Полный текст (813 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَقَالَ من سَأَلَ النَّاس وَله مَا يَكْفِيهِ جَاءَت مَسْأَلته خدوشا أَو كدوحا فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة
وَقَالَ ﵇ أول زمرة تلج الْجنَّة على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَالَّذين يَلُونَهُمْ كأشد كَوْكَب فِي السَّمَاء إضاءة وَقَالَ يَوْم حنين شَاهَت الْوُجُوه لوجوه الْمُشْركين
وأمثال هَذَا كثير مِمَّا فِيهِ وصف أهل السَّعَادَة بنهاية الْحسن وَالْجمال والبهاء وَأهل الشَّقَاء بنهاية السوء والقبح وَالْعَيْب
وَقد قَالَ تَعَالَى فِي وصفههم فِي الدُّنْيَا مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بنيهم إِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود [سُورَة الْفَتْح ٢٩] فَهَذِهِ السيما فِي وُجُوه الْمُؤمنِينَ والسيما الْعَلامَة وَأَصلهَا من الوسم وَكَثِيرًا مَا يسْتَعْمل فِي الْحسن كَمَا
стр. 352
جَاءَ فِي صفة النَّبِي ﷺ وسيم قسيم
وَقَالَ الشَّاعِر ... غُلَام رَمَاه الله بالْحسنِ يافعا لَهُ سيماء لَا تشق على الْبَصَر ...
وَقَالَ الله تَعَالَى فِي صفة الْمُنَافِقين وَلَو نشَاء لأرينا كهم فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ [سُورَة مُحَمَّد ٣٠] فَجعل لِلْمُنَافِقين سِيمَا أَيْضا
وَقَالَ وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات تعرف فِي وُجُوه الَّذين كفرُوا الْمُنكر [سُورَة الْحَج ٧٢] فَهَذِهِ السيما وَهَذَا الْمُنكر قد يُوجد فِي وَجه من صورته المخلوقة وضيئة كَمَا يُوجد مثل ذَلِك فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَكِن بالنفاق قبح وَجهه فَلم يكن فِيهِ الْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله وأساس ذَلِك النِّفَاق وَالْكذب
وَلِهَذَا يُوصف الْكذَّاب بسواد الْوَجْه كَمَا يُوصف الصَّادِق ببياض
стр. 353
الْوَجْه كَمَا أخبر الله بذلك وَلِهَذَا روى عَن عمر بن الْخطاب أَنه أَمر بتعزيز شَاهد الزُّور بِأَن يسود وَجهه ويركب مقلوبا على الدَّابَّة فَإِن الْعقُوبَة من جنس الذَّنب فَلَمَّا اسود وَجهه بِالْكَذِبِ وقلب الحَدِيث سود وَجهه وقلب فِي ركُوبه وَهَذَا أَمر محسوس لمن لَهُ قلب فَإِن مَا فِي الْقلب من النُّور والظلمة وَالْخَيْر وَالشَّر يسرى كثيرا إِلَى الْوَجْه وَالْعين وهما أعظم الْأَشْيَاء ارتباطا بِالْقَلْبِ
وَلِهَذَا يرْوى عَن عُثْمَان أَو غَيره أَنه قَالَ مَا أسر أحد بسريرة إِلَّا أبداها الله على صفحات وَجهه وفلتات لِسَانه وَالله قد أخبر فِي الْقُرْآن أَن ذَلِك قد يظْهر فِي الْوَجْه فَقَالَ وَلَو نشَاء لأريناكم فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ [سُورَة مُحَمَّد ٣٠] فَهَذَا تَحت الْمَشِيئَة ثمَّ قَالَ ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل [سُورَة مُحَمَّد ٣٠] فَهَذَا مقسم عَلَيْهِ مُحَقّق لَا شَرط فِيهِ وَذَلِكَ أَن ظُهُور مَا فِي قلب الْإِنْسَان على لِسَانه أعظم من ظُهُوره فِي وَجهه لكنه يَبْدُو فِي الْوَجْه بدوا خفِيا يُعلمهُ الله فَإِذا صَار خلقا ظهر لكثير من النَّاس وَقد يقوى السوَاد وَالْقِسْمَة حَتَّى يظْهر لجمهور النَّاس وَرُبمَا مسخ قردا أَو خنزيرا كَمَا فِي الْأُمَم قبلنَا وكما فِي هَذِه الْأمة أَيْضا وَهَذَا كالصوت المطرب إِذا كَانَ مُشْتَمِلًا على كذب وفجور فَإِنَّهُ مَوْصُوف بالقبح وَالسوء الْغَالِب على مَا فِيهِ من حلاوة الصَّوْت
стр. 354
فذو الصُّورَة الْحَسَنَة إِمَّا أَن يتَرَجَّح عِنْده الْعِفَّة والخلق الْحسن وَإِمَّا أَن يتَرَجَّح فِيهِ ضد ذَلِك وَإِمَّا أَن يتكافآ
فَإِن ترجح فِيهِ الصّلاح كَانَ جماله بِحَسب ذَلِك وَكَانَ أجمل مِمَّن لم يمْتَحن تِلْكَ المحنة
وَإِن ترجح فِيهِ الْفساد لم يكن جميلا بل قبيحا مذموما فَلَا يدْخل فِي قَوْله إِن الله جميل يحب الْجمال
وَإِن تكافأ فِيهِ الْأَمْرَانِ كَانَ فِيهِ من الْجمال والقبح بِحَسب ذَلِك فَلَا يكون محبوبا وَلَا مبغضا
والنبيصلى االله عَلَيْهِ وَسلم ص ذكر هَذِه الْكَلِمَة للْفرق بَين الْكبر الَّذِي يبغضه الله وَالْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله فَقَالَ لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله الرجل يحب أَن يكون ثَوْبه حسنا وَنَعله حسنا أَفَمَن الْكبر ذَلِك فَقَالَ لَا إِن الله جميل يحب الْجمال الْكبر بطر الْحق وغمط النَّاس فَأخْبر أَن تَحْسِين الثَّوْب قد يكون من الْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله كَمَا قَالَ تَعَالَى خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد [سُورَة الْأَعْرَاف ٣١]
فَلَا يكون حِينَئِذٍ من الْكبر
стр. 355
وَقد يرد أَنه لَيْسَ كل ثوب جميل وكل نعل جميل فَإِن الله يُحِبهُ فَإِن الله يبغض لِبَاس الْحَرِير وَيبغض الْإِسْرَاف وَالْخُيَلَاء فِي اللبَاس وَإِن كَانَ فِيهِ جمال فَإِذا كَانَ هَذَا فِي لبس الثِّيَاب الَّذِي هُوَ سَبَب هَذَا القَوْل فَكيف فِي غَيره
وَتَفْسِير هَذَا قَوْله ص إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالكُم وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ
فَعلم أَن مُجَرّد الْجمال الظَّاهِر فِي الصُّور وَالثيَاب لَا ينظر الله إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ينظر إِلَى الْقُلُوب والأعمال فَإِن كَانَ الظَّاهِر مزينا مُجملا بِحَال الْبَاطِن أحبه الله وَإِن كَانَ مقبحا مدنسا بقبح الْبَاطِن أبغضه الله فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يحب الْحسن الْجَمِيل وَيبغض السَّيئ الْفَاحِش
وَأهل جمال الصُّورَة يبتلون بالفاحشة كثيرا وَاسْمهَا ضد الْجمال فَإِن الله سَمَّاهُ فَاحِشَة وسوءا وَفَسَادًا وخبيثا فَقَالَ تَعَالَى وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا [سُورَة الْإِسْرَاء ٣٢]
وَقَالَ وَلَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن [سُورَة الْأَنْعَام ١٥١]
وَقَالَ أتأتون الْفَاحِشَة مَا سبقكم بهَا من أحد من الْعَالمين [سُورَة الْأَعْرَاف ٨٠]
стр. 356
وَقَالَ وجاءه قومه يهرعون إِلَيْهِ وَمن قبل كَانُوا يعلمُونَ السَّيِّئَات [سُورَة هود ٧٨]
وَقَالَ ونجيناه من الْقرْيَة الَّتِي كَانَت تعْمل الْخَبَائِث [سُورَة الْأَنْبِيَاء ٧٤]
وَقَالَ رب انصرني على الْقَوْم المفسدين [سُورَة العنكبوت ٣٠]
وَقَالَ وأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُجْرمين [سُورَة الْأَعْرَاف ٨٤]
والفاحش والخبيث ضد الطّيب والجميل فَإِذا كَانَ كَذَلِك أبغضه الله وَلم يُحِبهُ وَلم يكن مندرجا فِي الْجَمِيل
وَنَظِير ذَلِك قَوْله ص إِن الله لَا يحب الْفُحْش وَلَا التَّفَحُّش وَقَوله إِن الله يبغض الْفَاحِش البذئ فَلَو أفحش
стр. 357
الرجل وبذأ بِصَوْتِهِ الْحسن كَانَ الله يبغض ذَلِك
وَنفي المخنثين سنة من سنَن النَّبِي ﷺ الثابته عَنهُ فِي موضِعين فِي حق الزَّانِي والزانية اللَّذين لم يحصنا كَمَا قَالَ جلد مائَة وتغريب عَام وَفِي حق المخنث وَهُوَ إِخْرَاجه من بَين النَّاس وَذَلِكَ أَن الْفَاحِشَة لَا تقع إِلَّا مَعَ قدرَة ومكنة الْإِنْسَان لَا يطْلب ذَلِك إِلَّا إِذا طمع فِيهِ بِمَا يرَاهُ من أَسبَاب المكنة فَمن الْعقُوبَة على ذَلِك قطع أَسبَاب المكنة فَإِذا تغرب الرجل عَن أَهله وأعوانه وأنصاره الَّذِي يعاونون وينصرونه ذلت نَفسه وانقهرت فَكَانَ ذَلِك جَزَاء نكالا من الله من الْجلد وَلِأَنَّهُ مُفسد لأحوال من يساكنه فيبعد عَنْهُم وَكَذَلِكَ المخنث يفْسد أَحْوَال الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا فَلَا يسكن مَعَ وَاحِد من الصِّنْفَيْنِ
وَقد كَانَ من سنة النَّبِي ﷺ وَسنة خلفائه التَّمْيِيز بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء والمتأهلين والعزاب فَكَانَ الْمَنْدُوب فِي الصَّلَاة أَن يكون الرِّجَال فِي مقدم الْمَسْجِد وَالنِّسَاء فِي مؤخره
стр. 358
وَقَالَ النَّبِي ﷺ خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا وشرها آخرهَا وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا وَقَالَ يَا معشر النِّسَاء لَا ترفعن رؤوسكن حَتَّى يرفع الرِّجَال رؤوسهم من ضيق الأزر وَكَانَ إِذا سلم لبث هنيهة هُوَ وَالرِّجَال لينصرف النِّسَاء أَولا لِئَلَّا يخْتَلط الرِّجَال وَالنِّسَاء وَكَذَلِكَ يَوْم الْعِيد كَانَ النِّسَاء يصلين فِي نَاحيَة فَكَانَ إِذا قضى الصَّلَاة خطب الرِّجَال ثمَّ ذهب فَخَطب النِّسَاء فوعظهن وحثهن على الصَّدَقَة كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيح وَقد كَانَ عمر بن الْخطاب وَبَعْضهمْ يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ قد قَالَ عَن أحد ابواب الْمَسْجِد أَظُنهُ الْبَاب الشَّرْقِي لَو تركنَا هَذَا الْبَاب للنِّسَاء فَمَا دخله عبد الله بن عمر حَتَّى مَاتَ
وَفِي السّنَن عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ للنِّسَاء لَا تحققن
стр. 359
الطَّرِيق وامشين فِي حافته أَي لَا تمشين فِي حق الطَّرِيق وَهُوَ وَسطه وَقَالَ على ﵇ مَا يغار أحدكُم أَن يزاحم امْرَأَته العلوج بمنكبها يَعْنِي فِي السُّوق
وَكَذَلِكَ لما قدم الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة كَانَ العزاب ينزلون دَارا مَعْرُوفَة لَهُم متميزة عَن دور المتأهلين فَلَا ينزل العزب بَين المتأهلين وَهَذَا كُله لِأَن اخْتِلَاط أحد المصنفين بِالْآخرِ سَبَب الْفِتْنَة فالرجال إِذا اختلطوا بِالنسَاء كَانَ بِمَنْزِلَة اخْتِلَاط النَّار والحطب وَكَذَلِكَ العزب بَين الآهلين فِيهِ فتْنَة لعدم مَا يمنعهُ فَإِن الْفِتْنَة تكون لوُجُود الْمُقْتَضى وَعدم الْمَانِع فالمخنث الَّذِي لَيْسَ رجلا مَحْضا وَلَا هُوَ امْرَأَة مُحصنَة لَا يُمكن خلطه بِوَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ فَأمر النَّبِي ﷺ بِإِخْرَاجِهِ من بَين النَّاس
وعَلى هَذَا المخنث من الصّبيان وَغَيرهم لَا يُمكن من معاشرة الرِّجَال وَلَا يَنْبَغِي أَن تعاشر الْمَرْأَة المتشبهة بِالرِّجَالِ النِّسَاء بل يفرق بَين بعض الذكران وَبَين بعض النِّسَاء إِذا خيفت الْفِتْنَة كَمَا قَالَ ص مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لسبع وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعشر وَفرقُوا بَينهم فِي
стр. 360
الْمضَاجِع
وَقد نهى عَن مُبَاشرَة الرجل فِي ثوب وَاحِد وَعَن مُبَاشرَة الْمَرْأَة الْمَرْأَة فِي ثوب وَاحِد مَعَ ان الْقَوْم لم يَكُونُوا يعْرفُونَ التلوط وَلَا السحاق وَإِنَّمَا هُوَ من تَمام حفظ حُدُود الله كَمَا أَمر الله بذلك فِي كِتَابه وَقد روى أَن عمر بلغه أَن رجلا يجْتَمع إِلَيْهِ نفر من الصّبيان فَنهى عَن ذَلِك
وأبلغ من ذَلِك أَنه نفى من شَبَّبَ بِهِ النِّسَاء وَهُوَ نصر بن حجاج لما سمع امْرَأَة شببت بِهِ وتشتهيه وَرَأى هَذَا سَبَب الْفِتْنَة فجز شعره لَعَلَّ سَبَب الْفِتْنَة يَزُول بذلك فَرَآهُ أحسن النَّاس وجنتين فَأرْسل بِهِ إِلَى الْبَصْرَة ثمَّ إِنَّه بعث يطْلب الْقدوم إِلَى وَطنه وَيذكر الا ذَنْب لَهُ فَأبى عَلَيْهِ وَقَالَ أما وَأَنا حَيّ فَلَا
وَذَلِكَ أَن الْمَرْأَة إِذا أمرت بالاحتجاب وَترك التبرج وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ من أَسبَاب الْفِتْنَة بهَا وَلها فَإِذا كَانَ فِي الرِّجَال من قد صَار فتْنَة للنِّسَاء أَمر أَيْضا بمباعدة سَبَب الْفِتْنَة إِمَّا بتغيير هَيئته وَإِمَّا بالانتقال عَن الْمَكَان الَّذِي تحصل بِهِ الْفِتْنَة فِيهِ لِأَنَّهُ بِهَذَا يحصن دينه ويحصن النِّسَاء دينهن
стр. 361
وَبِدُون ذَلِك مَعَ وجود الْمُقْتَضى مِنْهُ ومنهن لَا يُؤمن ذَلِك وَهَكَذَا يُؤمر من يفتن النِّسَاء من الصّبيان أَيْضا
وَذَلِكَ أَنه إِذا احْتج إِلَى المباعدة الَّتِي تزيل الْفِتْنَة كَانَ تبعيد الْوَاحِد أيسر من تبعيد الْجَمَاعَة الرِّجَال أَو النِّسَاء إِذْ ذَاك غير مُمكن فتحفظ حُدُود الله ويجانب مَا يُوجب تعدِي الْحُدُود بِحَسب الْإِمْكَان وَإِذا كَانَ هَذَا فِيمَن لَا رِيبَة فِيهِ وَلَا ذَنْب فَكيف بِمن يعرف بالريبة والذنب
وَهَكَذَا الْمَرْأَة الَّتِي تعرف بريبة تفتن بهَا الرِّجَال تبعد عَن مَوَاضِع الريب بِحَسب الْإِمْكَان فَإِن دفع الضَّرَر عَن الدّين بِحَسب الْإِمْكَان وَاجِب فَإِذا كَانَ هَذَا هُوَ السّنة فَكيف بِمن يكون فِي جمعه من أَسبَاب الْفِتْنَة مَا الله بِهِ عليم وَالرجل الَّذِي يتشبه بِالنسَاء فِي زيهن
وَاسْتِعْمَال أَسمَاء الْجمال وَالْحسن والزينة وَنَحْو ذَلِك فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة والقبح والشين والدنس فِي الْأَعْمَال الْفَاسِدَة أَمر ظَاهر فِي الْكتاب وَالسّنة وَكَلَام الْعلمَاء مثل اسْم الطّيب وَالطَّهَارَة والخبث والنجاسة وَمن ذَلِك مَا فِي حَدِيث أبي ذَر الْمَشْهُور وَقد رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من حِكْمَة آل دَاوُد حق على الْعَاقِل أَن يكون لَهُ سَاعَة يُنَاجِي فِيهَا ربه وَسَاعَة يُحَاسب فِيهَا نَفسه وَسَاعَة يكون فِيهَا مَعَ أَصْحَابه الَّذين يخبرونه عَن ذَات نَفسه
стр. 362
وَسَاعَة يَخْلُو فِيهَا بلذاته فِيمَا يحل ويجمل فَذكر الْحل وَالْجمال
وَهَذَا يشْهد لقَوْل الْفُقَهَاء فِي الْعَدَالَة إِنَّهَا صَلَاح الدّين والمروءة قَالُوا والمروءة اسْتِعْمَال مَا يجمله ويزينه وتجنب مَا يدنسه ويشينه وَهَذَا يرجع إِلَى الْحسن والقبح فِي الْأَعْمَال وَأَن الْأَعْمَال وَأَن الْأَعْمَال تكون حَسَنَة وَتَكون قبيحة وَإِن كَانَ الْحسن هُوَ الملائم النافع والقبيح هُوَ الْمنَافِي فالشئ يكمل ويجمل وَيحسن بِمَا يُنَاسِبه ويلائمه وينفعه ويلتذ بِهِ كَمَا يفْسد ويقبح بِمَا يُنَافِيهِ ويضره ويتألم بِهِ والأعمال الصَّالِحَة هِيَ الَّتِي تناسب الْإِنْسَان والأعمال الْفَاسِدَة هِيَ الَّتِي تنافيه
وَلِهَذَا لما قَالَ بعض الْأَعْرَاب إِن مدحي زين وذمي شين قَالَ النَّبِي ﷺ ذَاك الله فمدحه يزين عِنْده لِأَنَّهُ مدحه بِحَق وَدَمه يشينه لِأَنَّهُ حق
وَهَذَا الْحسن وَالْجمال الَّذِي يكون عَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة فِي الْقلب يسري إِلَى الْوَجْه والقبح والشين الَّذِي يكون عَن الْأَعْمَال الْفَاسِدَة فِي الْقلب
стр. 363
يسري إِلَى الْوَجْه كَمَا تقدم ثمَّ إِن ذَلِك يقوى بِقُوَّة الْأَعْمَال الصَّالِحَة والأعمال الْفَاسِدَة فَكلما كثر الْبر وَالتَّقوى قوى الْحسن وَالْجمال وَكلما قوى الْإِثْم والعدوان قوى الْقبْح والشين حَتَّى ينْسَخ ذَلِك مَا كَانَ للصورة من حسن وقبح فكم مِمَّن لم تكن صورته حَسَنَة وَلَكِن من الْأَعْمَال الصَّالِحَة مَا عظم بِهِ جماله وبهاؤه حَتَّى ظهر ذَلِك على صورته
وَلِهَذَا ظهر ذَلِك ظهورا بَينا عِنْد الْإِصْرَار على القبائح فِي آخر الْعُمر عِنْد قرب الْمَوْت فنرى وُجُوه أهل السّنة وَالطَّاعَة كلما كبروا ازْدَادَ حسنها وبهاؤها حَتَّى يكون أحدهم فِي كبره أحسن واجمل مِنْهُ فِي صغره ونجد وُجُوه أهل الْبِدْعَة وَالْمَعْصِيَة كلما كبروا عظم قبحها وشينها حَتَّى لَا يَسْتَطِيع النّظر إِلَيْهَا من كَانَ منبهرا بهَا فِي حَال الصغر لجمال صورتهَا
وَهَذَا ظَاهر لكل اُحْدُ فِيمَن يعظم بدعته وفجوره مثل الرافضة وَأهل الْمَظَالِم وَالْفَوَاحِش من التّرْك وَنَحْوهم فَإِن الرافضي كلما كبر قبح وَجهه وَعظم شينه حَتَّى يقوى شبهه بالخنزير وَرُبمَا مسخ خنزيرا وقردا كَمَا قد تَوَاتر ذَلِك عَنْهُم ونجد المردان من التّرْك وَنَحْوهم قد يكون أحدهم فِي صغره من أحسن النَّاس صُورَة ثمَّ إِن الَّذين يكثرون الْفَاحِشَة تجدهم فِي
стр. 364
الكبرأقبح النَّاس وُجُوهًا حَتَّى إِن الصِّنْف الَّذِي يكثر ذَلِك فيهم من التّرْك وَنَحْوهم يكون أحدهم أحسن النَّاس صُورَة فِي صغره وأقبح النَّاس صُورَة فِي كبره وَلَيْسَ سَبَب ذَلِك أمرا يعود إِلَى طبيعة الْجِسْم بل الْعَادة المستقيمة تناسب الْأَمر فِي ذَلِك بل سَببه مَا يغلب على احدهم من الْفَاحِشَة وَالظُّلم فَيكون مخنثا ولوطيا وظالما وعونا للظلمة فيكسوه ذَلِك قبح الْوَجْه وشينه
وَمن هَذَا أَن الَّذين قوي فيهم الْعدوان مسخهم الله قردة وَخَنَازِير من الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه سَيكون فِي هَذِه الْأمة أَيْضا من يمسخ قردة وَخَنَازِير فَإِن الْعُقُوبَات والمثوبات من جنس السَّيِّئَات والحسنات كَمَا قد بَين ذَلِك فِي غير مَوضِع
وَلَا ريب أَن مَا لَيْسَ محبوبا لله من مسخوطاته وَغَيرهَا تزين فِي نفوس كثير من النَّاس حَتَّى يروها جميلَة وحسنة يَجدونَ فِيهَا من اللَّذَّات مَا يُؤَيّد ذَلِك وَإِن كَانَت اللَّذَّات متضمنة لآلام أعظم مِنْهَا
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين والقناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْخَيْل المسومة والأنعام والحرث ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالله عِنْده حسن المآب﴾ [سُورَة آل عمرَان ١٤]
وَقَالَ ﴿أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا فَإِن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء﴾ [سُورَة فاطر ٨]
стр. 365
وَقَالَ
تَعَالَى وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله وَصد عَن السَّبِيل وَمَا كيد فِرْعَوْن إِلَّا فِي تبات [سُورَة غَافِر ٣٧]
وَقَالَ وَكَذَلِكَ زينا لكل أمة عَمَلهم ثمَّ إِلَى رَبهم مرجعهم فينبئهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ [سُورَة الْأَنْعَام ١٠٨]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَقَالَ لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم﴾ [سُورَة الْأَنْفَال ٤٨]
وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ عَن الْمُؤمنِينَ ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون﴾ [سُورَة الحجرات ٧]
فَهُوَ سُبْحَانَهُ يزين لكل عَامل عمله فيراه حسنا وَإِن كَانَ ذَلِك الْعَمَل سَيِّئًا فَإِنَّهُ لَوْلَا حسنا لم يَفْعَله إِذْ لَو رَآهُ سَيِّئًا لم يردهُ وَلم يختره إِذْ الْإِنْسَان مجبول على محبَّة الْحسن وبغض السئ فالحسن الْجَمِيل مَحْبُوب مُرَاد والسئ الْقَبِيح مَكْرُوه مبغض والأعيان وَالْأَفْعَال المبغضة من كل وَجه لَا تقصد بِحَال كَمَا ان المحبوبة من كل وَجه لَا تتْرك بِحَال وَلَكِن قد يكون الشئ محبوبا من وَجه مَكْرُوها من وَجه ويقبح من وَجه وَيحسن من وَجه وَلِهَذَا كَانَ الزَّانِي لَا يَزْنِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَالسَّارِق لَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن كَامِل الْإِيمَان فَإِنَّهُ لَو كَانَ اعْتِقَاده بقبح ذَلِك الْفِعْل اعتقادا تَاما
стр. 366
لم يَفْعَله بِحَال وَلِهَذَا كَانَ كل عَاص لله تَعَالَى جَاهِلا كَمَا قَالَ ذَلِك أَصْحَاب مُحَمَّد ص فَإِنَّهُ لَو كَانَ عَالما حق الْعلم بِمَا فعله لم يفعل الْقَبِيح وَلم يتْرك الْوَاجِب بل قد زين لكل أمة عَمَلهم
لَكِن العَاصِي إِذا كَانَ مَعَه أصل الْإِيمَان فَإِنَّهُ لَا يزين لَهُ عمله من كل وَجه بل يستحسنه من وَجه ويغضه من وَجه وَلَكِن حِين فعله يغلب تَزْيِين الْفِعْل وَلذَلِك قَالَ ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ [سُورَة آل عمرَان ١٤] الْآيَة فَإِن هُنَا شَيْئَيْنِ حب الشَّهَوَات وَأَنه زين ذَلِك الْفُحْش وَحسن فَرَأَوْا تِلْكَ الْمحبَّة حَسَنَة فَلذَلِك اسْتَقَرَّتْ هَذِه الْمحبَّة عِنْدهم وتمتعوا بِهَذِهِ المحبات فَإِذا رَأَوْا ذَلِك الْحبّ قبيحا لما يتبعهُ من الضَّرَر لم يسْتَقرّ ذَلِك فِي قُلُوبهم فَإِن رُؤْيَة ذَلِك الْحبّ حسنا يَدْعُو إِلَيْهِ قبيحا ينفر عَنهُ
وَكَذَلِكَ ذكر فِي الْإِيمَان أَنه حببه إِلَى الْمُؤمنِينَ وزينه فِي قُلُوبهم حَتَّى رَأَوْهُ حسنا فَإِن الشئ إِذا حبب وزين لم يتْرك بِحَال
стр. 367
وَهنا أخبر سُبْحَانَهُ انه هُوَ الَّذِي حبب إِلَيْهِم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبهم وَفِي الشَّهَوَات قَالَ ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ [سُورَة آل عمرَان ١٤] وَلم يقل المزين بل ذكر الْعُمُوم
وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَذَلِك زينا لكل أمة عَمَلهم﴾ [سُورَة الْأَنْعَام ١٠٨] وكما حذف المزين هُنَاكَ قَالَ ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ [سُورَة آل عمرَان ١٤] فَجعل المزين نفس الْحبّ لَهَا لم يَجْعَل المزين هُوَ المحبوب كَمَا أخبر أَنه زين لكل أمة عَملهَا فَإِن المزين نفس الْحبّ لَهَا لم يَجْعَل المزين هُوَ المحبوب بل هُوَ حب الشَّهَوَات فَإِن المزين إِذا كَانَ نفس الْحبّ وَالْعَمَل لم ينْصَرف الْقلب عَن ذَلِك بِخِلَاف مَا لَو كَانَ المزين هُوَ المحبوب فقد زين الشئ المحبوب وَلَكِن الْإِنْسَان لَا يُحِبهُ لما يقوم بِقَلْبِه من الْعلم بِحَالهِ والبغض
فَفرق بَين التزيين الْمُتَّصِل بِالْقَلْبِ وتزيين الشئ الْمُنْفَصِل عَنهُ فِيهِ رد على الْقَدَرِيَّة الَّذين يجْعَلُونَ التزيين الْمُنْفَصِل وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا﴾ [سُورَة فاطر ٨] وَهُوَ سُبْحَانَهُ امتن فِي الْإِيمَان بشيئين بِأَنَّهُ حببه إِلَيْنَا وزينه فِي قُلُوبنَا فالنعم تتمّ بهما بِالْعلمِ والمحبة
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح من غير وَجه عَن النَّبِي ﷺ انه
стр. 368
لعن المخنثين من الرِّجَال والمترجلات من النِّسَاء وَفِي الصَّحِيح أَيْضا أَنه لعن المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء والمتسشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَفِي الصَّحِيح أَنه أَمر بِنَفْي المخنثين وإخراجهم من الْبيُوت
كَمَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لعن النَّبِي ﷺ المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء والمتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ
وَفِي رِوَايَة لعن النَّبِي ﷺ المخنثين من الرِّجَال والمسترجلات من النِّسَاء وَقَالَ أخرجوهم من بُيُوتكُمْ فَاخْرُج النَّبِي ﷺ فُلَانَة وَأخرج عمر فلَانا
فَإِذا كَانَ الرجل الَّذِي يتشبه بِالنسَاء فِي لباسهن وزيهن وزينتهن ملعونا قد لَعنه رَسُول الله ﷺ فَكيف بِمن يتشبه بِهن فِي مُبَاشرَة الرِّجَال لَهُ فِيمَا يتمع الرِّجَال بِهِ بتمكينه من ذَلِك لغَرَض يَأْخُذهُ أَو لمحبته لذَلِك فَكلما كثرت مشابهته لَهُنَّ كَانَ أعظم للعنه وَكَانَ معلونا من وَجْهَيْن من جِهَة الْفَاحِشَة الْمُحرمَة فَإِنَّهُ يلعن على ذَلِك وَلَو كَانَ هُوَ الْفَاعِل وَمن جِهَة تخنثه لكَونه من جنس الْمَفْعُول بِهن
стр. 369
فَمن جعل شَيْئا من التخنث دينا أَو طلب ذَلِك من الصّبيان مثل تَحْسِين الصَّبِي صورته أَو لِبَاسه لأجل نظر الرِّجَال واستمتاعهم بذلك فِي سَماع وَغير سَماع أَلَيْسَ يكون مبدلا لدين الله من جنس الَّذِي إِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ وَإِذا كَانَت الْفَاحِشَة الْعَرَب الْمُشْركين كشف عوارتهم عِنْد الطّواف لِئَلَّا يطوفون فِي ثِيَاب عصوا الله فِيهَا فَكيف بِمَا هُوَ أعظم من ذَلِك
والمخنث قد يكون مَقْصُوده معاشرة النِّسَاء ومباشرتهن وَقد يكون تخنثه بِمُبَاشَرَة الرِّجَال ونظرهم ومحبتهم وَقد يجمع الْأَمريْنِ وَفِي المتنسكين من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة خلق كثير
وَهَؤُلَاء شَرّ مِمَّن يفعل هَذِه الْأُمُور على غير وَجه التدين فَإِن يُوجد فِي الْأُمَم الْجَاهِلِيَّة من التّرْك وَنَحْوهم من يتشبه فيهم من النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَمن يتشبه من الرِّجَال بِالنسَاء خلق عَظِيم حَتَّى يكون لنسائهم من الإمرة وَالْملك وَالطَّاعَة والبروز للنَّاس وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ من خَصَائِص الرِّجَال مَا لَيْسَ لِنسَاء غَيرهم وَحَتَّى ان الْمَرْأَة تخْتَار لنَفسهَا من شَاءَت من ممالكيها وَغَيرهم لقهرها للزَّوْج وَحكمهَا وَيكون فِي كثير من صبيانهم من التخنث وتقريب الرِّجَال لَهُ وإكرامه لذَلِك أَمر عَظِيم حَتَّى قد يغار بعض صبيانهم من النِّسَاء وَحَتَّى يتخذهم الرِّجَال كالسراري لَكِن هم لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك تدينا فَالَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِك تدينا شَرّ مِنْهُم فَإِنَّهُم جعلُوا دينا والفاحشة حَسَنَة لَا لما فِي ذَلِك من ميل الطباع فَهَكَذَا من جعل
стр. 370
مُجَرّد الصَّوْت الَّذِي تحبه الطباع حسنا فِي الدّين فِيهِ شبه من هَؤُلَاءِ لَكِن فِي الْمُشْركين من هَذِه الْأمة من يتدين بذلك لأجل الشَّيَاطِين كَمَا يُوجد فِي الْمُشْركين من التّرْك التتار وساحرهم الطاغوت صَاحب الجبت الَّذِي تسميه التّرْك البوق وَهُوَ الَّذِي تستخفه الشَّيَاطِين وتخاطبه ويسألها عَمَّا يُرِيد وَيقرب لَهَا القرابين من الْغنم المنخنقة وَغير ذَلِك وَيضْرب لَهَا بِأَصْوَات الطبول وَنَحْو ذَلِك وَمن شَرطه أَن يكون مخنثا يُؤْتى كَمَا تُؤْتى الْمَرْأَة فَكلما كَانَت الْأَفْعَال أولى بِالتَّحْرِيمِ كَانَت أقرب إِلَى الشَّيَاطِين
وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ من أَن الْحسن الصُّورَة وَالصَّوْت وَسَائِر من أنعم الله عَلَيْهِ بِقُوَّة أَو بِجَمَال أَو نَحْو ذَلِك إِذا اتَّقى الله فِيهِ كَانَ أفضل مِمَّن لم يُؤْت مَا لم يمْتَحن فِيهِ فَإِن النعم محن فَإِن أهل الشَّهَوَات من النِّسَاء وَالرِّجَال يميلون إِلَى ذِي الصُّورَة الْحَسَنَة وَيُحِبُّونَهُ ويعشقونه ويرغبونه بأنواع الكرامات ويرهبونه عِنْد الِامْتِنَاع بأنواع المخوفات كَمَا جرى ليوسف ﵇ وَغَيره وَكَذَلِكَ جماله يَدعُوهُ إِلَى أَن يطْلب مَا يهواه لِأَن جماله قد يكون أعظم من المَال المبذول فِي ذَلِك
وَكَذَلِكَ حسن الصَّوْت قد يدعى إِلَى أَعمال فِي المكروهات كَمَا أَن
стр. 371
المَال وَالسُّلْطَان يحصل بهما من المكنة مَا يدعى مَعَ ذَلِك إِلَى أَنْوَاع الْفَوَاحِش والمظال فَإِن الْإِنْسَان لَا تَأمره نَفسه بِالْفِعْلِ إِلَّا مَعَ نوع من الْقُدْرَة وَلَا يفعل بقدرته إِلَّا مَا يُريدهُ وشهوات الغي مستكنة فِي النُّفُوس فَإِذا حصلت الْقُدْرَة قَامَت المحنة فإمَّا شقى وَإِمَّا سعيد وَيَتُوب الله على من تَابَ فَأهل الامتحان إِمَّا أَن يرتفعوا وَإِمَّا أَن ينخفضوا وَأما تحرّك النُّفُوس عَن مُجَرّد الصَّوْت فَهَذَا أَيْضا محسوس فَإِنَّهُ يحركها تحريكا عَظِيما جدا بالتفريح والتحزين والإغضاب والتخويف وَنَحْو ذَلِك من الحركات النفسانية كَمَا أَن النُّفُوس تتحرك أَيْضا عَن الصُّور بالمحبة تَارَة وبالبغض أُخْرَى وتتحرك عَن الْأَطْعِمَة بالبغض تَارَة والنفرة أُخْرَى فَتحَرك الصّبيان والبهائم عَن الصَّوْت هُوَ من ذَلِك لَكِن كل مَا كَانَ أَضْعَف كَانَت الْحَرَكَة بِهِ أَشد فحركة النِّسَاء بِهِ أَشد من حَرَكَة الرِّجَال وحركة الصّبيان أَشد من حَرَكَة الْبَالِغين وحركة الْبَهَائِم أَشد من حَرَكَة الْآدَمِيّين فَهَذَا يدل على أَن قُوَّة التحرك عَن مُجَرّد الصَّوْت لقُوَّة ضعف الْعقل فَلَا يكون فِي ذَلِك حمد إِلَّا وَفِيه من الذَّم أَكثر من ذَلِك وَإِنَّمَا حَرَكَة الْعُقَلَاء عَن الصَّوْت الْمُشْتَمل على الْحُرُوف الْمُؤَلّفَة المتضمنة للمعاني المحبوبة وَهَذَا أكمل مَا يكون فِي اسْتِمَاع الْقُرْآن
وَأما التحرك بِمُجَرَّد الصَّوْت فَهَذَا أَمر لم يَأْتِ الشَّرْع بالندب إِلَيْهِ وَلَا عقلاء النَّاس يأمرون بذلك بل يعدون ذَلِك من قلَّة الْعقل وَضعف
стр. 372
الرَّأْي كَالَّذي يفزع عَن مُجَرّد الْأَصْوَات المفزعة المرعبة وَعَن مُجَرّد الْأَصْوَات المغضبة
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقَالَ النَّبِي ﷺ مَا أذن الله لشئ كأذنه لنَبِيّ يتغني بِالْقُرْآنِ وروى حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أذن الله لشئ مَا أذن الله لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ
قَالَ وَقيل إِن دَاوُد ﵇ كَانَ يستمع لقرَاءَته الْجِنّ وَالْإِنْس والوحش وَالطير إِذْ قَرَأَ الزبُور وَكَانَ يحمل من مَجْلِسه أَرْبَعمِائَة جَنَازَة مِمَّن قد مَاتَ مِمَّن سمعُوا قِرَاءَته وَقَالَ النَّبِي ﷺ لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ لقد أعْطى مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد وَقَالَ
стр. 373
معَاذ لرَسُول الله ﷺ لَو علمت أَنَّك تسمع لحبرته لَك تحبيرا
قلت هَذَا القَوْل لابي مُوسَى كَانَ لم يكن لِمعَاذ ومضمون هَذِه الْآثَار اسْتِحْبَاب تَحْسِين الصَّوْت بِالْقُرْآنِ وَهَذَا مِمَّا لَا نزاع فِيهِ فالاستدلال بذلك على تَحْسِين بِالْغنَاءِ أفسد من قِيَاس الرِّبَا على البيع إِذْ هُوَ من بَاب تنظير الشّعْر بِالْقُرْآنِ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِن هُوَ إِلَّا ذكر وَقُرْآن مُبين﴾ [سُورَة يس ٦٩]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تنزلت بِهِ الشَّيَاطِين وَمَا يَنْبَغِي لَهُم وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُم عَن السّمع لمعزولون﴾ [سُورَة الشُّعَرَاء ٢١٠ ٢١٢] ﴿ألم تَرَ أَنهم فِي كل وَاد يهيمون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [سُورَة الشُّعَرَاء ٢٢٥٢٢٦]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا هُوَ بقول شَاعِر قَلِيلا مَا تؤمنون وَلَا بقول كَاهِن قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ [سُورَة الحافة ٤١٤٢]
وَهَذَا الْقيَاس مثل قِيَاس سَماع المكاء والتصدية الَّذِي ذمه الله فِي كِتَابه وَأخْبر أَنه صَلَاة الْمُشْركين على سَماع الْقُرْآن الَّذِي أَمر الله بِهِ فِي كِتَابه وَأخْبر أَنه سَماع النَّبِيين وَالْمُؤمنِينَ وَقِيَاس لأئمة الصَّلَاة كالخلفاء الرَّاشِدين وَسَائِر أَئِمَّة الْمُؤمنِينَ بالمخنثين المغاني الَّذين قد يسمون الْجد أَو القوالين
стр. 374
وَقِيَاس للمؤذن الدَّاعِي إِلَى الصَّلَاة وَسَمَاع الْقُرْآن بالمزمار الداعى إِلَى حَرَكَة المستمعين للمكاء والتصدية
وَقد روى الطَّبَرَانِيّ فِي معجمهه عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَن الشَّيْطَان قَالَ يارب اجْعَل لى قُرْآنًا قَالَ قرآنك الشّعْر قَالَ اجْعَل لى مُؤذنًا قَالَ مؤذنك المزمار قَالَ اجْعَل لى كِتَابه قَالَ كتابتك الوشم قَالَ اجْعَل لى بَيْتا قَالَ بَيْتك الْحمام قَالَ اجْعَل لى طَعَاما قَالَ طَعَامك مالم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَمن قَاس قُرْآن الله فَالله يجازيه بِمَا يسْتَحقّهُ
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا﴾ سُورَة مَرْيَم ٥٩ فَهَؤُلَاءِ يشتغلون بالشهوات عَن الصَّلَاة
وَلِهَذَا فَإِن من هَؤُلَاءِ الشُّيُوخ من يقْصد الاجتماعات فِي الْحمام وَيكون لَهُ فبها حَال وَظُهُور لكَونه مادته من الشَّيَاطِين فَإِن الشَّيْطَان يظْهر أَثَره فِي بَيته وَعِنْده أوليائه وتأذين مؤذنه وتلاوة قرآنه كَمَا يظْهر ذَلِك على أهل المكاء والتصدية
стр. 375
وَإِذا كَانَ السماع نَوْعَيْنِ سَماع الرَّحْمَن وَسَمَاع الشَّيْطَان كَانَ مَا بَينهمَا من أعظم الْفرْقَان لَكِن الْأَقْسَام هُنَا أَرْبَعَة إِمَّا أَن يشْتَغل العَبْد بِسَمَاع الرَّحْمَن دون سَماع الشَّيْطَان أَو بِسَمَاع الشَّيْطَان دون سَماع الرَّحْمَن أَو يشْتَغل بالسماعين أَو لَا يشْتَغل بِوَاحِد مِنْهُمَا
فَالْأول حَال السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان
وَأما الثَّانِي فحال الْمُشْركين الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية﴾ [سُورَة الْأَنْفَال ٣٥] وَهُوَ حَال من يتَّخذ ذَلِك دينا وَلَا يستمع الْقُرْآن فَإِن كَانَ يشْتَغل بِهَذَا السماع شَهْوَة لَا دينا ويعرض عَن الْقُرْآن فهم الْفجار والمنافقون إِذا أبطنوا حَال الْمُشْركين
وَأما الَّذين يشتغلون بالسماعين فكثير من المتصوفة
وَالَّذين يعرضون عَنْهُمَا على مَا يَنْبَغِي كثير من المتعربة
فَهَذِهِ النُّصُوص المأثورة عَن النَّبِي ﷺ الَّتِي فِيهَا مدح الصَّوْت الْحسن بِالْقُرْآنِ وَالتَّرْغِيب فِي هَذَا السماع فيحتج بهَا على المعرض عَن هَذَا السماع الشَّرْعِيّ الإيماني لَا يحْتَج بهَا على حسن السماع البدعي الشركي
بل الراغبون فِي السماعين جَمِيعًا والزاهدون فِي السماعين جَمِيعًا خارجون عَن مَحْض الاسْتقَامَة والشريعة القرآنية الْكَامِلَة هَؤُلَاءِ
стр. 376
معتدون وَهَؤُلَاء مفرطون وَإِنَّمَا الْحق الرَّغْبَة فِي السماع الإيماني الشَّرْعِيّ والزهد فِي السماعي الشركي البدعي
ثمَّ ذكر أَبُو الْقَاسِم حِكَايَة أبي بكر الرقي فِي الْغُلَام الَّذِي حدا بالجمال حَتَّى قطعت مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فِي يَوْم فَلَمَّا حط عَنْهَا مَاتَت وحدا بجمل فهام على وَجهه وَقطع حباله قَالَ الرقي وَلم أَظن أَنِّي سَمِعت صَوتا أطيب مِنْهُ وَوَقعت لوجهي حَتَّى أَشَارَ عَلَيْهِ بِالسُّكُوتِ فَسكت فَقَالَ حَدثنَا أَبُو حَاتِم السجسْتانِي حَدثنَا أَبُو نصر السراج قَالَ حكى الرقي
قلت مَضْمُون هَذِه الْحِكَايَة أَن الصَّوْت البليغ فِي الْحسن قد يُحَرك النُّفُوس تحريكا عَظِيما خَارِجا عَن الْعَادة وَهَذَا مِمَّا لَا ريب فِيهِ فَإِن الْأَصْوَات توجب الحركات الإرادية بحسنها وَهِي فِي الأَصْل ناشئة عَن حركات إرادية وَيخْتَلف تأثيرها باخْتلَاف نوع الصَّوْت وَقدره بل هِيَ من أعظم المحركات أَو أعظمها وَإِذا اتّفق قُوَّة الْمُؤثر واستعداد الْمحل قوى التَّأْثِير فالنفوس المستعدة لصِغَر أَو انوثة أَو جزع وَنَحْوه أَو لفراغ وَعدم شغل أَو ضعف عقل إِذا اتَّصل بهَا صَوت عَظِيم حسن قوى أزعجها غَايَة الإزعاج لَكِن هَذَا لَا يدل على جَوَاز ذَلِك وَلَا فِيهِ مَا يُوجب مدحه وَحسنه بل مثل هَذَا أدل على الذَّم والنهى مِنْهُ على الْحَمد والمدح فَإِن هَذَا يفْسد النُّفُوس أَكثر مِمَّا يصلحها ويضرها أَكثر مِمَّا ينفعها وَإِن كَانَ فِيهِ نفع فأثمة أَكثر من نَفعه
стр. 377
وَقد قَالَ الله للشَّيْطَان واستفرز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك [سُورَة الْإِسْرَاء ٦٤] فالصوت الشيطاني يستفز بني آدم وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّمَا نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين وَذكر صَوت النِّعْمَة وَصَوت الْمعْصِيَة ووصفهما بالحمق والفجور وَهُوَ الظُّلم وَالْجهل
وَقَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ اقصد فِي مشيك واغضض من صَوْتك [سُورَة لُقْمَان ١٩] والمغنى بِهَذِهِ الْأَصْوَات لم يغض من صَوته والمتحركون بهَا الراقصون لم يقصدوا فِي مشيهم بل المصوتون أَتَوا بالأحمق الْجَاهِل الظَّالِم الْفجْر من الْأَصْوَات والمتحركين أَتَوا بالأحمق الْجَاهِل الْفَاحِش من الحركات وَرُبمَا جمع الْوَاحِد بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ وَجعل ذَلِك من أعظم الْعِبَادَات
ثمَّ قَالَ ابو الْقَاسِم سَمِعت الشَّيْخ ابا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْعَزِيز سَمِعت أَبَا عَمْرو الْأنمَاطِي سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول وَسُئِلَ مَا بَال الْإِنْسَان يكون هادئا فَإِذا سمع السماع اضْطربَ فَقَالَ إِن الله لما خَاطب الذَّر فِي الْمِيثَاق الأول بقوله أَلَسْت بربكم [سُورَة الْأَعْرَاف ١٧٢] استفرغت عذوبة سَماع الْكَلَام الْأَرْوَاح فَإِذا سمعُوا السماع حركهم ذكر ذَلِك
стр. 378
قلت هَذَا الْكَلَام لَا يعلم صِحَّته عَن الْجُنَيْد والجنيد أجل من أَن يَقُول مثل هَذَا فَإِن هَذَا الِاضْطِرَاب يكون لجَمِيع الْحَيَوَان ناطقه وأعجمه حَتَّى يكون فِي الْبَهَائِم أَيْضا وَيكون للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ ثمَّ الِاضْطِرَاب قد يكون لحلاوة الصَّوْت ومحبته وَقد يكون للخوف مِنْهُ وهيبته وَقد يكون للحزن والجزع وَقد يكون للغضب
ثمَّ من الْمَعْلُوم أَن الصَّوْت المسموع لَيْسَ هُوَ ذَاك أصلا وَلَو سمع العَبْد كَلَام الله كَمَا سَمعه مُوسَى بن عمرَان لم يكن سَمَاعه لاصوات الْعباد محركا لذكر ذَلِك بل الْمَأْثُور ان مُوسَى مقت الْآدَمِيّين لما وقر فِي مسامعه من كَلَام الله ثمَّ التَّلَذُّذ بالصوت أَمر طبعي لَا تعلق لَهُ بكونهم سمعُوا صَوت الرب أصلا ثمَّ إِن أحدا لَا يذكر ذَلِك السماع أصلا إِلَّا بِالْإِيمَان وَالنَّاس متنازعون فِي أَخذ الْمِيثَاق وَفِي ذَلِك السماع بِمَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه
ثمَّ إِن مَذْهَب الْجُنَيْد فِي السماع كَرَاهَة التَّكَلُّف لحضوره والاجتماع عَلَيْهِ وَعِنْده أَن من تكلّف السماع فتن بِهِ فَكيف يعلله بِهَذَا
وَقد ذكر أَبُو الْقَاسِم ذَلِك فَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت الْحُسَيْن بن أَحْمد بن جَعْفَر سَمِعت أَبَا بكر بن ممشاد سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول السماع فتْنَة لمن طلبه ترويح لمن صادفه
стр. 379
فَأخْبر انه فتْنَة لمن قَصده وَلم يَجعله لمن صادفه مُسْتَحبا وَلَا طَاعَة بل جعله رَاحَة فَكيف يَقُول إِنَّه أظهر خطاب الْحق الْمُتَقَدّم
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا على الدقاق يَقُول السماع حرَام على الْعَوام لبَقَاء نُفُوسهم مُبَاح للزهاد لحُصُول مجاهدتهم مُسْتَحبّ لاصحابنا لحياة قُلُوبهم
قلت قد قدم ابو الْقَاسِم فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي على الرُّوذَبَارِي وَهُوَ قديم توفّي بعد الْعشْرين وثلاثمائة صحب الْجُنَيْد والطبقة الثَّانِيَة وَكَانَ يَقُول أستاذي فِي التصوف الْجُنَيْد وَفِي الْفِقْه أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج وَفِي الْأَدَب ثَعْلَب وَفِي الحَدِيث إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَقَالَ فِيهِ ابو الْقَاسِم هُوَ اظرف الْمَشَايِخ واعلمهم بالطريقة
قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ ﵀ يَقُول سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الدِّمَشْقِي يَقُول سُئِلَ ابو عَليّ الرُّوذَبَارِي عَمَّن يسمع الملاهي وَيَقُول هِيَ لي حَلَال لِأَنِّي وصلت إِلَى دَرَجَة لَا يُؤثر
стр. 380
فِي اخْتِلَاف الْأَحْوَال فَقَالَ نعم قد وصل لعمري وَلَكِن إِلَى سقر
فَقَوْل الدقاق هُوَ مُبَاح للزهاد لحُصُول مجاهدتهم هُوَ الَّذِي انكره أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي فَكيف بقوله مُسْتَحبّ وسنتكلم إِن شَاءَ الله على هَذَا
ثمَّ إِنَّه ذكر بعد هَذَا أَنه سمع الْأُسْتَاذ أَبَا عَليّ الدقاق ﵀ يَقُول السماع طبع إِلَّا عَن شرع وخرق إِلَّا عَن حق وفتنة إِلَّا عَن عِبْرَة وَهَذَا الْكَلَام يُوَافق قَول الرُّوذَبَارِي وَيُخَالف قَوْله إِنَّه مُبَاح للزهاد لحُصُول مجاهدتهم مُسْتَحبّ لِأَصْحَابِنَا لحياة قُلُوبهم فَإِنَّهُ جعل كل سَماع لَيْسَ بمشروع فَهُوَ عَن الطَّبْع وَمَعْلُوم أَن سَماع المكاء والتصدية لَيْسَ مَشْرُوعا فَيكون مسموعا بالطبع مُطلقًا
وَقَالَ سَمِعت أَبَا حَاتِم السجسْتانِي يَقُول سَمِعت أَبَا نصر الصُّوفِي يَقُول سَمِعت الوجيهي يَقُول سَمِعت ابا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول كَانَ الْحَارِث بن اسد المحاسبي يَقُول ثَلَاث إِذا وجدن نمتنع بِهن وَقد فقدناهن حسن الْوَجْه مَعَ الصيانة وَحسن الصَّوْت مَعَ الدّيانَة وَحسن الإخاء مَعَ الْوَفَاء
стр. 381
قلت قد قررت قبل هَذَا الْمَعْنى بِأَن الْحسن فِي الصُّورَة وَالصَّوْت إِن لم يكن مَعَ تقوى الله وَإِلَّا لم يكن إِلَّا مذموما وَمن الدّيانَة أَن يكون حسن الصَّوْت مُسْتَعْملا فِيمَا أَمر الله بِهِ
قَالَ ابو الْقَاسِم وَسُئِلَ ذُو النُّون الْمصْرِيّ عَن الصَّوْت الْحسن فَقَالَ مخاطبات وإشارات أودعها الله كل طيب وطيبة وَسُئِلَ مرّة أُخْرَى عَن السماع فَقَالَ وَارِد حق يزعج الْقُلُوب إِلَى الْحق فَمن أصغى إِلَيْهِ بِحَق تحقق وَمن أصغى إِلَيْهِ بِنَفس تزندق
قلت هَذَا الْكَلَام لم يسْندهُ عَن ذِي النُّون وَإِنَّمَا أرْسلهُ إرْسَالًا وَمَا يُرْسِلهُ فِي هَذِه الرسَالَة قد وجد كثير مِنْهُ مَكْذُوب على اصحابه إِمَّا أَن يكون أَبُو الْقَاسِم سَمعه من بعض النَّاس فَاعْتقد صدقه أَو يكون من فَوْقه كَذَلِك أَو وجده مَكْتُوبًا فِي بعض الْكتب فأعتقد صِحَّته وَمن كَانَ من الْمُرْسلين لما يذكرُونَهُ من الْأَوَّلين والآخرين يعْتَمد فِي إرْسَاله لصحيح النَّقْل وَالرِّوَايَة عَن الثِّقَات فَهَذَا يعْتَمد إرْسَاله لصحيح النَّقْل وَالرِّوَايَة عَن الثِّقَات فَهَذَا يعْتَمد إرْسَاله وَأما من عرف فِيمَا يُرْسِلهُ كثير من الْكَذِب لم يوثق بِمَا يُرْسِلهُ
فَهَذَا التَّفْصِيل مَوْجُود فِيمَن يُرْسل النقول عَن النَّاس من أهل المصنفات وَمن أَكثر الْكَذِب الْكَذِب على الْمَشَايِخ الْمَشْهُورين فقد رَأينَا من ذَلِك وَسَمعنَا مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله وَهَذَا أَبُو الْقَاسِم مَعَ علمه وَرِوَايَته
стр. 382
بِالْإِسْنَادِ وَمَعَ هَذَا فَفِي هَذِه الرسَالَة قِطْعَة كَبِيرَة من المكذوبات الَّتِي لَا يُنَازع فِيهَا من لَهُ أدنى معرفَة بِحَقِيقَة حَال الْمَنْقُول عَنْهُم
وَأما الَّذِي يسْندهُ من الحكايات فِي بَاب السماع فعامته من كتابين كتاب اللمع لأبي نصر السراج فَإِنَّهُ يرْوى عَن أبي حَاتِم السجسْتانِي عَن أبي نصر عَن عبد الله بن عَليّ الطوسي ويروى عَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد التَّمِيمِي عَنهُ وَمن كتاب السماع لأبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قد سَمعه مِنْهُ
فَإِن كَانَ هَذَا الْكَلَام ثاببتا عَن ذِي النُّون ﵀ عَلَيْهِ فَالْكَلَام عَلَيْهِ من وَجْهَيْن من جِهَة الِاحْتِجَاج بالقائل وَمن جِهَة تَفْسِير الْمَنْقُول
أما الأول فقد نقلوا أَن ذَا النُّون حضر هَذَا السماع بالعراق
وَقد ذكر أَبُو الْقَاسِم حِكَايَة بعد ذَلِك مُرْسلَة فَقَالَ وَحكى أَحْمد ابْن مقَاتل العكي قَالَ لما دخل ذُو النُّون الْمصْرِيّ بَغْدَاد اجْتمع إِلَيْهِ الصُّوفِيَّة وَمَعَهُ قَوَّال يَقُول شَيْئا فاستأذنوه بِأَن يَقُول بَين يَدَيْهِ فَأذن لَهُ فابتدأ يَقُول ... صَغِير هَوَاك عذبني فَكيف بِهِ إِذا احتكا ...
стр. 383
.. وَأَنت جمعت من قلبِي هوى قد كَانَ مُشْتَركا
أما ترثى لمكتئب إِذا ضحك الخلي بَكَى ...
قَالَ فَقَامَ ذُو النُّون وَسقط على وَجهه وَالدَّم يقطر من جَبينه وَلَا يسْقط على الأَرْض ثمَّ قَامَ رجل من الْقَوْم يتواجد فَقَالَ لَهُ ذُو النُّون ﴿الَّذِي يراك حِين تقوم﴾ [سُورَة الشُّعَرَاء ٢١٨] فَجَلَسَ الرجل
قَالَ وَسمعت أَبَا عَليّ الدقاق يَقُول كَانَ ذُو النُّون صَاحب إِسْرَاف على ذَلِك الرجل حَيْثُ نبهه أَن ذَلِك لَيْسَ مقَامه وَكَانَ ذَلِك الرجل صَاحب إنصاف حَيْثُ قبل ذَلِك مِنْهُ فَرجع وَقعد
فَهَذَا وَنَحْوه هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأَئِمَّة كالشافعي فِي قَوْله خلفت بِبَغْدَاد شَيْئا أحدثته الزَّنَادِقَة يسمونه التغبير يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن فَيكون ذُو النُّون هُوَ أحد الَّذين حَضَرُوا التغبير الَّذِي أنكرهُ الْأَئِمَّة وشيوخ السّلف وَيكون هُوَ أحد المتأولين فِي ذَلِك وَقَوله فِيهِ كَقَوْل شُيُوخ الْكُوفَة وعلمائها فِي النَّبِيذ الَّذين اسْتَحَلُّوهُ مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَشريك ابْن عبد الله وَأبي حنيفَة ومسعر بن كدام وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَغَيرهم من أهل الْعلم وَكَقَوْلِه عُلَمَاء مَكَّة وشيوخها فِيمَا اسْتَحَلُّوهُ من الْمُتْعَة وَالصرْف كَقَوْل عَطاء بن ابي رَبَاح وَابْن جريج وَغَيرهمَا وكقول طَائِفَة من شُيُوخ الْمَدِينَة وعلمائها فِيمَا اسْتَحَلُّوهُ من الحشوش وكقول طَائِفَة من
стр. 384
شُيُوخ الشاميين وعلمائها فِيمَا كَانُوا اسْتَحَلُّوهُ من الْقِتَال فِي الْفِتْنَة لعَلي بن أبي طَالب وَأَصْحَابه وكقول طوائف من أَتبَاع الَّذين قَاتلُوا مَعَ عَليّ من اهل الْحجاز وَالْعراق وَغَيرهم فِي الْفِتْنَة إِلَى أَمْثَال ذَلِك مِمَّا تنازعت فِيهِ الْأمة وَكَانَ فِي كل شقّ طَائِفَة من اهل الْعلم وَالدّين
فَلَيْسَ لأحد أَن يحْتَج لأحد الطَّرِيقَيْنِ بِمُجَرَّد قَول أَصْحَابه وَإِن كَانُوا من أعظم النَّاس علما ودينا لَان المنازعين لَهُم هم أهل الْعلم وَالدّين
وَقد قَالَ الله تَعَالَى فَإِن تنازعتم فِي شئ فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر [سُورَة النِّسَاء ٥٩] فالرد عِنْد التَّنَازُع إِنَّمَا يكون إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله
نعم إِذا ثَبت عَن بعض المقبولين عِنْد الْأمة كَلَام فِي مثل موارد النزاع كَانَ فِي ذَلِك حجَّة على تقدم التَّنَازُع فِي ذَلِك وعَلى دُخُول قوم من اهل الزّهْد وَالْعِبَادَة والسلوك فِي مثل هَذَا وَلَا ريب فِي هَذَا
لَكِن مُجَرّد هَذَا لَا يتيح للمريد الَّذِي يُرِيد الله وَيُرِيد سلوك طَرِيقه أَن يَقْتَدِي فِي ذَلِك بهم مَعَ ظُهُور النزاع بَينهم وَبَين غَيرهم وإنكار غَيرهم عَلَيْهِم بل على المريد أَن يسْلك الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين انعمت عَلَيْهِم عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَيتبع مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فَإِن ذَلِك هُوَ صِرَاط الله الَّذِي ذكره ورضى بِهِ فِي قَوْله وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تَتبعُوهُ السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله [سُورَة الْأَنْعَام ١٥٣] وَهَذَا أصل فِي أَنه لَا يحْتَج فِي مَوَاضِع النزاع والاشتباه بِمُجَرَّد قَول اُحْدُ مِمَّن نوزع فِي ذَلِك
стр. 385
وَأما الْوَجْه الثَّانِي فَقَوْل الْقَائِل عَن الصَّوْت الْحسن مخاطبات وإشارات أودعها الله كل طيب وطيبة لَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ ان كل صَوت طيب كَائِنا مَا كَانَ بِأَن الله أودعها مخاطبات يُخَاطب بهَا عباده فَإِن هَذَا القَوْل كفر صَرِيح إِذْ ذَلِك يسْتَلْزم أَن تكون الْأَصْوَات الطّيبَة الَّتِي يستعملها الْمُشْركُونَ وَأهل الْكتاب فِي الِاسْتِعَانَة بهَا على كفرهم قد خَاطب بهَا الله عباده وَأَن تكون الْأَصْوَات الطّيبَة الَّتِي يستفز بهَا الشَّيْطَان لبني آدم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك وأجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك﴾ [سُورَة الْإِسْرَاء ٦٤] أَن تكون هَذِه الْأَصْوَات الشيطانية إِذا كَانَت طيبَة قد أودعها مخاطبات يُخَاطب بهَا عباده وَأَن تكون اصوات الملاهي قد أودعها الله مخاطبات يُخَاطب بهَا عباده
وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذَا لَا يَقُوله عَاقل فضلا عَن أَن يَقُوله مُسلم ثمَّ لَو كَانَ الامر كَذَلِك فَلم لم يستمع الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ من الْأَوَّلين والآخرين إِلَى كل صَوت صَوت ويأمروا أتباعهم بذلك لما فِي ذَلِك من اسْتِمَاع مخاطبات الْحق إِذْ قد علم أَن اسْتِمَاع مخاطبات الْحق من أفضل القربات
فقد ظهر أَن هَذَا الْكَلَام لَا يجوز أَن يكون عُمُومه وإطلاقه حَقًا
يبْقى ان يُقَال هَذَا خَاص ومقيد فِي الصَّوْت الْحسن إِذا اسْتعْمل على الْوَجْه الْحسن فَهَذَا حق مثل ان يزين بِهِ كَلَام الله كَمَا كَانَ أَبُو مُوسَى الاشعري يفعل وَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ مَرَرْت بك البارحة
стр. 386
وَأَنت تقْرَأ فَجعلت أستمع لقراءتك فَقَالَ لَو علمت أَنَّك تستمع لحبرته لَك تحبيرا وَكَانَ عمر يَقُول لَهُ ذكرنَا رَبنَا فَيقْرَأ وهم يستعمون
فَلَا ريب أَن ذَا الصَّوْت الْحسن إِذا تَلا بِهِ كتاب الله فَإِنَّهُ يكون حِينَئِذٍ قد أودع الله ذَلِك مخاطبات وإشارات وَهُوَ مَا فِي كِتَابه من المخاطبات والإشارات فقد ظهر أَن هَذَا الْكَلَام إِذا حمل على السماع الْمَشْرُوع الَّذِي يُحِبهُ الله وَرَسُوله كَانَ محملًا حسنا وَإِن حمل على عُمُومه وإطلاقه كَانَ كفرا وضلالا
يبْقى بَين ذَلِك الْعُمُوم وَهَذَا الْخُصُوص مَرَاتِب مِنْهَا ان يحمل ذَلِك على مَا يجده المستمع فِي قلبه من المخاطبات والإشارات من الصَّوْت وَإِن لم يَقْصِدهُ المصوت الْمُتَكَلّم فَهَذَا كثير مَا يَقع لَهُم وَأكْثر الصَّادِقين الَّذين حَضَرُوا هَذَا السماع يشيرون إِلَى هَذَا الْمَقْصد وَصَاحب هَذِه الْحَال يكون مَا يسمعهُ مذكرا لَهُ مَا كَانَ فِي قلبه من الْحق
وَهَذَا يكون على وَجْهَيْن
أَحدهمَا من الصَّوْت الْمُجَرّد الَّذِي لَا حرف مَعَه كأصوات الطُّيُور والرياح والآلات وَغير ذَلِك فَهَذَا كثير مَا ينزله النَّاس على حُرُوف بِوَزْن ذَلِك الصَّوْت وَكَثِيرًا مَا يُحَرك مِنْهُم مَا يُنَاسِبهَا من فَرح أَو
стр. 387
حزن أَو غضب أَو شوق أَو نَحْو ذَلِك كَقَوْل بَعضهم ... رب وَرْقَاء هتوف فِي الضُّحَى صدحت فِي فنن عَن فنن
رُبمَا أبكى فَلَا أفهمها وَهِي قد تبْكي فَلَا تفهمني
غير أَتَى بالجوى اعرفها وَهِي أَيْضا بالجوى تعرفنِي ...
وَالثَّانِي يكون من صَوت بحروف منظومة إِمَّا شعر وَإِمَّا غَيره وَيكون المستمع ينزل تِلْكَ الْمعَانِي على حَاله سَوَاء قصد ذَلِك النَّاظِم والمنشد أَو لم يقْصد ذَلِك مثل أَن يكون فِي الشّعْر عتاب وتوبيخ أَو أَمر بِالصبرِ على الملام فِي الْحبّ أَو ذمّ على التَّقْصِير فِي الْقيام بِحُقُوق الْمحبَّة اَوْ تحريض على مَا فرض للْإنْسَان من الْحُقُوق أَو إغضاب وحمية على جِهَاد الْعَدو ومقاتله أَو امْر ببذل النَّفس وَالْمَال فِي نيل الْمَطْلُوب ورضا المحبوب أَو غير ذَلِك من الْمعَانِي المجلمة الَّتِي يشْتَرك فِيهَا محب الرَّحْمَن ومحب الْأَوْثَان ومحب الأوطان ومحب النسوان ومحب المردان ومحب الإخوان ومحب الخلان
وَرُبمَا قرع السّمع حُرُوف أُخْرَى لم ينْطق بهَا الْمُتَكَلّم على وزن حُرُوفه كَمَا يذكر عَن بَعضهم أَنه سمع قَائِلا يَقُول ستر بري فَوَقع فِي سَمعه اسع تَرَ بَرى
وَقد ذكر ذَلِك فِيمَا بعد ابو الْقَاسِم فَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن
стр. 388
مُحَمَّد الصُّوفِي يَقُول سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت يحيى بن على الرِّضَا الْعلوِي قَالَ سمع ابْن حلوان الدِّمَشْقِي طَوافا يُنَادى ياه سعتر بري فَسقط مغشيا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق سُئِلَ فَقَالَ حسبته يَقُول اسع تَرَ بري
وَسمع عتبَة الْغُلَام رجلا يَقُول ... سُبْحَانَ رب السَّمَاء إِن الْمُحب لفى عناء ...
فَقَالَ عتبَة صدقت وَسمع رجل آخر ذَلِك القَوْل فَقَالَ كذبت فَكل وَاحِد يسمع من حَيْثُ هُوَ
لَا سِيمَا وأكثرها إِنَّمَا وضعت لمحبة لَا يُحِبهَا الله وَرَسُوله مثل بعض هَذِه الْأَجْنَاس وَإِنَّمَا الْمُدَّعِي لمحبة الله وَرَسُوله يَأْخُذ مَقْصُوده مِنْهَا بطرِيق الِاعْتِبَار وَالْقِيَاس وَهُوَ الْإِشَارَة الَّتِي يذكرونها وَلِهَذَا قَالَ مخاطبات وإشارات فالمخاطبات كدلالة النُّصُوص والإشارات كدلالة الْقيَاس وَلَا بُد أَن يكون قد علم أَن تِلْكَ المخاطبات والإشارات إِنَّمَا يفهم مِنْهَا المستمع ويتحرك فِيهَا حَرَكَة يُحِبهَا الله وَرَسُوله فَيكون قد علم من غَيرهَا ان مَا يَقْتَضِيهِ من الشُّعُور وَالْحَال مرضى عِنْد ذِي الْجلَال بِدلَالَة الْكتاب
стр. 389
وَالسّنة وَإِلَّا فَإِن مُجَرّد الِاسْتِحْسَان بالذوق والوجدان إِن لم يشْهد لَهُ الْكتاب وَالسّنة وَإِلَّا كَانَ ضلالا
وَمن هَذَا الْبَاب ضل طوائف من الضَّالّين وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن الْمَعْلُوم أَن مثل هَذَا جَمِيعه لَا يجوز أَن يَجْعَل طَرِيقا إِلَى الله وَيجمع عَلَيْهِ عباد الله وَيسْتَحب للمريدين وَجه الله لَان مَا فِيهِ من الضَّرَر هُوَ اضعاف مَا فِيهِ من الْمَنْفَعَة لَهُم وَلَكِن قد صَادف السِّرّ الَّذِي يكون فِي قلبه حق بعض هَذِه المسموعات فَيكون مذكرا لَهُ ومنبها
وَهَذَا معنى قَول الْجُنَيْد السماع فتْنَة لمن طلبه ترويح لمن صادفه
وَأما قَول الْقَائِل السماع وَارِد حق يزعج الْقُلُوب إِلَى الْحق فَمن أصغى إِلَيْهِ بِحَق تحقق وَمن أصغى إِلَيْهِ بِنَفس تزندق فالسماع الْمَوْصُوف أَنه وَارِد حق الَّذِي يزعج الْقُلُوب إِلَى الْحق هُوَ أخص من السماع الَّذِي قد يُوجب التزندق فَالْكَلَام فِي ظَاهره متناقض لِأَن قَائِله أطلق القَوْل بِأَنَّهُ وَارِد حق يزعج الْقُلُوب إِلَى الْحق ثمَّ جعل من أصغى إِلَيْهِ بِنَفس تزندق
ووارد الْحق الَّذِي يزعج الْقُلُوب إِلَى الْحق لَا يكون مُوجبا للتزندق لَكِن قَائِله قصد أَولا السماع الَّذِي يَقْصِدهُ أهل الارادة لوجه الله فلفظه وَإِن كَانَ فِيهِ عُمُوم فَاللَّام لتعريف الْمَعْهُود أَي يزعج قُلُوب أهل هَذِه الْإِرَادَة إِلَى الْحق لكَونه يُحَرك تباكيهم ويهيج باطنهم فتتحرك قُلُوبهم إِلَى الله الَّذِي يُرِيدُونَ وَجهه وَهُوَ إلههم ومعبودهم ومنتهى محبوبهم وَنِهَايَة مطلوبهم
стр. 390
ثمَّ ذكر أَنه من أصغى إِلَى هَذَا السماع تزندق وَهُوَ من أصغى إِلَيْهِ بِإِرَادَة الْعُلُوّ فِي الأَرْض وَالْفساد وَجعل محبَّة الْخَالِق من جنس محبَّة الْمَخْلُوق وَجعل مَا يطْلب من الِاتِّصَال بِذِي الْجلَال من جنس مَا يطْلب من الِاتِّصَال بالخلق فَإِن هَذَا يُوجب التزندق فِي الاعتقادات والإرادات فَيصير صَاحبه منافقا زنديقا وَقد قَالَ عبد الله بن مَسْعُود الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب كَمَا ينْبت المَاء البقل وَلِهَذَا تزندق بِالسَّمَاعِ طوائف كَثِيرَة كَمَا نبهنا عَلَيْهِ قبل هَذَا
وَيُقَال هُنَا من الْمَعْلُوم أَن النَّفس سَوَاء أُرِيد بهَا ذَات الْإِنْسَان أَو ذَات روحه الْمُدبرَة لجسده أَو عني بهَا صِفَات ذَلِك من الشَّهْوَة والنفرة وَالْغَضَب والهوى وَغير ذَلِك فَإِن الْبشر لَا يَخْلُو من ذَلِك قطّ وَلَو فرض أَن قلبه يَخْلُو عَن حَرَكَة هَذِه القوى والإرادات فعدمها شئ وسكونها شئ آخر والعدم مُمْتَنع عَلَيْهَا وَلَكِن قد تسكن وَلَكِن إِذا كَانَت سَاكِنة وَمن شَأْن السماع أَن يحركها فَكيف يُمكن الْإِنْسَان أَن يسكن الشئ مَعَ ملابسته لما يُوجب حركته
فَهَذَا أَمر بِالتَّفْرِيقِ بَين المتلازمين وَالْجمع بَين المتناقضين وَهُوَ يشبه أَن يُقَال لَهُ أَدَم مُشَاهدَة الْمَرْأَة وَالصَّبِيّ والأمرد أَو مُبَاشَرَته بالقبلة واللمس وَغير ذَلِك من غير أَن تتحرك نَفسك أَو فرجك إِلَى الِاسْتِمْتَاع بِهِ وَنَحْو ذَلِك فَهَل الْأَمر بِهَذَا إِلَّا من احمق النَّاس
следующие страницы →