Полный текст (813 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وَأَنت تقْرَأ فَجعلت أستمع لقراءتك فَقَالَ لَو علمت أَنَّك تستمع لحبرته لَك تحبيرا وَكَانَ عمر يَقُول لَهُ ذكرنَا رَبنَا فَيقْرَأ وهم يستعمون
فَلَا ريب أَن ذَا الصَّوْت الْحسن إِذا تَلا بِهِ كتاب الله فَإِنَّهُ يكون حِينَئِذٍ قد أودع الله ذَلِك مخاطبات وإشارات وَهُوَ مَا فِي كِتَابه من المخاطبات والإشارات فقد ظهر أَن هَذَا الْكَلَام إِذا حمل على السماع الْمَشْرُوع الَّذِي يُحِبهُ الله وَرَسُوله كَانَ محملًا حسنا وَإِن حمل على عُمُومه وإطلاقه كَانَ كفرا وضلالا
يبْقى بَين ذَلِك الْعُمُوم وَهَذَا الْخُصُوص مَرَاتِب مِنْهَا ان يحمل ذَلِك على مَا يجده المستمع فِي قلبه من المخاطبات والإشارات من الصَّوْت وَإِن لم يَقْصِدهُ المصوت الْمُتَكَلّم فَهَذَا كثير مَا يَقع لَهُم وَأكْثر الصَّادِقين الَّذين حَضَرُوا هَذَا السماع يشيرون إِلَى هَذَا الْمَقْصد وَصَاحب هَذِه الْحَال يكون مَا يسمعهُ مذكرا لَهُ مَا كَانَ فِي قلبه من الْحق
وَهَذَا يكون على وَجْهَيْن
أَحدهمَا من الصَّوْت الْمُجَرّد الَّذِي لَا حرف مَعَه كأصوات الطُّيُور والرياح والآلات وَغير ذَلِك فَهَذَا كثير مَا ينزله النَّاس على حُرُوف بِوَزْن ذَلِك الصَّوْت وَكَثِيرًا مَا يُحَرك مِنْهُم مَا يُنَاسِبهَا من فَرح أَو
стр. 387
حزن أَو غضب أَو شوق أَو نَحْو ذَلِك كَقَوْل بَعضهم ... رب وَرْقَاء هتوف فِي الضُّحَى صدحت فِي فنن عَن فنن
رُبمَا أبكى فَلَا أفهمها وَهِي قد تبْكي فَلَا تفهمني
غير أَتَى بالجوى اعرفها وَهِي أَيْضا بالجوى تعرفنِي ...
وَالثَّانِي يكون من صَوت بحروف منظومة إِمَّا شعر وَإِمَّا غَيره وَيكون المستمع ينزل تِلْكَ الْمعَانِي على حَاله سَوَاء قصد ذَلِك النَّاظِم والمنشد أَو لم يقْصد ذَلِك مثل أَن يكون فِي الشّعْر عتاب وتوبيخ أَو أَمر بِالصبرِ على الملام فِي الْحبّ أَو ذمّ على التَّقْصِير فِي الْقيام بِحُقُوق الْمحبَّة اَوْ تحريض على مَا فرض للْإنْسَان من الْحُقُوق أَو إغضاب وحمية على جِهَاد الْعَدو ومقاتله أَو امْر ببذل النَّفس وَالْمَال فِي نيل الْمَطْلُوب ورضا المحبوب أَو غير ذَلِك من الْمعَانِي المجلمة الَّتِي يشْتَرك فِيهَا محب الرَّحْمَن ومحب الْأَوْثَان ومحب الأوطان ومحب النسوان ومحب المردان ومحب الإخوان ومحب الخلان
وَرُبمَا قرع السّمع حُرُوف أُخْرَى لم ينْطق بهَا الْمُتَكَلّم على وزن حُرُوفه كَمَا يذكر عَن بَعضهم أَنه سمع قَائِلا يَقُول ستر بري فَوَقع فِي سَمعه اسع تَرَ بَرى
وَقد ذكر ذَلِك فِيمَا بعد ابو الْقَاسِم فَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن
стр. 388
مُحَمَّد الصُّوفِي يَقُول سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت يحيى بن على الرِّضَا الْعلوِي قَالَ سمع ابْن حلوان الدِّمَشْقِي طَوافا يُنَادى ياه سعتر بري فَسقط مغشيا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق سُئِلَ فَقَالَ حسبته يَقُول اسع تَرَ بري
وَسمع عتبَة الْغُلَام رجلا يَقُول ... سُبْحَانَ رب السَّمَاء إِن الْمُحب لفى عناء ...
فَقَالَ عتبَة صدقت وَسمع رجل آخر ذَلِك القَوْل فَقَالَ كذبت فَكل وَاحِد يسمع من حَيْثُ هُوَ
لَا سِيمَا وأكثرها إِنَّمَا وضعت لمحبة لَا يُحِبهَا الله وَرَسُوله مثل بعض هَذِه الْأَجْنَاس وَإِنَّمَا الْمُدَّعِي لمحبة الله وَرَسُوله يَأْخُذ مَقْصُوده مِنْهَا بطرِيق الِاعْتِبَار وَالْقِيَاس وَهُوَ الْإِشَارَة الَّتِي يذكرونها وَلِهَذَا قَالَ مخاطبات وإشارات فالمخاطبات كدلالة النُّصُوص والإشارات كدلالة الْقيَاس وَلَا بُد أَن يكون قد علم أَن تِلْكَ المخاطبات والإشارات إِنَّمَا يفهم مِنْهَا المستمع ويتحرك فِيهَا حَرَكَة يُحِبهَا الله وَرَسُوله فَيكون قد علم من غَيرهَا ان مَا يَقْتَضِيهِ من الشُّعُور وَالْحَال مرضى عِنْد ذِي الْجلَال بِدلَالَة الْكتاب
стр. 389
وَالسّنة وَإِلَّا فَإِن مُجَرّد الِاسْتِحْسَان بالذوق والوجدان إِن لم يشْهد لَهُ الْكتاب وَالسّنة وَإِلَّا كَانَ ضلالا
وَمن هَذَا الْبَاب ضل طوائف من الضَّالّين وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن الْمَعْلُوم أَن مثل هَذَا جَمِيعه لَا يجوز أَن يَجْعَل طَرِيقا إِلَى الله وَيجمع عَلَيْهِ عباد الله وَيسْتَحب للمريدين وَجه الله لَان مَا فِيهِ من الضَّرَر هُوَ اضعاف مَا فِيهِ من الْمَنْفَعَة لَهُم وَلَكِن قد صَادف السِّرّ الَّذِي يكون فِي قلبه حق بعض هَذِه المسموعات فَيكون مذكرا لَهُ ومنبها
وَهَذَا معنى قَول الْجُنَيْد السماع فتْنَة لمن طلبه ترويح لمن صادفه
وَأما قَول الْقَائِل السماع وَارِد حق يزعج الْقُلُوب إِلَى الْحق فَمن أصغى إِلَيْهِ بِحَق تحقق وَمن أصغى إِلَيْهِ بِنَفس تزندق فالسماع الْمَوْصُوف أَنه وَارِد حق الَّذِي يزعج الْقُلُوب إِلَى الْحق هُوَ أخص من السماع الَّذِي قد يُوجب التزندق فَالْكَلَام فِي ظَاهره متناقض لِأَن قَائِله أطلق القَوْل بِأَنَّهُ وَارِد حق يزعج الْقُلُوب إِلَى الْحق ثمَّ جعل من أصغى إِلَيْهِ بِنَفس تزندق
ووارد الْحق الَّذِي يزعج الْقُلُوب إِلَى الْحق لَا يكون مُوجبا للتزندق لَكِن قَائِله قصد أَولا السماع الَّذِي يَقْصِدهُ أهل الارادة لوجه الله فلفظه وَإِن كَانَ فِيهِ عُمُوم فَاللَّام لتعريف الْمَعْهُود أَي يزعج قُلُوب أهل هَذِه الْإِرَادَة إِلَى الْحق لكَونه يُحَرك تباكيهم ويهيج باطنهم فتتحرك قُلُوبهم إِلَى الله الَّذِي يُرِيدُونَ وَجهه وَهُوَ إلههم ومعبودهم ومنتهى محبوبهم وَنِهَايَة مطلوبهم
стр. 390
ثمَّ ذكر أَنه من أصغى إِلَى هَذَا السماع تزندق وَهُوَ من أصغى إِلَيْهِ بِإِرَادَة الْعُلُوّ فِي الأَرْض وَالْفساد وَجعل محبَّة الْخَالِق من جنس محبَّة الْمَخْلُوق وَجعل مَا يطْلب من الِاتِّصَال بِذِي الْجلَال من جنس مَا يطْلب من الِاتِّصَال بالخلق فَإِن هَذَا يُوجب التزندق فِي الاعتقادات والإرادات فَيصير صَاحبه منافقا زنديقا وَقد قَالَ عبد الله بن مَسْعُود الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب كَمَا ينْبت المَاء البقل وَلِهَذَا تزندق بِالسَّمَاعِ طوائف كَثِيرَة كَمَا نبهنا عَلَيْهِ قبل هَذَا
وَيُقَال هُنَا من الْمَعْلُوم أَن النَّفس سَوَاء أُرِيد بهَا ذَات الْإِنْسَان أَو ذَات روحه الْمُدبرَة لجسده أَو عني بهَا صِفَات ذَلِك من الشَّهْوَة والنفرة وَالْغَضَب والهوى وَغير ذَلِك فَإِن الْبشر لَا يَخْلُو من ذَلِك قطّ وَلَو فرض أَن قلبه يَخْلُو عَن حَرَكَة هَذِه القوى والإرادات فعدمها شئ وسكونها شئ آخر والعدم مُمْتَنع عَلَيْهَا وَلَكِن قد تسكن وَلَكِن إِذا كَانَت سَاكِنة وَمن شَأْن السماع أَن يحركها فَكيف يُمكن الْإِنْسَان أَن يسكن الشئ مَعَ ملابسته لما يُوجب حركته
فَهَذَا أَمر بِالتَّفْرِيقِ بَين المتلازمين وَالْجمع بَين المتناقضين وَهُوَ يشبه أَن يُقَال لَهُ أَدَم مُشَاهدَة الْمَرْأَة وَالصَّبِيّ والأمرد أَو مُبَاشَرَته بالقبلة واللمس وَغير ذَلِك من غير أَن تتحرك نَفسك أَو فرجك إِلَى الِاسْتِمْتَاع بِهِ وَنَحْو ذَلِك فَهَل الْأَمر بِهَذَا إِلَّا من احمق النَّاس
стр. 391
وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من الْعلمَاء العارفين إِن أَحْوَال السماع بعد مُبَاشَرَته تبقى غير مقدورة للْإنْسَان بل تبقى حَرَكَة نَفسه وَأَحْوَالهَا أعظم من احوال الْإِنْسَان بعد مُبَاشرَة شرب الْخمر فَإِن فعل هَذَا السماع فِي النُّفُوس أعظم من فعل حميا الكؤوس
وَقَوله من أصغى إِلَيْهِ بِحَق تحقق فَيُقَال عَلَيْهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَن يُقَال إِن الإصغاء إِلَيْهِ بِحَق مَأْمُون الغائلة أَن يخالطه بَاطِل أَمر غير مَقْدُور عَلَيْهِ للبشر أَكثر مِمَّا فِي قُوَّة صَاحب الرياضة والصفاء التَّام أَن يكون حِين الإصغاء لَا يجد فِي نَفسه إِلَّا طلب الْحق وإرادته لكنه لَا يَثِق بِبَقَائِهِ على ذَلِك بل إِذا سمع خالط الإصغاء بِالْحَقِّ الإصغاء بِالنَّفسِ إِذْ تجرد الْإِنْسَان عَن صِفَاته اللَّازِمَة لذاته محَال مُمْتَنع
الثَّانِي أَن يُقَال وَمن أَيْن يعلم أَن كل من أصغى إِلَيْهِ بِحَق تحقق بل المصغى إِلَيْهِ بِحَق يحصل لَهُ من الزندقة والنفاق علما وَحَالا مَا قد لَا يشْعر بِهِ كَمَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب كَمَا ينْبت المَاء البقل والنفاق هُوَ الزندقة وَمن الْمَعْلُوم أَن البقل ينْبت فِي الأَرْض شَيْئا فَشَيْئًا لَا يحس النَّاس بنباته فَكَذَلِك مَا يَبْدُو فِي الْقُلُوب من الزندقة والنفاق قد لَا يشْعر بِهِ أَصْحَاب الْقُلُوب بل يظنون أَنهم مِمَّن تحقق وَيكون فيهم شبه كثير مِمَّن تزندق
يُوضح هَذَا ان دَعْوَى التحقق وَالتَّحْقِيق والحقائق قد كثرت على أَلْسِنَة
стр. 392
أَقوام هم من أعظم النَّاس زندقة ونفاقا قَدِيما وحديثا من الباطنية القرامطة والمتفلسفة الاتحادية وَغير هَؤُلَاءِ
وَكَذَلِكَ قَوْله هُوَ وَارِد حق يزعج الْقُلُوب إِلَى الْحق
يُقَال لَهُ إِن كَانَ قد تنزعج بِهِ بعض الْقُلُوب أَحْيَانًا إِلَى الْحق فالأغلب عَلَيْهِ أَنه يزعجها إِلَى الْبَاطِل وقلما يزعجها إِلَى الْحق مَحْضا
بل قد يُقَال إِنَّه لَا يفعل ذَلِك بِحَال بل لابد أَن يضم إِلَى ذَلِك شئ من الْبَاطِل فَيكون مزعجا لَهَا إِلَى الشّرك الْجَلِيّ أَو الْخَفي فَإِن مَا يزعج إِلَيْهِ هَذَا السماع مُشْتَرك بَين الله وَبَين خلقه فَإِنَّمَا يزعج إِلَى الْقدر الْمُشْتَرك وَذَلِكَ هُوَ الْإِشْرَاك بِاللَّه
وَلِهَذَا لم يذكر الله هَذَا السماع فِي الْقُرْآن إِلَّا عَن الْمُشْركين الَّذين قَالَ فيهم ﴿وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية﴾ [سُورَة الْأَنْفَال ٣٥] فَلَا يكون مزعجا للقلوب إِلَى إِرَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ بل يزعجها إِلَى الْبَاطِل تَارَة وَإِلَى الْحق وَالْبَاطِل تَارَة
وَلَو كَانَ يزعج إِلَى الْحق الَّذِي يُحِبهُ الله خَالِصا أَو راجحا لَكَانَ من الْحسن الْمَأْمُور بِهِ الْمَشْرُوع ولكان شَرعه رَسُول الله ﷺ بقوله أَو فعله ولكان من سنة خلفائه الرَّاشِدين ولكان الْمُؤْمِنُونَ فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة يَفْعَلُونَهُ لَا يتركون مَا أحبه الله وَرَسُوله وَمَا يُحَرك الْقُلُوب إِلَى الله تحريكا يُحِبهُ الله وَرَسُوله
стр. 393
وَأَيْضًا فَهَذَا الإزعاج إِلَى الْحق قد يُقَال إِنَّه إِنَّمَا قد يحصل لمن لم يقْصد الِاسْتِمَاع بل صادفه مصادفة سَماع شئ يُنَاسب حَاله بِمَنْزِلَة الفأل لمن خرج فِي حَاجَة فَأَما من قصد الِاسْتِمَاع إِلَيْهِ والتغني بِهِ فقد قَالَ النَّبِي ﷺ لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَحكى جَعْفَر بن نصير عَن الْجُنَيْد أَنه قَالَ تنزل الرَّحْمَة على الْفُقَرَاء فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن عِنْد السماع فَإِنَّهُم لَا يسمعُونَ إِلَّا عَن حق وَلَا يقومُونَ إِلَّا عَن وجد وَعند أكل الطَّعَام فَإِنَّهُم لَا يَأْكُلُون إِلَّا عَن فاقة وَعند مجاراة الْعلم فَإِنَّهُم لَا يذكرُونَ إِلَّا صفة الْأَوْلِيَاء
وَذكر عقيب هَذَا فَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت الْحُسَيْن بن أَحْمد بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول السماع فتْنَة لمن طلبه ترويح لمن صادفه وَذكر بعد هَذَا سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول إِذا رَأَيْت المريد يحب السماع فَأعْلم أَن فِيهِ بَقِيَّة من البطالة
стр. 394
قلت فهاتان المقالتان أسندهما عَن جُنَيْد وَأما القَوْل الأول فَلم يسْندهُ بل أرْسلهُ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مفسران وَالْقَوْل الأول مُجمل فَإِن كَانَ الأول مَحْفُوظًا عَن الْجُنَيْد فَهُوَ يحْتَمل السماع الْمَشْرُوع فَإِن الرَّحْمَة تنزل على أَهله كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فأستمعوا لَهُ وأنصتوا لَعَلَّكُمْ ترحمون [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٠٤] فَذكر أَن اسْتِمَاع الْقُرْآن سَبَب الرَّحْمَة
وَقَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح مَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم إِلَّا غشيتهم الرَّحْمَة وتنزلت عَلَيْهِم السكينَة وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده
وَقد ذكر الله فِي غير مَوضِع من كِتَابه أَن الرَّحْمَة تحصل بِالْقُرْآنِ كَقَوْلِه تَعَالَى وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين [سُورَة الْإِسْرَاء]
وَقَالَ هَذَا بصائر من ربكُم وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٠٣]
وَقَالَ ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شئ وَهدى وَرَحْمَة [سُورَة النَّحْل ٨٩]
يبين ذَلِك أَن لفظ السماع يدْخل فِيهِ عِنْدهم السماع الشَّرْعِيّ كسماع الْقُرْآن والخطب الشَّرْعِيَّة والوعظ الشَّرْعِيّ وَقد أَدخل أَبُو الْقَاسِم
стр. 395
هَذَا النَّوْع فِي بَاب السماع وَذكر أَبُو الْقَاسِم هَذَا النَّوْع فِي بَاب السماع وَذكر فِي ذَلِك آثارا فَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد التَّمِيمِي يَقُول سَمِعت عبد الله بن الصُّوفِي يَقُول سَمِعت الرقي يَقُول سَمِعت بن الْجلاء يَقُول كَانَ بالمغرب شَيْخَانِ لَهما أَصْحَاب وتلامذة يُقَال لأَحَدهمَا جبلة وَللثَّانِي رُزَيْق فزار رُزَيْق يَوْمًا جبلة فَقَرَأَ رجل من أَصْحَاب رُزَيْق شَيْئا فصاح رجل من أَصْحَاب جبلة صَيْحَة وَمَات فَلَمَّا أَصْبحُوا قَالَ جبلة لرزيق أَيْن الَّذِي قَرَأَ بالْأَمْس فليقرأ آيَة فَقَرَأَ فصاح جبلة صَيْحَة فَمَاتَ الْقَارئ فَقَالَ جبلة وَاحِد بِوَاحِد والبادي أظلم
فَهَذَا من سَماع الْقُرْآن وَأما الْمَوْت بِالسَّمَاعِ فمسألة أُخْرَى نتكلم عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله فِي موضعهَا
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَسُئِلَ إِبْرَاهِيم المارستاني عَن الْحَرَكَة عِنْد السماع فَقَالَ بَلغنِي أَن مُوسَى ﵇ قصّ فِي بني إِسْرَائِيل فمزق وَاحِد
стр. 396
مِنْهُم قَمِيصه فَأوحى الله إِلَيْهِ قل لَهُ مزق لي قَلْبك وَلَا تمزق لي ثِيَابك
فَهَذَا سَماع لقصص الْأَنْبِيَاء
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَسَأَلَ أَبُو عَليّ المغازلي الشبلي فَقَالَ رُبمَا يطْرق سَمْعِي آيَة من كتاب الله فتحدوني عَليّ ترك الْأَشْيَاء والإعراض عَن الدُّنْيَا ثمَّ أرجع إِلَى احوالي وَإِلَى النَّاس فَقَالَ الشبلي مَا اجتذبك إِلَيْهِ فَهُوَ عطف مِنْهُ عَلَيْك ولطف وَمَا ردك إِلَى نَفسك فَهُوَ شَفَقَة مِنْهُ عَلَيْك لِأَنَّهُ لَا يَصح لَك التبري من الْحول وَالْقُوَّة فِي التَّوَجُّه إِلَيْهِ
فَهَذَا سَماع فِي الْقُرْآن
وَقَالَ سَمِعت أَبَا حَاتِم السجسْتانِي يَقُول سَمِعت أَبَا نصر السراج يَقُول سَمِعت أَحْمد بن مقَاتل العكي يَقُول كنت مَعَ الشبلي فِي مَسْجِد لَيْلَة فِي شهر رَمَضَان وَهُوَ يُصَلِّي خلف إِمَام لَهُ وَأَنا بجنبه فَقَرَأَ
стр. 397
الإِمَام ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ [سُورَة الْإِسْرَاء ٨٦] فزعق زعقة قلت طارت روحه وَهُوَ يرتعد وَيَقُول بِمثل هَذَا يُخَاطب الأحباء يردد ذَلِك كثيرا فَهَذَا سَماع الْقُرْآن
قَالَ وَحكى عَن الْجُنَيْد أَنه قَالَ دخلت على السّري يَوْمًا فَرَأَيْت عِنْده رجلا مغشيا عَلَيْهِ فَقلت مَا لَهُ فَقَالَ سمع آيَة من كتاب الله تَعَالَى فَقلت تقْرَأ عَلَيْهِ ثَانِيًا فقرئ فأفاق فَقَالَ لي من ايْنَ علمت هَذَا فَقلت إِن قَمِيص يُوسُف ذهبت بِسَبَبِهِ عين يَعْقُوب ﵇ ثمَّ بِهِ عَاد بَصَره فآستحسن مني ذَلِك
قَالَ وَسمعت ابا حَاتِم السجسْتانِي يَقُول سَمِعت أَبَا نصر السراج يَقُول سَمِعت عبد الْوَاحِد بن علوان يَقُول كَانَ شَاب يصحب الْجُنَيْد فَكَانَ إِذا سمع شَيْئا من الذّكر يزعق فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْد يَوْمًا إِن فعلت ذَلِك مرّة أُخْرَى لم تصحبني فَكَانَ إِذا سمع شَيْئا يتَغَيَّر ويضبط نَفسه حَتَّى كَانَ يقطر من كل شَعْرَة من بدنه فيوما من
стр. 398
الْأَيَّام صَاح صَيْحَة تلفت بهَا نَفسه
فَهَذَا سَماع الذّكر لَا يخْتَص بِسَمَاع الشّعْر الملحن
فَقَوْل الْقَائِل تنزل الرَّحْمَة عَلَيْهِم عِنْد السماع يَصح ان يُرَاد بِهِ هَذَا السماع الْمَشْرُوع
وَقَوله لَا يقومُونَ إِلَّا عَن وجد يَعْنِي أَنهم صَادِقُونَ لَيْسُوا متصنعين بِمَنْزِلَة الْمظهر للوجد من غير حَقِيقَة لَكِن قد يُقَال قَوْله لَا يَسْتَمِعُون إِلَّا عَن حق هَذَا التَّقْيِيد لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي السماع الشَّرْعِيّ فَإِنَّهُ حق بِخِلَاف السماع الْمُحدث فَإِنَّهُ يسمع بِحَق وباطل
فَيُقَال وَكَذَلِكَ سَماع الْقُرْآن وَغَيره قد يكون رِيَاء وَسُمْعَة وَقد يكون بِلَا قلب وَلَا حُضُور وَلَا تدبر وَلَا فهم وَلَا ذوق
وَقد أخبر الله عَن الْمُنَافِقين أَنهم إِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى وَالصَّلَاة مُشْتَمِلَة على السماع الشَّرْعِيّ
وَقد أخبر الله عَن كَرَاهَة الْمُنَافِقين للسماع الشَّرْعِيّ فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة نظر بَعضهم إِلَى بعض هَل يراكم من أحد ثمَّ انصرفوا صرف الله قُلُوبهم بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ﴾ [سُورَة التَّوْبَة ١٢٤ ١٢٧] فَهَؤُلَاءِ المُنَافِقُونَ يَنْصَرِفُونَ عَن السماع الشَّرْعِيّ
стр. 399
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا كَانَ الْمسند الْمَحْفُوظ الْمَعْرُوف من قَول الْجُنَيْد أَنه ﵀ لَا يحمد هَذَا السماع المبتدع وَلَا يَأْمر بِهِ وَلَا يثني عَلَيْهِ بل الْمَحْفُوظ من أَقْوَاله يُنَافِي ذَلِك لم يجز أَن يعمد إِلَى قَول مُجمل روى عَنهُ بِغَيْر إِسْنَاد فَيحمل على أَنه مدح هَذَا السماع الْمُحدث
وَقد روى بعض النَّاس أَن الْجُنَيْد كَانَ يحضر هَذَا السماع فِي أول عمره ثمَّ تَركه وحضوره لَهُ فعل وَالْفِعْل قد يسْتَدلّ بِهِ على مَذْهَب الرجل وَقد لَا يسْتَدلّ وَلِهَذَا يُنَازع النَّاس فِي مَذْهَب الْإِنْسَان هَل يُوجد من فعله
وَقَالَ بعض السّلف أَضْعَف الْعلم الرُّؤْيَة وَهُوَ قَوْله رَأَيْت فلَانا يفعل وَقد يفعل الشئ بِمُوجب الْعَادة والموافقة من بعد اعْتِقَاد لَهُ فِيهِ وَقد يفعل نِسْيَانا لَا لاعْتِقَاده فِيهِ أَو حضا وَقد يَفْعَله وَلَا يعلم أَنه ذَنْب ثمَّ يعلم بعد ذَلِك أَنه ذَنْب ثمَّ يَفْعَله وَهُوَ ذَنْب وَلَيْسَ أحد مَعْصُوما عَن أَن يفعل مَا هُوَ ذَنْب لَكِن الْأَنْبِيَاء معصومون من الأقرار على الذُّنُوب فيتأسى بأفعالهم الَّتِي أقرُّوا عَلَيْهَا لِأَن الْإِقْرَار عَلَيْهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيست ذَنبا وَأما غير الْأَنْبِيَاء فَلَا فَكيف بِمن يكون فعل فعلا ثمَّ تَركه
وأقصى مَا يُقَال إِن الْجُنَيْد كَانَ يفعل أَولا هَذَا السماع على طَرِيق
стр. 400
الِاسْتِحْسَان لَهُ والاستحباب أَو يَقُول ذَلِك فَيكون هَذَا لَو صَحَّ مُعَارضا لأقواله المحفوظة عَنهُ فَيكون لَهُ فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ
وَقد قَالَ ابو الْقَاسِم حكى عَن الْجُنَيْد أَنه قَالَ السماع يحْتَاج إِلَى ثَلَاثَة أَشْيَاء الزَّمَان وَالْمَكَان والإخوان
وَهَذِه حِكَايَة مُرْسلَة والمراسيل فِي هَذِه الرسَالَة لَا يعْتَمد عَلَيْهَا إِن لم تعرف صِحَّتهَا من وَجه آخر كَمَا تقدم وَلَو صَحَّ ذَلِك وَأَنه أَرَادَ سَماع القصائد لَكَانَ هَذَا أحد قوليه
وَذَلِكَ أَن قَوْله السماع فتْنَة لمن طلبه ترويح لمن صادفه صَرِيح بِأَنَّهُ مَكْرُوه مَذْمُوم منهى عَنهُ لمن قَصده وَهَذَا هُوَ الَّذِي نقرره فَقَوْل الْجُنَيْد ﵁ من مَحْض الَّذِي قُلْنَاهُ
وَقَوله ترويح لمن صادفه لم يثبت مِنْهُ وَإِنَّمَا أثبتوا أَنه رَاحَة وَجعل ذَلِك مَعَ المصادفة لَا مَعَ الْقَصْد والتعمد
والمصادفة فِيهَا قسم لَا ريب فِيهِ وَهُوَ اسْتِمَاع دون اسْتِمَاع كالمرء يكون مارا فَيسمع قَائِلا يَقُول بِغَيْر قَصده واختياره أَو يكون جَالِسا فِي مَوضِع فيمر عَلَيْهِ من يَقُول أَو يسمع قَائِلا من مَوضِع آخر بِغَيْر قَصده
стр. 401
وَأما إِذا اجْتمع بِقوم لغير السماع إِمَّا حضر عِنْدهم أَو حَضَرُوا عِنْده وَقَالُوا شَيْئا فَهَذَا قد يُقَال إِنَّه صادفه السماع فَإِنَّهُ لم يمش إِلَيْهِ ويقصده وَقد يُقَال بل إصغاؤه إِلَيْهِ واستماعه الصَّوْت يَجعله مستمعا فَيَجْعَلهُ غير مصادف
وَقد قَالَ تَعَالَى وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا ويستهزأ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلثم [سُورَة النِّسَاء ١٤٠] فَجعل الْقَاعِد المستمع بِمَنْزِلَة الْقَائِل
فَأكْثر مَا يُقَال إِن الْجُنَيْد اراد بالمصادفة هَذِه الصُّورَة وَهُوَ مَعَ جعله ترويحا لم يَجعله سَببا للرحمة وَهَذَا غَايَته أَن يكون مُبَاحا لَا يكون حسنا وَلَا رَحْمَة وَلَا مُسْتَحبا وَالْكَلَام فِي إِبَاحَته وتحريمه غير الْكَلَام فِي حسنه وصلاحه ومنفعته وَكَونه قربَة وَطَاعَة فالجنيد لم يقل شَيْئا من هَذَا
وَقَول الْقَائِل تنزل الرَّحْمَة على أهل السماع إِذا أَرَادَ بِهِ سَماع القصائد يَقْتَضِي أَنه حسن وَأَنه نَافِع فِي الدّين وَكَلَام الْجُنَيْد صَرِيح فِي خلاف ذَلِك
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَسُئِلَ الشبلي عَن السماع فَقَالَ ظَاهره فتْنَة وباطنه عِبْرَة فَمن عرف الْإِشَارَة حل لَهُ السماع بالعبرة وَإِلَّا فقد استدعى الْفِتْنَة وَتعرض للبلية
стр. 402
قلت هَذَا القَوْل مُرْسل لم يسْندهُ فَالله أعلم بِهِ فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا عَن الشبلي فقد نبهنا على ان الْأَئِمَّة فِي طَرِيق الْحق الَّذين يعْتد بأقوالهم كَمَا يعْتد بأقوال أَئِمَّة الْهدى هم مثل الْجُنَيْد وَسَهل وَنَحْوهمَا فَإِن اقوالهم صادرة عَن أصل وهم مستهدون فِيهَا
وَأما الشبلي وَنَحْوه فَلَا بُد من عرض أَقْوَاله وأحواله على الْحجَّة فَيقبل مِنْهَا مَا وَافق الْحق دون مَا لم يكن كَذَلِك لِأَنَّهُ قد كَانَ يعرض لَهُ زَوَال الْعقل حَتَّى يذهب بِهِ إِلَى المارستان غير مرّة وَقد يخْتَلط اختلاطا دون ذَلِك
وَمن كَانَ بِهَذِهِ الْحَال فَلَا تكون أَقْوَاله وأفعاله فِي مثل هَذِه الْأَحْوَال مِمَّا يعْتَمد عَلَيْهَا فِي طَرِيق الْحق وَلَكِن لَهُ أَقْوَال وأفعال حَسَنَة قد علم حسنها بِالدَّلِيلِ فَتقبل لحسنها فِي نَفسهَا وَإِن كَانَ لَهُ حَال أُخْرَى بِغَيْر عقله أَو اخْتَلَط فِيهَا اَوْ وَقع مِنْهُ مَا لَا يصلح
وَمَعْلُوم أَن الْجُنَيْد شَيْخه هُوَ الإِمَام المتبع فِي الطَّرِيق وَقد أخبر أَن لسَمَاع فتْنَة لمن طلبه فتقليد الْجُنَيْد فِي ذَلِك أولى من تَقْلِيد الشبلي فِي قَوْله ظَاهره فتْنَة وباطنه عِبْرَة إِذْ الْجُنَيْد أَعلَى وَأفضل وَأجل بأتفاق الْمُسلمين وَقد أطلق القَوْل بِأَنَّهُ فتْنَة لطالبه وَهُوَ لَا يُرِيد أَنه فتْنَة فِي الظَّاهِر فَقَط إِذْ من شَأْن الْجُنَيْد أَن يتَكَلَّم على صَلَاح الْقُلُوب
стр. 403
وفسادها فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه يفتن الْقلب لمن طلبه وَهَذَا نهى مِنْهُ وذم لمن يَطْلُبهُ مُطلقًا ومخالفا لما أرسل عَن الشبلي أَنه قَالَ من عرف الْإِشَارَة حل لَهُ السماع بالعبرة
وَهَذَا التَّفْصِيل يضاهي قَول من يَقُول هُوَ مُبَاح أَو حسن للخاصة دون الْعَامَّة وَقد تقدم الْكَلَام على ذَلِك وَأَنه مَرْدُود لِأَن قَائِله اخْتلف قَوْله فِي ذَلِك وَمَا أعلم احدا من الْمَشَايِخ المقبولين يُؤثر عَنهُ فِي السماع نوع رخصَة وَحمد إِلَّا ويؤثر عَنهُ الذَّم وَالْمَنْع فهم فِيهِ كَمَا يذكر عَن كثير من الْعلمَاء أَنْوَاع من مسَائِل الْكَلَام
فَلَا يُوجد عَمَّن لَهُ فِي الْأمة حمد شئ من ذَلِك إِلَّا وَعنهُ مَا يُخَالف ذَلِك وَهَذَا من رَحْمَة الله بعباده الصَّالِحين حَيْثُ يردهم فِي آخر أَمرهم إِلَى الْحق الَّذِي بَعثه بِهِ رَسُوله وَلَا يجعلهم مصرين على مَا يُخَالف الدّين الْمَشْرُوع
كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي صفة الْمُتَّقِينَ الَّذين أعد لَهُم الْجنَّة فَقَالَ وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا انفسهم ذكرُوا الله فآستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات تجْرِي من تحتهَا
стр. 404
الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر الْعَالمين [سُورَة آل عمرَان ١٣٣ ١٣٦]
وَقَول الْقَائِل من عرف الْإِشَارَة حل لَهُ السماع بالعبرة وَقد تقدم ان الْإِشَارَة هِيَ الِاعْتِبَار وَالْقِيَاس لِأَن يَجْعَل الْمَعْنى الَّذِي فِي القَوْل مثلا مَضْرُوبا لِمَعْنى حق يُنَاسب حَال المستمع وَلِهَذَا قَالَ بَاطِنه عِبْرَة
يُقَال لَهُ هَب أَنه يُمكن الِاعْتِبَار بِهِ لَكِن من أَيْن لَك ان كل مَا أمكن أَن يعْتَبر بِهِ الْإِنْسَان يكون حَلَالا لَهُ مَعَ أَن الِاعْتِبَار قد يكون بِمَا يسمع وَيرى من الْمُحرمَات فَهَل لَاحَدَّ أَن يعْتَبر بِقصد النّظر إِلَى الزِّينَة الْبَاطِنَة من الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وَيعْتَبر بِقصد الِاسْتِمَاع إِلَى اقوال المستهترين بآيَات الله أَو غير ذَلِك مِمَّا لَا يجوز
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقيل لَا يَصح السماع إِلَّا لمن كَانَت لَهُ نفس ميتَة وقلب حَيّ فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة وَقَلبه حَيّ بِنور الْمُشَاهدَة وَهَذَا التففضيل من جنس مَا تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ
стр. 405
قَالَ وَسُئِلَ ابو يَعْقُوب النهرجوري عَن السماع فَقَالَ حَال يُبْدِي الرُّجُوع إِلَى الْأَسْرَار من حَيْثُ الإحراق
قلت وَهَذَا وصف لما يعقب السماع من الاحوال الْبَاطِنَة وَقُوَّة الْحَرَارَة والإحراق والوجودية وَهَذَا امْر يحسه الْمَرْء ويجده ويذوقه لَكِن لَيْسَ فِي ذَلِك مدح وَلَا ذمّ إِذْ مثل هَذَا يُوجد لعباد الْمَسِيح والصليب وَعباد الْعجل وَعباد الطواغيت وَيُوجد للعشاق وَغير ذَلِك فَإِن لم تكن هَذِه الْأَحْوَال مِمَّا يُحِبهَا الله وَرَسُوله لم تكن محمودة وَلَا ممدوحة
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَقيل السماع لطف غذَاء الْأَرْوَاح لأهل الْمعرفَة وَهَذَا القَوْل لم يسم قَائِله وَلَا ريب ان السماع فِيهِ غذَاء وَقد قيل إِنَّمَا سمى الْغناء غناء لِأَنَّهُ يُغني النَّفس لَكِن الأغذية والمطاعم مِنْهَا طيب وَمِنْهَا خَبِيث وَلَيْسَ كل مَا استلذه الْإِنْسَان لحسنه يكون طيبا فَإِن أكل الْخِنْزِير يستلذه آكله وشارب الْخمر يستلذها شاربها
стр. 406
وَمِمَّا يبين ذَلِك أَن سَماع الألحان يتغذى بِهِ أهل الْجَهْل أَكثر مِمَّا يتغذى بِهِ أهل الْمعرفَة كَمَا يتغذى بِهِ الْأَطْفَال والبهائم وَالنِّسَاء وكما يكثر فِي أهل الْبَوَادِي والأعراب وكل من ضعف عقله ومعرفته كَمَا هُوَ مشهود
فَأَما السماع الشَّرْعِيّ فَلَا إِنَّه غذَاء طيب لأهل الْمعرفَة كَمَا أخبر الله بذلك فِي قَوْله ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق﴾ [سُورَة الْمَائِدَة ٨٣]
ثمَّ ذكر أَبُو الْقَاسِم قَول ابي على الدقاق السماع طبع إِلَّا عَن شرع وخرق إِلَّا عَن حق وفتنة إِلَّا عَن عِبْرَة وَهَذَا كَلَام حسن وَقد قدمنَا ذكره فَإِنَّهُ جعل مَا لَيْسَ بمشروع هُوَ عَن الطَّبْع فَلَا يكون مَحْمُودًا مستحسنا فِي الدّين وَطَرِيق الله
وَقَوله خرق إِلَّا عَن حق وفتنة الأ عَن عِبْرَة يَقْتَضِي أَنه إِذا لم يكن عَن حق فَهُوَ مَذْمُوم وَأَنه لم يكن عَن عِبْرَة فَهُوَ فتْنَة وَهَذَا كَلَام صَحِيح وَلَا يَقْتَضِي ذَلِك أَن يسْتَحبّ كل مَا يظنّ أَن فِيهِ عِبْرَة أَو أَنه عَن حق إِذا لم يكن مَشْرُوعا لِأَنَّهُ قد قَالَ إِنَّه طبع إِلَّا عَن شرع
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَيُقَال السماع على قسمَيْنِ سَماع بِشَرْط
стр. 407
الْعلم والصحو فَمن شَرط صَاحبه معرفَة الاسامي وَالصِّفَات وَإِلَّا وَقع فِي الْكفْر الْمَحْض وَسَمَاع بِشَرْط الْحَال فَمن شَرط صَاحبه الفناء عَن احوال البشرية والتنقي من آثَار الحظوظ بِظُهُور أَحْكَام الْحَقِيقَة
قلت قَوْله معرفَة الْأَسَامِي وَالصِّفَات يَعْنِي أَسمَاء الْحق وَصِفَاته وَذَلِكَ لِأَن المسموع هُوَ الْمَشْرُوع من الصِّفَات الَّتِي يُوصف بهَا المخلوقون وهم إِنَّمَا يَأْخُذُونَ مقصودهم مِنْهَا بطريقة الْإِشَارَة وَالِاعْتِبَار كَمَا تقدم فَيحْتَاج ذَلِك إِلَى أَن نفرق بَين مَا يُوصف بِهِ الرب ويوصف بِهِ الْمَخْلُوق لِئَلَّا تجْعَل تِلْكَ الصِّفَات صِفَات لله فَيكون فتْنَة وَكفرا هَذَا إِذا كَانَ صَاحبه صَاحِيًا يعلم مَا يَقُول وَأما إِذا كَانَ فانيا عَن الشُّعُور بالكائنات لم يحمل القَوْل على ذَلِك لعدم شعوره بِهِ فَلَا بُد أَن يكون شَاعِرًا بالأحوال البشرية وَيكون متنقيا عَن الحظوظ البشرية الَّتِي تميل إِلَى الْمَخْلُوقَات وَذَلِكَ بِظُهُور سُلْطَان التَّوْحِيد على قلبه وَهُوَ قَوْله ظُهُور أَحْكَام الْحَقِيقَة وَهَذَا التَّفْصِيل يحْتَاج إِلَيْهِ من يستحسن بعض أَنْوَاع السماع الْمُحدث لأهل الطَّرِيق إِلَى الله
والفتنة تحصل بِالسَّمَاعِ من وَجْهَيْن من جِهَة الْبِدْعَة فِي الدّين وَمن جِهَة الْفُجُور فِي الدُّنْيَا
أما الأول فَلَمَّا قد يحصل بِهِ من الاعتقادات الْفَاسِدَة فِي حق الله اَوْ الإرادات والعبادات الْفَاسِدَة الَّتِي لَا تصلح لله مَعَ مَا يصد عَنهُ من
стр. 408
الاعتقادات الصَّالِحَة والعبادات الصَّالِحَة تَارَة بطرِيق المضادة وَتارَة بطرِيق الِاشْتِغَال فَإِن النَّفس تشتغل وتستغني بِهَذَا عَن هَذَا
وَأما الْفُجُور فِي الدُّنْيَا فَلَمَّا يحصل بِهِ من دواعي الزِّنَا وَالْفَوَاحِش وَالْإِثْم وَالْبَغي على النَّاس
فَفِي الْجُمْلَة جَمِيع الْمُحرمَات قد تحصل فِيهِ وَهُوَ مَا ذكرهَا الله فِي قَوْله ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ [سُورَة الاعراف ٣٣]
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَحكى عَن احْمَد بن ابي الْحوَاري أَنه قَالَ سَأَلت أَبَا سُلَيْمَان عَن السماع فَقَالَ من اثْنَيْنِ أحب إِلَى من الْوَاحِد
قلت هَذِه الْمقَالة ذكرهَا مُرْسلَة فَلَا يعْتَمد عَلَيْهَا وَإِن أُرِيد بهَا السماع الْمُحدث فَهِيَ بَاطِلَة عَن ابي سُلَيْمَان فَإِن أَبَا سُلَيْمَان ﵁ لم يكن من رجال السماع وَلَا مَعْرُوفا بِحُضُورِهِ كَمَا أَن الفضيل بن عِيَاض ومعروفا الْكَرْخِي رحمهمَا الله وَنَحْوهمَا لم يَكُونَا مِمَّن يحضر هَذَا السماع
قَالَ أَبُو الْقَاسِم سُئِلَ أَبُو الْحُسَيْن النوري عَن الصُّوفِي فَقَالَ من سمع السماع وآثر الْأَسْبَاب
стр. 409
قلت هَذَا النَّقْل مُرْسل فَلَا يعْتَمد عَلَيْهِ وَلَعَلَّ الْمَقْصُود بِهَذَا هُوَ الصُّوفِي المذموم عِنْدهم التصوف فَإِنَّهُ جمع بَين إِيثَار السماع الَّذِي يدل على الْأَهْوَاء الْبَاطِلَة وَضعف الْإِرَادَة وَالْعِبَادَة وإيثار الْأَسْبَاب الَّتِي تنقصه عِنْدهم عَن التَّوَكُّل فضعف كَونه يعبد الله وَضعف كَونه يستعينه وَإِلَّا فالنوري لَا يَجْعَل هَذَا شرطا فِي الصُّوفِي الْمُحَقق
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَسُئِلَ أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي عَن السماع يَوْمًا فَقَالَ ليتنا تخلصنا مِنْهُ راسا بِرَأْس
قلت هَذَا الْكَلَام من مثل هَذَا الشَّيْخ الَّذِي هُوَ أجل الْمَشَايِخ الَّذين صحبوا الْجُنَيْد وطبقته يُقرر مَا قدمْنَاهُ من أَن حُضُور الشَّيْخ السماع لَا يدل على مذْهبه واعتقاد حسنه فَإِنَّهُ يتَمَنَّى أَلا يكون عَلَيْهِ فِيهِ إِثْم بل يخلص مِنْهُ لَا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ وَلَو كَانَ من جنس المستحبات لم يقل ذَلِك فِيهِ إِلَّا لتقصير المستمع لَا لجنس الْفِعْل وَلَيْسَ لَهُ أَن يَقُول ذَلِك إِلَّا عَن نَفسه لَا يَجْعَل هَذَا حكما عَاما فِي أهل ذَلِك الْعَمَل
كَمَا يرْوى عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه كَانَ يَقُول وددت أَنِّي انفلت من هَذَا الامر رَأْسا بِرَأْس قَالَ هَذَا بعد توليه الْخلَافَة
стр. 410
لفرط خَشيته أَلا يكون قد قَامَ بِحُقُوق وَلم يقل هَذَا فِي أبي بكر ﵁ بل مَا يزَال يشْهد لَهُ بِالْقيامِ فِي الْخلَافَة بِالْحَقِّ وَلذَلِك كَانَ عمر خَوفه يحملهُ على ذَلِك القَوْل
فَقَوْل أبي عَليّ لَيْسَ من هَذَا الْجِنْس بل وصف الطَّائِفَة كلهَا بذلك فَعلم أَنه لَا يعْتَقد فِيهِ انه حسن وَإِن كَانَ فَاعِلا لَهُ
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول من ادّعى السماع وَلم يسمع صَوت الطُّيُور وصرير الْبَاب وصفير الرِّيَاح فَهُوَ مفتر مُدع
قلت هَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو عُثْمَان هُوَ مِمَّا يفصلون بِهِ بَين سَماع الْعبْرَة وَسَمَاع الْفِتْنَة فَإِن سَماع الْعبْرَة الَّذِي يُحَرك وجد السالكين بِالْحَقِّ يحصل بِسَمَاع هَذِه الْأَصْوَات لَا يقف على السماع الَّذِي يهواه أهل الْفِتَن
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت أَبَا حَاتِم السجسْتانِي يَقُول سَمِعت أَبَا نصر السراج الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب أَحْمد بن مقَاتل العكي يَقُول قَالَ جَعْفَر كَانَ ابْن زيري من أَصْحَاب الْجُنَيْد شَيخا
стр. 411
فَاضلا فَرُبمَا كَانَ يحضر مَوضِع السماع فَإِن استطابة فرش إزَاره وَجلسَ وَقَالَ الصُّوفِي مَعَ قلبه وَإِن لم يستطبه قَالَ السماع لأرباب الْقُلُوب وَمر وَأخذ نَعْلَيْه
قلت سنتكلم إِن شَاءَ الله على مثل هَذِه الْحَال وَهُوَ الْمَشْي مَعَ طيب الْقلب وَمَا يَذُوق الْإِنْسَان ويجد فِيهِ صَلَاح الْقلب ونبين أَن السلوك الْمُسْتَقيم هَكَذَا من غير اعْتِبَار لطيب الْقلب وَمَا يجده ويذوقه من الْمَنْفَعَة واللذة وَالْجمع على الله وَنَحْو ذَلِك أما ذَلِك الْحَال فَهُوَ مَذْمُوم فِي الْكتاب وَالسّنة ضلال فِي الطَّرِيق وَهُوَ مبدأ ضلال من ضل من الْعباد والنساك والمتصوفة والفقراء وَنَحْوهم وَحَقِيقَته اتِّبَاع الْهوى بِغَيْر هدى من الله وَقد تقدم من كَلَام الْمَشَايِخ فِي ذمّ هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَة
فَإِن مُجَرّد طيب الْقلب لَيْسَ دَلِيلا على أَنه إِنَّمَا طَابَ لما يُحِبهُ الله ويرضاه بل قد يطيب بِمَا لَا يُحِبهُ الله ويرضاه مِمَّا يكرههُ أَولا يكرههُ أَيْضا لَا سِيمَا الْقُلُوب الَّتِي أشربت حب الْأَصْوَات الملحنة فقد قَالَ عبد الله بن مَسْعُود الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقُلُوب كَمَا ينْبت المَاء البقل
стр. 412
وَإِطْلَاق القَوْل بِأَن الصُّوفِي مَعَ قلبه هُوَ من جنس مَا ذمّ بِهِ هَؤُلَاءِ المتصوفة حَتَّى جعلُوا من اهل الْبدع لأَنهم أَحْدَثُوا فِي طَرِيق الله أَشْيَاء لم يشرعها الله فَكَانَ لَهُم نصيب من قَوْله تَعَالَى أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله [سُورَة الشورى ٢١] مثل مَا ذكره الْخلال بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَذكر الصُّوفِيَّة فَقَالَ لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا أَصْحَاب الْكَلَام وَعَلَيْكُم بأصحاب القماطر فَإِنَّهُم بِمَنْزِلَة الْمَعَادِن والمفاصل هَذَا يخرج درة وَهَذَا يخرج قِطْعَة ذهب ويروى عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ لَو تصوف رجل أول النَّهَار لم يَأْتِ نصف النَّهَار إِلَّا وَهُوَ أَحمَق
قَالَ ابو الْقَاسِم سَمِعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت عبد الله بن عبد الْمجِيد الصُّوفِي يَقُول سُئِلَ رُوَيْم عَن وجود الصُّوفِيَّة عِنْد السماع فَقَالَ يشْهدُونَ الْمعَانِي الَّتِي تعزب عَن غَيرهم فتشير إِلَيْهِم
стр. 413
إِلَيّ إِلَيّ فيتنعمون بذلك من الْفَرح ثمَّ يَقع الْحجاب فَيَعُود ذَلِك الْفَرح بكاء فَمنهمْ من يخرق ثِيَابه وَمِنْهُم من يَصِيح وَمِنْهُم من يبكي كل إِنْسَان على قدره
قلت هَذَا وصف لما يعتريهم من الْحَال لَيْسَ فِي ذَلِك مدح وَلَا ذمّ إِذْ مثل هَذِه الْحَال يكون للْمُشْرِكين وَأهل الْكتاب إِذْ قد يشْهدُونَ بقلوبهم مَعَ انهم يفرحون بهَا فتتبع ذَلِك الْمحبَّة فَإِن الْفَرح يتبع الْمحبَّة فَمن أحب شَيْئا فَرح بِوُجُودِهِ وتألم لفقده والمحبوب قد يكون حَقًا وَقد يكون بَاطِلا
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ١٦٥] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم﴾ [سُورَة الْبَقَرَة ٩٣]
فقد يكون الْمَرْء محبا لله صَادِقا فِي ذَلِك لَكِن يكون مَا يشهده من الْمعَانِي السارة خيالات لَا حَقِيقَة لَهَا فيفرح بهَا وَيكون فرحه لغير الْحق وَذَلِكَ مَذْمُوم
قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ قيل لَهُم أَيْن مَا كُنْتُم تشركون من دون الله قَالُوا ضلوا عَنَّا بل لم نَكُنْ ندعوا من قبل شَيْئا كَذَلِك يضل الله الْكَافرين ذَلِكُم بِمَا كُنْتُم تفرحون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تمرحون﴾
стр. 414
وَقد علم أَن سَماع المكاء والتصدية إِنَّمَا ذكره الله فِي القرأن عَن الْمُشْركين وَلَا يَخْلُو من نوع شرك جلي أَو خَفِي وَلِهَذَا يَحْكِي عَنْهُم تِلْكَ الْأُمُور الْبَاطِلَة الَّتِي بَدَت لَهُم أَولا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عِنْده﴾ [سُورَة النُّور ٣٩]
وَمَعَ هَذَا فقد يكون فِي تِلْكَ الْمعَانِي الَّتِي تشاهد وتحتجب من حقائق الْإِيمَان مَا يفرح بِهِ الْمُؤْمِنُونَ أَيْضا وَلَوْلَا مَا فِيهِ من ذَلِك لما الْتبس على فريق من الْمُؤمنِينَ لَكِن قد لبس الْحق فِيهِ بِالْبَاطِلِ هَذَا الْأَمر مِنْهُ لَيْسَ بِحَق مَحْض أصلا وبالحق الَّذِي فِيهِ نفق على من نفق عَلَيْهِ من الْمُؤمنِينَ وزهادهم وصوفيتهم وفقرائهم وعبادهم وَلَكِن لضعف إِيمَانهم نفق عَلَيْهِم وَلَو تحققوا بِكَمَال الْإِيمَان لتبين لَهُم مَا فِيهِ من الشّرك وَلبس الْحق بِالْبَاطِلِ
وَلِهَذَا تبين ذَلِك لمن أَرَادَ الله أَن يكمل إيمَانه مِنْهُم فيتوبون مِنْهُ كَمَا هُوَ الْمَأْثُور عَن عَامَّة الْمَشَايِخ الْكِبَار الَّذين حَضَرُوهُ فَإِنَّهُم تَابُوا مِنْهُ كَمَا تَابَ كثير من كبار الْعلمَاء مِمَّا دخلُوا فِيهِ من الْبدع الكلامية
قَالَ أَبُو الْقَاسِم سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد
стр. 415
التَّمِيمِي يَقُول سَمِعت عبد الله بن عَليّ يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول فِي بعض كَلَامه إيش أعمل بِسَمَاع يَنْقَطِع إِذا انْقَطع من يستمع مِنْهُ يَنْبَغِي أَن يكون سماعك سَمَاعا مُتَّصِلا غير مُنْقَطع
وَقَالَ الحصري يَنْبَغِي أَن يكون ظمأ دَائِم وَشرب دَائِم فَكلما ازْدَادَ شربه ازْدَادَ ظمؤه
قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ عيب لأهل هَذَا السماع وَبَيَان أَن الْمُؤمن عمله دَائِم لَيْسَ بمنقطع كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ أحب الْعَمَل إِلَى الله مَا داوم عَلَيْهِ صَاحبه فَيكون اجْتِمَاع قلبه لمعاني الْقُرْآن دَائِما غير مُنْقَطع لَا يزَال عطشانا طَالبا شاربا
стр. 416
كَمَا قَالَ تَعَالَى لنَبيه ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ [سُورَة الْحجر ٩٩] وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ لم يَجْعَل الله لعَبْدِهِ الْمُؤمن أَََجَلًا دون الْمَوْت وَقد اعْتقد بعض الغالطين من هَؤُلَاءِ ان الْمَعْنى اعبد رَبك حَتَّى تحصل لَك الْمعرفَة ثمَّ اترك الْعِبَادَة وَهَذَا جهل وضلال بأجماع الْأمة بل الْيَقِين هُنَا كاليقين فِي قَوْله ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين﴾ [سُورَة المدثر ٤٧]
فِي الصَّحِيح لما مَاتَ عُثْمَان بن مَظْعُون قَالَ النَّبِي ﷺ أما عُثْمَان فقد أَتَاهُ الْيَقِين من ربه وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي
فَأَما الْيَقِين الَّذِي هُوَ صفة العَبْد فَذَاك قد فعله من حِين عبد ربه وَلَا تصح الْعِبَادَة إِلَّا بِهِ وَإِن كَانَ لَهُ دَرَجَات مُتَفَاوِتَة
قَالَ تَعَالَى آلم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ هدى لِلْمُتقين إِلَى قَوْله وبالآخرة هم يوقنون [سُورَة الْبَقَرَة ١ ٤]
стр. 417
وَقَالَ وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا بأياتنا يوقنون [سُورَة السَّجْدَة ٢٤]
وَقَالَ عَن الْكفَّار وَإِذا قيل إِن وعد الله حق والساعة لَا ريب فِيهَا قُلْتُمْ مَا ندرى مَا السَّاعَة إِن تظن إِلَّا ظنا وَمَا نَحن بمستيقنين [سُورَة الجاثية ٣٢]
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَجَاء عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿فهم فِي رَوْضَة يحبرون﴾ [سُورَة الرّوم ١٥] أَنه السماع من الْحور الْعين بِأَصْوَات شهية نَحن الخالدات فَلَا نموت أبدا وَنحن الناعمات فَلَا نبأس أبدا
وَهَذَا فِيهِ أَنهم ينعمون فِي الْآخِرَة بِالسَّمَاعِ وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا وَأَن التنعم بالشئ فِي الْآخِرَة لَا يَقْتَضِي أَن يكون عملا حسنا أَو مُبَاحا فِي الدُّنْيَا
وَقَالَ وَقيل السماع نِدَاء والوجد قصد
وَهَذَا كَلَام مُطلق فَإِن المستمع يُنَادِيه مَا يستمعه بِحَق تَارَة وبباطل أُخْرَى والواجد هُوَ قَاصد يُجيب الْمُنَادِي الَّذِي قد يَدْعُو إِلَى حق وَقد يَدْعُو إِلَى بَاطِل فَإِن الْوَاجِد تَجِد فِي نَفسه إِرَادَة وقصدا
стр. 418
قَالَ وَسمعت مُحَمَّد بن الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول قُلُوب أهل الْحق قُلُوب حَاضِرَة وأسماعهم أسماع مَفْتُوحَة
وَهَذَا كَلَام حسن قَالَ تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد﴾ [سُورَة ق ٣٧] قَالُوا وَهُوَ حَاضر الْقلب لَيْسَ بغائبه وَوصف الله الْكفَّار بِأَنَّهُم صم بكم عمي لَا يسمعُونَ وَلَا يعْقلُونَ وَأَن فِي آذانهم وقرا وَأَنه ختم على قُلُوبهم وعَلى سمعهم
قَالَ وسمعته يَعْنِي أَبَا عبد الرَّحْمَن يَقُول سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا سهل الصعلوكي يَقُول المستمع بَين استتار وتجل فالاستتار يُوجب التلهيب والتجلي يُورث الترويح والاستتار يتَوَلَّد مِنْهُ حركات المريدين وَهُوَ مَحل الضعْف وَالْعجز والتجلي يتَوَلَّد مِنْهُ سُكُون الواصلين وَهُوَ مَحل الاسْتقَامَة والتمكن وَذَلِكَ
стр. 419
صفة الحضرة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الذبول تَحت موارد الهيبة قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصتُوا﴾ [سُورَة الْأَحْقَاف ٢٩]
قلت هَذَا كَلَام على أَحْوَال أهل السماع وَهُوَ مُطلق فِي السماع الشَّرْعِيّ والبدعي لكنه إِلَى وصف حَال الْمُحدث أقرب وَهُوَ وصف لبَعض أَحْوَالهم فَإِن أَحْوَالهم أَضْعَاف ذَلِك وَأما الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ فَفِيهِ كَلَام لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه
قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الْحِيرِي السماع على ثَلَاثَة أوجه فَوجه مِنْهَا للمريدين والمبتدئين يستدعون بذلك الْأَحْوَال الشَّرِيفَة ويخشى عَلَيْهِم فِي ذَلِك الْفِتْنَة والمراءاة
وَالثَّانِي للصادقين يطْلبُونَ الزِّيَادَة فِي أَحْوَالهم ويستمعون من ذَلِك مَا يُوَافق أوقاتهم
وَالثَّالِث لأهل الاسْتقَامَة من العارفين وَهَؤُلَاء لَا يختارون على الله فِيمَا يرد على قُلُوبهم من الْحَرَكَة والسكون
قلت هَذَا الْكَلَام مُطلق فِي السماع يتَنَاوَل الْقسمَيْنِ
стр. 420
فصل فِي محبَّة الْجمال
ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يدْخل النَّار أحد فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة خَرْدَل من إِيمَان وَلَا يدْخل الْجنَّة أحد فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة خَرْدَل من كبر
وَفِي
رِوَايَة لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر فَقَالَ رجل إِن الرجل يحب أَن يكون ثَوْبه حسنا وَنَعله حسنا فَقَالَ إِن الله جميل يحب الْجمال الْكبر بطر الْحق وغمط النَّاس
فَقَوله إِن الله جميل يحب الْجمال قد أدرج فِيهِ حسن الثِّيَاب الَّتِي هِيَ الْمَسْئُول عَنْهَا فَعلم أَن الله يحب الْجمال والجميل من اللبَاس وَيدخل فِي عُمُومه وبطريق الفحوي الْجَمِيل من كل شئ هَذَا كَقَوْلِه فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ إِن الله نظيف يحب النَّظَافَة
стр. 421
وَقد ثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ إِن الله طيب يحب الأطيباء وَهَذَا مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على التجمل فِي الْجمع والأعياد كَمَا فِي الصَّحِيح أَن عمر بن الْخطاب رأى حلَّة تبَاع فِي السُّوق فَقَالَ يَا رَسُول الله لَو اشْتريت هَذِه تلبسها فَقَالَ إِنَّمَا يلبس هَذِه من لَا خلاق لَهُ فِي الْآخِرَة
وَهَذَا يُوَافقهُ فِي حسن الثِّيَاب مَا فِي السّنَن عَن ابي الْأَحْوَص الْجُشَمِي قَالَ رَآنِي النَّبِي ﷺ وعَلى أطمار فَقَالَ هَل لَك من مَال قلت نعم قَالَ من أَي المَال قلت من كل مَا
стр. 422
أَتَى الله من الْإِبِل وَالشَّاء قَالَ فلتر نعْمَة الله وكرامته عَلَيْك
وَفِي السّنَن أَيْضا عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يحب أَن يرى أثر نعْمَته على عَبده لَكِن هَذَا الظُّهُور لنعمة الله وَمَا فِي ذَلِك من شكره وَالله يحب أَن يشْكر وَذَلِكَ لمحبته الْجمال
وَهَذَا الحَدِيث قد ضل قوم بِمَا تأولوه عَلَيْهِ وَآخَرُونَ رَأَوْهُ مُعَارضا لغيره من النُّصُوص وَلم يهتدوا للْجمع
فالاولون قد يَقُولُونَ كل مَصْنُوع الرب جميل لقَوْله الَّذِي أحسن كل شئ خلقه [سُورَة السَّجْدَة ٧] فَنحب كل شئ وَقد يستدلون بقول بعض الْمَشَايِخ الْمحبَّة نَار تحرق فِي الْقلب كل مَا سوى مُرَاد المحبوب والمخلوقات كلهَا مُرَاده وَهُوَ لَا يَقُوله قَائِلهمْ فَصرحَ بِإِطْلَاق الْجمال وَأَقل مَا يُصِيب هَؤُلَاءِ أَنهم يتركون الْغيرَة لله وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والبغض فِي الله وَالْجهَاد فِي سَبيله وَإِقَامَة حُدُوده
стр. 423
وهم فِي ذَلِك متناقضون إِذْ لَا يتمكنون من الرِّضَا بِكُل مَوْجُود فَإِن الْمُنْكَرَات هِيَ أُمُور مضرَّة لَهُم ولغيرهم وَيبقى أحدهم مَعَ طبعة وذوقه وهواه يُنكر مَا يكره ذوقه دون مَا لَا يكره ذوقه وينسلخون عَن دين الله وَرُبمَا دخل أحدهم فِي الِاتِّحَاد والحلول الْمُطلق وَمِنْهُم من يحض الْحُلُول أَو الِاتِّحَاد بِبَعْض الْمَخْلُوقَات كالمسيح أَو عَليّ بن أبي طَالب أَو غَيرهمَا من الْمَشَايِخ والملوك والمردان فَيَقُولُونَ بحلوله فِي الصُّور الجميلة ويعبدونها
وَمِنْهُم من لَا يرى ذَلِك لَكِن يتدين يحب الصُّور الجميلة من النِّسَاء الْأَجَانِب والمردان وَغير ذَلِك وَيرى هَذَا من الْجمال الَّذِي يُحِبهُ الله وَيُحِبهُ هُوَ ويلبس الْمحبَّة الطبيعية الْمُحرمَة بالمحبة الدِّينِيَّة وَيجْعَل مَا حرمه الله مِمَّا يقرب إِلَيْهِ ﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف ٢٨]
وَالْآخرُونَ قَالُوا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَإِنَّمَا ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ وَمَعْلُوم أَنه لم ينف نظر الْإِدْرَاك لَكِن نظر الْمحبَّة
стр. 424
وَقد قَالَ تَعَالَى عَن الْمُنَافِقين ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم وَإِن يَقُولُوا تسمع لقَولهم كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة﴾ [سُورَة المُنَافِقُونَ ٤]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا﴾ [سُورَة مَرْيَم ٧٤] والأثاث المَال من اللبَاس وَنَحْوه والرئي المنطر فَأخْبر ان الَّذين أهلكهم قبلهم كَانُوا أحسن صورا وأموالا لنتبين أَن ذَلِك لَا ينفع عِنْده وَلَا يعبأ بِهِ
وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا فضل لعربي على عجمي وَلَا لأبيض على أسود إِلَّا بالتقوى
وَفِي السّنَن عَنهُ أَنه قَالَ البذاذة من الايمان
وَأَيْضًا فقد حرم علينا من لِبَاس الْحَرِير وَالذَّهَب وآنية الذَّهَب وَالْفِضَّة مَا هُوَ أعظم الْجمال فِي الدُّنْيَا وَحرم الله الْفَخر وَالْخُيَلَاء واللباس الَّذِي فِيهِ الْفَخر وَالْخُيَلَاء كإطالة الثِّيَاب
стр. 425
حَتَّى ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا ينظر الله يَوْم الْقِيَامَة إِلَى من جر إزَاره بطرا
وَفِي الصَّحِيح عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة
وَفِي الصَّحِيح أَيْضا قَالَ بَيْنَمَا رجل يجر أزاره من الْخُيَلَاء خسف بِهِ فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَقد قَالَ تَعَالَى فِي حق قَارون ﴿فَخرج على قومه فِي زينته﴾ [سُورَة الْقَصَص ٧٩] قَالُوا ثِيَاب الأرجوان
وَلِهَذَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ رَآنِي رَسُول الله ﷺ وعَلى ثَوْبَيْنِ معصفرين فَقَالَ إِن هَذِه من ثِيَاب
следующие страницы →