Полный текст (813 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
يسْأَل الله ان يَجعله افضل من اولياء الله حَتَّى يكون افضل من ابي بكر وَعمر اَوْ يسْأَل الله ان يَجعله بِكُل شَيْء عليم اَوْ على كل شَيْء قدير اَوْ يرفع عَنهُ كل حجاب يمنعهُ من مطالعة الغيوب وامثال ذَلِك اَوْ مثل من يَدعُوهُ ظَانّا انه مُحْتَاج الى عباده وانهم يبلغون ضره ونفعه فيطلب مِنْهُ ذَلِك الْفِعْل وَيذكر انه اذا لم يَفْعَله حصل لَهُ ضير من الْخلق فَهَذَا وَنَحْوه جهل بِاللَّه واعتداء فِي الدُّعَاء وان وَقع فِي نَحْو ذَلِك طَائِفَة من الشُّيُوخ
وَمثل ان يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لي ان شِئْت فيظن ان الله قد يفعل الشَّيْء مُخْتَارًا وَقد يعقله مكْرها كالملوك فَيَقُول اغْفِر لي ان شِئْت
وَقد نهى النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك وَقَالَ لَا يقل
стр. 597
احدكم اللَّهُمَّ اغْفِر لي ان شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ان شِئْت وَلَكِن ليعزم الْمَسْأَلَة فَإِن الله لَا مكره لَهُ وَمثل ان يقْصد السجع فِي الدُّعَاء ويتشهق ويتشدق وامثال ذَلِك
فَهَذِهِ الادعية وَنَحْوهَا منهى عَنْهَا وَمن الدُّعَاء مَا هُوَ مُبَاح كَطَلَب الفضول الَّتِي لَا مَعْصِيّة فِيهَا
وَالْمَقْصُود ان الرِّضَا الَّذِي هُوَ من طَرِيق الله لَا يتَضَمَّن ترك وَاجِب وَلَا ترك مُسْتَحبّ فالدعاء الَّذِي هُوَ وَاجِب اَوْ مُسْتَحبّ لَا يكون تَركه من الرِّضَا كَمَا ان ترك سَائِر الْوَاجِبَات لَا يكون من الرِّضَا الْمَشْرُوع وَلَا فعل الْمُحرمَات من الرِّضَا الْمَشْرُوع
стр. 598
فقد تبين غلط هَؤُلَاءِ من جِهَة ظنهم ان الرِّضَا مَشْرُوع بِكُل مَقْدُور وَمن جِهَة انهم لم يميزوا بَين الدُّعَاء الْمَشْرُوع ايجابا اَوْ اسْتِحْبَابا وَالدُّعَاء غير الْمَشْرُوع وَقد علم بالاضطرار من دين الاسلام ان طلب الْجنَّة من الله والاستعاذة بِهِ من النَّار هُوَ من اعظم الادعية الْمَشْرُوعَة لكل اُحْدُ من الْمُرْسلين والنبيين وَجَمِيع الصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وان ذَلِك لَا يخرج عَن كَونه وَاجِبا اَوْ مُسْتَحبا وَطَرِيق اولياء الله الَّتِي يسلكونها لَا تخرج عَن فعل وَاجِبَات ومستحبات اذ مَا سوى ذَلِك محرم اَوْ مَكْرُوه اَوْ مُبَاح لَا مَنْفَعَة فِيهِ فِي الدّين
ثمَّ انه مِمَّا اوقع هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْغَلَط انهم وجدوا كثيرا من النَّاس لَا يسْأَلُون الله جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار حَتَّى طلب الْجنَّة والاستعاذة من النَّار من جِهَة كَون ذَلِك عبَادَة وَطَاعَة
стр. 599
وَخيرا بل من جِهَة كَون النَّفس تطلب ذَلِك فَرَأَوْا ان من الطَّرِيق ترك مَا تختاره النَّفس وتريده وان لَا يكون لأَحَدهم ارادة اصلا بل يكون مَطْلُوبه الجريان تَحت الْقد كَائِنا من كَانَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ادخل كثيرا مِنْهُم فِي الرهبانية وَالْخُرُوج عَن الشَّرِيعَة حَتَّى تركُوا من الاكل وَالشرب واللباس وَالنِّكَاح مَا يَحْتَاجُونَ اليه وَمَا لَا تتمّ مصلحَة دينهم الا بِهِ فانهم رَأَوْا الْعَامَّة تعد هَذِه الامور عبَادَة بِحكم الطَّبْع والهوى وَالْعَادَة وَمَعْلُوم ان الافعال الَّتِي تقع على هَذَا الْوَجْه لَا تكون عبَادَة وَلَا طَاعَة وَلَا قربَة فَرَأى اولئك ان الطَّرِيق الى الله ترك هَذِه الامور لِأَنَّهَا من الطبيعيات والعادات فلازموا من الْجُوع والسهر وَالْخلْوَة والصمت وَغير ذَلِك مِمَّا فِيهِ ترك الحظوظ وَاحْتِمَال المشاق مَا اوقعهم فِي ترك وَاجِبَات ومستحبات وَفعل مكروهات ومحرمات
стр. 600
وكلا الْأَمريْنِ غير مَحْمُود وَلَا مَأْمُور بِهِ وَلَا طَرِيق الى الله طَرِيق المفرطين الَّذين فعلوا هَذِه الامور الْمُحْتَاج اليها على غير وَجه الْعِبَادَة والقربة الى الله وَطَرِيق الْمُعْتَدِينَ الَّذين تركُوا هَذِه الافعال بل الْمَشْرُوع ان تفعل بنية التَّقَرُّب الى الله وان يشْكر الله
قَالَ تَعَالَى ﴿كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ٥١ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا لله﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٧٢ فَأمر بِالْأَكْلِ وَالشُّكْر فَمن أكل وَلم يشْكر كَانَ مذموما وَمن لم يَأْكُل لم يشْكر كَانَ مذموما
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ان الله ليرضى عَن العَبْد ان يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا وَيشْرب الشربة فيحمده عَلَيْهَا
стр. 601
وَقَالَ النَّبِي ﷺ لسعد انك لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله الا ازددت بهَا دَرَجَة ورفعة حَتَّى اللُّقْمَة ترفعها الى فِي امْرَأَتك
وَفِي الصَّحِيح ايضا انه اذا انفق الرجل على اهله يحتسبها فَهُوَ لَهُ صدقه
فَكَذَلِك الادعية هَب ان من النَّاس من يسْأَل الله جلب الْمَنْفَعَة لَهُ وَدفع الْمضرَّة عَنهُ طبعا وَعَادَة لَا شرعا وَعبادَة فَلَيْسَ من الْمَشْرُوع لي ان ادْع الدُّعَاء مُطلقًا لأجل تَقْصِير هَذَا وتفريطه بل افعله انا شرعا وَعبادَة
стр. 602
ثمَّ اعْلَم ان الَّذِي يَفْعَله شرعا وَعبادَة انما يسْعَى فِي مصلحَة نَفسه وَطلب حظوظه المحمودة فَهُوَ يطْلب مصلحَة دُنْيَاهُ واخرته بِخِلَاف الَّذِي يَفْعَله طبعا فَإِنَّهُ انما يطْلب مصلحَة دُنْيَاهُ فَقَط كَمَا قَالَ تَعَالَى فَمن النَّاس من يَقُول رَبنَا اتنا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الاخرة من خلاق وَمِنْهُم من يَقُول رَبنَا اتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الاخرة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار اولئك لَهُم نصيب مِمَّا كسبوا وَالله سريع الْحساب سُورَة الْبَقَرَة ٢٠٠ ٢٠٢ وَحِينَئِذٍ فطالب الْجنَّة والمستعيذ من النَّار انما يطْلب حَسَنَة الاخرة فَهُوَ مَحْمُود
وَمِمَّا يبين الامر فِي ذَلِك ان يرد قَول هَؤُلَاءِ بِأَن العَبْد لَا يفعل مَأْمُورا وَلَا يتْرك مَحْظُورًا فَلَا يُصَلِّي وَلَا يَصُوم وَلَا يتَصَدَّق وَلَا يحجّ وَلَا يُجَاهد وَلَا يفعل شَيْئا من الْخَيْر فَإِن ذَلِك انما فَائِدَته حُصُول الثَّوَاب وَدفع الْعقَاب فاذا كَانَ هُوَ لَا يطْلب حُصُول الثَّوَاب الَّذِي هُوَ الْجنَّة وَلَا دفع الْعقَاب الَّذِي هوالنار فَلَا يفعل مَأْمُورا وَلَا يتْرك مَحْظُورًا وَيَقُول انا رَاض بِكُل مَا يَفْعَله بِي وان
стр. 603
كفرت وفسقت وعصيت بل يَقُول انا اكفر وافسق واعصي حَتَّى يعاقبني وارضى بعقابه فأنال دَرَجَة الرِّضَا بِقَضَائِهِ وَهَذَا قَول من هُوَ اجهل الْخلق واحمقهم واضلهم واكفرهم
اما جَهله وحمقه فَلِأَن الرِّضَا بذلك مُمْتَنع مُتَعَذر وَلِأَن ذَلِك مُسْتَلْزم الْجمع بَين النقيضين واما كفره فَلِأَنَّهُ مُسْتَلْزم لتعطيل دين الله الَّذِي بعث بِهِ رسله وَانْزِلْ بِهِ كتبه وَلَا ريب ان مُلَاحظَة الْقَضَاء وَالْقدر اوقعت كثيرا من اهل الارادة من المتصوفة فِي ان تركُوا من الْمَأْمُور وفعلوا من الْمَحْظُور مَا صَارُوا بِهِ إِمَّا ناقصين محرومين وَإِمَّا عاصين وَإِمَّا فاسقين وَإِمَّا كَافِرين وَقد رَأَيْت من ذَلِك الوانا ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ سُورَة النُّور ٤٠
وَهَؤُلَاء والمعتزله وَنَحْوهم من الْقَدَرِيَّة فِي طرفِي نقيض
هَؤُلَاءِ يلاحظون الْقدر ويعرضون عَن الامر واولئك يلاحظون الامر ويعرضون عَن الْقدر والطائفتان تظن ان مُلَاحظَة الامر
стр. 604
وَالْقدر مُتَعَذر كَمَا ان طَائِفَة تجْعَل ذَلِك مُخَالفا للحكمة وَالْعدْل
وَهَذِه الاصناف الثَّلَاثَة هِيَ الْقَدَرِيَّة الْمَجُوسِيَّة والقدرية المشركية الْقَدَرِيَّة الابليسية وَقد بسطنا الْكَلَام على هَذِه الْفرق فِي غير هَذَا الْموضع
واكثر مَا يبتلى بِهِ السالكون اهل الاراداة والعامة فِي هَذَا الزَّمَان هِيَ الْقَدَرِيَّة المشركية فَيَشْهَدُونَ الْقدر ويعرضون عَن الامر كَمَا قَالَ فيهم بعض الْعلمَاء انت عِنْد الطَّاعَة قدرى وَعند الْمعْصِيَة جبري أَي مَذْهَب وَافق هَوَاك تمذهبت بِهِ وانما الْمَشْرُوع الْعَكْس وهوان يكون عِنْد الطَّاعَة يَسْتَعِين الله عَلَيْهَا قبل الْفِعْل ويشكره عَلَيْهَا بعد الْفِعْل ويجتهد ان لَا يعْصى فَإِذا اذنب وَعصى بَادر الى التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار
كَمَا فِي الحَدِيث سيد الاسْتِغْفَار ان يَقُول العَبْد ابوء لَك
стр. 605
بنعمتك عَليّ وابوء بذنبي فَاغْفِر لي وكما فِي الحَدِيث الصَّحِيح الالهي يَا عبَادي انما هِيَ اعمالكم احصيها لكم ثمَّ اوفيكم اياها فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك لَا يَلُومن الا نَفسه
وَمن هَذَا الْبَاب دخل قوم من اهل الارادة فِي ترك الدُّعَاء واخرون جعلُوا التَّوَكُّل والمحبة وَنَحْو ذَلِك من مقامات الْعَامَّة وامثال هَذِه الاغاليط الَّتِي قد تكلمنا عَلَيْهَا فِي غير هُنَا الْموضع
стр. 606
وَبينا الْفرق بَين الصَّوَاب وَالْخَطَأ فِي ذَلِك وَلِهَذَا وامثاله يُوجد فِي كَلَام ائمة هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ الْوَصِيَّة بِاتِّبَاع الْعلم والشريعة كَقَوْل سهل بن عبد الله التسترِي ﵀ الْعَمَل بِلَا اقْتِدَاء عَيْش النَّفس وَالْعَمَل بالاقتداء عَذَاب على النَّفس وَقَالَ كل وجد لَا يشْهد لَهُ الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ بَاطِل وَقَالَ الْجُنَيْد بن مُحَمَّد من لم يقْرَأ الْقُرْآن وَيكْتب الحَدِيث لَا يقْتَدى بِهِ فِي هَذَا الشَّأْن لِأَن علمنَا هَذَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة وَقَالَ احْمَد بن ابي الْحوَاري من عمل عملا بِلَا اتِّبَاع سنة رَسُول ﷺ فَبَاطِل عمله
стр. 607
فصل فِي السكر واسبابه وَأَحْكَامه
قد تَكَلَّمت فِيمَا مضى من الْقَوَاعِد على مَعَاني الفناء الْمَوْجُود فِي كَلَام الْمَشَايِخ والصوفية وانه ثَلَاثَة اقسام قسم كَامِل للسابقين وَقسم نَاقص لأَصْحَاب الْيَمين وَقسم ثَالِث للظالمين الْفَاسِقين والكافرين
فَالْأول الفناء عَن عبَادَة مَا سوى الله والاستعانة بِهِ بِحَيْثُ لَا يعبد الا الله وَلَا يَسْتَعِين الا بِاللَّه وَهَذَا هُوَ دين الاسلام
وَالثَّانِي الفناء عَن شُهُود مَا سوى الله بِحَيْثُ يغيب بمشهوده عَن شُهُوده وَهَذَا لمن لم يقدر على الْجمع بَين شُهُود الْحَقَائِق وَعبادَة الْخَالِق بل مَا شهده عِنْده ومعبوده وَاحِد فمشهوده وَاحِد وَهَذَا يعتري كثيرا كالعيسوية من هَذِه الامة الَّذين لَهُم وصف الْعِبَادَة دون الشَّهَادَة فَلهم قُوَّة فِي الْعِبَادَة والانابة والمحبة يجتذبهم
стр. 608
ذَلِك الى معبودهم ومقصودهم ومحبوبهم وَلَيْسَ لَهُم قُوَّة مَعَ ذَاك على شُهُود سَائِر مَا يقوم بِهِ من الكائنات وَمَا يسْتَحقّهُ من الاسماء وَالصِّفَات فَهَؤُلَاءِ اذا لم يتْركُوا وَاجِبا لم يضرهم وان تركُوا مُسْتَحبا مشتغلين عَنهُ بِمَا هُوَ افضل مِنْهُ لم ينقلوا عَن مقامهم وان اشتغلوا عَمَّا تَرَكُوهُ من الْمُسْتَحبّ بِمَا لَيْسَ مثله فانتقالهم الى ذَلِك الافضل افضل اذا امكن والا فَفعل الْمَقْدُور عَلَيْهِ من الصَّالِحَات خير من الاهتمام بِمَا يعجز عَنهُ ويصد عَن غَيره وان تركُوا وَاجِبا اَوْ فعلوا محرما مَعَ امكان الْعلم وَالْقُدْرَة فهم مؤاخذون على ذَلِك وان كَانَ مَعَ سُقُوط التَّمْيِيز لسَبَب يعذرُونَ بِهِ مثل زَوَال عقل بِسَبَب غير مَحْظُور اَوْ سكر بِسَبَب غير مَحْظُور اَوْ عجز لَا تَفْرِيط فِيهِ فَلَا ذمّ عَلَيْهِم وان كَانَ مَعَ التَّكْلِيف فسبب الذَّم قَائِم ثمَّ لَهُم حكم الله فيهم كَمَا لسَائِر الْمُؤمنِينَ من كَون الذَّنب صَغِيرا اَوْ كَبِيرا مَقْرُونا بحسنات ماحية اَوْ غير ذَلِك من احكام السَّيِّئَات مالم يخرجُوا الى الْقسم الثَّالِث وَهُوَ فنَاء الْكَافرين وَهُوَ جعل وجود الاشياء هُوَ عين وجود الْحق اَوْ جود نَفسه عين وجوده كَمَا بَيناهُ من مَذَاهِب اهل الْحُلُول والاتحاد فِي غير هَذَا الْموضع فان هَذَا كفر وَصَاحبه كَافِر بعد قيام الْحجَّة عَلَيْهِ وان كَانَ جَاهِلا اَوْ متأولا لم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة
стр. 609
كَالَّذي قَالَ اذا انا مت فاحرقوني ثمَّ ذروني فِي اليم فَهَذَا امْرَهْ الى الله تَعَالَى
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ سُورَة النِّسَاء ٤٣ فَجعل الْغَايَة الَّتِي يَزُول بهَا حكم السكر ان يعلم مَا يَقُول فَمَتَى كَانَ لَا يعلم مَا يَقُول فَهُوَ فِي السكر واذا علم مَا يَقُول خرج عَن حكمه فَهَذَا اصل يجب اعْتِمَاده وَهَذَا هُوَ حد السَّكْرَان عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء
قَالَ احْمَد بن حَنْبَل بِمَا نَقله عَن سعيد بن جُبَير انه قَالَ اذا لم يعلم بثيابه من ثِيَاب غَيره وَلَا نَعله من نعال غَيره فَجعل ذَلِك عدم التَّمْيِيز بَين ثَوْبه وثوب غَيره ويروي عَن الشَّافِعِي انه قَالَ اذا اخْتَلَط كَلَامه المنظوم وافشى سره المكتوم
فالسكر يجمع مَعْنيين وجود لَذَّة وَعدم تَمْيِيز وَالَّذِي يقْصد السكر قد يقْصد احدهما وَقد يقْصد كِلَاهُمَا وَهُوَ اثم فَإِن النَّفس لَهَا اهواء وشهوات تلتذ بنيلها وادراكها وَالْعقل وَالْعلم بِمَا فِي تِلْكَ الافعال من الْمضرَّة فِي الدُّنْيَا والاخرة يمْنَعهَا عَن ذَلِك فَإِذا زَالَ الْعقل الْحَافِظ انبسطت النَّفس فِي اهوائها
стр. 610
وَحرم الله السكر لسببين ذكرهمَا الله فِي كِتَابه بقوله ﴿إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر ويصدكم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة﴾ سُورَة الْمَائِدَة ٩١ فَأخْبر انه يُوجب الْمفْسدَة الفاشية من النَّفس بِعَدَمِ الْعقل وَيمْنَع الْمصلحَة الَّتِي لَا تتمّ الا بِالْعقلِ الَّتِي خلق لَهَا العَبْد وَهِي ذكر الله وَالصَّلَاة
وَقد يكون سَبَب السكر من الْأَلَم كَمَا يكون من اللَّذَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد﴾ سُورَة الْحَج ٢ فَأخْبر انهم يرَوْنَ سكارى وَمَا هم بسكارى
فَإِذا عرف ذَلِك فسبب السكر مَا يُوجب اللَّذَّة وَيمْنَع الْعلم فَمِنْهُ السكر بالأطعمه والاشربة المسكرة فَإِن طاعمها يحصل لَهُ بذلك لَذَّة وسرور وَهُوَ الْحَامِل لأكْثر النَّاس على شربهَا ويغيب عقله فتغيب عَنهُ الهموم والاحزان تِلْكَ السَّاعَة
وَمن النَّاس من يقْصد الْمَنْفَعَة للبدن وَلَكِن يحصل لَهُ من الْمضرَّة بالأفعال والأقوال الَّتِي تتولد عَن السكر وَيمْنَع عَن الْمَنْفَعَة من ذكر الله وَالصَّلَاة وَغَيرهمَا مَا هُوَ اعظم اثما من مَنْفَعَتهَا فَإِن اللَّذَّة
стр. 611
الْحَاصِلَة بِذكر الله وَالصَّلَاة بَاقِيَة دافعة للهموم والاحزان لَيْسَ دَفعه اياه وَقت الصَّلَاة فَقَط كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٤٥ وَقَالَ ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ سُورَة العنكبوت ٤٥ فَفِي هَذِه اللَّذَّة وَالْمَنْفَعَة الْعَظِيمَة الشَّرِيفَة الدافعة للمضار مَا يُغني عَن تِلْكَ القاصرة الْمَانِعَة مِمَّا هُوَ اكمل مِنْهَا والجالبة لمضرة تربي عَلَيْهَا وَهَذَا السكر جسماني
وَمن السكر مَا يكون بحب الصُّور اما النِّسَاء واما الصّبيان فَإِنَّهُ اذا استحكم الْحبّ وَحصل للمحب اتِّصَال فقد يسكر كَمَا قَالَ بَعضهم ... سَكرَان سكر هوى وسكر مدامة ... فَمَتَى إفاقة من بِهِ سَكرَان ...
وَوقت الْجِمَاع ينقص تَمْيِيز اكثر النَّاس ايضا وَهُوَ مبدأ سكر
وَمن السكر ايضا مَا يكون بحب الرياسة وَالْمَال اَوْ شِفَاء الغيظ فَإِنَّهُ اذا قوى ذَلِك اوجب سكرا وانما كَانَت هَذِه الاشياء قد توجب سكرا لِأَن السكر شَبيه مَا يُوجب اللَّذَّة الْقَاهِرَة الَّتِي تغمر الْعقل
стр. 612
وَسبب اللَّذَّة ادراك المحبوب فَإِذا كَانَت الْمحبَّة قَوِيَّة وادراك الْمُحب قَوِيا وَالْعقل والتمييز ضَعِيفا كَانَ ذَلِك سَببا للسكر لَكِن ضعف الْعقل تَارَة يكون من ضعف نفس الانسان الْمُحب وَتارَة يكون من قُوَّة السَّبَب الْوَارِد وَلِهَذَا يحصل من السكر للمبتدئين فِي ادراك الرياسة وَالْمَال والعشق وَالْخمر مَا لَا يحصل لمن اعْتَادَ ذَلِك وَتمكن فِيهِ
فصل وَمن أقوى الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة للسكر سَماع الْأَصْوَات المريبة من وَجْهَيْن من
جِهَة انها فِي نَفسهَا توجب لَذَّة قَوِيَّة ينغمر مَعهَا الْعقل وَمن جِهَة أَنَّهَا تحرّك النَّفس إِلَى نَحْو محبوبها كَائِنا مَا كَانَ فَتحصل بِتِلْكَ الْحَرَكَة والشوق والطلب مَعَ مَا قد تخيل المحبوب وتصوره لذات عَظِيمَة تقهر الْعقل أَيْضا فتجتمع لَذَّة الألحان والاشجان وَلِهَذَا يقرن سَماع الألحان بالشرب كثيرا إِمَّا شراب الْأَجْسَام وَإِمَّا شراب النُّفُوس وَإِمَّا شراب الْأَرْوَاح وَهُوَ مَا يقْتَرن بالصوت من الْأَقْوَال الَّتِي فِيهَا ذكر الْحبّ والمحبوب وأحوالهما فَإِن سَماع الْأَقْوَال شراب وغذاء وقوت للقلوب فيجتمع
стр. 613
سَماع الْحُرُوف الطّيبَة والاصوات الطّيبَة فَإِن ذَلِك اقوى مِمَّا اذا انْفَرد احدهما مثل سَماع كَلَام يطيب للمستمع بِلَا اصوات ملحنة مثل من يُنَاجِي بِحَدِيث لحنه اَوْ يجْهر بِهِ جَهرا قَرِيبا وَمثل سَماع اصوات طيبَة لَا حُرُوف فِيهَا كأصوات الطُّيُور الطّيبَة واصوات الْآلَات المصنوعة من العيدان والاوتار والشبابة وَالصَّوْت الَّذِي يلحنه الْآدَمِيّ بِلَا حُرُوف وَنَحْو ذَلِك فَأَما اذا اجْتمع هَذَا وَهَذَا فَهُوَ اقوى ويؤثر فِي النُّفُوس تَأْثِيرا عَظِيما كتأثير الْخمر اَوْ اشد
فصل اذا تبين هَذَا فَاعْلَم ان اللَّذَّة وَالسُّرُور امْر مَطْلُوب بل هُوَ مَقْصُود
كل حَيّ وَكَونه امرا مَطْلُوبا ومقصودا امْر ضَرُورِيّ من وجود الْحَيّ وَهُوَ فِي الْمَقَاصِد والغايات بِمَنْزِلَة الْحس والعلوم البديهية فِي المبادئ والمقدمات
فَإِن الانسان بل وكل حَيّ لَهُ علم واحساس وَله عمل وارادة فَعلمه لَا يجوز ان يكون كُله نظريا استدلاليا يقف على الدَّلِيل بل لَا بُد لَهُ من علم بديهي اولى لِأَنَّهُ لَو وقف كل علم
стр. 614
على علم اخر لزم الدّور اَوْ التسلسل فَإِنَّهُ اذا توقف الْعلم الثَّانِي على علم اول فَالْأول ان توقف على ذَلِك الثَّانِي بِحَيْثُ لَا يكون الا بعده لزم الدّور وان توقف على شَيْء قبل ذَلِك الاول لزم التسلسل فَلَا بُد من علم اول يحصل ابْتِدَاء بِلَا علم قبله وَلَا دَلِيل وَلَا حجَّة وَلَا مُقَدّمَة
وَذَلِكَ علم بده النَّفس وابتدئ فِيهَا وَهُوَ اول فيسمى بديهيا واوليا وَهُوَ من نوع مَا تضطر النَّفس اليه فيسمى ضَرُورِيًّا فَإِن النَّفس تضطر الى الْعلم تَارَة والى الْعَمَل اخرى
وَذَلِكَ الْعَمَل الِاخْتِيَار الارادي لَهُ مُرَاد فَذَلِك المُرَاد اما ان يُرَاد لنَفسِهِ اَوْ لشَيْء اخر وَلَا يجوز ان يكون كل مُرَاد لغيره لانه ان كَانَ الَّذِي قبله دَائِما لزم الدّور وان كَانَ الَّذِي بعده دَائِما لزم التسلسل فَلَا بُد من مُرَاد مَطْلُوب مَحْبُوب لنَفسِهِ فَإِذا حصل المحبوب الْمَطْلُوب المُرَاد فاقتران اللَّذَّة وَالنعْمَة والفرح وَالسُّرُور بِهِ على مِقْدَار قُوَّة محبته وارادته وقوته فِي نَفسه امْر ذوقي وجودي ضَرُورِيّ وَلِهَذَا غلب على كَلَام الْعباد الصُّوفِيَّة اهل الارادة وَالْعَمَل اسْم الذَّوْق وَالسُّرُور وَالنعْمَة
فالشهوة والارادة والمحبة والطلب وَنَحْو ذَلِك من الاسماء
стр. 615
المتقاربة اذا تعقبها الذَّوْق والوجد والادراك والوصول والنيل والاصابة وَنَحْو ذَلِك من الاسماء المتقاربة تعقب ذَلِك النِّعْمَة وَالسُّرُور واللذة وَالطّيب وَنَحْو ذَلِك من الاسماء المتقاربة
فان جنس اللَّذَّة يتعقب ادراك الملائم الْمَطْلُوب لَيْسَ هومدرك الملائم الْمَطْلُوب كَمَا يَعْتَقِدهُ بعض اهل الفلسفة وَالْكَلَام وكما غلب على اهل التصوف وَالْعِبَادَة ذكر ذَلِك وَغلب على كَلَام الْعلمَاء الْمُتَكَلِّمين اهل النّظر والبحث وَالْكَلَام اهل البديهة وَالنَّظَر والضرورة وَالدَّلِيل وَالِاسْتِدْلَال
وكل وَاحِد من هذَيْن الامرين تَحْتَهُ اجناس واصناف بَعْضهَا حق وَبَعضهَا بَاطِل فَلهَذَا وَجب اعْتِبَار ذَلِك جَمِيعه بِالْكتاب وَالسّنة فَخير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد
وَلِهَذَا كَانَ ائمة الْهدى مِمَّن يتَكَلَّم فِي الْعلم وَالْكَلَام اَوْ فِي الْعَمَل وَالْهدى والتصوف يوصون بِاتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَينْهَوْنَ عَمَّا خرج عَن ذَلِك كَمَا امرهم الله وَالرَّسُول وَكَلَامهم فِي ذَلِك كثير منتشر مثل قَول سهل بن عبد الله التسترِي كل وجد لَا يشْهد لَهُ الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ بَاطِل
стр. 616
فصل واذا كَانَت اللَّذَّة مَطْلُوبَة لنَفسهَا فَهِيَ انما تذم اذا اعقبت الما اعظم
مِنْهَا اَوْ منعت لَذَّة خيرا مِنْهَا وتحمد اذا اعانت على اللَّذَّة المستقرة وَهُوَ نعيم الاخرة الَّتِي هِيَ دائمة عَظِيمَة كَقَوْلِه تَعَالَى وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الارض يتبوا مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نصيب برحمتنا من نشَاء وَلَا نضيع اجْرِ الْمُحْسِنِينَ ولأجر الاخرة خير للَّذين امنوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ سُورَة يُوسُف ٥٦ ٥٧
وَقَالَ تَعَالَى بل تؤثرون الْحَيَاة الدُّنْيَا والاخرة خير وابقى سُورَة الاعلى ١٦ ١٧ وَقَالَ تَعَالَى عَن السَّحَرَة الَّذين امنوا ﴿فَاقْض مَا أَنْت قَاض إِنَّمَا تقضي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ الى قَوْله ﴿وَالله خير وَأبقى﴾ سُورَة طه ٧٢ ٧٣
وَالله سُبْحَانَهُ انما خلق الْخلق لدار الْقَرار وَهِي الْجنَّة وَالنَّار فَأَما الدَّار الدُّنْيَا فمنقطعة ولذاتها لَا تصفوا وَلَا تدوم ابدا بِخِلَاف الاخرة فَإِن لذاتها وَنَعِيمهَا صَاف من الكدر دَائِم غير مُنْقَطع لَيْسَ فِيهَا حزن وَلَا نصب وَلَا لغوب واهل الْجنَّة لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يبصقون وَلَا يَمْتَخِطُونَ بل فِيهَا مَا تشْتَهي الانفس وتلذ الاعين
стр. 617
وهم فِيهَا خَالدُونَ فشهوة النُّفُوس وَلَذَّة الْعُيُون هُوَ النَّعيم الْخَالِص وَالْخُلُود هُوَ الدَّوَام والبقاء ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ سُورَة السَّجْدَة ١٧ فَإِن الله اعد لِعِبَادِهِ الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا اذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر بله مَا اطلعهم عَلَيْهِ
وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي قَالَه العَبْد الصَّالح حَيْثُ قَالَ يَا قوم اتبعوني اهدكم سَبِيل الرشاد ياقوم انما هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا مَتَاع وان الاخرة هِيَ دَار الْقَرار سُورَة غَافِر ٣٨ ٣٩ فَأخْبر ان الدُّنْيَا مَتَاع نتمتع بهَا الى غَيرهَا وان الاخرة هِيَ المستقر
واذا عر ف ان لذات الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا انما هِيَ مَتَاع ووسيلة الى لذات الاخرة وَكَذَلِكَ خلقت فَكل لَذَّة اعانت على لذات الاخرة فَهُوَ مِمَّا امْر الله بِهِ وَرَسُوله ويثاب على تَحْصِيل اللَّذَّة بِمَا يئوب اليه مِنْهَا من لذات الْآخِرَة الَّتِي اعانت هَذِه عَلَيْهَا وَلِهَذَا كَانَ الْمُؤمن يُثَاب على مَا يقْصد بِهِ وَجه الله من اكله وشربه ولباسه ونكاحه وشفاء غيظه بقهر عدوه فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وَلَذَّة علمه وايمانه وعبادته وَغير ذَلِك ولذات جسده وَنَفسه وروحه من اللَّذَّات الحسية والوهمية والعقلية
стр. 618
وكل لَذَّة اعقبت الما فِي الدَّار الاخرة اَوْ منعت لَذَّة الاخرة فَهِيَ مُحرمَة مثل لذات الْكفَّار والفساق بعلوهم فِي الارض وفسادهم مثل اللَّذَّة الَّتِي تحصل بالْكفْر والنفاق كلذة الَّذين اتَّخذُوا من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله وَلَذَّة عقائدهم الْفَاسِدَة وعباداتهم الْمُحرمَة وَلَذَّة غلبهم للْمُؤْمِنين الصَّالِحين وَقتل النُّفُوس بِغَيْر حَقّهَا وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر وَلِهَذَا اخبر الله ان لذاتهم املاء ليزدادوا اثما وانها مكر واستدراج مثل اكل الطَّعَام الطّيب الَّذِي فِيهَا سم وَهَذَا الْمَعْنى قد قَرّرته ايضا فِي قَاعِدَة السكر
واما اللَّذَّة الَّتِي لَا تعقب لَذَّة فِي دَار الْقَرار وَلَا الما وَلَا تمنع لَذَّة دَار الْقَرار فَهَذِهِ لَذَّة بَاطِلَة اذ لَا مَنْفَعَة فِيهَا وَلَا مضرَّة وزمانها يسير لَيْسَ لتمتع النَّفس بهَا قدر وَهِي لَا بُد ان تشغل عَمَّا هُوَ خير مِنْهَا فِي الاخرة وان لم تشغل عَن اصل اللَّذَّة فِي الاخرة
وَهَذَا هُوَ الَّذِي عناه النَّبِي ﷺ بقوله كل لَهو يلهو بِهِ الرجل فَهُوَ بَاطِل الا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امْرَأَته فانهن من الْحق رَوَاهُ مُسلم وَكَقَوْلِه لعمر لما دخل عَلَيْهِ وَعِنْده جواري يضربن بالدف فأسكتهن لدُخُوله وَقَالَ ان هَذَا
стр. 619
رجل لَا يحب الْبَاطِل فَإِن هَذَا اللَّهْو فِيهِ لَذَّة وَلَوْلَا ذَلِك لما طلبته النُّفُوس
وَلَكِن مَا اعان على اللَّذَّة الْمَقْصُودَة من الْجِهَاد وَالنِّكَاح فَهُوَ حق واما مَا لم يعن على ذَلِك فَهُوَ بَاطِل لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَكِن اذا لم يكن فِيهِ مضرَّة راجحة لم يحرم وَلم ينْه عَنهُ وَلَكِن قد يكون فعله مَكْرُوها لِأَنَّهُ يصد عَن اللَّذَّة الْمَطْلُوبَة اذ لَو اشْتغل اللاهي حِين لهوه بِمَا يَنْفَعهُ وَيطْلب لَهُ اللَّذَّة الْمَقْصُودَة لَكَانَ خيرا لَهُ والنفوس الضعيفة كنفوس الصّبيان وَالنِّسَاء قد لَا تشتغل اذا تركته بِمَا هُوَ خير مِنْهَا لَهَا بل قد تشتغل بِمَا هُوَ شَرّ مِنْهُ اَوْ بِمَا يكون التَّقَرُّب الى الله بِتَرْكِهِ فَيكون تمكينها من ذَلِك من بَاب الاحسان اليها وَالصَّدَََقَة عَلَيْهَا كإطعامها واسقائها فَلهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ ان بعض انواع اللَّهْو من الْحق وَكَانَ الْجَوَارِي الصغيرات يضربن بالدف عِنْده وَكَانَ ﷺ يمكنهن من عمل هَذَا الْبَاطِل بِحَضْرَتِهِ احسانا اليهن
стр. 620
وَرَحْمَة بِهن وَكَانَ هَذَا الامر فِي حَقه من الْحق الْمُسْتَحبّ الْمَأْمُور بِهِ وان كَانَ هُوَ فِي حقهن من الْبَاطِل الَّذِي لَا يُؤمر اُحْدُ سواهن بِهِ كَمَا كَانَ اعطاؤه الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم مَأْمُورا بِهِ فِي حَقه وجوبا أَو استجابا وَإِن لم مَأْمُور بِهِ لأحد كَمَا كَانَ مزاحه مَعَ من يمزح مَعَه من الاعراب وَالنِّسَاء وَالصبيان تطييبا لقُلُوبِهِمْ وتفريحا لَهُم مُسْتَحبا فِي حَقه يُثَاب عَلَيْهِ وان لم يكن اولئك مأمورين بالمزح مَعَه وَلَا منهيين عَن ذَلِك
فالنبي ﷺ يبْذل للنفوس من الاموال وَالْمَنَافِع مَا يتألقها بِهِ على الْحق الْمَأْمُور وَيكون المبذول مِمَّا يلتذ فِيهِ الاخذ وَيُحِبهُ لَان ذَلِك وَسِيلَة الى غَيره وَلَا يفعل ﷺ ذَلِك مَعَ من لَا يحْتَاج الى ذَلِك كالمهاجرين والانصار بل بذل لَهُم انواعا اخر من الاحسان وَالْمَنَافِع فِي دينهم ودنياهم
وَعمر ﵁ لَا يحب هَذَا الْبَاطِل وَلَا يحب سَمَاعه
стр. 621
وَلَيْسَ هُوَ مَأْمُورا اذ ذَاك من التَّأْلِيف بِمَا امْر بِهِ النَّبِي ﷺ حَتَّى تصبر نَفسه على سَمَاعه فَكَانَ اعراض عمر عَن الْبَاطِل كمالا فِي حَقه وَحَال النَّبِي ﷺ اكمل
ومحبة النُّفُوس للباطل نقص لَكِن لَيْسَ كل الْخلق مأمورين بالكمال وَلَا يُمكن ذَلِك فيهم فَإِذا فعلوا مَا بِهِ يدْخلُونَ الْجنَّة لم يحرم عَلَيْهِم مَا لَا يمنعهُم من دُخُولهَا
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ كمل من الرِّجَال كثير وَلم يكمل من النِّسَاء الا اربعة
стр. 622
هَذَا مَعَ الْعلم بِأَن الْجنَّة يدخلهَا كثير من النِّسَاء وَالرِّجَال اكثر من الَّذين كملوا من الطَّائِفَتَيْنِ
فصل فَإِذا تبين ان السكر مؤلف من امرين وجودي وَهُوَ اللَّذَّة وعدمي وَهُوَ عدم
الْعقل والتمييز وَقد تقدم الْكَلَام على اللَّذَّة وان جِنْسهَا لَا يذم إِلَّا لمعارض رَاجِح من فَوَات مَنْفَعَة اَوْ دُخُول مضرَّة وتحمد اذا كَانَت مَقْصُودَة اَوْ مُعينَة على الْمَقْصُود
واما الْوَصْف الاخر وَهُوَ عدم الْعقل والتمييز فَهَذَا لَا يحمد بِحَال من جِهَة نَفسه فَلَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا سنة رَسُوله مدح وَحمد لعدم الْعقل والتمييز وَالْعلم
بل قد مدح الله الْعلم وَالْعقل وَالْفِقْه وَنَحْو ذَلِك فِي غير مَوضِع وذم عدم ذَلِك فِي مَوَاضِع
стр. 623
مثل قَوْله تَعَالَى ﴿قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ سور الزمر ٩
وَقَالَ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَات﴾ سُورَة فاطر ٢٢
وَقَالَ تَعَالَى مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السّمع وَمَا كَانُوا يبصرون اولئك الَّذين خسروا انفسهم وضل عَنْهُم مَا كانو يفترون الى قَوْله ﴿مثل الْفَرِيقَيْنِ كالأعمى والأصم والبصير والسميع هَل يستويان مثلا أَفلا تذكرُونَ﴾ سُورَة هود ٢٤
وَقَالَ ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ سُورَة الاعراف ١٧٩
وَقَالَ ﴿أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ سُورَة الْفرْقَان ٤٤
وَقَالَ ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم﴾ سُورَة آل عمرَان ١٨
وَقَالَ لِتَعْلَمُوا ان الله على كل شَيْء قدير وان الله قد احاط بِكُل شئ علما سُورَة الطَّلَاق ١٢
وَقَالَ ﴿فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ سُورَة مُحَمَّد ١٩
وَقَالَ ﴿وَقل رب زِدْنِي علما﴾ سُورَة طه ١١٤
стр. 624
وَقَالَ ﴿اعلموا أَن الله شَدِيد الْعقَاب وَأَن الله غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة الْمَائِدَة ٩٨
وَقَالَ ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن أم على قُلُوب أقفالها﴾ سُورَة مُحَمَّد ٢٤
وَقَالَ اَوْ لم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَوَات والارض وَمَا خلق الله من شَيْء سُورَة الاعراف ١٨٥ وَقَالَ ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ سُورَة الْحَشْر ٢
وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن يَأْمر ويمدح التفكر والتدبر والتذكر وَالنَّظَر وَالِاعْتِبَار وَالْفِقْه وَالْعلم وَالْعقل والسمع وَالْبَصَر والنطق وَنَحْو ذَلِك من انواع الْعلم واسبابه وكماله ويذم اضداد ذَلِك
فصل فَإِذا تبين أَن جنس عدم الْعقل وَالْفِقْه لَا يحمد بِحَال فِي الشَّرْع بل
يحمد الْعلم وَالْعقل وَيُؤمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَو أَمر اسْتَجَابَ وَلَكِن من الْعلم مَالا يُؤمر بِهِ الشَّخْص نوعا أَو عينا إِمَّا لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَة فِيهِ لَهُ لِأَنَّهُ يمنعهُ عَمَّا يَنْفَعهُ وَقد ينْهَى عَنهُ إِذا كَانَ
стр. 625
فِيهِ مضرَّة لَهُ وَذَلِكَ ان من الْعلم مَالا يحملهُ عقل الانسان فيضره كَمَا قَالَ عَليّ بن ابي طَالب ﵁ حدثوا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ ودعوا مَا يُنكرُونَ اتحبون ان يكذب الله وَرَسُوله وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود مَا من رجل يحدث قوما بِحَدِيث لَا تبلغه عُقُولهمْ الا كَانَ فتْنَة لبَعْضهِم
وَمن الْكَلَام مَا يُسمى علما وَهُوَ جهل مثل كثير من عُلُوم الفلاسفة واهل الْكَلَام والاحاديث الْمَوْضُوعَة والتقليد الْفَاسِد واحكام النُّجُوم وَلِهَذَا روى ان من الْعلم جهلا وَمن القَوْل عيا وَمن الْبَيَان سحرًا
وَمن الْعلم مَا يضر بعض النُّفُوس لاستعانتها بِهِ على اغراضها الْفَاسِدَة فَيكون بِمَنْزِلَة السِّلَاح للمحارب وَالْمَال لِلْفَاجِرِ وَمِنْه مَا لامنفعة فِيهِ لعُمُوم الْخلق مثل معرفَة دقائق الْفلك وثوابته وتوابعه
стр. 626
وحركة كل كَوْكَب فَإِنَّهُ بمنزله حركات التَّغَيُّر عندنَا وَمِنْه مَا يصد عَمَّا يحْتَاج اليه فَإِن الانسان مُحْتَاج الى بعض الْعُلُوم والى اعمال وَاجِبَة فاذا اشْتغل بِمَا لَا يحْتَاج اليه عَمَّا يحْتَاج اليه كَانَ مذموما
فبمثل هَذِه الْوُجُوه يذم الْعلم بِكَوْنِهِ لَيْسَ علما فِي الْحَقِيقَة وان سَمَّاهُ اصحابه وَغَيرهم علما وَهَذَا كثير حدا اَوْ يكون الانسان يعجز عَن حمله اَوْ يَدعُوهُ ويعينه على مَا يضرّهُ اَوْ يمنعهُ عَمَّا يَنْفَعهُ
وَقد يكون فِي حق الانسان لَا مَحْمُودًا وَلَا مذموما هَذَا كُله فِي جنس الْعلم
وَكَذَلِكَ الْقُوَّة الَّتِي بهَا يعلم الانسان وَيعْقل وَتسَمى عقلا فَهَذِهِ لَا يحمد عدمهَا ايضا الا اذا كَانَ بوجودها يحصل ضَرَر فان من النَّاس من لَو جن لَكَانَ خيرا لَهُ فَإِنَّهُ يرْتَفع عَنهُ التَّكْلِيف وبالعقل يَقع فِي الْكفْر والفسوق والعصيان
فَإِن الْعقل قد يُرَاد بِهِ الْقُوَّة الغريزية فِي الانسان الَّتِي بهَا يعقل وَقد يُرَاد بِهِ نفس ان يعقل ويعى وَيعلم
فَالْأول قَول الامام احْمَد وَغَيره من السّلف الْعقل غريزة وَالْحكمَة فطنة
стр. 627
وَالثَّانِي قَول طوائف من اصحابنا وَغَيرهم الْعقل ضرب من الْعُلُوم الضرورية
وَكِلَاهُمَا صَحِيح فَإِن الْعقل فِي الْقلب مثل الْبَصَر فِي الْعين يُرَاد بِهِ الادراك تَارَة وَيُرَاد بِهِ الْقُوَّة الَّتِي جعلهَا الله فِي الْعين يحصل بهَا الادراك فَإِن كل وَاحِد من علم العَبْد واداركه وَمن علمه وحركته حول وَلكُل مِنْهُمَا قُوَّة وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه
وَلِهَذَا تَجِد الْمَشَايِخ الاصحاء من الصُّوفِيَّة يوصون بِالْعلمِ ويأمرون باتباعه كَمَا تَجِد الاصحاء من اهل الْعلم يوصون بِالْعَمَلِ ويأمرون بِهِ لما يخَاف فِي كل طَريقَة من ترك مَا يجب من الاخرى
فصل فَهَكَذَا زَوَال الْعقل بالسكر هُوَ من نوع زَوَاله بالإغماء وَالْجُنُون وَنَحْو
ذَلِك فَهَذَا لَا يُؤمر بِهِ الْمُؤْمِنُونَ بِحَال وَلَا يحمد
стр. 628
مِنْهُم وان حصل لَهُم مَعَ ذَلِك ذوق ايماني وَوجد عرفاني مِمَّا هُوَ مَحْمُود ومأمور بِهِ فَذَاك هوالمحمود لَا عدم الْعقل والتمييز
وَلِهَذَا لم يكن فِي الصَّحَابَة من حَاله السكر لَا عِنْد سَماع الْقُرْآن وَلَا عِنْد غَيره وَلَا تكلم الاولون بالسكر وانما تكلم بِهِ طَائِفَة من متأخري الصُّوفِيَّة صَار يحصل لَهُم نوع سكر بِمَا فِي قُلُوبهم من الذَّوْق والوجد مَعَ سُقُوط التَّمْيِيز وَالْعقل ويفرقون بَين الصحو وَالسكر
وَالسكر لهَؤُلَاء هُوَ من جنس الاغماء والغشي الْحَاصِل عِنْد السماع الَّذِي حدث فِي بعض التَّابِعين من الْبَصرِيين وَغَيرهم فَإِن لسكر والاغماء والغشي كلهَا زَوَال الْعقل والتمييز لَكِن تفترق اسبابها واذواقها فقد يكون اُحْدُ الذوقين والوجدين عَن محبَّة وَلَذَّة وَقد يكون عَن خشيَة والم وَقد يكون عَن عجز عَن الاداراك لفرط العظمة الَّتِي تجلت للْإنْسَان كَمَا وَقع لمُوسَى ﵇
فَهَذِهِ الامور يجب ان يعرف انها لَيست كمالا مُطلقًا كالفناء لَكِن يحمد مَا فِيهَا من الامور المحمودة الايمانية من ذوق اَوْ وجد
стр. 629
ايماني مَشْرُوع اَوْ محبَّة ايمانية اوخشية ايمانية وَلَا يحمد مِنْهَا مَا زَاد على الْمُسْتَحبّ وَمَا شغل عَن مَا هُوَ احب مِنْهُ
ويذم مِنْهَا مَا تضمن ترك وَاجِب من علم اَوْ عمل اوفعل محرم لَكِن اذا كَانَ المذموم بِغَيْر تَفْرِيط من العَبْد وَلَا عَن عدوان مِنْهُ لم يذم مِنْهُ
وكما ذكرت مثل ذَلِك فِي قاعة المولهين وعقلاء المجانين والمغلوبين فِي احوالهم وَمن يسلم اليه حَاله وَمن لَا يسلم اليه حَاله فَإِن السكر نوع من الْغَلَبَة ويذم من لم يحصل لَهُ من هَذِه الاحوال مَا يجب حُصُوله كَمَا ينقص من عدم مِنْهَا مَا يسْتَحبّ حُصُوله فَهَكَذَا يجب التَّفْصِيل فِي هَذِه الاحوال وَالله اعْلَم
فصل فقد تبين ان اُحْدُ وصفي السكر مَنْفَعَة فِي الاصل وَالْوَصْف الاخر اثم كَمَا
قَالَ تَعَالَى عَن الْخمر ﴿قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢١٩ وَقد يقْتَرن باللذة مَا يمْنَع ان تكون مصلحَة اذا استعين بهَا على اثم وعدوان كَمَا يستعان بالاكل وَالشرب على الْكفْر والفسوق والعصيان وَقد يقْتَرن
стр. 630
بِعَدَمِ الْعقل مَا يمْنَع ان يكون مفْسدَة اذا استعين بِهِ على ترك الاثم والعدوان
فالاصل حمد علم الْقلب وذوقه ولذته مَا لم يشْتَمل على مفْسدَة راجحة بل وذوق الْجِسْم ولذته مَعَ علم الْقلب وعقله لِأَن هَذِه كلهَا خيرات فَإِن الْعلم خير وذوق الْقلب خير واللذة بِهِ خير لَكِن قد يعارضها مَا يَجْعَلهَا شرا
واذا لم يجْتَمع التَّمْيِيز واللذة بل اما صحو بِلَا لَذَّة اَوْ لَذَّة بِلَا صحو فقد يتَرَجَّح هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فالصحو خير لَهُم فَإِن السكر يصدهم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة ويوقع بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء وَكَذَلِكَ الْعقل خير لَهُم لِأَنَّهُ يزيدهم ايمانا
واما الْكفَّار فزوال عقل الْكَافِر خير لَهُ وللمسلمين اما لَهُ فَلِأَنَّهُ لَا يصده عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة بل يصده عَن الْكفْر وَالْفِسْق واما للْمُسلمين فَلِأَن السكر يُوقع بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء فَيكون ذَلِك خيرا للْمُؤْمِنين وَلَيْسَ هَذَا اباحة للخمر وَالسكر وَلكنه دفع لشر الشرين بأدناهما
وَلِهَذَا كنت امْر اصحابنا ان لَا يمنعوا الْخمر عَن اعداء
стр. 631
الْمُسلمين من التتار والكرج وَنَحْوهم واقول اذا شربوا لم يصدهم ذَلِك عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة بل عَن الْكفْر وَالْفساد فِي الارض ثمَّ انه يُوقع بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء وَذَلِكَ مصلحَة للْمُسلمين فصحوهم شَرّ من سكرهم فَلَا خير فِي اعانتهم على الصحو بل قد يسْتَحبّ اَوْ يجب دفع شَرّ هَؤُلَاءِ بِمَا يُمكن من سكر وَغَيره
فَهَذَا فِي حق الْكفَّار وَمن الْفُسَّاق الظلمَة من اذا صَحا كَانَ فِي صحوه من ترك الْوَاجِبَات واعطاء النَّاس حُقُوقهم وَمن فعل الْمُحرمَات والاعتداء فِي النُّفُوس والاموال مَا هُوَ اعظم من سكره فَإِنَّهُ اذا كَانَ يتْرك ذكر الله وَالصَّلَاة فِي حَال سكره وَيفْعل مَا ذكرته فِي حَال صحوه وَإِذا كَانَ فِي حَال صحوه يفعل حروبا وفتنا لم يكن فِي شربه مَا هُوَ اكثر من ذَلِك ثمَّ اذا كَانَ فِي سكره يمْتَنع عَن ظلم الْخلق فِي النُّفُوس والاموال والحريم وَيمْسَح ببذل اموال تُؤْخَذ على وَجه فِيهِ نوع من التَّحْرِيم ينْتَفع بهَا النَّاس كَانَ ذَلِك اقل عذَابا مِمَّن يصحو فيعتدى على النَّاس فِي النُّفُوس والاموال والحريم وَيمْنَع النَّاس الْحُقُوق الَّتِي يجب اداؤها
стр. 632
فَالْحَاصِل انه تجب الموازنة بَين الْحَسَنَات والسيئات الَّتِي تَجْتَمِع فِي هَذَا الْبَاب وامثاله وجودا وعدما كَمَا قررت مثل ذَلِك فِي قَاعِدَة تعَارض السَّيِّئَات والحسنات فان السكر والصحو قد يكونَانِ من هَذَا الْبَاب وَهَكَذَا الْكسر والصحو فِي الأذواق الايمانية والمواجيد العرفانية
فَمن السالكين من اذا حصل لَهُ سكر حصل لَهُ فِيهِ مَنْفَعَة وايمان وان كَانَ فِيهِ من النَّقْص وَعدم التَّمْيِيز مِمَّا يحْتَاج مَعَه الى الْعقل مَا فِيهِ فَيكون خيرا من صحو لَيْسَ فِيهِ الا الْغَفْلَة عَن ذكر الله وقسوة الْقُلُوب وَالْكفْر والفسوق وَالْخُيَلَاء وَنَحْو ذَلِك من ترك الْحَسَنَات وَفعل السَّيِّئَات
واما الصحو الْمُشْتَمل على الْعلم والايمان وتذوق صَاحبه طعم الايمان وَوجد حلاوته فَهُوَ خير من السكر بِلَا شكّ فَعَلَيْك بالموازنة فِي هَذِه الاحوال والاعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة حَتَّى يظْهر لَك التَّمَاثُل والتفاضل وتناسب احوال اهل الاحوال الْبَاطِنَة لِذَوي الاعمال الظَّاهِرَة لَا يسما فِي هَذِه الازمان الْمُتَأَخِّرَة الَّتِي غلب فِيهَا خلط الاعمال الصَّالِحَة بِالسَّيِّئَةِ فِي جَمِيع الاصناف لنرجح عِنْد الازدحام والتمانع خير الخيرين وندفع عِنْد الِاجْتِمَاع شَرّ الشرين
стр. 633
ونقدم عِنْد التلازم تلازم الْحَسَنَات والسيئات مَا ترجح مِنْهَا فَإِن غَالب رُؤُوس الْمُتَأَخِّرين وغالب الامة من الْمُلُوك والامراء والمتكلمين وَالْعُلَمَاء والعباد واهل الاموال يَقع غَالِبا فيهم ذَلِك
واما الماشون على طَريقَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فليسوا اكثر الْأمة وَلَكِن على هَؤُلَاءِ الماشين على طَريقَة الْخُلَفَاء ان يعاملوا النَّاس بِمَا امْر الله بِهِ وَرَسُوله من الْعدْل بَينهم واعطاء كل ذِي حق حَقه واقامة الْحُدُود بِحَسب الامكان اذ الْوَاجِب هُوَ الامر بِالْمَعْرُوفِ وَفعله وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَتَركه بِحَسب الامكان فَإِذا عجز اتِّبَاع الْخُلَفَاء الرَّاشِدين عَن ذَلِك قدمُوا خير الخيرين حصولا وَشر الشرين دفعا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
فصل قَالَ الله تَعَالَى لما اهبط آدم وَمن مَعَه الى الارض
قُلْنَا اهبطا مِنْهَا جَمِيعًا فَأَما يَأْتينكُمْ مني هدى فَمن تبع هُدَايَ فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا فِيهَا يَحْزَنُونَ وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا اولئك اصحاب النَّار هم فِيهِ خَالدُونَ سُورَة الْبَقَرَة ٣٨ ٣٩
وَقَالَ تَعَالَى فاما يَأْتينكُمْ مني هدى فَمن اتبع هُدَايَ فَلَا يضل وَلَا يشقى وَمن اعْرِض عَن ذكري فان لَهُ معيشة ضنكا ونحشره يَوْم الْقِيَامَة اعمى قَالَ رب لم حشرتني اعمى وَقد كنت
стр. 634
بَصيرًا قَالَ كَذَلِك اتتك آيَاتنَا فسيتها وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى سُورَة طه ١٢٣ ١٢٦
وَقَالَ قَالَ اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو وَلكم فِي الارض مُسْتَقر ومتاع الى حِين قَالَ فِيهَا تحيون وفيهَا تموتون وَمِنْهَا تخرجُونَ يَا بني آدم قد انزلنا عَلَيْكُم لباسا يواري سؤاتكم وريشسا ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير ذَلِك من ايات الله لَعَلَّهُم يذكرُونَ يَا بني آدم لَا يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا اخْرُج ابويكم من الْجنَّة ينْزع عَنْهُمَا لباسهما ليريهما سوءاتهما انه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم انا جعلنَا الشَّيَاطِين اولياء للَّذين لَا يُؤمنُونَ سُورَة الاعراف ٢٤ ٢٧
فَأخْبر سُبْحَانَهُ بنعمته على بني آدم بِمَا انزله من اللبَاس الَّذِي يواري سواءتهم وَمن الريش وانزاله لَهُ كَمَا قَالَ وانزلنا الْحَدِيد سُورَة الْحَدِيد ٢٥ ﴿وَأنزل لكم من الْأَنْعَام﴾ سُورَة الزمر ٦
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ مَا انْزِلْ الله دَاء الا انْزِلْ لَهُ شِفَاء
стр. 635
وَاخْبَرْ سُبْحَانَهُ ان لِبَاس التَّقْوَى خير من هَذَا اللبَاس كَمَا قَالَ لما امرهم بالزاد فَقَالَ ﴿وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٩٧ فهما لباسان وزادان
ثمَّ قَالَ يابني آدم لَا يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا اخْرُج ابويكم من الْجنَّة ينْزع عَنْهُمَا لباسهما ليريهما من سوءاتهما سُورَة الاعراف ٢٧ فَنهى بنى آدم أَن يفتتنوا بفتنة الشَّيْطَان كَمَا فتن أبويهما وَذَلِكَ بِمَعْصِيَة الله وَطَاعَة الشَّيْطَان فِي خلاف أَمر الله وَنَهْيه وَأَنه لما نزع عَن الْأَبَوَيْنِ لبأسهم فَكَذَلِك قد ينْزع عَن الذُّرِّيَّة لِبَاس التَّقْوَى ولباس الْبدن ليريها سوءاتهما
قَالَ تَعَالَى أَنه يراكم هُوَ وقبيلة من حَيْثُ لَا يرونهم إِنَّا جعلنَا الشَّيْطَان أَوْلِيَاء للَّذين لَا يُؤمنُونَ سُورَة الْأَعْرَاف ٢٧ فَأخْبر
следующие страницы →