Полный текст (813 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَذَلِك الْعَذَاب ولعذاب الْآخِرَة أكبر﴾ سُورَة الْقَلَم ٣٣
وَقَالَ ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم﴾ سُورَة التَّوْبَة ١٠١ وَقَالَ ﴿ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ سُورَة السَّجْدَة ٢١ وَقَالَ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ سُورَة الدُّخان ١٠ الى قَوْله ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى إِنَّا منتقمون﴾ سُورَة الدُّخان ١٦
وَلِهَذَا يذكر الله فِي عَامَّة سور الانذار مَا عاقب بِهِ اهل السَّيِّئَات فِي الدُّنْيَا وَمَا اعده لَهُم فِي الاخرة وَقد يذكر فِي السُّورَة وعد الاخرة فَقَط اذ عَذَاب الاخرة اعظم وثوابها اعظم وَهِي دَار الْقَرار وانما يذكر مَا يذكرهُ من الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي الدُّنْيَا تبعا
كَقَوْلِه فِي قصَّة يُوسُف ﴿وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الأَرْض يتبوأ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نصيب برحمتنا من نشَاء وَلَا نضيع أجر﴾
стр. 702
﴿الْمُحْسِنِينَ ولأجر الْآخِرَة خير للَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ سُورَة يُوسُف ٥٦ ٥٧
وَقَالَ ﴿فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة﴾ سُورَة آل عمرَان ١٤٨
وَقَالَ وَالَّذين هَاجرُوا فِي الله من بعد مَا ظلمُوا لنبؤئنهم فِي الدُّنْيَا حَسَنَة ولأجرة الاخرة اكبر لَو كَانُوا يعلمُونَ الَّذين صَبَرُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ سُورَة النَّحْل ٤١ ٤٢ وَقَالَ عَن ابراهيم ﵊ ﴿وَآتَيْنَاهُ أجره فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ سُورَة العنكبوت ٢٧
واما ذكره لعقوبة الدُّنْيَا والاخرة فَفِي مثل والنازعات غرقا والناشطات نشطا سُورَة النازعات ٢٠١ ثمَّ قَالَ يَوْم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة سُورَة النازعات فَذكر القيامه مُطلقًا
ثمَّ قَالَ هَل اتاك حَدِيث مُوسَى اذ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى اذْهَبْ الى فِرْعَوْن انه طَغى سُورَة النازعات ١٥
стр. 703
١٧ - الى قَوْله ﴿إِن فِي ذَلِك لعبرة لمن يخْشَى﴾ سُورَة النازعات ٢٦
ثمَّ ذكر المبدأ اَوْ الْمعَاد مفصلا فَقَالَ ﴿أأنتم أَشد خلقا أم السَّمَاء بناها﴾ الى قَوْله ﴿فَإِذا جَاءَت الطامة الْكُبْرَى﴾ سُورَة النازعات ٣٤ الى قَوْله تَعَالَى فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن الْجَحِيم هِيَ المأوى وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى سُورَة النازعات ٣٧ ٤١ الى آخر السُّورَة
وَكَذَلِكَ فِي المزمل ذكر قَوْله وذرنى والمكذبين اولى النِّعْمَة ومهلهم قَلِيلا ان لدينا انكالا وَجَحِيمًا سُورَة المزمل ١١ ١٢ الى قَوْله ﴿فأخذناه أخذا وبيلا﴾ سُورَة المزمل ١٦
وَكَذَلِكَ فِي سُورَة الحاقة ذكر قصَص الامم كثمود وَعَاد وَفرْعَوْن ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا نفخ فِي الصُّور نفخة وَاحِدَة﴾
стр. 704
﴿وحملت الأَرْض وَالْجِبَال فدكتا دكة وَاحِدَة﴾ سُورَة الحاقة ١٣ ١٤ الى تَمام مَا ذكره من امْر الْجنَّة وَالنَّار
وَكَذَلِكَ فِي سُورَة ن والقلم ذكر قصَّة اهل الْبُسْتَان الَّذين منعُوا حق اموالهم وَمَا عاقبهم بِهِ ثمَّ قَالَ ﴿كَذَلِك الْعَذَاب ولعذاب الْآخِرَة أكبر لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ سُورَة الْقَلَم ٣٣
وَكَذَلِكَ فِي سُورَة التغابن قَالَ ألم يأتكم نبأ الَّذين كفرُوا من قبل فذاقوا وبال امرهم وَلَهُم عَذَاب اليم ذَلِك بِأَنَّهُ كَانَت تأتيهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا اُبْشُرْ يهدوننا فَكَفرُوا وتولوا وَاسْتغْنى الله وَالله غَنِي حميد سُورَة التغابن ٥ ٦ ثمَّ قَالَ ﴿زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا قل بلَى وربي لتبعثن﴾ سُورَة التغابن ٧ وَكَذَلِكَ فِي سُورَة ق ذكر حَال الْمُخَالفين للرسل وَذكر الْوَعْد والوعيد فِي الاخرة
وَكَذَلِكَ فِي سُورَة الْقَمَر ذكر هَذَا وَهَذَا وَكَذَلِكَ فِي ال حم مثل حم غَافِر والسجدة والزخرف وَالدُّخَان غير ذَلِك الى
стр. 705
غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى فَإِن التَّوْحِيد والوعد والوعيد من اول مَا انْزِلْ
كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن يُوسُف بن مَاهك قَالَ اني عِنْد عَائِشَة ام الْمُؤمنِينَ ﵂ اذا جاءها عراقي فَقَالَ أَي الْكَفَن خير قَالَت وَيحك وَمَا يَضرك قَالَ يَا ام الْمُؤمنِينَ اريني مصحفك قَالَت لم قَالَ لعَلي أؤلف الْقُرْآن عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يقْرَأ غير مؤلف قَالَت وَمَا يَضرك ايه قَرَأت قبل انما نزل اول مَا نزل مِنْهُ سُورَة من الْمفصل فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار حَتَّى اذا ثاب النَّاس الى الاسلام نزل الْحَلَال وَالْحرَام وَلَو نزل اول شَيْء لَا تشْربُوا الْخمر لقالوا لَا نَدع الْخمر ابدا وَلَو نزل لَا تَزْنُوا لقالوا لَا نَدع الزِّنَا ابدا لقد نزل بِمَكَّة على مُحَمَّد ﷺ واني لجارية العب ﴿بل السَّاعَة موعدهم والساعة أدهى﴾
стр. 706
﴿وَأمر﴾ سُورَة الْقَمَر ٤٦ وَمَا نزلت سُورَة الْبَقَرَة وَالنِّسَاء الا وانا عِنْده قَالَ فأخرجت لَهُ الْمُصحف فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آي السُّور
واذا كَانَ الْكفْر والفسوق والعصيان سَبَب الشَّرّ والعدوان فقد ينْدب الرجل أَو الطَّائِفَة ويسكت أخرون عَن الامر وَالنَّهْي فَيكون ذَلِك من ذنوبهم وينكر عَلَيْهِم اخرون انكارا مَنْهِيّا عَنهُ فَيكون ذَلِك من ذنوبهم فَيحصل التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف وَالشَّر وَهَذَا من اعظم الْفِتَن والشرور قَدِيما وحديثا اذ الانسان ظلوم جهول وَالظُّلم وَالْجهل انواع فَيكون ظلم الاول وجهله من نوع وظلم كل من الثَّانِي وَالثَّالِث وجهلهما من نوع اخر واخر
وَمن تدبر الْفِتَن الْوَاقِعَة رأى سَببهَا ذَلِك وَرَأى ان مَا وَقع بَين امراء الْأمة وعلمائها وَمن دخل فِي ذَلِك من مُلُوكهَا ومشايخها وَمن تَبِعَهُمْ من الْعَامَّة من الْفِتَن هَذَا اصلها
стр. 707
يدْخل فِي ذَلِك اسباب الضلال والغي الَّتِي هِيَ الاهواء الدِّينِيَّة والشهوانية وَهِي الْبدع فِي الدّين والفجور فِي الدُّنْيَا
وَذَلِكَ ان اسباب الضلال والغي الَّتِي هِيَ الْبدع فِي الدّين والفجور فِي الدُّنْيَا مُشْتَركَة تعم بني آدم لما فيهم من الظُّلم وَالْجهل فبذنب بعض النَّاس يظلم نَفسه وَغَيره بِفعل الزِّنَا اَوْ التلوط اَوْ غَيره اَوْ بِشرب خمر اَوْ ظلم فِي المَال بِجِنَايَة اَوْ سَرقَة اَوْ غصب وَنَحْو ذَلِك
وَمَعْلُوم ان هَذِه الْمعاصِي وان كَانَت مستقبحة مذمومة فِي الْعقل وَالدّين فَهِيَ مشتهاة فِي الطباع ايضا وَمن شَأْن النُّفُوس انها لَا تحب اخْتِصَاص غَيرهَا بِشَيْء وزيادته عَلَيْهَا لَكِن تُرِيدُ
стр. 708
ان يحصل لَهَا مَا حصل لَهُ وَهَذَا هُوَ الْغِبْطَة الَّتِي هِيَ ادنى نَوْعي الْحَسَد فَهِيَ تُرِيدُ الاستعلاء على الْغَيْر والاستئثار دونه اَوْ تحسده وتتمنى زَوَال النِّعْمَة عَنهُ وان لم يحصل فَفِيهَا من إِرَادَة الْعُلُوّ وَالْفساد والاستكبار والحسد مَا مُقْتَضَاهُ انها تخْتَص عَن غَيرهَا بالشهوات فَكيف اذا رَأَتْ الْغَيْر قد اسْتَأْثر عَلَيْهَا بذلك واختص بهَا دونهَا
فالمعتدل مِنْهُم فِي ذَلِك الَّذِي يحب الِاشْتِرَاك والتساوي واما الاخر فظلوم حسود وَهَذَانِ يقعان فِي الامور الْمُبَاحَة والامور الْمُحرمَة لحق الله فَمَا كَانَ جنسه مُبَاحا من اكل وَشرب وَنِكَاح ولباس وركوب واموال اذا وَقع فِيهَا الِاخْتِصَاص حصل بِسَبَبِهِ الظُّلم وَالْبخل والحسد واصلها الشُّح
كَمَا فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ إيَّاكُمْ وَالشح فان الشُّح اهلك من كَانَ قبلكُمْ امرهم بالبخل فبخلوا وامرهم بالظلم فظلموا وامرهم بالقطيعة فَقطعُوا
стр. 709
وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى فِي وصف الانصار وَالَّذين تبوأوا الدَّار والايمان من قبلهم أَي من قبل الْمُهَاجِرين ﴿وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا﴾ سُورَة الْحَشْر ٩ أَي لَا يَجدونَ الْحَسَد مِمَّا اوتي اخوانهم من الْمُهَاجِرين ﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ سُورَة الْحَشْر ٩
ثمَّ قَالَ ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ سُورَة التغابن ١٦
ورؤى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف يطوف بِالْبَيْتِ وَيَقُول رب قنى شح نَفسِي رب قني شح نَفسِي رب قنى شح نَفسِي فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ اذا وقيت شح نَفسِي فقد وقيت الْبُخْل وَالظُّلم والقطيعة اَوْ كَمَا قَالَ
فَهَذَا الشُّح الَّذِي هُوَ شدَّة حرص النَّفس يُوجب الْبُخْل بِمَنْع
стр. 710
مَا هُوَ عَلَيْهِ وَالظُّلم بِأخذ مَال الْغَيْر وَيُوجب قطيعة الرَّحِم وَيُوجب الْحَسَد وَهُوَ كَرَاهَة مَا اخْتصَّ بِهِ الْغَيْر وَتمنى زَوَاله والحسد فِيهِ بخل وظلم فانه بخل بِمَا اعطيه عَن غَيره وظلمه بِطَلَب زَوَال ذَلِك عَنهُ
فَإِذا كَانَ هَذَا فِي جنس الشَّهَوَات الْمُبَاحَة فَكيف بالمحرمة كَالزِّنَا وَشرب الْخمر وَنَحْو ذَلِك واذا وَقع فِيهَا اخْتِصَاص فَإِنَّهُ يصير فِيهَا نَوْعَانِ
أَحدهمَا احدهما بغضها لما فِي ذَلِك من الِاخْتِصَاص وَالظُّلم كَمَا يَقع فِي الامور الْمُبَاحَة الْجِنْس
أَحدهمَا وَالثَّانِي بغضها لما فِي ذَلِك من حق الله وَلِهَذَا كَانَت الذُّنُوب ثَلَاثَة أَقسَام
احدها مَا فِيهِ ظلم للنَّاس كالظلم بِأخذ الْأَمْوَال وَمنع
стр. 711
الْحُقُوق والحسد وَنَحْو ذَلِك
وَالثَّانِي مَا فِيهِ ظلم للنَّفس فَقَط كشرب الْخمر وَالزِّنَا اذا لم يَتَعَدَّ ضررهما
وَالثَّالِث مَا يجْتَمع فِيهِ الْأَمْرَانِ مثل ان يَأْخُذ المتولى أَمْوَال النَّاس يزنى بهَا وَيشْرب بهَا الْخمر وَمثل ان يَزْنِي بِمن يرفعهُ على النَّاس بذلك السَّبَب ويضرهم كَمَا يَقع مِمَّن يحب بعض النِّسَاء وَالصبيان
وَقد قَالَ الله تَعَالَى قل انما حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن والاثم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وان تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وان تَقولُوا على الله مَالا تعلمُونَ سُورَة الاعراف ٣٣
وامور النَّاس انما تستقيم فِي الدُّنْيَا مَعَ الْعدْل الَّذِي قد
стр. 712
يكون فِيهِ الِاشْتِرَاك فِي بعض انواع الْإِثْم اكثر مِمَّا تستقيم مَعَ الظُّلم فِي الْحُقُوق وان لم يشْتَرك فِي اثم
وَلِهَذَا قيل ان الله يُقيم الدولة العادلة وان كَانَت كَافِرَة وَلَا يُقيم الظالمة وان كَانَت مسلمة وَيُقَال الدُّنْيَا تدوم مَعَ الْعدْل وَالْكفْر وَلَا تدوم مَعَ الظُّلم والاسلام
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ لَيْسَ ذَنْب اسرع عُقُوبَة من الْبَغي وَقَطِيعَة الرَّحِم فالباغي يصرع فِي الدُّنْيَا وان كَانَ مغفورا لَهُ مرحوما فِي الاخرة
وَذَلِكَ ان الْعدْل نظام كل شَيْء فَإِذا اقيم امْر الدُّنْيَا بِالْعَدْلِ قَامَت وَإِن لم يكن لصَاحِبهَا فِي الأخرة من خلاق
стр. 713
وَمَتى لم تقم بِالْعَدْلِ لم تقم وان كَانَ لصَاحِبهَا من الايمان مَا يَجْزِي بِهِ فِي الاخرة فَالنَّفْس فِيهَا دَاعِي الظُّلم لغَيْرهَا بالعلو عَلَيْهِ الْحَسَد لَهُ والتعدي عَلَيْهِ فِي حَقه وفيهَا دَاعِي الظُّلم لنَفسهَا بتناول الشَّهَوَات القبيحة كَالزِّنَا وَأكل الْخَبَائِث فَهِيَ قد تظلم من لَا يظلمها وتؤثر هَذِه الشَّهَوَات وان لم يَفْعَلهَا غَيرهَا فَإِذا رَأَتْ نظراءها قد ظلمُوا اَوْ تناولوا هَذِه الشَّهَوَات صَار دَاعِي هَذِه الشَّهَوَات اَوْ الظُّلم فِيهَا اعظم بِكَثِير وَقد تصبر ويهيج ذَلِك لَهَا من بغض ذَلِك الْغَيْر وحسده وَطلب عِقَابه وَزَوَال الْخَيْر عَنهُ مَا لم يكن فِيهَا قبل ذَلِك وَلها حجَّة عِنْد نَفسهَا من جِهَة الْعقل وَالدّين بِكَوْن ذَلِك الْغَيْر قد ظلم نَفسه وَالْمُسْلِمين وان امْرَهْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر وَاجِب وَالْجهَاد على ذَلِك من الدّين
стр. 714
وَالنَّاس هُنَا ثَلَاثَة اقسام قوم لَا يقومُونَ إِلَّا فِي اهواء نُفُوسهم فَلَا يرضون الا بِمَا يعطونه وَلَا يغضبون الا لما يحرمونه فَإِذا اعطى احدهم مَا يشتهيه من الشَّهَوَات الْحَلَال اَوْ الْحَرَام زَالَ غَضَبه وَحصل رِضَاهُ وَصَارَ الْأَمر الَّذِي كَانَ عِنْده مُنْكرا ينْهَى عَنهُ ويعاقب عَلَيْهِ ويذم صَاحبه ويغضب عَلَيْهِ مرضيا عَنهُ وَصَارَ فَاعِلا لَهُ وشريكا فِيهِ ومعاونا عَلَيْهِ ومعاديا لمن ينْهَى عَنهُ وينكر عَلَيْهِ
وَهَذَا غَالب فِي بني آدم يرى الانسان وَيسمع من ذَلِك مَا لَا يُحْصِيه الا الله وَسَببه ان الانسان ظلوم جهول فَلذَلِك لَا يعدل بل رُبمَا كَانَ ظَالِما فِي الْحَالين يرى قوما يُنكرُونَ على المتولى ظلمه لرعيته واعتداءه عَلَيْهِم فيرضى اولئك
стр. 715
المنكرين بِبَعْض الشَّيْء من منصب اَوْ مَال فينقلبون اعوانا لَهُ واحسن احوالهم ان يسكنوا عَن الانكار عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ تراهم يُنكرُونَ على من يشرب الْخمر ويزني وَيسمع الملاهي حَتَّى يدخلُوا احدهم مَعَهم فِي ذَلِك اَوْ يرضوه بِبَعْض ذَلِك فتراه حِينَئِذٍ قد صَار عونا لَهُم
وَهَؤُلَاء قد يعودون بإنكارهم الى اقبح من الْحَال الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا وَقد يعودون الى مَا هُوَ دون ذَلِك اَوْ نَظِيره
وَقوم يقومُونَ قومه ديانَة صَحِيحَة يكونُونَ فِي ذَلِك مُخلصين لله مصلحين فِيمَا عملوه ويستقيم لَهُم ذَلِك حَتَّى يصبروا على مَا اوذوا فَهَؤُلَاءِ هم الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وهم من خير امة اخرجت للنَّاس يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويؤمنون بِاللَّه
стр. 716
وَقوم يجْتَمع فيهم هَذَا وَهَذَا وهم غَالب الْمُؤمنِينَ فَمن فِيهِ دين وَله شَهْوَة تَجْتَمِع فِي قُلُوبهم ارادة الطَّاعَة وارادة الْمعْصِيَة وَرُبمَا غلب هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة
وَهَذِه الْقِسْمَة الثلاثية كَمَا قيل الانفس ثَلَاث امارة ومطمئنة ولوامة فالأولون هم اهل الانفس الامارة الَّتِي تَأْمُرهُمْ بالسوء والأوسطون هم اهل النُّفُوس المطمئنة الَّتِي قيل فِيهَا يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي الي رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي سُورَة الْفجْر ٢٧ ٣٠
والاخرون هم اهل النُّفُوس اللوامة الَّتِي تفعل الذَّنب ثمَّ تلوم عَلَيْهِ وتتلوم تَارَة كَذَا وَتارَة كَذَا اَوْ تخلط عملا صَالحا وَأخر سَيِّئًا وَهَؤُلَاء يُرْجَى ان يَتُوب عَلَيْهِم اذا اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ كَمَا
стр. 717
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة التَّوْبَة ١٠٢
وَلِهَذَا لما كَانَ النَّاس فِي زمن ابي بكر وَعمر اللَّذين امْر الْمُسلمُونَ بالاقتداء بهما كَمَا قَالَ ﷺ اقتدوا باللذين من بعدِي ابي بكر وَعمر اقْربْ عهدا بالرسالة وَأعظم ايمانا وصلاحا وأئمتهم اقوم بِالْوَاجِبِ واثبت فِي الطُّمَأْنِينَة لم تقع فتْنَة اذ كَانُوا فِي حكم الْقسم الْوسط
وَلما كَانَ فِي اخر خلَافَة عُثْمَان فِي خلَافَة على رَضِي الله
стр. 718
عَنْهُمَا كثر الْقسم الثَّالِث فَصَارَ فيهم شَهْوَة وشبهة مَعَ الايمان وَالدّين وَصَارَ ذَلِك فِي بعض الْوُلَاة وَبَعض الرعايا ثمَّ كثر ذَلِك بعد فَنَشَأَتْ الْفِتْنَة الَّتِي سَببهَا مَا تقدم من عدم تمحيص التَّقْوَى وَالطَّاعَة فِي الطَّرفَيْنِ واختلاطما بِنَوْع من الْهوى والعصبية فِي الطكرفين وكل مِنْهُمَا متأول أَنه يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر وان مَعَه الْحق وَالْعدْل وَمَعَ هَذَا التَّأْوِيل نوع من الْهوى فَفِيهِ نوع من الظَّن وَمَا تهوى الانفس وان كَانَت احدى الطَّائِفَتَيْنِ اولى بِالْحَقِّ من الاخرى فَلهَذَا يجب على الْمُؤمن ان يَسْتَعِين بِاللَّه ويتوكل عَلَيْهِ فِي ان يُقيم قلبه وَلَا يزيغه ويثبته على الْهدى وَالتَّقوى وَلَا يتبع الْهوى
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلذَلِك فَادع واستقم كَمَا أمرت وَلَا تتبع أهواءهم وَقل آمَنت بِمَا أنزل الله من كتاب وَأمرت لأعدل بَيْنكُم﴾
стр. 719
﴿الله رَبنَا وربكم﴾ سُورَة الشورى ١٥ وَهَذَا ايضا حَال الامة فِيمَا تَفَرَّقت فِيهِ وَاخْتلفت فِي المقالات والعبادات
وَهَذِه الامور مِمَّا تعظم بهَا المحنة على الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُم يَحْتَاجُونَ الى شَيْئَيْنِ الى دفع الْفِتْنَة الَّتِي ابتلى بهَا نظراؤهم من فتْنَة الدّين وَالدُّنْيَا عَن نُفُوسهم مَعَ قيام الْمُقْتَضى لَهَا فَإِن مَعَهم نفوسا وشياطين كَمَا مَعَ غَيرهم
فَمَعَ وجود ذَلِك من نظرائهم يقوى الْمُقْتَضى عِنْدهم كَمَا هُوَ الْوَاقِع فيقوى الدَّاعِي الَّذِي فِي نفس الانسان وشيطانه ودواعي الْخَيْر كَذَلِك وَمَا يحصل من الدَّاعِي بِفعل الْغَيْر والنظير
فكم من النَّاس لم يرد خيرا وَلَا شرا حَتَّى رأى غَيره
стр. 720
لَا سِيمَا ان كَانَ نَظِيره يَفْعَله فَفعله فَإِن النَّاس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بَعضهم بِبَعْض
وَلِهَذَا كَانَ الْمُبْتَدِئ بِالْخَيرِ وبالشر لَهُ مثل من تبعه من الاجر والوزر كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ اجرها واجر من عمل بهَا الى يَوْم الْقِيَامَة من غير ان ينقص من اجورهم شَيْئا وَمن سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ وزرها ووزر من عمل بهَا الى يَوْم الْقِيَامَة من غير ان ينقص من اوزارهم شَيْئا وَذَلِكَ لاشتراكهم فِي الْحَقِيقَة وان حكم الشَّيْء حكم نَظِيره وشبيه الشَّيْء منجذب اليه
فَإِذا كَانَ هَذَانِ داعيين قويين فَكيف اذا انْضَمَّ اليهما داعيان اخران
стр. 721
وَذَلِكَ ان كثيرا من اهل الْمُنكر يحبونَ من يوافقهم على مَا هم فِيهِ ويبغضون من لَا يوافقهم وَهَذَا ظَاهر فِي الديانَات الْفَاسِدَة من مُوالَاة كل قوم لموافقيهم ومعاداتهم لمخالفيهم وَكَذَلِكَ فِي امور الدُّنْيَا والشهوات كثيرا مَا يخْتَار اهلها ويؤثرون من يشاركهم فِي امورهم وشهواتهم اما للمعاونة على ذَلِك كَمَا فِي المتغلبين من اهل الرياسات وقطاع الطَّرِيق وَنَحْو ذَلِك واما لتلذذهم بالموافقة كَمَا فِي المجتمعين على شرب الْخمر مثلا فَإِنَّهُم يحبونَ ان يشرب كل من حضر عِنْدهم واما لكراهتهم امتيازه عَنْهُم بِالْخَيرِ اما حسدا لَهُ على ذَلِك وَمَا لِئَلَّا يَعْلُو عَلَيْهِم بذلك ويحمد دونهم وَإِمَّا لِئَلَّا يكون لَهُ عَلَيْهِم حجَّة وَإِمَّا لخوفهم من معاقبته لَهُم بِنَفسِهِ اَوْ بِمن يرفع ذَلِك اليهم وَلِئَلَّا
стр. 722
يَكُونُوا تَحت منته وحظره وَنَحْو ذَلِك من الاسباب
قَالَ الله تَعَالَى ﴿ود كثير من أهل الْكتاب لَو يردونكم من بعد إيمَانكُمْ كفَّارًا حسدا من عِنْد أنفسهم من بعد مَا تبين لَهُم الْحق﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٠٩ وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقين ﴿ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا فتكونون سَوَاء﴾ سُورَة النِّسَاء ٨٩ وَقَالَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ ودت الزَّانِيَة لَو زنى النِّسَاء كُلهنَّ
والمشاركة قد يختارونها فِي نفس الْفُجُور كالاشتراك فِي شرب الْخمر وَالْكذب والاعتقاد الْفَاسِد وَقد يختارونها فِي النَّوْع الثَّانِي كالزاني الَّذِي يود ان غَيره يَزْنِي اَوْ السَّارِق الَّذِي يود ان غَيره يسرق لَكِن فِي غير الْعين الَّتِي زنى بهَا اَوْ سَرَقهَا
وَأما الدَّاعِي الثَّانِي فقد يأمرون الشَّخْص بمشاركتهم فِيمَا هم
стр. 723
عَلَيْهِ من الْمُنكر فَإِن شاركهم والا عادوه وآذوه على وَجه قد يَنْتَهِي الى حد الاكراه اَوْ لَا يَنْتَهِي الى حد الاكراه
ثمَّ ان هَؤُلَاءِ الَّذين يختارون مُشَاركَة الْغَيْر لَهُم فِي قَبِيح فعلهم اَوْ يأمرونه بذلك ويستعينون بِهِ على مَا يريدونه مَتى شاركهم وعاونهم واطاعهم انتقصوه واستخفوا بِهِ وَجعلُوا ذَلِك حجَّة عَلَيْهِ فِي امور اخرى وان لم يشاركهم عادوه وآذوه وَهَذِه حَال غَالب الظَّالِمين القادرين
وَهَذَا الْمَوْجُود فِي الْمُنكر مَوْجُود نَظِيره فِي الْمَعْرُوف وابلغ مِنْهُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٦٥ فَإِن دَاعِي الْخَيْر اقوى فَإِن الانسان فِيهِ دَاع يَدعُوهُ الى الايمان وَالْعلم الصدْق وَالْعدْل واداء الامانة فاذا وجد من يعْمل مثل ذَلِك صَار لَهُ دَاع اخر لَا سِيمَا اذا كَانَ نَظِيره لَا سِيمَا مَعَ المنافسة وَهَذَا مَحْمُود حسن فَإِن وجد من يحب مُوَافَقَته على ذَلِك ومشاركته لَهُ من الْمُؤمنِينَ وَالصَّالِحِينَ وَمن يبغضه اذا لم يفعل
стр. 724
ذَلِك صَار لَهُ دَاع ثَالِث فَإِذا امروه بذلك ووالوه على ذَلِك وعادوه وعاقبوه على تَركه صَار لَهُ دَاع رَابِع
وَلِهَذَا يُؤمر الْمُؤْمِنُونَ ان يقابلوا السَّيِّئَات بضدها من الْحَسَنَات كَمَا يُقَابل الطَّبِيب الْمَرَض بضده فَيُؤْمَر الْمُؤمن بِأَن يصلح نَفسه وَذَلِكَ بشيئين بِفعل الْحَسَنَات وبترك السَّيِّئَات وَهَذِه اربعة انواع
وَيُؤمر ايضا بإصلاح غَيره بِهَذِهِ الانواع الاربعة بِحَسب قدرته وامكانه قَالَ تَعَالَى وَالْعصر ان الانسان لفي خسر الا الَّذين امنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ سُورَة الْعَصْر ١ ٣
وروى عَن الشَّافِعِي ﵁ انه قَالَ لَو فكر النَّاس كلهم فِي سُورَة الْعَصْر لكفتهم وَهُوَ كَمَا قَالَ
стр. 725
فَإِن الله تَعَالَى اخبر فِيهَا ان جَمِيع النَّاس خاسرون الا من كَانَ فِي نَفسه مُؤمنا صَالحا وَمَعَ غَيره موصيا بِالْحَقِّ موصيا بِالصبرِ
واذا عظمت المحنة كَانَ ذَلِك لِلْمُؤمنِ الصَّالح سَببا لعلو الدرجَة وعظيم الاجر كَمَا سُئِلَ النَّبِي ﷺ اي النَّاس اشد بلَاء قَالَ الانبياء ثمَّ الصالحون ثمَّ الامثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فَإِن كَانَ فِي دينه صلابة زيد فِي بلائه وان كَانَ فِي دينه رقة خفف عَنهُ وَمَا يزَال الْبلَاء بِالْمُؤمنِ حَتَّى يمشي على وَجه الارض وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَة وَحِينَئِذٍ فَيحْتَاج من الصَّبْر الى مَا لَا يحْتَاج اليه غَيره وَذَلِكَ هُوَ سَبَب
стр. 726
الامامة فِي الدّين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يوقنون﴾ سُورَة السَّجْدَة ٢٤
فَلَا بُد من الصَّبْر على فعل الْحسن الْمَأْمُور وَترك السيء الْمَحْظُور وَيدخل فِي ذَلِك الصَّبْر على الاذى وعَلى مَا يُقَال وَالصَّبْر على مَا يُصِيبهُ من المكاره وَالصَّبْر عَن البطر عِنْد النعم وَغير ذَلِك من انواع الصَّبْر
وَلَا يُمكن العَبْد ان يصبر ان لم يكن لَهُ مَا يطمئن لَهُ ويتنعم بِهِ ويغتذى بِهِ وَهُوَ الْيَقِين
كَمَا فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ ابو بكر الصّديق ﵁ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ يَا ايها النَّاس سلوا الله الْيَقِين والعافية فانه لم يُعْط اُحْدُ بعد الْيَقِين خيرا من الْعَافِيَة فسلوهما الله
стр. 727
وَكَذَلِكَ اذا امْر غَيره بِحسن اَوْ احب مُوَافَقَته لَهُ على ذَلِك اَوْ نهى غَيره عَن شَيْء فَيحْتَاج ان يحسن الى ذَلِك الْغَيْر إحسانا يحصل بِهِ مَقْصُود من حُصُول المحبوب واندفاع الْمَكْرُوه فَإِن النُّفُوس لَا تصبر على المر الا بِنَوْع من الحلو لَا يُمكن غير ذَلِك
وَلِهَذَا امْر الله تَعَالَى بتأليف الْقُلُوب حَتَّى جعل للمؤلفة قُلُوبهم نَصِيبا فِي الصَّدقَات وَقَالَ تَعَالَى لنَبيه ﷺ ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ سُورَة الاعراف ١٩٩ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَتَوَاصَوْا بالمرحمة﴾ سُورَة الْبَلَد ١٧ فَلَا بُد ان يصبر وان يرحم وَهَذَا هُوَ الشجَاعَة وَالْكَرم
وَلِهَذَا يقرن الله تَعَالَى بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة تَارَة وَهِي
стр. 728
الاحسان الى الْخلق وَبَينهَا وَبَين الصَّبْر تَارَة
وَلَا بُد من الثَّلَاثَة الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّبْر لَا تقوم مصلحَة الْمُؤمنِينَ الا بذلك فِي صَلَاح نُفُوسهم واصلاح غَيرهم لَا سِيمَا كلما قويت الْفِتْنَة والمحنة فَإِن الْحَاجة الى ذَلِك تكون اشد فالحاجة الى السماحة وَالصَّبْر عَامَّة لجَمِيع بنى آدم لَا تقوم مصلحَة دينهم وَلَا ديناهم الا بهما
وَلِهَذَا فَإِن جَمِيعهم يتمادحون بالشجاعة وَالْكَرم حَتَّى ان ذَلِك عَامَّة مَا يمدح بِهِ الشُّعَرَاء ممدوحيهم فس شعرهم وَكَذَلِكَ يتذامون بالبخل والجبن
والقضايا الَّتِي يتَّفق عَلَيْهَا عقلاء بني آدم لَا تكون الا حَقًا كاتفاقهم على مدح الصدْق وَالْعدْل وذم الْكَذِب وَالظُّلم
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ لما سَأَلَهُ الاعراب
стр. 729
حَتَّى اضطروه الى سَمُرَة فتعلقت بردائه فَالْتَفت اليهم وَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو ان عِنْدِي عدد هَذِه الْعضَاة نعما لقسمته عَلَيْكُم ثمَّ لَا تجدوني بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كذوبا
وَلَكِن يتنوع ذَلِك بتنوع الْمَقَاصِد وَالصِّفَات فَإِنَّمَا الاعمال بِالنِّيَّاتِ وانما لكل امْرِئ من نوى وَلِهَذَا جَاءَ الْكتاب وَالسّنة بذم الْبُخْل والجبن ومدح الشجَاعَة والسماحة فِي سَبِيل الله دون مَا لَيْسَ فِي سَبيله
فَقَالَ النَّبِي ﷺ شَرّ مَا فِي الْمَرْء شح هَالِع
стр. 730
وَجبن خَالع وَقَالَ النَّبِي ﷺ من سيدكم يَا بني سَلمَة فَقَالُوا الْجد بن قيس على انا نزنه بالبخل فَقَالَ وَأي دَاء أدوى من الْبُخْل وَفِي رِوَايَة ان السَّيِّد لَا يكون بَخِيلًا بل سيدكم الابيض الْجَعْد بشر بن الْبَراء بن معْرور
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيح قَول جَابر بن عبد الله لأبي بكر الصّديق ﵄ اما ان تُعْطِينِي واما ان تبخل عني فَقَالَ تَقول واما ان تبخل عني واي دَاء ادوى من الْبُخْل فَجعل الْبُخْل من اعظم الامراض
стр. 731
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سلمَان بن ربيعَة قَالَ قَالَ عمر ﵁ قسم النَّبِي ﷺ قسما فَقلت يَا رَسُول الله وَالله لغير هَؤُلَاءِ احق بِهِ مِنْهُم فَقَالَ انهم خيروني بَين ان يَسْأَلُونِي بالفحش وَبَين ان يبخلوني وَلست بباخل يَقُول انهم يَسْأَلُونِي مَسْأَلَة لَا تصلح فَإِن اعطيتهم والا قَالُوا هُوَ بخيل فقد خيروني بَين امرين مكروهين لَا يتركوني من احدهما الْمَسْأَلَة الْفَاحِشَة والتبخيل والتبخيل اشد فأدفع الاشد بإعطائهم
وَالْبخل جنس تَحْتَهُ انواع كَبَائِر وَغير كَبَائِر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيرا لَهُم بل هُوَ شَرّ لَهُم سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ سُورَة آل عمرَان ١٨٠
стр. 732
وَقَالَ ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحسانا﴾ سُورَة النِّسَاء ٣٦ الى قَوْله ان الله لَا يحب من كَانَ مختالا فخورا الَّذين يَبْخلُونَ ويأمرون النَّاس بالبخل سُورَة النِّسَاء ٣٦ ٣٧
وَقَالَ تَعَالَى وَمَا مَنعهم ان تقبل مِنْهُم نفقاتم الا انهم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة الا وهم كسَالَى وَلَا يُنْفقُونَ الا وهم كَارِهُون سُورَة التَّوْبَة ٥٤
وَقَالَ فَلَمَّا آتَاهُم من فَضله بخلوا بِهِ وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفَاقًا فِي قُلُوبهم الى يَوْم يلقونه سُورَة التَّوْبَة ٧٦ ٧٧
وَقَالَ ﴿وَمن يبخل فَإِنَّمَا يبخل عَن نَفسه﴾ سُورَة مُحَمَّد ٣٨
وَقَالَ فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون الَّذين هم يراءون وَيمْنَعُونَ الماعون سُورَة الماعون ٤٠٧
وَقَالَ وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب اليم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهروهم الاية سُورَة التَّوْبَة
стр. 733
٣٤ - ٣٥ وَكثير من الاي فِي الْقُرْآن من الامر بالايتاء والاعطاء وذم من ترك ذَلِك كُله ذمّ للبخل
وَكَذَلِكَ ذمه للجبن كثير فِي مثل قَوْله ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إِلَّا متحرفا لقِتَال أَو متحيزا إِلَى فِئَة فقد بَاء بغضب من الله ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ سُورَة الانفال ١٦
وَقَوله عَن الْمُنَافِقين ويحلفون بِاللَّه انهم لمنكم وَمَا هم مِنْكُم وَلَكنهُمْ قوم يفرقون لَو يَجدونَ ملْجأ اَوْ مغارات اَوْ مدخلًا لولوا اليه وهم يجمحون سُورَة التَّوْبَة ٥٦ ٥٧
وَقَوله ﴿فَإِذا أنزلت سُورَة محكمَة وَذكر فِيهَا الْقِتَال رَأَيْت الَّذين فِي قُلُوبهم مرض ينظرُونَ إِلَيْك نظر المغشي عَلَيْهِ من الْمَوْت﴾ سُورَة مُحَمَّد ٢٠
وَقَوله ألم تَرَ الى الَّذين قيل لَهُم كفوا ايديكم واقيموا الصَّلَاة وَأتوا الزَّكَاة فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال اذا فريق مِنْهُم يَخْشونَ النَّاس كخشية الله أواشد خشيَة وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت
стр. 734
﴿علينا الْقِتَال لَوْلَا أخرتنا إِلَى أجل قريب قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى وَلَا تظْلمُونَ فتيلا﴾ سُورَة النِّسَاء ٧٧
وَمَا فِي الْقُرْآن من الحض على الْجِهَاد وَالتَّرْغِيب فِيهِ وذم الناكلين عَنهُ والتاركين لَهُ كُله ذمّ للجبن
وَلما كَانَ صَلَاح بني آدم لَا يتم فِي دينهم ودنياهم الا بالشجاعة وَالْكَرم بَين الله سُبْحَانَهُ انه من تولى عَنهُ بترك الْجِهَاد بِنَفسِهِ ابدل الله بِهِ من يقوم بذلك وَمن تولى عَنهُ بإنفاق مَاله ابدل الله بِهِ من يقوم بذلك فَقَالَ يَا ايها الَّذين امنوا مالكم اذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم الى الارض ارضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الاخرة فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الاخرة الا قَلِيل الا تنفرُوا يعذبكم عذَابا اليما ويستبدل قوما غَيْركُمْ وَلَا تضروه شَيْئا وَالله على كل شَيْء قدير سُورَة التَّوْبَة ٣٨ ٣٩
وَقَالَ تَعَالَى ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ تدعون لتنفقوا فِي﴾
стр. 735
﴿سَبِيل الله فمنكم من يبخل وَمن يبخل فَإِنَّمَا يبخل عَن نَفسه وَالله الْغَنِيّ وَأَنْتُم الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ ثمَّ لَا يَكُونُوا أمثالكم﴾ سُورَة مُحَمَّد ٣٨
وبالشجاعة وَالْكَرم فِي سَبِيل الله فضل الله السَّابِقين فَقَالَ ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى﴾ سُورَة الْحَدِيد ١٠
وَقد ذكر الْجِهَاد بِالنَّفسِ وَالْمَال فِي سَبيله ومدحه فِي غير آيَة من كِتَابه وَذَلِكَ هُوَ الشجَاعَة والسماحة فِي طَاعَته سُبْحَانَهُ وَطَاعَة رَسُوله وملاك الشجَاعَة الصَّبْر الَّذِي يتَضَمَّن قُوَّة الْقلب وثباته وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله وَالله مَعَ الصابرين﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢٤٩
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم فِئَة فاثبتوا﴾
стр. 736
واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون واطيعوا الله وَرَسُوله وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا ان الله مَعَ الصابرين سُورَة الانفال ٤٥ ٤٦
والشجاعة لَيست هِيَ قُوَّة الْبدن فقد يكون الرجل قوي الْبدن ضَعِيف الْقلب وانما هِيَ قُوَّة الْقلب وثباته فَأن الْقِتَال مَدَاره على قُوَّة الْبدن وصنعته لِلْقِتَالِ وعَلى قُوَّة الْقلب وخبرته بِهِ والمحمود مِنْهُمَا مَا كَانَ بِعلم وَمَعْرِفَة دون التهور الَّذِي لَا يفكر صَاحبه وَلَا يُمَيّز بَين الْمَحْمُود والمذموم وَلِهَذَا كَانَ الْقوي الشَّديد هُوَ الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب حَتَّى يفعل مَا يصلح دون مَا لَا يصلح فَأَما المغلوب حِين غَضَبه فَلَيْسَ هُوَ بِشُجَاعٍ وَلَا شَدِيد
وَقد تقدم ان جماع ذَلِك هُوَ الصَّبْر فَإِنَّهُ لَا بُد مِنْهُ وَالصَّبْر صبران صَبر عِنْد الْغَضَب وصبر عِنْد الْمُصِيبَة كَمَا قَالَ الْحسن رَحمَه
стр. 737
الله مَا تجرع عبد جرعة اعظم من جرعة حلم عِنْد الْغَضَب وجرعة صَبر عِنْد الْمُصِيبَة
وَذَلِكَ لِأَن أصل ذَلِك هُوَ الصَّبْر على المؤلم وَهَذَا هوالشجاع الشَّديد الَّذِي يصبر على المؤلم والمؤلم ان كَانَ مِمَّا يُمكن دَفعه اثار الْغَضَب وان كَانَ مِمَّا لَا يُمكن دَفعه اثار الْحزن وَلِهَذَا يحمر الْوَجْه عِنْد الْغَضَب لثوران الدَّم عِنْد استشعار الْقُدْرَة ويصفر عِنْد الْحزن لغور الدَّم عِنْد استشعار الْعَجز
وَلِهَذَا جمع النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ مُسلم عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ مَا تَعدونَ الرقوب فِيكُم قَالُوا الرقوب الَّذِي لَا يُولد لَهُ قَالَ لَيْسَ ذَاك بالرقوب وَلَكِن الرقوب الرجل الَّذِي لم يقدم من وَلَده شَيْئا ثمَّ قَالَ ماتعدون الصرعة فِيكُم قُلْنَا الَّذِي لَا يصرعه الرِّجَال فَقَالَ لَيْسَ
стр. 738
بذلك وَلَكِن الصرعة الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب فَذكر مَا يتَضَمَّن الصَّبْر عِنْد الْمُصِيبَة وَالصَّبْر عِنْد الْغَضَب
قَالَ الله تَعَالَى فِي الْمُصِيبَة ﴿وَبشر الصابرين الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ الاية سُورَة الْبَقَرَة ١٥٥ ١٥٦
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْغَضَب ﴿وَمَا يلقاها إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَمَا يلقاها إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم﴾ سُورَة فصلت ٣٥
وَهَذَا الْجمع بَين صَبر الْمُصِيبَة وصبر الْغَضَب نَظِير الْجمع بَين صَبر الْمُصِيبَة وصبر النِّعْمَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى وَلَئِن اذقنا
стр. 739
الانسان منا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ انه ليؤوس كفور وَلَئِن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عني انه لفرح فخور الا الَّذين صَبَرُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة وَأجر كَبِير سُورَة هود ٩ ١١
وَقَالَ لكيلا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم سُورَة الْحَدِيد ٢٣
وَبِهَذَا وصف كَعْب بن زُهَيْر من وَصفه من الصَّحَابَة الْمُهَاجِرين حَيْثُ قَالَ ... لَيْسُوا مفاريح ان نَالَتْ رماحهم ... كثرا وَلَيْسوا مجازيعا اذا نيلوا ... وَكَذَلِكَ قَالَ حسان بن ثَابت فِي صفة الانصار ... لَا فَخر ان هم اصابوا من عدوهم ... وان اصيبوا فَلَا خور وَلَا هلع ...
стр. 740
وَقَالَ بعض الْعَرَب فِي صفة النَّبِي ﷺ يغلب فَلَا يبطر ويغلب فَلَا يضجر
وَلما كَانَ الشَّيْطَان يدعوالناس عِنْد هذَيْن النَّوْعَيْنِ الى تعدِي الْحُدُود بقلوبهم واصواتهم وايديهم نهى النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ لما قيل لَهُ لما رأى ابراهيم فِي النزع أَتَبْكِي اَوْ لم تنه عَن الْبكاء فَقَالَ انما نهيت عَن صَوْتَيْنِ احمقين فاجرين صَوت عِنْد نعْمَة لَهو وَلعب وَمَزَامِير الشَّيْطَان وَصَوت عِنْد مُصِيبَة لطم خدود وشق جُيُوب وَدُعَاء بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَجمع بَين الصوتين
وَأما نَهْيه عَن ذَلِك فِي المصائب فَمثل قَوْله ﷺ لَيْسَ منا من لطم الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى
следующие страницы →