← Акыда

Акыда · id 6820

الاستقامة

ابن تيمية

Полный текст (813 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وَقد اسْتعْمل هُنَا اربعة الفاظ اسلام الْوَجْه واقامة الْوَجْه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد﴾ سُورَة الاعراف ٢٩ وَقَوله تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ سُورَة الرّوم ٣٠ وتوجيه الْوَجْه كَقَوْل الْخَلِيل وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات والارض حَنِيفا وَمَا انا من الْمُشْركين سُورَة الانعام ٧٩ وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول فِي دُعَاء الاستفتاح فِي صلَاته وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات والارض حَنِيفا وَمَا انا من الْمُشْركين سُورَة الانعام ٧٩ وَكَانَ يَقُول اذا اوى الى فرَاشه اللَّهُمَّ اسلمت نَفسِي اليك ووجهت وَجْهي اليك رَوَاهُ الْبَراء بن عَازِب فِي الصَّحِيح ايضا

стр. 772

فَالْوَجْه يتَنَاوَل المتوجه بِكَسْر الْجِيم والمتوجه بِفَتْح الْجِيم اليه ويتناول التَّوَجُّه نَفسه كَمَا يُقَال أَي وَجه تُرِيدُ أَي أَي جِهَة وناحية تقصد وَذَلِكَ انهما متلازمان فَحَيْثُ توجه الانسان توجه وَجهه وَوَجهه مُسْتَلْزم لتوجهه وَهَذَا فِي بَاطِنه وَظَاهره جَمِيعًا فَهِيَ اربعة امور وَالْبَاطِن هُوَ الاصل وَالظَّاهِر هُوَ الْكَمَال والشعار فاذا توجه قلبه الى شَيْء تبعه وَجهه الظَّاهِر فَإِذا كَانَ العَبْد قَصده وَمرَاده وتوجهه الى الله فَهَذَا صَلَاح ارادته وقصده فَإِذا كَانَ مَعَ ذَلِك محسنا فقد اجْتمع لَهُ

стр. 773

ان يكون عمله صَالحا وان يكون لله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ الْكَهْف ١١٠ وَهُوَ قَول عمر ﵁ اللَّهُمَّ اجْعَل عَمَلي كُله صَالحا واجعله لوجهك خَالِصا وَلَا تجْعَل لأحد فِيهِ شَيْئا وَالْعَمَل الصَّالح هُوَ الاحسان وَهُوَ فعل الْحَسَنَات وَهُوَ مَا امْر الله بِهِ وَالَّذِي امْر الله بِهِ هُوَ الَّذِي شَرعه الله وَهُوَ الْمُوَافق لكتاب الله وَسنة رَسُوله فقد اخبر الله تَعَالَى انه من اخلص قَصده لله وَكَانَ محسنا فِي عمله فَإِنَّهُ مُسْتَحقّ للثَّواب سَالم من الْعقَاب وَلِهَذَا كَانَ ائمة السّلف ﵏ يجمعُونَ هذَيْن الاصلين كَقَوْل الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ليَبْلُوكُمْ﴾

стр. 774

﴿أَيّكُم أحسن عملا﴾ سُورَة الْملك ٢ قَالَ اخلصه واصوبه فَقيل لَهُ يَا ابا على مَا اخلصه واصوبه فَقَالَ ان الْعَمَل اذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقل واذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص ان يكون لله وَالصَّوَاب ان يكون على السّنة وَقد روى ابْن شاهين واللالكائي عَن سعيد بن جُبَير قَالَ لَا يقبل قَول الا بِعَمَل وَلَا يقبل قَول وَعمل الا بنية وَلَا يقبل قَول وَعمل وَنِيَّة الا بموافقة السّنة ورويا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ مثله وَلَفظ مَا روى عَن الْحسن لَا يصلح مَكَان لَا يقبل ووهذا فِيهِ رد على الَّذين يجْعَلُونَ مُجَرّد القَوْل كَافِيا فَأخْبر أَنه لَا بُد من قَول وَعمل المرجئة اذا الايمان قَول وَعمل لَا بُد من هذَيْن كَمَا قد بسطناه فِي غير هَذَا الْموضع وَبينا ان مُجَرّد

стр. 775

تَصْدِيق الْقلب ونطق اللِّسَان مَعَ البغض لله وشرائعه والاستكبار على الله وشرائعة لايكون ايمانا بِاتِّفَاق الْمُؤمنِينَ حَتَّى يقْتَرن بالتصديق عمل صَالح وَاصل الْعَمَل عمل الْقلب وَهُوَ الْحبّ والتعظيم الْمنَافِي للبغض والاستكبار ثمَّ قَالُوا لَا يقل قَول وَعمل الا بنية وَهَذَا ظَاهر فَإِن القَوْل وَالْعَمَل اذا لم يكن خَالِصا لله لم يقبله الله تَعَالَى ثمَّ قَالُوا لَا يقبل قَول وَعمل وَنِيَّة الا بموافقة السّنة وَهِي الشَّرِيعَة وَهِي مَا امْر الله بِهِ وَرَسُوله ﷺ لِأَن القَوْل وَالْعَمَل وَالنِّيَّة الَّذِي لَا يكون مسنونا مَشْرُوعا قد امْر الله بِهِ يكون بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة لَيْسَ مِمَّا يُحِبهُ الله فَلَا يقبله الله وَلَا يصلح مثل اعمال الْمُشْركين واهل الْكتاب وَلَفظ السّنة فِي كَلَام السّلف يتَنَاوَل السّنة فِي الْعِبَادَات وَفِي

стр. 776

الاعتقادات وان كَانَ كثير مِمَّن صنف فِي السّنة يقصدون الْكَلَام فِي الاعتقادات وَهَذَا كَقَوْل ابْن مَسْعُود وابي بن كَعْب وابي الدَّرْدَاء رضى الله عَنْهُم اقتصاد فِي سنة خير من اجْتِهَاد فِي بِدعَة وامثال ذَلِك فصل فِي الْإِكْرَاه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ ان الله سُبْحَانَهُ أمرنَا بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله وَهُوَ الصّلاح والحسنات وَالْخَيْر وَالْبر وَنهى عَن الْمُنكر وَهُوَ مَعْصِيَته ومعصية رَسُوله وَهُوَ الْفساد والسيئات وَالشَّر والفجور وَقيد الايجاب بالاستطاعة والوسع واباح مِمَّا حرم مَا يضْطَر الْمَرْء اليه غير بَاغ وَلَا عَاد

стр. 777

فَقَالَ تَعَالَى ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ سُورَة آل عمرَان ١٠٢ وَقَالَ ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ سُورَة التغابن ١٦ وَثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ذروني مَا تركتكم فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على انبيائهم فَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ واذا امرتكم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم فَأوجب مِمَّا امْر بِهِ مَا يُسْتَطَاع وَكَذَلِكَ فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي حَدِيث اخر انكم لن تُحْصُوا اَوْ تستطيعوا كل مَا امرتم بِهِ وَلَكِن وَقَالَ ان هَذَا الدّين يسر وَلنْ يشاد الدّين اُحْدُ الا غَلبه فسددوا وقاربوا وَاسْتَعِينُوا بالغدوة والروحة وَشَيْء من الدلجة وَالْقَصْد الْقَصْد تبلغوا

стр. 778

وَقَالَ تَعَالَى فِي صفة هَذَا النَّبِي ﴿يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾ سُورَة الاعراف ١٥٧ وَهَذَا الْعَام الْمُجْمل فَصله فَقَالَ لما اوجب الصّيام ﴿وَمن كَانَ مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٨٥ وَقَالَ لما ذكر التَّيَمُّم ﴿مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم﴾ سُورَة الْمَائِدَة ٦

стр. 779

وَقَالَ ﴿وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ سُورَة الْحَج ٧٨ وَقَالَ لما اوجب الْجِهَاد ﴿لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى وَلَا على الَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ حرج إِذا نصحوا لله وَرَسُوله﴾ سُورَة التَّوْبَة ٩١ وَقَالَ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر﴾ سُورَة النِّسَاء ٩٥ وَقَالَ فِي الْهِجْرَة ﴿إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم﴾ الى قَوْله الا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا فَأُولَئِك عَسى الله ان يعفوا عَنْهُم وَكَانَ الله عفوا غَفُورًا سُورَة النِّسَاء ٩٨ ٩٩ وَقَالَ تَعَالَى فِي الانفاق يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو سُورَة الْبَقَرَة ٢١٩ وَقَالَ فِي الْعُمُوم ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا رَبنَا وَلَا تحمل علينا إصرا كَمَا حَملته على الَّذين من قبلنَا﴾ الاية سُورَة الْبَقَرَة ٢٨٦

стр. 780

وَثَبت فِي الصَّحِيح ان الله تَعَالَى قَالَ قد فعلت وان النَّبِي ﷺ لم يقْرَأ بِحرف مِنْهَا الا اعطيه وَقَالَ ﴿لينفق ذُو سَعَة من سعته وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه فلينفق مِمَّا آتَاهُ الله لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا مَا آتاها سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا﴾ سُورَة الطَّلَاق ٧ وَقَالَ ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ سُورَة الاعراف ٤٢ وَقَالَ ﴿وأوفوا الْكَيْل وَالْمِيزَان بِالْقِسْطِ لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ سُورَة الانعام ١٥٢ وَقَالَ وَدَاوُد وَسليمَان اذ يحكمان فِي الْحَرْث اذ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين ففهمناها سُلَيْمَان وكلا اتينا حكما وعلما سُورَة الانبياء ٧٨ ٧٩ وَقَالَ ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن﴾

стр. 781

﴿تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ سُورَة النِّسَاء ١٠١ وَقَالَ فِي الْقُرْآن ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ سُورَة المزمل ٢٠ وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ انْزِلْ الْقُرْآن على سَبْعَة احرف فأقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ وَقَالَ فِي الْمُحرمَات ﴿إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة النَّحْل ١١٥ وَفِي الاية الاخرى قل لَا اجد فِيمَا اوحى الى محرما على طاعم يطعمهُ الاان يكون ميتَة اَوْ دَمًا مسفوحا اَوْ لحم خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْس اَوْ فسقا اهل لغير الله بِهِ فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَإِن رَبك غَفُور

стр. 782

﴿رَحِيم﴾ سُورَة الانعام ١٤٥ وَهَاتَانِ فِي السورتين المكيتين الانعام والنحل وَقَالَ فِي السورتين المدينيتن ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا﴾ الى قَوْله ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٧٢ ١٧٣ وَفِي الاية الاخرى حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا اهل لغير الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَا أكل السَّبع الا مَا ذكيتم وَمَا ذبح على النصب وان تستقسموا بالأزلام ذَلِكُم فسق الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ فَلَا تخشوهم واخشون الْيَوْم اكملت لكم دينكُمْ واتممت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دين فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم فَإِن الله غَفُور رَحِيم سُورَة الْمَائِدَة ٣ فَهَذَا فِي تَحْرِيم المطاعم قد رفع الاثم عَمَّن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد والباغي والعادي قد قيل انهما صفة للشَّخْص مُطلقًا فالباغي كالباغي على امام الْمُسلمين واهل الْعدْل مِنْهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا﴾

стр. 783

الَّتِي تبغي حَتَّى تفئ الى امْر الله سُورَة الحجرات ٩ والعادي كالصائل قَاطع الطَّرِيق الَّذِي يُرِيد النَّفس اَوْ المَال وَقيل انهما صفة لغير الْمُضْطَر فالباغي الَّذِي يبغى الْمحرم مَعَ قدرته على الْحَلَال والعادي الَّذِي يتَجَاوَز قدر الْحَاجة كَمَا قَالَ فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم سُورَة الْمَائِدَة ٣ وَقَالَ فِي المناكح وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا ان ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فمما ملكت ايمانكم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات سُورَة النِّسَاء ٢٥ الى قَوْله ﴿يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ وَيَتُوب عَلَيْكُم وَالله عليم حَكِيم﴾ سُورَة النِّسَاء ٢٦ ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾ النِّسَاء ٢٨ وَقَالَ ايضا فِي مَحْظُورَات الْعِبَادَات كالإحرام ﴿وَلَا تحلقوا﴾

стр. 784

رءوسكم حَتَّى يبلغ الْهدى مجله فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا اَوْ بِهِ اذى من رَأسه ففديه من صِيَام اَوْ صَدَقَة اَوْ نسك فاذا امنتم فَمن تمتّع بالغمرة الى الْحَج فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهدى سُورَة الْبَقَرَة ١٩٦ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَا تحلقوا رؤوسكم حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا﴾ الاية سُورَة الْبَقَرَة ١٩٦ وَفِي الصَّلَاة الْخَوْف قَالَ ﴿وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك وليأخذوا أسلحتهم فَإِذا سجدوا فليكونوا من وَرَائِكُمْ ولتأت طَائِفَة أُخْرَى﴾ الاية سُورَة النِّسَاء ١٠٢ وَقَالَ فِي مَحْظُور الْكَلَام بالْكفْر ﴿من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا فَعَلَيْهِم غضب من الله وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ سُورَة النَّحْل ١٥٦ وَقَالَ ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة﴾ سُورَة آل عمرَان ٢٨ وَقَالَ فِي مَحْظُور الفعال وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء ان اردن تَحَصُّنًا لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمن يُكْرهن فَإِن الله من بعد اكراههن غَفُور رَحِيم سُورَة النُّور ٣٣ فأباح سُبْحَانَهُ عِنْد الاكراه ان ينْطق الرجل بالْكفْر بِلِسَانِهِ اذا

стр. 785

كَانَ قلبه مطمئنا بِالْإِيمَان بِخِلَاف من شرح بالْكفْر صَدرا وأباح للْمُؤْمِنين ان يتقوا من الْكَافرين تقاة مَعَ نَهْيه لَهُم عَن مُوَالَاتهمْ وَعَن ابْن عَبَّاس ان التقية بِاللِّسَانِ وَلِهَذَا لم يكن عندنَا نزاع فِي ان الاقوال لَا يثبت حكمهَا فِي حق الْمُكْره بِغَيْر حق فَلَا يَصح كفر الْمُكْره بِغَيْر حق وَلَا ايمان الْمُكْره بِغَيْر حق كالذمي الموفى بِذِمَّتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِ ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين قد تبين الرشد من الغي﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢٥٦ بِخِلَاف الْمُكْره بِحَق كالمقاتلين من اهل الْحَرْب حَتَّى يسلمُوا ان كَانَ قِتَالهمْ الى الاسلام اَوْ اعطاء الْجِزْيَة ان كَانَ الْقِتَال على احدهما كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الى قَوْله ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم﴾ سُورَة التَّوْبَة ٥ وكما قَالَ النَّبِي ﷺ امرت ان اقاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا ان لَا اله الا الله وان مُحَمَّدًا رَسُول الله فاذا قالوها

стр. 786

عصموا منى دِمَاءَهُمْ واموالهم الا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله وَلِهَذَا لم صَحَّ بيع الْمُكْره بِغَيْر حق وشراؤه وَسَائِر عقوده الْمَالِيَّة وَلَا نِكَاحه وطلاقه وَسَائِر عقوده البضعية وَلَا يَمِينه ونذره وَسَائِر الْعُقُود الَّتِي اكره عَلَيْهَا بِغَيْر حق بِخِلَاف مَا اكره عَلَيْهِ بِحَق كَالدّين اذا وَجب عَلَيْهِ بيع مَاله لوفاء دينه وكما فِي الصَّحِيح عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ بَيْنَمَا نَحن عِنْد النَّبِي ﷺ اذ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ انْطَلقُوا الى يهود فخرجنا مَعَه حَتَّى جِئْنَا بَيت الْمدَارِس فَقَامَ النَّبِي ﷺ فناداهم فَقَالَ يَا معشر يهود اسلموا يسلمُوا قَالُوا قد بلغت يَا ابا الْقَاسِم فَقَالَ ذَلِك اريد ثمَّ قَالَ الثَّانِيَة فَقَالُوا قد بلغت يَا ابا الْقَاسِم ثمَّ قَالَ الثَّالِثَة فَقَالَ اعلموا انما الارض لله وَرَسُوله واني اريد ان اجليكم من هَذِه الارض فَمن وجد مِنْكُم بِمَالِه شَيْئا فليبعه والا فاعلموا ان الارض لله وَرَسُوله

стр. 787

وكالمبايع للنَّبِي ﷺ مَا امْرَهْ الله ان يُبَايع عَلَيْهِ وعَلى هَذَا يخرج الْمُكْره على الْبيعَة للأمير اذا كَانَ مكْرها هَل هُوَ مكره بِحَق اَوْ بِغَيْر حق وَهل هُوَ مبايع على مَا امْرَهْ الله ان يُبَايع عَلَيْهِ اَوْ على غير ذَلِك وَقد يتَأَوَّل بعض اهل الاهواء هَذِه الْآيَات على غير تَأْوِيلهَا كتأويل الرافضة انهم هم الْمُؤْمِنُونَ وان سواهُم كافرون فقد يستعملون مَعَهم التقية وَلَهُم فِي ذَلِك من الْبَاطِل مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه

стр. 788

واما الاكراه على الافعال الْمُحرمَة فَهَل يُبَاح بالاكراه على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن احْمَد احداهما لَا تُبَاح الافعال الْمُحرمَة كَأَكْل الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَشرب الْخمر بِالْإِكْرَاهِ بِخِلَاف الاقوال كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس انما التقية بِاللِّسَانِ وَلِأَن الافعال يثبت حكمهَا بِدُونِ الْقَصْد حَتَّى من الْمَجْنُون وَغَيره بِخِلَاف الاقوال فَإِنَّهُ يعْتَبر فِيهَا الْمَقْصد وَالثَّانيَِة وَهِي اشهر انها تُبَاح بِالْإِكْرَاهِ كَمَا تُبَاح الْمُحرمَات بالأضطرار فَإِن الْمُكْره قد يخَاف من الْقَتْل اعظم مِمَّا يخَاف الْمُضْطَر غير بَاغ وَلَا عَاد وَلِأَن الْمُضْطَر يتَنَاوَلهُ الاضرار لفظا اَوْ معنى فَإِنَّهُ مُضْطَر غير بَاغ وَلَا عَاد وَقد دلّ على ذَلِك قَوْله تَعَالَى وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء ان اردن تَحَصُّنًا لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد اكرههن غَفُور رَحِيم سُورَة الانور ٣٣ وَهَذَا فِي الافعال الْمُحرمَة لحق الله فِيهَا فَأَما قتل الْمَعْصُوم فَلَا يُبَاح بالاكراه بِلَا نزاع لانه لَيْسَ لَهُ ان يحيى نَفسه بِمَوْت ذَلِك الْمَعْصُوم وَلَيْسَ ذَلِك بِأولى من الْعَكْس بل طلبه احياء نَفسه

стр. 789

بالاعتداء على غَيره ظلم مَحْض واذا كَانَ الْمُضْطَر الى إطْعَام نَفسه لَيْسَ لغيره ان يَأْخُذهُ مِنْهُ عِنْد الِاضْطِرَار فَلَيْسَ لأحد ان يقتل غَيره ليحيى هُوَ نَفسه بل هَذَا ظلم وعدوان وَهُوَ مُوجب للقود على الْمُكْره وَالْمكْره فِي مَذْهَب احْمَد وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي لاشْتِرَاكهمَا فِي الْفِعْل هَذَا بِالْمُبَاشرَةِ الْمُحرمَة وَهَذَا بالتسبب المفضى الى الْفِعْل غَالِبا وَقيل انما يجب على الْمُكْره الظَّالِم لِأَن الْمُكْره قد صَار كالآلة وَهَذَا قَول ابي حنيفَة وَقيل بِالْعَكْسِ وَهُوَ قَول زيد وَهُوَ قَول ردئ فَإِنَّهُ لحظ ظَاهر الْمُبَاشرَة اَوْ السَّبَب وَهَذَا فِي الْمُكْره الَّذِي يفعل بِإِرَادَة اكراه عَلَيْهَا وَلِهَذَا صَحَّ ان يُقَال فِي هَذَا الْمُكْره هُوَ مُرِيد مُخْتَار وَصَحَّ ان يُقَال لَيْسَ بمختار فان الْمُخْتَار من لَهُ اخْتِيَار وارادة وَهَذَا الْمُكْره ارادته واختياره الَّذِي هُوَ فِيهِ ان لَا يفعل ذَلِك الْفِعْل الَّذِي اكره عَلَيْهِ وَلَكِن لما الجئ بِمَا يُوقع بِهِ من الْعَذَاب الى احداث اخْتِيَار اخر وارادة اخرى يفعل بهَا مَا اكره عَلَيْهِ صَحَّ اثبات الِاخْتِيَار والارادة لَهُ بِاعْتِبَار مَا احدثه الاكراه فِيهِ وَصَحَّ نفي ذَلِك بِاعْتِبَار انه من

стр. 790

نَفسه لَيْسَ لَهُ اخْتِيَار وَلَا ارادة بل ارادته واختياره فِي نفي ذَلِك الْفِعْل وَحَقِيقَة الْأَمر ان لَهُ ارادتين الارادة الاصلية ان لَا يفعل هَذَا بل هُوَ كَارِه لَهُ مبغض لَهُ نافر عَنهُ وَلَا طَرِيق لَهُ الى ذَلِك الا فعل مَا اكره عَلَيْهِ فَصَارَت فِيهِ ارادة ثَانِيَة تخَالف الاولى لهَذَا السَّبَب فَهَذَا الْمُكْره وان كَانَ عَاقِلا انما يفعل بِغَيْر ارادته واختياره الاصلي فَهُوَ يفعل بِإِرَادَة اخرى وَاخْتِيَار اخر وَيفْعل ايضا بقدرته وَلِهَذَا صَحَّ ان يرد على فعله الامر والنهى والاباحة فَيُقَال يُبَاح لَهُ التَّكَلُّم وَيحرم عَلَيْهِ قتل الْمَعْصُوم واما ان اكره الرجل على الزِّنَا فَإِذا قَالَ بعض الْفُقَهَاء انه لَا يكون مكْرها اذ انه فَاعل بقدرة وَاخْتِيَار لم يَصح ذَلِك وَكَذَلِكَ الجائع الْفَقِير الَّذِي سرق ليَأْكُل لَا اثم عَلَيْهِ وَقد اضْطر الى تِلْكَ الارادة وَالِاخْتِيَار لمخمصته فالضرر الَّذِي لحقه أَلْجَأَهُ الى هَذِه الارادة وَالْفِعْل فَأَما الْمَفْعُول بِهِ الْفِعْل الَّذِي هُوَ مَحل غَيره وَآلَة لَهُ مثل الْمَرْأَة أَو

стр. 791

الصَّبِي الَّذِي يشد ويربط وَيفجر بِهِ وَمثل الَّذِي يوجر الْخمر ويلذ بهَا من غير قصد اصلا وَلَا فعل اصلا كَمَا يلذ النَّائِم الَّذِي لَا شُعُور لَهُ وكما يحقن الْمَرِيض النَّائِم الَّذِي لم يشْعر بالحقنة فَهَذَا لَا فعل لَهُ اصلا بل هُوَ مَحل لفعل غَيره وَآله لَهُ واذا لم يكن مِنْهُ فعل لم يقل انه فعل محرما وَلَا غير محرم بل غَيره فعل فِيهِ اَوْ بِهِ محرما فالإثم حِينَئِذٍ على ذَلِك الْفَاعِل لَكِن ان صدر مِنْهُ نوع تَمْكِين بِأَن لَا يستفرغ وَسعه فِي الِامْتِنَاع اَوْ نوع ارادة بِأَن لَا تكون ارادته جازمة فِي الِامْتِنَاع فَذَلِك فِيهِ نوع فعل والارادة الجازمة هِيَ الَّتِي يقْتَرن بهَا الْقُدْرَة فالمكره على شَيْء انما يمْتَنع بِمِقْدَار مَا يقدر عَلَيْهِ من الِامْتِنَاع عَمَّا يفعل بِهِ فَمَتَى كَانَت ارادة الانسان جازمة فِي الِامْتِنَاع فَلَا بُد ان يفعل مقدوره وَمَتى فعل مقدوره كَانَ بِمَنْزِلَة الْمُمْتَنع الْكَامِل الِامْتِنَاع الَّذِي لم يفعل بِهِ شَيْء فَإِن الارادة الجازمة المقترن بهَا كَمَال الْقُدْرَة يجْرِي صَاحبهَا مجْرى الْفَاعِل التَّام فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب

стр. 792

فالمستكره على الزِّنَا بِهِ من امْرَأَة اَوْ صبي يكون استكراهه اما بِالْكَرَاهَةِ حَتَّى لَا يُرِيد التَّمْكِين وَهُوَ الْقَاسِم الاول واما بِأَن يفعل بِهِ مَعَ كَمَال امْتِنَاعه وَهُوَ كَمَال ارادته فِي الِامْتِنَاع بِحَيْثُ يفعل مقدوره فِي الِامْتِنَاع وَلَو لم يمْتَنع حَتَّى فعل بِهِ كَانَ مطاوعا وَكَانَ زَانيا وان لم يطْلب ذَلِك لَان الله اوجب عَلَيْهِ كَمَال النفور عَن ذَلِك والغيرة مِنْهُ والبغض لَهُ بِحَيْثُ يقرن بذلك كَمَال الِامْتِنَاع فَإِذا لم يُوجد مِنْهُ هَذَا النفور وَهَذَا الِامْتِنَاع كَانَ مطاوعا فان دفع الصَّائِل على الْحُرْمَة وَاجِب بِلَا نزاع واما دفع الصَّائِل على النَّفس الَّذِي يُرِيد قتل الْمَعْصُوم بِغَيْر حق اذا لم يكن الْقِتَال فِي فتْنَة فَهَل يجب دَفعه فِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن احْمَد ان الْمُمكن لَيْسَ بفاعل بل وَلَو اراد مُرِيد قَتله وَجب عَلَيْهِ ذَلِك كَمَا يجب عَلَيْهِ الاكل من الْميتَة عِنْد المخمصة فَكَمَا يحرم عَلَيْهِ قتل نَفسه يجب عَلَيْهِ فعل مَا لَا تبقى النَّفس الا بِهِ من طَعَام وشراب وَدفع ضَرَر بلباس وَنَحْو ذَلِك فَإِذا امكنه الْهَرَب وَنَحْوه وَجب عَلَيْهِ ذَلِك واما اذا كَانَ دفع الصَّائِل عَن نَفسه يحْتَاج الى قتال الصَّائِل فَهُنَا فِيهِ مَحْذُور اخر وان كَانَ جَائِزا وَهُوَ قتل الاخر فَلهَذَا خرج الْخلاف فِي وجوب دَفعه عَن نَفسه

стр. 793

وأصل هَذَا أَن الذى لم يرد الْفِعْل الْمحرم بِهِ عَلَيْهِ ان يبغضه بغضا تَاما يقْتَرن بِهِ فعل الْمَقْدُور من الدّفع فَإِذا لم يُوجد ذَلِك فَهُوَ تَارِك لما وَجب عَلَيْهِ من البغض وَالدَّفْع وَهل يكون مرِيدا لَهُ فالمزني بِهِ من غير فعل وَلَا إِرَادَة وَلَا كَمَال بغض وَدفع هَل يُقَال إِنَّه مُرِيد زَان وَهل يُقَال] عَن الْمَقْتُول من غير فعل مِنْهُ وَلَا إِرَادَة وَلَا كَمَال بغض وَدفع [إِنَّه مُرِيد لقتل نَفسه قَاتل] أَو [يُقَال بل لَيْسَ بمبغض وَلَا مُمْتَنع وَهل انْتِفَاء البغض والامتناع مُسْتَلْزم للإرادة وَالْفِعْل وَسبب الِاشْتِبَاه ان الانسان قد يَخْلُو عَن ارادة الشَّيْء وكراهته وحبه وبغضه كَمَا يَخْلُو عَن التَّصْدِيق بالشَّيْء والتكذيب لَهُ فكم من امور يُحِبهَا من وَجه ويبغضها من وَجه فالأقسام اربعة اما مُرَاد واما مَكْرُوه واما مُرَاد مَكْرُوه واما غير مُرَاد وَلَا مَكْرُوه وَلَكِن اذا كَانَ الْمُقْتَضى لإِرَادَة الْمَقْدُور قَائِما فَإِنَّمَا يُوجب وجود ارادته وَفعله الا لمَانع وَكَذَلِكَ اذ كَانَ الْمُقْتَضى لِبُغْض فعل الْمحرم بِهِ والامتناع من ذَلِك قَائِما

стр. 794

فَإِذا لم يُوجد البغض والامتناع فَلَا بُد من معَارض مَانع وَذَلِكَ هُوَ الْمُقْتَضى للإرادة والتمكين فالإنسان قد لَا يُرِيد الشَّيْء وَلَا يكرههُ لعدم سَبَب الارادة وَالْكَرَاهَة فَأَما مَعَ وجود الْمُقْتَضى فَلَا بُد من وجود مُقْتَضَاهُ الا لمَانع فَلهَذَا من لم يبغض وَلم يمْتَنع عَن فعل الْمحرم بِهِ مَعَ قدرته على الِامْتِنَاع فَأَنَّهُ يكون مرِيدا فَاعِلا وَلِهَذَا يُقَال انه مُطَاوع وان كَانَ قد يجْتَمع فِي قلبه البغض لذَلِك والارادة باعتبارين كَمَا يجْتَمع فِي قلب الْمُكْره على الشَّيْء ارادة فعل الْمُكْره عَلَيْهِ وَكَرَاهَة ذَلِك باعتبارين فَمن أوجر طَعَاما محرما يقدر على الِامْتِنَاع مِنْهُ فَلم يفعل اَوْ فعل بِهِ فَاحِشَة يقدر على الِامْتِنَاع مِنْهَا فَلم يفعل كَانَت مَعْصِيَته بترك مَا وَجب عَلَيْهِ من الْكَرَاهَة والامتناع وبفعل مَا نهى من الارادة والمطاوعة وَلَا يكون غير مُرِيد وَلَا فَاعل الا اذا كَانَ كَارِهًا تَامّ الْكَرَاهَة وَذَلِكَ يُوجب فعل الْمَقْدُور عَلَيْهِ من الِامْتِنَاع فَأَما اذا كَانَ كَارِهًا كَرَاهَة قَاصِرَة فَإِن الارادة تصْحَب مثل هَذِه الْكَرَاهَة وَفِي مثل هَذَا يصحبها الْفِعْل لَا محَالة لِأَن الْمُقْتَضى لكَمَال الْكَرَاهَة قَائِم وَهُوَ مَا فِي ذَلِك من الْحُرْمَة والعقوبة فَإِذا لم تحصل هَذِه الْكَرَاهَة فإمَّا لضعف الْمُقْتَضى وَهُوَ الْعلم فِي ذَلِك من الْحُرْمَة والعقوبة واما لوُجُود الْمَانِع وَهُوَ نوع من الارادة

стр. 795

عَارض للبغض اَوْ سَببه اما وجود لَذَّة من الْفِعْل واما رَغْبَة فِي عوض واما رهبة اوجبت ارادة الْمُكْره وَحِينَئِذٍ فَيكون بِمَنْزِلَة الْفَاعِل لرغبة اَوْ رهبة لَا يكون بِمَنْزِلَة عديم الْفِعْل وَلِهَذَا مَضَت الشَّرِيعَة بِأَن المطاوعة زَانِيَة وَكَذَلِكَ الْمَفْعُول بِهِ من الذكران كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان أَو مُشْرك وَحرم ذَلِك على الْمُؤمنِينَ﴾ سُورَة النُّور ٣ وَلَو ادعِي مُدع ان الْمَفْعُول بِهِ اذا لم يُوجد مِنْهُ ارادة وَلَا حَرَكَة فِي الْفِعْل لم يكن فَاعِلا لم يقبل ذَلِك بل يُقَال لَوْلَا وجود ارادة توجب البغض الْمُقْتَضى للامتناع لم يكن فَاعِلا وَقد ذكر الْفُقَهَاء الملموس هَل تنْتَقض طَهَارَته كاللامس على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن احْمَد وَكَذَلِكَ الْمَوْطُوءَة فِي رَمَضَان هَل

стр. 796

تجب عَلَيْهَا كَفَّارَة اخرى على هَذَا يظْهر الْفرق فِي الاحكام بَين الْمُمكن من فعل الْفَاحِشَة بِهِ والممكن من قبل نَفسه وَفِي الْجُمْلَة فَإِن فعل الْفَاحِشَة حرَام لَا يُبَاح بِحَال وَلَا يُبَاح بِمَا يُقَال انه ضَرُورَة بِخِلَاف تَمْكِين الانسان من قبل نَفسه فَإِن جنس هَذَا يُبَاح بل كَمَا فعل عمار والاول حَال أكَابِر الصَّحَابَة وَقد اخرجا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن خباب بن الارت قَالَ شَكَوْنَا الى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ متوسط بردة لَهُ فِي ظلّ الْكَعْبَة فَقُلْنَا يَا رَسُول الا تَسْتَنْصِر لنا الا تَدْعُو لنا فَقَالَ قد كَانَ من قبلكُمْ يُؤْخَذ الرجل فيحفر لَهُ فِي الارض فَيجْعَل فِيهَا فيجاء بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَع على رَأسه فَيجْعَل نِصْفَيْنِ وَيُمشط بِأَمْشَاط الْحَدِيد مَا دون عظمه من لحم وَعصب فَمَا يصده ذَلِك عَن دينه وَالله لَيتِمَّن الله هَذَا الامر حَتَّى يسير الرَّاكِب من صنعاء الى حَضرمَوْت لَا يخَاف الا الله وَالذِّئْب على غنمه وَلَكِنَّكُمْ قوم تعجلون

стр. 797

وَمَعْلُوم ان هَذَا انما ذكره النَّبِي ﷺ فِي معرض الثَّنَاء على اولئك لصبرهم وثباتهم وليكون ذَلِك عزة للْمُؤْمِنين من هَذِه الامة وَقد دلّ على ذَلِك ايضا مَا ذكره الله فِي قصَّة اصحاب الاخدود حَيْثُ قَالَ ﴿إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ سُورَة البروج ١٠ الاية وَقد روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن صُهَيْب قصتهم مبسوطة فِيهَا ان الراهب صَبر حَتَّى قتل وان الْغُلَام امْر بقتل نَفسه لما علم ان ذَلِك سَبَب لايمان النَّاس إِذا رَأَوْا تِلْكَ الْآيَة وَأَن النَّاس لما آمنو فتنهم الْكفَّار حَتَّى يرجِعوا عَن دينهم فَلم يرجِعوا حَتَّى ان الْمَرْأَة الَّتِي ارادت ان ترجع انطق الله صبيها وَقَالَ اصْبِرِي يَا اماه فَإنَّك على الْحق

стр. 798

وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يزالون يقاتلونكم حَتَّى يردوكم عَن دينكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم﴾ الاية سُورَة الْبَقَرَة ٢١٧ وَقَالَ تَعَالَى قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه لنخرجنك يَا شُعَيْب وَالَّذين آمنُوا مَعَك من قريتنا اَوْ لتعودن فِي ملتنا قَالَ اولو كُنَّا كارهين قد افترينا على الله كذبا ان عدنا فِي ملتكم بعد اذ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا ان نعود فِيهَا الا ان يَشَاء الله رَبنَا وسع رَبنَا كل شَيْء علما على الله توكلنا رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وانت خير الفاتحين سُورَة الاعراف ٨٨ ٨٩ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا فَأوحى إِلَيْهِم رَبهم لَنهْلكَنَّ الظَّالِمين ولنسكننكم الأَرْض من بعدهمْ ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد﴾ سُورَة ابراهيم ١٣ ١٤ وَقَالَ ﴿كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهمْ وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بِالْبَاطِلِ ليدحضوا بِهِ الْحق فَأَخَذتهم فَكيف كَانَ عِقَاب﴾ سُورَة غَافِر ٥ وَقَالَ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّه واصبروا إِن الأَرْض﴾

стр. 799

﴿لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ سُورَة الاعراف ١٢٨ وَقَالَ ﴿وَلَقَد كذبت رسل من قبلك فصبروا على مَا كذبُوا وأوذوا حَتَّى أَتَاهُم نصرنَا وَلَا مبدل لكلمات الله وَلَقَد جَاءَك من نبإ الْمُرْسلين﴾ سُورَة الانعام ٣٤ وَقَالَ ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين﴾ سُورَة آل عمرَان ٥٤ وَقَالَ ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ مستهم البأساء وَالضَّرَّاء وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه مَتى نصر الله أَلا إِن نصر الله قريب﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢١٤ وَهَكَذَا اخبار هَذِه الْأمة من السّلف وَالْخلف كالممتحنين من السَّابِقين الاولين وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان مثل الَّذين انْزِلْ الله فيهم الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان الَّذين يَقُولُونَ رَبنَا﴾

стр. 800

﴿أخرجنَا من هَذِه الْقرْيَة الظَّالِم أَهلهَا وَاجعَل لنا من لَدُنْك وليا وَاجعَل لنا من لَدُنْك نَصِيرًا﴾ سُورَة النِّسَاء ٧٥ وَفِي الْهِجْرَة قَالَ الا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا فَأُولَئِك عَسى الله ان يعْفُو عَنْهُم سُورَة النِّسَاء ٩٩ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابي هُرَيْرَة ان النَّبِي ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي صلَاته اللَّهُمَّ انج عَيَّاش بن ابي ربيعَة وَسلمهُ بن هِشَام اللَّهُمَّ انج الْوَلِيد بن الْوَلِيد اللَّهُمَّ أَنْج الْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف وَفِي الصَّحِيح ايضا فِي حَدِيث الْحُدَيْبِيَة قصَّة ابي جندل بن سُهَيْل بن عَمْرو لما جَاءَ يُوسُف فِي قيوده ورده النَّبِي ﷺ اليهم وقصة ابي بَصِير وَغَيرهمَا من الْمُسْتَضْعَفِينَ

стр. 801

وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيح عَن سعيد بن زيد انه قَالَ لقد رَأَيْتنِي وان عمر موثقي على الاسلام وَلَو انقض اُحْدُ مِمَّا عملتم بعثمان كَانَ محقوقا ان ينْقض فَهَؤُلَاءِ كلهم اخْتَارُوا الْقَيْد وَالْحَبْس على النُّطْق بِكَلِمَة الْكفْر وَقد اوذى النَّبِي ﷺ وابو بكر وَعمر وَغَيرهمَا بأنواع من الاذى بِالضَّرْبِ وَغَيره وصبروا على ذَلِك وَلم ينْطق اُحْدُ مِنْهُم بِكَلِمَة كفر بل قد سعوا فِي قتل النَّبِي ﷺ بأنواع مِمَّا قدرُوا عَلَيْهِ من السَّعْي وَهُوَ صابر لأمر الله كَمَا امْرَهْ الله تَعَالَى

стр. 802

وان كَانَ النَّبِي ﷺ قد اخبر فِي اثناء الامر بَان الله يعصمه من النَّاس فَلم يكن قد اخبر اولا بانه يعْصم من انواع الاذى واما السَّابِقُونَ فَلم يخبروا بذلك وَكَذَلِكَ خبيب بن عدي الَّذِي صلبه الْمُشْركُونَ حِين اخرجوه من الْحرم وَلم يتَكَلَّم بِكَلِمَة الْكفْر وقصته فِي الصَّحِيح لَكِن قد يُقَال ان هَذَا لم يكن قصدهم مِنْهُ ان يعود الى دينهم فَإِنَّهُ كَانَ من الانصار وَكَانُوا يقتلونه بِمن قتل مِنْهُم يَوْم بدر بِخِلَاف اقاربهم وحلفائهم ومواليهم فَإِنَّهُم كَانُوا يحبونهم ويكرمونهم وَلم يَكُونُوا يُرِيدُونَ مِنْهُم الا الْكفْر بعد الايمان وَقد ذمّ الله فِي كِتَابه من يرْتَد ويفتتن وَلَو اكره وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذمه الله بقوله ﴿وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا﴾ سُورَة النَّحْل ١٠٦ وَكَذَلِكَ يذم من يتْرك الْوَاجِب الظَّاهِر وَيفْعل الْمحرم الظَّاهِر عِنْدَمَا يُصِيبهُ من الاذى والفتن كَمَا قَالَ ﴿وَلَا يزالون يقاتلونكم﴾ سور الْبَقَرَة ٢١٧ الاية كَمَا تقدم

стр. 803

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يعبد الله على حرف فَإِن أَصَابَهُ خير اطْمَأَن بِهِ وَإِن أَصَابَته فتْنَة انْقَلب على وَجهه خسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين﴾ سُورَة الْحَج ١١ وَقَالَ آلم احسب النَّاس ان يتْركُوا ان يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون وَلَقَد فتنا الَّذين من قبلهم فليعلمن الله الَّذين صدقُوا وليعلمن الْكَاذِبين الاية الى قَوْله ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه فَإِذا أوذي فِي الله جعل فتْنَة النَّاس كعذاب الله وَلَئِن جَاءَ نصر من رَبك ليَقُولن إِنَّا كُنَّا مَعكُمْ أَو لَيْسَ الله بِأَعْلَم بِمَا فِي صُدُور الْعَالمين﴾ سُورَة العنكبوت ١ ١٠ وَقَالَ ام حسبتم ان تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ الْآيَة سُورَة الْبَقَرَة ٢١٤ وَقَالَ ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾ سُورَة آل عمرَان ١٤٢ وَقَالَ لما ذكر الرِّدَّة الَّتِي اسْتثْنى مِنْهَا الْمُكْره وَقَلبه مطمئن بالايمان وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا فَعَلَيْهِم غضب من الله وَلَهُم عَذَاب عَظِيم ذَلِك بِأَنَّهُم استحبوا الْحَيَاة الدُّنْيَا على الاخرة وان الله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين سُورَة النَّحْل ١٠٦

стр. 804

ثمَّ قَالَ ﴿ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد مَا فتنُوا ثمَّ جاهدوا وصبروا إِن رَبك من بعْدهَا لغَفُور رَحِيم﴾ سُورَة النَّحْل ١١٠ نزلت فِي الَّذين فتنهم الْمُشْركُونَ حَتَّى اصابوهم ثمَّ هَاجرُوا بعد ذَلِك وَجَاهدُوا وصبروا فَأخْبر الله انه غفر لَهُم ورحمهم فَعلم ان تِلْكَ الْفِتْنَة كَانَت من ذنوبهم وَذَلِكَ اما لعدم الاكراه التَّام الْمُبِيح للنطق بِكَلِمَة الْكفْر واما لعدم الطُّمَأْنِينَة بِالْإِيمَان فَلَا يسْتَحق صَاحبه الْوَعيد وعَلى من اكره على الْخُرُوج فِي العساكر الظالمة مثل ان يكره المستضعفون من الْمُؤمنِينَ على الْخُرُوج مَعَ الْكَافرين لقِتَال الْمُؤمنِينَ كَمَا اخْرُج الْمُشْركُونَ عَام بدر مَعَهم طَائِفَة من الْمُسْتَضْعَفِينَ فَهَؤُلَاءِ اذا امكنهم ترك الْخُرُوج بِالْهِجْرَةِ اَوْ بغَيْرهَا والا فهم مفتونون وَفِيهِمْ نزل قَوْله تَعَالَى ان الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي انفسهم قَالُوا فِيمَا كُنْتُم قَالُوا كُنَّا مستضعفين فِي الارض قَالُوا الم تكن ارْض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا سُورَة النِّسَاء

стр. 805

٩٧ - لأَنهم فعلوا الْمحرم مَعَ الْقُدْرَة على تَركه وَقد روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن ابي الاسود قَالَ قطع على اهل الْمَدِينَة بعث فاكتتبت فِيهِ فَلَقِيت عِكْرِمَة فَأَخْبَرته فنهاني اشد النَّهْي ثمَّ قَالَ اخبرني ابْن عَبَّاس ان اناسا من الْمُسلمين كَانُوا مَعَ الْمُشْركين يكثرون سَواد الْمُشْركين على رَسُول الله ﷺ فيأتى السهْم فَيَرْمِي بِهِ فَيُصِيب احدهم فيقتله اَوْ يضْربهُ فيقتله فَأنْزل الله ﴿إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم﴾ سُورَة النِّسَاء ٩٧ واما اذا كَانُوا غير قَادِرين على التّرْك بِحَيْثُ لَو لم يخرجُوا لقتلهم الْمُشْركُونَ وَنَحْو ذَلِك فَهَؤُلَاءِ غير مأثومين فِي الاخرة لما روى ان النَّبِي ﷺ قَالَ يَغْزُو هَذَا الْبَيْت جَيش من النَّاس فَبَيْنَمَا هم ببيداء من الارض اذ خسف بهم فَقَالَت ام

стр. 806

سَلمَة ففيهم الْمُكْره يَا رَسُول الله قَالَ يحشرون على نياتهم وَفِي الصَّحِيح عَن حُذَيْفَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ سَتَكُون فتْنَة الْقَاعِد فِيهَا خير من السَّاعِي من تشرف لَهَا تستشرفه فَمن وجد ملْجأ اَوْ معَاذًا فليعذ بِهِ وَفِي رِوَايَة فَإِذا وَقعت فَمن كَانَ لَهُ ابل فليلحق بإبله وَمن كَانَ لَهُ غنم فليلحق بغنمه وَمن كَانَت لَهُ ارْض فليلحق بأرضه فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت ان اكرهت حَتَّى ينْطَلق بِي الى اُحْدُ الصفين يضربني رجل بِسَيْفِهِ ويجئ سهم فَيَقْتُلنِي قَالَ يبوء بإثمه وإثمك وَيكون من اصحاب النَّار

стр. 807

فقد امْر ﷺ بِالْهِجْرَةِ الى حَيْثُ لَا يُقَاتل وبإفساد السِّلَاح الَّذِي يُقَاتل بِهِ فِي الْفِتْنَة وَاخْبَرْ ان الْمُكْره لَا اثم عَلَيْهِ وَلما كَانَ الْقِتَال فِي الْفِتْنَة كَانَ قَاتله قَاتلا لَهُ بِغَيْر حق فباء بإثمه واثم صَاحبه واما الْمُكْره الَّذِي يُقَاتل طَائِفَة بِحَق كَالَّذي يكون فِي صف الْكفَّار والمرتدين والمارقين من الاسلام فَلَا اثم على من قَتله بل هُوَ مثاب على الْجِهَاد وان افضى الى قَتله

стр. 808

كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ للْعَبَّاس اما ظاهرك فَكَانَ علينا واما سريرتك فَإلَى الله وَقد اخرجا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر ان النَّبِي ﷺ قَالَ اذا انْزِلْ الله بِقوم عذَابا اصاب الْعَذَاب من كَانَ فيهم ثمَّ يبعثون على نياتهم فَهَذَا ايضا دَلِيل على ان الْمُكْره على تَكْثِير سَواد المقاتلين بِغَيْر حق وان اصابة عَذَاب الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يحْشر فِي الاخرة على نياته فَهَذَا كُله يدل على انه لَيْسَ كل مكره على فعل محرم يَأْثَم بِهِ كأشهر الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْعلمَاء وَمن ذَلِك مقَام الْمُسلمين بَين الْمُشْركين مستضعفين وَقد دلّ الْقُرْآن على هَذَا وعَلى هَذَا وَمِنْه استئسار الْمُسلم اذا اكرهه الْكَافِر وَقَالَ ان لم تستأسر والا قتلتك فَإِن دُخُوله فِي اسره محرم لَوْلَا الاكراه وَقد فعل ذَلِك خبيب بن عدي وَغَيره وهم فِي ذَلِك كالمستضعفين

стр. 809

وَقد دلّ على ذَلِك نَص الْقُرْآن بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة النُّور ٣٣ فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الاكراه على الْبغاء فالاكراه على شرب الْخمر واكل الْميتَة دون ذَلِك فان الزِّنَا من اكبر الْكَبَائِر بعد الْقَتْل كَمَا دلّ النَّبِي ﷺ على ذَلِك عِنْدَمَا سُئِلَ أَي الذَّنب اعظم قَالَ ان تجْعَل لله ندا الحَدِيث الى قَوْله ثمَّ أَي قَالَ ان تُزَانِي بحليلة جَارك ثمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون﴾ سروة الْفرْقَان ٦٨ وَمَعْلُوم ان المكرهات من الاماء على الْبغاء كَمَا كَانَ ابْن ابي وامثاله يكْرهُونَ اماءهم على الِاكْتِسَاب بالبغاء لَيْسَ هوان يفعل بهَا بِلَا فعل مِنْهَا بل هُوَ ان تكره حَتَّى تقصد ذَلِك وتفعله وَلِهَذَا سَمَّاهُ بغاء وَذَلِكَ الْقسم لَيْسَ فِيهِ بغاء وَلِهَذَا قَالَ ﴿لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ سُورَة النُّور ٣٣ وَذَلِكَ انما يحصل فِي الْعَادة لمن

стр. 810

تفعل لَا بِمن ترْبط حَتَّى يفعل بهَا ولان ذَلِك هُوَ الْعَادة الْمَعْرُوفَة الَّتِي تزل الْقُرْآن عَلَيْهَا فَهَذِهِ الاية فِي فعل الْفَاحِشَة وَتلك الاية فِي الدُّخُول تَحت حكم الْكفَّار وَكِلَاهُمَا من الافعال وَقد روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن جَابر قَالَ كَانَ عبد الله بن ابي ين سلول يَقُول لجارية لَهُ اذهبي فابغينا شَيْئا قَالَ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ الاية سُورَة النُّور ٣٣ وَفِي رِوَايَة ان جَارِيَة لعبد الله بن ابي يُقَال لَهَا مُسَيْكَة واخرى يُقَال لَهَا اميمة كَانَ يُرِيدهُمَا على الزِّنَا فشكيا ذَلِك الى رَسُول الله ﷺ فَأنْزل الله هَذِه الاية وَقد ذكر البُخَارِيّ مَا رَوَاهُ اللَّيْث عَن نَافِع ان صَفِيَّة بنت ابي عبيد اخبرته ان عبدا من رَقِيق الامارة وَقع على وليدة من الْخمس فاستكرهها حَتَّى اقتضها فجلده عمر الْحَد ونفاه
следующие страницы →