقد أَنه قتل مُؤمنا بِغَيْر حق والمبيح للمتعة والحشوش وَنِكَاح الْمُحَلّل لَا يعْتَقد أَنه أَبَاحَ زنا وسفاحا والمبيح للنبيذ المتأول فِيهِ ولبعض أَنْوَاع الْمُعَامَلَات الربوية وعقود المخاطرات لَا يعْتَقد أَنه أَبَاحَ الْخمر وَالْميسر والربا
وَلَكِن وُقُوع مثل هَذَا التَّأْوِيل من الْأَئِمَّة المتبوعين أهل الْعلم وَالْإِيمَان صَار من أَسبَاب المحن والفتنة فَإِن الَّذين يعظمونهم قد يقتدون بهم فِي ذَلِك وَقد لَا يقفون عِنْد الْحَد الَّذِي انْتهى إِلَيْهِ أُولَئِكَ بل يتعدون ذَلِك وَيزِيدُونَ زيادات لم تصدر من أُولَئِكَ الْأَئِمَّة السَّادة وَالَّذين يعلمُونَ تَحْرِيم جنس ذَلِك الْفِعْل قد يعتدون على المتأولين بِنَوْع
стр. 300
من الذَّم فِيمَا هُوَ مغْفُور لَهُم ويتبعهم آخَرُونَ فيزيدون فِي الذَّم مَا يسْتَحلُّونَ بِهِ من أَعْرَاض إخْوَانهمْ وَغير أعراضهم مَا حرمه الله وَرَسُوله فَهَذَا وَاقع كثير فِي موارد النزاع الَّذِي وَقع فِيهِ خطأ من بعض الْكِبَار
وَاعْتبر ذَلِك بِمَسْأَلَة السماع الَّتِي تكلمنا فِيهَا فَإِن الله سُبْحَانَهُ شرع للْأمة مَا أغناهم بِهِ عَمَّا لم يشرعه حَيْثُ أكمل الدّين وَأتم عَلَيْهِم النِّعْمَة ورضى لَهُم الْإِسْلَام دينا وَهُوَ سَماع الْقُرْآن الَّذِي شَرعه لَهُم فِي الصَّلَاة الَّتِي هِيَ عماد دينهم وَفِي غير الصَّلَاة مُجْتَمعين ومنفردين حَتَّى كَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد إِذا اجْتَمعُوا أمروا وَاحِدًا مِنْهُم ان يقْرَأ وَالْبَاقُونَ يسمعُونَ وَكَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول لأبي مُوسَى يَا أَبَا مُوسَى ذكرنَا رَبنَا فَيقْرَأ وهم يَسْتَمِعُون وَقد بسطنا القَوْل فِي ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع وَإِنَّمَا ذكرنَا هُنَا نكتا تتَعَلَّق بِالسَّمَاعِ
قَالَ تَعَالَى ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها مثاني تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم ثمَّ تلين جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذكر الله﴾ [سُورَة الزمر ٢٣]
وَذكر سَماع الْمُؤمنِينَ والعارفين وَالْعَالمِينَ والنبيين فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا﴾ [سُورَة الْأَنْفَال ٢]
وَقَالَ تَعَالَى إِن الَّذين أُوتُوا الْعلم من قبله إِذا يُتْلَى عَلَيْهِم يخرون للأذقان سجدا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبنَا إِن كَانَ وعد رَبنَا لمفعولا ويخرون للأذقان يَبْكُونَ ويزيدهم خشوعا [سُورَة الْإِسْرَاء ١٠٨ ١٠٩]
стр. 301
وَقَالَ أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين من ذُرِّيَّة آدم وَمِمَّنْ حملنَا مَعَ نوح وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَإِسْرَائِيل وَمِمَّنْ هدينَا واجتبينا إِذا تتلى عَلَيْهِم آيَات الرَّحْمَن خروا سجدا وبكيا [سُورَة مَرْيَم ٥٨]
وَقَالَ تَعَالَى الَّذين يستعون القَوْل فيتبعون أحْسنه [سُورَة الزمر ١٨]
وَقَالَ وَالَّذين إِذا ذكرُوا بآيَات رَبهم لم يخروا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا [سُورَة الْفرْقَان ٧٣]
وَقَالَ تَعَالَى وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تغلبون [سُورَة فصلت ٢٦]
وَقَالَ تَعَالَى وَقَالَ الرَّسُول يَا رب إِن قومِي اتَّخذُوا هَذَا الْقُرْآن مَهْجُورًا [سُورَة الْفرْقَان ٣٠]
وَقَالَ تَعَالَى إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [سُورَة الانفال ٢٣]
وَقَالَ فَمَا لَهُم عَن التَّذْكِرَة معرضين كَأَنَّهُمْ حمر مستنفرة فرت من قسورة [سُورَة المدثر ٤٩ ٥١]
وَقَالَ ﴿وَإِذا قَرَأت الْقُرْآن جعلنَا بَيْنك وَبَين الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة حِجَابا مَسْتُورا﴾ الْآيَة [سُورَة الْإِسْرَاء ٥٤]
стр. 302
وَقَالَ ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ [سُورَة التَّوْبَة ٦]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿اتل مَا أُوحِي إِلَيْك من الْكتاب﴾ [سُورَة العنكبوت ٤٥]
وَقَالَ فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ [سُورَة المزمل ٢٠]
وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن فَلهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات أما إِنِّي لَا أَقُول ألم حرف وَلَكِن أَقُول ألف حرف وَلَام حرف وَمِيم حرف وَهَذَا بَاب وَاسع يضيق هَذَا الْموضع عَن ذكر جُزْء مِنْهُ
فَلَمَّا انقرضت الْقُرُون الفاضلة حصل فَتْرَة فِي هَذَا السماع الْمَشْرُوع الَّذِي بِهِ صَلَاح الْقُلُوب وَكَمَال الدّين وَصَارَ أهل التَّغْيِير فِيهِ أحد رجلَيْنِ رجل معرض عَن السماع الْمَشْرُوع وَغير الْمَشْرُوع وَرجل احْتَاجَ إِلَى سَماع القصائد والأبيات فأحدث سَماع القصائد والأبيات كالتغير وَكَانَ الأكابر الَّذين حَضَرُوهُ لَهُم من التَّأْوِيل مَا لَهُم فَأَقَامَ الله فِي الْأمة من أنكر ذَلِك كَمَا هُوَ سنة الله فِي هَذِه الْأمة الآمرة بِالْمَعْرُوفِ الناهية عَن الْمُنكر
стр. 303
وَهَؤُلَاء المنكرون فيهم المقتصد فِي إِنْكَاره وَمِنْهُم المتأول بِزِيَادَة فِي الْإِنْكَار غير مَشْرُوعَة
كَمَا أحدث أُولَئِكَ مَا لَيْسَ مَشْرُوعا وَصَارَ على تَمَادى الايام يزْدَاد الْمُحدث من السماع ويزداد التَّغْلِيظ فِي أهل الْإِنْكَار حَتَّى آل الْأَمر من أَنْوَاع الْبدع والضلالات والتفرق والاختلافات إِلَى مَا هُوَ من أعظم القبائح الْمُنْكَرَات الَّتِي لَا يشك فِي عظم إثمها وتحريمها من لَهُ أدنى علم وإيمان
وأصل هَذَا الْفساد من ذَلِك التَّأْوِيل فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد فَمن ثبته الله بالْقَوْل الثَّابِت أعْطى كل ذِي حق حَقه وَحفظ حُدُود الله فَلم يتعدها ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ [سُورَة الطَّلَاق ١] فالشر فِي التَّفْرِيط بترك الْمَأْمُور أَو الْعدوان بتعدي الْحُدُود وحصلت الزِّيَادَات فِي جَمِيع الْأَنْوَاع المبتدعة
فَإِن أصل سَماع القصائد كَانَ تلحينا بإنشاد قصائد مرققة للقلوب تحرّك تَحْرِيك الْمحبَّة والشوق أَو الْخَوْف والخشية أَو الْحزن والأسف وَغير ذَلِك وَكَانُوا يشترطون لَهُ الْمَكَان والإمكان والخلان فيشترطون أَن يكون المجتمعون لسماعها من أهل الطَّرِيق المريدين لوجه الله وَالدَّار الْآخِرَة وَأَن يكون الشّعْر المنشد غير مُتَضَمّن لما يكره سَمَاعه فِي الشَّرِيعَة وَقد يشْتَرط بَعضهم أَن يكون القوال مِنْهُم وَرُبمَا اشْترط بَعضهم ذَلِك فِي
стр. 304
الشَّاعِر الَّذِي انشأ تِلْكَ القصائد وَرُبمَا ضمُّوا إِلَيْهِ آلَة تقوى الصَّوْت وَهُوَ الضَّرْب بالقضيب على جلد مخدة أَو غَيرهَا وَهُوَ التغبير
وَمن الْمَعْلُوم أَن اسْتِمَاع الْأَصْوَات يُوجب حَرَكَة النَّفس بِحَسب ذَلِك الصَّوْت الَّذِي يُوجب الْحَرَكَة وَهُوَ يُوجب الْحَرَكَة
وللأصوات طبائع متنوعة تتنوع آثارها فِي النَّفس وَكَذَلِكَ للْكَلَام المسموع نظمه ونثره فَيجْمَعُونَ بَين الصَّوْت الْمُنَاسب والحروف الْمُنَاسبَة لَهُم
وَهَذَا الْأَمر يَفْعَله بَنو آدم من أهل الديانَات البدعية كالنصارى والصابئة وَغير أهل الديانَات مِمَّن يُحَرك بذلك حبه وشوقه ووجده أَو حزنه وأسفه أَو حميته وغضبه أَو غير ذَلِك فخلف بعد أُولَئِكَ من صَار يجمع عَلَيْهِ أخلاطا من النَّاس ويرون اجْتِمَاعهم لذَلِك شبكة تصطاد النُّفُوس بزعمهم إِلَى التَّوْبَة والوصول فِي طَرِيق أهل الارادة
وأحدث بعد أُولَئِكَ أَيْضا الِاسْتِمَاع من المخانيث المعروفين بِالْغنَاءِ لأهل الفسوق وَالزِّنَا وَرُبمَا استمعوه من الصّبيان المردان أَو من النسوان الملاح كَمَا يفعل أهل الدساكر والمواخير
وَقد يجمعُونَ فِي السماع أَنْوَاع الْفُسَّاق والفجار وَرُبمَا قصدُوا التكاثر بهم والافتخار لَا سِيمَا إِن كَانُوا من أهل الرياسة واليسار وَكَثِيرًا
стр. 305
مَا يحضر فِيهِ أَنْوَاع المردان وَقد يكون ذَلِك من أكبر مَقَاصِد أهل السماع وَرُبمَا ألبسوهم الثِّيَاب المصبغة الْحَسَنَة وأرقصوهم فِي طابق الرقص والدوران وَجعلُوا مشاهدتهم بل معانقتهم مَطْلُوبا لمن يحضر من الْأَعْيَان وَإِذا غلبهم وجد الشَّيْطَان رفعوا الْأَصْوَات الَّتِي يبغضها الرَّحْمَن
وَكَذَلِكَ زادوا فِي الابتداع فِي إنشاد القصائد فكثيرا مَا ينشدون أشعار الْفُسَّاق والفجار وَفِيهِمْ كثير ينشدون أشعار الْكفَّار بل ينشدون مَا لَا يستجيزه أَكثر اهل التَّكْذِيب وَإِنَّمَا يَقُوله أعظم النَّاس كفرا بِرَبّ الْعَالمين وأشدهم بعدا عَن الله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ
وَزَادُوا أَيْضا فِي الْآلَات الَّتِي تستثار بهَا الْأَصْوَات مِمَّا يصنع بالأفواه وَالْأَيْدِي كأبواق الْيَهُود ونواقيس النَّصَارَى من يبلغ الْمُنْكَرَات كأنواع الشبابات والصفارات وأنواع الصلاصل والأوتار المصوتات مَا عظمت بِهِ الْفِتْنَة حَتَّى رَبًّا فِيهَا الصَّغِير وهرم فِيهَا الْكَبِير وَحَتَّى اتَّخذُوا ذَلِك دينا وديدنا وجعلوه من الْوَظَائِف الرَّاتِبَة بِالْغَدَاةِ والعشى كَصَلَاة الْفجْر وَالْعصر وَفِي الْأَوْقَات والاماكن الفاضلات واعتاضوا بِهِ عَن الْقُرْآن والصلوات
وَصدق فيهم قَوْله ﴿فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة﴾
стр. 306
﴿وَاتبعُوا الشَّهَوَات﴾ [سُورَة مَرْيَم ٥٩] وَصَارَ لَهُم نصيب من قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية﴾ [سُورَة الْأَنْفَال ٣٥] إِذْ المكاء هُوَ الصفير وَنَحْوه من الْغناء والتصدية هِيَ التصفيق بِالْأَيْدِي فَإِذا كَانَ هَذَا سَماع الْمُشْركين الَّذِي ذمه الله فِي كِتَابه فَكيف إِذا اقْترن بالمكاء الصفارات المواصيل وبالتصدية مصلصلات الغرابيل وَجعل ذَلِك طَرِيقا ودينا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الْمولى الْجَلِيل
وَظهر تَحْقِيق قَول عبد الله بن مَسْعُود ﵁ الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب كَمَا ينْبت المَاء البقل
بل أفْضى الْأَمر إِلَى أَن يجْتَمع فِي هَذَا السماع على الْكفْر بالرحمن والاستهزاء بِالْقُرْآنِ والذم للمساجد والصلوات والطعن فِي أهل الْإِيمَان والقربات وَالِاسْتِخْفَاف بالأنبياء وَالْمُرْسلِينَ والتحضيض على جِهَاد الْمُؤمنِينَ ومعاونة الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ واتخاذ الْمَخْلُوق إِلَهًا من دون رب الْعَالمين وَشرب أَبْوَال المستمعين وَجعل ذَلِك من أفضل أَحْوَال العارفين وَرفع الْأَصْوَات الْمُنْكَرَات الَّتِي أَصْحَابهَا شَرّ من الْبَهَائِم السائمات الَّذين قَالَ الله فِي مثلهم ﴿أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ [سُورَة الْفرْقَان ٤٤]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ١٧٩] الَّذين
стр. 307
يَفْعَلُونَ فِي سماعاتهم مَا لَا يَفْعَله الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلِهَذَا يتولون من يتولاهم من الْيَهُود وَالنَّصَارَى والصابئة وَالْمُشْرِكين وَالْمَجُوس ويجعلونهم من إخْوَانهمْ وأصحابهم وَأهل خرقتهم مَعَ معاداتهم للأنبياء وَالْمُؤمنِينَ
فَصَارَ السماع الْمُحدث دائرا بَين الْكفْر والفسوق والعصيان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وكفره من أغْلظ الْكفْر وأشده وفسوقه من اعظم الفسوق
وَذَلِكَ أَن تَأْثِير الْأَصْوَات فِي النُّفُوس من أعظم التَّأْثِير يغنيها ويغذيها حَتَّى قيل إِنَّه لذَلِك سمى غناء لِأَنَّهُ يُغني النَّفس
وَهُوَ يفعل فِي النُّفُوس أعظم من حميا الكؤوس حَتَّى يُوجب للنفوس أحوالا عَجِيبَة يظنّ أَصْحَابهَا أَن ذَلِك من جنس كرامات الْأَوْلِيَاء وَإِنَّمَا هُوَ من الْأُمُور الطبيعية الْبَاطِلَة المبعدة عَن الله إِذْ الشَّيَاطِين تمدهم فِي هَذَا السماع بأنواع الْإِمْدَاد
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وإخوانهم يمدونهم فِي الغي ثمَّ لَا يقصرون﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٠٢] وَقَالَ للشَّيْطَان واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك [سُورَة الْإِسْرَاء ٦٤] فَرُبمَا يخف أحدهم حَتَّى يرقص فَوق رؤوسهم وَيكون شَيْطَانه هُوَ المغوى لنفوسهم
стр. 308
وَلِهَذَا كَانَ مرّة فِي سَماع يحضرهُ الشَّيْخ شبيب الشطي فَبَيْنَمَا هم فِي سَماع أحدهم وَإِذا بعفريت يرقص فِي الْهَوَاء على رؤوسهم فتعجبوا مِنْهُ وَطلب الشَّيْخ لمريده الشَّيْخ أَبَا بكر بن فينان وَكَانَ لَهُ حَال وَمَعْرِفَة فَلَمَّا رَآهُ صرخَ فِيهِ فَوَقع فَمَا فرغوا طلب مِنْهُ ان ينصفه وَقَالَ هَذَا سلبني حَالي فَقَالَ الشَّيْخ لم يكن لَهُ حَال وَلَكِن كَانَ بالرحبة فَحَمله شَيْطَانه إِلَى هُنَا وَجعل يرقص بِهِ فَلَمَّا رَأَيْت الشَّيْطَان صرخت فِيهِ فهرب فَوَقع هَذَا
والقصة مَعْرُوفَة يعرفهَا أَصْحَاب الشَّيْخ
وَصَارَ فِي أهل هَذَا السماع الْمُحدث الَّذين اتَّخذُوا دينهم لَغوا وَلَعِبًا ضد مَا أحبه الله وشرعه فِي دين الْحق الَّذِي بعث بِهِ رَسُوله من عَامَّة الْوُجُوه بل صَار مُشْتَمِلًا على جَمِيع مَا حرمه الله وَرُسُله
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٣٣] فَصَارَ فِيهِ من الْفَوَاحِش الظَّاهِرَة والباطنة وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق والإشراك بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَالْقَوْل على الله بِغَيْر علم مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله فَإِنَّهُ تنوع وتعدد وتفرق أَهله فِيهِ وصاروا شيعًا لكل قوم ذوق ومشروب وَطَرِيق
стр. 309
يفارقون بِهِ غَيرهم حَتَّى فِي الْحُرُوف المنشدة والأصوات الملحنة والأذواق الْمَوْجُودَة والحركات الثائرة وَالْقَوْم المجتمعين وَصَارَ من فِيهِ من الْعلم وَالْإِيمَان مَا ينهاه عَمَّا ظهر تَحْرِيمه من أَنْوَاع الْكفْر وَالظُّلم وَالْفَوَاحِش يُرِيد أَن يحد حدا للسماع الْمُحدث يفصل بِهِ بَين مَا يسوغ مِنْهُ وَمَا لَا يسوغ فَلَا يكَاد يَنْضَبِط حد لَا بالْقَوْل وَلَا بِالْعَمَلِ فَإِن قرب فِي الضَّبْط والتحديد بالْقَوْل لم يَنْضَبِط لَهُ بِالْعَمَلِ إِذْ ينْدر وجود تِلْكَ الشُّرُوط حَتَّى إِنَّه اجْتمع مرّة بِبَغْدَاد فِي حَال عمارتها وَوُجُود الْخلَافَة بهَا أَعْيَان الشُّيُوخ الَّذين يحْضرُون السماع الْمفْتُون فَلم يَجدوا من يصلح لَهُ فِي بَغْدَاد وسوادها إِلَّا نَفرا إِمَّا ثَلَاثَة وَإِمَّا أَرْبَعَة وَإِمَّا نَحْو ذَلِك
وَسبب هَذَا الإضراب أَنه لَيْسَ من عِنْد الله وَمَا كَانَ من عِنْد غير الله وجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ منيبين إِلَيْهِ واتقوه وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين من الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ [سُورَة الرّوم ٣٠ ٣٢]
ثمَّ مَعَ اشتماله على الْمُحرمَات كلهَا أَو بَعْضهَا يرَوْنَ أَنه من أعظم القربات بل أعظمها وأجلها قدرا وَأَن أَهله هم الصفوة أَوْلِيَاء الله وَخيرته من خلقه وَلَا يرضون بمساواة السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين والانصار وَسلف الْأمة حَتَّى يتفضلوا عَلَيْهِم وَفِيهِمْ من يساوون أنفسهم
стр. 310
بالأنبياء وَالْمُرْسلِينَ وَفِيهِمْ من يتفضل أَيْضا على الانبياء وَالْمُرْسلِينَ على أَنْوَاع من الْكفْر الَّتِي لَيْسَ هَذَا موضعهَا
وجماع الْأَمر انه صَار فِيهِ وَفِيمَا يتبعهُ فِي وَسَائِل ذَلِك ومقاصده فِي موجوده ومقصوده فِي صفته ونتيجته ضد مَا فِي السماع والعبادات الشَّرْعِيَّة فِي وسائلها ومقاصدها موجودها ومقصودها صفتهَا ونتيجتها فَذَاك يُوجب الْعلم وَالْإِيمَان وَهَذَا يُوجب الْكفْر والنفاق وَلِهَذَا كَانَ أَعْرَاب النَّاس أهل الْبَوَادِي من الْعَرَب وَالتّرْك والكرد وَغَيرهم أَكثر اسْتِعْمَالا لَهُ من أهل الْقرى فَإِنَّهُم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا وأجدر أَلا يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله﴾ [سُورَة التَّوْبَة ٩٧]
وَلِهَذَا كَانَ يحضرهُ الشَّيَاطِين كَمَا أَن سَماع أهل الْإِيمَان تحضره الْمَلَائِكَة وتنزل عَلَيْهِم فِيهِ الشَّيَاطِين وتوحى إِلَيْهِم كَمَا تنزل الْمَلَائِكَة على الْمُؤمنِينَ وتقذف فِي قُلُوبهم مَا امرهم الله فَإِن الْمَلَائِكَة تنزل عِنْد سَماع الْقُرْآن وَعند ذكر الله
كَمَا فِي الصَّحِيح مَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم إِلَّا غشيتهم الرَّحْمَة وَنزلت عَلَيْهِم السكينَة وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده
стр. 311
وَفِي الصَّحِيح أَن أسيد بن الْحضير كَانَ يقْرَأ سُورَة الْكَهْف فَرَأى مثل الظلة فِيهَا أَمْثَال المصابيح فَقَالَ النَّبِي ﷺ تِلْكَ السكينَة تنزلت لسَمَاع الْقُرْآن
وَفِي الصَّحِيح إِن لله مَلَائِكَة فضلا عَن كتاب النَّاس فَإِذا رَأَوْا قوما يذكرُونَ الله تنادوا هلموا إِلَى حَاجَتكُمْ الحَدِيث بِطُولِهِ
وَهَذَا السماع الْمُحدث تحضره الشَّيَاطِين كَمَا رأى ذَلِك من كشف لَهُ وكما تُوجد آثَار الشَّيَاطِين فِي أَهله حَتَّى أَن كثيرا مِنْهُم يغلب عَلَيْهِ الوجد فيصعق كَمَا يصعق المصروع ويصيح كصياحه وَيجْرِي على لِسَانه من الْكَلَام مَا لَا يفهم مَعْنَاهُ وَلَا يكون بلغته كَمَا يجْرِي على لِسَان المصروع وَرُبمَا كَانَ ذَلِك من شياطين قوم من الْكفَّار الَّذِي يكون أهل ذَلِك السماع مشابهين لقُلُوبِهِمْ كَمَا يُوجد ذَلِك فِي أَقوام كثيرين كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي
стр. 312
وجدهم واختلاطهم بلغَة التّرْك التتر الْكفَّار فَينزل عَلَيْهِم شياطينهم ويغوونهم ويبقون منافقين موالين لَهُم وهم يظنون أَنهم من أَوْلِيَاء الله وَإِنَّمَا هم من أَوْلِيَاء الشَّيْطَان وَحزبه
وَلِهَذَا يُوجد فِيهِ مِمَّا يُوجد فِي الْخمر من الصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة وَمن إِيقَاع الْعَدَاوَة والبغضاء حَتَّى يقتل بَعضهم بَعْضًا فِيهِ وَلِهَذَا يَفْعَلُونَهُ على الْوَجْه الَّذِي يُحِبهُ الشَّيْطَان ويكرهه الرَّحْمَن
وَذَلِكَ من وُجُوه
أَحدهَا أَن الْعِبَادَات الشَّرْعِيَّة مثل الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْحج قد شرع فِيهَا من مجانبة جنس الْمُبَاشرَة الْمُبَاحَة فِي غَيرهَا مَا هُوَ من كمالها وتمامها فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ١٨٧]
وَقَالَ ﴿فَالْآن باشروهن وابتغوا مَا كتب الله لكم وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ١٨٧]
وَقَالَ ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ [سُورَة النِّسَاء ٤٣]
وَأعظم ذَلِك الْحَج فَلَيْسَ للْمحرمِ أَن يُبَاشر فِيهِ النِّسَاء وَلَا ينظر إِلَيْهِم لشَهْوَة والمعتكف قريب مِنْهُ والصائم دونه والمصلى لَا يصاف النِّسَاء بل يؤخرن عَن صُفُوف الرِّجَال ويصلين خلف الرِّجَال كَمَا
стр. 313
قَالَ النَّبِي ﷺ خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا وشرها آخرهَا وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا
وَلَيْسَ للمصلى فِي حَال صلَاته أَن ينظر إِلَى مَا يلهيه عَن الصَّلَاة لَا نسَاء وَلَا غَيرهم بل قد ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه إِذا مر أَمَامه الْمَرْأَة وَالْحمار وَالْكَلب الْأسود وضع صلَاته وَإِن كَانَ قد ثَبت عَن النَّبِي ص
стр. 314
أَنه كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَة مُضْطَجِعَة فِي قبلته بِاللَّيْلِ فِي الظلمَة فَإِذا أَرَادَ أَن يسْجد غمزها فاللابث غير الْمَار وَلم يكن ذَلِك يلهيه لِأَنَّهُ كَانَ بِاللَّيْلِ فِي الظلمَة وَكَذَلِكَ مس النِّسَاء لشَهْوَة ينْقض الطَّهَارَة عِنْد اكثر الْعلمَاء
فَإِذا كَانَ هَذَا فِي النّظر والمباشرة الْمُبَاح فِي غير حَال الْعِبَادَة نهى الله عَنهُ حَال الْعِبَادَة لما فِي ذَلِك من المباينة لِلْعِبَادَةِ والمنافاة لَهَا فَكيف بِمَا هُوَ حرَام خَارج عَن الْعِبَادَة كالنظر إِلَى الْبَغي والمباشرة لَهَا فَكيف بِالنّظرِ إِلَى المردان الصَّباح المخانيث وَغير المخانيث والمباشرة لَهُنَّ ثمَّ هَذَا قد يفعل لمُجَرّد شَهْوَة النّظر فَيكون قبيحا مَكْرُوها خَارج الْعِبَادَة فَكيف فِي حَال الْعِبَادَة
وَهَؤُلَاء قد يجْعَلُونَ ذَلِك مِمَّا لَا يتم السماع إِلَّا بِهِ بل ويتخذونه فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا من الْعِبَادَات فيجعلون حضورهم فِي السماع
стр. 315
وَالسَّمَاع من النِّسَاء وَالصبيان من جملَة القربات والطاعات
وَهَذَا من أعظم تَبْدِيل الدّين فَإِن الرجل لَو جعل النّظر إِلَى امْرَأَته فِي الصَّلَاة أَو الصّيام أَو الِاعْتِكَاف من جملَة الْعِبَادَة كَانَ مبتدعا بل كَانَ هَذَا كفرا فَكيف إِذا جعل النّظر إِلَى الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة أَو الْأَمْرَد فِي الصَّلَاة من جملَة الْعِبَادَات كَمَا يَفْعَله بَعضهم وَقد أوقد شمعة على وَجه الْأَمْرَد فيستجليه فِي صلَاته ويعد ذَلِك من عباداته هَذَا من أعظم تَبْدِيل الدّين ومتابعة الشَّيَاطِين
وَهَذَا إِذا كَانَ الْعَمَل عبَادَة فِي نَفسه كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام فَكيف إِذا كَانَ الْعَمَل بِدعَة عَظِيمَة وَهُوَ سَماع المكاء والتصدية وَضم إِلَيْهِ مُشَاهدَة الصُّور الجميلة وَجعل سَماع هَذِه الْأَصْوَات ورؤية هَذِه الصُّور من الْعِبَادَات فَهَذَا من جنس دين الْمُشْركين
وَلَقَد حَدثنِي بعض الْمَشَايِخ أَن بعض مُلُوك فَارس قَالَ لشيخ رَآهُ قد جمع النَّاس على مثل هَذَا الِاجْتِمَاع يَا شيخ إِن كَانَ هَذَا هُوَ طَرِيق الْجنَّة فَأَيْنَ طَرِيق النَّار
الْوَجْه الثَّانِي أَن التطريب بالآلات الملهية محرم فِي السماع الَّذِي أحبه الله وشرعه وَهُوَ سَماع الْقُرْآن فَكيف يكون قربَة فِي السماع الَّذِي لم يشرعه الله وَهل ضم مَا يشرعه الله إِلَى مَا ذمه يصير الْمَجْمُوع الْمعِين بعضه
стр. 316
لبَعض مِمَّا أحبه الله ورضيه
الْوَجْه الثَّالِث كَثْرَة أيقاد النَّار بالشموع والقناديل وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يشرع فِي الصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن إِذْ فِيهِ من تَفْرِيق الْقُلُوب وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ خلاف الْمَقْصُود
الْوَجْه الرَّابِع التنوع فِي المطاعم والمشارب فِيهِ وَلَيْسَ شَأْن الْعِبَادَات وَإِنَّمَا شرع نوع ذَلِك عِنْد الْفَرَاغ من الْعِبَادَة وَأما أَن يكون هَذَا التنوع فِي المطاعم والمشارب فِي السماع من الْعِبَادَة الَّتِي يتَقرَّب بهَا الى الله فَلَا وَأما مُوجبه من الحركات الْمُخْتَلفَة والأصوات الْمُنكرَة والحركات الْعَظِيمَة فَهَذَا أجل من ان يُوصف وَلَا يُمكن رد مُوجبه بعد قيام الْمُقْتَضى التَّام كَمَا لَا يُمكن رد السكر عَن النَّفس بعد شرب مَا يسكر من الْخمر بل إسكاره للنفوس وصده عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة أعظم مِمَّا فِي الْخمر بِكَثِير
فَإِن الصَّلَاة كَمَا ذكر الله تَعَالَى ﴿تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ [سُورَة العنكبوت ٤٥] وَهَذَا أَمر مجرب محسوس يجد الْإِنْسَان من نَفسه أَن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر ويجد أهل السماع أَن نُفُوسهم
стр. 317
تميل إِلَى الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَلِهَذَا يتعاطى كل أحد من الْفَاحِشَة حَتَّى تعاطى كثير من المتصوفة صُحْبَة الْأَحْدَاث ومشاهدتهم
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ العينان يزينان وزناهما النّظر وغالب أَهله يخالطون الْأَحْدَاث والنسوان الْأَجَانِب وَمن امْتنع مِنْهُم عَن ذَلِك لورع أَو غَيره فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَنْتَهِي عَن ذَلِك بِغَيْر هَذَا السماع وَأما هَذَا السماع فال ينهاه عَن ذَلِك قطعا بل يَدعُوهُ إِلَيْهِ لَا سِيمَا النُّفُوس الَّتِي بهَا رقة ورياضة وزهد فَإِن سَماع الصَّوْت يُؤثر فِيهَا تَأْثِيرا عَظِيما وَكَذَلِكَ مُشَاهدَة الصُّور وَيكون ذَلِك قوتا لَهَا وَبِهَذَا اعتاض الشَّيْطَان فِيمَن يفعل ذَلِك من المتصوفة فَإِنَّهُ لم يبال بعد أَن أوقعهم فِيمَا يفْسد قُلُوبهم وسمعهم وأبصارهم أَلا يشْتَغل بِجمع الْأَمْوَال وَالسُّلْطَان اذا قد تكون فتْنَة أحدهم بذلك اعظم من الفتنه بالسلطان وَالْمَال فَإِن جنس ذَلِك مُبَاح وَقد يستعان بِهِ على طَاعَة الله وَأما مَا يشغل بِهِ هَؤُلَاءِ أنفسهم فَإِنَّهُ دين فَاسد منهى عَنهُ مضرته راجحة على منفعَته
الْوَجْه الْخَامِس تَشْبِيه الرِّجَال بِالنسَاء فَإِن المغاني كَانَ السّلف يسمونهم مخانيث لِأَن الْغناء من عمل النِّسَاء وَلم يكن على عهد النَّبِي
стр. 318
ص يُغني فِي الأعراس إِلَّا النِّسَاء كالإماء والجواري الحديثات السن فَإِذا تشبه بهم الرجل كَانَ مخنثا وَقد لعن رَسُول الله ﷺ المخنثين من الرِّجَال والمترجلات من النِّسَاء وَهَكَذَا فِيمَن يحْضرُون فِي السماع من المردان الَّذين يسمونهم الشُّهُود فيهم من التخنث بِقدر مَا تشبهوا بِالنسَاء وَعَلَيْهِم من اللَّعْنَة بِقدر ذَلِك
وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه أَمر بِنَفْي المخنثين وَقَالَ أخرجوهم من بُيُوتكُمْ فَكيف نمر بقربهم ونعظمهم ونجعلهم طواغيت معظمون بِالْبَاطِلِ الَّذِي حرمه الله وَرَسُوله وَأمر بعقوبة أَهله وإذلالهم وَهَذَا مضاد فِي أمره فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ من حَالَتْ شَفَاعَته دون حد من حُدُود الله فقد ضاد الله فِي أمره رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الشَّفَاعَة بالْكلَام فَكيف بِالَّذِي يعظم
стр. 319
المتعدين لحدود الله ويعينهم على ذَلِك وَيجْعَل ذَلِك دينا لَا سِيمَا التَّعْظِيم لما هُوَ من جنس الْفَوَاحِش فَإِن هَذَا من شَأْنه إِذا كَانَ مُبَاحا ستره أَو إخفاؤه وَأَهله لَا يجوز أَن يجْعَلُوا من وُلَاة الْأُمُور وَلَا يكون لَهُم نصيب من السُّلْطَان بِمَا فيهم من نقص الْعقل وَالدّين فَكيف بِمن هُوَ من جنس هَؤُلَاءِ مِمَّن لَعنه الله وَرَسُوله فَإِن من يعظم الْقَيْنَات الْمُغَنِّيَات وَيجْعَل لَهُنَّ رياسة وَحكما لأجل مَا يستمع مِنْهُنَّ من الْغناء وَغَيره عَلَيْهِ من لعنة الله وغضبه أعظم مِمَّن يُؤمر الْمَرْأَة الْحرَّة ويملكها وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ لَا أَفْلح قوم ولوا أَمرهم امْرَأَة
فَالَّذِي يعظم المخنثين من الرِّجَال وَيجْعَل لَهُم من الرياسة وَالْأَمر على الْأَمر الْمحرم مَا يَجْعَل هُوَ احق بلعنة الله وغضبه من أُولَئِكَ فَإِن غناء الْإِمَاء والاستمتاع بِهن من جنس الْمُبَاح وَمَا زَالَ الْإِمَاء وغيرهن من
стр. 320
النِّسَاء يغنين على عهد النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فِي الأفراح كالعرس وقدوم الْغَائِب وَنَحْو ذَلِك بِخِلَاف من يَسْتَمِعُون الْغناء من المردان وَالنِّسَاء الأجنبيات ويجتمعون مَعَهم على الْفَوَاحِش فَإِنَّمَا يكون ذَلِك من أعظم الْمُحرمَات فَكيف إِذا جعل ذَلِك من الْعِبَادَات وَقد كتبنَا فِي غير هَذَا الْموضع مِمَّا يتَعَلَّق بذلك مَا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْموضع
الْوَجْه السَّادِس أَن رفع الْأَصْوَات فِي الذّكر الْمَشْرُوع لَا يجوز إِلَّا حَيْثُ جَاءَت بِهِ السّنة كالأذان والتلبية وَنَحْو ذَلِك فَالسنة لِلذَّاكِرِينَ والداعين أَلا يرفعوا أَصْوَاتهم رفعا شَدِيدا كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أبي مُوسَى أَنه قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَكُنَّا إِذا علونا على شرف كبرنا فارتفعت أصواتنا فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اربعوا على انفسكم فَإِنَّكُم لَا تدعون أَصمّ وَلَا غَائِبا إِنَّمَا تدعون سميعا قَرِيبا إِن الَّذِي تدعون أقرب إِلَى احدكم من عنق رَاحِلَته
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ادعوا ربكُم تضرعا وخفية إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٥٥] وَقَالَ عَن زَكَرِيَّا ﴿إِذْ نَادَى ربه نِدَاء خفِيا﴾ [سُورَة مَرْيَم ٣] وَقَالَ تَعَالَى وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعا وخفية وَدون الْجَهْر من القَوْل بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال وَلَا تكن من الغافلين [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٠٥]
следующие страницы →