Полный текст (451 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قَالَه هَذَا عَرق عرق جهمي ينضح من قلبه على لِسَانه وَحَقِيقَته إِنْكَار رَحْمَة الله جملَة وَكَانَ جهم يخرج إِلَى الجذمى وَيَقُول أرْحم الرَّاحِمِينَ يفعل هَذَا إنكارا لِرَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ
وَهَذَا الَّذِي ظَنّه هَذَا الْقَائِل هُوَ شُبْهَة منكري صِفَات الرب فَإِنَّهُم قَالُوا الْإِرَادَة حَرَكَة النَّفس لجلب مَا ينفعها وَدفع مَا يَضرهَا والرب تَعَالَى يتعالى عَن ذَلِك فَلَا إِرَادَة لَهُ وَالْغَضَب غليان دم الْقلب طلبا للانتقام والرب منزه عَن ذَلِك فَلَا غضب لَهُ وسلكوا هَذَا المسلك الْبَاطِل فِي حَيَاته وَكَلَامه وَسَائِر صِفَاته وَهُوَ من أبطل الْبَاطِل فَإِنَّهُ أَخذ فِي مُسَمّى الصّفة خَصَائِص الْمَخْلُوق ثمَّ نفاها جملَة عَن الْخَالِق وَهَذَا فِي غَايَة التلبيس والإضلال فَإِن الْخَاصَّة الَّتِي أَخذهَا فِي الصّفة لم يثبت لَهَا لذاتها وَإِنَّمَا يثبت لَهَا بإضافتها إِلَى الْمَخْلُوق الْمُمكن وَمَعْلُوم أَن نفي خَصَائِص صِفَات المخلوقين عَن الْخَالِق لَا يَقْتَضِي نفي أصل الصّفة عَنهُ سُبْحَانَهُ وَلَا إِثْبَات أصل الصّفة لَهُ يَقْتَضِي إِثْبَات خَصَائِص الْمَخْلُوق لَهُ كَمَا أَن مَا نفي عَن صِفَات الرب تَعَالَى من النقائص والتشبيه لَا يَقْتَضِي نَفْيه عَن صفة الْمَخْلُوق وَلَا مَا ثَبت لَهَا من الْوُجُوب والقدم والكمال يَقْتَضِي ثُبُوته للمخلوق وَلَا إِطْلَاق الصّفة على الْخَالِق والمخلوق وَهَذَا مثل الْحَيَاة وَالْعلم فَإِن حَيَاة العَبْد تعرض لَهَا الْآفَات المضادة لَهَا من الْمَرَض وَالنَّوْم وَالْمَوْت وَكَذَلِكَ علمه يعرض لَهُ النسْيَان وَالْجهل المضاد لَهُ وَهَذَا محَال فِي حَيَاة الرب وَعلمه فَمن نفى علم الرب وحياته لما يعرض فيهمَا للمخلوق فقد أبطل وَهُوَ نَظِير نفي من نفى رَحْمَة الرب وَعلمه فَمن نفى رَحْمَة الرب عَنهُ لما يعرض فِي رَحْمَة الْمَخْلُوق من رقة
стр. 142
الطَّبْع وتوهم المتوهم أَنه لَا تعقل رَحْمَة إِلَّا هَكَذَا نَظِير توهم المتوهم أَنه لَا يعقل علم وَلَا حَيَاة وَلَا إِرَادَة إِلَّا مَعَ خَصَائِص الْمَخْلُوق
وَهَذَا الْغَلَط منشؤه إِنَّمَا هُوَ توهم صفة الْمَخْلُوق الْمقيدَة بِهِ أَولا وتوهم أَن إِثْبَاتهَا لله هُوَ مَعَ هَذَا الْقَيْد وَهَذَانِ وهمان باطلان فَإِن الصّفة الثَّابِتَة لله مُضَافَة إِلَيْهِ لَا يتَوَهَّم فِيهَا شَيْء من خَصَائِص المخلوقين لَا فِي لَفظهَا وَلَا فِي ثُبُوت مَعْنَاهَا وكل من نفى عَن الرب تَعَالَى صفة من صِفَاته لهَذَا الخيال الْبَاطِل لزمَه نفي جَمِيع صِفَات كَمَاله لِأَنَّهُ لَا يعقل مِنْهَا إِلَّا صفة الْمَخْلُوق بل وَيلْزمهُ نفي ذَاته لِأَنَّهُ لَا يعقل من الذوات إِلَّا الذوات المخلوقة
وَمَعْلُوم أَن الرب لَا يُشبههُ شَيْء مِنْهَا وَهَذَا الْبَاطِل قد الْتَزمهُ غلاة المعطلة وَكلما أوغل النَّافِي فِي نَفْيه كَانَ قَوْله أَشد تناقضا وَأظْهر بطلانا وَلَا يسلم على محك الْعقل الصَّحِيح الَّذِي لَا يكذب إِلَّا مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الصافات ١٥٩ فنزه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفه بِهِ كل أحد إِلَّا المخلصين من عباده وهم الرُّسُل وَمن تَبِعَهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لله رب الْعَالمين﴾ الصافات ١٨٠ ١٨٢ فنزه نَفسه عَمَّا يصفه بِهِ الواصفون وَسلم على الْمُرْسلين لِسَلَامَةِ مَا وصفوه بِهِ من كل نقص وعيب وَحمد نَفسه إِذْ هُوَ الْمَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال الَّتِي يسْتَحق لأَجلهَا الْحَمد ومنزه عَن كل نقص يُنَافِي كَمَال حَمده
стр. 143
الْفَصْل الثَّالِث
فِي معنى اسْم النَّبِي ﷺ واشتقاقه
هَذَا إِلَّا سم هُوَ أشهر أَسْمَائِهِ ﷺ وَهُوَ اسْم مَنْقُول من الْحَمد وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم مفعول من الْحَمد وَهُوَ يتَضَمَّن الثَّنَاء على الْمَحْمُود ومحبته وإجلاله وتعظيمه هَذَا هُوَ حَقِيقَة الْحَمد وَبني على زنة مفعل مثل مُعظم ومحبب ومسود ومبجل ونظائرها لِأَن هَذَا الْبناء مَوْضُوع للتكثير فَإِن اشتق مِنْهُ اسْم فَاعل فَمَعْنَاه من كثر صُدُور الْفِعْل مِنْهُ مرّة بعد مرّة كمعلم ومفهم ومبين ومخلص ومفرج وَنَحْوهَا وَإِن اشتق مِنْهُ اسْم مفعول فَمَعْنَاه من كثر تكَرر وُقُوع الْفِعْل عَلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى إِمَّا استحقاقاً أَو وقوعاً فمحمد هُوَ كثر حمد الحامدين لَهُ مرّة بعد أُخْرَى أَو الَّذِي يسْتَحق أَن يحمد مرّة بعد أُخْرَى
وَيُقَال حمد فَهُوَ مُحَمَّد كَمَا يُقَال علم فَهُوَ معلم وَهَذَا علم وَصفَة اجْتمع فِيهِ الْأَمْرَانِ فِي حَقه ﷺ وَإِن كَانَ علما مَحْضا فِي حق كثير مِمَّن تسمى بِهِ غَيره
وَهَذَا شَأْن أَسمَاء الرب تَعَالَى وَأَسْمَاء كِتَابه وَأَسْمَاء نبيه هِيَ أَعْلَام دَالَّة على معَان هِيَ بهَا أَوْصَاف فَلَا تضَاد فِيهَا العلمية الْوَصْف بِخِلَاف غَيرهَا من أَسمَاء المخلوقين فَهُوَ الله الْخَالِق
стр. 144
البارئ المصور القهار فَهَذِهِ أَسمَاء دَالَّة على معَان هِيَ صِفَاته وَكَذَلِكَ الْقُرْآن وَالْفرْقَان وَالْكتاب الْمُبين وَغير ذَلِك من أَسْمَائِهِ
وَكَذَلِكَ أَسمَاء النَّبِي ﷺ مُحَمَّد وَأحمد والماحي وَفِي حَدِيث جُبَير بن مطعم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن لي أَسمَاء أَنا مُحَمَّد وَأَنا أَحْمد وَأَنا الماحي الَّذِي يمحو الله بِي الْكفْر
فَذكر رَسُول الله ﷺ هَذِه الْأَسْمَاء مُبينًا مَا خصّه الله بِهِ من الْفضل وَأَشَارَ إِلَى مَعَانِيهَا وَإِلَّا فَلَو كَانَت أعلاماً مَحْضَة لَا معنى لَهَا لم تدل على مدح وَلِهَذَا قَالَ حسان ﵁
(وشق لَهُ من اسْمه ليجله ... فذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد)
وَكَذَلِكَ أَسمَاء الرب تَعَالَى كلهَا أَسمَاء مدح وَلَو كَانَت ألفاظاً مُجَرّدَة لَا مَعَاني لَهَا لم تدل على الْمَدْح وَقد وصفهَا الله سُبْحَانَهُ بِأَنَّهَا حسنى كلهَا فَقَالَ ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ الْأَعْرَاف ١٨ فَهِيَ لم تكن حسنى لمُجَرّد اللَّفْظ بل لدلالتها على أَوْصَاف الْكَمَال وَلِهَذَا لما سمع بعض الْعَرَب قَارِئًا يقْرَأ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ الله﴾ الْمَائِدَة ٣٨ وَالله غَفُور رَحِيم قَالَ لَيْسَ هَذَا كَلَام الله تَعَالَى فَقَالَ الْقَارئ أتكذب بِكَلَام الله تَعَالَى فَقَالَ لَا وَلَكِن لَيْسَ هَذَا بِكَلَام الله فَعَاد إِلَى حفظه وَقَرَأَ ﴿وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ فَقَالَ الْأَعرَابِي
стр. 145
صدقت عز فَحكم فَقطع وَلَو غفر ورحم لما قطع
وَلِهَذَا إِذا ختمت آيَة الرَّحْمَة باسم عَذَاب أَو بِالْعَكْسِ ظهر تنافر الْكَلَام وَعدم انتظامه
وَفِي السّنَن من حَدِيث أبي بن كَعْب قِرَاءَة الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف ثمَّ قَالَ لَيْسَ مِنْهُنَّ إِلَّا شاف كَاف إِن قلت سميعاً عليماً عَزِيزًا حكيماً مَا لم تختم آيَة عَذَاب برحمة أَو آيَة رَحْمَة بِعَذَاب // إِسْنَاده صَحِيح //
وَلَو كَانَت هَذِه الْأَسْمَاء أعلاماً مَحْضَة لَا معنى لَهَا لم يكن فرق بَين ختم الْآيَة بِهَذَا أَو بِهَذَا
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُعلل أَحْكَامه وأفعاله بأسمائه وَلَو لم يكن لَهَا معنى لما كَانَ التَّعْلِيل صَحِيحا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ نوح ١٠ وَقَوله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أشهر فَإِن فاؤوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاق فَإِن الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الْبَقَرَة ٢٢٦ ٢٢٧ فختم حكم الْفَيْء الَّذِي هُوَ الرُّجُوع وَالْعود إِلَى رضى الزَّوْجَة وَالْإِحْسَان إِلَيْهَا بِأَنَّهُ غَفُور رَحِيم يعود على عَبده بمغفرته وَرَحمته إِذا رَجَعَ إِلَيْهِ وَالْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَكَمَا رَجَعَ إِلَى الَّتِي هِيَ أحسن رَجَعَ الله إِلَيْهِ بالمغفرة وَالرَّحْمَة ﴿وَإِن عزموا الطَّلَاق فَإِن الله سميع عليم﴾ فَإِن الطَّلَاق لما كَانَ لفظا يسمع وَمعنى يقْصد عقبه باسم السَّمِيع للنطق بِهِ الْعَلِيم بمضمونه
وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَن الله غَفُور حَلِيمٌ﴾
стр. 146
) الْبَقَرَة ٢٣٥
فَلَمَّا ذكر التَّعْرِيض بِخطْبَة الْمَرْأَة الدَّال على أَن المعرض فِي قلبه رَغْبَة فِيهَا ومحبة لَهَا وَأَن ذَلِك يحملهُ على الْكَلَام الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إِلَى نِكَاحهَا وَرفع الْجنَاح عَن التَّعْرِيض وانطواء الْقلب على مَا فِيهِ من الْميل والمحبة وَنفي مواعدتهن سرا فَقيل هُوَ النِّكَاح وَالْمعْنَى لَا تصرحوا لَهُنَّ بِالتَّزْوِيجِ إِلَّا أَن تعرضوا تعريضاً وَهُوَ القَوْل الْمَعْرُوف وَقيل هُوَ أَن يَتَزَوَّجهَا فِي عدتهَا سرا فَإِذا انْقَضتْ الْعدة أظهر العقد وَيدل على هَذَا قَوْله ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكتاب أَجله﴾ وَهُوَ انْقِضَاء الْعدة وَمن رجح القَوْل الأول قَالَ دلّت الْآيَة على إِبَاحَة التَّعْرِيض بِنَفْي الْجنَاح وَتَحْرِيم التَّصْرِيح بِنَفْي المواعدة سرا وَتَحْرِيم عقد النِّكَاح قبل انْقِضَاء الْعدة فَلَو كَانَ معنى مواعدة السِّرّ هُوَ إسرار العقد كَانَ تَكْرَارا ثمَّ عقب ذَلِك بقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ أَن تتعدوا مَا حد لكم فَإِنَّهُ مطلع على مَا تسرون وَمَا تعلنون ثمَّ قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله غَفُور حَلِيم﴾ لَوْلَا مغفرته وحلمه لعنتم غَايَة الْعَنَت فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مطلع عَلَيْكُم يعلم مَا فِي قُلُوبكُمْ وَيعلم مَا تَعْمَلُونَ فَإِن وَقَعْتُمْ فِي شَيْء مِمَّا نهاكم عَنهُ فبادروا إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار فَإِنَّهُ الغفور الْحَلِيم
وَهَذِه طَريقَة الْقُرْآن يقرن بَين أَسمَاء الرَّجَاء وَأَسْمَاء المخافة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
стр. 147
) الْمَائِدَة ٩٨ وَقَالَ أهل الْجنَّة ﴿الْحَمد لله الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِن رَبنَا لغَفُور شكور﴾ سبأ ٣٤ لما صَارُوا إِلَى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قَالُوا ﴿إِن رَبنَا لغَفُور شكور﴾ وَفِي هَذَا معنى التَّعْلِيل أَي بمغفرته وشكره وصلنا إِلَى دَار كرامته فَإِنَّهُ غفر لنا السَّيِّئَات وشكر لنا الْحَسَنَات وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ النِّسَاء ١٤٧ فَهَذَا جَزَاء لشكرهم أَي إِن شكرتم ربكُم شكركم وَهُوَ عليم بشكركم لَا يخفى عَلَيْهِ من شكره مِمَّن كفره
وَالْقُرْآن مَمْلُوء من هَذَا وَالْمَقْصُود التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يسْتَدلّ بأسمائه على توحيده وَنفي الشّرك عَنهُ وَلَو كَانَت أَسمَاء لَا معنى لَهَا لم تدل على ذَلِك كَقَوْل هَارُون لعبدة الْعجل ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ طه ٩٠
وَقَوله سُبْحَانَهُ فِي الْقِصَّة ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ طه ٩٨
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ الْبَقَرَة ١٦٣
وَقَوله سُبْحَانَهُ فِي آخر سُورَة الْحَشْر ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الْحَشْر ٢٢ ٢٣ فسبح نزه نَفسه عَن شرك الْمُشْركين بِهِ عقب تمدحه بأسمائه الْحسنى الْمُقْتَضِيَة لتوحيده واستحالة إِثْبَات شريك لَهُ
стр. 148
وَمن تدبر هَذَا الْمَعْنى فِي الْقُرْآن هَبَط بِهِ على رياض من الْعلم حماها الله عَن كل أفاك معرض عَن كتاب الله واقتباس الْهدى مِنْهُ وَلَو لم يكن فِي كتَابنَا هَذَا إِلَّا هَذَا الْفَصْل وَحده لكفى من لَهُ ذوق وَمَعْرِفَة وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف وَالْجَار وَالْمَجْرُور وَغَيرهمَا وَلَو كَانَت أعلاماً مَحْضَة لم يَصح فِيهَا ذَلِك كَقَوْلِه ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الحجرات ١٦ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ الْجُمُعَة ٧ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ آل عمرَان ٦٣ و ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ الْفرْقَان ٤٣ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيم﴾ التَّوْبَة ١١٧ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ آل عمرَان ١٨٩ ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ الْبَقَرَة ١٩ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عليما﴾ النِّسَاء ٤٩ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ الْكَهْف ٤٥ (إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِير) هود ١١١ ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الحجرات ١٨ ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِير﴾ الشورى ٢٧ ونظائره كَثِيرَة
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْعَل أسماءه دَلِيلا على مَا يُنكره الجاحدون من صِفَات كَمَاله كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الْملك ١٤
وَقد اخْتلف النظار فِي هَذِه الْأَسْمَاء هَل هِيَ متباينة نظرا إِلَى تبَاين مَعَانِيهَا وَأَن كل اسْم يدل على غير مَا يدل عَلَيْهِ الآخر أم هِيَ مترادفة لِأَنَّهَا تدل على ذَات وَاحِدَة فمدلولها لَا تعدد فِيهِ وَهَذَا شَأْن المترادفات والنزاع لَفْظِي فِي ذَلِك
стр. 149
وَالتَّحْقِيق أَن يُقَال هِيَ مترادفة بِالنّظرِ إِلَى الذَّات متباينة بِالنّظرِ إِلَى الصِّفَات وكل اسْم مِنْهَا يدل على الذَّات الموصوفة بِتِلْكَ الصّفة بالمطابقة وعَلى أَحدهمَا وَحده بالتضمن وعَلى الصّفة الْأُخْرَى بالالتزام
стр. 150
فصل
إِذا ثَبت هَذَا فتسميته ﷺ بِهَذَا الِاسْم لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من مُسَمَّاهُ وَهُوَ الْحَمد فَإِنَّهُ ﷺ مَحْمُود عِنْد الله ومحمود عِنْد مَلَائكَته ومحمود عِنْد إخوانه من الْمُرْسلين ومحمود عِنْد أهل الأَرْض كلهم وَإِن كفر بِهِ بَعضهم فَإِن مَا فِيهِ من صِفَات الْكَمَال محمودة عِنْد كل عَاقل وَإِن كَابر عقله جحُودًا أَو عناداً أَو جهلا باتصافه بهَا وَلَو علم اتصافه بهَا لحمده فَإِنَّهُ يحمد من اتّصف بِصِفَات الْكَمَال ويجهل وجودهَا فِيهِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة حَامِد لَهُ وَهُوَ ﷺ اخْتصَّ من مُسَمّى الْحَمد بِمَا لم يجْتَمع لغيره فَإِن اسْمه مُحَمَّد وَأحمد وَأمته الْحَمَّادُونَ يحْمَدُونَ الله على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَصَلَاة أمته مفتتحة بِالْحَمْد وخطبته مفتتحة بِالْحَمْد وَكتابه مفتتح بِالْحَمْد هَكَذَا عِنْد الله فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَن خلفاءه وَأَصْحَابه يَكْتُبُونَ الْمُصحف مفتتحاً بِالْحَمْد وَبِيَدِهِ ﷺ لِوَاء الْحَمد يَوْم الْقِيَامَة وَلما يسْجد بَين يَدي ربه للشفاعة وَيُؤذن لَهُ فِيهَا يحمد ربه بِمَحَامِد يفتحها عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَهُوَ صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي يغبطه بِهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ الْإِسْرَاء ٧٩
стр. 151
على معنى الْمقَام الْمَحْمُود فليقف على مَا ذكره سلف الْأمة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِيهِ فِي تَفْسِير هَذِه السُّورَة كتفسير ابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير وَعبد بن حميد وَغَيرهَا من تفاسير السّلف
وَإِذا قَامَ فِي الْمقَام حَمده حِينَئِذٍ أهل الْموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أَوَّلهمْ وَآخرهمْ وَهُوَ مَحْمُود ﷺ بِمَا مَلأ الأَرْض من الْهدى وَالْإِيمَان وَالْعلم النافع وَالْعَمَل الصَّالح وَفتح بِهِ الْقُلُوب وكشف بِهِ الظلمَة عَن أهل الأَرْض واستنقذهم من أسر الشَّيْطَان وَمن الشّرك بِاللَّه وَالْكفْر بِهِ وَالْجهل بِهِ حَتَّى نَالَ بِهِ أَتْبَاعه شرف الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِن رسَالَته وافت أهل الأَرْض أحْوج مَا كَانُوا إِلَيْهَا فَإِنَّهُم كَانُوا بَين عباد أوثان وَعباد صلبان وَعباد نيران وَعباد الْكَوَاكِب ومغضوب عَلَيْهِم قد باؤوا بغضب من الله وحيران لَا يعرف رَبًّا يعبده وَلَا بِمَاذَا يعبده وَالنَّاس يَأْكُل بَعضهم بَعْضًا من اسْتحْسنَ شَيْئا دَعَا إِلَيْهِ وَقَاتل من خَالفه وَلَيْسَ فِي الأَرْض مَوضِع قدم مشرق بِنور الرسَالَة وَقد نظر الله سُبْحَانَهُ حِينَئِذٍ إِلَى أهل الأَرْض فمقتهم عربهم وعجمهم إِلَّا بقايا على آثَار من دين صَحِيح فأغاث الله بِهِ الْبِلَاد والعباد وكشف بِهِ تِلْكَ الظُّلم وَأَحْيَا بِهِ الخليقة بعد الْمَوْت فهدى بِهِ من الضَّلَالَة وَعلم بِهِ من الْجَهَالَة وَكثر بعد الْقلَّة وأعز بِهِ بعد الذلة وأغنى بِهِ بعد الْعيلَة وَفتح بِهِ أعيناً عميا وآذاناً صمًّا وَقُلُوبًا غلفًا فَعرف النَّاس رَبهم ومعبودهم غَايَة مَا يُمكن أَن تناله قواهم من الْمعرفَة وأبداً وَأعَاد وَاخْتصرَ وَأَطْنَبَ فِي ذكر أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وأفعاله حَتَّى تجلت مَعْرفَته سُبْحَانَهُ فِي قُلُوب عباده الْمُؤمنِينَ وانجابت سحائب الشَّك والريب
стр. 152
عَنْهَا كَمَا ينجاب السَّحَاب عَن الْقَمَر لَيْلَة إبداره وَلم يدع لأمته حَاجَة فِي هَذَا التَّعْرِيف لَا إِلَى من قبله وَلَا إِلَى من بعده بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عَن كل من تكلم فِي هَذَا الْبَاب ﴿أَو لم يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ العنكبوت ٥١
روى أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن النَّبِي ﷺ أَنه رأى بيد بعض أَصْحَابه قِطْعَة من التَّوْرَاة فَقَالَ كفى بِقوم ضَلَالَة أَن يتبعوا كتابا غير كِتَابهمْ الَّذِي أنزل على نَبِيّهم فَأنْزل الله تَصْدِيق ذَلِك ﴿أَو لم يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ العنكبوت ٥١ فَهَذَا حَال من أَخذ دينه عَن كتاب منزل على غير النَّبِي ﷺ فَكيف بِمن أَخذه عَن عقل فلَان وَفُلَان وَقدمه على كَلَام الله وَرَسُوله
وعرفهم الطَّرِيق الْموصل لَهُم إِلَى رَبهم ورضوانه وَدَار كرامته وَلم يدع حسنا إِلَّا أَمرهم بِهِ وَلَا قبيحاً إِلَّا نهى عَنهُ كَمَا قَالَ ﷺ مَا تركت من شَيْء يقربكم إِلَى الْجنَّة إِلَّا وَقد أَمرتكُم بِهِ وَلَا من شَيْء يقربكم من النَّار إِلَّا وَقد نَهَيْتُكُمْ عَنهُ
قَالَ أَبُو ذَر ﵁ لقد توفّي رَسُول الله ﷺ وَمَا طَائِر يقلب جناحيه فِي السَّمَاء إِلَّا ذكرنَا مِنْهُ علما
وعرفهم حَالهم بعد الْقدوم على رَبهم أتم تَعْرِيف فكشف
стр. 153
الْأَمر وأوضحه وَلم يدع بَابا من الْعلم النافع للعباد المقرب لَهُم إِلَى رَبهم إِلَّا فَتحه وَلَا مُشكلا إِلَّا بَينه وَشَرحه حَتَّى هدى الله بِهِ الْقُلُوب من ضلالها وشفاها بِهِ من أسقامها وأغاثها بِهِ من جهلها فَأَي بشر أَحَق بِأَن يحمد مِنْهُ ﷺ وجزاه عَن أمته أفضل الْجَزَاء
وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ الْأَنْبِيَاء ١٠٧ أَنه على عُمُومه وَفِيه على هَذَا التَّقْدِير وَجْهَان
أَحدهمَا أَن عُمُوم الْعَالمين حصل لَهُم النَّفْع برسالته أما أَتْبَاعه فنالوا بِهِ كَرَامَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأما أعداؤه فالمحاربون لَهُ عجل قَتلهمْ وموتهم خير لَهُم من حياتهم لِأَن حياتهم زِيَادَة لَهُم فِي تَغْلِيظ الْعَذَاب عَلَيْهِم فِي الدَّار الْآخِرَة وهم قد كتب عَلَيْهِم الشَّقَاء فتعجيل مَوْتهمْ خير لَهُم من طول أعمارهم فِي الْكفْر وَأما المعاهدون لَهُ فعاشوا فِي الدُّنْيَا تَحت ظله وَعَهده وذمته وهم أقل شرا بذلك الْعَهْد من الْمُحَاربين لَهُ
وَأما المُنَافِقُونَ فَحصل لَهُم بِإِظْهَار الْإِيمَان بِهِ حقن دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وأهلهم واحترامها وجريان أَحْكَام الْمُسلمين عَلَيْهِم فِي التَّوَارُث وَغَيره وَأما الْأُمَم النائية عَنهُ فَإِن الله سُبْحَانَهُ رفع برسالته الْعَذَاب الْعَام عَن أهل الأَرْض فَأصَاب كل الْعَالمين النَّفْع برسالته
الْوَجْه الثَّانِي أَنه رَحْمَة لكل أحد لَكِن الْمُؤْمِنُونَ قبلوا هَذِه الرَّحْمَة فانتفعوا بهَا دنيا وَأُخْرَى وَالْكفَّار ردوهَا فَلم يخرج بذلك عَن أَن يكون رَحْمَة لَهُم لَكِن لم يقبلوها كَمَا يُقَال هَذَا دَوَاء
стр. 154
لهَذَا الْمَرَض فَإِذا لم يَسْتَعْمِلهُ الْمَرِيض لم يخرج عَن أَن يكون دَوَاء لذَلِك الْمَرَض
وَمِمَّا يحمد عَلَيْهِ ﷺ مَا جبله الله عَلَيْهِ من مَكَارِم الْأَخْلَاق وكرائم الشيم فَإِن من نظر فِي أخلاقه وشيمه ﷺ علم أَنَّهَا خير أَخْلَاق الْخلق وَأكْرم شمائل الْخلق فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ أعلم الْخلق وأعظمهم أَمَانَة وأصدقهم حَدِيثا وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احْتِمَالا وأعظمهم عفوا ومغفرة وَكَانَ لَا يزِيدهُ شدَّة الْجَهْل عَلَيْهِ إِلَّا حلماً
كَمَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَنه قَالَ فِي صفة رَسُول الله ﷺ فِي التَّوْرَاة مُحَمَّد عَبدِي ورسولي سميته المتَوَكل لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا صخاب بالأسواق وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة وَلَكِن يعْفُو ويصفح وَلنْ أقبضهُ حَتَّى أقيم بِهِ الْملَّة العوجاء بِأَن يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وأفتح بِهِ أعيناً عميا وآذاناً صمًّا وَقُلُوبًا غلفًا
وأرحم الْخلق وأرأفهم بهم وَأعظم الْخلق نفعا لَهُم فِي دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله وَأَحْسَنهمْ تعبيراً عَن الْمعَانِي الْكَثِيرَة بالألفاظ الوجيزة الدَّالَّة على المُرَاد وأصبرهم فِي مَوَاطِن الصَّبْر وأصدقهم فِي مَوَاطِن اللِّقَاء وأوفاهم بالعهد والذمة وأعظمهم مُكَافَأَة على الْجَمِيل بأضعافه وأشدهم تواضعاً وأعظمهم إيثاراً على نَفسه وَأَشد الْخلق ذباً عَن أَصْحَابه وحماية
стр. 155
لَهُم ودفاعاً عَنْهُم وأقوم الْخلق بِمَا يَأْمر بِهِ وأتركهم لما يُنْهِي عَنهُ وأوصل الْخلق لرحمه فَهُوَ أَحَق بقول الْقَائِل
(برد على الْأَدْنَى ومرحمة ... وعَلى الأعادي مارن جلد)
قَالَ عَليّ ﵁ كَانَ رَسُول الله ﷺ أَجود النَّاس صَدرا وأصدقهم لهجة وألينهم عَرِيكَة وَأكْرمهمْ عشرَة من رَآهُ بديهة هابه وَمن خالطه معرفَة أحبه يَقُول ناعته لم أر قبله وَلَا بعده مثله ﷺ
فَقَوله كَانَ أَجود النَّاس صَدرا أَرَادَ بِهِ بر الصَّدْر وَكَثْرَة خَيره وَأَن الْخَيْر يتفجر مِنْهُ تفجيراً وَأَنه منطو على كل خلق جميل وكل خير كَمَا قَالَ بعض أهل الْعلم لَيْسَ فِي الدُّنْيَا كلهَا مَحل كَانَ أَكثر خيرا من صدر رَسُول الله ﷺ قد جمع الْخَيْر بحذافيره وأودع فِي صَدره ﷺ
وَقَوله أصدق النَّاس لهجة هَذَا مِمَّا أقرّ لَهُ بِهِ أعداؤه المحاربون لَهُ وَلم يجرب عَلَيْهِ أحد من أعدائه كذبة وَاحِدَة قطّ دع شَهَادَة أوليائه كلهم لَهُ بِهِ فقد حاربه أهل الأَرْض بأنواع المحاربات مشركوهم وَأهل الْكتاب مِنْهُم وَلَيْسَ أحد مِنْهُم يَوْمًا من الدَّهْر طعن فِيهِ بكذبة وَاحِدَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة
قَالَ الْمسور بن مخرمَة قلت لأبي جهل وَكَانَ خَالِي يَا خَال هَل كُنْتُم تتهمون مُحَمَّدًا بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مقَالَته فَقَالَ وَالله يَا ابْن أُخْتِي لقد كَانَ مُحَمَّد وَهُوَ شَاب يدعى فِينَا الْأمين فَلَمَّا وخطه الشيب لم يكن
стр. 156
ليكذب قلت يَا خَال فَلم لَا تتبعونه فَقَالَ يَا ابْن أُخْتِي تنازعنا نَحن وَبَنُو هَاشم الشّرف فأطعموا وأطعمنا وَسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا فَلَمَّا تجاثينا على الركب وَكُنَّا كفرسي رهان قَالُوا منا نَبِي فَمَتَى نأتيهم بِهَذِهِ أَو كَمَا قَالَ
وَقَالَ تَعَالَى يسليه ويهون عَلَيْهِ قَول أعدائه ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ الْأَنْعَام ٣٣ ٣٤
وَقَوله ألينهم عَرِيكَة يَعْنِي سهل لين قريب من النَّاس مُجيب لدَعْوَة من دَعَاهُ قَاض لحَاجَة من استقضاه جَابر لقلب من قَصده لَا يحرمه وَلَا يردهُ خائباً إِذا أَرَادَ أَصْحَابه مِنْهُ أمرا وافقهم عَلَيْهِ وتابعهم فِيهِ وَإِن عزم على أَمر لم يستبد دونهم بل يشاورهم ويؤامرهم وَكَانَ يقبل من محسنهم وَيَعْفُو عَن مسيئهم
وَقَوله أكْرمهم عشرَة يَعْنِي أَنه لم يكن يعاشر جَلِيسا لَهُ إِلَّا أتم عشرَة وأحسنها وَأَكْرمهَا فَكَانَ لَا يعبس فِي وَجهه وَلَا يغلظ لَهُ فِي مقاله وَلَا يطوي عَنهُ بشره وَلَا يمسك عَلَيْهِ فلتات لِسَانه وَلَا يؤاخذه بِمَا يصدر مِنْهُ من جفوة وَنَحْوهَا بل يحسن إِلَى عشيره غَايَة الْإِحْسَان وَيحْتَمل غَايَة الِاحْتِمَال فَكَانَت عشرته لَهُم احْتِمَال أذاهم وجفوتهم جملَة لَا يُعَاقب أحدا مِنْهُم وَلَا يلومه وَلَا يباديه بِمَا يكره من خالطه يَقُول أَنا أحب النَّاس إِلَيْهِ لما يرى من لطفه بِهِ وقربه مِنْهُ وإقباله عَلَيْهِ واهتمامه بأَمْره وتضحيته لَهُ وبذل
стр. 157
إحسانه إِلَيْهِ وَاحْتِمَال جفوته فَأَي عشرَة كَانَت أَو تكون أكْرم من هَذِه الْعشْرَة
قَالَ الْحُسَيْن ﵁ سَأَلت أبي عَن سيرة النَّبِي ﷺ فِي جُلَسَائِهِ فَقَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ دَائِم الْبشر سهل الْخلق لين الْجَانِب لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا صخاب وَلَا فحاش وَلَا عياب وَلَا مداح يتغافل عَمَّا لَا يَشْتَهِي وَلَا يؤيس مِنْهُ راجيه وَلَا يخيب فِيهِ قد ترك نَفسه من ثَلَاث المراء والإكثار وَترك مَا لَا يعنيه كَانَ لَا يذم أحدا وَلَا يعِيبهُ وَلَا يطْلب عَوْرَته وَلَا يتَكَلَّم إِلَّا فِيمَا رجا ثَوَابه وَإِذا تكلم أطرق جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا على رؤوسهم الطير فَإِذا سكت تكلمُوا لَا يتنازعون عِنْده الحَدِيث وَمن تكلم عِنْده أَنْصتُوا لَهُ حَتَّى يفرغ حَدِيثهمْ عِنْد حَدِيث أَوَّلهمْ يضْحك مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ ويتعجب مِمَّا يتعجبون مِنْهُ ويصبر للغريب على الجفوة فِي مَنْطِقه ومسألته حَتَّى إِن كَانَ أَصْحَابه ليستجلبونهم وَيَقُول إِذا رَأَيْتُمْ طَالب حَاجَة يطْلبهَا فأرفدوه وَلَا يقبل الثَّنَاء إِلَّا من مكافئ وَلَا يقطع على أحد حَدِيثه حَتَّى يجوز فيقطعه بنهي أَو قيام
وَقَوله من رَآهُ بديهة هابه وَمن خالطه معرفَة أحبه وَصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدْق وَالْإِخْلَاص وهما الإجلال والمحبة وَكَانَ قد ألْقى عَلَيْهِ هَيْبَة مِنْهُ ومحبة فَكَانَ كل من يرَاهُ يهابه ويجله ويملأ قلبه تَعْظِيمًا وإجلالاً وَإِن كَانَ عدوا لَهُ فَإِذا خالطه وعاشره كَانَ أحب إِلَيْهِ من كل مَخْلُوق فَهُوَ المجل الْمُعظم المحبوب المكرم وَهَذَا كَمَال الْمحبَّة أَن تقرن بالتعظيم والهيبة فالمحبة
стр. 158
بِلَا هَيْبَة وَلَا تَعْظِيم نَاقِصَة والهيبة والتعظيم من غير محبَّة كَمَا تكون للغادر الظَّالِم نقص أَيْضا والكمال أَن تَجْتَمِع الْمحبَّة والود والتعظيم والإجلال وَهَذَا لَا يُوجد إِلَّا إِذا كَانَ فِي المحبوب صِفَات الْكَمَال الَّتِي يسْتَحق أَن يعظم لأَجلهَا وَيُحب لأَجلهَا
وَلما كَانَ الله أَحَق بِهَذَا من كل أحد كَانَ الْمُسْتَحق لِأَن يعظم وَيكبر ويهاب وَيُحب وَيَوَد بِكُل جُزْء من أَجزَاء الْقلب وَلَا يَجْعَل لَهُ شريك فِي ذَلِك وَهَذَا هُوَ الشّرك الَّذِي لَا يغفره الله سُبْحَانَهُ أَن يُسَوِّي بَينه وَبَين غَيره فِي هَذَا الْحبّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشد حبا لله﴾ الْبَقَرَة ١٦٥ فَأخْبر أَن من أحب شَيْئا غير الله مثل حبه لله كَانَ قد اتَّخذهُ ندا وَقَالَ أهل النَّار فِي النَّار لمعبودهم ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الشُّعَرَاء ٩٧ ٩٨
وَلم تكن تسويتهم بِاللَّه فِي كَونهم خلقُوا السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَو خلقوهم أَو خلقُوا آبَاءَهُم وَإِنَّمَا سووهم بِرَبّ الْعَالمين فِي الْحبّ لَهُم كَمَا يحب الله فَإِن حَقِيقَة الْعِبَادَة هِيَ الْحبّ والذل وَهَذَا هُوَ الإجلال وَالْإِكْرَام الَّذِي وصف بِهِ نَفسه فِي قَوْله ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ الرَّحْمَن ٧٨
وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِك أَن الْجلَال هُوَ التَّعْظِيم وَالْإِكْرَام هُوَ الْحبّ وَهُوَ سر قَول العَبْد لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر
وَلِهَذَا جَاءَ فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أنس رَضِي الله
стр. 159
عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أَلظُّوا بيا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام // حَدِيث صَحِيح // أَي الزموها والهجوا بهَا
وَفِي مُسْند أبي يعلى الْموصِلِي عَن بعض الصَّحَابَة أَنه طلب أَن يعرف اسْم الله الْأَعْظَم فَرَأى فِي مَنَامه مَكْتُوبًا فِي السَّمَاء بالنجوم يَا بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام وكل محبَّة وتعظيم للبشر فَإِنَّمَا تجوز تبعا لمحبة الله وتعظيمه كمحبة رَسُوله وتعظيمه فَإِنَّهَا من تَمام محبَّة مرسله وتعظيمه فَإِن أمته يحبونه لحب الله لَهُ ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله لَهُ فَهِيَ محبَّة لله من مُوجبَات محبَّة الله وَكَذَلِكَ محبَّة أهل الْعلم وَالْإِيمَان ومحبة الصَّحَابَة ﵃ وإجلالهم تَابع لمحبة الله وَرَسُوله لَهُم
وَالْمَقْصُود أَن النَّبِي ﷺ ألْقى الله عَلَيْهِ مِنْهُ المهابة والمحبة وَلكُل مُؤمن مخلص حَظّ من ذَلِك
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ إِن الْمُؤمن رزق حلاوة ومهابة يَعْنِي يحب ويهاب ويجل بِمَا ألبسهُ الله سُبْحَانَهُ من ثوب الْإِيمَان الْمُقْتَضِي لذَلِك وَلِهَذَا لم يكن بشر أحب إِلَى بشر وَلَا أهيب وَأجل فِي صَدره من رَسُول الله ﷺ فِي صدر الصَّحَابَة ﵃
قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ قبل إِسْلَامه أَنه لم يكن شخص أبْغض إِلَيّ مِنْهُ فَلَمَّا أسلم لم يكن شخص أحب إِلَيْهِ مِنْهُ وَلَا أجل فِي عينه مِنْهُ قَالَ وَلَو سُئِلت أَن أصفه لكم لما أطقت لِأَنِّي لم أكن
стр. 160
أملأ عَيْني مِنْهُ إجلالاً لَهُ
وَقَالَ عُرْوَة بن مَسْعُود لقريش يَا قوم وَالله لقد وفدت على كسْرَى وَقَيْصَر والملوك فَمَا رَأَيْت ملكا يعظمه أَصْحَابه مَا يعظم أَصْحَاب مُحَمَّد مُحَمَّدًا ﷺ وَالله مَا يحدون النّظر إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَمَا تنخم نخامة إِلَّا وَقعت فِي كف رجل مِنْهُم فيدلك بهَا وَجهه وصدره وَإِذا تَوَضَّأ كَادُوا يقتتلون على وضوئِهِ
فَلَمَّا كَانَ رَسُول الله ﷺ مُشْتَمِلًا على مَا يَقْتَضِي أَن يحمد عَلَيْهِ مرّة بعد مرّة سمي مُحَمَّدًا وَهُوَ اسْم مُوَافق لمسماه وَلَفظ مُطَابق لمعناه
وَالْفرق بَين لفظ أَحْمد وَمُحَمّد من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن مُحَمَّدًا هُوَ الْمَحْمُود حمداً بعد حمد فَهُوَ دَال على كَثْرَة حمد الحامدين لَهُ وَذَلِكَ يسْتَلْزم كَثْرَة مُوجبَات الْحَمد فِيهِ وَأحمد أفعل تَفْضِيل من الْحَمد يدل على أَن الْحَمد الَّذِي يسْتَحقّهُ أفضل مِمَّا يسْتَحقّهُ غَيره فمحمد زِيَادَة حمد فِي الكمية وَأحمد زِيَادَة فِي الْكَيْفِيَّة فيحمد أَكثر حمد وَأفضل حمد حَمده الْبشر
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن مُحَمَّدًا هُوَ الْمَحْمُود حمداً متكرراً كَمَا تقدم وَأحمد هُوَ الَّذِي حَمده لرَبه أفضل من حمد الحامدين غَيره فَدلَّ أحد الاسمين وَهُوَ مُحَمَّد على كَونه مَحْمُودًا وَدلّ الِاسْم
стр. 161
الثَّانِي وَهُوَ أَحْمد على كَونه أَحْمد الحامدين لرَبه وَهَذَا هُوَ الْقيَاس فَإِن أفعل التَّفْضِيل والتعجب عِنْد جمَاعَة الْبَصرِيين لَا يبنيان إِلَّا من فعل الْفَاعِل لَا يبنيان من فعل الْمَفْعُول بِنَاء مِنْهُم على أَن أفعل التَّعَجُّب والتفضيل إِنَّمَا يصاغان من الْفِعْل اللَّازِم لَا من الْمُتَعَدِّي وَلِهَذَا يقدرُونَ نَقله من فعل وَفعل إِلَى بِنَاء فعل بِضَم الْعين قَالُوا وَالدَّلِيل على هَذَا أَنه يعدى بِالْهَمْزَةِ إِلَى الْمَفْعُول فالهمزة الَّتِي فِيهِ للتعدية نَحْو مَا أظرف زيدا وَأكْرم عمرا وأصلهما ظرف وكرم
قَالُوا لِأَن المتعجب مِنْهُ فَاعل فِي الأَصْل فَوَجَبَ أَن يكون فعله غير مُتَعَدٍّ
قَالُوا وَأما قَوْلهم مَا أضْرب زيدا لعَمْرو وَفعله مُتَعَدٍّ فِي الأَصْل
قَالُوا فَهُوَ مَنْقُول من ضرب إِلَى وزن فعل اللَّازِم ثمَّ عدي من فعل بِهَمْزَة التَّعْدِيَة
قَالُوا وَالدَّلِيل على ذَلِك مجيئهم بِاللَّامِ فَيَقُولُونَ مَا أضْرب زيدا لعَمْرو وَلَو كَانَ بَاقِيا على تعديه لقيل مَا أضْرب زيدا عمرا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِد بِنَفسِهِ وَإِلَى الآخر بِهَمْزَة التَّعْدِيَة فَلَمَّا عدي إِلَى الْمَفْعُول بِهَمْزَة التَّعْدِيَة عدي إِلَى الآخر بِاللَّامِ فَعلم أَنه لَازم فَهَذَا هُوَ الَّذِي أوجب لَهُم أَن قَالُوا لَا يصاغ ذَلِك إِلَّا من فعل الْفَاعِل لَا من الْفِعْل الْوَاقِع على الْمَفْعُول
ونازعهم فِي ذَلِك آخَرُونَ وَقَالُوا يجوز بِنَاء فعل التَّعَجُّب والتفضيل من فعل الْفَاعِل وَمن الْوَاقِع على الْمَفْعُول تَقول
стр. 162
الْعَرَب مَا أشغله بالشَّيْء وَهَذَا من شغل بِهِ على وزن سُئِلَ فالتعجب من المشغول بالشَّيْء لَا من الشاغل وَكَذَا قَوْلهم مَا أولعه بِكَذَا من أولع بِهِ مَبْنِيّ للْمَفْعُول لِأَن الْعَرَب التزمت بِنَاء هَذَا الْفِعْل للْمَفْعُول وَلم تبنه للْفَاعِل وَكَذَلِكَ قَوْلهم مَا أعجبه بِكَذَا هُوَ من أعجب بالشَّيْء وَكَذَا قَوْلهم مَا أحبه إِلَيّ هُوَ تعجب من فعل الْمَفْعُول وَكَذَا قَوْلهم مَا أبغضه إِلَيّ وأمقته إِلَيّ
وَهنا مَسْأَلَة مَشْهُورَة ذكرهَا سِيبَوَيْهٍ وَهِي أَنَّك تَقول مَا أبغضني لَهُ وَمَا أَحبَّنِي لَهُ وَمَا أمقتني لَهُ إِذا كنت أَنْت الْمُبْغض الكاره والمحب الماقت فَيكون تَعَجبا من فعل الْفَاعِل وَتقول مَا أبغضني إِلَيْهِ وَمَا أمقتني إِلَيْهِ وَمَا أَحبَّنِي إِلَيْهِ إِذا كنت أَنْت الْمُبْغض الممقوت أَو المحبوب فَيكون تَعَجبا من الْفِعْل الْوَاقِع على الْمَفْعُول فَمَا كَانَ بِاللَّامِ فَهُوَ للْفَاعِل وَمَا كَانَ بإلى فَهُوَ للْمَفْعُول وَكَذَلِكَ تَقول مَا أحبه إِلَيّ إِذا كَانَ هُوَ المحبوب وَمَا أبغضه إِلَيّ إِذا كَانَ هُوَ الْمُبْغض وَأكْثر النُّحَاة لَا يعللون هَذَا
وَالَّذِي يُقَال فِي علته وَالله أعلم أَن اللَّام تكون للْفَاعِل فِي الْمَعْنى نَحْو قَوْلك لمن هَذَا الْفِعْل فَتَقول لزيد فتأتي بِاللَّامِ وَأما إِلَى فَتكون للْمَفْعُول فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ يَقُول إِلَى من يصل هَذَا الْفِعْل فَتَقول إِلَى زيد
وسر ذَلِك أَن اللَّام فِي الأَصْل للْملك أَو الِاخْتِصَاص والاستحقاق وَالْملك والاستحقاق إِنَّمَا يسْتَحقّهُ الْفَاعِل الَّذِي يملك وَيسْتَحق وَإِلَى لانْتِهَاء الْغَايَة والغاية مُنْتَهى مَا يَقْتَضِيهِ الْفِعْل فَهِيَ بالمفعول أليق لِأَنَّهُ تَمام مُقْتَضى الْفِعْل
стр. 163
وَمن التَّعَجُّب من فعل الْمَفْعُول قَول كَعْب بن زُهَيْر فِي النَّبِي ﷺ
(فَلَهو أخوف عِنْدِي إِذْ ُأكَلِّمهُ ... وَقيل إِنَّك مَحْبُوس ومقتول)
(من ضيغم من ضراء الْأسد مخدره ... بِبَطن عثر غيل دونه غيل)
فأخوف هُنَا من خيف لَا من خَافَ وَهُوَ نَظِير أَحْمد من مُحَمَّد كسئل لَا من حمد كعلم وَتقول مَا أجنه من جن فَهُوَ مَجْنُون
قَالَ البصريون هَذَا كُله شَاذ لَا يعول عَلَيْهِ
قَالَ الْآخرُونَ هَذَا قد كثر فِي كَلَامهم جدا وَحمله على الشذوذ غير جَائِز لِأَن الشاذ مَا خَالف استعمالهم ومطرد كَلَامهم وَهَذَا غير مُخَالف لذَلِك
قَالُوا وَأما تقديركم لُزُوم الْفِعْل وَنَقله إِلَى بِنَاء فعل المضموم فمما لَا يساعد عَلَيْهِ دَلِيل
وَأما مَا تمسكتم بِهِ من التَّعْدِيَة بِالْهَمْزَةِ فَلَيْسَ كَمَا ذكرْتُمْ والهمزة هُنَا لَيست للتعدية وَإِنَّمَا هِيَ للدلالة على معنى التَّعَجُّب والتفضيل كألف فَاعل وَمِيم مفعول وتاء الافتعال والمطاوعة وَنَحْوهَا من الْحُرُوف الَّتِي تلْحق الْفِعْل الثلاثي لبَيَان مَا لحقه من الزِّيَادَة على مُجَرّد مَدْلُوله فَهَذَا هُوَ السَّبَب الجالب لهَذِهِ الْألف لَا مُجَرّد تَعديَة الْفِعْل
قَالُوا وَالَّذِي يدل على هَذَا أَن الْفِعْل الَّذِي يعدى بِالْهَمْزَةِ
стр. 164
يجوز أَن يعدى بِحرف الْجَرّ وبالتضعيف تَقول أجلست زيدا وجلسته وَجَلَست بِهِ وأقمته وقومته وَقمت بِهِ وأنمته ونومته ونمت بِهِ ونظائر ذَلِك وَهنا لَا يقوم مقَام الْهمزَة غَيرهَا فَبَطل أَن تكون للتعدية
الثَّانِي أَنَّهَا تجامع بَاء التَّعْدِيَة فَتَقول أكْرم بِهِ وَأحسن بِهِ وَالْمعْنَى مَا أكْرمه وَمَا أحْسنه وَالْفِعْل لَا تجمع عَلَيْهِ بَين معديين مَعًا
الثَّالِث أَنهم يَقُولُونَ مَا أعْطى زيدا للدراهم وَمَا أكساه للثياب وَهَذَا من أعْطى وكسا الْمُتَعَدِّي وَلَا يَصح تَقْدِير نَقله إِلَى عطو إِذا تنَاول ثمَّ أدخلت عَلَيْهِ همزَة التَّعْدِيَة كَمَا تَأَوَّلَه بَعضهم لفساد الْمَعْنى فَإِن التَّعَجُّب إِنَّمَا وَقع من إِعْطَائِهِ لَا من عطوه وَهُوَ تنَاوله والهمزة فِيهِ همزَة التَّعَجُّب والتفضيل وحذفت همزته الَّتِي فِي فعله فَلَا يَصح أَن يُقَال هِيَ للتعدية
قَالُوا وَأما قَوْلكُم إِنَّه عدي بِاللَّامِ فِي قَوْلهم مَا أضربه لزيد وَلَوْلَا أَنه لَازم لما عدي بِاللَّامِ فَهَذَا لَيْسَ كَمَا ذكرْتُمْ من لُزُوم الْفِعْل وَإِنَّمَا هُوَ تَقْوِيَة لَهُ لما ضعف بِمَنْعه من الصّرْف وألزم طَريقَة وَاحِدَة خرج عَن سنَن الْأَفْعَال وَضعف عَن مُقْتَضَاهُ فقوي بِاللَّامِ وَهَذَا كَمَا يقوى بِاللَّامِ إِذا تقدم معموله عَلَيْهِ وَحصل لَهُ بتأخره نوع وَهن جبروه بِاللَّامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تعبرون﴾ يُوسُف ٤٣ وكما يقوى بِاللَّامِ إِذا كَانَ اسْم فَاعل كَمَا تَقول أَنا محب لَك ومكرم لزيد وَنَحْوه فَلَمَّا ضعف هَذَا الْفِعْل بِمَنْعه من الصّرْف قوي بِاللَّامِ هَذَا الْمَذْهَب هُوَ الرَّاجِح كَمَا ترَاهُ
وَالله أعلم
стр. 165
فلنرجع إِلَى الْمَقْصُود وَهُوَ أَنه ﷺ سمي مُحَمَّدًا وَأحمد لِأَنَّهُ يحمد أَكثر مِمَّا يحمد غَيره وَأفضل مِمَّا يحمد غَيره فالاسمان واقعان على الْمَفْعُول وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار وَذَلِكَ أبلغ فِي مدحه وَأتم معنى وَلَو أُرِيد بِهِ معنى الْفَاعِل لسمي الحماد وَهُوَ كثير الْحَمد كَمَا سمي مُحَمَّدًا وَهُوَ الْمَحْمُود كثيرا فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ أَكثر الْخلق حمداً لرَبه فَلَو كَانَ اسْمه بِاعْتِبَار الْفَاعِل لَكَانَ الأولى أَن يُسمى حماداً كَمَا أَن اسْم أمته الْحَمَّادُونَ
وَأَيْضًا فَإِن الاسمين إِنَّمَا اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة الَّتِي لأَجلهَا اسْتحق أَن يُسمى مُحَمَّدًا وَأحمد فَهُوَ الَّذِي يحمده أهل الدُّنْيَا وَأهل الْآخِرَة وَيَحْمَدهُ أهل السَّمَاء وَالْأَرْض فلكثرة خصائله المحمودة الَّتِي تفوت عد العادين سمي باسمين من أَسمَاء الْحَمد يقتضيان التَّفْضِيل وَالزِّيَادَة فِي الْقدر وَالصّفة وَالله أعلم
стр. 166
فصل
وَقد ظن طَائِفَة مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي وَغَيره أَن تَسْمِيَته ﷺ ب أَحْمد كَانَت قبل تَسْمِيَته بِمُحَمد فَقَالُوا وَلِهَذَا بشر بِهِ الْمَسِيح باسمه أَحْمد وَفِي حَدِيث طَوِيل فِي حَدِيث مُوسَى لما قَالَ لرَبه جلّ وَعلا إِنِّي أجد أمة من شَأْنهَا كَذَا وَكَذَا فاجعلهم أمتِي قَالَ تِلْكَ أمة أَحْمد يَا مُوسَى فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من أمة أَحْمد قَالُوا وَإِنَّمَا جَاءَ تَسْمِيَته بِمُحَمد فِي الْقُرْآن خَاصَّة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّد﴾ مُحَمَّد ٨ وَقَوله ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله﴾ الْفَتْح ٢٩ وبنوا على ذَلِك أَن اسْمه أَحْمد تَفْضِيل من فعل الْفَاعِل أَي أَحْمد الحامدين لرَبه وَمُحَمّد هُوَ الْمَحْمُود الَّذِي تحمده الْخَلَائق وَإِنَّمَا يَتَرَتَّب على هَذَا الِاسْم بعد وجوده وظهوره فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ حَمده أهل السَّمَاء وَالْأَرْض وَيَوْم الْقِيَامَة يحمده أهل الْموقف فَلَمَّا ظهر إِلَى الْوُجُود وترتب على ظُهُوره من الْخيرَات مَا ترَتّب حَمده الْخَلَائق حمداً مكرراً فتأخرت تَسْمِيَته بِمُحَمد على تَسْمِيَته بِأَحْمَد
стр. 167
وَفِي هَذَا الْكَلَام مناقشة من وُجُوه أَحدهَا أَنه قد سمي بِمُحَمد قبل الْإِنْجِيل كَذَلِك اسْمه فِي التَّوْرَاة وَهَذَا يقر بِهِ كل عَالم من مؤمني أهل الْكتاب وَنحن نذْكر النَّص الَّذِي عِنْدهم فِي التَّوْرَاة
وَمَا هُوَ الصَّحِيح فِي تَفْسِيره
قَالَ فِي التَّوْرَاة فِي إِسْمَاعِيل قولا هَذِه حكايته وَعَن إِسْمَاعِيل سَمِعتك هَا أَنا باركته وأيمنته مِمَّا باد وَذكر هَذَا بعد أَن ذكر إِسْمَاعِيل وَأَنه سيلد اثْنَي عشر عَظِيما مِنْهُم عَظِيم يكون اسْمه مماد باد وَهَذَا عِنْد الْعلمَاء الْمُؤمنِينَ من أهل الْكتاب صَرِيح فِي اسْم النَّبِي ﷺ مُحَمَّد
وَرَأَيْت فِي بعض شُرُوح التَّوْرَاة مَا حكايته بعد هَذَا الْمَتْن قَالَ الشَّارِح هَذَانِ الحرفان فِي موضِعين يتضمنان اسْم السَّيِّد الرَّسُول مُحَمَّد ﷺ لِأَنَّك إِذا اعْتبرت حُرُوف اسْم مُحَمَّد وَجدتهَا فِي الحرفين الْمَذْكُورين لِأَن ميمي مُحَمَّد ودالة بِإِزَاءِ الميمين من الحرفين وَإِحْدَى الدالين وَبَقِيَّة اسْم مُحَمَّد وَهِي الْحَاء فبإزاء بَقِيَّة الحرفين وَهِي الْبَاء والألفان وَالدَّال الثَّانِيَة
قلت يُرِيد بالحرفين الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ لِأَن للحاء من الْحساب ثَمَانِيَة من الْعدَد وَالْبَاء لَهَا اثْنَان وكل ألف لَهَا وَاحِد وَالدَّال بأَرْبعَة فَيصير الْمَجْمُوع ثَمَانِيَة وَهِي قسط الْحَاء من الْعدَد الْجملِي فَيكون الحرفان معنى الْكَلِمَتَيْنِ وهما مماد باد قد تضمنا بالتصريح ثَلَاثَة أَربَاع اسْم مُحَمَّد ﷺ وربعه الآخر قد دلّ عَلَيْهِ بَقِيَّة الحرفين بِالْكِتَابَةِ بِالطَّرِيقِ الَّتِي أَشرت إِلَيْهَا
قَالَ الشَّارِح فَإِن قيل فَمَا مستندكم فِي هَذَا التَّأْوِيل قُلْنَا
стр. 168
مستندنا فِيهِ مُسْتَند عُلَمَاء الْيَهُود فِي تَأْوِيل أَمْثَاله من الْحُرُوف المشكلة الَّتِي جَاءَت فِي التَّوْرَاة كَقَوْلِه تَعَالَى يَا مُوسَى قل لبني إِسْرَائِيل أَن يَجْعَل كل وَاحِد مِنْهُم فِي طرف ثَوْبه خيطاً أَزْرَق لَهُ ثَمَانِيَة أرؤس ويعقد فِيهِ خمس عقد ويسميه صيصيت قَالَ عُلَمَاء الْيَهُود تَأْوِيل هَذَا وحكمته أَن كل من رأى ذَلِك الْخَيط الْأَزْرَق وَعدد أَطْرَافه الثَّمَانِية وعقده الْخمس وَذكر اسْمه ذكر مَا يجب عَلَيْهِ من فَرَائض الله لِأَن الله تَعَالَى افْترض على بني إِسْرَائِيل سِتّمائَة وَثَلَاث عشرَة شَرِيعَة لِأَن الصادين والياءين بمائتين وَالتَّاء بأربعمائة فَيصير مَجْمُوع الِاسْم سِتّمائَة والأطراف وَالْعقد ثَلَاثَة عشر كَأَنَّهُ يَقُول بصورته واسْمه اذكر فَرَائض الله
قَالَ هَذَا الشَّارِح وَأما قَول كثير من الْمُفَسّرين إِن المُرَاد بِهَذَيْنِ الحرفين جدا جدا لكَون لفظ ماد قد جَاءَت مُفْردَة فِي التَّوْرَاة بِمَعْنى جدا قَالَ فَهَذَا لَا يَصح لأجل الْبَاء الْمُتَّصِلَة بِهَذَا الْحَرْف فَإِنَّهُ لَيْسَ من الْكَلَام الْمُسْتَقيم قَول الْقَائِل أَنا أكرمك بجداً فَلَمَّا نقل هَذَا الْحَرْف من التَّوْرَاة الأزلية الَّتِي نزلت فِي أَلْوَاح الْجَوْهَر على الكليم بالخط الكينوني وَهَذَا الْحَرْف فِيهَا مَوْصُولا بِالْبَاء علم أَن المُرَاد غير مَا ذهب إِلَيْهِ من قَالَ هِيَ بِمَعْنى جدا إِذْ لَا تَأْوِيل يَلِيق بهَا غير هَذَا التَّفْسِير بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى فِي غير هَذَا الْموضع لإِبْرَاهِيم عَن وَلَده إِسْمَاعِيل إِنَّه يلد اثْنَي عشر شريفاً وَمن شرِيف مِنْهُم يكون شخص اسْمه مِمَّا باد فقد صرحت التَّوْرَاة أَن هذَيْن الحرفين اسْم علم لشخص شرِيف معِين من ولد إِسْمَاعِيل فَبَطل قَول من قَالَ إِنَّه بِمَعْنى الْمصدر للتوكيد فَإِن التَّصْرِيح بِكَوْنِهِ
стр. 169
اسْم عين يُنَاقض من يَدعِي أَنه اسْم معنى وَالله أعلم تمّ كَلَامه
وَقَالَ غَيره لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التعسف فِي بَيَان اسْمه ﷺ فِي التَّوْرَاة بل اسْمه فِيهَا أظهر من هَذَا كُله وَذَلِكَ أَن التَّوْرَاة هِيَ باللغة العبرية وَهِي قريبَة من الْعَرَبيَّة بل هِيَ أقرب لُغَات الْأُمَم إِلَى اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَكَثِيرًا مَا يكون الِاخْتِلَاف بَينهمَا فِي كَيْفيَّة أَدَاء الْحُرُوف والنطق بهَا من التفخيم والترقيق وَالضَّم وَالْفَتْح وَغير ذَلِك وَاعْتبر هَذَا بتقارب مَا بَين مُفْرَدَات اللغتين فَإِن الْعَرَب يَقُولُونَ لَا والعبرانيين تَقول لَو فيضمون اللَّام ويأتون بِالْألف بَين الْوَاو وَالْألف وَتقول الْعَرَب قدس وَيَقُول العبرانيون قدش وَتقول الْعَرَب أَنْت وَيَقُول العبرانيون أَنا وَتقول الْعَرَب يَأْتِي كَذَا وَيَقُول العبرانيون يوتى فيضمون الْيَاء ويأتون بِالْألف بعْدهَا بَين الْوَاو وَالْألف وَتقول الْعَرَب قدسك وَيَقُول العبرانيون قد شحا وَتقول الْعَرَب مِنْهُ وَيَقُول العبرانيون ممنو وَتقول الْعَرَب من يهوذا وَيَقُول العبرانيون مهوذا وَتقول الْعَرَب سَمِعتك وَيَقُول العبرانيون شمعيخا وَتقول الْعَرَب من وَيَقُول العبرانيون مي وَتقول الْعَرَب يَمِينه وَيَقُول العبرانيون مينو وَتقول الْعَرَب لَهُ وَيَقُول العبرانيون لَو بَين الْوَاو وَالْألف وَكَذَلِكَ تَقول الْعَرَب أمة وَيَقُول العبرانيون أموا وَتقول الْعَرَب أَرض وَيَقُول العبرانيون إيرص وَتقول الْعَرَب وَاحِد وَيَقُول العبرانيون إيحاد وَتقول الْعَرَب عَالم وَيَقُول العبرانيون عولام وَتقول الْعَرَب كيس وَيَقُول العبرانيون كييس وَتقول الْعَرَب يَأْكُل وَيَقُول العبرانيون يوخل وَتقول الْعَرَب تين وَيَقُول العبرانيون تيين وَتقول الْعَرَب إِلَه وَيَقُول العبرانيون
стр. 170
أولوه وَتقول الْعَرَب إلهنا وَيَقُول العبرانيون ألوهينو وَتقول الْعَرَب أَبَانَا وَيَقُول العبرانيون أبوتينا وَيَقُولُونَ باصباع إلوهيم يعنون أصْبع الْإِلَه وَيَقُولُونَ مابنم يعنون الابْن وَيَقُولُونَ حاليب بِمَعْنى حَلُوب فَإِذا أَرَادوا يَقُولُونَ لَا تَأْكُل الجدي فِي حليب أمه قَالُوا لَو تدخل لذِي مَا حالوب أمو
وَيَقُولُونَ لَو توخلوا أَي لَا تَأْكُلُوا وَيَقُولُونَ للكتب المشنا وَمَعْنَاهَا بلغَة الْعَرَب الْمُثَنَّاة الَّتِي تثنى أَي تقْرَأ مرّة بعد مرّة وَلَا نطيل بِأَكْثَرَ من هَذَا فِي تقَارب اللغتين وَتَحْت هَذَا سر يفهمهُ من فهم تقَارب مَا بَين الأمتين والشريعتين
واقتران التَّوْرَاة بِالْقُرْآنِ فِي غير مَوضِع من الْكتاب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَو لم يكفروا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى من قبل قَالُوا سحران تظاهرا وَقَالُوا إِنَّا بِكُل كافرون قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ من عِنْد الله هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الْقَصَص ٤٨ ٤٩
وَقَوله فِي سُورَة الْأَنْعَام ردا على من قَالَ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهدى للنَّاس﴾ الْأَنْعَام ٩١
ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الْأَنْعَام ٩٢
стр. 171
وَقَالَ فِي آخر السُّورَة ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الْأَنْعَام ١٥٤ ١٥٥
وَقَالَ تَعَالَى فِي أول سُورَة آل عمرَان ﴿أَلمَ اللَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ آل عمرَان ١ ٤
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وذكرا لِلْمُتقين الَّذين يَخْشونَ رَبهم بِالْغَيْبِ وهم من السَّاعَة مشفقون وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ الْأَنْبِيَاء ٤٨ ٥٠
وَلِهَذَا يذكر قصَّة مُوسَى وَيُعِيدهَا ويبديها ويسلي رَسُوله ﷺ وَيَقُول رَسُول الله ﷺ عِنْدَمَا يَنَالهُ من أَذَى النَّاس لقد أوذي مُوسَى بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّه كَائِن فِي أمتِي مَا كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل حَتَّى لَو كَانَ فيهم من أَتَى أمه عَلَانيَة لَكَانَ فِي هَذِه الْأمة من يَفْعَله
стр. 172
فَتَأمل هَذَا التناسب بَين الرسولين والكتابين والشريعتين أَعنِي الشَّرِيعَة الصَّحِيحَة الَّتِي لم تبدل والأمتين واللغتين فَإِذا نظرت فِي حُرُوف مُحَمَّد وحروف مماد باد وجدت الْكَلِمَتَيْنِ كلمة وَاحِدَة فَإِن الميمين فيهمَا والهمزة والحاء من مخرج وَاحِد وَالدَّال كثيرا مَا تَجِد موضعهَا ذالاً فِي لغتهم يَقُولُونَ إيحاذ للْوَاحِد وَيَقُولُونَ قوذش فِي الْقُدس وَالدَّال والذال متقاربتان فَمن تَأمل اللغتين وَتَأمل هذَيْن الاسمين لم يشك أَنَّهُمَا وَاحِد وَلِهَذَا نَظَائِر فِي اللغتين مثل مُوسَى فَإِنَّهُ فِي اللُّغَة العبرانية موشى بالشين وَأَصله المَاء وَالشَّجر فَإِنَّهُم يَقُولُونَ للْمَاء مو وشا هُوَ الشّجر ومُوسَى التقطه آل فِرْعَوْن من بَين المَاء وَالشَّجر فالتفاوت الَّذِي بَين مُوسَى وموشى كالتفاوت بَين مُحَمَّد ومماد باد
وَكَذَا إِسْمَاعِيل هُوَ فِي لغتهم يشماعيل بياء بدل الْألف وبشين بدل السِّين فالتفاوت بَينهمَا كالتفاوت بَين مُحَمَّد ومماد باد وَكَذَلِكَ الْعيص وَهُوَ أَخُو يَعْقُوب يَقُولُونَ لَهُ عِيسَى وَهُوَ عيص وَنَظِير هَذَا فِي غير الْأَعْلَام مِمَّا تقدم قَوْله يشماعون يعنون يسمعُونَ وَيَقُولُونَ آقيم بِمد الْهمزَة مَعَ ضمهَا أَي أقيم وَيَقُولُونَ مي قَارب أَي من قَارب ووسط أخيهيم أَي إِخْوَتهم وَهَذَا مِمَّا يعْتَرف بِهِ كل مُؤمن عَالم من عُلَمَاء أهل الْكتاب
وَالْمَقْصُود أَن اسْم النَّبِي ﷺ فِي التَّوْرَاة مُحَمَّد كَمَا هُوَ فِي الْقُرْآن وَأما الْمَسِيح فَإِنَّمَا سَمَّاهُ أَحْمد كَمَا حَكَاهُ الله عَنهُ فِي الْقُرْآن فَإِذن تَسْمِيَته بِأَحْمَد وَقعت مُتَأَخِّرَة عَن تَسْمِيَته مُحَمَّدًا فِي التَّوْرَاة ومتقدمة على تَسْمِيَته مُحَمَّدًا فِي الْقُرْآن فَوَقَعت بَين
стр. 173
التسميتين محفوفة بهما وَقد تقدم أَن هذَيْن الاسمين صفتان فِي الْحَقِيقَة والوصفية فيهمَا لَا تنَافِي العلمية وَأَن مَعْنَاهُمَا مَقْصُود فَعرف عِنْد كل أمة بأعرف الوصفين عِنْدهَا فمحمد مفعل من الْحَمد وَهُوَ الْكثير الْخِصَال الَّتِي يحمد عَلَيْهَا حمداً متكرراً حمداً بعد حمد وَهَذَا إِنَّمَا يعرف بعد الْعلم بخصال الْخَيْر وأنواع الْعُلُوم والمعارف والأخلاق والأوصاف وَالْأَفْعَال الَّتِي يسْتَحق تكْرَار الْحَمد عَلَيْهَا وَلَا ريب أَن بني إِسْرَائِيل هم أولو الْعلم الأول وَالْكتاب الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الْأَعْرَاف ٤٥
وَلِهَذَا كَانَت أمة مُوسَى أوسع علوماً وَمَعْرِفَة من أمة الْمَسِيح وَلِهَذَا لَا تتمّ شَرِيعَة الْمَسِيح إِلَّا بِالتَّوْرَاةِ وأحكامها فَإِن الْمَسِيح ﵇ وَأمته محالون فِي الْأَحْكَام عَلَيْهَا وَالْإِنْجِيل كَأَنَّهُ مكمل لَهَا متمم لمحاسنها وَالْقُرْآن جَامع لمحاسن الْكِتَابَيْنِ
فَعرف النَّبِي ﷺ عِنْد هَذِه الْأمة باسم مُحَمَّد الَّذِي قد جمع خِصَال الْخَيْر الَّتِي يسْتَحق أَن يحمد عَلَيْهَا حمداً بعد حمد وَعرف عِنْد أمة الْمَسِيح ب أَحْمد الَّذِي يسْتَحق أَن يحمد أفضل مِمَّا يحمد غَيره وحمده أفضل من حمد غَيره فَإِن أمة الْمَسِيح أمة لَهُم من الرياضات والأخلاق والعبادات مَا لَيْسَ لأمة مُوسَى وَلِهَذَا كَانَ غَالب كِتَابهمْ مواعظ وزهد وأخلاق وحض على الْإِحْسَان وَالِاحْتِمَال والصفح حَتَّى قيل إِن الشَّرَائِع ثَلَاثَة شَرِيعَة عدل وَهِي شَرِيعَة التَّوْرَاة فِيهَا الحكم وَالْقصاص وَشَرِيعَة فضل وَهِي شَرِيعَة الْإِنْجِيل مُشْتَمِلَة على الْعَفو وَمَكَارِم الْأَخْلَاق والصفح وَالْإِحْسَان كَقَوْلِه من أَخذ رداءك فأعطه ثَوْبك وَمن لطمك على
стр. 174
خدك الْأَيْمن فأدر لَهُ خدك الْأَيْسَر وَمن سخرك ميلًا فامش مَعَه ميلين وَشَرِيعَة نَبينَا جمعت هَذَا وَهَذَا وَهِي شَرِيعَة الْقُرْآن فَإِنَّهُ يذكر الْعدْل ويوجبه وَالْفضل وَينْدب إِلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ الشورى ٤٠ فجَاء اسْمه عِنْد هَذِه الْأمة بأفعل التَّفْضِيل الدَّال على الْفضل والكمال كَمَا جَاءَت شريعتهم بِالْفَضْلِ المكمل لشريعة التَّوْرَاة وَجَاء فِي الْكتاب الْجَامِع لمحاسن الْكتب قبله بالاسمين مَعًا فَتدبر هَذَا الْفَصْل وَتبين ارتباط الْمعَانِي بأسمائها ومناسبتها لَهَا وَالْحَمْد لله المانِّ بفضله وتوفيقه
وَقَول أبي الْقَاسِم إِن اسْم مُحَمَّد ﷺ إِنَّمَا ترَتّب بعد ظُهُوره إِلَى الْوُجُود لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حمد حمداً مكرراً فَكَذَلِك أَن يُقَال مُحَمَّد أَيْضا سَوَاء وَقَوله فِي اسْمه أَحْمد إِنَّه تقدم لكَونه أَحْمد الحامدين لرَبه وَهَذَا يقدم على حمد الْخَلَائق لَهُ فبناء مِنْهُ على أَنه تَفْضِيل من فعل الْفَاعِل وَأما على القَوْل الآخر الصَّحِيح فَلَا يَجِيء هَذَا وَقد تقدم تَقْرِير ذَلِك وَالله أعلم
стр. 175
الْفَصْل الرَّابِع
فِي معنى الْآل واشتقاقه وَأَحْكَامه
وَفِيه قَولَانِ أَحدهمَا أَن أَصله أهل ثمَّ قلبت الْهَاء همزَة فَقيل أأل ثمَّ سهلت على قِيَاس أَمْثَالهَا فَقيل آل قَالُوا وَلِهَذَا إِذا صغر رَجَعَ إِلَى أَصله فَقيل أهيل قَالُوا وَلما كَانَ فرعا عَن فرع خصوه بِبَعْض الْأَسْمَاء الْمُضَاف إِلَيْهَا فَلم يضيفوه إِلَى أَسمَاء الزَّمَان وَلَا الْمَكَان وَلَا غير الْأَعْلَام فَلَا يَقُولُونَ آل رجل وَآل امْرَأَة وَلَا يضيفونه إِلَى مُضْمر فَلَا يُقَال آله وآلي بل لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى مُعظم كَمَا أَن التَّاء لما كَانَت فِي الْقسم بَدَلا عَن الْوَاو وفرعاً عَلَيْهَا وَالْوَاو فرعا عَن فعل الْقسم خصوا التَّاء بأشرف الْأَسْمَاء وَأَعْظَمهَا وَهُوَ اسْم الله تَعَالَى
وَهَذَا القَوْل ضَعِيف من وُجُوه
أَحدهَا أَنه لَا دَلِيل عَلَيْهِ
الثَّانِي أَنه يلْزم مِنْهُ الْقلب الشاذ من غير مُوجب مَعَ مُخَالفَة الأَصْل
الثَّالِث أَن الْأَهْل تُضَاف إِلَى الْعَاقِل وَغَيره والآل لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى عَاقل
الرَّابِع أَن الْأَهْل تُضَاف إِلَى الْعلم والنكرة والآل لَا يُضَاف
стр. 176
إِلَّا إِلَى مُعظم من شَأْنه أَن غَيره يؤول إِلَيْهِ
الْخَامِس أَن الْأَهْل تُضَاف إِلَى الظَّاهِر والمضمر والآل من النُّحَاة من منع إِضَافَته إِلَى الْمُضمر وَمن جوزها فَهِيَ شَاذَّة قَليلَة
السَّادِس أَن الرجل حَيْثُ أضيف إِلَى آله دخل فِيهِ هُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ غَافِر ٤٦
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ آل عمرَان ٣٣
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلا آلَ لوط نجيناهم بِسحر﴾ الْقَمَر ٣٤
وَقَول النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى)
وَهَذَا إِذا لم يذكر مَعَه من أضيف إِلَيْهِ الْآل وَأما إِذا ذكر مَعَه فقد يُقَال ذكر مُفردا وداخلاً فِي الْآل وَقد يُقَال ذكره مُفردا أغْنى عَن ذكره مُضَافا والأهل بِخِلَاف ذَلِك فَإِذا قلت جَاءَ أهل زيد لم يدْخل فيهم وَقيل بل أَصله أول وَذكره صَاحب الصِّحَاح فِي بَاب الْهمزَة وَالْوَاو وَاللَّام قَالَ وَآل الرجل أَهله وَعِيَاله وَآله أَيْضا أَتْبَاعه وَهُوَ عِنْد هَؤُلَاءِ مُشْتَقّ من آل يؤول إِذا رَجَعَ فآل الرجل هم الَّذين يرجعُونَ إِلَيْهِ ويضافون إِلَيْهِ ويؤولهم أَي يسوسهم فَيكون مآلهم إِلَيْهِ وَمِنْه الإيالة وَهِي السياسة فآل الرجل هم الَّذين يسوسهم ويؤولهم وَنَفسه أَحَق بذلك من غَيره فَهُوَ أَحَق بِالدُّخُولِ فِي آله وَلَكِن لَا يُقَال إِنَّه مُخْتَصّ بآله بل هُوَ دَاخل فيهم وَهَذِه الْمَادَّة مَوْضُوعَة لأصل
стр. 177
الشَّيْء وَحَقِيقَته وَلِهَذَا سمي حَقِيقَة الشَّيْء تَأْوِيله لِأَنَّهَا حَقِيقَته الَّتِي يرجع إِلَيْهَا
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبنَا بِالْحَقِّ﴾ الْأَعْرَاف ٥٣
فَتَأْوِيل مَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل هُوَ مَجِيء حَقِيقَته ورؤيتها عيَانًا وَمِنْه تَأْوِيل الرُّؤْيَا وَهُوَ حَقِيقَتهَا عيَانًا وَمِنْه تَأْوِيل الرُّؤْيَا الخارجية الَّتِي ضربت للرائي فِي عَالم الْمِثَال وَمِنْه التَّأْوِيل بِمَعْنى الْعَاقِبَة كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ النِّسَاء ٥٩
قيل أحسن عَاقِبَة فَإِن عواقب الْأُمُور هِيَ حقائقها الَّتِي تؤول إِلَيْهَا وَمِنْه التَّأْوِيل بِمَعْنى التَّفْسِير لِأَن تَفْسِير الْكَلَام هُوَ بَيَان مَعْنَاهُ وَحَقِيقَته الَّتِي يُرَاد مِنْهُ قَالُوا وَمِنْه الأول لِأَنَّهُ أصل الْعدَد ومبناه الَّذِي يتَفَرَّع مِنْهُ وَمِنْه الْآل بِمَعْنى الشَّخْص نَفسه قَالَ أَصْحَاب هَذَا القَوْل والتزمت الْعَرَب إِضَافَته فَلَا يسْتَعْمل مُفردا إِلَّا فِي نَادِر الْكَلَام كَقَوْل الشَّاعِر
(نَحن آل الله فِي بَلْدَتنَا ... لم نزل آلاً على عهد إرم)
والتزموا أَيْضا إِضَافَته إِلَى الظَّاهِر فَلَا يُضَاف إِلَى مُضْمر إِلَّا قَلِيلا وعد بعض النُّحَاة إِضَافَته إِلَى الْمُضمر لحناً كَمَا قَالَ أَبُو عبد الله بن مَالك وَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ بلحن بل هُوَ من كَلَام الْعَرَب لكنه قَلِيل وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(أَنا الْفَارِس الحامي وَالِدي ... وآلي فَمَا يحمي حَقِيقَة آلكا)
стр. 178
وَقَالَ عبد الْمطلب فِي الْفِيل وَأَصْحَابه
(وانصر على آل الصلي ... ب وعابديه الْيَوْم آلك)
فأضافه إِلَى الْيَاء وَالْكَاف وَزعم بعض النُّحَاة أَنه لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى علم من يعقل وَهَذَا الَّذِي قَالَه هُوَ الْأَكْثَر وَقد جَاءَت إِضَافَته إِلَى غير من يعقل قَالَ الشَّاعِر
(نجوت وَلم يمنن عَليّ طَلَاقه ... سوى ربد التَّقْرِيب من آل أعوجا)
وأعوج علم فرس قَالُوا وَمن أَحْكَامه أَيْضا أَنه لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى متبوع مُعظم فَلَا يُقَال آل الحائك وَلَا آل الْحجام وَلَا آل رجل
وَأما مَعْنَاهُ فَقَالَت طَائِفَة يُقَال آل الرجل لَهُ نَفسه وَآل الرجل لمن يتبعهُ وَآله لأَهله وأقاربه فَمن الأول قَول النَّبِي ﷺ لما جَاءَهُ أَبُو أوفى بِصَدَقَتِهِ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى
وَقَوله تَعَالَى ﴿سَلام على إل ياسين﴾ الصافات ١٣٠
وَقَوله ﷺ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم
فآل إِبْرَاهِيم هُوَ إِبْرَاهِيم لِأَن الصَّلَاة الْمَطْلُوبَة للنَّبِي ﷺ هِيَ الصَّلَاة على إِبْرَاهِيم نَفسه وَآله تبع لَهُ فِيهَا
ونازعهم فِي ذَلِك آخَرُونَ وَقَالُوا لَا يكون الْآل إِلَّا الأتباع والأقارب وَمَا ذكرتموه من الْأَدِلَّة فَالْمُرَاد بهَا الْأَقَارِب وَقَوله
стр. 179
كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم آل إِبْرَاهِيم هُنَا هم الْأَنْبِيَاء وَالْمَطْلُوب من الله سُبْحَانَهُ أَن يُصَلِّي على رَسُوله ﷺ كَمَا صلى على جَمِيع الْأَنْبِيَاء من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم لَا إِبْرَاهِيم وَحده كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي بعض الْأَلْفَاظ من قَوْله على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿سَلامٌ على إل ياسين﴾ الصافات ١٣٠ فَهَذِهِ فِيهَا قراءتان إِحْدَاهمَا إلياسين بِوَزْن إِسْمَاعِيل وَفِيه وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه اسْم ثَان للنَّبِي إلْيَاس وإلياسين كميكال وَمِيكَائِيل وَالْوَجْه الثَّانِي أَنه جمع وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا أَنه جمع إلْيَاس وَأَصله إلياسيين بيائين كعبرانيين ثمَّ خففت إِحْدَى اليائين فَقيل إلياسين وَالْمرَاد أَتْبَاعه كَمَا حكى سِيبَوَيْهٍ الأشعرون وَمثله الأعجمون
وَالثَّانِي أَنه جمع إلْيَاس مَحْذُوف الْيَاء
وَالْقِرَاءَة الثَّانِيَة ﴿سَلام على إل ياسين﴾ وَفِيه أوجه أَحدهَا أَن ياسين أسم لِأَبِيهِ فأضيف إِلَيْهِ الْآل كَمَا يُقَال آل إِبْرَاهِيم وَالثَّانِي أَن آل ياسين هُوَ إلْيَاس نَفسه فَيكون آل مُضَافَة إِلَى يس وَالْمرَاد بالآل يس نَفسه كَمَا ذكر الْأَولونَ
стр. 180
وَالثَّالِث أَنه على حذف يَاء النّسَب فَيُقَال يس وَأَصله ياسيين كَمَا تقدم وآلهم أتباعهم على دينهم
وَالرَّابِع أَن يس هُوَ الْقُرْآن وَآله هم أهل الْقُرْآن
وَالْخَامِس أَنه النَّبِي ﷺ وَآله أَقَاربه وَأَتْبَاعه كَمَا سَيَأْتِي
وَهَذِه الْأَقْوَال كلهَا ضَعِيفَة وَالَّذِي حمل قَائِلهَا عَلَيْهَا استشكالهم إِضَافَة آل إِلَى يس واسْمه إلْيَاس وإلياسين ورأوها فِي الْمُصحف مفصولة وَقد قَرَأَهَا بعض الْقُرَّاء آل ياسين فَقَالَ طَائِفَة مِنْهُم لَهُ أَسمَاء يس وإلياسين وإلياس وَقَالَت طَائِفَة يس اسْم لغيره ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ الْكَلْبِيّ يس مُحَمَّد ﷺ سلم الله على آله وَقَالَت طَائِفَة هُوَ الْقُرْآن وَهَذَا كُله تعسف ظَاهر لَا حَاجَة إِلَيْهِ وَالصَّوَاب وَالله أعلم فِي ذَلِك أَن أصل الْكَلِمَة آل ياسين كآل إِبْرَاهِيم فحذفت الْألف وَاللَّام من أَوله لِاجْتِمَاع الْأَمْثَال وَدلَالَة الِاسْم على مَوضِع الْمَحْذُوف وَهَذَا كثير فِي كَلَامهم إِذا اجْتمعت الْأَمْثَال كَرهُوا النُّطْق بهَا كلهَا فحذفوا مِنْهَا مَا لَا إلباس فِي حذفه وَإِن كَانُوا لَا يحذفونه فِي مَوضِع لَا تَجْتَمِع فِيهِ الْأَمْثَال وَلِهَذَا لَا يحذفون النُّون من إِنِّي وَأَنِّي وَكَأَنِّي وَلَكِنِّي وَلَا يحذفونها من لَيْتَني وَلما كَانَت اللَّام فِي لَعَلَّ شَبيهَة بالنُّون حذفوا النُّون مَعهَا وَلَا سِيمَا عَادَة الْعَرَب فِي اسْتِعْمَالهَا للاسم الأعجمي وتغييرها لَهُ فَيَقُولُونَ مرّة إلياسين وَمرَّة إلْيَاس وَمرَّة ياسين وَرُبمَا قَالُوا ياس وَيكون على إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْن قد وَقع على الْمُسلم عَلَيْهِ وعَلى الْقِرَاءَة الْأُخْرَى على آله
следующие страницы →