Полный текст (813 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
لبَعض مِمَّا أحبه الله ورضيه
الْوَجْه الثَّالِث كَثْرَة أيقاد النَّار بالشموع والقناديل وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يشرع فِي الصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن إِذْ فِيهِ من تَفْرِيق الْقُلُوب وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ خلاف الْمَقْصُود
الْوَجْه الرَّابِع التنوع فِي المطاعم والمشارب فِيهِ وَلَيْسَ شَأْن الْعِبَادَات وَإِنَّمَا شرع نوع ذَلِك عِنْد الْفَرَاغ من الْعِبَادَة وَأما أَن يكون هَذَا التنوع فِي المطاعم والمشارب فِي السماع من الْعِبَادَة الَّتِي يتَقرَّب بهَا الى الله فَلَا وَأما مُوجبه من الحركات الْمُخْتَلفَة والأصوات الْمُنكرَة والحركات الْعَظِيمَة فَهَذَا أجل من ان يُوصف وَلَا يُمكن رد مُوجبه بعد قيام الْمُقْتَضى التَّام كَمَا لَا يُمكن رد السكر عَن النَّفس بعد شرب مَا يسكر من الْخمر بل إسكاره للنفوس وصده عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة أعظم مِمَّا فِي الْخمر بِكَثِير
فَإِن الصَّلَاة كَمَا ذكر الله تَعَالَى ﴿تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ [سُورَة العنكبوت ٤٥] وَهَذَا أَمر مجرب محسوس يجد الْإِنْسَان من نَفسه أَن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر ويجد أهل السماع أَن نُفُوسهم
стр. 317
تميل إِلَى الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَلِهَذَا يتعاطى كل أحد من الْفَاحِشَة حَتَّى تعاطى كثير من المتصوفة صُحْبَة الْأَحْدَاث ومشاهدتهم
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ العينان يزينان وزناهما النّظر وغالب أَهله يخالطون الْأَحْدَاث والنسوان الْأَجَانِب وَمن امْتنع مِنْهُم عَن ذَلِك لورع أَو غَيره فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَنْتَهِي عَن ذَلِك بِغَيْر هَذَا السماع وَأما هَذَا السماع فال ينهاه عَن ذَلِك قطعا بل يَدعُوهُ إِلَيْهِ لَا سِيمَا النُّفُوس الَّتِي بهَا رقة ورياضة وزهد فَإِن سَماع الصَّوْت يُؤثر فِيهَا تَأْثِيرا عَظِيما وَكَذَلِكَ مُشَاهدَة الصُّور وَيكون ذَلِك قوتا لَهَا وَبِهَذَا اعتاض الشَّيْطَان فِيمَن يفعل ذَلِك من المتصوفة فَإِنَّهُ لم يبال بعد أَن أوقعهم فِيمَا يفْسد قُلُوبهم وسمعهم وأبصارهم أَلا يشْتَغل بِجمع الْأَمْوَال وَالسُّلْطَان اذا قد تكون فتْنَة أحدهم بذلك اعظم من الفتنه بالسلطان وَالْمَال فَإِن جنس ذَلِك مُبَاح وَقد يستعان بِهِ على طَاعَة الله وَأما مَا يشغل بِهِ هَؤُلَاءِ أنفسهم فَإِنَّهُ دين فَاسد منهى عَنهُ مضرته راجحة على منفعَته
الْوَجْه الْخَامِس تَشْبِيه الرِّجَال بِالنسَاء فَإِن المغاني كَانَ السّلف يسمونهم مخانيث لِأَن الْغناء من عمل النِّسَاء وَلم يكن على عهد النَّبِي
стр. 318
ص يُغني فِي الأعراس إِلَّا النِّسَاء كالإماء والجواري الحديثات السن فَإِذا تشبه بهم الرجل كَانَ مخنثا وَقد لعن رَسُول الله ﷺ المخنثين من الرِّجَال والمترجلات من النِّسَاء وَهَكَذَا فِيمَن يحْضرُون فِي السماع من المردان الَّذين يسمونهم الشُّهُود فيهم من التخنث بِقدر مَا تشبهوا بِالنسَاء وَعَلَيْهِم من اللَّعْنَة بِقدر ذَلِك
وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه أَمر بِنَفْي المخنثين وَقَالَ أخرجوهم من بُيُوتكُمْ فَكيف نمر بقربهم ونعظمهم ونجعلهم طواغيت معظمون بِالْبَاطِلِ الَّذِي حرمه الله وَرَسُوله وَأمر بعقوبة أَهله وإذلالهم وَهَذَا مضاد فِي أمره فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ من حَالَتْ شَفَاعَته دون حد من حُدُود الله فقد ضاد الله فِي أمره رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الشَّفَاعَة بالْكلَام فَكيف بِالَّذِي يعظم
стр. 319
المتعدين لحدود الله ويعينهم على ذَلِك وَيجْعَل ذَلِك دينا لَا سِيمَا التَّعْظِيم لما هُوَ من جنس الْفَوَاحِش فَإِن هَذَا من شَأْنه إِذا كَانَ مُبَاحا ستره أَو إخفاؤه وَأَهله لَا يجوز أَن يجْعَلُوا من وُلَاة الْأُمُور وَلَا يكون لَهُم نصيب من السُّلْطَان بِمَا فيهم من نقص الْعقل وَالدّين فَكيف بِمن هُوَ من جنس هَؤُلَاءِ مِمَّن لَعنه الله وَرَسُوله فَإِن من يعظم الْقَيْنَات الْمُغَنِّيَات وَيجْعَل لَهُنَّ رياسة وَحكما لأجل مَا يستمع مِنْهُنَّ من الْغناء وَغَيره عَلَيْهِ من لعنة الله وغضبه أعظم مِمَّن يُؤمر الْمَرْأَة الْحرَّة ويملكها وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ لَا أَفْلح قوم ولوا أَمرهم امْرَأَة
فَالَّذِي يعظم المخنثين من الرِّجَال وَيجْعَل لَهُم من الرياسة وَالْأَمر على الْأَمر الْمحرم مَا يَجْعَل هُوَ احق بلعنة الله وغضبه من أُولَئِكَ فَإِن غناء الْإِمَاء والاستمتاع بِهن من جنس الْمُبَاح وَمَا زَالَ الْإِمَاء وغيرهن من
стр. 320
النِّسَاء يغنين على عهد النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فِي الأفراح كالعرس وقدوم الْغَائِب وَنَحْو ذَلِك بِخِلَاف من يَسْتَمِعُون الْغناء من المردان وَالنِّسَاء الأجنبيات ويجتمعون مَعَهم على الْفَوَاحِش فَإِنَّمَا يكون ذَلِك من أعظم الْمُحرمَات فَكيف إِذا جعل ذَلِك من الْعِبَادَات وَقد كتبنَا فِي غير هَذَا الْموضع مِمَّا يتَعَلَّق بذلك مَا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْموضع
الْوَجْه السَّادِس أَن رفع الْأَصْوَات فِي الذّكر الْمَشْرُوع لَا يجوز إِلَّا حَيْثُ جَاءَت بِهِ السّنة كالأذان والتلبية وَنَحْو ذَلِك فَالسنة لِلذَّاكِرِينَ والداعين أَلا يرفعوا أَصْوَاتهم رفعا شَدِيدا كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أبي مُوسَى أَنه قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَكُنَّا إِذا علونا على شرف كبرنا فارتفعت أصواتنا فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اربعوا على انفسكم فَإِنَّكُم لَا تدعون أَصمّ وَلَا غَائِبا إِنَّمَا تدعون سميعا قَرِيبا إِن الَّذِي تدعون أقرب إِلَى احدكم من عنق رَاحِلَته
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ادعوا ربكُم تضرعا وخفية إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٥٥] وَقَالَ عَن زَكَرِيَّا ﴿إِذْ نَادَى ربه نِدَاء خفِيا﴾ [سُورَة مَرْيَم ٣] وَقَالَ تَعَالَى وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعا وخفية وَدون الْجَهْر من القَوْل بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال وَلَا تكن من الغافلين [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٠٥]
стр. 321
وَفِي هَذِه الْآثَار عَن سلف الْأمة وأئمتها مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه كَمَا قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ رفع الصَّوْت بِالدُّعَاءِ بِدعَة وَكَذَلِكَ نَص عَلَيْهِ أَحْمد ابْن حَنْبَل وَغَيره وَقَالَ قيس بن عباد وَهُوَ من كبار التَّابِعين من أَصْحَاب على ﵇ روى عَنهُ الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ كَانُوا يستحبون خفض الصَّوْت عِنْد الذّكر وَعند الْجَنَائِز وَعند الْقِتَال
وَهَذِه المواطن الثَّلَاثَة تطلب النُّفُوس فِيهَا الْحَرَكَة الشَّدِيدَة وَرفع الصَّوْت عِنْد الذّكر وَالدُّعَاء لما فِيهِ من الْحَلَاوَة ومحبة ذكر الله ودعائه وَعند الْجَنَائِز بالحزن والبكاء وَعند الْقِتَال بِالْغَضَبِ وَالْحمية ومضرته أكبر من منفعَته بل قد يكون ضَرَرا مَحْضا وَإِن كَانَت النَّفس تطلبه كَمَا فِي حَال المصائب
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَيْسَ منا من لطم الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وتبرأ النَّبِي ﷺ من الصالفة والحالقة والشاقة والصالفة الَّتِي ترفع صَوتهَا بالمصي
стр. 322
وَقَالَ إِن الله لَا يُؤَاخذ على دمع الْعين وَلَا على حزن الْقلب وَلَكِن يُؤَاخذ على هَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه أَو يرحم وَقَالَ إِن النائحة إِذا لم تتب فَإِنَّهَا تلبس يَوْم الْقِيَامَة درعا من جرب وسربالا من قطران
وَهَذِه الْأَحَادِيث وَغَيرهَا فِي الصِّحَاح وَلِهَذَا عظم نهى الْعلمَاء عَمَّا ابتدع فِيهَا مثل الضَّرْب بِالدُّفُوفِ وَنَحْو ذَلِك وَرَأَوا تقطيع الدُّف فِي الْجِنَازَة كَمَا نَص عَلَيْهِ أَحْمد وَغَيره بِخِلَاف الدُّف فِي الْعرس فَإِن ذَلِك مَشْرُوع
وَأما الْقِتَال فَالسنة أَيْضا فِيهِ خفض الصَّوْت وَلِهَذَا قَالَ حماس بن قيس بن خَالِد لامْرَأَته يَوْم فتح مَكَّة ... إِنَّك لَو شهِدت يَوْم الخندمة إِذْ فر صَفْوَان وفر عِكْرِمَة
وَأَبُو يزِيد قَائِم كالموتمه واستقبلهم بِالسُّيُوفِ الْمسلمَة
يقطعن كل ساعد وجمجمة ضربا فَلَا يسمع إِلَّا غمغمه
لَهُم نهيت خلفنا وهمهمه لم تنطقي فِي اللوم أدنى كَلمه ...
стр. 323
وَهَذِه الدقادق والأبواق الَّتِي تشبه قرن الْيَهُود وناقوس النَّصَارَى لم تكن تعرف على عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَلَا من بعدهمْ من أُمَرَاء الْمُسلمين وَإِنَّمَا حدث فِي ظَنِّي بعض مُلُوك الْمشرق من أهل فَارس فَإِنَّهُم أَحْدَثُوا فِي أَحْوَال الْإِمَارَة والقتال أمورا كَثِيرَة وانبثت فِي الأَرْض لكَون ملكهم انْتَشَر حَتَّى رَبًّا فِي ذَلِك الصَّغِير وهرم فِيهَا الْكَبِير لَا يعْرفُونَ غير ذَلِك بل يُنكرُونَ أَن يتَكَلَّم أحد بِخِلَافِهِ حَتَّى ظن بعض النَّاس أَن ذَلِك من إِحْدَاث عُثْمَان بن عَفَّان وَلَيْسَ كَذَلِك بل وَلَا فعله عَامَّة الْخُلَفَاء والأمراء بعد عُثْمَان ﵁
وَلَكِن ظهر فِي الْأمة مَا أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ لتأخذن مَأْخَذ الْأُمَم قبلكُمْ شبْرًا شبْرًا وذراعا بِذِرَاع قَالُوا فَارس وَالروم قَالَ وَمن النَّاس إِلَّا هَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث الآخر لتركبن سنَن من كَانَ قبلكُمْ حَذْو القذة بالقذة حَتَّى لَو دخلُوا جُحر ضَب لدخلتموه قَالُوا يَا رَسُول الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى قَالَ فَمن
وكلا الْحَدِيثين فِي الصَّحِيح أخبر بِأَنَّهُ يكون فِي الْأمة من يتشبه باليهود وَالنَّصَارَى وَيكون فِيهَا من يتشبه بِفَارِس وَالروم
стр. 324
وَلِهَذَا ظهر فِي شَعَائِر الْجند المقاتلين شَعَائِر الْأَعَاجِم من الْفرس وَغَيرهم حَتَّى فِي اللبَاس وأعمال الْقِتَال والأسماء الَّتِي تكون لأسباب الإمرة مثل الْأَلْفَاظ المضافة إِلَى دَار كَقَوْلِهِم ركاب دَار وطشت دَار وخان دَار فَإِن ذَلِك فِي لُغَة الْفرس بِمَعْنى صَاحب وحافظ فَإِذا قَالُوا جَان دَار فالجان هِيَ الرّوح فِي لغتهم فالجان دَار بِمَعْنى حَافظ الرّوح وَصَاحب الرّوح وَكَذَلِكَ الركاب دَار أَي صَاحب الركاب وحافظ الركاب وَهُوَ الَّذِي يسرج الْفرس ويلجمه وَيكون فِي ركاب الرَّاكِب وَكَذَلِكَ صَاحب الطشت الَّذِي يغسل الثِّيَاب والأبدان
وَكَذَلِكَ برد دَار وَهُوَ صَاحب العتبة وَهُوَ الْمُوكل بدار الْأَمِير كالحداد والبواب الَّذِي يمْنَع من الدُّخُول وَالْخُرُوج وَيَأْذَن فِيهِ
وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ جمدار وَسلَاح دَار وجوكان دَار وبندق دَار ودوادار وخرندار واستادار لصَاحب الثِّيَاب الَّذِي يحفظ الثِّيَاب وَمَا يتَعَلَّق بذلك وَلِصَاحِب السِّلَاح والجوكان والبندق والدواه وخزانة المَال والاستدانة وَهِي التَّصَرُّف فِي إِخْرَاج المَال وَصَرفه فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الطَّعَام واللباس وَغير ذَلِك
وَيَتَعَدَّى ذَلِك إِلَى وُلَاة الطَّعَام وَالشرَاب فَيَقُولُونَ مرق دَار أَي صَاحب المرقة وَمَا يتَعَلَّق بهَا وشراب دَار لصَاحب الشَّرَاب وَيَقُولُونَ مهما ندار أَي صَاحب المهم كَمَا يَقُولُونَ مهمان خاناه أَي بَيت المهم والمهمة وَهُوَ فِي لغتهم الضَّيْف أَي بَيت الْإِضَافَة وَصَاحب الضِّيَافَة
стр. 325
مهمان دَار لمثل رَسُول يرد على الْأَمِير والعيون الَّذين هم الجواميس وَنَحْو ذَلِك مِمَّن يتَّخذ لَهُ ضِيَافَة وَيُوجد مِنْهُ أَخْبَار وَكتب وَيُعْطى ذَلِك وَنَحْو ذَلِك
فَإِن الأف وَالنُّون فِي لغتهم جمع كَمَا يَقُولُونَ مسلمان وفقيهان وعالمان أَي مُسلمُونَ وفقهاء وعلماء وَنَحْو ذَلِك قَوْلهم فرَاش خاناه أَي بَيت الْفرس والفراش يسمونه بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيّ وَيَقُولُونَ زرد خاناه أَي بَيت الزرد
وَهَذَا الْخَاص هُوَ عَام فِي الْعرف يُرَاد بِهِ بَيت السِّلَاح مُطلقًا وَإِن ذكر لفظ الزرد خَاصَّة كَمَا كَانَ الصَّحَابَة يعبرون عَن السِّلَاح بالحلقة وَالْحَلقَة هِيَ الدروع المسرودة من السرد الَّذِي يُقَال لَهُ الزرد فنقلت السِّين زايا وَرُبمَا قَالُوا الْحلقَة وَالسِّلَاح أَي الدروع وَالسِّلَاح
وَلِهَذَا لما صَالح النَّبِي ﷺ من صَالحه من يهود صَالحهمْ على أَن لَهُ الْحلقَة وَفِي السِّيرَة كَانَ فِي بني فلَان وَفُلَان من الْأَنْصَار الْحلقَة والحصون أَي هم الَّذين لَهُم السِّلَاح الَّذين يُقَاتلُون بهَا والحصون الَّتِي يأوون إِلَيْهَا كَمَا يكون لأمراء النَّاس من أَصْنَاف الْمُلُوك المعاقل والحصون والقلاع وَلَهُم السِّلَاح فَإِن هَذِه الْأُمُور هِيَ جنن الْقِتَال وَبهَا يمْتَنع الْمقَاتل وَالْمَطْلُوب بِخِلَاف من لَا سلَاح لَهُ وَلَا حصن فَإِنَّهُ مُمكن
стр. 326
من نَفسه مَقْدُور عَلَيْهِ فِي مثل الْأَمْصَار وَإِن كَانَ الْقِتَال على الْخَيل بِالسِّلَاحِ هُوَ أَعلَى وَأفضل من الْقِتَال فِي الْحُصُون بِالسِّلَاحِ فالحصان خير من الْحُصُون وَمن لم يكن قِتَاله إِلَّا فِي الْحُصُون والجدر فَهُوَ مَذْمُوم
كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْيَهُود ﴿لَا يقاتلونكم جَمِيعًا إِلَّا فِي قرى مُحصنَة أَو من وَرَاء جدر بأسهم بَينهم شَدِيد تحسبهم جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ﴾ [سُورَة الْحَشْر ١٤]
والمحدثات فِي أَمر الْإِمَارَة وَالْملك والقتال كَثِيرَة جدا لَيْسَ هَذَا موضعهَا فَإِن الْأمة هِيَ فِي الأَصْل اربعة أَصْنَاف كَمَا ذكر ذَلِك فِي قَوْله فاقرأوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض يَبْتَغُونَ من فضل الله وَآخَرُونَ يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله [سُورَة المزمل ٢٠]
فالصنف الْوَاحِد الْقُرَّاء وهم جنس الْعلمَاء والعباد وَيدخل فيهم من تفرع من هَذِه الْأَصْنَاف من المتكلمة والمتصوفة وَغَيرهم
والصنف الآخر المكتسب بِالضَّرْبِ فِي الأَرْض وَأما المقيمون من أهل الصناعات والتجارات فَيمكن أَن يَكُونُوا من الْقُرَّاء المقيمين أَيْضا بِخِلَاف الْمُسَافِر فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا مرض العَبْد أَو
стр. 327
سَافر كتبه لَهُ من الْعَمَل مثل مَا كَانَ يعْمل وَهُوَ صَحِيح مُقيم أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابي مُوسَى
وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا ذكر هَذِه الْأَصْنَاف فِي الْآيَة ليبين من يسْقط عَنهُ قيام اللَّيْل من أهل الْأَعْذَار فَذكر الْمَرِيض وَالْمُسَافر اللَّذين ذكرا فِي الحَدِيث وَذكر الْمُسَافِرين فِي ضَرْبَيْنِ الضاربين فِي الأَرْض يَبْتَغُونَ من فضل الله والمقاتلين فِي سَبِيل الله وهم التُّجَّار والأجناد
وَالْمَقْصُود هُنَا ان الْأَجْنَاس الْأَرْبَعَة من الْمُقَاتلَة والتجار وَمن يلْحق بهم من الصناع والقراء وَأهل الْأَعْذَار كالمرضى وَنَحْوهم كل هَؤُلَاءِ قد حصل فيهم من الْأَنْوَاع الْمُخْتَلفَة مَا يطول وَصفه
وأمورهم مَا بَين حسن مَأْمُور بِهِ وَبَين قَبِيح منهى عَنهُ ومباح واشتمال أَكثر أُمُورهم على هَذِه الثَّلَاثَة الْمَأْمُور بِهِ والمنهى عَنهُ والمباح وَالْوَاجِب الْأَمر بِمَا أَمر الله بِهِ وَالنَّهْي عَمَّا نهى عَنهُ وَالْإِذْن فِيمَا أَبَاحَهُ الله
стр. 328
لَكِن إِذا كَانَ الشَّخْص أَو الطَّائِفَة لَا تفعل مَأْمُورا إِلَّا بمحظور أعظم مِنْهُ أَو لَا تتْرك مَأْمُورا إِلَّا لمحظور أعظم مِنْهُ لم يَأْمر امرا يسْتَلْزم وُقُوع مَحْظُور رَاجِح وَلم ينْه نهيا يسْتَلْزم وُقُوع مَأْمُور رَاجِح فَإِن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر هُوَ الَّذِي بعثت بِهِ الرُّسُل وَالْمَقْصُود تَحْصِيل الْمصَالح وتكميلها وتعطيل الْمَفَاسِد وتقليلها بِحَسب الْإِمْكَان
فَإِذا كَانَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر مستلزما من الْفساد أَكثر مِمَّا فِيهِ من الصّلاح لم يكن مَشْرُوعا وَقد كره أَئِمَّة السّنة الْقِتَال فِي الْفِتْنَة الَّتِي يسميها كثير من اهل الْأَهْوَاء الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فَإِن ذَلِك إِذا كَانَ يُوجب فتْنَة هِيَ اعظم فَسَادًا مِمَّا فِي ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لم يدْفع أدنى الفسادين باعلاهما بل يدْفع أعلاهما بِاحْتِمَال أدناهما كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ أَلا انبئكم بِأَفْضَل من دَرَجَة الصّيام وَالصَّلَاة وَالصَّدَََقَة والامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ إصْلَاح ذَات الْبَين فَإِن فَسَاد ذَات الْبَين هِيَ الحالقة لَا أَقُول تحلق الشّعْر وَلَكِن تحلق الدّين
стр. 329
لَكِن الْمَقْصُود هُنَا ان هَذِه الْأَصْوَات المحدثة فِي امْر الْجِهَاد وَإِن ظن أَن فِيهَا مصلحَة راجحة فَإِن الْتِزَام الْمَعْرُوف هُوَ الَّذِي فِيهِ الْمصلحَة الراجحة كَمَا فِي اصوات الذّكر إِذْ السَّابِقُونَ الْأَولونَ والتابعون لَهُم بِإِحْسَان أفضل من الْمُتَأَخِّرين فِي كل شئ من الصَّلَاة وجنسها من الذّكر وَالدُّعَاء وَقِرَاءَة الْقُرْآن واستماعه وَغير ذَلِك وَمن الْجِهَاد والإمارة وَمَا يتَعَلَّق بذلك من أَصْنَاف السياسات والعقوبات والمعاملات فِي إصْلَاح الْأَمْوَال وصرفها فَإِن طَرِيق السّلف أكمل فِي كل شئ وَلَكِن يفعل الْمُسلم من ذَلِك مَا يقدر عَلَيْهِ
كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ [سُورَة التغابن ١٦] وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي وَإِن حسن الصَّوْت مِمَّا أنعم الله تَعَالَى بِهِ على صَاحبه من النَّاس قَالَ الله تَعَالَى ﴿يزِيد فِي الْخلق مَا يَشَاء﴾ [سُورَة فاطر ١] قيل فِي التَّفْسِير من ذَلِك الصَّوْت الْحسن وذم
стр. 330
الله وسبحانه الصَّوْت الفظيع فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن أنكر الْأَصْوَات لصوت الْحمير﴾ [سُورَة لُقْمَان ١٩]
قلت كَون الشئ نعْمَة لَا يقتضى اسْتِبَاحَة اسْتِعْمَاله فِيمَا شَاءَ الْإِنْسَان من الْمعاصِي وَلَا يَقْتَضِي إِلَّا حسن اسْتِعْمَاله بل النعم المستعملة فِي طَاعَة الله يحمد صَاحبهَا عَلَيْهَا وَيكون ذَلِك شكرا لله يُوجب الْمَزِيد من فَضله فَهَذَا يَقْتَضِي حسن اسْتِعْمَال الصَّوْت الْحسن فِي قِرَاءَة الْقُرْآن كَمَا كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ يفعل وكما كَانَ النَّبِي ﷺ يستمع لقرَاءَته وَقَالَ مَرَرْت بك البارحة وَأَنت تقْرَأ فَجعلت اسْتمع لقراءتك فَقَالَ لَو علمت أَنَّك تستمع لحبرته لَك تحبيرا وَقَالَ لقد أُوتى هَذَا مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد
فَأَما اسْتِعْمَال النعم فِي الْمُبَاح الْمَحْض فَلَا يكون طَاعَة فَكيف فِي الْمَكْرُوه أَو الْمحرم وَلَو كَانَ ذَلِك جَائِزا لم يكن قربَة وَلَا طَاعَة إِلَّا بِإِذن الله وَمن
стр. 331
جعله طَاعَة لله بِدُونِ ذَلِك فقد شرع من الدّين مالم يَأْذَن بِهِ الله
وَمَعْلُوم أَن الْقُوَّة نعْمَة وَالْجمال نعْمَة وَغير ذَلِك من نعم الله الَّتِي لَا يحصيها إِلَّا هُوَ فَهَل يَجْعَل أحد مُجَرّد كَون الشئ نعْمَة دَلِيلا على اسْتِحْبَاب إعماله فِيمَا شَاءَ الْإِنْسَان أم يُؤمر الْمُنعم عَلَيْهِ بألا يستعملها فِي مَعْصِيّة وَينْدب إِلَى أَلا يستعملها إِلَّا فِي طَاعَة الله تَعَالَى
فآلاستدلال بِهَذَا منزلَة من اسْتدلَّ بإنعام الله بالسلطان وَالْمَال على مَا جرت عَادَة النُّفُوس بِاسْتِعْمَال ذَلِك فِيهِ من الظُّلم وَالْفَوَاحِش وَنَحْو ذَلِك فآستعمال الصَّوْت الْحسن فِي الأغاني وآلات الملاهي مثل اسْتِعْمَال الصُّور الْحَسَنَة فِي الْفَوَاحِش وَاسْتِعْمَال السُّلْطَان بالكبرياء وَالظُّلم والعدوان وَاسْتِعْمَال المَال فِي نَحْو ذَلِك
ثمَّ يُقَال لَهُ هَذِه النِّعْمَة يستعملها الْكفَّار والفساق فِي أَنْوَاع من الْكفْر والفسوق أَكثر مِمَّا يستعلها الْمُؤْمِنُونَ فِي الْإِيمَان فَإِن استمتاع الْكفَّار والفساق بالأصوات المطربة أَكثر من استمتاع الْمُسلمين فَأَي حمد لَهَا بذلك إِن لم تسْتَعْمل فِي طَاعَة الله وَرَسُوله
وَأما قَوْله إِن الله ذمّ الصَّوْت الفظيع فَهَذَا غلط مِنْهُ فَإِن الله لَا يذم مَا خلقه وَلم يكن فعلا للْعَبد إِنَّمَا يذم العَبْد بأفعاله الاختيارية
стр. 332
دون مَا لَا اخْتِيَار لَهُ فِيهِ وَإِن كَانَ صَوته قبيحا فَإِنَّهُ لَا يذم على ذَلِك وَإِنَّمَا يذم بأفعاله
وَقد قَالَ الله فِي الْمُنَافِقين ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم وَإِن يَقُولُوا تسمع لقَولهم﴾ [سُورَة المُنَافِقُونَ ٤]
وَقَالَ ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ٢٠٤]
وَإِنَّمَا ذمّ الله مَا يكون بآختيار العَبْد من رفع الصَّوْت الرّفْع الْمُنكر كَمَا يُوجد ذَلِك فِي أهل الغلظ والجفاء كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ الْجفَاء والغلط وقسوة الْقُلُوب فِي الْفَدادِين من أهل الْوَبر وهم الصياحون صياحا مُنْكرا
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿واقصد فِي مشيك واغضض من صَوْتك﴾
стр. 333
﴿إِن أنكر الْأَصْوَات لصوت الْحمير﴾ [سُورَة لُقْمَان ١٩] فَأمره أَن يغض من صَوته كَمَا أَمر الْمُؤمنِينَ أَن يغضوا من أَبْصَارهم وكما أمره أَن يقْصد فِي مَشْيه وَذَلِكَ كُله فِيمَا يكون بِاخْتِيَارِهِ لَا مدْخل لذه الصَّوْت وَعدم لذته فِي ذَلِك
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُنَادُونَك من وَرَاء الحجرات أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ﴾ [سُورَة الحجرات ٤] وَقَالَ لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ القَوْل سُورَة الحجرات ٢ وَقَالَ إِن الَّذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتهم عِنْد رَسُول الله أُولَئِكَ الَّذين امتحن الله قُلُوبهم للتقوى سُورَة الحجرات ٣
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو فِي صفة النَّبِي ﷺ فِي التَّوْرَاة قَالَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ ولاصخاب بالأسواق وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة وَلَكِن يعْفُو وَيغْفر
стр. 334
وَفِي الصَّحِيح أَيْضا انه أَمر ان يبشر خَدِيجَة بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب
وَعنهُ ص قَالَ إِنَّمَا نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين صَوت عِنْد نعْمَة صَوت لَهو وَلعب وَمَزَامِير الشَّيْطَان وَصَوت عِنْد مُصِيبَة لطم خدود وشق جُيُوب وَدُعَاء بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة
ثمَّ قَالَ ابو الْقَاسِم واستلذاذ الْقُلُوب واشتياقها إِلَى الْأَصْوَات الطّيبَة واسترواحها إِلَيْهَا مِمَّا لَا يُمكن جحوده فَإِن الطِّفْل يسكن إِلَى الصَّوْت الطّيب والجمل يقاسى تَعب السّير ومشقة الحمولة فيهون عَلَيْهِ بالحداء قَالَ الله تَعَالَى أَفلا ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت [سُورَة الغاشية ١٧]
стр. 335
وَحكى إِسْمَاعِيل بن علية قَالَ كنت أمشى مَعَ الشَّافِعِي ﵀ وَقت الهاجرة فجزنا بِموضع يَقُول فِيهِ أحد شَيْئا فَقَالَ مل بِنَا إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ أيطربك هَذَا فَقلت لَا فَقَالَ مَالك حسن
قلت قد كَانَ مستغنيا عَن أَن يستشهد على الامور الحسية بحكاية مكذوبة على الشَّافِعِي فَإِن إِسْمَاعِيل بن علية شيخ الشَّافِعِي لم يكن مِمَّن يمشي مَعَه وَلم يرو هَذَا عَن الشَّافِعِي بل الشَّافِعِي روى عَنهُ وَهُوَ من أجلاء شُيُوخ الشَّافِعِي وَابْنه ابراهيم بن إِسْمَاعِيل كَانَ متكلما تلميذا لعبد الرَّحْمَن بن كيسَان الْأَصَم أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة وَكَانَ قد ذهب إِلَى مصر وَكَانَ بَينه وَبَين الشَّافِعِي مناوأة حَتَّى كَانَ الشَّافِعِي يَقُول فِيهِ أَنا مُخَالف لِابْنِ علية فِي كل شئ حَتَّى فِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله لِأَنِّي أَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله الَّذِي كلم مُوسَى من وَرَاء الْحجاب وَهُوَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله الَّذِي خلق فِي الْهَوَاء كلَاما يسمعهُ مُوسَى وَهَذَا يذكر لَهُ أول رِسَالَة فِي أصُول الْفِقْه ويظن بعض النَّاس أَن ابْنه يشْتَبه
стр. 336
بِأَبِيهِ فَإِنَّهُ شيخ الشَّافِعِي وَأحمد وطبقتهما
فَهَذِهِ الْحِكَايَة يعلم انها مفتراة من لَهُ أدنى معرفَة بِالنَّاسِ وَلَو صحت عَمَّن صحت عَنهُ لم يكن فِيهَا إِلَّا مَا هُوَ مدرك بالإحساس من ان الصَّوْت الطّيب لذيذ مطرب وَهَذَا يشْتَرك فِيهِ جَمِيع النَّاس لَيْسَ هَذَا من أُمُور الدّين حَتَّى يسْتَدلّ فِيهِ بالشافعي بل ذكر الشَّافِعِي فِي مثل هَذَا غض من منصبه مثل مَا ذكر ابْن طَاهِر عَن مَالك ﵀ حِكَايَة مكذوبة وَأهل المواخر أعلم بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة من أَئِمَّة الدّين وَلَو حكى مثل هَذَا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم النديم وَأبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ صَاحب الأغاني لَكَانَ أنسب من ان يحكيها عَن الشَّافِعِي
ثمَّ يُقَال كَون الصَّوْت الْحسن فِيهِ لذه أَمر حسى لَكِن أَي شئ فِي هَذَا مِمَّا يدل على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من كَونه مُبَاحا اَوْ مَكْرُوها اَوْ محرما وَمن كَون الْغناء قربَة أَو طَاعَة
بل مثل هَذَا ان يَقُول الْقَائِل استلذاذا بِالْوَطْءِ مِمَّا لَا يُمكن جحوده واستلذاذ النُّفُوس بِالْوَطْءِ مِمَّا لَا يُمكن جحوده واستلذاذها بِالْمُبَاشرَةِ للجميل من النِّسَاء وَالصبيان مِمَّا لَا يُمكن جحوده واستلذاذها بِالنّظرِ إِلَى الصُّور الجميلة مِمَّا لَا يُمكن جحوده
стр. 337
واستلذاذها بأنواع المطاعم والمشارب مِمَّا لَا يُمكن جحوده فَأَي دَلِيل فِي هَذَا لمن هداه الله على مَا يُحِبهُ ويرضاه أَو يبيحه ويجيزه
وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذِه الْأَجْنَاس فِيهَا الْحَلَال وَالْحرَام وَالْمَعْرُوف وَالْمُنكر بل كَانَ الْمُنَاسب لطريقة الزّهْد فِي الشَّهَوَات وَاللَّذَّات وَمُخَالفَة الْهوى ان يسْتَدلّ بِكَوْن الشئ لذيذا مشتهى على كَونه مباينا لطريق الزّهْد والتصوف كَمَا قد يفعل كثير من الْمَشَايِخ يزهدون بذلك فِي جنس الشَّهَوَات وَاللَّذَّات
وَهَذَا وَإِن لم يكن فِي نَفسه دَلِيلا صَحِيحا فَهُوَ اقْربْ إِلَى طَريقَة الزّهْد والتصوف من الِاسْتِدْلَال بِكَوْن الشئ لذيذا على كَونه طَرِيقا إِلَى الله
وكل من الاستدلالين بَاطِل فَلَا يسْتَدلّ على كَونه مَحْمُودًا أَو مذموما أَو حَلَالا اَوْ حَرَامًا إِلَّا بالأدلة الشَّرْعِيَّة لَا بِكَوْنِهِ لذيذا فِي الطَّبْع أَو غير لذيذ
وَلِهَذَا يُنكر على من يتَقرَّب إِلَى الله بترك جنس اللَّذَّات كَمَا قَالَ ص للَّذين قَالَ احدهم أما أَنا فأصوم لَا أفطر وَقَالَ الآخر أما أَنا فأقوم لَا أَنَام وَقَالَ الآخر أما أَنا فَلَا اتزوج النِّسَاء وَقَالَ الآخر أما أَنا فَلَا آكل اللَّحْم فَقَالَ النَّبِي ص
стр. 338
لكني أَصوم وَأفْطر وأقوم وأنام وأتزوج النِّسَاء وآكل اللَّحْم فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني
وَقد أنزل الله تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ [سُورَة الْمَائِدَة ٨٧]
ثمَّ إِن أَبَا الْقَاسِم وَطَائِفَة مَعَه تَارَة يمدحون التَّقَرُّب إِلَى الله بترك جنس الشَّهَوَات وَتارَة يجْعَلُونَ ذَلِك دَلِيلا على حسنه وَكَونه من القربا ت وَهَذَا بِحَسب وجد أحدهم وهواه لَا بِحَسب مَا أنزل الله وأوحاه وَمَا هُوَ الْحق وَالْعدْل وَمَا هُوَ الصّلاح والنافع فِي نفس الْأَمر
وَالتَّحْقِيق أَن الْعَمَل لَا يمدح وَلَا يذم لمُجَرّد كَونه لَذَّة بل إِنَّمَا يمدح مَا كَانَ لله أطوع وَلِلْعَبْدِ أَنْفَع سَوَاء كَانَ فِيهِ لَذَّة أَو مشقة قرب لذيذ هُوَ طَاعَة وَمَنْفَعَة وَرب مشق هُوَ طَاعَة وَمَنْفَعَة وَرب لذيذ أَو مشق صَار مَنْهِيّا عَنهُ
ثمَّ لَو اسْتدلَّ بِهَذَا على تَحْسِين الْقُرْآن بِهِ لَكَانَ مناسبا فَإِن الِاسْتِعَانَة بِجِنْس اللَّذَّات على جنس الطَّاعَات مِمَّا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة كَمَا يستعان بِالْأَكْلِ وَالشرب على الْعِبَادَات
قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم
стр. 339
واشكروا لله [سُورَة الْبَقَرَة ١٧٢] وَقَالَ كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا [سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٥١]
وَفِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ قَوْله ﵇ لسعد إِنَّك لن تنْفق نَفَقَة تبتغى بهَا وَجه الله إِلَّا ازددت بهَا دَرَجَة ورفعة حَتَّى اللُّقْمَة ترفعها إِلَى فِي امْرَأَتك
وَقَالَ فِي بضع أحدكُم أَهله صَدَقَة
وَكَذَلِكَ حَمده فِي النعم كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح إِن الله ليرضى عَن العَبْد أَن يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا
فَلَو قَالَ إِن الله خلق فِينَا الشَّهَوَات وَاللَّذَّات لنستعين بهَا على كَمَال مصالحنا فخلق فِينَا شَهْوَة الْأكل واللذة بِهِ فَإِن ذَلِك فِي نَفسه نعْمَة وَبِه يحصل بَقَاء جسومنا فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ شَهْوَة النِّكَاح واللذة بِهِ هُوَ فِي نَفسه وربه يحصل بَقَاء النَّسْل فَإِذا استعين بِهَذِهِ القوى على
стр. 340
مَا أمرنَا كَانَ ذَلِك سَعَادَة لنا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَكُنَّا من الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم نعْمَة مُطلقَة وَإِن استعملنا الشَّهَوَات فِيمَا حظره علينا بِأَكْل الْخَبَائِث فِي نَفسهَا أَو كسبها كالمظالم أَو بالإسراف فِيهَا أَو تعدينا أَزوَاجنَا أَو مَا ملكت أَيْمَاننَا كُنَّا ظالمين معتدين غير شاكرين لنعمته لَكَانَ هَذَا كلَاما حسنا
وَالله قد خلق الصَّوْت الْحسن وَجعل النُّفُوس تحبه وتلتذ بِهِ فَإِذا استعنا بذلك فِي اسْتِمَاع مَا امرنا باستماعه وَهُوَ كِتَابه وَفِي تَحْسِين الصَّوْت بِهِ كَمَا أمرنَا بذلك حَيْثُ قَالَ زَينُوا الْقُرْآن باصواتكم وكما كَانَ يفعل أَصْحَابه بِحَضْرَتِهِ مثل أبي مُوسَى وَغَيره كُنَّا قد استعملنا النِّعْمَة فِي الطَّاعَة وَكَانَ هَذَا حسنا مَأْمُورا بِهِ كَمَا كَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول لأبي مُوسَى يَا أَبَا مُوسَى ذكرنَا رَبنَا فَيقْرَأ وهم يَسْتَمِعُون وَكَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد ص إِذا اجْتَمعُوا أمروا وَاحِدًا مِنْهُم أَن يقْرَأ وَالْبَاقِي يَسْتَمِعُون
فَهَذَا كَانَ استماعهم وَفِي مثل هَذَا السماع كَانُوا يستعملون الصَّوْت الْحسن ويجعلون التذاذهم بالصوت الْحسن عونا لَهُم على طَاعَة الله وعبادته باستماع كِتَابه فيثابون على هَذَا الالتذاذ إِذْ اللَّذَّة الْمَأْمُور بهَا الْمُسلم يُثَاب عَلَيْهَا كَمَا يُثَاب على أكله وشربه ونكاحه وكما يُثَاب على لذات
стр. 341
قلبه بِالْعلمِ وَالْإِيمَان فَإِنَّهَا أعظم اللَّذَّات وحلاوة ذَلِك أعظم الحلاوات
وَنَفس التذاذه وَإِن كَانَ متولدا عَن سعته وَهُوَ فِي نَفسه ثَوَاب فالمسلم يُثَاب على عمله وَعمل مَا يتلود عَن عمله ويثاب عَمَّا يلتذ بِهِ من ذَلِك مِمَّا هُوَ أعظم لَذَّة مِنْهُ فَيكون متقلبا فِي نعْمَة ربه وفضله
فَأَما أَن يسْتَدلّ بِمُجَرَّد استلذاذ الْإِنْسَان للصوت أَو ميل الطِّفْل إِلَيْهِ أَو استراحة الْبَهَائِم بِهِ على جَوَاز أَو اسْتِحْبَاب فِي الدّين فَهُوَ من أعظم الضلال وَهُوَ كثير فِيمَن يعبد الله بِغَيْر الْعلم الْمَشْرُوع
وَمن الْمَعْلُوم أَن الاطفال والبهائم تستروح بِالْأَكْلِ وَالشرب فَهَل يسْتَدلّ بذلك على ان كل أكل وَشرب فَهُوَ حسن مَأْمُور بِهِ
وأصل الْغَلَط فِي هَذِه الْحجَج الضعيفة أَنهم يجْعَلُونَ الْخَاص عَاما فِي الْأَدِلَّة المنصوصة وَفِي عُمُوم الْأَلْفَاظ المستنبطة فيجنحون إِلَى أَن الْأَلْفَاظ فِي الْكتاب وَالسّنة أَبَاحَتْ أَو حمدت نوعا من السماع يدرجون فِيهَا سَماع المكاء والتصدية أَو يجنحون إِلَى الْمعَانِي الَّتِي دلّت على الْإِبَاحَة أَو الِاسْتِحْبَاب فِي نوع من الْأَصْوَات وَالسَّمَاع يجْعَلُونَ ذَلِك متناولا لسَمَاع المكاء والتصدية
وَهَذَا جمع بَين مَا فرق الله بَينه بِمَنْزِلَة قِيَاس الَّذين قَالُوا إِنَّمَا البيع مثل
стр. 342
الرِّبَا وأصل هَذَا الْقيَاس الْمُشْركين الَّذين عدلوا بِاللَّه وَجعلُوا لله أندادا سووهم بِرَبّ الْعَالمين فِي عبادتها أَو اتخاذها آلِهَة وَكَذَلِكَ من عدل رَسُوله متنبئا كذابا كمسيلمة الْكذَّاب أَو عدل بكتابه وتلاوته واستماعه كلَاما آخر أَو قِرَاءَته أَو سَمَاعه أَو عدل بِمَا شَرعه من الدّين دينا آخرا شَرعه لَهُ شركاؤه فَهَذَا كُله من فعل الْمُشْركين وَإِن دخل فِي بعضه من الْمُؤمنِينَ قوم متأولون فَالنَّاس كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون [سُورَة يُوسُف ١٠٦]
فالشرك فِي هَذِه الْأمة أخْفى من دَبِيب النَّمْل وَهَذَا مقَام يَنْبَغِي للْمُؤْمِنين التدبر فِيهِ فَإِنَّهُ مَا بدل دين الله فِي الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة وَفِي هَذِه الْأمة إِلَّا بِمثل هَذَا الْقيَاس وَلِهَذَا قيل مَا عبدت الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَّا بالمقاييس
وأصل الشّرك أَن تعدل بِاللَّه تَعَالَى مخلوقاته فِي بعض مَا يسْتَحقّهُ وَحده فَإِنَّهُ لم يعدل أحد بِاللَّه شَيْئا من الْمَخْلُوقَات فِي جَمِيع الْأُمُور فَمن عبد غَيره أَو توكل عَلَيْهِ فَهُوَ مُشْرك بِهِ كمن عمد إِلَى كَلَام الله الَّذِي أنزلهُ وَأمر باستماعه فَعدل بِهِ سَماع بعض الاشعار
وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره
стр. 343
وروى أَيْضا عَنهُ مَا تقرب الْعباد إِلَى الله بشئ أحب إِلَيْهِ مِمَّا خرج مِنْهُ يَعْنِي الْقُرْآن وَهَذَا مَحْفُوظ عَن خباب بن الْأَرَت أحد الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين السَّابِقين قَالَ يَا هَناه تقرب إِلَى الله بِمَا اسْتَطَعْت فَلَنْ يتَقرَّب إِلَيْهِ بشئ احب اليه من كَلَامه فَإِذا عدل بذلك مَا نزه الله عَنهُ وَرَسُوله بقوله تَعَالَى وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي
стр. 344
لَهُ [سُورَة يس ٦٩] وَجعله قُرْآنًا للشَّيْطَان كَمَا فِي الحَدِيث فَمَا قرآني قَالَ الشّعْر كَانَ هَذَا عدل كَلَام الرَّحْمَن بِكَلَام الشَّيْطَان وَهَذَا قد جعل الشَّيْطَان عدلا للرحمن فَهُوَ من جنس الَّذين قَالَ الله فيهم فكبكبوا فِيهَا هم والغاوون وجنود ابليس أَجْمَعُونَ قَالُوا وهم فِيهَا يختصون تالله إِن كُنَّا لفي ضلال مُبين إِذْ نسويكم بِرَبّ الْعَالمين [سُورَة الشُّعَرَاء ٩٤ ٩٨]
وَالِاسْتِدْلَال بِكَوْن الصَّوْت الْحسن نعْمَة واستلذاذ النُّفُوس بِهِ على جَوَاز اسْتِعْمَاله فِي الْغناء أَو اسْتِحْبَاب ذَلِك فِي بعض الصُّور مثل الِاسْتِدْلَال بِكَوْن الْجمال نعْمَة ومحبة النُّفُوس الصُّور الجميلة على جَوَاز اسْتِعْمَال الْجمال الَّذِي للصبيان فِي إمتاع النَّاس بِهِ مُشَاهدَة ومباشرة وَغير ذَلِك اَوْ اسْتِحْبَاب ذَلِك فِي بعض الصُّور وَهَذَا أَيْضا قد وَقع فِيهِ طوائف من المتفلسفة والمتصوفة والعامة كَمَا وَقع فِي الصَّوْت أَكثر من هَؤُلَاءِ لَكِن الواقعون فِي الصُّور فيهم من لَهُ من الْعقل وَالدّين مَا لَيْسَ لهَؤُلَاء إِذْ لَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ رجل مَشْهُور بَين النَّاس شهرة عَامَّة بِخِلَاف أهل السماع وَلَكِن هم طرقوا لَهُم الطَّرِيق وذرعوا الذريعة حَتَّى آل الْأَمر بِكَثِير من النَّاس أَن قَالُوا وفعلوا فِي الصَّوْت نَظِير مَا قَالَه هَؤُلَاءِ وفعلوه فِي الصُّور يحتجون على جَوَاز النّظر إِلَيْهِ والمشاهدة بِمثل نَظِير
стр. 345
ص إِن الله جميل يحب الْجمال وينسون قَوْله إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالكُم وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ
ويحتجون بِمَا فِي ذَلِك من رَاحَة النُّفُوس ولذاتها كَمَا يحْتَج هَؤُلَاءِ ويكرمون ذَا الصُّورَة على مَا يبذله من صورته وإشهادهم إِيَّاهَا كَمَا يكرم هَؤُلَاءِ ذَا الصَّوْت على مَا يبذله من صَوته وإسماعهم إِيَّاه بل كثيرا مَا يجمع فِي الشَّخْص الْوَاحِد بَين الصُّورَة وَالصَّوْت كَمَا يفعل فِي الْمُغَنِّيَات من الْقَيْنَات
وَقد زين الشَّيْطَان لكثير من المتنسكة والعباد أَن محبَّة الصُّور الجميلة إِذا لم يكن بِفَاحِشَة فَإِنَّهَا محبَّة لله كَمَا زين لهَؤُلَاء أَن اسْتِمَاع هَذَا الْغناء لله ففيهم من يَقُول هَذَا اتِّفَاقًا وَفِيهِمْ من يظْهر أَنه يُحِبهُ لغير فَاحِشَة ويبطن محبَّة الْفَاحِشَة وَهُوَ الْغَالِب
لَكِن مَا أظهروه من الرَّأْي الْفَاسِد وَهُوَ أَن يحب لله مَا لم يَأْمر الله
стр. 346
بمحبته هُوَ الَّذِي سلط الْمُنَافِق مِنْهُم على أَن يَجْعَل ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى الْكَبَائِر وَلَعَلَّ هَذِه الْبِدْعَة مِنْهُم اعظم من الْكَبِيرَة مَعَ الْإِقْرَار بِأَن ذَلِك ذَنْب عَظِيم وَالْخَوْف من الله من الْعقُوبَة فَإِن هَذَا غَايَته أَنه مُؤمن فَاسق قد جمع سَيِّئَة وَحسنه وَأُولَئِكَ مبتدعة ضلال حِين جعلُوا مَا نهى الله عَنهُ مِمَّا أَمر الله بِهِ وزين لَهُم سوء أَعْمَالهم فرأوه حسنا وبمثلهم يضل أُولَئِكَ حَتَّى لَا ينكروا الْمُنكر إِذا اعتقدوا أَن هَذَا يكون عبَادَة الله
وَمن جعل مَا لم يَأْمر الله بمحبته محبوبا لله فقد شرع دينا لم يَأْذَن الله بِهِ وَهُوَ مبدأ الشّرك كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله [سُورَة الْبَقَرَة ١٦٥]
فَإِن محبَّة النُّفُوس الصُّورَة وَالصَّوْت قد تكون عَظِيمَة جدا فَإِذا جعل ذَلِك دينا وسمى لله صَار كالأنداد والطواغيت المحبوبة تدينا وَعبادَة
كَمَا قَالَ تَعَالَى وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم [سُورَة الْبَقَرَة ٩٣]
وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم أَن امشوا واصبروا على آلِهَتكُم [سُورَة ص ٦]
بِخِلَاف من أحب الْمُحرمَات مُؤمنا بِأَنَّهَا من الْمُحرمَات فَإِن من احب الْخمر والغناء وَالْبَغي والمخنث مُؤمنا بِأَن الله يكره ذَلِك ويبغضه فَإِنَّهُ لَا يُحِبهُ محبَّة مَحْضَة بل عقله وإيمانه يبغض هَذَا الْفِعْل ويكرهه وَلَكِن قد غَلبه هَوَاهُ فَهَذَا قد يرحمه الله إِمَّا بتوبة إِذا قوى مَا فِي إيمَانه من بغض ذَلِك وكراهته حَتَّى دفع الْهوى وَإِمَّا بحسنات ماحية وَإِمَّا بمصائب مكفرة وَإِمَّا بِغَيْر ذَلِك
стр. 347
أما إِذا اعْتقد أَن هَذِه الْمحبَّة لله فإيمانه بِاللَّه يُقَوي هَذِه الْمحبَّة ويؤيدها وَلَيْسَ عِنْده إِيمَان يزعه عَنْهَا بل يجْتَمع فِيهَا دَاعِي الشَّرْع والطبع الْإِيمَان وَالْهدى وَذَلِكَ أعظم من شرب النَّصْرَانِي للخمر فَهَذَا لَا يَتُوب من هَذَا الذَّنب وَلَا يتَخَلَّص من وباله إِلَّا أَن يهديه الله
فَتبين لَهُ أَن هَذِه الْمحبَّة لَيست محبَّة لله وَلَا أَمر الله بهَا بل كرهها وَنهى عَنْهَا وَإِلَّا فَلَو ترك أحدهم هَذِه الْمحبَّة لم يكن ذَلِك تَوْبَة فَإِنَّهُ يعْتَقد أَن جِنْسهَا دين بِحَيْثُ يرضى بذلك من غَيره ويأمره بِهِ ويقره عَلَيْهِ وَتَركه لَهَا كَتَرْكِ الْمُؤمن بعض التطوعات والعبادات
وَلَيْسَ فِي دين الله محبَّة أحد لحسنه قطّ فَإِن مُجَرّد الْحسن لَا يثيب الله عَلَيْهِ وَلَا يُعَاقب وَلَو كَانَ كَذَلِك كَانَ يُوسُف ﵇ لمُجَرّد حسنه أفضل من غَيره من الانبياء لحسنه وَإِذا اسْتَوَى شخصان فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَكَانَ أَحدهمَا أحسن صُورَة وَأحسن صَوتا كَانَا عِنْد الله سَوَاء فَإِن اكرم الْخلق عِنْد الله أَتْقَاهُم يعم صَاحب الصَّوْت الْحسن وَالصُّورَة الْحَسَنَة إِذا اسْتعْمل ذَلِك فِي طَاعَة الله دون مَعْصِيَته كَانَ أفضل من هَذَا الْوَجْه كصاحب المَال وَالسُّلْطَان إِذا اسْتعْمل ذَلِك فِي طَاعَة الله دون مَعْصِيَته فَإِنَّهُ بذلك الْوَجْه أفضل مِمَّن لم يشركهُ فِي تِلْكَ الطَّاعَة وَلم يمْتَحن بِمَا امتحن بِهِ حَتَّى خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى ثمَّ ذَلِك الْغَيْر إِن كَانَ لَهُ عمل صَالح آخر يُسَاوِيه بِهِ وَإِلَّا كَانَ الأول أفضل مُطلقًا
стр. 348
وَهَذَا عَام لجَمِيع الْأُمُور الَّتِي أنعم الله تَعَالَى بهَا على بني آدم وابتلاهم بهَا فَمن كَانَ فِيهَا شاكرا صَابِرًا كَانَ من أَوْلِيَاء الله الْمُتَّقِينَ وَكَانَ مِمَّن امتحن بمحبة حَتَّى صَبر وشكر وَإِن لم يكن الْمُبْتَلى صَابِرًا شكُورًا بل ترك مَا أَمر الله بِهِ وَفعل مَا نهى الله عَنهُ كَانَ عَاصِيا أَو فَاسِقًا أَو كَافِرًا وَكَانَ من سلم من هَذِه المحنة خيرا مِنْهُ إِلَّا أَن يكون لَهُ ذنُوب أُخْرَى يكافيه بهَا
وَإِن جمع بَين طَاعَة ومعصية فَإِن ترجحت طَاعَته كَانَ أرجح مِمَّن لم يكن لَهُ مثل ذَلِك وَإِن ترجحت مَعْصِيَته كَانَ السَّالِم من ذَلِك خيرا مِنْهُ فَإِن كَانَ لَهُ مَال يتَمَكَّن بِهِ فِي الْفَوَاحِش وَالظُّلم فَخَالف هَوَاهُ وأنفقه فِيمَا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله أحب الله ذَلِك مِنْهُ وأكرمه وأثابه
وَمن كَانَ لَهُ صَوت حسن فَترك اسْتِعْمَاله فِي التخنيث والغناء واستعلمه فِي تَزْيِين كتاب الله والتغني بِهِ كَانَ بِهَذَا الْعَمَل الصَّالح وبترك الْعَمَل السئ أفضل مِمَّن لَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يُثَاب على تِلَاوَة كتاب الله فَيكون فِي عمله معنى الصَّلَاة وَمعنى الزَّكَاة
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ مَا أذن الله لشئ كأذنه لبني حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يجْهر بِهِ وَقَالَ لله أَشد أذنا للرجل الْحسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ من صَاحب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته
стр. 349
وَمن كَانَ لَهُ صُورَة حَسَنَة فعف عَمَّا حرم الله تَعَالَى وَخَالف هَوَاهُ وجمل نَفسه بلباس التَّقْوَى الَّذِي قَالَ الله فِيهِ يَا بني آدم قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٦] كَانَ هَذَا الْجمال يُحِبهُ الله وَكَانَ من هَذَا الْوَجْه أفضل مِمَّن لم يُؤْت مثل هَذَا الْجمال مَا لَا يكساه وَجه العَاصِي فَإِن كَانَت خلقته حَسَنَة ازدادت حسنا وَإِلَّا كَانَ عَلَيْهَا من النُّور وَالْجمال بحسبها
وَأما أهل الْفُجُور فتعلو وُجُوههم ظلمَة الْمعْصِيَة حَتَّى يكسف الْجمال الْمَخْلُوق قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ إِن للحسنة لنورا فِي الْقلب وضياء فِي الْوَجْه وَقُوَّة فِي الْبدن وَزِيَادَة فِي الرزق ومحبة فِي قُلُوب الْخلق وَإِن للسيئة لظلمة فِي الْقلب وغبرة فِي الْوَجْه وضعفا فِي الْبدن ونقصا فِي الرزق وبغضة فِي قُلُوب الْخلق
وَهَذَا يَوْم الْقِيَامَة يكمل حَتَّى يظْهر لكل اُحْدُ كَمَا قَالَ تَعَالَى يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله هم فِيهَا خَالدُونَ [سُورَة آل عمرَان ١٠٦ ١٠٧]
وَقَالَ تَعَالَى وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين [سُورَة الزمر ٦٠]
стр. 350
وَقَالَ تَعَالَى وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة ووجوه يَوْمئِذٍ باسرة تظن أَن يفعل بهَا فاقرة [سُورَة الْقِيَامَة ٢٢ ٢٥]
وَقَالَ تَعَالَى وُجُوه يَوْمئِذٍ ضاحكة مستبشرة ووجوه يَوْمئِذٍ عَلَيْهَا غبرة ترهقها قترة اولئك هم الْكَفَرَة الفجرة [سُورَة عبس ٣٨ ٤٢]
وَقَالَ تَعَالَى وُجُوه يَوْمئِذٍ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نَارا حامية [سُورَة الغاشية ٢ ٤] ووجوه يَوْمئِذٍ ناعمة لسعيها راضية [سُورَة الغاشية ٨٩]
وَقَالَ تَعَالَى وَإِن يستغيثوا يغاثوا بِمَاء كَالْمهْلِ يشوى الْوُجُوه [سُورَة الْكَهْف ٢٩]
وَقَالَ تَعَالَى إِن الْأَبْرَار لفي نعيم على الأرائك ينظرُونَ تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم [سُورَة المطففين ٢٢ ٢٤]
وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تزَال الْمَسْأَلَة بأحدهم حَتَّى يجِئ يَوْم الْقِيَامَة وَلَيْسَ فِي وَجهه مزعة لحم
стр. 351
وَقَالَ من سَأَلَ النَّاس وَله مَا يَكْفِيهِ جَاءَت مَسْأَلته خدوشا أَو كدوحا فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة
وَقَالَ ﵇ أول زمرة تلج الْجنَّة على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَالَّذين يَلُونَهُمْ كأشد كَوْكَب فِي السَّمَاء إضاءة وَقَالَ يَوْم حنين شَاهَت الْوُجُوه لوجوه الْمُشْركين
وأمثال هَذَا كثير مِمَّا فِيهِ وصف أهل السَّعَادَة بنهاية الْحسن وَالْجمال والبهاء وَأهل الشَّقَاء بنهاية السوء والقبح وَالْعَيْب
وَقد قَالَ تَعَالَى فِي وصفههم فِي الدُّنْيَا مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بنيهم إِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود [سُورَة الْفَتْح ٢٩] فَهَذِهِ السيما فِي وُجُوه الْمُؤمنِينَ والسيما الْعَلامَة وَأَصلهَا من الوسم وَكَثِيرًا مَا يسْتَعْمل فِي الْحسن كَمَا
стр. 352
جَاءَ فِي صفة النَّبِي ﷺ وسيم قسيم
وَقَالَ الشَّاعِر ... غُلَام رَمَاه الله بالْحسنِ يافعا لَهُ سيماء لَا تشق على الْبَصَر ...
وَقَالَ الله تَعَالَى فِي صفة الْمُنَافِقين وَلَو نشَاء لأرينا كهم فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ [سُورَة مُحَمَّد ٣٠] فَجعل لِلْمُنَافِقين سِيمَا أَيْضا
وَقَالَ وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات تعرف فِي وُجُوه الَّذين كفرُوا الْمُنكر [سُورَة الْحَج ٧٢] فَهَذِهِ السيما وَهَذَا الْمُنكر قد يُوجد فِي وَجه من صورته المخلوقة وضيئة كَمَا يُوجد مثل ذَلِك فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَكِن بالنفاق قبح وَجهه فَلم يكن فِيهِ الْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله وأساس ذَلِك النِّفَاق وَالْكذب
وَلِهَذَا يُوصف الْكذَّاب بسواد الْوَجْه كَمَا يُوصف الصَّادِق ببياض
стр. 353
الْوَجْه كَمَا أخبر الله بذلك وَلِهَذَا روى عَن عمر بن الْخطاب أَنه أَمر بتعزيز شَاهد الزُّور بِأَن يسود وَجهه ويركب مقلوبا على الدَّابَّة فَإِن الْعقُوبَة من جنس الذَّنب فَلَمَّا اسود وَجهه بِالْكَذِبِ وقلب الحَدِيث سود وَجهه وقلب فِي ركُوبه وَهَذَا أَمر محسوس لمن لَهُ قلب فَإِن مَا فِي الْقلب من النُّور والظلمة وَالْخَيْر وَالشَّر يسرى كثيرا إِلَى الْوَجْه وَالْعين وهما أعظم الْأَشْيَاء ارتباطا بِالْقَلْبِ
وَلِهَذَا يرْوى عَن عُثْمَان أَو غَيره أَنه قَالَ مَا أسر أحد بسريرة إِلَّا أبداها الله على صفحات وَجهه وفلتات لِسَانه وَالله قد أخبر فِي الْقُرْآن أَن ذَلِك قد يظْهر فِي الْوَجْه فَقَالَ وَلَو نشَاء لأريناكم فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ [سُورَة مُحَمَّد ٣٠] فَهَذَا تَحت الْمَشِيئَة ثمَّ قَالَ ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل [سُورَة مُحَمَّد ٣٠] فَهَذَا مقسم عَلَيْهِ مُحَقّق لَا شَرط فِيهِ وَذَلِكَ أَن ظُهُور مَا فِي قلب الْإِنْسَان على لِسَانه أعظم من ظُهُوره فِي وَجهه لكنه يَبْدُو فِي الْوَجْه بدوا خفِيا يُعلمهُ الله فَإِذا صَار خلقا ظهر لكثير من النَّاس وَقد يقوى السوَاد وَالْقِسْمَة حَتَّى يظْهر لجمهور النَّاس وَرُبمَا مسخ قردا أَو خنزيرا كَمَا فِي الْأُمَم قبلنَا وكما فِي هَذِه الْأمة أَيْضا وَهَذَا كالصوت المطرب إِذا كَانَ مُشْتَمِلًا على كذب وفجور فَإِنَّهُ مَوْصُوف بالقبح وَالسوء الْغَالِب على مَا فِيهِ من حلاوة الصَّوْت
стр. 354
فذو الصُّورَة الْحَسَنَة إِمَّا أَن يتَرَجَّح عِنْده الْعِفَّة والخلق الْحسن وَإِمَّا أَن يتَرَجَّح فِيهِ ضد ذَلِك وَإِمَّا أَن يتكافآ
فَإِن ترجح فِيهِ الصّلاح كَانَ جماله بِحَسب ذَلِك وَكَانَ أجمل مِمَّن لم يمْتَحن تِلْكَ المحنة
وَإِن ترجح فِيهِ الْفساد لم يكن جميلا بل قبيحا مذموما فَلَا يدْخل فِي قَوْله إِن الله جميل يحب الْجمال
وَإِن تكافأ فِيهِ الْأَمْرَانِ كَانَ فِيهِ من الْجمال والقبح بِحَسب ذَلِك فَلَا يكون محبوبا وَلَا مبغضا
والنبيصلى االله عَلَيْهِ وَسلم ص ذكر هَذِه الْكَلِمَة للْفرق بَين الْكبر الَّذِي يبغضه الله وَالْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله فَقَالَ لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله الرجل يحب أَن يكون ثَوْبه حسنا وَنَعله حسنا أَفَمَن الْكبر ذَلِك فَقَالَ لَا إِن الله جميل يحب الْجمال الْكبر بطر الْحق وغمط النَّاس فَأخْبر أَن تَحْسِين الثَّوْب قد يكون من الْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله كَمَا قَالَ تَعَالَى خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد [سُورَة الْأَعْرَاف ٣١]
فَلَا يكون حِينَئِذٍ من الْكبر
стр. 355
وَقد يرد أَنه لَيْسَ كل ثوب جميل وكل نعل جميل فَإِن الله يُحِبهُ فَإِن الله يبغض لِبَاس الْحَرِير وَيبغض الْإِسْرَاف وَالْخُيَلَاء فِي اللبَاس وَإِن كَانَ فِيهِ جمال فَإِذا كَانَ هَذَا فِي لبس الثِّيَاب الَّذِي هُوَ سَبَب هَذَا القَوْل فَكيف فِي غَيره
وَتَفْسِير هَذَا قَوْله ص إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالكُم وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ
فَعلم أَن مُجَرّد الْجمال الظَّاهِر فِي الصُّور وَالثيَاب لَا ينظر الله إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ينظر إِلَى الْقُلُوب والأعمال فَإِن كَانَ الظَّاهِر مزينا مُجملا بِحَال الْبَاطِن أحبه الله وَإِن كَانَ مقبحا مدنسا بقبح الْبَاطِن أبغضه الله فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يحب الْحسن الْجَمِيل وَيبغض السَّيئ الْفَاحِش
وَأهل جمال الصُّورَة يبتلون بالفاحشة كثيرا وَاسْمهَا ضد الْجمال فَإِن الله سَمَّاهُ فَاحِشَة وسوءا وَفَسَادًا وخبيثا فَقَالَ تَعَالَى وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا [سُورَة الْإِسْرَاء ٣٢]
وَقَالَ وَلَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن [سُورَة الْأَنْعَام ١٥١]
وَقَالَ أتأتون الْفَاحِشَة مَا سبقكم بهَا من أحد من الْعَالمين [سُورَة الْأَعْرَاف ٨٠]
следующие страницы →