Полный текст (813 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون واطيعوا الله وَرَسُوله وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا ان الله مَعَ الصابرين سُورَة الانفال ٤٥ ٤٦
والشجاعة لَيست هِيَ قُوَّة الْبدن فقد يكون الرجل قوي الْبدن ضَعِيف الْقلب وانما هِيَ قُوَّة الْقلب وثباته فَأن الْقِتَال مَدَاره على قُوَّة الْبدن وصنعته لِلْقِتَالِ وعَلى قُوَّة الْقلب وخبرته بِهِ والمحمود مِنْهُمَا مَا كَانَ بِعلم وَمَعْرِفَة دون التهور الَّذِي لَا يفكر صَاحبه وَلَا يُمَيّز بَين الْمَحْمُود والمذموم وَلِهَذَا كَانَ الْقوي الشَّديد هُوَ الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب حَتَّى يفعل مَا يصلح دون مَا لَا يصلح فَأَما المغلوب حِين غَضَبه فَلَيْسَ هُوَ بِشُجَاعٍ وَلَا شَدِيد
وَقد تقدم ان جماع ذَلِك هُوَ الصَّبْر فَإِنَّهُ لَا بُد مِنْهُ وَالصَّبْر صبران صَبر عِنْد الْغَضَب وصبر عِنْد الْمُصِيبَة كَمَا قَالَ الْحسن رَحمَه
стр. 737
الله مَا تجرع عبد جرعة اعظم من جرعة حلم عِنْد الْغَضَب وجرعة صَبر عِنْد الْمُصِيبَة
وَذَلِكَ لِأَن أصل ذَلِك هُوَ الصَّبْر على المؤلم وَهَذَا هوالشجاع الشَّديد الَّذِي يصبر على المؤلم والمؤلم ان كَانَ مِمَّا يُمكن دَفعه اثار الْغَضَب وان كَانَ مِمَّا لَا يُمكن دَفعه اثار الْحزن وَلِهَذَا يحمر الْوَجْه عِنْد الْغَضَب لثوران الدَّم عِنْد استشعار الْقُدْرَة ويصفر عِنْد الْحزن لغور الدَّم عِنْد استشعار الْعَجز
وَلِهَذَا جمع النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ مُسلم عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ مَا تَعدونَ الرقوب فِيكُم قَالُوا الرقوب الَّذِي لَا يُولد لَهُ قَالَ لَيْسَ ذَاك بالرقوب وَلَكِن الرقوب الرجل الَّذِي لم يقدم من وَلَده شَيْئا ثمَّ قَالَ ماتعدون الصرعة فِيكُم قُلْنَا الَّذِي لَا يصرعه الرِّجَال فَقَالَ لَيْسَ
стр. 738
بذلك وَلَكِن الصرعة الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب فَذكر مَا يتَضَمَّن الصَّبْر عِنْد الْمُصِيبَة وَالصَّبْر عِنْد الْغَضَب
قَالَ الله تَعَالَى فِي الْمُصِيبَة ﴿وَبشر الصابرين الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ الاية سُورَة الْبَقَرَة ١٥٥ ١٥٦
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْغَضَب ﴿وَمَا يلقاها إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَمَا يلقاها إِلَّا ذُو حَظّ عَظِيم﴾ سُورَة فصلت ٣٥
وَهَذَا الْجمع بَين صَبر الْمُصِيبَة وصبر الْغَضَب نَظِير الْجمع بَين صَبر الْمُصِيبَة وصبر النِّعْمَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى وَلَئِن اذقنا
стр. 739
الانسان منا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ انه ليؤوس كفور وَلَئِن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عني انه لفرح فخور الا الَّذين صَبَرُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة وَأجر كَبِير سُورَة هود ٩ ١١
وَقَالَ لكيلا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم سُورَة الْحَدِيد ٢٣
وَبِهَذَا وصف كَعْب بن زُهَيْر من وَصفه من الصَّحَابَة الْمُهَاجِرين حَيْثُ قَالَ ... لَيْسُوا مفاريح ان نَالَتْ رماحهم ... كثرا وَلَيْسوا مجازيعا اذا نيلوا ... وَكَذَلِكَ قَالَ حسان بن ثَابت فِي صفة الانصار ... لَا فَخر ان هم اصابوا من عدوهم ... وان اصيبوا فَلَا خور وَلَا هلع ...
стр. 740
وَقَالَ بعض الْعَرَب فِي صفة النَّبِي ﷺ يغلب فَلَا يبطر ويغلب فَلَا يضجر
وَلما كَانَ الشَّيْطَان يدعوالناس عِنْد هذَيْن النَّوْعَيْنِ الى تعدِي الْحُدُود بقلوبهم واصواتهم وايديهم نهى النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ لما قيل لَهُ لما رأى ابراهيم فِي النزع أَتَبْكِي اَوْ لم تنه عَن الْبكاء فَقَالَ انما نهيت عَن صَوْتَيْنِ احمقين فاجرين صَوت عِنْد نعْمَة لَهو وَلعب وَمَزَامِير الشَّيْطَان وَصَوت عِنْد مُصِيبَة لطم خدود وشق جُيُوب وَدُعَاء بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَجمع بَين الصوتين
وَأما نَهْيه عَن ذَلِك فِي المصائب فَمثل قَوْله ﷺ لَيْسَ منا من لطم الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى
стр. 741
الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ انا برِئ من الحالقة والصالقة والشاقة وَقَالَ مَا كَانَ من الْعين وَالْقلب فَمن الله وَمَا كَانَ من الْيَد وَاللِّسَان فَمن الشَّيْطَان وَقَالَ ان الله لَا يُؤَاخذ على دمع الْعين
стр. 742
وَلَا حزن الْقلب وَلَكِن يعذب بِهَذَا اَوْ يرحم واشار الى لِسَانه وَقَالَ من ينح عَلَيْهِ فانه يعذب بِمَا نيح عَلَيْهِ وَاشْترط على النِّسَاء فِي الْبيعَة الا يَنحن وَقَالَ ان النائحة اذا لم تتب قبل مَوتهَا فَإِنَّهَا تلبس يَوْم
стр. 743
الْقِيَامَة درعا من جرب وسربالا من قطران
وَقَالَ فِي الْغَلَبَة والمصائب والفرح ان الله كتب الاحسان على كل شَيْء فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة واذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة وليحد احدكم شفرته وليرح ذَبِيحَته
وَقَالَ ان اعْفُ النَّاس قتلة اهل الايمان
стр. 744
وَقَالَ لَا تمثلوا وَلَا تغدروا وَلَا تقتلُوا وليدا الى غير ذَلِك مِمَّا امْر بِهِ فِي الْجِهَاد من الْعدْل وَترك الْعدوان اتبَاعا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ سُورَة الْمَائِدَة ٨ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وقاتلوا فِي سَبِيل الله الَّذين يقاتلونكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٩٠
وَنهى عَن لِبَاس الْحَرِير وتختم الذَّهَب وَالشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة واطالة الثِّيَاب الى غير ذَلِك من انواع السَّرف وَالْخُيَلَاء فِي النعم وذم الَّذين يسْتَحلُّونَ الْخمر وَالْحَرِير وَالْمَعَازِف
стр. 745
وَجعل فيهم الْخَسْف وَالْمَسْخ
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالا فخورا﴾ سُورَة النِّسَاء ٣٦ وَقَالَ عَن قَارون ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قومه لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين﴾ سُورَة الْقَصَص ٧٦
وَهَذِه الامور الثَّلَاثَة مَعَ الصَّبْر عَن الاعتداء فِي الشَّهْوَة هِيَ جَوَامِع هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ ان الانسان بَين مَا يُحِبهُ ويشتهيه وَبَين مَا يبغضه ويكرهه فَهُوَ يطْلب الاول بمحبته وشهوته وَيدْفَع الثَّانِي ببغضه ونفرته واذا حصل الاول اَوْ انْدفع الثَّانِي اوجب لَهُ فَرحا وسرورا وان حصل الثَّانِي اَوْ انْدفع الاول حصل لَهُ حزن فَهُوَ مُحْتَاج عِنْد الْمحبَّة والشهوة ان يصبر عَن عدوانهما وَعند الْغَضَب والنفرة ان يصبر على عدوانهما وَعند الْفَرح ان يصبر عَن عدوانه وَعند الْمُصِيبَة ان يصبر عَن الْجزع مِنْهَا
فالنبي ﷺ ذكر الصوتين الاحمقين الفاجرين الصَّوْت الَّذِي يُوجب الاعتداء فِي الْفَرح حَتَّى يصير الانسان فَرحا
стр. 746
فخورا وَالصَّوْت الَّذِي يُوجب الْجزع عِنْد الْحزن حَتَّى يصير الانسان هلوعا جزوعا واما الصَّوْت الَّذِي يثير الْغَضَب لله كالأصوات الَّتِي تقال فِي الْجِهَاد من الاشعار المنشدة فَتلك لم تكن بآلات وَكَذَلِكَ اصوات الشُّهْرَة فِي الْفَرح فَرخص مِنْهَا فِيمَا وَردت بِهِ السّنة من الضَّرْب بالدف فِي الاعراس والافراح للنِّسَاء وَالصبيان
وَعَامة الاشعار الَّتِي تنشد بالاصوات لتحريك النُّفُوس هِيَ من هَذِه الاقسام الاربعة اشعار الْمحبَّة وَهِي النسيب واشعار الْغَضَب وَالْحمية وَهِي الحماسة والهجاء واشعار المصائب كالمراثي واشعار النعم والفرح وَهِي المدائح
وَالشعرَاء جرت عَادَتهم ان يمشوا مَعَ الطَّبْع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ألم تَرَ انهم فِي كل وَاد يهيمون وانهم يَقُولُونَ مَالا يَفْعَلُونَ سُورَة الشُّعَرَاء ٢٢٥ ٢٢٦ وَلِهَذَا اخبر انهم يتبعهُم الْغَاوُونَ والغاوي هُوَ الَّذِي يتبع هَوَاهُ بِغَيْر علم وَهَذَا هُوَ
стр. 747
الغي وَهُوَ خلاف الرشد كَمَا ان الضال هُوَ الَّذِي لَا يعلم مصْلحَته وَهُوَ خلاف الْمُهْتَدي
قَالَ الله والنجم اذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى سُورَة النَّجْم ١ ٢ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي
فَلهَذَا تجدهم يمدحون جنس الشجَاعَة وجنس السماحة اذ كَانَ عدم هذَيْن مذموما على الاطلاق واما وجودهما فَفِيهِ تَحْصِيل مَقَاصِد النُّفُوس على الاطلاق لَكِن الْعَاقِبَة فِي ذَلِك
стр. 748
لِلْمُتقين واما غير الْمُتَّقِينَ فَلهم عاجلة لَا عَاقِبَة وَالْعَاقبَة وان كَانَت فِي الاخرة فَتكون فِي الدُّنْيَا ايضا
كَمَا قَالَ تَعَالَى لما ذكر قصَّة نوح ونجاته بالسفينة ﴿قيل يَا نوح اهبط بِسَلام منا وبركات عَلَيْك وعَلى أُمَم مِمَّن مَعَك وأمم سنمتعهم ثمَّ يمسهم منا عَذَاب أَلِيم﴾ قَالَ ﴿تِلْكَ من أنباء الْغَيْب نوحيها إِلَيْك﴾ الى قَوْله ﴿فاصبر إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين﴾ سُورَة هود ٤٨ ٤٩
وَقَالَ ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٩٤
وَالْفرْقَان ان يحمد من ذَلِك مَا حَمده الله وَرَسُوله فَإِن الله تَعَالَى هُوَ الذى حَمده زين وذمه شين دون غَيره من الشُّعَرَاء والخطباء وَغَيرهم
وَلِهَذَا لما قَالَ الْقَائِل من بني تَمِيم للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 749
ان حمدي زين وذمي شين قَالَ لَهُ ذَاك الله
وَالله سُبْحَانَهُ حمد الشجَاعَة السماحة فِي سَبيله كَمَا فِي الصَّحِيح عَن ابي مُوسَى الاشعري ﵁ قَالَ قيل يَا رَسُول الله الرجل يُقَاتل شجاعة وَيُقَاتل حمية وَيُقَاتل رِيَاء فَأَي ذَلِك فِي سَبِيل الله فَقَالَ من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله
وَقَالَ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدّين كُله لله﴾ سُورَة الانفال ٣٩ وَذَلِكَ ان هَذَا هُوَ الْمَقْصُود الَّذِي خلق الله الْخلق لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ سُورَة الذاريات ٥٦ فَكل مَا كَانَ لأجل الْغَايَة
стр. 750
الَّتِي خلق لَهُ الْخلق كَانَ مَحْمُودًا عِنْد الله وهوالذي يبْقى لصَاحبه وينفعه الله بِهِ وَهَذِه الاعمال هِيَ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات وَلِهَذَا كَانَ النَّاس اربعة اصناف
من يعْمل لله بشجاعة وبسماحة فَهَؤُلَاءِ هم الْمُؤْمِنُونَ المستحقون للجنة
وَمن يعْمل لغير الله بشجاعة وَمن وسماحة فَهَذَا ينْتَفع بذلك فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُ فِي الاخرة من خلاق
وَمن يعْمل لله لَكِن بِلَا شجاعة وَلَا سماحة فَهَذَا فِيهِ من النِّفَاق وَنقص الايمان بِقدر ذَلِك
وَمن لَا يعْمل لله وَلَا فِيهِ شجاعة وَلَا سماحة فَهَذَا لَيْسَ لَهُ دنيا وَلَا آخِرَة
فَهَذِهِ الاخلاق وَالْأَفْعَال يحْتَاج اليها الْمُؤمن عُمُوما وخصوصا فِي أَوْقَات المحن والفتن الشَّدِيدَة فَإِنَّهُم يَحْتَاجُونَ الى
стр. 751
صَلَاح نُفُوسهم وَدفع الذُّنُوب عَن نُفُوسهم عِنْد الْمُقْتَضى للفتنة عِنْدهم ويحتاجون ايضا الى امْر غَيرهم وَنَهْيه بِحَسب قدرتهم
وكل من هذَيْن الامرين فِيهِ من الصعوبة مَا فِيهِ وان كَانَ يَسِيرا على من يسره الله عَلَيْهِ
وَهَذَا لِأَن الله امْر الْمُؤمنِينَ بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وامرهم بدعوة النَّاس وجهادهم على الايمان وَالْعَمَل الصَّالح
كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عَزِيز الَّذين ان مكناهم فِي الارض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة الامور سُورَة الْحَج ٤٠ ٤١
وكما قَالَ ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾ سُورَة غَافِر ٥١
وكما قَالَ ﴿كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي إِن الله قوي عَزِيز﴾ سُورَة المجادلة ٢١
وكما قَالَ ﴿وَإِن جندنا لَهُم الغالبون﴾ سُورَة الصافات
стр. 752
١٧٣ - وَقَالَ ﴿وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ سُورَة الْمَائِدَة ٥٦
وَلما كَانَ فِي الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله من الِابْتِلَاء والمحن مَا يتَعَرَّض بِهِ الْمَرْء للفتنة صَار فِي النَّاس من يتعلل لترك مَا وَجب عَلَيْهِ من ذَلِك بِأَنَّهُ يطْلب السَّلامَة من الْفِتْنَة
كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْمُنَافِقين ﴿وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ سُورَة التَّوْبَة ٤٩ الاية وَقد ذكرُوا فِي التَّفْسِير انها نزلت فِي الْجد بن قيس لما امْرَهْ النَّبِي ﷺ بالتجهز لغزو الرّوم وأظن أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ هَل لَك فِي نسَاء بني الاصفر فَقَالَ يَا رَسُول الله اني رجل لَا اصبر على النِّسَاء واني اخاف الْفِتْنَة
стр. 753
بنساء بني الاصفر فائذن لي وَلَا تفتني وَهَذَا الْجد هُوَ الَّذِي تخلف عَن بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة واستتر بجمل احمر وَجَاء فِيهِ الحَدِيث ان كلهم مغْفُور لَهُ الا صَاحب الْجمل الاحمر فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ ﴿وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ سُورَة التَّوْبَة ٤٩ يَقُول انه طلب الْقعُود ليسلم من فتْنَة النِّسَاء فَلَا يفتتن بِهن فَيحْتَاج الى الِاحْتِرَاز من الْمَحْظُور ومجاهدة نَفسه عَنهُ فيتعذب بذلك اَوْ يواقعه فيأثم فَإِن من رأى الصُّور الجميلة وأحبها فَإِن لم يتَمَكَّن مِنْهَا اما لتَحْرِيم الشَّارِع وَأما للعجز عَنْهَا تعذب قلبه وان
стр. 754
قدر عَلَيْهَا وَفعل الْمَحْظُور هلك وَفِي الْحَلَال من ذَلِك من معالجة النِّسَاء مَا فِيهِ بلَاء
فَهَذَا وَجه قَوْله ﴿وَلَا تفتني﴾ قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ سُورَة التَّوْبَة ٤٩ يَقُول ان نفس اعراضه عَن الْجِهَاد الْوَاجِب ونكوله عَنهُ وَضعف ايمانه وَمرض قلبه الَّذِي زين لَهُ ترك الْجِهَاد فتْنَة عَظِيمَة قد سقط فِيهَا فَكيف يطْلب التَّخَلُّص من فتْنَة صَغِير لم تصبه بِوُقُوعِهِ فِي فتْنَة عَظِيمَة قد اصابته
وَالله تَعَالَى يَقُول وقاتلوهم حَتَّى لت تكون فتْنَة وَيكون الدّين كُله لله سُورَة الانفال ٣٩ فَمن ترك الْقِتَال الَّذِي امْر الله بِهِ لِئَلَّا تكون فتْنَة فَهُوَ فِي الْفِتْنَة سَاقِط بِمَا وَقع فِيهِ من ريب
стр. 755
قلبه وَمرض فُؤَاده وَتَركه مَا امْر الله بِهِ من الْجِهَاد فَتدبر هَذَا فان هَذَا مقَام خطر
وَالنَّاس فِيهِ على قسمَيْنِ قسم يأمرون وَينْهَوْنَ ويقاتلون طلبا لإِزَالَة الْفِتْنَة زَعَمُوا وَيكون فعلهم ذَلِك اعظم فتْنَة كالمقتتلين فِي الْفِتَن الْوَاقِعَة بَين الامة مثل الْخَوَارِج
وأقوام ينكلون عَن الامر وَالنَّهْي والقتال الَّذِي يكون بِهِ الدّين كُله لله وَتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا لِئَلَّا يفتنوا وهم قد سقطوا فِي الْفِتْنَة
وَهَذِه الْفِتْنَة الْمَذْكُورَة فِي سُورَة بَرَاءَة دخل فِيهَا الافتتان بالصور الجميلة فَإِنَّهَا سَبَب نزُول الْآيَة وَهَذِه حَال كثير من المتدينة يتركون مَا يجب عَلَيْهِم من امْر وَنهي وَجِهَاد يكون بِهِ الدّين لله وَتَكون بِهِ كلمة الله هِيَ الْعليا لِئَلَّا يفتنوا بِجِنْس الشَّهَوَات
стр. 756
وهم قد وَقَعُوا فِي الْفِتْنَة الَّتِي هِيَ اعظم مِمَّا زَعَمُوا انهم فروا مِنْهُ وانما الْوَاجِبَة عَلَيْهِم الْقيام بِالْوَاجِبِ من الامر وَالنَّهْي وَترك الْمَحْظُور والاستعانة بِاللَّه على الامرين وَلَو فرض ان فعل الْوَاجِب وَترك الْمَحْظُور وهما متلازمان وانما تركُوا ذَلِك لكَون نُفُوسهم لَا تطاوعهم الا على فعلهمَا جَمِيعًا اَوْ تكرهما جَمِيعًا مثل كثير مِمَّن يجب الرياسة اَوْ المَال اَوْ شهوات الغي فانه اذا فعل مَا وَجب عَلَيْهِ من امْر وَنهي وَجِهَاد وامارة وَنَحْو ذَلِك فَلَا بُد ان يفعل مَعهَا شَيْئا من الْمَحْظُورَات فَالْوَاجِب عَلَيْهِ ان ينظر أغلب الامرين فَإِن كَانَ الْمَأْمُور اعظم اجرا من ترك ذَلِك الْمَحْظُور لم يتْرك ذَلِك لما يخَاف ان يقْتَرن بِهِ مَا هُوَ دونه فِي الْمفْسدَة وان كَانَ ترك الْمَحْظُور اعظم اجرا لم يفوت ذَلِك برجاء ثَوَاب فعل وَاجِب يكون دون ذَلِك فَذَلِك يكون بِمَا يجْتَمع لَهُ من الامرين من الْحَسَنَات والسيئات فَهَذَا هَذَا وتفصيل ذَلِك يطول
стр. 757
وكل بشر على وَجه الارض فَلَا بُد لَهُ من امْر وَنهي وَلَا بُد ان يَأْمر وَينْهى حَتَّى لَو انه وَحده لَكَانَ يَأْمر نَفسه وينهاها اما بِمَعْرُوف واما بمنكر كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ سُورَة يُوسُف ٥٣
فَإِن الْأَمر هُوَ طلب الْفِعْل وارادته وَالنَّهْي طلب التّرْك وارادته وَلَا بُد لكل حى من ارادة وَطلب فِي نَفسه يقتضى بهما فعل نَفسه ويقتضى بهما فعل غَيره اذا امكن ذَلِك فَإِن الانسان حَيّ يَتَحَرَّك بإرادته
وَبَنُو آدم لَا يعيشون الا باجتماع بَعضهم مَعَ بعض واذا اجْتمع اثْنَان فَصَاعِدا فَلَا بُد ان يكون بَينهمَا ائتمار بِأَمْر وتناه عَن امْر وَلِهَذَا كَانَ اقل الْجَمَاعَة فِي الصَّلَاة اثْنَيْنِ كَمَا قيل الِاثْنَان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة لَكِن لما كَانَ ذَلِك اشتراكا فِي مُجَرّد الصَّلَاة حصل بِاثْنَيْنِ احدهما امام والاخر مَأْمُوم كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ
стр. 758
وَسلم لمَالِك ابْن الْحُوَيْرِث وَصَاحبه ﵄ اذا حضرت الصَّلَاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وَكَانَا متقاربين فِي الْقِرَاءَة
وَأما فِي الامور العادية فَفِي السّنَن انه ﷺ قَالَ لَا يحل لثَلَاثَة يكونُونَ فِي سفر إِلَّا أمروا عَلَيْهِم احدهم
стр. 759
واذا كَانَ الامر وَالنَّهْي من لَوَازِم وجود بني آدم فَمن لم يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي امْر الله بِهِ وَرَسُوله وينه عَن الْمُنكر الَّذِي نهى الله عَنهُ وَرَسُوله وَيُؤمر بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي امْر الله بِهِ وَرَسُوله وينه عَن الْمُنكر الَّذِي نهى الله عَنهُ وَرَسُوله وَإِلَّا فَلَا بُد من ان يَأْمر وَينْهى وَيُؤمر وَينْهى اما بِمَا يضاد ذَلِك واما بِمَا يشْتَرك فِيهِ الْحق الَّذِي انزله الله بِالْبَاطِلِ الَّذِي لم ينزله الله واذا اتخذ ذَلِك دينا كَانَ دينا مبتدعا ضَالًّا بَاطِلا
وَهَذَا كَمَا ان كل بشر فَإِنَّهُ حَيّ متحرك بإرادته همام حَارِث فَمن لم تكن نِيَّته صَالِحَة وَعَمله عملا صَالحا لوجه الله والا كَانَ عملا فَاسِدا اَوْ لغير وَجه الله وَهُوَ الْبَاطِل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن سعيكم لشتى﴾ سُورَة اللَّيْل
стр. 760
وَهَذِه الاعمال كلهَا بَاطِلَة من جنس أَعمال الْكفَّار ﴿الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله أضلّ أَعْمَالهم﴾ سُورَة مُحَمَّد ١
وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين كفرُوا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى اذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عِنْده فوفاه حسابه وَالله سريع الحسباب سُورَة النُّور ٣٩ وَقَالَ ﴿وَقدمنَا إِلَى مَا عمِلُوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ سُورَة الْفرْقَان ٢٣
وَقد امْر الله تَعَالَى فِي كِتَابه بِطَاعَتِهِ وَطَاعَة رَسُوله وَطَاعَة اولي الْأَمر من الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ سُورَة النِّسَاء ٥٩
وَأولُوا الامر اصحاب الامر وذووه وهم الَّذين يأمرون النَّاس وينهونهم وَذَلِكَ يشْتَرك فِيهِ اهل الْيَد وَالْقُدْرَة واهل الْعلم وَالْكَلَام فَلهَذَا كَانَ اولو الامر صنفين الْعلمَاء والامراء فاذا صلحوا صلح النَّاس واذا فسدوا فسد النَّاس
стр. 761
كَمَا قَالَ ابو بكر الصّديق ﵁ للأحمسية لما سَأَلته مَا بقاؤنا على هَذَا الامر الصَّالح قَالَ مَا استقامت لكم ائمتكم
وَيدخل فيهم الْمُلُوك والمشايخ واهل الدِّيوَان وكل من كَانَ متبوعا فَإِنَّهُ من اولى الامر وعَلى كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ ان يَأْمر بِمَا امْر الله بِهِ وَينْهى عَن مَا نهى الله عَنهُ وعَلى كل وَاحِد مِمَّن عَلَيْهِ طَاعَته ان يطيعه فِي طَاعَة الله وَلَا يطيعه فِي مَعْصِيّة الله
كَمَا قَالَ ابو بكر الصّديق ﵁ حِين تولى امْر الْمُسلمين وخطبهم فَقَالَ فِي خطبَته ايها النَّاس الْقوي فِيكُم الضَّعِيف عِنْدِي حَتَّى آخذ مِنْهُ الْحق والضعيف فِيكُم الْقوي عِنْدِي حَتَّى آخذ لَهُ الْحق اطيعوني مَا اطعت الله وَرَسُوله
стр. 762
فَإِذا عصيت الله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم
فصل واذا كَانَت جَمِيع الْحَسَنَات لَا بُد فِيهَا من شَيْئَيْنِ ان يُرَاد بهَا
وَجه الله وان تكون مُوَافقَة للشريعة فَهَذَا فِي الاقوال والافعال فِي الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح فِي الامور العلمية والامور العملية العبادية
وَلِهَذَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ ان اول ثَلَاثَة تسجر بهم جَهَنَّم رجل تعلم الْعلم وَعلمه وَقَرَأَ الْقُرْآن وأقرأه ليقول النَّاس هُوَ عَالم وقارئ وَرجل قَاتل وجاهد ليقول النَّاس هُوَ شُجَاع وجرئ وَرجل تصدق
стр. 763
واعطى ليقول النَّاس هُوَ جواد وسخي فَإِن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الَّذين يُرِيدُونَ الرِّيَاء والسمعة هم بِإِزَاءِ الثَّلَاثَة الَّذين بعد النَّبِيين من الصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ فَإِن من تعلم الْعلم الَّذِي بعث الله بِهِ رسله وَعلمه لوجه الله كَانَ صديقا وَمن قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَقتل كَانَ شَهِيدا وَمن تصدق يَبْتَغِي بذلك وَجه الله كَانَ صَالحا
وَلِهَذَا يسْأَل المفرط فِي مَاله الرّجْعَة وَقت الْمَوْت كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ من اعطي مَالا فَلم يحجّ مِنْهُ وَلم يزك سَأَلَ الرّجْعَة وَقت الْمَوْت وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى وانفقوا
стр. 764
﴿من مَا رزقناكم من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين﴾ سُورَة المُنَافِقُونَ ١٠
فَفِي هَذِه الامور العلمية الكلامية يحْتَاج الْمخبر بهَا ان يكون مَا يخبر بِهِ عَن الله وَالْيَوْم الاخر وَمَا كَانَ وَمَا يكون حَقًا وصوابا وَمَا يَأْمر بِهِ وَمَا يُنْهِي عَنهُ كَمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل عَن الله فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الْمُوَافق للسّنة والشريعة المتبع لكتاب الله وَسنة رَسُوله كَمَا ان الْعِبَادَات الَّتِي يتعبد الْعباد بهَا اذا كَانَت مِمَّا شرعة الله وامر الله بِهِ وَرَسُوله كَانَت حَقًا صَوَابا مُوَافقا لما بعث الله بِهِ رسله وَمَا لم يكن كَذَلِك من الْقسمَيْنِ كَانَ من الْبَاطِل والبدع المضلة وَالْجهل وان كَانَ يُسَمِّيه من يُسَمِّيه علوما ومعقولات وعبادات ومجاهدات واذواقا ومقامات
стр. 765
وَيحْتَاج ايضا ان يُؤمر بذلك لأمر الله بِهِ وَينْهى عَنهُ لنهي الله عَنهُ ويخبر بِمَا اخبر الله بِهِ لِأَنَّهُ حق وايمان وَهدى كَمَا أخْبرت بِهِ الرَّسُول كَمَا تحْتَاج الْعِبَادَة إِلَى أَن يقْصد بهَا وَجه الله فاذا قيل ذَلِك لاتباع الْهوى وَالْحمية اَوْ لإِظْهَار الْعلم والفضيلة اَوْ لطلب السمعة والرياء كَانَ بِمَنْزِلَة الْمقَاتل شجاعة وحمية ورياء
وَمن هُنَا يتَبَيَّن لَك مَا وَقع فِيهِ كثير من اهل الْعلم والمقال واهل الْعِبَادَة وَالْحَال واهل الْحَرْب والقتال من لبس الْحق بِالْبَاطِلِ فِي كثير من الاصول فكثيرا مَا يَقُول هَؤُلَاءِ من الاقوال مَا هُوَ خلاف الْكتاب وَالسّنة اَوْ مَا يتَضَمَّن خلاف السّنة ووفاقها وَكَثِيرًا مَا يتعبد هَؤُلَاءِ بعبادات لم يَأْمر الله بهَا بل
стр. 766
قد نهى عَنْهَا اَوْ مَا يتَضَمَّن مَشْرُوعا ومحظورا وَكَثِيرًا مَا يُقَاتل هَؤُلَاءِ قتالا مُخَالفا لِلْقِتَالِ الْمَأْمُور بِهِ اَوْ متضمنا لمأمور بِهِ ومحظور
ثمَّ كل من الاقسام الثَّلَاثَة الْمَأْمُور بِهِ والمحظور والمشتمل على الامرين قد يكون لصَاحبه نِيَّة حَسَنَة وَقد يكون مُتبعا لهواه وَقد يجْتَمع لَهُ وَهَذَا وَهَذَا
فَهَذِهِ تِسْعَة اقسام فِي هَذِه الامور فِي الاموال المنفقة عَلَيْهَا من الاموال السُّلْطَانِيَّة الفئ وَغَيره والاموال الْمَوْقُوفَة والاموال الْمُوصى بهَا والاموال الْمَنْذُورَة وانواع العطايا وَالصَّدقَات والصلات
وَهَذَا كُله من لبس الْحق بِالْبَاطِلِ وخلط عمل صَالح واخر شَيْء والسيء من ذَلِك قد يكون صَاحبه مخطئا اَوْ نَاسِيا مغفورا لَهُ كالمجتهد المخطىء الَّذِي لَهُ اجْرِ وخطؤه مغْفُور لَهُ وَقد
стр. 767
يكون صَغِيرا مكفرا باجتناب الْكَبَائِر وَقد يكون مغفورا بتوبة اَوْ بحسنات تمحو السَّيِّئَات اَوْ مكفرا بمصائب الدُّنْيَا وَنَحْو ذَلِك الا ان دين الله الَّذِي انْزِلْ بِهِ كتبه وَبعث بِهِ رسله مَا تقدم من ارادة الله وَحده بِالْعَمَلِ الصَّالح
وَهَذَا هُوَ الاسلام الْعَام الَّذِي لَا يقبل الله من اُحْدُ غَيره قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ سُورَة آل عمرَان ٨٥
وَقَالَ تَعَالَى شهد الله انه لَا اله الا هُوَ وَالْمَلَائِكَة واولو الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ لَا اله الا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم ان الدّين عِنْد الله الاسلام سُورَة آل عمرَان ١٨ ١٩
والاسلام يجمع مَعْنيين احدهما الاستسلام والانقياد فَلَا يكون متكبرا وَالثَّانِي الاخلاص من قَوْله تَعَالَى ﴿ورجلا سلما لرجل﴾ سُورَة الزمر ٢٩ فَلَا يكون مُشْتَركا وَهُوَ ان يسلم
стр. 768
العَبْد لله رب الْعَالمين كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمن يرغب عَن مِلَّة ابراهيم الا من سفه نَفسه وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وانه فِي الاخرة لمن الصَّالِحين اذ قَالَ لَهُ ربه اسْلَمْ قَالَ اسلمت لرب الْعَالمين ووصى بهَا ابراهيم بنيه وَيَعْقُوب يَا بني ان الله اصْطفى لكم الدّين فَلَا تموتن الا وانتم مُسلمُونَ سُورَة الْبَقر ١٣٠ ١٣٢
وَقَالَ تَعَالَى قل انني هَدَانِي رَبِّي الى صِرَاط مُسْتَقِيم دينا قيمًا مِلَّة ابراهيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين قل ان صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ وَبِذَلِك أمرت وانا اول الْمُسلمين سُورَة الانعام ١٦١ ١٦٣
والاسلام يسْتَعْمل لَازِما معدي بِحرف اللَّام مثل مَا ذكر فِي هَذِه الايات وَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَت رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب الْعَالمين﴾ سُورَة النَّمْل ٤٤
وَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿وأنيبوا إِلَى ربكُم وَأَسْلمُوا لَهُ من قبل أَن يأتيكم الْعَذَاب ثمَّ لَا تنْصرُونَ﴾ سُورَة الزمر ٥٤
стр. 769
وَمثل قَوْله أفغير دين الله يَبْغُونَ وَله اسْلَمْ من فِي السَّمَوَات والارض طَوْعًا وَكرها واليه يرجعُونَ سُورَة آل عمرَان ٨٣
وَمثل قَوْله قل اندعوا من دون الله مَالا ينفعنا وَلَا يضرنا ونرد على اعقابنا بعد اذ هدَانَا الله كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين فِي الارض حيران لَهُ اصحاب يَدعُونَهُ الى الْهَدْي ائتنا قل ان هدى الله هُوَ الْهَدْي وامرنا لنسلم لرب الْعَالمين وان اقيموا الصَّلَاة واتقوه وَهُوَ الَّذِي اليه تحشرون سُورَة الانعام ٧١ ٧٢
وَيسْتَعْمل مُتَعَدِّيا مَقْرُونا بِالْإِحْسَانِ كَقَوْلِه تَعَالَى وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة الا من كَانَ هودا اَوْ نَصَارَى تِلْكَ امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كُنْتُم صَادِقين بلَى من اسْلَمْ وَجهه لله وَهُوَ محسن فَلهُ اجره عِنْد ربه وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ سُورَة الْبَقَرَة ١١١ ١١٢
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن أحسن دينا مِمَّن أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾
стр. 770
سُورَة النِّسَاء ١٢٥ فقد انكر الله ان يكون دين احسن من هَذَا الدّين هُوَ اسلام الْوَجْه لله مَعَ الاحسان وَاخْبَرْ انه كل ﴿من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١١٢ اثْبتْ هَذِه الْكَلِمَة الجامعة والقضية الْعَامَّة ردا لما زَعمه من زَعمه انه لَا يدْخل الْجنَّة الامتهود اَوْ متنصر
وَهَذَانِ الوصفان وهما اسلام الْوَجْه لله والاحسان هما الاصلان المتقدمان وهما كَون القَوْل وَالْعَمَل خَالِصا لله صَوَابا مُوَافقا للسّنة والشريعة وَذَلِكَ ان إِسْلَام الْوَجْه لله هُوَ يتَضَمَّن اخلاص الْقَصْد وَالنِّيَّة لله كَمَا قَالَ بَعضهم ... اسْتغْفر الله ذَنبا لست محصيه ... رب الْعباد اليه الْوَجْه وَالْعلم ...
стр. 771
وَقد اسْتعْمل هُنَا اربعة الفاظ اسلام الْوَجْه واقامة الْوَجْه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد﴾ سُورَة الاعراف ٢٩ وَقَوله تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ سُورَة الرّوم ٣٠ وتوجيه الْوَجْه كَقَوْل الْخَلِيل وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات والارض حَنِيفا وَمَا انا من الْمُشْركين سُورَة الانعام ٧٩
وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول فِي دُعَاء الاستفتاح فِي صلَاته وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات والارض حَنِيفا وَمَا انا من الْمُشْركين سُورَة الانعام ٧٩
وَكَانَ يَقُول اذا اوى الى فرَاشه اللَّهُمَّ اسلمت نَفسِي اليك ووجهت وَجْهي اليك رَوَاهُ الْبَراء بن عَازِب فِي الصَّحِيح ايضا
стр. 772
فَالْوَجْه يتَنَاوَل المتوجه بِكَسْر الْجِيم والمتوجه بِفَتْح الْجِيم اليه ويتناول التَّوَجُّه نَفسه كَمَا يُقَال أَي وَجه تُرِيدُ أَي أَي جِهَة وناحية تقصد وَذَلِكَ انهما متلازمان فَحَيْثُ توجه الانسان توجه وَجهه وَوَجهه مُسْتَلْزم لتوجهه وَهَذَا فِي بَاطِنه وَظَاهره جَمِيعًا فَهِيَ اربعة امور وَالْبَاطِن هُوَ الاصل وَالظَّاهِر هُوَ الْكَمَال والشعار فاذا توجه قلبه الى شَيْء تبعه وَجهه الظَّاهِر فَإِذا كَانَ العَبْد قَصده وَمرَاده وتوجهه الى الله فَهَذَا صَلَاح ارادته وقصده فَإِذا كَانَ مَعَ ذَلِك محسنا فقد اجْتمع لَهُ
стр. 773
ان يكون عمله صَالحا وان يكون لله تَعَالَى
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ الْكَهْف ١١٠
وَهُوَ قَول عمر ﵁ اللَّهُمَّ اجْعَل عَمَلي كُله صَالحا واجعله لوجهك خَالِصا وَلَا تجْعَل لأحد فِيهِ شَيْئا
وَالْعَمَل الصَّالح هُوَ الاحسان وَهُوَ فعل الْحَسَنَات وَهُوَ مَا امْر الله بِهِ وَالَّذِي امْر الله بِهِ هُوَ الَّذِي شَرعه الله وَهُوَ الْمُوَافق لكتاب الله وَسنة رَسُوله فقد اخبر الله تَعَالَى انه من اخلص قَصده لله وَكَانَ محسنا فِي عمله فَإِنَّهُ مُسْتَحقّ للثَّواب سَالم من الْعقَاب
وَلِهَذَا كَانَ ائمة السّلف ﵏ يجمعُونَ هذَيْن الاصلين كَقَوْل الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ليَبْلُوكُمْ﴾
стр. 774
﴿أَيّكُم أحسن عملا﴾ سُورَة الْملك ٢ قَالَ اخلصه واصوبه فَقيل لَهُ يَا ابا على مَا اخلصه واصوبه فَقَالَ ان الْعَمَل اذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقل واذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص ان يكون لله وَالصَّوَاب ان يكون على السّنة
وَقد روى ابْن شاهين واللالكائي عَن سعيد بن جُبَير قَالَ لَا يقبل قَول الا بِعَمَل وَلَا يقبل قَول وَعمل الا بنية وَلَا يقبل قَول وَعمل وَنِيَّة الا بموافقة السّنة ورويا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ مثله وَلَفظ مَا روى عَن الْحسن لَا يصلح مَكَان لَا يقبل
ووهذا فِيهِ رد على الَّذين يجْعَلُونَ مُجَرّد القَوْل كَافِيا فَأخْبر أَنه لَا بُد من قَول وَعمل المرجئة اذا الايمان قَول وَعمل لَا بُد من هذَيْن كَمَا قد بسطناه فِي غير هَذَا الْموضع وَبينا ان مُجَرّد
стр. 775
تَصْدِيق الْقلب ونطق اللِّسَان مَعَ البغض لله وشرائعه والاستكبار على الله وشرائعة لايكون ايمانا بِاتِّفَاق الْمُؤمنِينَ حَتَّى يقْتَرن بالتصديق عمل صَالح
وَاصل الْعَمَل عمل الْقلب وَهُوَ الْحبّ والتعظيم الْمنَافِي للبغض والاستكبار ثمَّ قَالُوا لَا يقل قَول وَعمل الا بنية وَهَذَا ظَاهر فَإِن القَوْل وَالْعَمَل اذا لم يكن خَالِصا لله لم يقبله الله تَعَالَى ثمَّ قَالُوا لَا يقبل قَول وَعمل وَنِيَّة الا بموافقة السّنة وَهِي الشَّرِيعَة وَهِي مَا امْر الله بِهِ وَرَسُوله ﷺ لِأَن القَوْل وَالْعَمَل وَالنِّيَّة الَّذِي لَا يكون مسنونا مَشْرُوعا قد امْر الله بِهِ يكون بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة لَيْسَ مِمَّا يُحِبهُ الله فَلَا يقبله الله وَلَا يصلح مثل اعمال الْمُشْركين واهل الْكتاب
وَلَفظ السّنة فِي كَلَام السّلف يتَنَاوَل السّنة فِي الْعِبَادَات وَفِي
следующие страницы →