← Акыда

Акыда · id 6820

الاستقامة

ابن تيمية

Полный текст (813 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الْمُسلمين من التتار والكرج وَنَحْوهم واقول اذا شربوا لم يصدهم ذَلِك عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة بل عَن الْكفْر وَالْفساد فِي الارض ثمَّ انه يُوقع بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء وَذَلِكَ مصلحَة للْمُسلمين فصحوهم شَرّ من سكرهم فَلَا خير فِي اعانتهم على الصحو بل قد يسْتَحبّ اَوْ يجب دفع شَرّ هَؤُلَاءِ بِمَا يُمكن من سكر وَغَيره فَهَذَا فِي حق الْكفَّار وَمن الْفُسَّاق الظلمَة من اذا صَحا كَانَ فِي صحوه من ترك الْوَاجِبَات واعطاء النَّاس حُقُوقهم وَمن فعل الْمُحرمَات والاعتداء فِي النُّفُوس والاموال مَا هُوَ اعظم من سكره فَإِنَّهُ اذا كَانَ يتْرك ذكر الله وَالصَّلَاة فِي حَال سكره وَيفْعل مَا ذكرته فِي حَال صحوه وَإِذا كَانَ فِي حَال صحوه يفعل حروبا وفتنا لم يكن فِي شربه مَا هُوَ اكثر من ذَلِك ثمَّ اذا كَانَ فِي سكره يمْتَنع عَن ظلم الْخلق فِي النُّفُوس والاموال والحريم وَيمْسَح ببذل اموال تُؤْخَذ على وَجه فِيهِ نوع من التَّحْرِيم ينْتَفع بهَا النَّاس كَانَ ذَلِك اقل عذَابا مِمَّن يصحو فيعتدى على النَّاس فِي النُّفُوس والاموال والحريم وَيمْنَع النَّاس الْحُقُوق الَّتِي يجب اداؤها

стр. 632

فَالْحَاصِل انه تجب الموازنة بَين الْحَسَنَات والسيئات الَّتِي تَجْتَمِع فِي هَذَا الْبَاب وامثاله وجودا وعدما كَمَا قررت مثل ذَلِك فِي قَاعِدَة تعَارض السَّيِّئَات والحسنات فان السكر والصحو قد يكونَانِ من هَذَا الْبَاب وَهَكَذَا الْكسر والصحو فِي الأذواق الايمانية والمواجيد العرفانية فَمن السالكين من اذا حصل لَهُ سكر حصل لَهُ فِيهِ مَنْفَعَة وايمان وان كَانَ فِيهِ من النَّقْص وَعدم التَّمْيِيز مِمَّا يحْتَاج مَعَه الى الْعقل مَا فِيهِ فَيكون خيرا من صحو لَيْسَ فِيهِ الا الْغَفْلَة عَن ذكر الله وقسوة الْقُلُوب وَالْكفْر والفسوق وَالْخُيَلَاء وَنَحْو ذَلِك من ترك الْحَسَنَات وَفعل السَّيِّئَات واما الصحو الْمُشْتَمل على الْعلم والايمان وتذوق صَاحبه طعم الايمان وَوجد حلاوته فَهُوَ خير من السكر بِلَا شكّ فَعَلَيْك بالموازنة فِي هَذِه الاحوال والاعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة حَتَّى يظْهر لَك التَّمَاثُل والتفاضل وتناسب احوال اهل الاحوال الْبَاطِنَة لِذَوي الاعمال الظَّاهِرَة لَا يسما فِي هَذِه الازمان الْمُتَأَخِّرَة الَّتِي غلب فِيهَا خلط الاعمال الصَّالِحَة بِالسَّيِّئَةِ فِي جَمِيع الاصناف لنرجح عِنْد الازدحام والتمانع خير الخيرين وندفع عِنْد الِاجْتِمَاع شَرّ الشرين

стр. 633

ونقدم عِنْد التلازم تلازم الْحَسَنَات والسيئات مَا ترجح مِنْهَا فَإِن غَالب رُؤُوس الْمُتَأَخِّرين وغالب الامة من الْمُلُوك والامراء والمتكلمين وَالْعُلَمَاء والعباد واهل الاموال يَقع غَالِبا فيهم ذَلِك واما الماشون على طَريقَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فليسوا اكثر الْأمة وَلَكِن على هَؤُلَاءِ الماشين على طَريقَة الْخُلَفَاء ان يعاملوا النَّاس بِمَا امْر الله بِهِ وَرَسُوله من الْعدْل بَينهم واعطاء كل ذِي حق حَقه واقامة الْحُدُود بِحَسب الامكان اذ الْوَاجِب هُوَ الامر بِالْمَعْرُوفِ وَفعله وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَتَركه بِحَسب الامكان فَإِذا عجز اتِّبَاع الْخُلَفَاء الرَّاشِدين عَن ذَلِك قدمُوا خير الخيرين حصولا وَشر الشرين دفعا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فصل قَالَ الله تَعَالَى لما اهبط آدم وَمن مَعَه الى الارض قُلْنَا اهبطا مِنْهَا جَمِيعًا فَأَما يَأْتينكُمْ مني هدى فَمن تبع هُدَايَ فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا فِيهَا يَحْزَنُونَ وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا اولئك اصحاب النَّار هم فِيهِ خَالدُونَ سُورَة الْبَقَرَة ٣٨ ٣٩ وَقَالَ تَعَالَى فاما يَأْتينكُمْ مني هدى فَمن اتبع هُدَايَ فَلَا يضل وَلَا يشقى وَمن اعْرِض عَن ذكري فان لَهُ معيشة ضنكا ونحشره يَوْم الْقِيَامَة اعمى قَالَ رب لم حشرتني اعمى وَقد كنت

стр. 634

بَصيرًا قَالَ كَذَلِك اتتك آيَاتنَا فسيتها وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى سُورَة طه ١٢٣ ١٢٦ وَقَالَ قَالَ اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو وَلكم فِي الارض مُسْتَقر ومتاع الى حِين قَالَ فِيهَا تحيون وفيهَا تموتون وَمِنْهَا تخرجُونَ يَا بني آدم قد انزلنا عَلَيْكُم لباسا يواري سؤاتكم وريشسا ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير ذَلِك من ايات الله لَعَلَّهُم يذكرُونَ يَا بني آدم لَا يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا اخْرُج ابويكم من الْجنَّة ينْزع عَنْهُمَا لباسهما ليريهما سوءاتهما انه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم انا جعلنَا الشَّيَاطِين اولياء للَّذين لَا يُؤمنُونَ سُورَة الاعراف ٢٤ ٢٧ فَأخْبر سُبْحَانَهُ بنعمته على بني آدم بِمَا انزله من اللبَاس الَّذِي يواري سواءتهم وَمن الريش وانزاله لَهُ كَمَا قَالَ وانزلنا الْحَدِيد سُورَة الْحَدِيد ٢٥ ﴿وَأنزل لكم من الْأَنْعَام﴾ سُورَة الزمر ٦ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ مَا انْزِلْ الله دَاء الا انْزِلْ لَهُ شِفَاء

стр. 635

وَاخْبَرْ سُبْحَانَهُ ان لِبَاس التَّقْوَى خير من هَذَا اللبَاس كَمَا قَالَ لما امرهم بالزاد فَقَالَ ﴿وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٩٧ فهما لباسان وزادان ثمَّ قَالَ يابني آدم لَا يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا اخْرُج ابويكم من الْجنَّة ينْزع عَنْهُمَا لباسهما ليريهما من سوءاتهما سُورَة الاعراف ٢٧ فَنهى بنى آدم أَن يفتتنوا بفتنة الشَّيْطَان كَمَا فتن أبويهما وَذَلِكَ بِمَعْصِيَة الله وَطَاعَة الشَّيْطَان فِي خلاف أَمر الله وَنَهْيه وَأَنه لما نزع عَن الْأَبَوَيْنِ لبأسهم فَكَذَلِك قد ينْزع عَن الذُّرِّيَّة لِبَاس التَّقْوَى ولباس الْبدن ليريها سوءاتهما قَالَ تَعَالَى أَنه يراكم هُوَ وقبيلة من حَيْثُ لَا يرونهم إِنَّا جعلنَا الشَّيْطَان أَوْلِيَاء للَّذين لَا يُؤمنُونَ سُورَة الْأَعْرَاف ٢٧ فَأخْبر

стр. 636

ان الشَّيَاطِين اولياء للَّذين لَا يُؤمنُونَ بهدى الله الَّذِي بعث بِهِ رسله كَمَا قَالَ وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين وانهم ليصدونهم عَن السَّبِيل وَيَحْسبُونَ انهم مهتدون حَتَّى اذا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْت بيني وَبَيْنك بعد المشرقين فبئس القرين سُورَة الزخرف ٣٦ ٣٨ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَان فبعزتك لاغوينهم اجمعين الا عِبَادك مِنْهُم المخلصين سُورَة ص ٨٢ ٨٣ قَالَ هَذَا صِرَاط على مُسْتَقِيم ان عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان الا من اتبعك من الغاوين سُورَة الْحجر ٤١ ٤٢ وَقَالَ انه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين امنوا على رَبهم يَتَوَكَّلُونَ انما سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون سُورَة النَّحْل ٩٩ ١٠٠ وَقَالَ ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم وَإِن أطعتموهم إِنَّكُم لمشركون﴾ سُورَة الانعام ١٢١ ثمَّ اخبر عَن اولياء الشَّيْطَان الَّذين لَا يُؤمنُونَ فَقَالَ ﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ سُورَة

стр. 637

الاعراف ٢٨ فَقَوْلهم وَالله امرنا بهَا يَقْتَضِي انهم متدينون بهَا يرونها عبَادَة وَطَاعَة كَمَا كَانَ مشركو الْعَرَب يطوفون بِالْبَيْتِ عُرَاة وَيَقُولُونَ لَا نطوف فِي الثِّيَاب الَّتِي عصينا الله فِيهَا إِلَّا الحمس قُرَيْش وحلفاؤها فَكَانُوا يطوفون فِي ثِيَابهمْ وَكَانَ غَيرهم قد يطوف فِي ثِيَاب احمسى ان حصل لَهُ ذَلِك والا طَاف عُريَانا حَتَّى كَانَت الْمَرْأَة تَطوف عُرْيَانَة وَرُبمَا سترت فرجهَا بِيَدِهَا وَتقول ... الْيَوْم يَبْدُو بعضه اَوْ كُله ... وَمَا بدا مِنْهُ فَلَا احله ... وَكَانَ من طَاف فِي ثِيَابه من الحمس القاها فسميت لقى وَحرمت عَلَيْهِ وَكَانُوا ايضا فِي الاحرام لَا يَأْكُلُون من الدّهن الَّذِي فِي الانعام وَلِهَذَا لما فتح النَّبِي ﷺ مَكَّة وغزا تَبُوك

стр. 638

انْزِلْ الله بَرَاءَة وامره الله بِالْبَرَاءَةِ الى اهل الْعَهْد الْمُطلق من الشّرك وبسيرهم فِي الارض اربعة اشهر وَقَالَ ﴿فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ سُورَة التَّوْبَة ٥ فَبعث النَّبِي ﷺ ابا بكر الصّديق اميرا على الْحَاج وامره ان يُنَادي ان لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف عُرْيَان فَكَانُوا يصرخون بهَا من الْمَوْسِم كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيح وَغَيره فِي حَدِيث ابي هُرَيْرَة وَغَيره وَهُوَ من الْمُتَوَاتر واردفه النَّبِي ﷺ بعلي بن ابي طَالب ان لَا ينْبذ للمعاهدين عهودهم لِأَن عَادَتهم كَانَت ان لَا يقبلُوا بنبذ الْعَهْد وحله الا من الْكَبِير اَوْ بعض اهل بَيته فأخرهم النَّبِي ﷺ اذ ذَاك على عَادَتهم ليقبلوا ذَلِك وَكَانَ ابو بكر هُوَ الامام الَّذِي يُقيم للنَّاس مناسكهم وَيُصلي بهم وَيحكم فيهم وعَلى مَعَه ليبلغ رِسَالَة الْبَرَاءَة الى اهل العهود

стр. 639

فَكَانَ اولياء الشَّيْطَان اذا فعلوا هَذِه الْفَاحِشَة وَهِي ابداء السوءات فِي الطّواف يحتجون بشيئين يَقُولُونَ ﴿وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ وَهَذَا هُوَ الرُّجُوع الى الْعَادة والاتباع والتقليد للأسلاف وَيَقُولُونَ ﴿وَالله أمرنَا بهَا﴾ وَهَذَا قَول بِغَيْر علم

стр. 640

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى قل ان الله لَا يَأْمر بالفحشاء سُورَة الاعراف ٢٨ فان الْفَحْشَاء قبيحة مُنكرَة تنكرهَا الْقُلُوب بفطرتها وَالله لَا يَأْمر بمنكر وَهَذَا يَقْتَضِي ان الافعال القبيحة السَّيئَة تكون على صِفَات تمنع مَعهَا ان الله يَأْمر بهَا وَفِي هَذَا نزاع مَعْرُوف بَين النَّاس بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع ثمَّ قَالَ ﴿أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ سُورَة الاعراف ٢٨ أَي اتقولون انه امْر بِهَذَا وانتم لَا تعلمُونَ انه امْر بِهِ اذ لَيْسَ مَعكُمْ الا عَادَة ابائكم ودينكم وانتم لَا تعلمُونَ ان الله انْزِلْ بِهَذَا سُلْطَانا فَهَذِهِ الاية يدْخل فِيهَا كل من تعبد بِفَاحِشَة وامر مُنكر وان احْتج بِالْعَادَةِ الَّتِي لسلفه اَوْ زعم ان الله يَأْمر بذلك اَوْ لما يذكرهُ من الاسباب كَقَوْل مُشْركي الْعَرَب هَذِه الثِّيَاب عصينا الله فِيهَا فَلَا نطوف لَهُ فِيهَا يُرِيدُونَ وَقت الْعِبَادَة ان يجتنبوا ثِيَاب الْمعْصِيَة وَكَذَلِكَ تقسيمهم النَّاس الى قسمَيْنِ حمس وَغير حمس

стр. 641

واباحتهم للحمس مَا يحرم على غَيرهم من الطّواف فِي الثِّيَاب وَمن الطَّعَام وَعدم دُخُول الْبيُوت المنقوبة فِي الاحرام من ابوابها واسقاطهم عَن الحمس الافاضة من عَرَفَة بالافاضة من مُزْدَلِفَة فَمن هَذَا الْبَاب مَا يَدعِي قوم من اشراف بني هَاشم وَمن يَزْعمُونَ انهم مِنْهُم لموافقتهم لَهُم على رَأْي كالتشيع وَغَيره انهم مختصون بِهِ فِي الْعِبَادَات والمحظورات فَهَذَا نَظِير مَا كَانَت الحمس تدعيه

стр. 642

وَمن هَذَا الْبَاب مَا يَفْعَله قوم من المتزهدة من كشف سوءاتهم فِي سماعاتهم وحماماتهم اَوْ غير ذَلِك وَيَقُولُونَ هَذَا طريقنا وَهَذَا فِي طريقنا فَهَذَا مثل قَوْلهم ﴿وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا﴾ وابلغ من ذَلِك تعبد طوائف من المتزهدة والمتعبدة بمعاشرة الاحداث المردان وَالنِّسَاء الاجانب وَالنَّظَر اليهم وَالْخلْوَة بهم والمحبة والهوى فيهم وَبِمَا قد يكون وَقد لَا يكون وَرَاء ذَلِك من الْفَاحِشَة الْكُبْرَى وَهَذَا ابتدأه الْمُشْركُونَ من الصابئة وَغير الصابئة الَّذين هم اولياء الشَّيَاطِين الَّذين هم مشركون كَمَا ذكر ابْن سينا فِي إشاراته وَزعم انه مِمَّا يعين على السلوك والتأله الْعِشْق الْعَفِيف واستماع الاصوات الملحنة كَمَا ذكر ايضا الشّرك بِعبَادة الصُّور وَيذكر هُوَ وطائفته عبَادَة الْكَوَاكِب وَهَذَا فِي النَّصَارَى ايضا مِنْهُ جَانب قوي وهم ايضا قد ابتدعوا شركا لم ينزل الله بِهِ سُلْطَانا كَمَا قَالَ تَعَالَى اتَّخذُوا احبارهم

стр. 643

﴿وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ سُورَة التَّوْبَة ٣١ وَلِهَذَا كثر هَذَا فِي طوائف الزهاد والعباد من هَذِه الامة من المبتدعة الخارجين عَن الشَّرِيعَة ورسالة مُحَمَّد ﷺ من هَذَا الْوَجْه وان كَانُوا من وَجه اخر داخلين فِيهَا فَهَذَا شَأْن الطرائق المبتدعة كلهَا يجْتَمع فِيهَا الْحق وَالْبَاطِل وَمن الْمَعْلُوم ان هَذَا الَّذِي يَفْعَلُونَهُ من الْفَوَاحِش الظَّاهِرَة اَوْ الْبَاطِنَة وَقد قَالَ تَعَالَى قَالَ انما حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن والاثم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وان تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وان تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ سُورَة الاعراف ٣٣ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وذروا ظَاهر الْإِثْم وباطنه﴾ سُورَة الانعام ١٢٠ وَقد قَالَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ العينان تزنيان وزناهما النّظر الاذنان تزنيان وزناهما السّمع وَاللِّسَان يَزْنِي وزناه النُّطْق وَالْقلب يتَمَنَّى ذَلِك ويشتهي والفرج يصدق ذَلِك ويكذبه

стр. 644

فَمَا كَانَ من السّمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان فِي هَذَا الْبَاب فهومن زِنَاهُ وَالزِّنَا من الْفَوَاحِش وَالله لَا يَأْمر بالفحشاء فَالله تَعَالَى لَا يَأْمر ان يعبده ويتقرب اليه بِالْعشرَةِ للمردان الصَّباح وَالنَّظَر اليهم والاصغاء الى كَلَامهم وَنَحْو ذَلِك اتقولون على الله مَالا تعلمُونَ سُورَة الاعراف ٢٨ بل قد حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وان اتي هَذِه الْفَوَاحِش مُعْتَقدًا تَحْرِيمهَا فَهُوَ من الْمُسلمين الَّذين قَالَ فيهم النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث ابي ذَر من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة وان زنا وان سرق فَإِن الْمُسلم الَّذِي يَأْتِي بِفَاحِشَة اما ان يَتُوب الى الله ويستغفره فَيدْخل فِي قَوْله وَالَّذين اذا فعلوا فَاحِشَة اَوْ ظلمُوا انفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب الا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ اولئك جزاؤهم مغْفرَة من

стр. 645

﴿رَبهم وجنات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر العاملين﴾ سُورَة ال عمرَان ١٣٥ ١٣٦ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه ثمَّ يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما﴾ سُورَة النِّسَاء ١١٠ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ سُورَة هود ١١٤ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ ان رجلا اصاب من امْرَأَة قبله فَأتى رَسُول الله ﷺ فَذكر ذَلِك لَهُ فَأنْزل عَلَيْهِ ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ الاية سُورَة هود ١١٤ قَالَ الرجل الى هَذِه الاية قَالَ لمن عمل بهَا من امتي وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش وَإِذا مَا غضبوا هم يغفرون﴾ سُورَة الشورى ٣٧

стр. 646

وَقَالَ ﴿الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللمم إِن رَبك وَاسع الْمَغْفِرَة﴾ سُورَة نجم ٣٢ قَالَ ابْن عَبَّاس مَا رَأَيْت شَيْئا اشبه باللمم مِمَّا قَالَ ابو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ان الْعَينَيْنِ تزنيان وزناهما النّظر وَذكر الحَدِيث وَالْمُسلم اذا اتى الْفَاحِشَة لَا يكفر وان كَانَ كَمَال الايمان الْوَاجِب قد زَالَ عَنهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا

стр. 647

وَهُوَ مُؤمن وَلَا ينتهب نهبة ذَات شرف يرفع النَّاس اليه فِيهَا ابصارهم وَهُوَ مُؤمن فَأصل الايمان مَعَه وَهُوَ قد يعود الى الْمعْصِيَة وَلكنه يكون مُؤمنا اذا فَارق الدُّنْيَا كَمَا فِي الصَّحِيح عَن عمر ان رجلا كَانَ يَدعِي حمارا وَكَانَ يشرب الْخمر وَكَانَ كلما اتي بِهِ الى النَّبِي ﷺ امْر بجلده فَقَالَ رجل لَعنه الله مَا اكثر مَا يُؤْتى بِهِ الى النَّبِي ﷺ فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تلعنه فَإِنَّهُ يحب الله وَرَسُوله فَشهد لَهُ بِأَنَّهُ يحب الله وَرَسُوله وَنهى عَن لعنته كَمَا تقدم فِي الحَدِيث الاخر الصَّحِيح وان زنا وان سرق وَذَلِكَ ان مَعَه اصل الِاعْتِقَاد ان الله حرم ذَلِك وَمَعَهُ خشيه عِقَاب الله ورجاء رَحْمَة الله وايمانه بِأَن الله يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ فَيغْفر الله لَهُ بِهِ كَمَا فِي الصَّحِيح عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 648

وَقَالَ اذنب عبد ذَنبا فَقَالَ أَي رب اني اذنبت ذَنبا فَاغْفِر لي فَقَالَ ربه علم عَبدِي ان لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ قد غفرت لعبدي ثمَّ اذنب ذَنبا اخر فَقَالَ أَي رب اذنبت ذَنبا فاغفره لي فَقَالَ ربه علم عبدى أَن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ قد غفرت لعبدى ثمَّ أذْنب ذَنبا آخر فَقَالَ أَي رب قد اذنبت ذَنبا فاغفره لي فَقَالَ علم عَبدِي ان لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ قد غفرت لعبدي فَلْيفْعَل مَا شَاءَ وَكَذَلِكَ فِي الصِّحَاح من غير وَجه حَدِيث الَّذِي لم يعْمل خيرا قطّ وَقَالَ لأَهله اذا انا مت فاحرقوني ثمَّ اسحقوني ثمَّ ذروني فِي يَوْم ريح الحَدِيث فَقَالَ الله لَهُ مَا حملك على مَا فعلت قَالَ خشيتك يَا رب فغفر الله لَهُ بِتِلْكَ الخشية وَكَذَلِكَ من افضل اعمال الْمُؤمن التَّوْبَة كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ للغامريه الَّتِي اقرت بِالزِّنَا حَتَّى رَجمهَا لقد

стр. 649

تابت تَوْبَة لَو تابها مكس لغفر لَهُ وَهل وجدت تَوْبَة افضل من ان جَادَتْ بِنَفسِهَا لله وَحَدِيث صَلَاة التَّوْبَة مَحْفُوظ فِي السّنَن عَن عَليّ عَن ابي بكر الصّديق عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ مَا من مُسلم يُذنب ذَنبا فيتوضأ وَيحسن الْوضُوء ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ويستغفر الله الا غفر لَهُ وَقَرَأَ هَذِه الاية وَالَّذين اذا فعلوا فَاحِشَة اَوْ ظلمُوا انفسهم ذكرُوا الله سُورَة آل عمرَان ١٣٥ وَهَذَا بَاب وَاسع فان الذُّنُوب الَّتِي يبتلى بهَا الْعباد يسْقط عَنْهُم

стр. 650

عَذَابهَا اما بتوبة تجب مَا قبلهَا واما باستغفار واما بحسنات يذْهبن السَّيِّئَات واما بِدُعَاء الْمُسلمين وشفاعتهم اَوْ بِمَا يَفْعَلُونَهُ لَهُ من الْبر واما بشفاعة النَّبِي ﷺ وَغَيره فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة واما ان يكفر الله خطاياه بِمَا يُصِيبهُ من المصائب فقد تَوَاتر عَن النَّبِي ﷺ ان مَا يُصِيب الْمُسلم من اذى شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا الا حط الله بهَا خطاياه كَمَا تحط الشَّجَرَة الْيَابِسَة وَرقهَا واصناف الْحَسَنَات الَّتِي تكفر بهَا السَّيِّئَات كَثِيرَة اكثر من السَّيِّئَات من انواع الْبر جَمِيعهَا كَمَا جَاءَ ذَلِك فِي الاحاديث النَّبَوِيَّة الْمُطَابقَة لكتاب الله تَعَالَى واهل السّنة وَالْجَمَاعَة متفقون على انه لَا يكفر الْمُسلم بِمُجَرَّد

стр. 651

الذَّنب كَمَا يَقُوله الْخَوَارِج وَلَا انه يخرج من الايمان بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا يَقُوله الْمُعْتَزلَة لَكِن ينقص الايمان وَيمْنَع كَمَاله الْوَاجِب وان كَانَت المرجئة تزْعم ان الايمان لَا ينقص ايضا فمذهب اهل السّنة المتبعون للسلف الصَّالح ان الايمان يزِيد بِالطَّاعَةِ وَينْقص بالمعصية فَأَما استحلال مَا حرم الله وَرَسُوله من الْفَوَاحِش وَغَيرهَا فَهُوَ كفر وبمثله اهلك الله قوم لوط الَّذين استحلوا الْفَاحِشَة وفعلوها معلنين بهَا مستحلين لَهَا قَالَ تَعَالَى فَلَمَّا جَاءَ امرنا جعلنَا عاليها سافلها وامطرنا عَلَيْهَا حِجَارَة من سجيل منضود مسومة عِنْد رَبك وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد سوة هود ٨٢ ٨٣ وَقد روى عَن قَتَادَة من الظَّالِمين من هَذِه الامة وَقد روى انه يكون فِيهَا خسف وَقذف ومسخ

стр. 652

وَقد شرع الله سُبْحَانَهُ فِي شَرِيعَة اهل التَّوْرَاة وَشَرِيعَة اهل الْقُرْآن رجم الزَّانِي الْمُحصن بِالْحِجَارَةِ كَمَا رجم الله اهل الْفَاحِشَة واما اهل الْفَاحِشَة واللوطية فيرجمان سَوَاء كَانَا بكرين اَوْ ثيبين عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء كَمَا رجم الله قوم لوط وَلَيْسَ فِي الذُّنُوب مَا يُعَاقب اهله بِالرَّجمِ الا اهل هَذِه الْفَاحِشَة وَقد رجم النَّبِي ﷺ غير وَاحِد رجم الْيَهُودِيين ورجم مَا عز بن مَالك ورجم الغامدية ورجم اخر وَكَذَلِكَ رجم خلفاؤه الراشدون ايضا وَكَذَلِكَ مَا يُعَاقب الله بِهِ اهل ذَلِك كَمَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا مَجْزُومًا بِهِ وَهُوَ دَاخل فِي الصَّحِيح الَّذِي شَرطه عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم الاشعري انه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول لَيَكُونن من امتي اقوام يسْتَحلُّونَ الْحر وَالْحَرِير وَالْخمر وَالْمَعَازِف ولينزلن اقوام الى جنب علم يروح عَلَيْهَا بسارحة لَهُم يَأْتِيهم لحاجتهم فَيَقُولُونَ ارْجع الينا غَدا فيبيتهم الله

стр. 653

وَيَضَع الْعلم ويمسخ اخرين قردة وَخَنَازِير الى يَوْم الْقِيَامَة فالعقوبة بِمَا عوقبت بِهِ الامم الْمُتَقَدّمَة من قذف ومسخ وَخسف انما يكون لمن شاركهم فاستحل مَا حرمه الله وَرَسُوله كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَيَكُونن من امتي اقوام يسْتَحلُّونَ ثمَّ قد يسْتَحل بَعضهم بعض انواع الْخمر بِتَأْوِيل كَمَا اسْتحلَّ ذَلِك اهل الْكُوفَة كَمَا روى فِي الحَدِيث لَيَكُونن من امتي اقوام يسْتَحلُّونَ الْخمر يسمونها باسم غير اسْمهَا

стр. 654

فالاستحلال الَّذِي يكون من موارد الِاجْتِهَاد وَقد أَخطَأ المستحل فِي تَأْوِيله مَعَ ايمانه وحسناته هُوَ مِمَّا غفره الله لهَذِهِ الامة من الْخَطَأ فِي قَوْله رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا ان نَسِينَا اَوْ اخطأنا سُورَة الْبَقَرَة ٢٨٦ كَمَا اسْتحلَّ بَعضهم بعض انواع الرِّبَا واستحل بَعضهم نوعا من الْفَاحِشَة وَهُوَ اتيان النِّسَاء فِي حشوشهن واستحل بَعضهم بعض انواع الْخمر واستحل بَعضهم اسْتِمَاع المعازف واستحل بَعضهم من دِمَاء بعض بالتأويل مَا اسْتحلَّ فَهَذِهِ الْمَوَاضِع الَّتِي تقع من اهل الايمان وَالصَّلَاح تكون سيئات مكفرة اَوْ مغفورة اَوْ خطأ مغفورا وَمَعَ هَذَا فَيجب بَيَان مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة من الْهَدْي وَدين الْحق والامر بذلك وَالنَّهْي عَن خلَافَة بِحَسب الامكان ثمَّ هَذِه الامور الَّتِي كَانَت من اولئك تكْثر وتتغلظ فِي قوم اخرين بعدهمْ حَتَّى تَنْتَهِي بهم الى استحلال محارم الله وَالْخُرُوج عَن دين الله واذا تغلظت هَذِه الامور عاقب الله اصحابها بِمَا يَشَاء

стр. 655

وَقد كَانَ بعض الصَّحَابَة ظن ان الْخمر حرمت على الْعَامَّة دون الَّذين امنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فَشربهَا متأولا فَأحْضرهُ عمر وَاتفقَ هُوَ وائمة الصَّحَابَة كعلي وَغَيره على انهم ان اصروا على استحلالها كفرُوا وان اقروا بِالتَّحْرِيمِ جلدُوا فأقروا بِالتَّحْرِيمِ ثمَّ حصل لذَلِك نوع من الْيَأْس والقنوط لما فعل فَكتب اليه عمر حم تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم غَافِر الذَّنب وقابل التوب شَدِيد الْعقَاب سُورَة غَافِر ١ ٣ واظنه قَالَ مَا ادري أَي ذنبيك اعظم اسحلالك الرجس ام يأسك من رَحْمَة الله وَهَذَا من علم امير الْمُؤمنِينَ وعدله فَإِن الْفَقِيه كل الْفَقِيه لَا يؤيس النَّاس من رَحْمَة الله وَلَا يجرئهم على معاصي الله وَاسْتِحْلَال الْمُحرمَات كفر واليأس من رَحْمَة الله كفر وَلِهَذَا كَانَ دين الله بَين الحرورية والمرجئة فالمسلم يُذنب وَيَتُوب كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ فِيمَا يروي عَن ربه يَا عبَادي انكم تخطئون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وانا اغْفِر الذُّنُوب فاستفغروني اغْفِر لكم

стр. 656

وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ ايضا من حَدِيث ابي هُرَيْرَة قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بِقوم يذنبون فيستغفرون الله فَيغْفر لَهُم وَنَحْوه فِي الصَّحِيح من رِوَايَة ابي ايوب وَقَالَ لعَائِشَة لما قيل فِيهَا الْإِفْك يَا عَائِشَة ان كنت الممت بذنب فاستغفري الله وتوبى اليه فَإِن العَبْد اذا اعْترف بِذَنبِهِ وَتَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ وان كنت برئية فسيبرئك الله

стр. 657

وَفِي الصَّحِيح عَن جُنْدُب ان النَّبِي ﷺ حدث ان رجلا قَالَ لَا يغْفر الله لفُلَان وان الله قَالَ من الَّذِي يتألى على اني لَا أَغفر لفُلَان فَإِنِّي قد غفرت لفُلَان واحبطت عَمَلك وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة عَن انس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل ابْن آدم خطاء وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون وَقَالَ ان العَبْد اذا اذنب نكتت فِي قلبه نكته سَوْدَاء فَإِن تَابَ وَنزع واستغفر صقل قلبه وان زَاد فِيهَا حَتَّى تعلو قلبه فَذَلِك الران الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ كلا بل ران على

стр. 658

قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ سُورَة المطففين ١٤ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ابي مُوسَى عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ان الله يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسئ النَّهَار ويبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسئ اللَّيْل حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَهَذَا الْبَاب وَاسع وَالله تَعَالَى يقبل تَوْبَة العَبْد من جَمِيع الذُّنُوب الشّرك فَمَا دونه كَمَا قَالَ تَعَالَى يَا عبَادي الَّذين اسرفوا على انفسهم الاية سُورَة الزمر ٥٣ وَقَالَ ان الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ثمَّ لم يتوبوا الاية سُورَة البروج ١٠ وَقَالَ تَعَالَى فان تَابُوا واقاموا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فإخوانكم فِي الدّين سُورَة التَّوْبَة ١١

стр. 659

وَقَالَ تَعَالَى لقد كفر الَّذين قَالُوا ان الله ثَالِث ثَلَاثَة وَمَا من اله الا اله وَاحِد وان لم ينْتَهوا عَمَّا يَقُولُونَ ليمسن الَّذين كفرُوا مِنْهُم عَذَاب اليم افلا يتوبون الى الله ويستغفرونه وَالله غَفُور رَحِيم سُورَة الْمَائِدَة ٧٣ ٧٤ وَقَالَ قل للَّذين كفرُوا ان ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف سُورَة الانفال ٣٨ فَمن تَابَ من هَذِه الاعتقادات الْفَاسِدَة وَهُوَ استحلال شَيْء من الْمُحرمَات اَوْ التدين بِشَيْء مِنْهَا قبل الله تَوْبَته واما من اسْتحلَّ ذَلِك اَوْ تدين بِهِ وان لم يَفْعَله فَالَّذِي يفعل ذَلِك وَهُوَ مُعْتَقد للتَّحْرِيم خير مِنْهُ فَإِن هَذَا مُؤمن مذنب واما الاستحلال لَهَا والتدين بهَا فَهُوَ كفر فَأَما اهل الاباحة الَّذين لَا يحرمُونَ شَيْئا من الْفَوَاحِش وَغَيرهَا فَهَؤُلَاءِ كفار من اعظم النَّاس كفرا وَكَذَلِكَ استحلال التلو مثل من يظنّ ان قَوْله اَوْ مَا ملكت ايمانكم سُورَة النِّسَاء ٣ يتَنَاوَل الذكران اَوْ يظنّ قَوْله ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك سُورَة الْبَقَرَة ٢٢١ هُوَ فِي الموطوء لَا

стр. 660

فِي الزَّوْج اَوْ يظنّ ان ذَلِك يُبَاح فِي السّفر اَوْ بعد اربعين يَوْمًا اَوْ نَحْو ذَلِك فَهَذَا يكفر بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَمثل هَؤُلَاءِ قد يعاقبهم الله بِمَا عاقب بِهِ قوم لوط وَقد يحْشر مَعَهم لِأَن دينه دينهم بِخِلَاف الْمقر بِتَحْرِيم ذَلِك فَإِنَّهُ مُسلم واما التدين بذلك فَهُوَ اعظم من استحلاله وَهَؤُلَاء المتدينون مَا يكادون يتدينون بِنَفس فعل الْفَاحِشَة الْكُبْرَى وَلَكِن بمقدماتها من النّظر والتلذذ بِهِ والمباشرة والعشق للنسوان الاجانب وَالصبيان ويزعمون ان ذَلِك يصفي نُفُوسهم وارواحهم ويرقيهم الى الدَّرَجَات الْعَالِيَة وَفِيهِمْ من يزْعم انه يُخَاطب من تِلْكَ الصُّورَة وتتنزل عَلَيْهِ اسرار ومعارف وَفِيهِمْ من يترقى لغير ذَلِك فَيَقُول انه يتجلى لَهُ فِيهَا الْحَقَائِق وَرُبمَا زعم ان الله يحل فِيهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَقد يَسْجُدُونَ لَهَا وَمن هَؤُلَاءِ من يزْعم ان دحْيَة الْكَلْبِيّ كَانَ امردا وان جِبْرِيل كَانَ يَأْتِي النَّبِي ﷺ فِي صُورَة امرد وَيَقُول لَهُ مَا احب ان تَأتِينِي الا فِي صُورَة امرد وَفِيهِمْ من يتَأَوَّل قَوْله ﷺ رَأَيْت رَبِّي فِي

стр. 661

أحسن صُورَة وَفِي صُورَة كَذَا وَكَذَا وَيجْعَل الْأَمْرَد ربه وَهَؤُلَاء الحلولية والاتحادية مِنْهُم من يَخُصُّهُ بالصور الجميلة وَيَقُول مظَاهر الْجمال وَمِنْهُم من يَقُول بالاتحاد الْمُطلق والحلول الْمُطلق لَكِن هُوَ يتَّخذ لنَفسِهِ من الْمظَاهر مَا يُحِبهُ

стр. 662

فَهُوَ كَمَا الله تَعَالَى أرايت من أَتَّخِذ إلهه هَوَاهُ أفأنت تكون عَلَيْهِ وَكيلا سُورَة الْفرْقَان ٤٣ وَقَالَ أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ سُورَة الجاثية ٢٣ وَهَؤُلَاء يَجْعَل أحدهم معبود من جنس موطوئة وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا اباءنا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاءأتقولون على الله مَالا تعلمُونَ سُورَة الْأَعْرَاف قل إِنَّمَا حرم ربى الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن والاثم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مالم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن

стр. 663

تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ سُورَة الاعراف ٣٣ وَكثير من هَؤُلَاءِ انما يُنكر بِكَلَامِهِ اباحة ذَلِك التَّعَبُّد بِهِ وَلَكِن حَاله حَال من يتعبد بِهِ حَتَّى انهم يتواصون فِيمَا بَينهم بِأَن المريد السالك يَنْبَغِي ان يتَّخذ لنَفسِهِ صُورَة يجْتَمع عَلَيْهَا ثمَّ يترقى مِنْهَا الى الله اَوْ انه يُشَاهد فِيهَا الله فصل فِي الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر هُوَ الَّذِي انْزِلْ الله بِهِ

стр. 664

كتبه وارسل بِهِ رسله وَهُوَ من الدّين فان رِسَالَة الله اما اخبار واما انشاء فالاخبار عَن نَفسه وَعَن خلقه مثل التَّوْحِيد والقصص الَّذِي ينْدَرج فِيهِ الْوَعْد والوعيد والانشاء الامر وَالنَّهْي والاباحة وَهَذَا كَمَا ذكر فِي الحَدِيث ان قل هُوَ الله اُحْدُ سُورَة الاخلاص تعدل ثلث الْقُرْآن لتضمنها الثُّلُث الَّذِي هُوَ التَّوْحِيد لِأَن الْقُرْآن تَوْحِيد وامر وقصص وَقَوله سُبْحَانَهُ فِي صفة نَبينَا ﷺ يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث سُورَة الاعراف ١٥٧ هُوَ لبَيَان كَمَال رسَالَته فَإِنَّهُ ﷺ هُوَ الَّذِي امْر الله على

стр. 665

لِسَانه بِكُل مَعْرُوف وَنهى عَن كل مُنكر واحل كل طيب وَحرم كل خَبِيث وَلِهَذَا روى عَنهُ ﷺ انه قَالَ انما بعثت لاتمم مَكَارِم الاخلاق وَقَالَ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَنما مثلى وَمثل الانبياء كَمثل رجل بنى دَارا فأتمها وأكملها الا مَوضِع لبنة فَكَانَ النَّاس يطيفون بهَا ويعجبون من حسنها وَيَقُولُونَ

стр. 666

لَوْلَا مَوضِع اللبنة فَأَنا تِلْكَ اللبنة فبه أكمل الله الدّين المتضمن لِلْأَمْرِ بِكُل مَعْرُوف وَالنَّهْي عَن كل مُنكر واحلال كل طيب وَتَحْرِيم كل خَبِيث واما من كَانَ قبله من الرُّسُل فقد كَانَ يحرم على اممهم بعض الطَّيِّبَات كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فبظلم من الَّذين هادوا حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات احلت لَهُم سُورَة النِّسَاء ١٦٠ وَرُبمَا لم يحرم عَلَيْهِم جَمِيع الْخَبَائِث كَمَا قَالَ تَعَالَى كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني اسرائيل الا مَا حرم اسرائيل على نَفسه من قبل ان تنزل التَّوْرَاة سُورَة آل عمرَان ٩٣ وَتَحْرِيم الْخَبَائِث ينْدَرج فِي معنى النَّهْي عَن الْمُنكر كَمَا ان احلال الطَّيِّبَات ينْدَرج فِي معنى الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لِأَن تَحْرِيم الطَّيِّبَات هُوَ مِمَّا نهى الله عَنهُ وَكَذَلِكَ

стр. 667

الْأَمر بِجَمِيعِ الْمَعْرُوف وَالنَّهْي عَن كل مُنكر مِمَّا لم يتم الا للرسول الَّذِي تمم الله بِهِ مَكَارِم الاخلاق المندرجة فِي الْمعرفَة وَقد قَالَ الله تَعَالَى الْيَوْم اكملت لكم دينكُمْ واتممت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا سُورَة الْمَائِدَة فقد اكمل الله لنا الدّين واتم علينا النِّعْمَة وَرَضي لنا الاسلام دينا وَكَذَلِكَ وصف الله الامة بِمَا وصف بِهِ نبيها حَيْثُ قَالَ كُنْتُم خير امة اخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه سُورَة آل عمرَان ١١٠ وَقَالَ والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم اولياء بعض يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر سور التَّوْبَة ٧١ وَلِهَذَا قَالَ ابو هُرَيْرَة ﵁ كُنْتُم خير النَّاس

стр. 668

للنَّاس تأتون بهم فِي الاقياد والسلاسل حَتَّى تدخلوهم الْجنَّة فَبين الله سُبْحَانَهُ ان هَذِه الامة خير الامم للنَّاس فهم انفعهم لَهُم وأعظمهم أحسانا إِلَيْهِم لأَنهم كملوا أَمر النَّاس بِالْمَعْرُوفِ ونهيهم عَن الْمُنكر من جِهَة الصّفة وَالْقدر حَيْثُ امروا بِكُل مَعْرُوف ونهوا عَن كل مُنكر لكل اُحْدُ واقاموا ذَلِك بِالْجِهَادِ فِي سَبِيل الله بِأَنْفسِهِم واموالهم وَهَذَا كَمَال النَّفْع لِلْخلقِ وَسَائِر الامم لم يأمروا كل اُحْدُ بِكُل مَعْرُوف وَلَا نهوا كل اُحْدُ عَن كل مُنكر وَلَا جاهدوا على ذَلِك بل مِنْهُم من لم يجاهدوا وَالَّذين جاهدوا كبنى اسرائيل فغاية جهادهم كَانَ لدفع عدوهم من ارضهم كَمَا يُقَاتل الصَّائِل الظَّالِم لَا لدَعْوَة الْمُجَاهدين الى الْهدى وَالْخَيْر وَلَا لأمرهم بِالْمَعْرُوفِ

стр. 669

ونهيهم عَن الْمُنكر كَمَا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ياقوم ادخُلُوا الارض المقدسة الَّتِي كتب الله لكم وَلَا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين قَالُوا يَا مُوسَى ان فِيهَا قوما جبارين وانا لن ندْخلهَا حَتَّى يخرجُوا مِنْهَا فَإِن يخرجُوا مِنْهَا فَإنَّا داخلون الى قَوْله فَاذْهَبْ انت وَرَبك فَقَاتلا انا هَا هُنَا قَاعِدُونَ سُورَة الْمَائِدَة ٢٤٢١ وكما قَالَ تَعَالَى الم تَرَ الى الملا من بني اسرائيل من بعد مُوسَى اذ قَالُوا لنَبِيّ لَهُم ابْعَثْ لنا ملكا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله قَالَ هَل عسيتم ان كتب عَلَيْكُم الْقِتَال الا تقاتلوا قَالُوا وَمَا لنا الا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله وَقد اخرجنا من دِيَارنَا وابنائنا سُورَة الْبَقَرَة ٢٤٦ فعللوا الْقِتَال بِأَنَّهُم اخْرُجُوا من دِيَارهمْ وابنائهم وَمَعَ هَذَا كَانُوا ناكلين عَمَّا امروا بِهِ من ذَلِك وَلِهَذَا لم تحل الْغَنَائِم لَهُم وَلم يَكُونُوا يطؤون بِملك الْيَمين

стр. 670

وَمَعْلُوم ان اعظم الامم الْمُؤمنِينَ قبلنَا هم بَنو اسرائيل كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ خرج علينا النَّبِي ﷺ فَقَالَ عرضت على البارحة الانبياء بأممهم فَجعل يمر النَّبِي وَمَعَهُ الرجل وَالنَّبِيّ مَعَه الرّجلَانِ وَالنَّبِيّ مَعَه الرَّهْط وَالنَّبِيّ لَيْسَ مَعَه اُحْدُ وَرَأَيْت سوادا كثيرا سد الْأُفق وَفِي رِوَايَة فَإِذا الطَّرِيق ممتلئة بِالرِّجَالِ فرجوت ان يكون امتي فَقلت هَذِه امتي فَقيل هَذَا مُوسَى فِي بني اسرئيل وَلَكِن انْظُر هَكَذَا وَهَكَذَا
следующие страницы →